كتاب العيوب والتدليس
[الباب الأول]
في مَن وجد عيبًا وقد حدث عنه عيب خفيف أو مفسد أو فوت
فصل [1 - الدليل على تحريم الغش والتدليس] قال أبو بكر ابن عبد الله بن يونس رحمه الله: وقد نهى الله تعالى عن أكل المال بالباطل لقوله تعالى: ﴿وَلَا تَاكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ ...﴾ ونهى -صلى الله عليه وسلم- عن الغش، والخلابة، وقال صلى الله عليه وسلم: "من غشنا فليس منا"
الجزء: 14 - الصفحة: 1
قال ابن حبيب: يعني ليس مثلنا، ولا على سنتنا، وجعل -صلى الله عليه وسلم- المشتري في حديث المُصَرًّاة، بخير النظرين بين أن يحبسها، أو يردها وصاعًا من تمر، فكان ذلك أصلًا في العيوب.
[فضل: 2 - من وجد عيبًا وقد حدث عنده عيب فعليه ضمان النقص الحاصل بما حدث عنده]
والقضاء أن ما أصاب السلعة بيد المبتاع من عيب ثم ردها بعيب أن يضمن ما نقصها عنده؛ وإذا لم يقبضها على الأمانة ألا ترى أن ضمانها لو هلكت منه، فكذلك ضمان ما ينقصها هو منه إذ هو كهلاك بعضها.
الجزء: 14 - الصفحة: 2
[فصل: 3 - يرد من العيوب ما قام عليه شاهدان، وذكر عقوبة الغاش والعيوب الخفيفة]
قال ابن المواز: قال مالك: ولا يرد من العيوب إلا ما يجتمع عليه عدلان من أهل المعرفة بتلك السلعة وعيوبها، وقول امرأتين في عيوب الفرج، والحمل، وما أشبه ذلك مما لا يطلع الرجال.
ويعاقب من غش، قال فيه: وفي
الجزء: 14 - الصفحة: 3
المدونة: ولا يرد من العيوب الخفيفة التي لا تنقص من الثمن، وإن كان عند النَّخاسين عيب كالكي الخفيف، والأثر إلا عيبًا تخاف عاقبته.
[فصل: 4 - أقسام العيوب الحادثة عند المشتري]
م: والعيوب الحادثة عند المبتاع على ثلاثة أقسام:
- عيب حفيف يرده، ولا يرد ما نقصه ليسارته.
- عيب مفسد يرد معه ما نقصه.
- وعيب مفيت لا يرد، وإنما يرجع بقيمة العيب فقط.
الجزء: 14 - الصفحة: 4
وسيأتي شرح ذلك.
[فصل: 5 - المشتري يجد عيبًا في السلعة ولم يحدث بها عيب عنده]
ومن المدونة قال مالك: ومَن اشترى عبدًا فوجد فيه عيبًا قد دلسه البائع -يريد أو لم يدلسه-، ولم يحدث به عنده عيب مفسد فإن له التماسك به بجميع الثمن أو رده، ولا شيء عليه، قال عبد الوهاب: وليس للمبتاع أن يحبسه ويرجع بقيمة العيب إذا لم يحدث به عنده هيب مفسد دليله قوله -صلى الله عليه وسلم- في المُصَرَّاة: (فمن ابتاعها فهو بخير النظرين إن شاء أن يمسكها، أو يردها وصاعًا من تمر) ولم يقل أن له إمساكها وأخذ أرش النقص.
الجزء: 14 - الصفحة: 5
[فصل: 6 - لا يفيت الرد بالعيب حوالة أسواق ولا نماء ولا عيب ليس بمفسد وتعليل ذلك]
ومن المدونة قال مالك: ولا يفيت الرد بالعيب حوالة أسواق، ولا نماء، ولا عيب ليس بمفسد، بخلاف البيع الفاسد قال محمد: إنما قال: ذلك لدخول الضرر على المبتاع بإلزامه سلعة معيبة لم يرض بها، وكأن حوالة الأسواق في البيع الفاسد فوتًا لدخول المتبايعين في ذلك مدخلًا واحدًا والعيب سببه من عند البائع خاصة فهذا فرق ما بينهما.
[فصل: 7 - العيب الخفيف]
ومن المدونة قال: والعيب الخفيف كالرمد والكي الودماميل والحمى والصداع وكل عيب ليس بمخوف -وإن نقصه ذلك- فله رده ولا شيء عليه في مثل هذا.
قال
الجزء: 14 - الصفحة: 6
ابن القاسم: لأنها ليست من العيوب التي هي تتلف العبد ولا تنقصه نقصانًا كثيرًا.
[وفيه مسائل]
[المسألة الأولى: إذا أصاب السلعة عند المشتري موضحة أو منقلة أو جائفة فبرئت فلا شيء عليه إن رد بعيب]
قال مالك في الواضحة: وكذلك لو أصابه عنده موضحة أو منقلة أو
الجزء: 14 - الصفحة: 7
جائفة فبرئت وعادت لهيئتها.
قال ابن المواز: ولو كان أخذ لذلك عَقلًا فلا شيء عليه إن رد بالعيب؛ لأنه لا ينقصه بخلاف قطع اليد هذا لا يرد إلا بما نقصه.
[المسألة الثانية: العبد أو الأمة يشربان خمرًا أو يزنيان أو يسرقان ثم يُردان بعيب قديم]
قال ابن حبيب: وكذلك ما حدث عنده من شرب خمر أو زنى أو سرقة أو أباق فلا شيء عليه في هذا، كما ليس له قيمة العيب القديم إن أراد حبسه.
م: قال بعض فقهائنا: قول ابن حبيب هذا يحتمل أن يكون خلافًا لابن
الجزء: 14 - الصفحة: 8
القاسم ولا فرق على مذهب ابن القاسم أن يكون ما حدث عنده له تأثيره في البدن أو غير تاثير، لأنها عيوب كلها تنقص العبد نقصانًا كثيرًا، ألا ترى أن ابن القاسم يقول: يرد ما نقص عيب النكاح، وهذا ليس بتأثير في البدن، فكذلك يجب أن يكون شرب الخمر والزنى والسرقة.
[المسألة الثالثة: الفرق بين مسألة العيب يطلع عليه أنه عند البائع فإنه يرد به وإن كان خفيفًا، وفيما يحدث عند المشتري من ذلك يرده ولا يرد ما نقصه إن رد بعيب قديم]
م: قال فيما يطلع عليه أنه عند البائع إن كان ينقص من الثمن فإنه يرد به -وإن كان خفيفًا- وفيما يحدث عند المبتاع من ذلك أنه يرده، ولا يرد ما نقصه إن رد بعيب قديم، فالفرق بينما في هذا: أن من أصلنا الترجيح فيما بين
الجزء: 14 - الصفحة: 9
المتبايعين فأيهما كان أعذر حمل على الآخر، فوجدنا المبتاع هاهنا اشترى عبدًا سليمًا فمتى وجد عيبًا ينقص من الثمن كان له الرد به؛ لأنه خلاف شرطه، فإذا لم يعلم به حتى حدث عنده هو مثل ذلك العيب الخفيف كان له رده، ولا يرد ما نقصه؛ لأن الرد بسبب تدليس البائع، وهو أصله، وقد علم في أغلب الحال أن العيوب الخفيفة يحدث به، فكأنه عرَّض المبتاع للغرم، فوجب أن يحمل عليه لتدليسه.
م: وهذا الاستحسان والقياس أن يرد ما نقصه؛ لأنه عيب حدث
الجزء: 14 - الصفحة: 10
عند المبتاع ينقص من ثمن المبيع فعليه رد ما نقصه أصله العيب الكثير.
فصل [8 - العيب المفسد]
ومن المدونة قال: وأما إن حدث عند المبتاع عيب مفسد كالقطع والشّلل والعمى والعور، وذهاب اصبع بقطع أو بأمر من الله تعالى وشبه ذلك فإنه مخيَّر بين رده وما نقصه ذلك العيب، أو يتماسك ويرجع بحصة العيب القديم من الثمن إلا أن يقول له البائع: أنا أقبله بالعيب الذي أصابه عندك وأرد الثمن كله فيكون ذلك له.
ابن المواز: ولا يكون للمبتاع حجة؛ لأنه كمن لم يحدث عنده عيب، وكل موضع يكون للمبتاع أن يرده لا غرم فليس له أن يأخذ قيمة عيبه دلس له البائع أم لا.
قال فيه: وفي المدونة إلا أن يشاء المبتاع أن يحبسه معيبًا بجميع الثمن فذلك له.
قال: وليس للبائع أن يقول: أنا آخذه وأرجع على المبتاع بقدر ما أصابه عنده من العيب.
الجزء: 14 - الصفحة: 11
قال عيسى بن دينار في كتاب ابن مزين: وكذلك لا خيار للبائع إن شاء المبتاع التماسك والرجوع بحصة العيب القديم بأن يقول البائع له: أنا آخذه وأرد عليك جميع الثمن؛ لأن قيمة العيب قد وجبت للمبتاع لما حدث عنده من العيوب المفسدة.
م: قال بعض فقهاء القرويين: وهذا يؤدي إلى أن له الرجوع بقيمة العيب، وإن لم يحدث عنده عيب، فإن قيل: فإن هذا يجب؛ لأن البائع باع منه خمسة أعضاء في التمثيل فحبس له عضوًا فوجب أن يرجع بقدره من الثمن كما لو اشترى حمسة أثواب واستُحِقَ واحد منها قيل إن ذهاب الثوب لا يفيت الأثواب الباقية،
الجزء: 14 - الصفحة: 12
والعيب يفيت بقية الأجزاء.
م: وقول عيسى هذا خلاف لقول ابن القاسم ومحمد، وقولها أصوب.
[وتحت هذا الفصل مسائل]
[المسألة الأولى: الفرق بين مسألة حدوث العيب عند المشتري يوجب الخيار وبين مسألة من حدث عنده العيب وقد استحقت السلعة ليس له الخيار]
م: إن قيل ما الفرق بين إذا وجد عيبًا، وقد حدث عنده عيب مفسد أن يكون له أن يرد ما نقصه أو يمسك ويرجع بقيمة العيب، وهو إذا أمسكه أمسكه بثمن مجهول، وبيّن إذا استحق مما اشترى ما جيب له به الرد مما يعد على غير الأجزاء أنه ليس له أن يمسك؛ لأنه يمسكه بثمن مجهول، وقد وجب له الرد في الوجهين.
قيل: الفرق أنه في العيب فات عنده بعض المبيع فوجب ألا يرد إلا بما نقصه فسومح لهذا أن يمسكه ويرجع بقيمة العيب، وفي الاستحقاق لم يجب عليه غرم شيء إذا رد فأشبه إذا لم يحدث عنده عيب أن ليس له أن يمسك ويرجع بقيمة العيب، ويجب على هذا أن لو فات عنده بعض المبيع في الاستحقاق أن يكون مخيّرًا بين أن يرد وقيمة ما فات عنده أو يمسك ويرجع بقيمة ما استحق كما قلنا للعيوب، وقد وقع في كتاب كراء الدور ما يؤيد هذا.
الجزء: 14 - الصفحة: 13
قال: وإذا انهدم ما يجب به الرد بعد أن سكن بعض السكنى أن له التماسك فيما بقى مع أنه قد اختلف في الاستحقاق، وأن له أن يمسك وإن لم يفت عنده شيء وهذا أخف من جمع الرجلين سلعتيهما في البيع فمن أجاز ذلك ابتداء، فهذا يجب أن يكون عنده أجوز أن يأخذ ما بقى من حصته من الثمن، لأ في جمع كحادث بعد صحة العقد فهو أخف.
[المسألة الثانية: إذا اشترى سلعتين فوجدهما معيبتين فأراد أن يمسك إحداهما ويطرح عيبها ويرد الأخرى]
وفي كتاب محمد لو اشترى عبدين فوجدهما معيبين فوجب له ردهما فقال: أنا أحبس أحدهما على أن أطرح عيبه أن ذلك له بعد أن وجب له الرد فقد تمسك بأحدهما بما ينوبه من الثمن بعد وجوب الرد، وقاله بعض فقهائنا القرويين.
الجزء: 14 - الصفحة: 14
[المسألة الثالثة: إذا اشترى عبدًا فذهبت أنملته أو ظفره عنده ثم وجد به عيبًا]
ومن المدونة قال: ابن القاسم لو ذهبت أنملته عند المبتاع فهو عيب لا يرد به إلا بما نقصه إلا أن يكون من وخش الرقيق الذي لا يكون ذلك فيم مفسدًا، ولا ينقصهم كثيرًا فيرده ولا شيء عليه، وأما إن ذهب ظفره فله رده ولا شيء عليه ولا أراه عيبًا.
[المسألة الرابعة: إذا اشترى سلعة فأدى في جملها ثمنًا قم وجد بها عيبًا فهل المشتري مخير في الرد أو الإمساك؟ وهل يلزمه إعادتها إلى الموضع الذي اشتراها منه؟]
قال بعض فقهاء القرويين: ولو كانت سلعة فأدى في حملها ثمنًا ثم وجد بها عيبًا لكان مخيّرًا بين أن يرد أو يمسك ويرجع بقيمة العيب، ويصير ذلك كعيب حدث عنده، قال: ولو اشترى سلعة فحملها ثم ظهر أن البائه دلس له فليس على المشتري أن يردها إلى موضع ما اشتراها فيه لتدليسه عليه، وقيل: ذلك عليه كالإقالة.
الجزء: 14 - الصفحة: 15
فصل [9 - في نماء المبيع عند المشتري أو نقصانه ثم أراد رده بعيب] [المسألة الأولى: مَن اشترى عبدًا صغيرًا فكبر عنده أو كبيرًا فَهَرِمَ عنده ثم وجد به عيبًا كان به عند البائع] قال مالك في كتاب بعد هذا وهو في كتاب محمد: وأما من ابتاع صغيرًا فكبر عنده أو كبيرًا فَهَرِم عنده فهو فوت يوجب له الرجوع بقيمة العيب من الثمن، ولا خيار لواحد منهما في رد كبير فات بهرم أو صغير فات بكبر، ولّما كان من نقصه الهيب جزءً من الصفقة لم يصل إلى وقد أدى فيه حصته من الثمن كان له الرجوع بذلك على البائع وإن كره.
الجزء: 14 - الصفحة: 16
ابن المواز: قال أيضًا في الصغير يكبر: إنه مخيّر إن شاء رد ولا شيء له في زيادته .. وإن شاء حبسه وأخذ قيمة العيب.
وقال أيضًا في الكبير يهرم وتذهب قوته ومنفعته أو أكثرها أنه مخيّر بين أن يرده وما نقصه أو يتماسك ويأخذ قيمة عيبه، وبهذا أصبغ ومحمد في الكبير يهرم.
[المسألة الثانية: الدابة يشتريها سمينة فَتَعْجِف عنده ثم يجد بها عيبًا كان بها قبل الشراء فهو بالخيار]
قال أصبغ: وكذلك قال مالك في الدابة يشتريها سمينة
الجزء: 14 - الصفحة: 17
فَتَعْجِف عنده أنه بالخيار، إن شاء ردها وما نقصها أو حبسها وأخذ قيمة العيب، ولم يختلف فيها قوله.
[المسألة الثالثة: الدابة العجفاء تسمن ثم يجب بها عيبًا كان بيها قبل الشراء فيها قولان]
وأما العجفاء تسمن فقال مرة: إنه ليس بفوت كالرقيق وهو مخير بين أن يرد ولا شيء له أو يتماسك بجميع الثمن ولا شيء له.
وقال مرة: إنه فوت ويخير بين أن يرد ولا شيء له أو يتماسك ويرجع بقيمة العيب.
وقاله ابن القاسم إذا سمنت سمانة بينة، وأما إن صلحت ولم تسمن ذلك السمن فلا شيء له إن حبسها.
الجزء: 14 - الصفحة: 18
[المسألة الرابعة: العبد والأمَة يُشتريان ثم يزيدان بفراهية أو سمن أو تعليم صنعة أو فصاحة أعجمي ثم يجب المشتري بهما عيبًا كان بهما قبل الشراء]
قال مالك في كتاب محمد والعتبية: وأما العبد والأمَة يقوم فيهما بعيب وقد زادا عنده بفراهية أو سمن أو تعليم صنعة أو فصاحة أعجمي أو نقص بهزال فليس ذلك بفوت فيها، إما حبس ولا شيء له أو ورد ولا شيء له ولا عليه وأخذ ثمنه، وكذلك لو اشترى مريضة فأفاقت، وسمنت ليس بفوت.
وقال ابن حبيب: إن أحسن ما سمعت أن السمن البيّن في الرقيق والدواب بعد الهزار البين والعجب البين فوت، وكذلك الهزال أو العجف البين بعد السمن البيّن فيهما فوت.
وحكى عن مالك أنه لم يكن يرى ذلك كله فوتًا في رقيق ولا حيوان، وأن ابن القاسم يرى الهزال والعجف فوتًا فيمها ولا يراه في السمن.
الجزء: 14 - الصفحة: 19
قال أبو محمد: ولم يذكر هذه الرواية غير ابن حبيب فيما علمت.
فصل 10 - [الورثة يجدون عيبًأ بعبد اشتراه مورثهم على أنه غير معيب ومات البائع وجهل الثمن]
ابن المواز قال ابن القاسم: فيمن اشترى عبدهًا فمات البائع والمبتاع فوُجد بالعبد عيب يرد به كان عند البائع، والبينة على ذلك، وجهل الورثة الثمن قال: يرد العبد، ويكون لورثة مشتريه الوسط من قيمته، فيقال ما أعلى قيمة؟ فيقال: خمسون، وما أدناها؟ فيقال: أربعون، فيكون لهم خمسة وأربعون وهو الوسط، وكذلك لو فات بما لا يقدر على رده جعل ثمنه أوسط القيمة ثم يرجع بقيمة العيب منها، ثم رجع فقال: مجهلة الثمن فوت، ويرجع بقيمة العيب من وسط قيمته فات العبد أو لم يفت، وقال عيسى في العتبية: لا ينظر
الجزء: 14 - الصفحة: 20
إلى وسط القيمة ولكن إلى قيمته يوم البيع فيرحع بقيمة العيب منها ومجهلة الثمن فوت.
م: ولا خلاف أن العتق والتدبير والكتابة فوت وكذلك الهبة إذا كانت لغير ثواب، ذلك كله فوت، وبعد هذا شرحه.
الجزء: 14 - الصفحة: 21
[الباب الثاني]
في العيب يوجد ببعض الصفقة أو يستحق بعضها
/
[فصل 1 - من اشترى أشياء صفقة فوجد ببعضها عيبًا]
والقضاء أن من ابتاع أشياء في صفقى فألفى ببعضها عيبًا بعد أن قبضها أو قبل فليس له إلا رد المعيب بحصته من الثمن إلا أن يكون المعيب وجه الصفقة، وكذلك من ابتاع أصنافًا مختلفة فوجد بصنف منها عيبًا، فإن كان وجه الصفقة مثل أن يقع له من الثمن ستون أو سبعون، والثمن مئة فليرد الجميع.
ابن المواز: إذا وقع للمعيب نصف الثمن فأقل فليس هو وجه الصفقة، وقد قدمنا أنه إذا لم يكن وجه الصفقة لم يرد إلا المعيب بحصته من الثمن، وإن وقع له من الثمن أكثر من نصفه فهو وجه الصفقة.
الجزء: 14 - الصفحة: 22
م: وقد قدمنا أن الأصل في العيوب الترجيح فيما بين المتبايعين، وأن المبتاع لا يلزمه معيب، فلما وجب له في هذه المسألة رد المعيب نظرنا إلى السالم فإن كان وجه الصفقة لزم المبتاع، ولم تكن له حجة في نقض جميعها إذا سلمت له جُلُّ صفقته، وما في رجاء الفضل، فكما لم يكن له في ذلك حجة لم يكن للبائع أيضًا حجة في أن يقول: إما أن تأخذ الجميع أو ترد، وإن كان السلم ليس بوجه الصفقة قويت حجة المبتاع في رد جميعها بذهاب ما فيه رجاء الفضل، وقويت حجة البائع في أن يقول: إما أن تأخذ الجميع أو تترك لأني إنما بعت على إن حمل بعضه بعضًا، فالموضع الذي للمبتاع نقض جميع الصفقة للبائع مثله في أن يقول: إما أن تأخذ الجميع أو تترك، والموضع الذي يلزم المبتاع السالم، ولا حجة له يلزم البائع المعيب، ولا حجة له، وهذا عدل بينهما وبالله التوفيق.
[فصل 2 - من اشترى سلعتين صفقة وقيمتهما سواء كان له
الجزء: 14 - الصفحة: 23
رد ما وجد معيبًا بحصته]
ومن المدونة قال ابن القاسم: ومن ابتاع عبدين بمئة دينا وقيمتهما سواء كان له رد ما وجد معيبًا بحصته.
م: يريد وليس له رد الآخر بخلاف عبدين أحدهما تبع لصاحبه.
م: وكذلك لو كان المعيب هو الأدنى فليرده ويلزمه الأرفع بحصته من الثمن، وإن فات الأدنى ووجد بالأرفع عيبًا رده ومضى الفائت بما ينوبه من الثمن، ولا تفيته هاهنا حوالة الأسواق؛ لأن العيب لما وجد بالأكثر فكأنه وجد بهما، وقد قيل: إنه إذا رد الأكثر غرم قيمة ما فات عنده من الأقل ورجع بجميع ثمنه لحجة المشتري ألا يلزمه المعاينة للفائت لما يطل جُلَّ الصفقة برد الجل أو استحقاقه.
قال بعض القرويين: وهو كلام حسن.
الجزء: 14 - الصفحة: 24
[فصل 3 - من ابتاع سلعتين بعين فهلك بيده إحداهما ووجد بالباقي عيبًا]
قال ابن القاسم: ولو ابتاع عبدين أو ثوبين بمئة دينار فهلك بيده أحدهما ثم وجد بالباقي عيبًا فله رده عند مالك، ويقوِّم الميت وهذا المعيب فينظر ما يصيب قيمة هذا المعيب من الثمن، فيرجع به على البائع -يريد كان المعيب وجه الصفقة أم لا، لأن الثمن عين- وإن اختلف في قيمة الخالك فقال المبتاع قيمته الثلث، وقال البائع: قيمته الثلثان، قيل لهما صفا الميت فإن تصادقا في صفته دعى لتقويم تلك الصفة أهل المعرفة فقوّموها، فإن اختلفا في الصفة كان القول قول البائع إذا انتقد مع يمينه؛ لأنه غارم الآن، وإن لم ينتقد فالقول قول المبتاع مع يمينه لأنه غارم.
ابن المواز وقال أشهب وأصبغ: القول قول البائع انتقد أو لم ينتقد وبه أخذ محمد.
م: لأن الثمن قد كان وجب للبائع على المبتاع، فالذي يرتجعه المبتاع من ذلك البائع يغرمه وإن كان بيد المبتاع فلذلك كان القول قوله؛ لأنه غارم على كل حال.
الجزء: 14 - الصفحة: 25
[فصل 4 - من ابتاع عبدًا بثوبين فهلك أحدهما ووجد الآخر معيبًا]
ومن المدونة قال ابن القاسم: وإن كان الثمن عرضًا مثل أن يبيع عبدًا بثوبين، فهلك عنده أحدهما، وألفى الآخر معيبًا، فإن كان المعيب وجه الصفقة رده وقيمة الهالك -مطلقة لا على الحصة لانتقاض البيع- وأخذ عبده إن لم يفت، فإن فات العبد بحوالة سوق أو بدن نظر إلى الثوب الباقي كم كان من التالف؟ فإن كان ثلثًا أو ربعًا.
قال أبو محمد: يريد، أو النصف أو الثلثين/ رجع بحصته من قيمة العبد لا في عينه.
م: لأن العبد لما فات وجب الرجوع في قيمته، والقيمة عين فكأنه قضاه، وكأنه اشترى الثوبين بعين فلا ينظر هل املعيب وجه الصفقة أم لا؟ وكذلك لو كان ثمن الثوبين سلعة مما ينقسم فهي كالعين فيما ذكرنا، وكذلك في كتاب ابن المواز.
قال ابن المواز: وإن وجد العيب بأدنى الثوبين وقد فات أرفعهما أو لم يفت، والعبد قائم لم يفت رد المعيب وحده، ورجع بحصته من قيمة العبد لا في عينه يريد لضرر الشركة فيه وقال أشهب بل يرجع في العبد نفسه.
الجزء: 14 - الصفحة: 26
[فصل 5 - من اشترى عبدًا بثوبين فوجده معيبًا وهلك أدنى الثوبين]
ومن المدونة قال ابن القاسم: ولو كان إنما وجد العيب بالعبد رده مشتريه، ثم إن كان الحاضر من الثوبين أرفعها ولم يفت بحوالة سوق، أو بدن أخذه مع قيمة الهالك ما بلغت.
محمد: مطلقة لا على الحصة.
وإن فات الحاضر بحوالة سوق أو غيره، أو كان لم يفت، وليس بوجه الثوبين أسلمه وأحذ قيمة ثوبية ما بلغت.
[مسألة: الفرق بين مَن اشترى سلعة بعرض ينقسم ثم وجدها معيبة وبين مسألة أن يشتري سلعة بعض لا ينقسم ثم يجدها معيبة]
م: والفرق بين أن يكون الثمن عينًا أو عرضًا ينثسم وبين أن يكون عرضًا لا ينقسم هو أنه إذا كان الثمن مما ينقسم واطلع على عيب بأحد الثوبين وهو وجه الصفقة والثوبان قائمان لزمه رد الجميع؛ لحجة البائع أنه إنما باع على إن حمل بعضه بعضًا وإن فات الدنيء لم يلزمه رد قيمته مع القائم بالعيب إذ حجة البائع إنما كانت في عينه، وقد ذهب وإلزام المبتاع قيمته ضرر به من غير ضرر يلحق البائع في رد حصته المعيب لانقسام الثمن، وكان هذا عدلًا بينهما في حضور السالم
الجزء: 14 - الصفحة: 27
وفوته، وإذا كان الثمن عرضًا لا ينقسم، ووجد العيب بوجه الصفقة، وفات الأدنى فأنت إن أرجعته بحصة المعيب في عرضه كما صنعت في العين أدخلت على كل واحد منهما ضرر الشركة، وكانت حجة لمن أبى ذلك منهما، فكان العدل في ذلك أن يرد مع المعيب قيمة الهالك فهو أيسر من ضرر الشركة، ويأخذ جميع عرضه وإن كان المعيب ليس بوجه الصفقة لم يدخل المبتاع ضرر في رده، وأخذ حصته من قيمة عرضه إذا سلمت له جل صفقته، ولم يرجعه في عين عرضه لدخول الضرر عليهما في ذلك.
م: ويجب على قول أشهب الذي لا يراعي ضرر الشركة فيه ألا يراعي المعيب هل هو وجه الصفقة أم لا؟.
كما لو كان الثمن عينًا، ونحو هذا له في مسألة من باع جارية بجاريتين.
[فصل 6 - من باع جارية بجاريتين فرد واحدة بعيب وقيمتها سواء]
قال في كتاب محمد ابن المواز: من باع جارية بجاريتين فرد واحدة من الاثنتين بعيب وقيمتهما سواء فليرجع بنصف قيمة جاريته فاتت أو لم تفت لضرر الشركة.
قال أبو محمد: قال أشهب في غير هذا الكتاب: يرجع فيها بعينها.
الجزء: 14 - الصفحة: 28
قال ابن المواز: وغن كان العيب بأرفع الجاريتين، ولم يدخلهما نقص في بدن فليردهما وبأخذ جاريته إن كانت لم تفت في سوق أو بد، وإن فاتت بذلك أخذ قيمتها يوم قبضها وهو يوم خرجت من الاستبراء، وغن لم تفت المنفردة ولا المعيبة وفاتت الدنية رد المعيبة -وقيمة الدّنية ها هنا مطلقة لا على الحصة لانتقاض البيع- ويأخذ جاريته، وإنما يفيت الدنية هاهنا حدوث عيب مفسد لا تغير سوق، وكأنه وجد العيب بها إذ هو بوجه الصفقة، وأما إن فاتت المنفردة في سوق أو بدن فليرد المعيبة فقط، ويرجع بقيمتها من قيمة صاحبتها، وإن فاتت الدنية فيأخذ تلك الحصة من قيمة المنفردة، وإن لم تفت الدنية ردها مع المعيبة وأخذ قيمة المنفردة، ولو وجد العيبة بالدّنية ردها بحصتها من قيمة المنفردة، وإن لم تفت المنفرد بشيء لضرر الشركة، ولو فاتت المعيبة وهي أرفع الاثنتين رجع بحصة العيب من قيمة المنفردة، وإن وجد بالمنفردة عيبًا فردهما فإن فاتت أرفع الاثنتين بحوالة سوق أو غيره، أو فاتتا بذلك جميعًا فلع قيمتهما يوم قبضهما، وإن فاتت الدنية فقط رد قيمتها ما بلغت لا على الحصة، ورد الرفيعة.
ولقد ذكرت هذه المسألة في كتاب الاستبراء وفيها زيادة معان على ما هنا، فأغنى ذلك عن إعادتها.
الجزء: 14 - الصفحة: 29
[فصل: 7 - مَن اشترى شيئين فوجد أحدهما معيبًا فله رد كل ما اشترى أو يأخذ السليم بحصته من الثمن]
ومن المدونة قال ابن القاسم: ومن اشترى شاتين مذبوحتين فأصاب إحداهما غير ذكية فهو كمن ابتاع طعامًا على أن فيه مئة إردب فلم يجد فيه إلا خمسين أو أربعين فله أخذ ما وجد بحصته من الثمن أو رده؛ لأنه يقول: أردت شراء الجملة لرخصه ولحاجتي إليه إلا أن يكون الذي نقص من ذلك أرادب يسيرة فأرى الشاتين بمنزلة ما وصفت لك من الطعام عند مالك، وإن شاء أن يحبس الذكية بحصتها من الثمن فذلك له.
أبو محمد: يريد اشتراهما على الوزن وتساويًا في الثمن؛ لأنه يقع لما يأخذ ثمن معلوم.
قال غيره: دليل أنه اشتراهما عل الوزن أنه لو كان على الجزاف ما جاز عنده أن يحبس الذكية بحصتها؛ لأن ذلك مجهول.
الجزء: 14 - الصفحة: 30
قال يحيى في قوله له أن يحبسها بحصتها من الثمن: لا يعجبني.
وقال ابن الكاتب في قول من قال أنه اشتراهما على الوزن: هذا غير مستقيم، وظاهر أمره أنه اشتراهما غير مسلوختين لأنه لا يعلم أنها غير ذكية إلا قبل السلخ؛ لأنها لو سلخت لم يبق رأسها، فلا يعلم أنها غير ذكية، وقوله مذبوحتين يدل أنه لم يحدث فيهما غير الذبح، ومع أنه لو اشتراهما على الوزن لم يكن بد من التقويم إذ قد يختلفان في السمانة فلا يلتفت إلى ما سما لكل رطل.
الجزء: 14 - الصفحة: 31
م: وأبو محمد إنما أراد تصحيح المسألة فوجهها بما ذكرنا، وذلك محتمل أن يستويا في السمانة عند أهل المعرفة، وإن كان في جلودهما قبل السلخ قم يشتريهما على الوزن بعد السلخ، وذلك خير من إقساد المسألة جملة.
م: ويحتمل أن يكون اشتراهما مسلوختين، وهما في السمانة سواء على الوزن فأتى من شهد أن إحداهما كانت غير ذكية.
قال بعض أصحابنا: وإن لم تعلم الذكية منهما فسخ بيعهما، وطرخا في موضع لا يصل إليهما إلا الكلاب، ولو أكل إحداهما فأتى من شهد أن إحداهما كانت غير ذكية فينبغي أن يرجع بثلاثة أرباع الثمن؛ لأن ثمن الباقية قد وجب رده، ويرد نصف ثمن المأكولة للشك أن تكون هي الذكية أم لا.
م: وذكر عن أبي العباس الإبياني في رجل اشترى قلال خل، ونقلها
الجزء: 14 - الصفحة: 32
فوجد ثلاثًا منها خمرًا فعرض له شغل أيامًا ثم رجع ليردها فوجدها صارت خلًا إن ثبت ذلك ببيّنة سقط عنه من الثمن بحساب قلال الخمر، وإن لم يعرف ذلك إلا بقوله لم يرد عليه من الثمن شيئًا إلا أن يقر له البائع بذلك.
قال أبو محمد: الجواب صحيح وترد القلال التي كانت خمرًا إلى البائع، وقد اختلف إذا كانت هذه القلال كثيرة من الصفقة هل ترد الصفقة كلها أم لا؟
[فصل 8 - من اشترى سلعة معدودة فوجد في جزء يسير منها عيبًا]
ومن المدونة قال ابن القاسم: ولو اشترى عشر شياه مذبوحة فأصاب إحداهن ميتة، أو نقصت المئة الأرادب أرادب يسيرة لزمه الباقي بحصته من الثمن، ولا خيار لأحدهما، وكذلك من ابتاع قلتي خل أو قلالًا فيصيب إحداهن خمرًا فهو على ما وصفنا من قول مالك.
أبو محمد يريد أن الخمر والميتة تقوم مقام النقص لا كالعيب.
ابن المواز: قال أشهب: ولو أصاب من العشرة قلال تسعة خمرًا لزمته الواحدة بحصتها من الثمن، وليس كالقمح يجد فيه فسادًا.
وقاله أصبغ.
وقال محمد بقول ابن القاسم.
الجزء: 14 - الصفحة: 33
[المسألة الأولى: الاستحقاق عند أشهب في المبيع ليس كالعيب فلا يلزم منه الرد]
قال أشهب: ولو استحق من مئة أدرب خمسون أو نقصت لزمته الخمسون الباقية؛ لأن مالكًا يقول: إذا استحق نصف الرقيق لزمه الباقي وليس بمنزلة أن لو وجد نصف الطعام رديًا.
م: قال بعض أصحابنا: أشهب يرى أنه إن استحق تسعة أعشار ما ينقسم أنه يلزمه الباقي بحصته من الثمن كقوله في العشر قلال يجد التسع خمرًا.
[المسألة الثانية: الصفقة إذا اشتملت على حرام كالخمر والميتة وحلال هل يفسد البيع؟ والفرق بين الصفقة يجمع فيها حلال وحرام دون علم المتعاقدين وبين جمع الأم والابنة في عقد واحد]
م: وذهب ابن القصار وغيره في وجود الخمر والميتة أن يفسخ البيع كله؛ لأنها صفقة جمعت حلالًا وحرامًا، كمتزوج الأم والابنة في عقد واحد وهو القياس.
الجزء: 14 - الصفحة: 34
م: ووجه قول ابن القاسم وغيره في هذا الأصل: أن المتبايعين لم يعلما أن إحدى الشاتين غير ذكية، ولا إن إحدى القلتين خمرًا، وإنما عقدا بيعًا صحيحًا يجوز تملكه فيما ظهر لهما، فكان كمن اشترى عبدين في صفقة واحدة فاستحق أحدهما بملك، أو حرية الثاني يصح البيع فيه، فجعلوا وجود الخمر والميتة كالاستحقاق، ولم تلزمهم على جمع الأم والابنة في عقد؛ لأن نكاح إحداهما يقدح في تحريم نكاح الأخرى، وليس كذلك الشاتان فافترقا.
[فصل 9 - إذا اشترى سلعًا فوجد باحداها عيبًا واستحقت]
[المسألة الأولى: إذا اشترى سلعتين متكافئتين فوجد بإحداهما عيبًا أو استحقت]
ومن المدونة قال سحنون وقال غيره: إذا اشترى شاتين أو قلتين أو عبدين متكافئين فهذا لم يتبع أحدهما لصاحبه، فإن أصاب بأحدهما عيبًا أو استحق رجع بما يصيبه من الثمن ويرد المعيب.
الجزء: 14 - الصفحة: 35
[المسألة الثانية: إذا اشترى جملة ثياب أو رقيق أو كيل افستحق جزء منها]
قال سحنون: وكذلك يقول ابن القاسم في العبدين المتكافئين بخلاف عبدين أحدهما تبع لصاحبه أو جملة ثياب أو رقيق أو كيل أو وزن، فإن استحق الأقل من ذلك لزمه الباقي بحصته من الثمن؛ لأن هذا قد سلمت له جل صفقته وإن استحق أكثر من ذلك حتى يضر به لتبعيض صفقته، أو لرغبته في الجملة فله رد جميع الصفقة وأخذ الثمن وله أن يحبس ما سلم في يديه بحصته من الثمن إن كان اشترى على الكيل أو الوزن أو كان مما يعد واستحق جزءًا شائعًا كالنصف أو الثلاثة أرباع لأن ما بقى حصته معلومة من الثمن.
وإن كان فيما يعد إنما استحق بعض السلع بأعيانها، وذلك كثير من الصفقة لم يجز رضاه بما بقى إذ لا يعلم حصة ذلك إلا بعد تقويم السلع وقسم الثمن عليها
الجزء: 14 - الصفحة: 36
فكأنه بيع مؤتنف بثمن مجهول لوجوب الرد في جميع الصفقة.
ابن المواز: وهذا قول مالك وأصحابه.
م: وذكر لنا أن أبا محمد بن أبي زيد سئل عما جرى في الكتاب: إذا اُستحق شيء من الصفقة على الأجزاء، وأنه ذكر الثلثين أو النصف أو الثلث فقال إن ذكر الثلث إنما جرى في الكتاب في امساك الباقي وليس يعني أن له الرد في الثلث.
ولهذا ترك أبو محمد ذكر الثلث في اختصاره لئلا يقع فيه إيهام لأن الثلث له حكم الكثير في الرد.
قال أبو محمد: وإنما ذكر في الأمهات الأربعين والخمسين من المئة ولم يحد في المدونة، ولا غيرها أن الثلث كثير قال: وليس ذلك كمسألة الدار يستحق منها الثلث؛ لأن ما يكال أو يوزن ليس في تبعيضه ضرر، والدار فيها ضرر لشركة الثلث هذا معنى ما ذكر أبو محمد.
الجزء: 14 - الصفحة: 37
[المسألة الثالثة: الفرق بين الصفقة يستحق فيها الكثير يجوز امساك ما بقى بعد الرضا وبين الصفقة عبد وجارية فهلكت الجارية في المواضعة فلا يجوز امساك العبد]
وقال ابن حبيب: إذا استحق الكثير من السلع أو الرقيق، وهو الذي يرى فيه النماء والربح وكثرة الثمن ومن أجله اشترى الجميع فرضي المتبايان أن يأخذ المبتاع ما بقى بحصته من الثمن فإنه جائز؛ لأنه بيع قد تم، بخلاف من ابتاع عبدًا وجارية وهي وجه الصفقة فهلكت في المواضعة فلا يجوز الرضا بالعبد؛ لأنه بيع لم يتم إلا بخروجها من الحيضة.
م: وقول ابن القاسم في أحد قوليه في إجازة جمع الرجلين سلعتيهما في البيع يقوي ما ذكر ابن حبيب، وقد روي عن أشهب نحو قول ابن حبيب.
م: وأنا استحسن إذا استحق الكثير ورضي المبتاع أن يأخذ ما بقى بحصته من الثمن أن لا يأخذ إلا بعد التقويم، ومعرفة حصة ما بقى من الثمن فيأخذ بذلك أو يرد فيسلم مما كرهه ابن القاسم وغيره.
الجزء: 14 - الصفحة: 38
[المسألة الرابعة: الفرق بين أكثر الصفقة إذا وجد به عيبًا فليس له إلا الرضى بالعيب بجميع الثمن أو رد الجميع وبين الاستحقاق الكثير]
ومن المدونة قال ابن القاسم: وأما إن وجد عيبًا في كثير من العدد حتى يضر ذلك به في صفقته، أو في كثير من كيله ووزنه حتى يكون أكثر من النصف، فليس له إلا الرضا بالعيب بجميع الثمن أو رد جميع الصفقة بخلاف الاستحقاق في الكثير.
والفرق بينهما أن البائع في العيوب إنما باع على إن حمل بعضه بعضًا فله الحجة للمستحق ذلك من يده فإذا رضي أن يحبس ما بقى بحصته من الثمن وكان معروفًا لم يكن للبائع حجة.
م: والحكم في عيوب الطعام بخلافه في العروض، والاستحقاق أيضًا فيه بخلاف العروض؛ لانهم جعلوه مخيرًا إذا وجد ثلث الطعام أو ربعه معيبًا كالكثير في العروض، فكذلك ينبغي أن يكون استحقاق القليل منه كالكثير في العروض، فإذا وجد عيبًا بربع الطعام أو ثلثه لم يكن للمبتاع رد المعيب، وأخذ السالم إلا برضى البائع.
الجزء: 14 - الصفحة: 39
م: ويجب على قياس قولهم في العروض أن لو استحق ربع الطعام أو قلقه كان المبتاع مخيرًا في أن يحبس ما بقى بيده، أو يرد الجميع؛ للمبتاع وفيه حجة في الاستحقاق في أن يرد الجميع، أو يتمسك السالم بحصته، والموضع الذي ليس للبائع في رد المعيب عليه حجة لقلته ليس للمبتاع في استحقاق مثل ذلك من يده حجة لقلته، ويلزمه أخذ السالم بحصته هذا هو القياس والله أعلم.
م: وإنما فرق بين السلع، والطعام إذا وجد العيب بربع ذلك أو ثلثه لحاجة الناس إلى الطعام.
فيجعل ل مزية على غيره كما ضمنّه الحمالين، ونهى عن بيعه قبل قبضه بخلاف العروض في ذلك.
والله أعلم.
وقال سحنون في المستخرجة: إذا وجد عيبًا باليسير من الطعام لزمه السالم بحصته من الثمن.
قال أبو محمد: يعني إذا شاء ذلك البائع.
قال: وإن وجد ذلك بالكثير فليس لواحد منهما أن يلزم الآخر البيع في السالم إلا باجتماعهما.
قال أبو محمد: يعني فيما يكال أو يوزن؛ لأنه حصته معلومة.
الجزء: 14 - الصفحة: 40
قال ابن حبيب عن ابن القاسم: نقص عشرة أو عشرين من المئة يسير.
قال أبو محمد: أعرف من أقاويل أصحابنا أن ما خرج في أسافل الصُّبر ونحوه مما لا بد منه فالكلام فيه للمبتاع.
م: لأن ذلك عُرف غالب فيقضى به: قال: وإما أن يجد بعض الطعام معيبًا فإن كان شيئًا يسيرًا جدًا، فللمبتاع أخذ السالم بحصته من الثمن ولا حجة للبائع أنه يبيع الجيد بالدنيء لقلة موضع ذلك الدنيء من الثمن، وللبائع أيضًا أن يلزمه أخذ السالم لقلة موقعه من الصفقة.
قال بعض شيوخنا: وذلك كعشرة من مئة.
قال أبو محمد: وإن كان المعيب مما له بال وليس بالكثير الذي يضر فقده بجملة الصفقة، فليس للمبتاع أخذ السالم بحصته إلا برضا البائع، وللبائع أن يلزم المبتاع السالم لقلة فقد المعيب من الجملة.
الجزء: 14 - الصفحة: 41
م: قال بعض شيوخنا: وذلك كعشرين من المئة.
قال أبو محمد: وإن كان المعيب كثيرًا مما يكون بمثله حجة في الاستحقاق، والنقص في جملة الصفقة في رد البيع كله، فلا يلزم ذلك المبتاع إلا أن يرضى، ولا له أخذ السالم إلا أن يرضى البائع، وهذا على غير أصل أشهب في النقص الكثير.
[فصل 10 - من اشترى سلعة على ذرع أو كيل معين فيجد فيه زيادة]
[المسألة الأولى: من اشترى دارًا على ذرع فيجد فيها زيادة]
قال ابن المواز: ومن اشترى دارًا على أن فيها مئة ذراع فوجد زيادة ذراع فهو مخير في أن يغرم حصة الذراع أو يرد البيع كله إلا أن يدع له البائع الزيادة.
م: وذلك لضرر القسم فيها.
[المسألة الثانية: من اشترى ثوبًا على ذرع فيجد فيه زيادة]
فال ابن المواز: وإن ابتاع ثوبًا على أن فيه سبعة أذرع فوجده ثمانية فذلك للمشترى بزيادته.
ابن المواز: وله الرد في النقصان.
الجزء: 14 - الصفحة: 42
م: كما له الرد في النقصان كذلك كان يجب أن لا يكون له الزيادة كما قال في الدار، وهذا هو القياس، ويحتمل أن يكون الفرق بينهما الثوب ظاهر الاختبار فكأن البائع باع وهو عالم بأمره فلم تكن له حجة في أخذ زيادة، ولا دفع غرم نقص والله أعلم.
[المسألة الثالثة: الصبرة يشتريها على كيل سماه فيجدها أكثر فليرد الزيادة]
قال: وأما الصبرة يبتاعها على كيل سماه فيزيدـ، فليرد الزيادة ويلزمه البيع فيما بقى.
وفي الواضحة ذكر في في الثوب مثل ما تقدم، وقال: لأنه ثوبه بعينه يقلبه فلما تم البيع قاسه، وقال في النقصان إن فات بالقطع: فليرجع بقيمة ذلك.
قال وكذلك من اشترى عرصة على ذراع مسمى فهي كالشقة في
الجزء: 14 - الصفحة: 43
الزيادة والنقصان، وأما الدار ذات المنازل والبناء فليست كذلك؛ لأن هذه إنما توصف بحدودها فإن سمي مع ذلك الذرع فهو كالتحلية والمراوضة، فإن نقص الذراع يسيرًا فلا قول للمبتاع إلا أن يتفاحش النقص بما له خطر فيكون عيبًا يرد به إن شاء، أو يكون اشتراط الذرع اشتراطًا منصوصًا فيكون له فيما قل وكثر مثل ما قلنا في الشقة والعرصة أنه عيب.
قال: وهو في الشقة والعرصة عيب كان ذلك بشرط أو بذكر من البائع فقط كما قال مالك في الجارية تزعم أنها عذراء أو طباخة فتوجد بخلاف ذلك أنه كالشرط، وله الرد.
الجزء: 14 - الصفحة: 44
[الباب الثالث]
فيما يحدث عند البائع من موت أو عيب قبل قبض المبتاع
[فصل 1 - من اشترى جارية فوجد فيها عيبًا بعد قبضها، فهل الرجوع بحصة المعيب إلى القيمة يوم القبض أو يوم وقعت الصفقة؟]
قلت: ما قول مالك فيمن اشترى جارية بيعًا صحيحًا فلم يقبضها إلا بعد شهر أو شهرين، وقد حالت الأسواق عند البائع فقبضها، وماتت عند البتاع ثم اطلع على عيب كان عند البائع.
متى تقوم الجارية إذا أراد الرجوع بحصة العيب أقيمتها يوم القبض أو يوم وقعت الصفقة؟
قال: قيمتها يوم وقعت الصفقة.
والقيمة في البيع الفاسد يوم القبض، والفرق أن المشتري في البيع الفاسد لا يضمن إلا بعد ما يقبض؛ لأن له أن يترك فلا يقبض، والبيع الصحيح يلزمه قبضه بالعقد ومصيبته منه.
قلت: فإن لم يقبضها المبتاع في البيع الصحيح حتى ماتت عند البائع أو حدث بها عنده عيب مفسد، وقد نقد الثمن أم لا؟
قال: قال مالك: الموت من المبتاع، وإن كان البائع احتبسها بالثمن كالرهن.
الجزء: 14 - الصفحة: 45
قال ابن القاسم: فكذلك العيب عندي يكون من المبتاع إذا كانت الجارية لا يتواضع مقلها وبيعت على القبض.
ابن وهب وقال ابن المسيب: من باع عبده وحبسه حتى يقبض الثمن فمات في يده فمصيبته من البائع.
وقال سليمان بن يسار: هو من المبتاع.
قال سحنون: وقال مالك بقولهما.
وقال ابن المواز: وإنما اختلف قول مالك في هذا إذا لم ينقد.
فروى أشهب عنه أن ضمان ذلك من البائع إلا أن يُدعى
الجزء: 14 - الصفحة: 46
المبتاع إلى قبضها فتأبى فيتركها فيكون حينئذٍ الضمان منه، وبهذا أخذ أشهب، وروى عنه ابن القاسم أن ضمانها من المبتاع، وإن كان البائع احتبسها بالثمن وبهذا أخذ ابن القاسم.
قال فيه: وفي المدونة لأنه لا يخلو أن يكون البائع احتبسها بالثمن فيكون كالرهن، أو يكون المشتري هو التارك لها فهي كالوديعة ففي كلا الوجهين هي من المشتري.
م: ووجه رواية أشهب أنه لما احتبسها بالثمن فكأن البائع لم يملكها له، ولا تم له بيع حتى يقبض الثمن فكانت المصيبة من البائع والله أعلم.
م: وسواء كانت السلعة مما يغاب عليها أم لا؛ لأنها عند ابن القاسم كالرهن.
وعند أشهب هي من البائع، واختلف في قدر المناولة، وإن لم يحبسها البائع مثل أن يملأ البائع المكيال فيسقط قبل أن يصير في وعاء المشتري.
الجزء: 14 - الصفحة: 47
فقال أشهب: عن مالك أنه من البائع.
وقال ابن القاسم أنه من المشتري.
[فصل 2 - ضمان السلعة الغائبة إذا هلكت بعد البيع]
وكذلك اختلف قول مالك في بيع الغالب، واختار ابن القاسم أن يكون من البائع، وقد اختلف في ضمان الدور/ إذا بيعت وهي غائبة فقيل: إنها مثل السلع، وقيل: إنها من المشتري بالعقد، ولم يعتبر في هذا القول قدر الخروج إليها مثل ما لم يعتبره في أحد القولين في المكيال إذا امتلأ قال بعض القرويين.
قال: والاشبه اعتبار قدرًا مكان قبض المشتري لها فبعد ذلك يضمن.
[فصل 3 - من اشترى سلعة بها عيب لم يعلمه فلم يقبضها حتى هلكت عند البائع فضمانها من المبتاع]
ومن المدونة قال ابن القاسم: ولو كان بهذه الجارية عيب لم يعلم به المبتاع حين اشترى فلم يقبضها حتى هلكت عند البائع، أو أصابها عنده عيب مفسد مثل القطع والشلل وشبهه فضمانها من المبتاع حتى يقضي له بردها أو يبرئه البائع منها.
الجزء: 14 - الصفحة: 48
قال: ويجوز فيها عتق المبتاع إذ له الرضا بالعيب، ويجوز فيها عتق البائع بحال، ولو كان البيع فاسدًا لجاز عتق البائع فيها، ولم يكن للمبتاع معه عتق إلا أن يعتق المبتاع قبل البائع فيكون قد أتلفها.
[فصل 4 - المشتري يقبض سلعته ثم يجد بها عيبًا فيطلب الاقالة فيقيله البائع ثم تهلك قبل أن يقبضها]
قال في كتاب ابن المواز: ولو قبض المشتري الجارية ثم وجد بها عيبًا فلقى البائع به فأخبره بذلك، وأشهد عليه أنه منه برئ، وغير راضٍ به فأقبل البائع ليأخذها منه فوجدها قد ماتت بعد إقالته أو أصابها عيب قال: فهو من المشتري.
قال ابن المواز: وأحب إليّ إن كانت الإقالة قد ثبتت على البائع بإيجابه ذلك على نفسه فالمصيبة منه، كما لو استوجب سلعة حاضرة أو قريبة الغيبة كانت مصيبتها من المشتري وإن لم يقبضها، وهذا أقوى من قضاء السلطان.
قلت: فإن أبى البائع أن يقيله فخاصمه فقضى عليه برده فلم يقبضه حتى مات قال: فالعبد من المشتري حتى يقبض عبده، ثم قال لي مالك بعد ذلك: إذا قضى السلطان برده فهو من البائع وإن لم يقبضه.
الجزء: 14 - الصفحة: 49
[فصل 5 - من باع جارية فحبسها لأجل الثمن ثم وطنها فحملت فلا حد عليه للشبهة]
وقال في من باع جارية فاحتبسها بالثمن فوطئها البائع فأحبلها فلا حد عليه للشبهة.
م: يريد لقول من قال: إن ضمانها منه.
قال: والجارية للمشتري على كل حال؛ لأنه يأخذها، وقيمة ولدها.
وقاله أصبغ.
قال ابن القاسم: ولو كان البائع قد أمكنه منها، فتركها المشتري عنده فوطئها البائع بعد استبراء رحمها فإنه يحد.
قال: وإن لم يستبرء، وقد كان يطؤها قبل البيع رأيت أن يدرأ عنه الحد إذ لعل الحمل قد كان قبل هذا الوطء، وأفسخ البيع، وتكون له أم ولد ويعاقب.
[فصل 6 - من اشترى سلعة غائبة على الصفة فهلكت أو أصابها عيب قبل القبض فضمانها من المبتاع]
ومن المدونة قال ابن القاسم: ولو كانت الجارية غائبة فابتاعها على الصفة فهلكت أو أصابها عيب قبل قبض المبتاع لها، وقد كانت يوم الصفة على ما وصف للمبتاع فكان مالك يقول إنها من المبتاع إلا أن يشترط أنها من البائع حتى
الجزء: 14 - الصفحة: 50
يقبضها ثم رجع من البائع إلا أن يشترط أنها من المبتاع وهو أحب قوليه إليّ.
م: بخلاف اختياره في الحاضرة [قال] ابن وهب عن ابن شهاب قال: كان عثمان بن عفان وعبد الرحمن بن عوف من أجد أصحاب رسول الله -صلى الله عليه وسلم- في البيع فكان الناس يقولون: ليتهما تبايعا.
حتى ينظر أيهما أجد فابتاع عبد الرحمن بن عوف من عثمان -رضي الله عنه- فرسًا غائبة أنثى قد كان باثنى عشر ألفًا إن كانت هذا اليوم صحيحة فهي من عبد الرحمن بن عوف فقال عبد الرحمن لعثمان: هل لك أن أزيدك أربعة آلاف على أن تكون منك حتى أقبضها؟ ففعل فقدم رسول عبد الرحمن بن عوف فوجدها قد ماتت فكانت من عثمان رضي الله عنهما فعلم الناس أن عبد الرحمن أجد
الجزء: 14 - الصفحة: 51
قيل: ومعناه أنهما كان في البيع الأول متراوضين، ولم يتم بينهما بيع فلذلك جاز أن يزيده لتكون من عثمان، وأما لو كان بعد عقد في البيع لم تجز زيادة أحدهما للآخر حتى تكون في ضمانه؛ لأنه شراء ضمان في شيء بعينه.
فإن قيل: لما جاز في العقد جاز أن يلحق به، كمال ال عبد، وتمر النخل.
فيل: مسألة العبد إنما جاز/ اشتراطه بعد العقد؛ لأنه إضافة إلى العبد وكذلك تمر النخل إضافة أصول النخل، وهذا لا يضاف إلى شيء إنما نقل ضمانة عن رجل فنقله إلى آخر بثمن وذلك ضمان بجعل، وقاله بعض فقهائنا القرويين.
الجزء: 14 - الصفحة: 52
[الباب الرابع]
فيمن وجد عيبًا بعد أن أعتق أو كاتب أو أجر أو رهن أو باع والفوت في ذلك وغيره
[الفصل 1 - السلعة تفوت عن المبتاع ثم يجد بها عيبًا]
والقضاء أن كل ما أحدثه المبتاع أو حدث عنده في السلعة حتى فاتت ثم ظهر على عيب كان بها عند البائع أن له الرجوع بحصته من الثمن؛ لأنه لم يقبض لتلك الحصة عوضًا إلا في بيعه، وهبته للثواب ورهنه وإجارته فلا يرجع بشيء إلا أن يرجع إليه أو يرجع عليه.
قال مالك: فيمن ابتاع أمة بيعًا صحيحًا وبها عيب لم يعلم به حتى ماتت، أعتقها أو دبرها أو كاتبها أو وهبها لغير ثواب فذلك كله فوت يوجب له الآن قيمة العيب.
م: وذكر عن أبي القاسم بن الكاتب إذا أطلع على عيب بعد أن وهبها لابن له صغير أن ذلك ليس بفوت إذ له الاعتصار ورده على البائع فلا يكون له الرجوع
الجزء: 14 - الصفحة: 53
بقيمة العيب، ولابن حبيب أن ذلك فوت يوجب له الرجوع بقيمة العبد.
وذكر عن بعض الشيوخ القرويين إذا كاتب العبد فرجع بقيمة العيب أو مرض فبلغ حد السياق فرجع بقيمة العيب ثم عجز العيد، وضح المريض أن ذلك حكم قد مضى لا ينقض كما ذكرنا فاعلمه.
وبالله التوفيق.
[فصل 2 - المشتري يجد بالسلعة عيبًا بعد الرهن أو الإجازة]
ومن المدونة قال ابن القاسم: وإن وجد العيب بعدما رهن أو أجر فلا أراه فوتًا ومتى رجعت إليه بافتكاك أو انقضاء أجل الإجازة فله ردها إن كانت بحالها، وإن دخلها عيب مفسد رد معها ما نقصها عنده.
وقال أشهب: إن افتكها حيث علم بالعيب فله أن يردها وإلا رجع بما بين الصحة والداء.
وقال ابن حبيب: إن كان أجل ذلك قريبًا كالشهر ونحوه فليؤخر إلى انقضائه وهو على أمده، وإن بعد كالأشهر والسنة فهو كالفوت، ويرجع بقيمة العيب إلا أن يفتكها معجلًا فيردها.
قال أبو محمد: وهذا خلاف قول ابن القاسم وأشهب.
الجزء: 14 - الصفحة: 54
م: فوجه قول ابن القاسم هو: أن الرهن والإجازة ليس بخروج من الملك فأشبه أن لو كانت غائبة عنه بموضع لا يصل إليها الآن فمتى رجعت إلى يده كان على أول مرة.
ووجه قول أشهب أنه في وقت قيامه غير مالك للتصرف في الرقبة فأشبه الكتابة؛ ولأن الأصل أن الحكم للحال، وما يمكن أن يكون من رجوعها إليه أو لا يكون فلا حكم له، وهذا في حال قيامه غير قادر على ردها فوجب أن يكون فوتًا.
قال بعض أصحابنا: ولأنه لا يستطيع افتكاكها إلا بتعجيل الحق فأشبه ذلك عيبًا حدث عنده يجب عليه فيه غرم المال إذا رده فكان له بذلك حجة في الرجوع بحصة العيب.
م: وقول ابن حبيب: استحسان، وتوسط بين القولين والله أعلم بالصواب.
[فصل 3 - السلعة بجد بها المشتري عيبًا بعد أن باعها لآخر أو وهبها لثواب هل يعد فوتًا؟]
ومن المدونة قال ابن القاسم: وإن وجد العيب بعد أن باعها لم يكن البيع فوتًا وبلغني ذلك عن مالك؛ لأنه على أحد قولين: إما أن يكون رأى العيب فقد رضيه
الجزء: 14 - الصفحة: 55
حين باع، أو كان لم يره فهو إن نقص في بيعه العبد لم ينقص لموضع العيب.
قال مالك: وكذلك إن وهبه لثواب؛ لأنه بيه قال في باب بعد هذا: أو لو أدعى بعد أن باعه أن عيبًا كان به عند بائعه منه لم يكن له خصومه إذ لو ثبت ذلك لم يرجع عليه بشيء إلا أن ترجع إليه السلعة بشراء أو ميراث أو صدقة أو بعيب أو لغير ذلك فيكون له ردها على بائعها الأول إذا كان بيع هذا المشتري حين باعها لم يعلم بعيبها.
وقال أشهب إن رجع إليك العبد بشراء -يريد ولم يعلم/ بعيبه- فلك رده على بائعه منك آخرًا؛ لأن عهدتك عليه ثم هو مخير في الرضا به أو رده عليك؛ لأن عهدته عليك، فإن رده عليك رددته إن شئت على بايعك الأول.
قال سحنون: وإن لم يرده عليك ورضى بعيبه فقد اختلف الرواة في ذلك.
فقال بعضهم يعني قول ابن القاسم: لا رجوع لك على بائعك الأول بشيء كان ما بعته به أقل مما اشتريته به أو أكثر.
الجزء: 14 - الصفحة: 56
وقال بعضهم: يعني أشهب: ينظر فإن كنت بعته من هذا الراضي بالعيب بأقل مما ابتعته به رجعت على بائعك الأول بالأقل من تمام ثمنك، أو من قيمة العيب من ذلك الثمن، وإن بعته بمثل الثمن فأكثر فلا رجوع لك بشيء.
م: وقد ذكر ابن القاسم وجه قوله: من أنه على أحد وجهين: إما أن يكون رأى العيب فقد رضيه، أو كان لم يره فهو إن نقص في بيعه لم ينقص لأجله.
ووجه قول أشهب أنه إذا لم ينقص في بيعه فلا طلب له على بائعه، وإن نقص في بيعه فأعطى قيمة العيب أو تمام ثمنه فإنه لا حجة له مع تعذر رده، ولا تلزمه علة ابن القاسم أنه لم يكن رأى العيب فلم ينقص من أجله، إذ قد يمكن أن يكون رآه المشتري ونقص حصته، فإذا أعطى قيمة العيب أو تمام ثمنه فلا حجة له.
قال أشهب: وإن لم ترده أنت على بائعه منك أخيرًا فلك رده على بائعك الأول وأخذ ثمنك.
الجزء: 14 - الصفحة: 57
م: يريد وإن كنت عالمًا بعيبه حين شرائك من مبتاعه منك لا حين بيعك منه ثم لا رجوع لك بقيمة العيب على البائع منك أخيرًا لأخذك الأول بالعهدة، ولو أن المبتاع له منك أخيرًا باعه منك بأقل مما ابتاعه به منك فله الرجوع عليه بتمام ثمنه لا بالأقل؛ لأن له زده عليه وها هو ذا في يدك، ولو باعه من غيرك بأقل مما ابتاعه به منك فرضيه مبتاعة لم يرجع عليك هاهنا إلا بالأقل، ولو وهبكه المبتاع منك أو تصدق به عليك لرجع بقيمة العيب عليك من الثمن الذي بعته منه، ثم لك رده على بائعك الأول وأخذ جميع ثمنك منه، ولا كلام له، ولا يحاسبك ببقية الثمن الذي قبضت من واهبك بعد الذي رددت إليه منك بقيمة العيب؛ لأن ما بقى بيدك إنما وهبكه غيره قال: ولورثته من مبتاعه منك كان لك رده على البائع الأول وأخذ جميع الثمن الأول؛ لأن ما وجب للميت عليك قد ورثته منه.
الجزء: 14 - الصفحة: 58
م: ولا يخالفه ابن القاسم في هذا، وإنما يخالفه إذا باعه بأقل مما ابتاعه به ثم لم يرجع إليه ..
م: وذكر ابن المواز اختلاف قول ابن القاسم وأشهب هذا وأخذ بقول ابن القاسم.
قال ابن المواز: إلا أن يكون نقص من أجل العيب مثل أن يبيعه بالعيب ويبينه وهو يظن أنه حدث عنده، ولم يكن علم أنه كان به عند بائعه، أو يبيعه وكيل له ويبينه فليرجع عليه بالأقل، كقول أشهب.
وأخذ ابن حبيب بقول أشهب.
وقال محمد بن عبد الجكم: إذا باعه فله الرجوع بقيمة العيب كاملًا، وأعاب رواية أشهب عن مالك، وزعم أن هذا الذي قال هو من قول مالك في موطأه إذ قال: إذا فات العبد بوجه من وجوه القوت فللمشتري الرجوع بقيمة العيب.
الجزء: 14 - الصفحة: 59
قال محمد فالبيع فوت.
قال ابن حبييب: وإن باعه بمثل الثمن فأكثر ثم رجع إليه بشراء أو ميراث أو هبة وهو بحاله لم يتغير فأراد رده بالعيب على بائعه فإن كان قد قام عليه قبل أنم يرجع عليه فقضى عليه أن لا يرجع بشيء لخروجه من يده بالبيع بمثل الثمن فأكثر فلا قيام له الآن، وإن لم يكن ذلك فهو على أمره يرد أو يحبس.
قال أبو محمد: وهذا بعيد من أصولهم.
م: يريد أبو محمد أن له أن يرده قام عليه أو لم يقم؛ لأنه إنما منع من القيام عليه لعلة فإذا ارتفعت العلة ارتفع ذلك الحكم بارتفاعها.
ومن كتاب ابن المواز: ولو باعه المشتري له ولم يعلم بالعيب ففات عند الثالث بما يوجب له الرجوع بقيمة العيب من ثمنه فرجع بذلك، فللثاني حينئذٍ أن يرجع على بائعه وهو الأول بقيمة ذلك العيب من ثمنه هو ما لم يكن أكثر مما غرم للثالث فلا يرجع إلا بما غرم للثالث.
قال أبو محمد: ما لم يكن أكثر من بقية رأس ماله فإنما له الأقل من الثلاثة الأوجه.
الجزء: 14 - الصفحة: 60
م: وهذا على قول ابن القاسم، وأما على قول أشهب فإنما يرجع الثاني الأول بالأقل من تمام ثمنه أو من قيمة عيبه من ثمنه؛ لأنه لو لم يرجع عليه بشيء كان له هو أن يرجع بذلك فكيف إذا رجع عليه.
قال ابن المواز وإن كان الثاني مفلسًا، ولم يفت العبد فليس للثالث رده على البائع الأول.
م: لأنه غير من عامله قال: وليرده إن شاء على الثاني ويحاص غرماؤه بقمنه قم له ولسائر الغرماء ره على البائع الأول وأخذ ثمنه يتحاصون فيه.
قال: فإن فات عند الثالث فله ولغرماء بائعه الرجوع على الأول بقيمة العيب.
م: يريد في الأقل من ثلاثة أوجه وهو ما كان يرجع به عليه الثاني على قول ابن القاسم، أو بوجهين على قول أشهب.
قال ابن المواز: فيتحاصون في ذلك وفيما يصاب للثاني يضرب في الثالث بقيمة العيب من ثمنه والغرماء بجميع دينهم.
قال اب المواز: وإن لم يكن له غرماء وهو غريم فللثالث الرجوع على الأول بما كان يرجع به على الثاني إلا أن يرضى الأول أن يعطيه قيمة عيبه الذي كان يلزمه أو
الجزء: 14 - الصفحة: 61
بقية رأس مال الثاني.
وقال في باب بعد هذا قال أو زيد عن ابن القاسم فيمن ابتاع عبدًا ثم باعه في غير مواجبة البيع فاستحق من يد الثالث بحرية أو ملك أو قام فيه بعيب كان عند الأول، وبائعه عديم أو غريم مفلس أو ملئ غائب فأما في العيب فلا يرجع على الأول وليرده على بائعه الذي ولى ومعاملته إن شاء ويحاص غرماءه، وأما في الاستحقاق فليرجع على الأول في غيبة بائعه أو عدمه؛ لأنه غريم غريمة إلا أن يكون على الثاني دين فيحاص بره غرماءه في الثمن الذي يرجع به على الأول.
وقال أصبغ في العيب والاستحقاق سواء بعد أن يقيم القائم بالعيب البينة له أنه ابتاع بيع الإسلام وعهدته بغير براءة فيعدى على الأول إلا أن يقيم الأول بينه أنه باع بالبراءة.
قال ابن المواز: ولا يعجبني قول أصبغ في العيوب، وإنما نزع فيه إلى قول ابن كنانة.
الجزء: 14 - الصفحة: 62
[فصل 4 - من باع عبدًا ودلس فيه بالإباق فباعه المشتري ولم يعلم فأبق عند الثالث]
وقال أصبغ عن ابن القاسم: فيمن باع عبدًا ودلس فيه بالإباق فباعه المبتاع ولم يعلم، فأبق عند الثالث فمات أو لم يعلم خبره والبائع الثاني عديم: فليؤخذ الثمن من البائع الأول فيدفع منه إلى الثالث مثل ثمنه، فإن فضل منه شيء دفع إلى الثاني.
م: لأنه تمام ثمن الثاني.
قال: فإن لم يوجد الأول لم يرجع الثالث على بائعه الثاني [إلا] بقيمة عيب الإباق من ثمنه؛ لأنه لم يدلس، ثم إن وجد الأول أخذ منه الثمن فأعطى منه للثالث بقية رأس ماله، وما بقي فللثاني.
م: لأنه بقية رأس مال الثالني قال: ولو لم يكن رجع على الثاني بقيمة العيب حتى وجد الأول فأخذ منه الثمن لم يكن فيه إلا أقل من ثمن الآخر فليس له غيره، ولا يرجع بتمامه على بائعه الثاني إلا أن يكون الثمن الأول أقل من قيمة العيب من الثمن الثاني فليرجع على الثاني بتمام قيمة عيبه.
وقال سحنون في كتاب ابنه: إذا أخذ الثمن من الأول في عدم الثاني فلم يكن مثل رأس مال الثالث فإنه يرجع على الثاني بالأقل من تمام ثمنه أو من قيمة العيب من تمام ثمنه.
الجزء: 14 - الصفحة: 63
م: وقول/ ابن القاسم أبين، ووجه قول سحنون أنه رأى أن البائع الأول هو أتلف عليه العبد بتدليسه فهو كما لو قتله فأغرمه قيمته أنه يرجع على البائع منه بالأقل من تمام ثمنه، أو من قيمة العيب من ثمنه والله أعلم.
قال أصبغ في باب آخر من كتاب محمد: قال ابن القاسم إذا كان الثاني عديمًا أخذ من الأول الثمن فدفع منه إلى الثالث قيمة عيب الإباق فقط وما بقى فللثاني.
م: ووجه هذا أن الأول مدلس بعيب هلك العبد بسببه، فوجب أن يرد الثمن على مبايعة أصله لو أبق عند الثاني، وأما الثاني فلم يدلس على الثالث فلم يجب له عليه إلا قيمة العيب من ثمنه فإذا أخذه من مبايعة الأول فلا كلام له.
وقال ابن المواز: بل يؤخذ من الأول ما كان يرجع به عليه الثاني لو غرم الثاني عيب الاباق للثالث فإنه يرجع عليه بذلك ما لم يكن ذلك أكثر من بقية رأس مال الثاني ما لم يكن ذلك أكثر من الثمن الذي ابتاعه به الثاني.
م: إذا كان له أن يعطيه بقية رأس مال الثاني فقوله ما لم يكن أكثر من بقية رأس مال الثاني غلط؛ لأن بقية رأس مال الثاني أقل من جميع رأس مال الثاني، فإذا كان للبائع الأول أن يعطيه بقية رأس مال الثاني فلا يجب عليه أن يعطيه جميعه، ولو قال: يرجع عليه بما كان يرجع على الثاني ما لم يكن أكثر من بقية رأس مال الثاني ما لم
الجزء: 14 - الصفحة: 64
يكن أكثر من قيمة العيب من ثمن الثاني كان كلامًا صحيحًا جاريًا على أصله في مثل هذا، ولكن هذا هكذا في كتاب محمد، وفي نقل أبي محمد في النوادر.
ابن المواز: قيل لابن القاسم فإن لم يوجد الأول قال: فلا يرجع على الثاني بشيء إلا بما بين القيمتين، ثم إن وجد الأول أخذ منه الثمن فأتم للثالث تمام ثمنه وما بقي فللثاني.
م: وهذا على قوله في أول المسألة قال ابن المواز: ولم أر هذا الجواب يصححه أحد وهو منكر من غير وجه، والذي يصح عندنا أن ليس للثالث إلا قيمة عيب الإباق على بايعه، وليس لبائعه على الأول إلا ما غرم بسبب الإباق ما لم يكن ذلك أكثر من الثمن الذي اشتراه به منه.
م: إنما يكون له على الأول الأقل مما غرم أو من قيمة العيب من ثمنه أو من تمام ثمنه كما قال في المسألة الأولى لا فرق بينهما؛ لأنه لم يجعل للتدليس حكمًا.
قال ابن المواز: وقد قال ابن القاسم في عبد تداوله ثلاثة تبايعوه بالبراءة فوجد الآخر عيبًا كان عند الأول لم يعلم به الثاني، والأول عالم به: فليس على الثاني إلا يمينه ما علمه ثم لا يرد عليه، ولا على الأول إلا أن يعلم أنهم أرادوا ذلك للتفويت والتدليس فيرد عليه وإلا فلا.
الجزء: 14 - الصفحة: 65
محمد وهذا أصح من الأول.
م: فالمحصول من هذا الاختلاف ثلاثة أقوال:
قول: أنه يؤخذ الثمن من الأول فيدفع منه للثالث ثمنه وما بقي فللثاني.
وقول: بل يدفع منه للثالث قيمة العيب من ثمنه وما بقي فللثاني.
وقول لا يغرم الأول للثالث إلا ما كان يرجع به عليه الثاني لو أغرم الثاني للثالث قيمة العيب، وهو الأقل من قيمة العيب من ثمن الثالث أو من ثمن الثاني أو من تمام رأس مال الثاني، وهذا الذي أراد محمد والله أعلم.
[فصل 5 - من اشترى سلعة ثم باعها على الذي اشتراها منه ثم اطلع
على عيب كان بها عند البائع]
ومن المدونة قال ابن القاسم في باب بعد هذا: وإن اشتريت عبدًا ثم بعته من الذي باعكه بمثل الثمن ثم ظهرت به على عيب كان به عند بائعك فلا تراجع بينكما في تدليس ولا غيره وإن بعته منه بأقل من الثمن قبل علمك بالعيب رجعت عليه بتمام الثمن دلس لك به أم لا، وإن بعته منه بأكثر من الثمن فلا رجوع له عليك إن كان مدلسًا، وإن لم يدلس فله رده عليك، وأخذ ثمنه ثم لك رده عليه وأخذ ثمنك فتتقاصان إن شئتما.
الجزء: 14 - الصفحة: 66
قال ابن المواز: وهذا إذا كان العيب قديمًا، وإن كان مما يشك فيه؛ لأن مثله يحدث ومثله يكون قديمًا فعلى هذا الذي هو بيده اليمين إذا كان رجع إليه بأقل مما باعه به وإن لم يحلف حلف الآخر، وارتجع منه بقية رأس ماله.
م وبيان هذه المسألة والزيادة فيها إذا ابتعت العبد بعشرة ثم بعته من بائعك بعشرة ثم ظهرت على عيب قديم كان به عنده فلا تراجع بينكما دلس لك بالعيب أم لا، لأنه كان لك أن ترده عليه وتأخذ ثمنك فقد فعلت ذلك بالبيع منه، وإن كان العيب مما يمكن حدوثه عندك أو عنده في الملك الأول أو الآخر فهو يريد رده عليك فتحلف أنت في الظاهر على البت، وفي الخفي على العلم أنه ما حدث عندك وتبرأ، فإن نكلت حلف هو كذلك ورده عليك، وأخذ ثمنه.
وإن بعت منه بخمسة عشر والعيب قديم عنده، فإن كان مدلسًا لم يكن له رده عليك؛ لأنه رضي بشرائه بخمسة عشر وهو عالم بالعيب، وإن لم يدلس فله رده عليك
الجزء: 14 - الصفحة: 67
ويأخذ الخمسة عشر ثم لك رده عليه وتأخذ العشرة.
وإن كان العيب مما يمكن حدوثه عندك أو عنده فهو يريد نقض البيع ليرجع عليك فتحلف أنت، ويبقى البيع على حاله، وإن نكلت حلف هو ما حدث عنده في الملك الأول ولا الآخر ورده وأخذ الخمسة عشر، فإن كان إنما بعته منه بثمانية والعيب قائم رجعت عليه بتمام ثمنك، دينارين دلس لك أم لا، وإن كان مما يمكن حدوثه عندك، أو عنده فأنت تريد نقض البيع لترجع ببقية ثمنك فليحلف هو ما حدث عنده ويبقى البيع فإن نكل حلفت أنت ورجعت عليه بتمام ثمنك دينارين، وبالله التوفيق.
[فصل 6 - المشتري يهب السلعة للذي اشتراها منه ثم يطلع على عيب
كان بها عند البائع]
قال ابن القاسم في المدونة: وإن وهبته لبائعه منك ثم اطلعت على العيب الذي كان به رجعت عليه بحصة العيب من الثمن الذي اشتريته به.
[فصل 7 - المشتري للسلعة يبيع نصفها من أجنبي ثم يطلع على عيب بها]
قال: ولو بعت نصفه من أجنبي ثم علمت بالعيب فالخيار هاهنا للبائع
الجزء: 14 - الصفحة: 68
لضرر الشركة فيه في أن يغرم لك نصف قيمة العيب أو يقبل نصف العبد بنصف الثمن، ولاشيء عليه للعيب وكذلك في كتاب محمد.
وقال ابن حبيب: إن باع نصفه بمثل نصف الثمن فأكثر لم يرجع لذلك النصف بشيء، وإن باعه بأقل رجع بالأقل من تمام نصف الثمن أو نصف قيمة العيب، ثم يخير البائع في النصف الباقي بين أن يسترجعه بنصف الثمن أو يدعه ويؤدي نصف قيمة العيب.
م: وهذا على قول اشهب.
قال بعض شيوخنا من القرويين: ولو أن مشتري نصف العبد رده بالعيب، وقد كان البائع منه رجع على بائعه بنصف قيمة العيب فللبائع الأول أن يقول له: إنما غرمت لك نصف قيمة العيب من أجل تبعيض العبد، والآن قد صار بيدك جميعه، فإن شئت فرد إليَّ جميعه وخذ ثمنه، أو احبس ورد عليّ نصف قيمة العيب الذي أخذته مني، وللمشتري أيضًا أن يفعل ذلك -وإن أباه البائع- وإنما كان ذلك أولاً لضرر الشركة، فإذا صار بيده كله رجعا إلى ما يوجبه الحكم في العيوب.
الجزء: 14 - الصفحة: 69
وذهب غيره إلى أن ذلك حكم مضى ليس لأحدهما نقضه.
م: وهذا يجري على قول ابن حبيب إذا باعها بأكثر من الثمن فقام على البائع منه بالعيب فحكم أن لا يرجع عليه بشيء؛ لأنه باعها بأكثر من الثمن ثم رجعت إليه بميراث أو شراء، أو غير ذلك فلا قيام له.
وقال أبو محمد: وهذا بعيد عن أصولهم يشير إلى أن له القيام فاختلافهم ها هنا يجري على هذين القولين، وهو بيَّن.
[فصل 8 - من اشترى سلعة ثم تصدق بنصفها ثم اطلع على عيب كان
بها قبل الشراء]
ابن المواز قال أصبغ: وإن كان إنما تصدق بنصفه وحبس نصفه ثم اطلع على العيب فيقال للبائع الأول: إن شئت فارتجع هذا النصف ورد نصف الثمن وأغرم نصف قيمة العيب عن النصف المتصدق به، وإن شئت فاغرم قيمة العيب كله ويثبت بيعك
الجزء: 14 - الصفحة: 70
وكذلك روى عيسى عن ابن القاسم في العتبية قال عيسى: وقال أيضًا ليس له خيار واحتج فقال: إذا زاد هذا النصف الباقي وصار لعله يساوي جميع الثمن قال: أنا آخذه وأودي نصف قيمة العيب، وإن نقص تركه وودى جميع العيب فلا أرى ذلك، وعليه نصف قيمة العيب فقط للنصف المتصدق به قال عيسى: ولو دخله مع ذلك نقص في بدنه فلا خيار للبائع بوجه ويلزمه جميع قيمة العيب وقال ابن المواز: وإن باع النصف وتصدق بالنصف الباقي فله على البائع الأول نصف قيمة العيب في النصف المتصدق به ولاشيء عليه في النصف المبيع إلا أن يرجع عليه بشيء.
وقال ابن حبيب: يرجع بنصف قيمة العيب في الصدقة وينظر في النصف المبيع فإنه باعه بمثل نصف الثمن فأكثر لم يرجع فيه بشيء، وإن باعه بأقل رجع فيه بالأقل من تمام نصف الثمن أو نصف قيمة العيب وهذا على قول أشهب.
الجزء: 14 - الصفحة: 71
[فصل 9 - من باع سلعة من رجلين فباع أحدهما حصته من صاحبه ثم اطلع على عيب كان عند البائع الأول] ومن المدونة قال ابن القاسم: وإن بعت ثوبًا من رجلين فباع أحدهما حصته من صاحبه، ثم ظهر على عيب كان عندك فليس للذي باع نصيبه أن يرجع عليك بشيء وللذي ملك جميعه أن يرد عليك نصف الثوب، ويأخذ نصف الثمن، ويبقى في يديه نصف الثوب، وفي يدك نصفه.
الجزء: 14 - الصفحة: 72
[الباب الخامس] فيمن قام بعيب بعد ولادة أو تزويج أمة أو تعليم صنعة أو كبر صغير أو هرم كبير وتفسير الرجوع بقيمة العيب وقضى عمر بن عبد العزيز فيمن ابتاع عبدًا وبه عيب لم يعلم به ثم حدث به عنده عيب أو مات يرجع بقدر ما بين القيمتين، وقاله السبعة من الف
قهاء التابعين رضي الله عنهم.
[فصل 1 - فيمن قام بعيب في الجارية بعد ولادتها عنده]
قال مالك فيمن اشترى أمة فولدت عنده من غيره، ثم وجد بها عيبًا: فلا يردها إلا مع ولدها أو يمسكها ولا شيء له، وإن مات ولدها وبقيت هي فله ردها بالعيب ويرجع بالثمن كله، ولا شيء عليه في الولد إلا أن تنقصها الولادة فيرد ما نقصتها الولادة كعيب حادث عنده.
الجزء: 14 - الصفحة: 73
[فصل 2 - حكم من اشترى أمة فولدت ثم ماتت أو قتلت ثم ظهر بها
على عيب]
قال ابن القاسم: ولو ماتت الأم أو قتلت وبقي الولد عنده، ثم علم بالعيب لم يكن له رد الولد مع قيمة الأمة، وإنما له أن يرجع على البائع بحصة العيب من الثمن بعد أن تقوَّم الأم يوم الصفقة بغير ولد.
قال في باب بعد هذا: وللبائع أن يقول: أنا آخذ الولد، وأرد جميع الثمن إلا أن يشاء المبتاع أن يتمسك بالولد ولا شيء له كما لو كانت الأم قائمة فإن له أن يرد الثمن ويأخذها إلا أن يشاء المبتاع أن يتمسك ببيعه ولا يرجع بشيء.
وقال أشهب في قتل الأم: إلا أن يكون ما وصل إليه من قيمة الأم حين قتلت مثل الثمن الذي يرجع به على البائع أن لو كانت الأم قائمة فردها فلا حجة له؛ لأن الأم لو ماتت بغير قتل فقال البائع: أنا آخذ الولد على أن أرد جميع الثمن فذلك له إلا أن يتماسك المبتاع بالولد بغير شيء فذلك له فإذا كان بيده مثل الثمن والولد زيادة فلا حجة له.
م: وقال في كتاب ابن المواز يعقب قول ابن القاسم: ولو ماتت الأم أو قتلت رجع بقيمة العيب يوم الشراء لا ينظر إلى الولد حيًا كان أو أخذ له ثمنًا.
الجزء: 14 - الصفحة: 74
قال أشهب: إلا أن يقول له البائع: أنا أقبل ما أخذت في الولد من ثمن، أو قيمة الولد إن كان حيًا، أو قيمة الأم إن أخذت لها قيمة وأرد جميع ثمنك فذلك له، وإن لم يقبل ذلك البائع فعليه قيمة العيب أو ما بقي من ثمنها بعد أن يحسب على المشتري ما أخذ فيها من ثمن أو قيمة، وللقاتل أن يرجع عليه بقيمة العيب يوم القتل إن لم يعلم به.
قال: ويضم إلى قيمة الأم ما أخذ في ولدها من ثمن أو قيمة، وإن بقي بعد ذلك من رأس ماله شيء رجع به على بائعه أو يعطيه قيمة العيب.
م: قول أشهب هذا يؤخذ من قوله في المدونة.
م: وقول أشهب في المدونة ليس بخلاف لقول ابن القاسم.
م: وقال بعض أصحابنا: أنه خلاف له وقال: قَتْلُها يوجب له قيمة العيب، ولا خيار للبائع كموتها قلت: فإن ابن القاسم قال: للبائع أن يرد الثمن في موت الأم ويأخذ الأولاد إلا إن شاء المبتاع أن يتماسك بالولد بغير شيء قال: ذلك قول أشهب كذلك نبه عليه سحنون.
الجزء: 14 - الصفحة: 75
قلت: معنى قول سحنون هذا قول أشهب أي هذا مثل قول أشهب وأما سياق المسألة فهو لابن القاسم.
قلت: فإن قتلها وأخذ قيمتها معيبة إذا كانت كالثمن فأكثر مثل بيعها بالثمن فأكثر، وقد بيَّن العيب يظن أنه حدث عنده وهذا لا رجوع له على البائع بشيء؛ لأن بيده مثل ثمنه فلا حجة له.
قال: بل له أن يرجع عليه بقيمة العيب على قول ابن القاسم فاحتججت عليه بقول ابن المواز إذا باعها بأقل من الثمن وبيَّن العيب يظن أنه حدث عنده أنه يرجع على البائع بالأقل من قيمة العيب أو تمام ثمنه، وقد أشار ابن المواز إلى أن هذا لا يخالفه ابن القاسم.
وبقوله إذا باعها المبتاع لها من ثالث ففاتت عند الثالث بما يوجب له الرجوع بقيمة العيب فرجع على الثاني بذلك أن الثاني يرجع على الأول بالأقل من ذلك، أو من قيمة العيب من ثمنه، أو من تمام ثمنه، فدل بذلك أن لو بقي بيده مثل ثمنه فأكثر لم يكن له رجوع على الأول بشيء فاضطره الأمر إلى أن قال: هذا خلاف لابن القاسم.
الجزء: 14 - الصفحة: 76
م: والصواب ما قدمنا أن قول أشهب في مسألة القتل ليس بخلاف لقول ابن القاسم، وأنه إذا باع بالثمن فأكثر، وبين العيب يظن أن العيب حدث عنده فليس له رجوع على البائع بشيء، وأن الأم إذا ماتت فقال البائع: أنا آخذ الولد وأرد جميع الثمن فذلك له إلا أن يتماسك المبتاع بالولد بغير شيء؛ لأنه إذا كان له إذا كانت الأم والأولاد قائمين أن يأخذهم ويرد جميع الثمن إلا أن يتماسك هذا ببيعه بغير شيء فهو إذا بقي الولد وحده أحرى أن يأخذهم ويرد الثمن، وقد قال في التفليس: إن موت الأم وبقاء الولد كبقائهما جميعًا أن ليس للبائع إلا أن يأخذ ما وجد من ذلك قائمًا أو يحاص بجميع الثمن فجعل موت الأم وبقاء الولد كبقائهما جميعًا، وقد قال ابن القاسم في والواضحة: ولو قتل أحدهما فأخذ له عقلاً وبقي له الأخر كان مثل البيع سواء، وإن لم يؤخذ له عقل فسبيله سبيل الموت، وذكر مثله ابن وهب عن مالك، وقاله أشهب.
الجزء: 14 - الصفحة: 77
م: فقد جعلوا قتل أحدهما وأخذ قيمته في التفليس كبيعه إياه وكذلك ينبغي أن يكون في الرد بالعيب إن قتل أحدهما، وأخذ قيمته كبيعه إياه وهذا بين.
م: والأصل في العيوب عند ابن القاسم، وأشهب، وأكثر أصحاب مالك أن المبتاع إذا طلب الرجوع بقيمة العيب القديم، وقد حدث عنده عيب مفسد أن للبائع أن يقول: أنا أخذ وأرد جميع الثمن ولا أطالبك بشيء مما حدث عندك، ولا يكون للمبتاع إلا أن يرد ولا شيء عليه، أو يتماسك ولا شيء له فمتى وجد المبتاع حصل بيده من ثمن المبيع، أو من قيمة أرش جراحاته أو قتله أكثر من الثمن فلا حجة له وذلك بخلاف ما أغلته منه لقول النبي -صلى الله عليه وسلم-: «الخراج بالضمان» وبالله التوفيق.
وقد تقدمت مسألة من باع ثوبًا من رجلين فباع أحدهما حصته من صاحبه.
الجزء: 14 - الصفحة: 78
[فصل 3 - فيمن قام بعيب في الجارية بعد تزويجها]
وفي باب آخر بعد هذا قال مالك: ومن اشترى أمة فزوجها من عبده أو من رجل حر ثم وجد بها عيبًا فله ردها وليس للبائع فسخ النكاح وعلى المبتاع ما نقصها النكاح، وإن لم ينقصها فلا شيء عليه وربما ردها ومعها ولد فيكون أكثر لثمنها قال ابن القاسم: وإن نقصها النكاح، وقد ولدت وفي الولد ما يجبر به نقص النكاح فإنه يجبر ذلك بالولد ألا ترى أن مالكًا قال: ربما ردها وولدها وقد زاد ذلك في ثمنها فهذا من قول مالك يدل أنه أراد أن يجبر به النقص، يريد وكذلك لو حدث بها عيب آخر فإنه يجبره بالولد.
وقال غيره وهو أشهب: يرد ما نقصها النكاح، ولا يجبر النقص بالولد وذلك كالنماء فيها كزيادة بدنها، أو صنعة تزيد في ثمنها، وقد قال مالك: في بعض هذا النماء لا يجبر به النقص.
م: وروى ابن القاسم عن مالك في كتاب الوديعة إن زادت قيمتها فله أن يجبر به نقص النكاح.
الجزء: 14 - الصفحة: 79
م: وقال: وإذا جبر النقص بالنماء، أو بالولد على قول ابن القاسم لم يكن له أن يتماسك ويرجع بقيمة العيب؛ لأنه يصير كمن لم يحدث بها عنده عيب فإما أن يمسك ولا شيء له، أو يرد ولا شيء عليه.
م: وقال ابن المواز: لا يجبر النقص بالولد وأحب إلينا أن يردها بولدها، وبقيمة العيب الحادث عنده إذ لعل قيمة عيبها نصف الثمن ولا يساوي ولدها إلا دينارًا فإن ردها بلا غرم قيمة العيب كان ذلك ظلمًا.
وإن شاء أن يأخذ قيمة العيب من البائع فذلك له إلا أن يقول له البائع: أن أقبلها بولدها ولا أغرمه شيئًا من قيمة العيب وأرد جميع الثمن فذلك له، ولا يكون حينئذٍ للمبتاع إلا أن يحبس ولا شيء له أو يرد بالولد ولا شيء عليه.
م: ولا يلزم ابن القاسم ما احتج به عليه محمد من قوله إذ لعل قيمة عيبها نصف الثمن ولا يساوي الولد إلا دينارًا، وإنما أراد ابن القاسم أن يجبر النقص بالولد إذا كان قيمة الولد كالنقص فأكثر، فأما إن كان أقل من النقص
الجزء: 14 - الصفحة: 80
فليقاصه بما قابل من ذلك النقص، ويرجع إليه بقية النقص.
قال عن ابن القاسم: ولو باع الولد أو قتل ثم أصاب بالأم عيبًا فإنه يردها، ويرد معها ما أخذ في الولد من ثمن أو قيمة بخلاف المفلس يبيع الولد الحادث عنده فلا شيء عليه للبائع في ثمنه إذا أخذ ثمنه.
وقال أصبغ: ويرد في البيع من ثمن الولد قدر قيمته حتى كأنه اشتراه مع أمه مولودًا.
قال ابن المواز: بل يرجع جميع ما أخذ في الولد، وقال ابن القاسم وأشهب، ولا يعجبنا قول أصبغ.
م: ومعنى قولهم يرد الأم، وما أخذ في الولد أي يرد الأم ويقاصه البائع بما أخذ في الولد إذا كان الثمن عينًا، وإن كان عرضًا لم يفت رد الأم وما أخذ في الولد وأخذ عرضه كما قلنا فيمن ابتاع عبدًا بثوبين فهلك عنده أحدهما فكذلك هذا.
الجزء: 14 - الصفحة: 81
[مسألة: الفرق بين مسألة المفلس الذي حصل عنده نماء حيث يرد الأصل دون النماء، ومسألة الرد بالعيب حيث يرد الأصل والنماء] م: والفرق بين التفليس، والرد بالعيب في هذا أن المبتاع في الرد بالعيب مختار للرد، وقد كان له أن لا يرد، ويأخذ قيمة العيب فلما اختار الرد وأخذ ثمنه وجب عليه أن يرد ما أخذ في الولد إذ ليس الولد بغلة فكذلك ثمنه، وفي التفليس البائع هو مختار للرد وقد كان له أن يحاص بثمنه فلما اختار الرد لم يكن له إلا عين ما باع لقول النبي -صلى الله عليه وسلم-: «أيما رجل أفلس فأدرك ماله بعينه فهو أحق به من غيره» فدل بذلك أن ما فات فلا حق له فيه والولد قد فات ولما لم يكن له أن يترك الأم، ويحاص بثمنها، وبثمن الولد؛ لأنه لم يكن له عليه إلا ثمن واحد فكذلك لا يكون له أن يأخذ الأم ويحاص بثمن الولد نفسه وبالله التوفيق.
الجزء: 14 - الصفحة: 82
فصل [4 - من قام بعيب بعد تعليم صنعة أو كبر صغير أو هرم كبير]
ومن المدونة: قال مالك: ومن ابتاع عبدًا أعجميًا فعلمه البيان، أو صنعة نفيسة فارتفع ثمنه لذلك، أو ابتاع أمة فعلمها الطبخ والغسل ونحوه فارتفع ثمنها لذلك، ثم ظهر على عيب فليس ذلك فوتًا، وله أن يرد أو يحبس ولا شيء له.
وأما صغير يكبر، أو كبير يهرم فذلك فوت يمنع من رده ويوجب له الرجوع بقيمة العيب، وإن كره البائع، وقد تقدم الاختلاف في هذا الباب الأول.
قال بعض فقهائنا القرويين: وكان يجب في تعليم العبد والأمة الصنعة أن يمسك ويرجع بقيمة العيب لما أخرج في تعليمها، وقد قال أشهب فيمن أعتق عبدًا وعليه دين فبيع في دينه، ثم أيسر الذي بيع عليه، ثم أعدم فوجد مشتري العبد بالعبد عيبًا كان عند بائعه فكان له رده عليه فخاف إن رده أن يعتق عليه لليسر الذي كان حدث له ويتبعه بالثمن متى أيسر فأراد الرجوع بقيمة العيب فقال: ذلك له للضرر الداخل عليه، وقد تقدمت مسألة الذي اشترى سلعة فأدى في حملها ثمنًا ثم وجد عيبًا أن له أن يمسك، ويرجع بقيمة العيب فهذا مثله.
الجزء: 14 - الصفحة: 83
فصل [5 - تفسير الرجوع بقيمة العيب]
قال ابن القاسم: وتفسير الرجوع بقيمة العيب أن ينظر إلى قيمة الجارية صحيحة يوم اشتراها على أن لا عيب بها فيقال: مئة دينار، وقيمتها حينئذٍ على أن بها العيب فيقال: ثمانون دينارًا فقد نقصها العيب الخمس فيوضع عن المشتري ما بين القيمتين، وهو خمس الثمن كان الثمن أكثر من القيمة أو أدنى فإن كان الثمن خمسين حط عنه عشرة؛ لأنه باعه خمسة أجزاء فدفع إليه أربعة وبقي عنده جزء فوجب أن يرجع بثمنه فيصح له في الأربعة أجزاء أربعون.
قال: وإن أراد أن يردها ويرد معها ما نقصها فتقوَّم أيضًا كما ذكرنا ليعلم ثمن ما قبض المبتاع ليغرم قيمة العيب منه إذ ليس عليه أن يغرم قيمة العيب من أمة صحيحة، ولكن من أمة معيبة كما قبض وتفسير ذلك أن يقال: ما قيمتها يوم وقع الشراء صحيحة بلا عيب؟ فيقال له: مئة وما قيمتها حينئذٍ وبها العيب القديم؟ فيقال: ثمانون فيطرح للمشتري من الثمن الذي اشتراها به خمسه،
الجزء: 14 - الصفحة: 84
وتبقى أربعة أخماسه فذلك ثمنها يوم قبضها، ثم ينظر الثالثة إلى قيمتها يوم وقع الشراء بالعيبين القديم والحادث فإن قيل: ستون فقد نقصها العيب الحادث ربع ما تبقى من ثمنها بعد أن أسقط عنه خمس الثمن، فإن كان الثمن كله خمسين فإن رجع بقيمة العيب رجع بخمس الثمن عشرة، وإن ردها وما نقصها غرم ربع ما بقي من الثمن وهو عشرة فيقاصه بذلك من ثمنها ويأخذ ما بقي.
م: وهذا معنى ما في المدونة، وكذلك فسره ابن المواز، وهذا أبين وأقيس، وبالله التوفيق.
م: وقال أحمد بن المعذل: إذا طلع على عيب قديم، وحدث عنده عيب، فإن أحب أن يتمسك بالعبد فليرجع بقيمة العيب من الثمن الذي اشتراها به ينظر
الجزء: 14 - الصفحة: 85
إلى قيمة العبد يوم الشراء، وإذا أحب أن يرده رده ورد معه قيمة العيب يوم الرد، ينظر كم قيمته يومئذٍ وبه العيب القديم؟ وكم قيمته وبه العيب الثاني؟ فيرد معه قيمة العيب الثاني، وليس في هذا العيب مرجع إلى أصل ثمن؛ لأنه فسخ بيع، ألا ترى لو نمى العبد أو نقص لرد بنمائه ونقصانه ولا شيء عليه، فكذلك يرد قيمة العبد يوم الرد، والعيب القديم البائع ألزمه للمشتري يوم الشراء، فيومئذٍ ينظر إلى قيمته ويرجع عليه المبتاع في الثمن الذي أخذه منه ولم ينفسخ بينهما بيع، قال: وما أعلم أن أحدًا من أصحابنا تكلم عليها.
م: وحكي لنا عن بعض فقهائنا القرويين أنه قال: لو رأى ابن المعذل كلام ابن القاسم لم يخالفه، ولظهر له صوابه؛ لأن ما نقصه بالعيب الحادث قد فات بيد المبتاع فكأنه قد تم فيه البيع فيحاسب فيه بما يخصه من الثمن ويرد ما بقي من العبد إذ لم يتم فيه بيع فيأخذ ما يخصه من الثمن وهذا بيّن.
م: وما نقصه كطعام أكله ثم أطلع على عيب فإنه يرد ما بقي، ويرجع بحصته من الثمن ويبقى عليه ما أكل بحصته من الثمن، وهذا بيّن وبالله التوفيق.
الجزء: 14 - الصفحة: 86
[الباب السادس]
في من ابتاع أمة على جنس فوجدها على خلافه
[فصل 1 - من ابتاع أمة على أنها جنس فأصابها من جنس آخر]
قال ابن القاسم: ومن ابتاع أمة على أنها بربرية فأصابها خراسانية فله ردها.
قال في كتاب محمد: وكذلك إن اشتراها على أنها خراسانية فأصابها بربرية فله أن يردها لإشكال ما بينهما يريد محمد ليس إحداهما بأفضل بأمر بيَّن.
قال في المدونة: وإن شرطها صقلية أو أبرية أو أشبانيه فأصابها بربرية أو خراسانية فلا يردها؛ لأن هذا الجنس أفضل مما شرط، وإنما يذكر الأجناس لفضل بعضها على بعض، فإذا وجد أرفع جنسًا مما طلب فلا رد له إلا أن يعلم أن المبتاع أراد بذلك وجهًا فيرد مثل أن يكره شراء البربرية لما يخاف من أصولهن، وحريتهن، وسرقتهن ونحو ذلك فيرد وما لم يكن على هذا الوجه وليس فيه عيب يرد به أو يضع من الثمن فلا رد له.
الجزء: 14 - الصفحة: 87
وفي كتاب محمد: من اشترى جارية على أنها نصرانية فأصابها مسلمة فقال: إنما أردت أن أزوجها غلامي النصراني فإن علم ذلك ردها وإن لم يعلم ذلك لم يردها.
[فصل 2 - من اشترى جارية يريد اتخاذها أم ولد
فإذا نسبها من العرب]
ابن القاسم: ولقد سمعت مالكًا وسأله ابن كنانة ونزلت هذه المسألة بالمدينة في رجل اشترى جارية أراد أن يتخذها أم ولد فإذا نسبها من العرب، فأراد ردها لذلك، وقال: أخاف إن ولدت مني وعتقت يومًا جر العرب ولاءها دون ولدي.
قال مالك: لا أرى هذا عيبا ترد به.
قال بعض فقهائنا القرويين: معنى قوله جر العرب ولاءها دون ولدي: يريد ميراثها إذ الأغلب أن لها عصبة يرثونها، والولاء إنما يورث به بعد عدم النسب فكأنه يقول: يبعد ميراثها بالولاء لكثرة عصبتها.
الجزء: 14 - الصفحة: 88
م: قال المغامي: قوله يجر العرب ولاءها يريد أن نسبها يستفيض ويغلب حتى ينسي ولاءها فيقال: فلانة بنت فلان، ولا يقال: فلانة مولاة فلان هذا الذي يجر من الولاء؛ لأن الولاء لا ينتقل عن المعتق بحال لقوله -صلى الله عليه وسلم-: «إنما الولاء لمن أعتق».
[فصل 3 - القرشي إذا تزوج أمة رجل ثم ولدت ولدًا أعتقه صاحب الأمة
فإنه يرجع إلى أنساب قريش]
وسئل يحي بن عمر عن قرشي تزوج أمة رجل من العجم فأولدها فأعتق الرجل ولد القرشي أنهم يرجعون إلى أنساب قريش حتى كأنهم لم يمسهم رق قط، وكذلك جميع العرب؛ لأن أنسابهم معروفة يتوارث بها، واحتج
الجزء: 14 - الصفحة: 89
بمسألة مالك رحمه الله، وفي كتاب العتق من المستخرجة من سماع سحنون في رجل أعتق ابن أمته من رجل عربي هل يثبت ولاؤه له؟ ولكنه ينسب إلى نسب أبيه وعشيرته، ولا يرثه الذي اعتقه، وقال سحنون.
وقال بعض الأنلسين: جميع أصحاب مالك مجمعون على أن الولاء لمن أعتق ما لم يكن المعتق من العرب فلا يكون لمن أعتقه ولاءه إلا أشهب فقال: ولاؤه لمن أعتقه.
م: وهذا الذي ذكر لا وجه له والصواب من ذلك أن الولاء لمن أعتق كان المعتق عربيًا أو عجميًا، والدليل على ذلك قوله -صلى الله عليه وسلم-: «الولاء لمن أعتق» فهو على عمومه.
قال ابن شفاعة: واتفق علماء الأمصار أن الولاء نسب ثابت للمعتق من معتقه، وأن حكم المولي المعتق حكم العصبة يعقل عن مولاه من أسفل ويرثه إذا لم يكن له عصبة.
قال: ولم يختلف أهل العلم أن أهل الكفر من العرب وغيرهم لم يزالوا في الجاهلية يُغيِرُ بعضهم على بعض، ويسبي بعضهم بعضًا، ويسترقه، ثم جاء الإسلام وفي يد المشركين رقيق مما كانوا يسبونه في الجاهلية فأقرَّ النبي -صلى الله عليه وسلم- كل رجل منهم على ما في
الجزء: 14 - الصفحة: 90
يده، وأجاز شراءهم، وبيعهم، وعتقهم لهم، وجعل الولاء لمعتقه منهم: زيد بن حارثه كان رجلاً من العرب سبي في الجاهلية فاشترته خديجه بنت خويلد، ثم وهبته للنبي -صلى الله عليه وسلم-، فأعتقه فكان ولاؤه له، ومنهم: صهيب بن سنان كان رجلاً من العرب فسبته الروم، فاشتراه أبو بكر الصديق -رضي الله عنه- فاعتقه فكان مولى له.
[فصل 4 - من اشترى أمة على أنها نصرانية فوجدها مسلمة]
ومن العتبية روى عيسى عن ابن القاسم فيمن ابتاع أمة على أنها نصرانية فوجدها مسلمة فكرهها.
وقال: إنما أردت أن أزوجها من عبدي النصراني، فإن عرف ذلك من العذر وشبهه فله ردها بذلك؛ لأن ذلك يضطره إلى شراء غيرها
الجزء: 14 - الصفحة: 91
وإن لم يعلم لذلك وجه فلا رد له.
وقال أصبغ: أو اليمين عليه ألا يملك مسلمة، وقد اشترطه فله شرطه، وكذلك في كتاب ابن المواز.
وقال عن أصبغ: وذلك إذا اشتراها بشرط، والشرط ضعيف.
م: قيل لأبي بكر بن عبد الرحمن: فإن ثمن النصرانية صقلية أكثر من ثمن المسلمة بتفاوت كثير.
قال: إذا كان الأمر على ما ذكرت فإنه يردها، وإنه لشديد أن يكون الإسلام عيبًا.
[فصل 5 - من اشترى عبدًا على أنه أعجمي فوجده فصيحًا]
ومن الواضحة: ومن ابتاع عبدًا أو أمة على أنه أعجمي فألفاه فصيحًا، أو على أنه مجلوب فألفاه مولودًا فهو عيب يرد به رفيعًا كان أو وضيعًا لرغبة الناس في المجلوب لغير وجه، وقال أصبغ في العتبية عن ابن القاسم.
الجزء: 14 - الصفحة: 92
[الباب السابع]
فيمن دلس في عبد بعيب فهلك بسببه
[فصل 1 - السلعة المدلسة بعيب تهلك بسببه يكون ضمانها من البائع]
روى سحنون أن السبعة من فقهاء التابعين قالوا فيمن دلس بعيب في أمة أو عبد فهلك بسبب ذلك العيب فهو من البائع ويأخذ المبتاع منه الثمن كله.
قال بعض البغداديين: دليلة المرأة تغر من نفسها أن للزوج الرجوع عليها بجميع الصداق إلا قدر ما يستحل به فرجها؛ لأنها مدلسة بذلك العيب فكذلك هذا.
قال مالك في من باع عبدًا دلس فيه بعيب فهلك العبد بسبب ذلك العيب أو نقص: فضمانه من البائع، ويرد جميع الثمن كالتدليس في المرض فيموت منه أو بالسرقة فيسرق فتقطع يده فيموت من ذلك أو يحي، أو بالإباق فيأبق فيهلك، أو ذهب فلم يرجع.
الجزء: 14 - الصفحة: 93
قال ابن شهاب: أو بالجنون فخنق فمات من ذلك فهذا كله ضمانه من البائع، ويرد جميع الثمن.
قال مالك: وهذا بعد أن يقيم المتباع ببينة أن العيب قديم، وأن البائع باعه بعد علمه به فإن ثبت علم البائع بهذا كله حين البيع ودَّي جميع الثمن.
قال ابن القاسم: وإن كان لم يدلس؛ لأنه باعه وهو غير ذاكر للعيب فليس للمشتري إلا قيمة عيبه ولو قال: علمت بالعيب ولكني أُنسيت أن أذكره عند البيع حلف على ذلك ولم يكن عليه إلا قيمة العيب.
ابن المواز: قال ابن القاسم عن مالك: وإذا دلس بالإباق فأبق العبد فقام المبتاع بذلك فقال البائع: لم يأبق عندك ولكن غيَّبته أو بعته، ولم يقبل قول البائع، ولم يكن على المشتري أكثر من يمينه: ما باع ولا غيَّب ولقد أبق منه، ثم يأخذ ثمنه منه، وليس عليه أن يقيم البينة أنه أبق منه.
الجزء: 14 - الصفحة: 94
[وتحت هذا الفصل عدة مسائل]
المسألة الأولى: من باع سلعة كتم بعض عيوبها هل يكون حكمه حكم
من كتم جميع العيوب؟]
م: وسئل أبو بكر بن عبد الرحمن عن الذي يبيع عبدًا ويقول للمشتري أبق مني شهرًا وهو قد أبق سنة ونحو ذلك من العيوب التي يكتم بعضها.
هل يكون حكمه حكم من كتم جميع العيوب أم لا؟ فقال: الذي عندي إنه إن هلك العبد في المقدار الذي بّين له فأقل فلا يكون كالمدلس، وإنما يرجع عليه بقيمة العيب، وإن هلك في الذي دلس عليه به فليرجع عليه بجميع الثمن مثل أن يقول: أبق شهرًا وهو قد أبق سنة، فإن أبق فهلك في الشهر فأقل فلا يكون كالمدلس، وإنما يرجع عليه بقيمة العيب، وإن هلك بعد الشهر فيرجع عليه بالثمن كله لهلاكه فيما دلس به، وكذلك لو أبق إلى بلد فذكر له أنه أبق إلى بلد أقرب من ذلك، فإن أبق في مثل تلك المسافة التي بَّين له فأقل فهلك فيها لم يكن كالمدلس، وإن زاد
الجزء: 14 - الصفحة: 95
عليها فهلك في تلك الزيادة رجع عليه بجميع الثمن، ولا يراعى في ذلك هل بين له أكثر العيب أو أقله وإنما يراعى ما ذكرنا.
وقال غيره من أهل بلدنا: إذا قال: أبق مرة وقد كان أبق مرتين فأبق عند المشتري فهلك بسبب الإباق، فإنما يرجع بقدر ما كتمه بخلاف أن لو دلس بجميع الإباق.
وقال غيره: إن بَّين له أكثر العيب الذي هلك بسببه رجع المشتري هاهنا بقدر ما كتمه، وإن كتمه أكثر العيب رجع المشتري بجميع الثمن.
[المسألة الثانية: إذا باع سلعة بها عيب لم يطلع عليه المشتري ثم
إزداد ذلك العيب فأراد المشتري ردها]
وسئل أبو بكر بن عبد الرحمن إذا باع عبدًا وبه ورم، ثم اتسع ذلك الورم عند المشتري فقام عليه بذلك الذي لم يعلمه به فقال البائع: قد زاد ورمه عندك فرد على ما نقصه، فقال: لا شيء عليه؛ لأنه هو الذي بسببه يقوم المشتري ولذا يكون عليه ما نقص لو حدث عنده به ورم في موضع آخر، وكذلك كل العيوب التي
الجزء: 14 - الصفحة: 96
يقوم بها من إباق وغيره إذا زادت عند المشتري لا شيء على المشتري فيها؛ لأن ذلك هو الذي بسببه يقوم على بائعه، وسواء دلس بذلك أم لا.
وقال غيره: إذا كان البائع غير مدلس فزاد الورم كثيرًا فعليه ما نقص كما لو هلك بسببه فإنه يرجع بقيمة العيب وضمانه من المشتري، فإذا كان ضمانه منه فكذلك ضمان ما نقصه.
م: صواب.
ومن الواضحة قال ابن دينار: ليس الإباق كالسرقة، وإذا هلك في إباقه فللمبتاع قيمة عيب الإباق فقط إذا لم يعطبه الإباق إلا أن يلجئه الهرب في عطب كالنهر يقتحمه، أو يتردى من مهواة فيهلك، أو يدخل مُدَّخلاً فتنهشه حية ففي هذا يرجع بجميع الثمن، وقال جميع أصحاب مالك بقول مالك؛ لأنه بالإباق ضمنه حين دلس به.
الجزء: 14 - الصفحة: 97
[فصل 2 - هل يضمن المبتاع ما حدث بالسلعة
من ضرر بسبب عيب التدليس؟]
ومن المدونة قال مالك: ولا شيء على المبتاع فيما حدث بالعبد من عيب بسبب عيب التدليس، وأما ما حدث به من غير سبب عيب التدليس فلا يرد إلا مع ما نقصه ذلك، أو يحبسه ويرجع بعيب التدليس كما فسرناه.
[فصل 3 - من باع جارية ودلس بحملها فماتت منه
ولم يعلم به المبتاع]
قال في باب بعد هذا: ومن باع جارية حاملاً، ودلس بحملها فماتت منه، ولم يعلم به المبتاع فله الرجوع بالثمن، ولو علم فلم يردها حتى ماتت منه كانت من المبناع.
ابن المواز: قال أشهب: ولا رجوع له بثمن ولا قيمة عيب.
قال في المدونة: إلا أن يبادر في الطلب ولم يفرط لقرب ذلك، أو لم يعلم إلا عندما ضربها الطلق، فطلب الرد فلم يصل إليه أو إلى السلطان حتى ماتت فهي من البائع.
وكذلك لو مضى بعد علمه وقت [يعلم] في مثله ما يرد ولكن لا يعد فيه راضيًا لقربه كاليوم ونحوه، ويحلف بالله أنه لم يكن منه رضى ولا كان إلا على القيام؛ وإن لم يدلس له البائع فإنما له الرجوع بما بين الصحة والداء.
الجزء: 14 - الصفحة: 98
[الباب الثامن]
في من باع عبدًا بعبد أو بعرض أو بما يكال أو يوزن ثم قام بعيب
[فصل 1 - من باع سلعة بسلعة ثم قام بعيب فله ردها ولا شيء عليه]
قال مالك: وإن ابتعت من رجل عبدًا بعبد، أو بعرض فأصبت به عيبًا فلك رده ولا شيء عليك فيما دخله عندك من نقص خفيف أو حوالة سوق.
م: لأن ذلك لا يفيت الرد بالعيب لدخول الضرر على المبتاع بإلزامه سلعة معيبة لم يرض بها، ويفيت عوضها؛ لأنه أخرجه من يده على المعاوضة فقيمته عرض له ولم يدخل ظلم على واحد منهما.
قال مالك: فإذا رددت العبد بالعيب رجعت فيما دفعت من عبد أو عرض فتأخذه إلا أن يهلك عند مبتاعه منك أو يبيعه أو يتغير عنده في سوق أو بدن فلا يكون لك أخذه ولا أخذ ما باعه به وإنما لك قيمته يوم ابتاعه منك.
[فصل 2 - من باع سلعة بما كال أو يوزن ثم قام بعيب]
قال: ولو كانت ابتعت العبد من طعام أو غيره فرددت العبد بالعيب وقد تلف الثمن الذي دفعت فيه فإنك ترجع بمثل ما دفعت من الكيل أو الوزن كالعين.
الجزء: 14 - الصفحة: 99
م/ لأن المبتاع لما يكال أو يوزن قبض ذلك وصار في ضمانه فإذا وجب الرجوع فيه لانتقاض البيع وقد فات صار المبتاع له كمن أتلف شيئًا غيره فعليه مثله؛ لأنه مما يقضى بمثله في المتلفات والتعدي كالعين، وأما لو بعت قمحًا أو ما يقضى بمثله هو بعينه فاستحق لوجب إنتقاض البيع ولم يقض عليه بمثله بخلاف أن لو بعت بعين فاستحق ذلك العين فهذا يجب عليك مثله، والفرق أن هذه الأشياء تراد لعينها فإنما باعه ذلك العين ولم يخلد له في ذمته شيء فإذا استحق بطل فيه البيع، ولم يكن له عليه مثله والدنانير لا تراد لعينها فإنما باعه بشيء في ذمته فعليه مثله في ذمته، فإذا استحق فعليه مثله في ذمته فهذا مفترق.
الجزء: 14 - الصفحة: 100
[الباب التاسع]
جامع القول في فساد البيع وصحته وما يفيته قبل قبضه
[فصل 1 - ما يحدثه المبتاع في البيع الفاسد من عتق]
قال ابن القاسم: ومن ابتاع عبداً فاسداً فلم يقبضه حتى أعتقه المبتاع لزمه العتق ويصير ذلك قبضاً, ويغرم قيمته إن كان له مال فإن لم يكن له مال: لم يجز عتقه.
يريد ويرد إلى بائعه لانتقاص العتق كما لو كاتبه فعجز أنه يرد إلى بائعه منه بيعاً فاسداً.
وعند أشهب قد أفاته بالعتق فيباع في عدمه عليه في القيمة التي قد لزمته كما لو كاتبه فعجز فيرد إلى بائعه أنه يباع عليه في القيمة في عدمه, وقاله بعض القرويين.
قال ابن القاسم: وإنما أجزنا عتق المبتاع فيه وإن كان في ضمان البائع كما لو ابتاع عبداً غائباً بيعاً صحيحاً, واشترط على البائع أنه منه يقبضه فأعتقه المبتاع بعد الشرط جاز عتقه وإن كان في ضمان البائع.
الجزء: 14 - الصفحة: 101
وقال سحنون في البيع الفاسد: لا يجوز فيه عتق المبتاع قبل قبضه؛ لأنه بيع غير منعقد, وضمانه من بائعه حتى يقبضه المشتري.
قال ابن القاسم: ولو أعتقه البائع بعد قبض المشتري, وقبل موته لزمه عتقه ورد الثمن.
وقال أشهب في كتاب محمد: لا عتق للبائع فيه بعد قبض المشتري ولو رده عليه؛ لأنه أعتق ما ضمانه وملكه بيد غيره.
م: أعرفْ أن من أعتق العبد من المتابعين في البيع الفاسد فعتقه ماضٍ كان العبد بيده أو بيد صاحبه فإن أعتقاه جميعاً كان المعتق للأول, فإن جهل الأول منهما فقال بعض أصحابنا: ينبغي أن يمضي عتق من كان العبد بيده, والله أعلم.
[فصل 2 - للبائع عدم دفع العبد للمشتري قبل قبض الثمن وعتقه قبل دفع الثمن كالقبض]
قال: ومن اشترى عبداً فللبائع أن يمنعه من قبضه حتى يدفع إليه الثمن فإن اعتقه المبتاع بعد الصفقة وقبل دفع الثمن جاز عتقه -ويصير ذلك
الجزء: 14 - الصفحة: 102
قبضاً؛ لأن العبد قبض نفسه بالعتق, ويغرم المشتري جميع ثمنه -إن كان له مال فإن لم يكن له مال رد العتق, وبيع في الثمن يريد إلا أن يكون فيه فضل عن ذلك الثمن فيعتق ذلك الفضل.
م: ويباع على التبَّعيض وصفة ذلك أن يقال: كم يشتري منه بالثمن وهو مئة فيقال تسعة أعشاره فيقول غيره: أربعة أخماسه, ويقول آخر: سبعة أعشاره حتى يقف على جزء منه ويعتق ما لم يبع, وكذلك في مسالة البيع الفاسد إذا كان فيه فضل عن القيمة مثل أن يتأخر القيام عليه حتى يزيد سوقه فيقال: قيمته يوم العتق مئة, وقيمته اليوم مئتان فيباع, نصف للقيمة إن وجد من يشتريه بمئة ويعتق ما بقي.
ابن المواز: وقال الأشهب: فإن كانت القيمة التي لزمت المبتاع أكثر من الثمن الذي عقد به البيع فليرد من أعتق العبد.
م: قدر الثمن فقط؛ لأنه لم يلزمه ما سواه من بقية القيمة إلا بعد عتقه ولكنه يتبع بذلك ديناً.
ابن المواز: وهذا مذهب ابن القاسم.
وفي كتاب العتق زيادة في هذا.
ومن المدونة قال مالك: إلا أن ييسر قبل البيع فيجوز ذلك العتق, ويؤخذ ذلك الثمن في البيع الصحيح أو القيمة في البيع الفاسد من ماله.
الجزء: 14 - الصفحة: 103
قال مالك: ولو بيع عليه بالقضاء/ ثم رجع إليه بشراء أو غيره لم يعتق عليه, وإن كانت أمة حل له وطئوها.
[مسألة: من أسلم في عرض موصوف سلماً فاسداً ثم باعه أن ذلك فوت]
م: وذكر عن أبي عمران في من أسلم في عرض موصوف سلماً فاسداً ثم باعه بيعاً صحيحاً أن ذلك فوت كسلعة معينة اشتريت شراء فاسداً, وباعها مشتريها بيعاً صحيحاً قبل القبض أو بعده أو اكترى دراً كراء فاسداً ثم أكرى ذلك من غير كراء صحيحاً.
وذكر عن أبي بكر ابن عبد الرحمن في مسألة السلم أنه قال: ليس عقد البيع فوتاً بل يفسخ, وهو بخلاف السلعة المعينة, وفي المعينة اختلاف من قول مالك.
م: وأرى ذلك ما ذكر ابن المواز من اختلاف قول مالك في اشتراء الثمرة قبل بدو صلاحها ثم يبيعها بعد ذلك.
الجزء: 14 - الصفحة: 104
[فصل 3 - بيع سلعة حاضرة بسلعة غائبة موصوفة جائز]
ومن المدونة قال ابن القاسم: وإن ابتعت سلعة حاضرة بسلعة غائبة في بيتك موصوفة فالبيع جائز.
م: وفي كتاب ابن المواز لا يجوز بيع السلعة في بيتك على الصفة إذ لا ضرورة تدعوهما إلى ذلك وهذا بيَّن.
قال في المدونة: وكذلك إن كانت سلعتك بموضع قريب يجوز فيه النقد, ووصَفْتَها له جاز ذلك, فإن هلكت سلعتك في الوجهين قبل وجوب الصفقة رددت التي قبضت إلا أن تفوت التي قبضت عندك ببيع, أو عتق, أو حوالة سوق فيلزمك قيمتها يوم التبايع, ولو كانت سلعتك بموضوع بعيد لا يصلح فيه النقد وشرطت قبض التي قبضت فسد البيع, وترد التي قبضت إن كانت قائمة, وإن بعتها, أو أعتقها بعد ذلك لزمتك قيمتها يوم قبضتها ولو أعتقها في الوجهين ولا مال لك رد العتق.
الجزء: 14 - الصفحة: 105
[فصل 4 - الضمان في البيع الفاسد من البائع حتى يقبض المبتاع]
قال مالك: وكل بيع فاسد فضمان ما يحدث بالسلعة في سوق, أو بدن من البائع حتى يقبضها المبتاع.
قال ابن القاسم: وإن كانت جارية فأعتقها المبتاع قبل أن يقبضها أو كاتبها, أو دبرها, أو تصدق بها قبل أن يقبضها فذلك كله فوت إن كان له مال.
وأما إن حدث بها عيب, أو تغير سوق, أو بدن, أو ماتت, وذلك كله قبل أن يبضها المشتري فضمان ذلك من البائع؛ لأنه بيع فاسد فلا يضمن ذلك المبتاع حتى يقبض, وأما العتق, والكتابة, والتدبير, والصدقة فهو أمر أحدثه المشتري فضمن ما أحدث إذا كان يقدر على ثمنها.
م: واختلف إن باعها قبل أن يقبضها فحكى عن أبي محمد بن أبي زيد أن ذلك ليس بفوت بخلاف العتق؛ لأن العتق قبض وله حرمة فأجيز لذلك.
الجزء: 14 - الصفحة: 106
وحكى لنا عن أبي بكر بن عبد الرحمن أن البيع فوت, وإن لم يقبضه المبتاع كالصدقة به م: وهذا أشبه بظاهر الكتاب؛ لأنه أمر أحدثه المبتاع فهو بخلاف ما أحدثه البائع أو كان من أمر الله تعالى.
م: ولأن الصدقة تفتقر إلى القبض, والبيع لا يفتقر إلى القبض فإن كان في الصدقة فوت فهو في البيع أحرى أن يكون فوتاً؛ ولأن حق المتصدق عليه عن غير عوض, وحق المبتاع عن عوض, وما كان عن عوض فهو أقوى كالدين, والميراث أن الدين لما كان عن عوض بُديّ به على الميراث.
وقد قال مالك في كتاب ابن المواز في من اشترى تمراً في رؤوس النخل قبل طيبه فباعه بعد طيبه قبل جده أن بيعه فوت, وعليه قيمته يوم بدا صلاحه.
قال محمد: بل قيمته يوم باعه المشتري.
قال وقد كان مالك يقول: يرد عليه عدد المكيلة تمراً.
الجزء: 14 - الصفحة: 107
م: يريد يسأل المشتري منه كم جدَّ منه؟ فيرد مثله.
م: فقد جعل مالك بيع التمر في هذا فوتاً فهي كبيع العبد قبل قبضه.
وقد قال ابن القاسم في من أكترى دراً كراءً فاسداً فيكريها من غيره كراء صحيحاً مكانه أن ذلك فوت, ولا ينقص الكراء الآخر, ويرجع فيه إلى قيمة كراء مثلها ما بلغ؛ لأن الكراء بمنزلة البيع الفاسد, ويتم الكراء الثاني.
قال أصبغ: وهو الشأن/ في ذلك, والصواب فيه, وهذا أمر بين يغني عن الاحتياج, وبالله التوفيق.
[فصل 5 - الجارية يكاتبها المشتري ثم تعجز هل يعد فوتاً؟]
ومن المدونة قال ابن القاسم: وإذا قبض الجارية المبتاع فكاتبها ثم عجزت بعد أيام يسيرة فله الرد إلا أن يتغير سوقها قبل رجوعها إليه فذلك فوت, وإن
الجزء: 14 - الصفحة: 108
عاد لهيئته أو يمضي للأمة مثل الشهر فلا بد أن تتغير في بدنها فتفوت.
وأشهب يفتيها بعقد الكتابة, وإن عجزت من ساعتها.
[فصل 6 - حكم بيع الجارية ورهنها وإجارتها وحوالة سوقها واتخاذها أم ولد في البيع الفاسد]
قال ابن القاسم: وإن اشتراها بيعاً فاسداً فرهنها, أو أجرها فذلك فوت إلا أن يقدر على افتكاكها من الرهن, أو يقدر على فسخ الإجارة فلا أراه فوتاً.
قال أبو محمد: وقال أشهب: إذا رهنها فقد لزمته القيمة.
ومن المدونة قال: وإن اتخذها أم ولد في البيع الفاسد, أو باعها كلها, أو نصفها, أو حال سوقها فقط فذلك فوت في جميعها.
قال ابن المواز: ومن ابتاع حلياً بيعاً فاسداً فإن كان جزافاً فاتته حوالة الأسواق فليرد قيمته, وإن كان على وزن لم يفته ذلك ورد وزنه.
[فصل 7 - المسلم يشتري الجارية من ذمي بخمر ثم يعتقها, أو يُحْبِلها فما الحكم؟]
ومن المدونة قال: وإن اشترى مسلم جارية من ذمي بخمر فأعتقها, أو أحبلها فذلك فوت, وعليه قيمتها.
الجزء: 14 - الصفحة: 109
قال سحنون في غير المدونة: ويؤخذ الخمر من هذا النصراني أو مثلها إن كان أتلفها فيهراق, وقاله أشهب.
م: وهذه المسألة تجري على اختلافهم في المسلم يبيع خمراً من نصراني بدنانير فعلى قول ابن القاسم الذي قال فيه: يؤخذ الثمن من النصراني فيتصدق به يجب أن يتصدق هاهنا بقيمة الجارية, ويترك الخمر للنصراني, ولو كانت الجارية قائمة لبيعت عليه وتصدق بثمنها أدباً له, وعلى قوله: لا يؤخذ الثمن من النصراني وإن أخذ منه رد عليه, وأغرم خمراً مثل ما أخذ فتكسر على المسلم؛ لأن أخذ الثمن منه إجازة لشرائه فيجب في هذه المسألة أن يدفع القيمة إلى النصراني أو الجارية إن لم تفت, ويغرم خمراً مثل ما أخذ فتهراق على المسلم, وهو قول سحنون, وإليه ذهب ابن المواز, وترد الجارية إن لم تفت, ولا فرق بين أن يكون الثمن عيناً أو جارية وهذا بيَّن.
[مسألة: الحكم في من ابتاع سلعاً متعددة بيعاً فاسداً فباع أكثرها]
م: قيل لأبي بكر بن عبد الرحمن في من ابتاع عشر سلع صفقة واحدة فباع تسعة منها فهل ذلك فوت في جميعها لفوت أكثرها أم لا؟ قال: لا بل يرد
الجزء: 14 - الصفحة: 110
الثوب الباقي إن كان قائماً, ولا يراعى فوت أكثر السلع.
قال بعض أصحابنا: فإن قيل: إن فوات أكثر الثياب يبخس هذا الثوب الباقي قيل: يلزمك هذا لو فات ماله بمال مثل نصف الثياب أو أقل؛ لأن الجملة يزاد في ثمنها, وعدم بعضها يبخس ما بقي, وليس هذا مما يراعي في الرد بالعيب والله أعلم.
قيل لأبي بكر بن عبد الرحمن: قد فرقوا في البيع بين الفوت في الرباع والحيوان فهل حكم بيع السلعة بالسلعة كذلك إذا استحقت إحدى السلعتين أو وجد بها عيباً؟ قال: الحكم في ذلك واحد ولا تكون حوالة الأسواق في الربع فوتاً كما هو في البيع الفاسد.
[فصل 8 - إذا وجبت القيمة لم ينظر إلى الثمن إلا في البيع والسلف]
ومن المدونة قال مالك: وإذا وجبت القيمة في البيع الفاسد لم ينظر هل هي أقل من الثمن أو أكثر إلا في البيع والسلف وهذا مذكور في البيوع الفاسدة.
الجزء: 14 - الصفحة: 111
[فصل 9 - من ابتاع جارية على شرط]
قال ربيعة: ومن ابتاع جارية على أن لا يبيع, ولا يهب, أو على أن يلمس ولدها فلا يحل للمبتاع وطؤها على شيء من هذه الشروط, ويخير البائع بين إمضاء البيع بلا شرط أو فسخ البيع, وقد قال عمر بن الخطاب للذي ابتاع أمة من زوجته على أنه متى باعها كانت أحق بها بالثمن: لا تقربها وفيها شرط لأحد.
م: يريد لأنه لم يملكها ملكاً تاماً.
الجزء: 14 - الصفحة: 112
[الباب العاشر]
في من قام بعيب أو بفساد بيع وبائعه غائب واستخدامه بعد علمه بالعيب
/ [فصل 1 - من وجد عيباً قديماً بعبد وبائعه غائب] قال مالك: ومن اشترى عبداً فوجد به عيباً قديماً لا يحدث مثله فرفعه إلى الإمام والبائع غائب فعلى المبتاع البينة أنه ابتاع بيع الإسلام وعدته, فإن أقامها لم يعجل الإمام على القريب الغيبة, وأما البعيد فليتلّوم له إن طمع بقدومه, فإن لم يأت قضى عليه برد العبد ثم يبيعه عليه, ويعطي المبتاع ثمنه الذي نقد فيه بعد أن تقول بينة أنه نقد الثمن وهو كذا وكذا ديناراً فما فضل حبسه الإمام للغائب عند أمين, وإن كان نقصاناً اتبعه به المبتاع.
الجزء: 14 - الصفحة: 113
[فصل 2 - إثبات البيع الفاسد في العبد وبائعه غائب]
قال: ولو أقام المبتاع البينة على الغائب أنه ابتاع منه العبد بيعاً فاسداً, فإن لم يتغير في سوق أو بدن فعل فيه الأمام كفعله في العيوب, وإن تغير في العيوب, وإن تغير في سوق أو بدن ألزم المبتاع قيمته يوم قبضة ويترادان هو والبائع الفضل متى لقيه.
فصل [الحاكم يوقف ما فضل من ثمن السلعة التي قام مشتريها بعيب والبائع غائب بعد بيعها وفي ثمنها فضل ولا يوقفه في فوات السلعة في البيع الفاسد]
م: انظر لم لم يوقف الفضل في فوات العبد كما أوقفه إذا لم يفت أو باعه في العيب؟ فالجواب عن ذلك أن في العيب إذا لم يفت في البيع الفاسد العبد يباع للمبتاع فيقضي منه ثمنه ثم يكون النظر للحكم في الفضلة في أن يوفقها بيد من يحب المبتاع
الجزء: 14 - الصفحة: 114
أو غيره؛ لأنه مال ناض وفي فوات العبد في البيع الفاسد لم يبع فينض من ثمنه فضل وإنما ألزم المبتاع بقيمته فإن كان فضل فهي كدين للغائب على المبتاع وليس للحاكم تقاضي ديون الغائب إلا أن يكون مفقوداً, ونحو هذا لابن أبي زمنين إلا أن في هذا زيادة تفسير.
قال بعض أصحابنا وهذا بخلاف من جنى على مال غائب فإن هذا للسلطان أن يأخذ القيمة من الجاني؛ لأن رب ذلك لم يرض بكون ذلك في ذمته فليس هو كمن رضي بمداينته.
قال بعض فقهائنا القرويين: وإنما, ألزم المبتاع البينة أنه ابتاع بيع الإسلام وعهدته إذا أبى أن يحلف وإلا فالقول مع يمينه في دعواه صحة البيع وأما نقد الثمن فمحمول على العادة.
يريد فإن كانت العادة نقد الثمن حلف أنه نقده وهو كذا, وإن كانت العادة على غير النقد كُلَّف البينة على نقده وعدده.
الجزء: 14 - الصفحة: 115
[فصل 3 - القيام بعيب مفيت وبائعه غائب]
ومن سماع ابن القاسم: ومن ابتاع عبداً فقام فيه بعيب يفيته في يديه وبائعه غائب بمكة أتى به السلطان وأشهد عليه.
-م: يريد ثم لم يحكم له حتى قدم البائع- والعبد مريض قال: فليرده وهو مريض إلا في المرض المخوف.
قال عيسى عن ابن القاسم: فإن كان مخوفاً استوفى به ما لم يتطاول ذلك إلى ما فيه ضرر, فإن تطاول ذلك أو هلك رجع عليه بقيمة العيب.
وابن المواز: ولو كان برؤه قريباً رده.
م: قال بعض أصحابنا: ولو حكم برد العبد حين ثبت عنده قدم العيب ونقد الثمن فسواء وجده صحيحاً أو مريضاً مرضاً مخوفاً أو غير ذلك فلا كلام له في ذلك ويرّجعُ عليه بثمنه أو يبيعه في عدمه أو غيبته ويقضي من ثمنه ثمنه.
الجزء: 14 - الصفحة: 116
ومن كتاب ابن المواز: ومن ابتاع عبداً من رجل فسافر به ثم وجد به عيوباً فأشهد عليها ثم باعه ثم قدم فخاصمه فإن لم يرفع إلى السلطان حتى يقضي له برده وبيعه فلا شيء عليه.
قال ابن المواز: وإن كن في بلد لا سلطان فيه أو فيه سلطان لا يحكم على غائب أو تناول السلطان بعيد رأيت أن يشهد على ذلك ويبيع ويرجع ببقية الثمن.
[فصل 4 - القيام بالعيب في الدابة بعد السفر واستخدامه لها بعد العلم بالعيب]
واختلف قول مالك في الدابة يبتاعها ثم يسافر بها ثم يجد بها عيباً في سفره فروى عنه أشهب أنه حمل عليها بعد علمه بالعيب لزمته.
وقال به أشهب وابن عبد الحكم.
وروى عنه ابن القاسم أن له أن يردها وليس عليه في ركوبها شيء بعد علمه ولا عليه أن يكري غيرها ويسوقها وليركب فإن وصلت بحالها ردها وإن/ عجفت ردها وما نقصها أو يحبسها ويأخذ قيمة العيب إذا نقصت وبه قال ابن القاسم وأصبغ.
الجزء: 14 - الصفحة: 117
م: فوجه رواية أشهب أنه تصرف بعد علمه بعيبها فهو كالحاضر ولا يسقط حق غيره اضطراره إليها؛ لأنه إنما تصرف لحظ نفسه.
ووجه رواية ابن القاسم هو أن المضطر في حكم المكره ولو تصرف مكرهاً لم يسقط خياره فكذلك مع الاضطرار ألا ترى أنه يحل له أكل مال غيره إذا اضطر إليه وخاف على نفسه الموت ففي هذا أحرى.
م: وبه أقول وبه أخذ ابن حبيب.
قال: وإن سافر بما اشتراه يلبسه أو دابة أو جارية أو عرض له نقل وعليه في رد ذلك مؤنة فليقم البينة أنه اشترى بيع الإسلام وعهدته, ولم يتبرأ له من ذلك العيب, فيحلفه السلطان أنه ما تبرأ إليه منه ثم يبيعه على البائع وله الفضل وعليه النقص ويقضي له بذلك, فإن لم يجد بينة فليس له إلا الرضى به أو يرده إلى بلد البائع وله أن يستخدم العبد, وإن كانت أمة فلا يطأها, أو ثوباً فلا يلبسه فإن فعل ذلك رضي بالعيب.
الجزء: 14 - الصفحة: 118
قال: وأما الحاضر فإن له أن يستخدم العبد والأمة خدمة مثلها بعد قيامه إلى أن يقضي له بردهما, ويركب الدابة بالمعروف حتى يقضي له بالرد؛ لأن عليه النفقة والضمان, وأما الثوب فلا يلبسه والأمة فلا يتلذذ منها بشيء.
وقاله كله أصبغ وغيره من أصحاب مالك.
قال أبو محمد: والذي ذكر ابن حبيب من الخدمة خلاف قول ابن القاسم وأشهب وغيره.
وقد قال ابن القاسم في العتبية في الحاضر: يركب الدابة ركوب احتباس لها بعد أن علم بالعيب فإنها تلزمه وذلك رضى, وإن ركبها ليردها وشبه ذلك فلا شيء عليه.
قال في كتاب بيع الخيار: ولو تسوق بها, أو ساوم بالثوب, أو لبسه بعد اطلاعه على العيب فذلك منه رضى بالعيب.
الجزء: 14 - الصفحة: 119
[فصل 5 - القيام بعيب في جارية والبائع غائب هل يحلف أنه ما وطئ بعد علمه بالعيب؟]
ومن العتبية من سماع عيسى عن ابن القاسم في من قام بعيب في أمة اشتراها وبائعها هل يحلف أنه ما وطئ بعد علمه بالعيب قال: إن كان ممن يتهم فليحلف, وإن لم يتهم لم يحلف.
قال سحنون وقال أشهب عن مالك في رد أمة بعيب: فليس للبائع أن يحلفه أنك ما وطئت بعد العلم بالعيب.
وقال سحنون جيد.
الجزء: 14 - الصفحة: 120
[الباب الحادي عشر]
في القيام بما للمكاتب والمأذون من العهدة وشراء العبد نفسه من سيده بسلعة فيجد بها عيباً والعيب يوجد بالصداق أو فيما أخذ من سلم
[فصل 1 - في المكاتب يشتري العبد فيبعه من سيده ثم يعجز المكاتب ويجد السيد بالعبد عيباً]
قال ابن القاسم: وإذا اشترى المكاتب عبداً فباعه من سيده ثم عجز فرجع رقيقاً فوجد السيد بالعبد عيباً كان به عند بائعه من المكاتب فللسيد رده على البائع من المكاتب.
[فصل 2 - المكاتب أو المأذون له يشتري سلعة فيجد بهذه السلعة عيباً بعد عجز المكاتب أو الحجر على المأذون, فعلى من تكون عهدة الرد والعيب أو الرضى به]
ولو اشترى العبد المكاتب أو المأذون له في التجارة رقيقاً ثم عجز المكاتب أو حُجِرَ على المأذون فللسيد القيام بما لهما من العهدة في الرد بالعيب أو الرضى به وليس للعبد إلا أن يرضى به ولو رضي قبل العجز أو الحجر على وجه النظر بغير محاباة لزم ذلك ولا كلام السيد.
[وفيه مسألة: إذا اشترى المكاتب سلعة فمات قبل أن يؤدي كتابته فوجد السيد في السلعة المشتراه عيباً ..]
الجزء: 14 - الصفحة: 121
ولو اشترى المكاتب عبداً فمات المكاتب قبل أن يؤدي كتابته ولم يترك وفاءً بها فوجد السيد بالعبد عيباً بعد أن مات المكاتب فله رده على البائع إلا أن يكون للبائع بينة أنه تبرأ للمكاتب من الغيب وذلك أن مالكاً قال للورثة: أن يقوموا بالعيب فيما ابتاعه الميت, فإن ادعى البائع أنه تبرأ منه الميت كلف البينة وإلا حلف من يظن به علم ذلك من الورثة ورد السلعة.
قال سحنون: أخبرني/ ابن نافع أن الورثة يحلفون على العلم قلت: فإن لم يكن فيهم من يظن به علم ذلك.
قال: فلا يمين عليه عند مالك.
قال: وإذا رد عبد بعيب على المكاتب بعد عجزه أخذ الثمن من ماله فإن لم يكن له مال بيع عليه في الثمن فما فضل فله وما نقص اتبع به.
م: قوله فما فضل فله ومما نقص اتبع به إشارة إلى أن عجز المكاتب ليس بانتزاع لما له, وفي المكاتب بيَّن أن عجزه انتزاع وهذا هو الصواب.
قال ابن القاسم: إن كان على المكاتب دين فإن رضي المبتاع بالرد عليه كان أسوة الغرماء.
الجزء: 14 - الصفحة: 122
م: قال بعض فقهائنا القرويين: وقد قيل أنه يكون أحق به وكذلك اختلف في البيع الفاسد هل يكون أحق به حتى يقبض ثمنه؟
فصل [3 - في الرجل يبيع عبده من نفسه بأمة له ثم يجد بها عيباً]
ومن المدونة قال ابن القاسم: وإذا بعت عبدك من نفسه بأمة له فقبضتها ثم وجدت بها عيباً لم يكن لك ردها عليه وكأنك انتزعتها منه وأعتقته.
قال ابن المواز: ورجع ابن القاسم فقال إن قاطع عبده على جارية بعينها فوجد بها عيباً أنه يردها ويتبعه بقيمتها, وقاله أشهب, وإنما لا يتبعه فيما اعتقه واستثناه بعينه [لأنه] ليس على المبايعة والمكايسة.
[فصل 4 - في الرجل يبيع عبده من نفسه بسلعة ليست للعبد وقت البيع]
ومن المدونة قال ابن القاسم: ولو بعته نفسه بها وليست له يومئذٍ قال يحي: وهي بعينها في ملك غيره.
قال ابن القاسم ثم وجدت بها عيباً يرد منه رددتها عليه وكان العبد تام الحرية جائز الشهادة واتبعته بقيمة الجارية لا بقيمته بمنزلة المكاتب يقاطعه سيده على جارية يأخذها منه ويعتقه ثم يجد بها عيباً أو تستحق فإنما يرجع عليه بقيمتها لا بقيمة الكتابة, لأن ذلك ليس بدين قاطع عليه وهذا كالنكاح بها إذا
الجزء: 14 - الصفحة: 123
ردت بعيب فإنما ترجع عليه الزوجة بقيمتها لا بصداق مثلها إذ لا ثمن معلوم لعوض الأمة فهو بخلاف البيوع.
م: يريد ويجوز أن تقاطع المكاتب على عبده هو في يديه فإذا استحق أو وجد عيباً رجع عليه بقيمته فلا اختلاف في هذا؛ لأن سيده كان غير قادر على أخذ ماله فهو بخلاف العبد وإن أعتق عبده على عبد موصوف فاستحق أو وجد به عيباً رجع عليه بمثله في صفته.
م: فصار ذلك في ثلاث رتب في المعين لا يرجع عليه بشيء, وفي الموصوف يرجع عليه بمثله, وإذا كان المعين لغيره رجع بقيمته.
[فصل 5 - في العبد يكون صداقاً ثم يوجد به عيب أو يستحق]
قال في المدونة وكتاب ابن المواز: وإذا نكحت امرأة بعبد بعينه فظهرت منه على عيب وحدث عندها عيبُ آخر فلها أن تأخذ قيمة عيبه.
قال أبو محمد من قيمته أو ترده مع ما نقص عندها وترجع بقيمته صحيحاً.
الجزء: 14 - الصفحة: 124
ابن المواز ولو استحق بحرية فلا شيء عليها للعيب عندها وترجع بقيمته سالماً.
ومن العتبية قال سحنون عن ابن القاسم: وإن نكحت بعبد مضمون فقبضته فألفته معيباً فلترده فإن فات ردت قيمته وترجع بعبد مثله وكذلك من قبض عبداً من سلم فمات بيده ثم ظهر على عيب فليرد قيمته ويرجع بعبد مثله وقال أيضاً عن سحنون -ولم أره- أنه ينظر ما قيمة العيب منه, فإن كان ربعه رجع عليه بربع عبد ويكون معه شريكاً في مثله.
م: وهذا القياس.
وهو قول ابن القاسم استحساناً فجعله يرد قيمته ويرجع بعبد مثله لضرر الشركة, وقول سحنون جار على قول أشهب الذي لا يراعي ضرر الشركة.
وقال ابن عبد الحكم بما نقصه العيب من قيمته لا من الثمن بخلاف العبد بعينه الذي ينفسخ فيه البيع برده وهذا لو رده رجع بمثله فينظر إلى قيمته سالماً فيقال: مئتان وإلى قيمته وبه العيب فيقال مئة فيرجع/ عليه بمئة.
قال أبو محمد: وهذا لا وجه له؛ لأنه جعله قبض بعض صفقته فيرجع بنصف عبد كما قال سحنون, أو يقول: قبض غير صفقته فيرد قيمته, ويرجع بعبد مثله كما قال ابن القاسم, وهذا أشبه الأقاويل بالصواب.
والله أعلم.
الجزء: 14 - الصفحة: 125
[الباب الثاني عشر]
جامع القول فيما يرد به من العيوب
[فصل - من اشترى داراً فأصاب بها عيباً]
قال مالك رحمه الله: ومن اشترى داراً فوجد بها صدعاً يخاف عليه الدار الهدم منه فليرد به, وإن كان صدعاً لا يخاف على الدار الهدم منه فلا يرد به.
قال ابن المواز: وإذا لم يخف على الدار من ذلك غرم البائع ما نقص من ثمنها وكذلك كل عيب.
م: قال بعض أصحابنا عن أبي بكر بن عبد الرحمن أنه قال: إن قول ابن المواز تفسير لما في المدونة.
قلت له: وما حَدُّ الكثير؟ قال: هو كالاستحقاق إذا بلغ قدر العيب قدر الثلث فأكثر فللمشتري الرد به, كما ترد إذا استحق ذلك منها.
وقال غيره من القرويين في الاستحقاق: إنما يراعي الضرر لا إلى تحديد ثلث ولا غيره.
قال غيره: إنما قال إذا كان لا يخاف الهدم منه لا يرد به ولم يقل ذلك في العروض ولا في الرقيق والثياب وما أشبه ذلك؛ لأن الدور لا يمكن في الغالب الإحاطة بجملة ما فيها من عيب يسير فلو ردت بذلك لدخل الضرر على الناس وكأنها أجزاء عدة فإذا ذهب منها جزء يسير لم يؤثر ذلك في بقيتها فأشبه استحقاق اليسير من الثياب.
الجزء: 14 - الصفحة: 126
[المسألة الأولى: أقسام عيوب الدار]
م قال بعض أصحابنا عيوب الدار على ثلاثة أقسام:
فعيب لا ترد به الدار ولا يرجع بقيمته ليسارته.
وثاني لا ترد به, ولكنه يرجع بقيمة العيب, وذلك كصدع في حائط بعينه.
وثالث ترد الدار من أجله لكثرته, مثل أن يخشى سقوط الدار فيه أو الحائط.
قال: وإنما فارقت الدار سائر السلع في هذا؛ لأن الأغلب في شرائها للقنية لا لطلب الأثمان فلم يكن العيب القليل موجباً لردها, والسلع غيرها, تشتري للأثمان في الأغلب فكان يسير العيب مؤثراً في ثمنها فوجب أن ترد به, كما فرقنا بين الرباع وغيرها في فوت ذلك في البيع الفاسد, فلم يكن حواله الأسواق فيها فوتاً للعلة التي قدمنا.
م: ولو قيل: إن الفرق في ذلك أن الدور لما كان يتعذر بيعها وشراؤها إذ ليس لها سوق كسائر السلع عذرنا البائع والمبتاع في [عدم] ردها بيسير العيب وإن
الجزء: 14 - الصفحة: 127
كان ينقص الثمن؛ لأن البائع إن ردت عليه عسر بيعها بعد ذلك, والمبتاع إن ألزم ردها فقد يتعذر عليه شراء مثلها, والسلع غيرها إذا ردت لم يتعذر على البائع بيعها ولا على المبتاع شراء مثلها؛ إذ لها أسواق بخلاف الدور لذلك جعل رد قيمة العيب الخفيف عدلاً بين المتبايعين في الدور والله أعلم.
م: وكان بعض شيوخنا يذهب في الثياب إلى نحو ما قيل في الدور.
م: ولو قاله قائل في جميع السلع كان صوباً وقياساً.
[المسألة الثانية: هل تعامل الثياب معاملة الدواب في الرد بالعيب؟]
ابن حبيب: وفرق مالك بين الدواب والثياب في الرد بما خف من العيوب فقال: ما وجد في الثوب من خرق أو قطع أو ثقب فله الرد به وإن قل بخلاف ما يخف من عيوب الرقيق.
إلا أن يكون ثوباً يقطع ومثل ذلك يخرج في تقطيعه فلا يكون ذلك فيه حينئذٍ عيباً.
الجزء: 14 - الصفحة: 128
[فصل 2 - من اشترى أمة فوجدها زلاء أو صغيرة القبل]
ومن المدونة قال ابن القاسم: من اشترى أمة فوجدها رسحاء وهي الزلاء فليس بعيب.
وقاله مالك في كتب محمد وزاد إلا أن تكون ناقصة الخلق وكذلك في الواضحة, قال ابن حبيب: الزلاء عيب إلا أنه لا يخفي على المبتاع.
م: يدل قوله على أن ما لا يخفي على المبتاع فلا يرد به وهو قول حسن, وإن كان مالك لم يوجب في العيب الظاهر إلا اليمين.
قال بعض شيوخنا: ولو كانت غائبة فاشتراها على صفة فوجدها زلاء لكان له الرد بذلك على ما/ ذكره ابن حبيب.
الجزء: 14 - الصفحة: 129
ابن المواز وقال أشهب عن مالك: والصغيرة القبل ليس بعيب إلا أن يتفاحش فيصير كالنقص.
[فصل 3 - من اشترى أمة فوجدها زعراء]
ومن المدونة: وإن وجدها زعراء العانة لا تنبت فهو عيب ترد به.
قال في كتاب محمد: وكذلك الزعراء في غير العانة إذا لم تنبت فهو عيب.
قال ابن المواز: يريد مالك إذا لم تنبت في ساقيها وسائر جسدها.
قال ابن حبييب: وهو مما يتقي عاقبته من الداء السوء.
وذكر عن سحنون في زعراء العانة أنه قال: هو عيب في وطئها؛ لأن الشعر يشد الفرج فإن لم يكن شعر استرخى.
الجزء: 14 - الصفحة: 130
[فصل 4 - من اشترى عبداً عليه دين]
ومن المدونة قال: من اشترى عبداً عليه دين فذلك عيب يرد به إن شاء أو يتماسك به والدين باق عليه.
[فصل 5 - من اشترى عبداً له زوجه أو ولد, أو جارية لها زوج]
قال: ومن اشترى عبداً له امرأة أو ولد صغير أو كبير أو جارية لها زوج ولم يعلم بشيء من ذلك فهو عيب يرد به قال ابن القاسم وكذلك إن كان للجارية ولد فهو عيب ترد به.
قال ابن حبيب: وإذا وجد المبتاع للأمة زوجاً حراً أو عبداً, أو وجد للعبد زوجة حرة أو أمة, أو وجد لأحدهم ولداً حراً أو عبداً, أو وجد له أباً أو أماً فذلك كله عيب يرد به إلا أن يموت من ذكرنا من زوج أو زوجة أو ولد أو من كان من الأبوين قبل الرد فلا رد له قاله مالك في هذا, وفيما يزول من العيوب قبل الرد مما لا يخشى عاقبته.
قال ابن حبيب: إلا أن تكون الأمة رائعة فالزوج لهعا وإن مات عيب, للمبتاع الرد به.
قال بعض فقهائنا القرويين: وفي ذلك نظر, لأنه يقول: إن سيدها
الجزء: 14 - الصفحة: 131
كان وهبها لعبده يطؤها ثم انتزعها منه ما كان ذلك عيباً, كما لو كان السيد يطؤها ثم باعه ما كان ذلك عيباً, فإذا وطئت بالتزويج ثم طلقت فلم يبق إلا أنها تعودت الوطء فما الفرق بين أن يكون بتزويج أو بتسرر؟
قال ابن حبيب: وإن وجد له أخ أو أخت فلا يرد به.
م: قال بعض أصحابنا وكذلك إن وجد له جد, وأنا إن وجدت له جدة فهو أشد وأرى أن ترد بذلك؛ لأنه يأوي إليها.
[فصل 6 - من اشترى أمة فوجدها قد زنت عند البائع]
ومن المدونة: ومن اشترى أمة فألفاها قد زنت عند البائع فليس بواجب على المبتاع أن يحدها إلا إن كان ذلك عيباً ترد به في الوخش والعلية.
قال ابن القاسم: وهو عيب في العبد أيضاً.
ومن كتاب ابن المواز والجارية توطأ غصباً ثم تباع فذلك عيباً على المغتصب نقصان الوطء في البكر والثيب وإذا ردها المبتاع بعيب فلا شيء عليه في وطئه إلا البكر يطأها ثم يردها بعيب فليرد ما نقصها.
الجزء: 14 - الصفحة: 132
وكذلك روى ابن حبيب عن مالك في وطء المبتاع قال: وقال ابن وهب وابن نافع وأصبغ: إذا وطئها المبتاع بكراً أو ثيباً فليس له ردها, وإنما له قيمة العيب, وروى أن علي بن أبي طالب وعمر ابن عبد العزيز رضي الله عنهما قضيا بذلك وقاله ابن شهاب وأبو الزناد والليث وبه أقول للذب عن الفرج
الجزء: 14 - الصفحة: 133
وهذا خلاف للمدونة وقد روى سحنون عن عمر وشريح في الرجل يشتري الجارية فيطأها ثم يجد عيباً أنه إن كانت ثيباً ردها ونصف العشر, وإن كانت بكراً رد هو رد العشر.
قال سحنون: وإنما كتب هذا في العشر ونصف العشر وإن كان مالك لا يأخذ به وإنما يقول: ما نقص وطئه حجة على من يقول: أن وطأها فوت مثل الموت والعتق, فهذا عمر وشريح قد رداها على البائع وفيه حجة أيضاً أن المبتاع يرد ما نقص عنده.
[فصل 7 - من اشترى عبداً أو أمة فيجدهما ولدا زنا]
قال ابن القاسم: وإن وجد العبد أو الأمة ولدا زنا فهو عيب يرد به وسمعت مالكاً يقوله في الجارية ورواه ابن وهب عن مالك في العبد.
الجزء: 14 - الصفحة: 134
ابن المواز قال أشهب عن مالك: إذا وجد الغلام أو الجارية أولاد زنى فهو عيب في العلي مما ينقص ذلك من أثمانهم ولا يرد بذلك الوخش إلا أن يكتمه البائع/ ذلك وهو عالم به فيرد ذلك في الوخش أيضاً.
وقال ابن القاسم وابن وهب عن مالك في الجارية ترد بذلك وإن لم يذكرا فارهة أو وخشاً.
وقال ابن حبيب عن مالك: هو عيب في الجارية الرائعة والوخش وفي العبد الرفيع, م: واختصار ذلك أنه لم يختلف في العلي من عبد أو جارية أنه عيب, واختلف في الوخش فقيل: عيب, وقيل: ليس بعيب.
قال ابن المواز: وأما إن ابتاع جارية ليتخذها فقيل له: لا يعرف أبوها فلا رد له وإن كانت ذات ثمن كبير, وكذلك إن أخبر أن أحد جديها أسود فلا رد له.
وقال ابن حبيب عن مالك: أنه عيب في الرائعة تشتري للاتخاذ لما يتقي أن يخرج ولده أسود.
قال: وإن كان أحد أبويها أو جديها مجذوماً فهو عيب في الجارية والعبد في العلي والوخش وكذلك في كتاب محمد قال ابن المواز عن ابن القاسم في من اشترى عبداً فيقول له أهل النظر:
الجزء: 14 - الصفحة: 135
نرى به جذاماً ولا يظهر فيه إلى سنة.
قال: لا يرد بذلك.
قال ابن المواز: لا يعجبني ذلك ويرد كالعبد يقال: إنه سياري, فإنه يرد لما يخاف من جذامه بعد والسياري الذي لا حاجبان له.
[فصل 8 - من اشترى عبداً فوجده مخنثاً]
ومن المدونة: ومن اشترى عبداً مخنثاً فهو عيب يرد به وكذلك الأمة المذكرة إذا اشتهرت بذلك.
ومن الواضحة قال مالك إذا وجد العبد مؤنثاً يؤتي أو وجدت الأمة مذكرة فحلة شِرار النساء فإذا اشتهر بذلك فهو عيب, وأما توضيح كلام العبد وتذكير كلام الأمة وطبعها فلا يردان بذلك.
قال أبو محمد: وهو خلاف للمدونة.
وقال بعض شيوخنا: ليس هذا خلافاً للمدونة.
الجزء: 14 - الصفحة: 136
وفي بعض التعاليق عن أبي عمران قال: شرط في الأمة إذا اشتهرت بذلك ولم يشترط ذلك في العبد؛ لأن العبد المخنث تضعف قوته ولا يوجد فيه من النشاط ما يوجد في غيره من الرجال, وأما الأمة إذا كانت مذكرة كان فيها جميع خصال التي في النساء فلا ينقصها ذلك.
فإن اشتهرت بذلك كان عيباً؛ لأنها ملعونة في الحديث, وما ذكر ابن حبيب غلط بيَّن ولو كان كما قال ما شرط إذا اشتهرت بذلك؛ لأنها إذا فعلته مرة واحدة فهو عيب عظيم.
[فصل 9 - من اشترى أمة فوجدها حامل]
ومن المدونة قال ابن القاسم والحمل في العلية والوخش عيب ترد به, وخالفني ابن كنانة في الوخش وقال: ليس الحمل فيهن عيباً فسألنا مالكاً عن ذلك وقال: هو عيب ترد به.
الجزء: 14 - الصفحة: 137
ابن المواز: وروى أشهب عن مالك لا ترد بالحمل في الوخش.
ومن العتبية قال ابن القاسم عن مالك في من اشترى جملة رقيق من السودان والسمر فيجد فيهم أمة حاملاً فإنها تلزمه ولا رد له.
ولو اشترها وحدها كان له الرد بذلك.
قال ابن المواز: وإن كانت وخشاً في وراية ابن القاسم.
قال: وقال: أشهب في من ابتاع رقيق فوجد بأحدهم عيباً: فإن كان ينقص من ثمن الجملة رده بحصته, وإن لم ينقص لم يرده, وإن كان لو انفرد كان ناقصاً يرد به.
قال ابن المواز: وإنما استحسن هذا في الحمل خاصة لاختلاف قول مالك فيه فأما غيره فليرد بحصته.
[فصل 10 - من اشترى أمة فوجدها تبول في الفراش]
ومن المدونة: قال ابن القاسم: ومن باع أمة رائعة كانت تبول في الفراش, ثم انقطع عنها, فللمبتاع الرد بذلك؛ لأن على البائع أن يبينه له إذا لا تؤمن عودته كالجنون.
الجزء: 14 - الصفحة: 138
وقال أشهب: في البول إلا أن/ ينقطع ويمضي كثير من النساء مما تؤمن عودته فلا يرد به ولا عليه أن يبينه, فأما انقطاع لا تؤمن عودته فله الرد إن شاء.
م: وكذلك قال أشهب, في كتاب محمد, في الجنون.
وقال ابن حبيب في من ابتاع صبية فوجدها تبول في الفراش: فأما الصغيرة جداً فلا رد له بذلك, وإن باعها بعدما كبرت.
قال: وإن كان ذلك بها وقد ترعرعت وفارقت حد الصغر جداً, فذلك فيها عيب بيعت حينئذٍ أو بعدما كبرت وعلى البائع أن يبين ذلك -وإن انقطع- إذ لا تؤمن عودته.
قال: ومن ابتاع أمة فألفاها تبول في الفراش, فليس له ردها حتى يقيم بينة أنها كانت تبول عند البائع, فيردها؛ لأنه مما يحدث في ليلة فأكثر, فإن لم تكن له بينة حلف البائع على علمه, ولا يحلف بدعوى المبتاع حتى توضع بيد امرأة أو رجل له زوجة, فيذكر ذلك, ويقبل قول المرة أو الرجل عن زوجته في ذلك, ويجب اليمين على البائع, وليس بمعنى الشهادة, ولو جاء المشتري بقوم ينظرون مرقدها بالغدوات مبلولاً فلا بد من رجلين؛ لأن هذا بمعنى الشهادة, ثم حينئذٍ يحلف
الجزء: 14 - الصفحة: 139
البائع.
والغلام مثل الجارية.
وكذلك قال من كاشفت عنه من أصحاب مالك رحمة الله عليهم.
[فصل 11 - من اشترى جارية فوجدها صهباء الشعر]
ومن المدونة, قلت في من اشترى جارية فوجدها صهباء الشعر, ولم يكشف عند عقد البيع, قال: ما سمعت من مالك فيها شيئاً, ولكني سمعته يقول في من اشترى جارية فوجد شعرها قد جعد أو سود, قال: ذلك عيب ترد به.
وفي كتاب ابن المواز قلت: فالذي يوجد شعرها أصهب أو جعد أو سود.
قال ذلك: عيب ترد به.
الجزء: 14 - الصفحة: 140
قال ابن المواز: والذي أرى في التي وجد شعرها أصعب أنها لا ترد وإن كان رائعة ألا أن يسود وينقص ذلك من ثمنها فترد، وإلا لم ترد، وأما التي يجعد شعرها أو يسود فهو أشد وترد بذلك.
قال ابن حبيب عن مالك: وذلك في الرائعة وليس هو في غير الرائعة عيبًا.
وأما صهباء الشعر فلا ترد به، وإن قال المبتاع لم أكشف عنه، ولا علمت بها، فلا حجة له وهو بد لا يخفي إلا أن يكون قد سود.
وقال بعض القرويين: إذا كانت ممن لا يظن ذلك بها مثل السمراء فهو عيب إن كان ينقص من ثمنها.
[فصل 12 - الرجل يبتاع الجارية فيجد رأسها قد شاب]
ومن المدونة: قال مالك: وترد الرائعة بالشيب.
قال ابن القاسم: ولا يرد به غير الرائعة إلا أن يكون ذلك عيبًا يضع من ثمنها.
ابن المواز وقال أشهب: وقيل: إن كان الشيب كثيرًا ردت به وإن كان قليلًا لم ترد له إلا أن يكون بائعها علم بذلك فكتمه على تعمد فترد وإن كان قليلًا.
الجزء: 14 - الصفحة: 141
وقال لنا ابن عبد الحكم: إذا كان الشيب كثيرًا وكانت رائعة ردت به ابن المواز: وذلك كله في الشابة.
[فصل 13 - البخر عيب يرد به العبد والجارية]
ومن المدونة قال ابن وهب عن مالك: والبخر في الفم عيب ترد به قال في الواضحة في الجارية والعبد، كانا رفيعين أو وضيعين.
[فصل 14 - هل الخيلان في الوجه والجسد عيب ترد به الجارية]
قال ابن القاسم: والخيلان في الوجه والجسد إن كان عند الناس عيبًا ينقص الثمن رد به.
[فصل 15 - هل الكي عيب بالعبد والجارية؟]
قال مالك: وقد يكون العيب الخفيف بالعبد والجارية مثل الكي الخفيف وشبهه مما لا ينقص الثمن وليس بفاحش فلا يرد به وإن كان عند النخاسين عيبًا.
الجزء: 14 - الصفحة: 142
قال ابن القاسم في العتيبة وكتاب محمد: إلا أن يخالف الكي لو أن الجسد فيرد به أو يكون متفاحشًا في منظره، أو يكون كثيرًا متفرقًا وإن لم يخالف اللون فليرد به أو يكون في موضع يستقبح مثل الفرج وما والاه، أو في الوجه فإنه يرد به.
[فصل 16 - هل السن الزائدة عيب في العبد والجارية؟]
قال في كتاب محمد: ولا يرد العبد إذا وجد سنة منزوعة إلا أن يكون ذلك في الجارية الرائعة وينقص ذلك من ثمنها.
وفي الواضحة، قال: والسن الناقصة عيب في الرائعة في مقدم الفم أو مؤخره، وليست في الدنية ولا في العبد إلا في مقدم الفم، وما زاد على سن واحدة فعيب في العليّ والوخش من ذكر أو أنثى في مقدم الفم أو مؤخره.
قال ابن حبيب: والسن الزائدة عيب في العلي والوخش من ذكر أو أنثى.
الجزء: 14 - الصفحة: 143
[فصل 17 - هل إذا وجد العبد أعسر عيب يرد به؟]
ابن المواز: وإذا وجد العبد أعسر فهو عيب يرد به مثل العثار بالدابة وقد يجد المشتري بالدابة الرهصة فيقول له البائع: اركبها فإنها تذهب عنها، فليس ذلك عليه وله أن يرد.
وقال ابن حبيب: والأعسر عيب في العبد والجارية، وهو أن يبطش بيسراه دون يمناه، وأما إن وجد أعسر يسر وهو الأضبط وهو الذي يعمل بيديه جميعًا فليس بعيب إذا كانت اليمنى في قوتها والبطش بحال من لا يعمل باليسرى، فإن نقصت عن ذلك لعمله باليسرى فهو عيب يرد به.
الجزء: 14 - الصفحة: 144
[فصل 18 - الرجل يبتاع جارية مسلمة فيجدها غير مخفوضة والعبد أغلف]
ومن كتاب محمد والعتيبة: وإذا وجد الجارية المسلمة غير مخفوضة، أو العبد المسلم أغلف، فإن كان من رقيق العجم الذين لا يختنون وهم المجلوبون لم يرد، لا ذكرًا ولا أنثى لا رفيعًا ولا وضيعًا، وإن كان من رقيق العرب، ومعنى رقيق العرب: ما طال مكثه بأيدي المسلمين أو ولد عندهم، فأما في الوحش فلا يرد به ويرد في العلي ذكرًا كان أو أنثى.
قال ابن حبيب: إن كانا مسلمين، اشتريا من مسلم، وهما من بلد المسلمين، فهو عيب في الوضيع والرفيع إلا الصغير من اللذين لم يفت ذلك منهما، وإن كانا مجوسين، أو من رقيق العجم، ممن قد أسلم فيراعى فيهما مثل ما تقدم من طول الإقامة وقربها.
م: واختصاره أنه لا خلاف في رقيق الهجم المجلوبين ولم تطل إقامتهم عندنا أن ذلك ليس بعيب بقيت فيهم في وخش ولا علي، واختلف في من طالت إقامته أو
الجزء: 14 - الصفحة: 145
ولد في الإسلام، فقيل: إنه عيب في العلي وقيل: بل عيب في العلي والوخش.
قال في كتاب محمد وابن حبيب: وإن اشترى عبدًا نصرانيًا فوجده مختونًا فليس بعيب.
وقال ابن حبيب: وكذلك النصرانية يجدها مخفوضة.
قال: وذلك إن كانا من رقيق المسلمين أو من رقيق العجم الذين عندنا، فأما المجلوبون فهو عيب، لما يخاف أن يكونا أغار عليهم العدو أو أبق إليهم من رقيقنا.
ابن المواز: قال مالك: ومن اشترى جارية للبيع فليس عليه أن يخفضها إلا أن يريد حبسها.
[فصل 19 - الرجل يشتري الجارية فيجدها ثيبًا]
قال ابن القاسم: ومن اشترى جارية فوجدها مفترعة فإن كانت صغيرة لا يوطأ مثلها وهي ذات ثمن ردها.
وإن كان مثلها يوطأ لم يرد، وليس على البائع أن يخبر: هل هي ثيب أو بكر؟
الجزء: 14 - الصفحة: 146
م: وقال مالك في الأمة تباع في الميراث، فيقول الصايح عليها: إنها تزعم أنها بكر، ولا يشترط غير ذلك فتوجد غير بكر فله الرد إلا أن يكونوا لم يذكروا ذلك أصلًا، وكذلك لو قال: إنها تزعم أنها طباخة خبازة ثم لم توجد كذلك فلترد.
قال في العتيبة من سماع أشهب: وإن قال: لا علم لي بها هل هي بكر أو ثيب، ولكني أبيع على ما كانت، فذلك جائز، لا سيما في الوخش، ولا رد له إن وجدها ثيبا، وإن باعها على أنها بكر، فغاب عليها المبتاع بكرة، ثم ردها عشية، فقال: لم أجدها بكرًا.
فلينظرها النساء فإن رأين أثرًا قريبًا حلف البائع ولزمت المبتاع.
وإن قلن ما نرى أثرًا جديدًا أو أنه فيما نرى لقديم حلف المبتاع وردها، أو إن نكل حلف البائع ولزمت المبتاع وقال عيسى عن ابن القاسم: ليس في هذا موضع تحالف.
وإذا قال النساء أن ذلك مما يكون عند المبتاع لزمته وإن قلن قديمًا ردت بغير يمين وكذلك روي عنه أصبغ في كتاب محمد.
الجزء: 14 - الصفحة: 147
قال ابن المواز: والذي أقول كقول مالك لا بد من اليمين مع شهادة النساء وشهادتين في ذلك كشهادة رجل وليس مثل ما لا يعلمه غيرهم من عيوب الفرج والحيض والاستهلال وإنما مسألتك شهدن لرجل يدعي علم ما شهدنا به له على غيره فلا بد من يمينه.
[فصل 20 - الجارية والغلام إن شربا الخمر أو حدا فيها]
قال: والجارية إذا حدث في خمر فهو عيب ترد به.
قال أشهب في الجارية والعبد/ يشربان المسكر أو يوجدان في شربه، وإن لم [/194 ب] يوجد في فيهما من رائحته شيء فهو عيب يردان به.
[فصل 21 - من اشترى صغيرًا فوجده أخرس أو أصم، والأمة تعاودها الحمى]
ابن المواز: ومن اشترى صغيرًا يرضع فوجده أخرس أو أصم فلا يرد بذلك إلا أن يعرف ذلك منه وهو صغير فيرد، وإن كان بالأمة حمى تذهب عنها ثم تعاودها فهو عيب ترد به ما لم تنقطع عنها انقطاعًا بينًا ويطول زمانه.
الجزء: 14 - الصفحة: 148
[فصل 22 - العبد يتهم بالسرقة هل يعد عيبًا؟]
ومن المدونة قال مالك: وإذا اتهم عبد بسرقة فحبسه السلطان ثم ألقي بريئًا لم يكن ذلك عيبًا إذا لم بيبنه بائعه، وقد ينزل ذلك بالحر فلا يجرحه.
م: ومعنى قوله ثم ألقي بريئًا مثل أن يثبت أن غيره سرق ذلك الشيء الذي أتهم هو به فبذلك اتضحت براءته.
[فصل 23 - الجارية المستحاضة يبتاعها الرجل]
قال مالك: ومن اشترى جارية مستحاضة ولم يعلم فذلك عيب ترد به.
ابن المواز: قال مالك: وهو عيب في الفارهة والوخش قال ابن المواز: وهذا إذا ثبت أنها كانت عند البائع مستحاضة، لأنه مما يحدث، فأما التي وضعت للاستبراء فحاضت دم حيضة لا شك فيه ثم استمرت مستحاضة فهي من المشتري ولا ترد وقاله أشهب.
قال وقد كان من ابن القاسم مرة في المستحاضة أنه عيب في التي توطأ، وأما الدنية فيسأل فإن كان ذلك عيبًا ينقص من الثمن ردت به.
الجزء: 14 - الصفحة: 149
[فصل 24 - الرجل يبتاع الجارية فيرتفع حيضها في الاستبراء]
ومن المدونة قال مالك: ومن اشترى أمة وهي حديثة السن ممن تحيض فارتفعت حيضتها عند المبتاع في الاستبراء فذلك عيب ترد به.
قال ابن القاسم: إلا أنها لا ترد في ارتفاعه بعد مضي أيام حيضتها بأيام يسيرة؛ لأن الحيض يتقدم ويتأخر الأيام اليسيرة حتى يطول ذلك فيكون ضررا في منع المبتاع من الوطء والسفر بها فترد، والسلطان ينظر في الضرر لطول تربص الحيض، ولم يحد في ذلك مالك شهرا ولا شهرين، ولو أقام البائع بينة أنها حاضت عنده قبل البيع بيوم أو يومين لم ينفعه ذلك إذ هي بعد في ضمانه فيما يحدث بها في المواضعة إلا التي لا تتواضع فذلك كله من المبتاع؛ لأنه يحدث وكذلك كل ما يحدث بها بعد العقد من عيب أو هلاك.
وقال مالك في كتاب محمد في التي بلغ مثلها الحيض فارتفع حيضها في الاستبراء شهرين أن ذلك عيب ترد به.
وقال عنه أشهب: إذا زاد على أيام قرءها الشهر والشهران لم ترد، وينتظر حتى يطول أمرها.
الجزء: 14 - الصفحة: 150
قال أشهب: وأرى إذا مضى لها ثلاثة أشهر نظر إليها القوابل ومن يعرف ذلك فإن قلن لا حمل بها حل للمشتري وطئها، فإن لم يطأها حتى طال ذلك بعض الطول الذي يظن فيه أنها ممن لا تحيض فهو عيب، وله الرد وإن وطئ فلا رد له.
وقيل لابن القاسم: متى ترد إذا رفعتها حيضتها فقال: إذا ارتفع حيضها الأربعة أشهر والخمسة، وأما الأيام وما لا ضرر فيه على المبتاع فالبيع له لازم.
قال: وإذا على أنها لا تحيض وقد بلغ مثلها ست عشرة سنة وشبه ذلك فهو عيب في جميع الرقيق فارهة أو دنية، أو من سبي العجم.
قلت: فمن باع جارية فقال: إنها صغيرة، ولم نحض، وكانت قصيرة فيطمع المشتري أن يكون لها نشوز عند حيضتها فلم تقم عنده إلا يسيرًا، وفي العتبية إلا عشرة أيام حتى حاضت.
قال مالك: إن كان بلغ مثلها أن تحيض ويخاف أن تكون قد حاضت عند البائع استحلف البائع أنها ما حاضت عنده، وإن كانت صغيرة وقد ائتمنه على ما قال فلا أرى أن يستحلف.
الجزء: 14 - الصفحة: 151
[فصل 25 - الإباق في الصغر عيب يرد به العبد في الكبر]
قال مالك: وإذا أبق الصغير في الكتاب فيقيم اليوم واليومين فباعه سيده بعد أن كبر ولم يبين فهو عيب يرد به؛ لأن مثل هذا عادة.
قال: وفي الجارية تدعي الحرية أو أنها أسقطت من سيدها فذلك كله عيب إن لم يستبرأ.
[فصل 26 - بيع الأمة المغنية]
قال في كتاب الجعل من المدونة: وكره مالك بيع الأمة يشترط أنها مغنية فإن باعها وشرط ذلك فسخ البيع.
قال سحنون: وينبغي أن تباع الأمة ولا يذكر غناها/ وإذا تم البيع ذكر ذلك فإما رضيها أو ردها.
وفي كتاب ابن المواز: ومن اشترى أمة فوجدها مغنية لم ترد إلا أن يشترط ذلك في البيع فيفسخ.
قال أشهب: ولا تباع ممن يعلم أنها مغنية.
ومن العتبية قال عيسى عن ابن القاسم في من ابتاع امة مغنية لتخدمه لا يريدها لغناها، ولم يزد في ثمنها لذلك: فلا بأس به.
الجزء: 14 - الصفحة: 152
[الباب الثالث عشر]
جامع مسائل مختلفة من هذا الباب
[فصل 1 - من ابتاع شاة أو جملا أو سمنا فلم يجد به الوصف المطلوب]
ومن كتاب ابن المواز والعتبية قال مالك في من ابتاع شاة فوجد جوفها أخضر فظن أنه من ضرب: فلا رد له، أو يقال: سمينة، فيجدها عجفاء.
ومن ابتاع ناقة ليحمل عليها فحمل عليها ثقله فلم تنهض بحملها، فإن لم تكن عجفاء ولا صعباء ولا زاد فوق طاقتها فله الرد بذلك.
قال: ومن ابتاع سمنًا فوجده سمن بقر فقال: ما أردت إلا سمن الغنم فله أن يرد؛ لأن سمن الغنم أطيب.
[فصل 2 - في عيوب الملابس والأفرية]
قال: ومن ابتاع قلنسوة سوداء فوجدها من ثوب لبيس فلا رد له إلا أن يكون فاسدًا معمولًا من الخلقان وكان ينبغي أن يبين، وإن وجد حشوها
الجزء: 14 - الصفحة: 153
صوفًا، فأما الرفيعة فليردها ولا يرد الدنية، قال: وإن جعلوا مع القطن صوفًا أو تحته، أو خلطوا قطنًا قديمًا بجديد فهذا من الغش ولا خير فيه.
قال ابن القاسم في الفرائين يزينون وجوه الأفريه لتحسن وربما يستر بعض عيوبها فذلك من الغش، فغن كان المبتاع يعلم ذلك، ويعلم أنه يستر بعض عيوبها فلا رد له.
ابن المواز: إلا أن يجد عيبًا فله الرد، قال ابن القاسم: وإن يعلم بالتتريب فله الرد وجد عيبًا أو لم يجده على أن التتريب عيب أو لم يعلم إذا كان يُغَيَّبُ بعض عيوبها.
ومن الواضحة قال أصبغ: في الجبة تباع أو الساج وقد قلب فهو عيب وكذلك ثوب يلبس أشهر حينًا ثم يقصر فيظهر جديدًا فهو عيب يرد به.
الجزء: 14 - الصفحة: 154
م وهذا خلاف ما تقدم في القلنسوة يجدها من ثوب لبس وهذا أحسن أن له الرد بذلك.
قال ابن حبيب: فإذا وجد بنائق الثوب أو مقعدة السراويل خلاف باقيه، فإن كان بينهما تفاوت فله الرد، وإن تقارب فلا رد له.
وقال في الفرو تكون فيه رقعة منتوفة فيجعل عليها رقعة مصوفة، أو تكون مصوفة لا وجه لها فيضرب عليها جلدًا أحسن الوجه لا صوف له فهذا غش يرد به، ولو لم يكن فيه إلا رقعة واحدة إذا كان فروًا له قدر وبال إلا في شيء يسير جدًا.
[فصل 3 - المشتري يشتري زرعًا لا ينبت]
ومن اشترى شعيرًا فزرعه فلم ينبت، وثبت ذلك فله الرجوع بقيمة العيب، يقوم على أنه ينبت وعلى أنه لا ينبت، فيرجع بما بين ذلك، سواء علم البائع
الجزء: 14 - الصفحة: 155
أنه لا ينبت أو جهله؛ لأنه ينصرف إلى غير وجه، وقد باء الذي علم أنه لا ينبت -فلم يبينه- بالإثم ويعاقب إن دلس.
قال أبو محمد: يريد ابن حبيب ولم يشترط عليه زريعته، ولا بين أنه يشتريه لذلك.
وكذلك تأول عليه ابن أبي زمنين قال: وأما إن باعه على الزراعة فإن كان البائع مدلسًا يعرف أنه لا ينبت فزرعه المشتري فلم ينبت فمصيبته من البائع كمن دلس بعيب فهلك المبيع بسببه.
قال: وقوله يرجع بقيمة العيب، معناه: أن الشعير غير النابت لا يوجد مثله، ولو وجد مثله لرده عليه، ورجع بالثمن كله.
قال: وسئل بعض شيوخنا عمن اشترى زريعة فزعم أنها غير نابتة فقال: يجرب، فإن تبين أنها غير نابتة حلف البائع ما يعلمها من زريعته بعينها، ولا دفع إليه إلا نابتة في علمه، فإن نكل عن اليمين حلف المشتري في أنها زريعته بعينها ويرجع بجميع الثمن؛ لأن الزريعة لا تصرف إلى علوفة أو أكل مثل القمح والشعير.
الجزء: 14 - الصفحة: 156
قال ابن حبيب: ولو زارع به أحدًا فنبت شعير صاحبه ولم ينبت شعير هذا، فإن دلس هذا رجع عليه صاحبه بنصف مكيلته من شعير صحيح وبنصف كراء الأرض الذي أبطل عليه، وإذا لم يدلس رجع عليه بنصف قيمة العيب وما نبت في الوجهين فبينهما.
قاله أصبغ.
قال ابن سحنون: مثله إلا في الكراء فلم يذكره وزاد فقال: وإن لم يدلس، دفع إلى شريكه مثل نصف زريعته صحيحة، ودفع إليه شريكه مثل نصف زريعته التي لا تنبت، وهذا إذا زال إبّان الزراعة فأما إن لم يفت إبان الزراعة وقد دلس فعليه أن يخرج شعيرًا آخر فيزرعانه أيضًا.
قال سحنون في كتاب ابنه: ولو باعه منه على أنه زريعة تنبت وهو يعلم أنها لا تنبت رجع إليه بجميع الثمن، وإن لم يعلم رجع عليه بالثمن، ورد عليه شعيرًا مثله، وذلك إذا ثبت ببينة أن الشعير بعينه زرعه في أرض ثرية فلم ينبت.
الجزء: 14 - الصفحة: 157
[الباب الرابع عشر]
في من ابتاع عبدًا وبه عيب فلم يعلم به حتى ذهب عيبه
[فصل 1 - من اشترى عبدًا عليه دين]
قال ابن القاسم: ومن اشترى عبدًا عليه دين، فطلب المشتري رده بذلك فقال البائع: أنا أؤدي عنه دينه، أو وهبه له رب الدين، فلا يكون للمشتري رده.
قال سحنون: إلا أن يكون أدانه في فساده.
[فصل 2 - من باع أمة في عدة طلاق أو بعينها بياض]
قال ابن القاسم: وكذلك إن كانت أمة، فباعها في عدة من طلاق، فعلم المشتري فلم يردها حتى انقضت عدتها، فلا رد؛ لن العيب قد ذهب، وكذلك إن كان بعينها بياض فأراد ردها، فذهب البياض قبل ردها.
قال مالك: إذا ذهب العيب لم يكن له رده.
[فصل 3 - من باع أمة لها ولد لم يعلم به المشتري حتى مات]
قال: وكذلك لو كان لها ولد صغير أو كبير فلم يعلم به حتى مات الولد، أو حم العبد في الثلاث فلم يعلم به حتى ذهب فلا رد له.
الجزء: 14 - الصفحة: 158
[فصل 4 - من اشترى أمة لها زوج أو عبد له زوجة افترقا قبل الرد] قال أبو سعيد البراذعي في مختصرة: واختلف في غير المدونة إذا كان للأمة زوج أو للعبد زوجة فافترقا قبل الرد، وبانت منه هل ترد بذلك أم لا؟ ابن المواز: وقال ابن القاسم وأشهب عن مالك: إن كل عيب ذهب قبل القيام به فلا رد له إلا الزوج للأمة والزوجة للعبد تنحل العصمة بينهما فله الرد بعد ذلك.
الجزء: 14 - الصفحة: 159
قال في رواية أشهب: وكذلك لو ماتت الزوجة بخلاف الوعك يزول قبل علم المبتاع.
قال أشهب: والدين على العبد إن سقط أو قضى قبل علم المبتاع بالدين فلا يرده بذلك، وإذا علم قبل أن يسقط فله الرد به، وإن سقط بعد علمه؛ لأنه عيب قد اطلع عليه.
[فصل 5 - من ابتاع مريضًا بالحمى ولم يعلم إلا بعد برء]
وقال أشهب: وكذلك من ابتاع عبدًا وبه عيب من حمى أو مرض أو بياض عين أو نزول ما فيها ثم ظهر المشتري على ذلك بعد برءه، فإن كان برؤه قد استمر لا شك فيه، ولا يخاف عودته إلا بإحداث ثان من الله تعالى فليس له أن يرده، وإن
الجزء: 14 - الصفحة: 160
خيف عودته فلا يعجل برده، ولا يلزم المشتري شراؤه حتى ينتظر فإن استمر برؤه لم يكن له رده إلا أن يبقى منه شيء إما دمعة في عينه، أو تكسر في خده يخافه.
[فصل 6 - من باع عبدًا به جنون أو جذام أو برص فلم يعلم به المشتري حتى برئ]
قال ومن باع عبدًا وبه جنون أو جذام أو برص فلم يعلم به المشتري حتى برئ ثم علم به، فإن كان قد طال مكثه عنده بعد برئه حتى أمنت رجعته إلى العبد فليس له أن يرده، وكذلك لو حدت به ذلك في عُهدة السنة ولم يعلم به حتى برء، وطال أمره وأمنت رجعته، وإن لم تؤمن رجعته فله أن يرده، وإن لم يكن علم بذلك إلا بعد ذهاب السنة.
وقال ابن القاسم فيه وفي المدونة: يرده في الجنون -وإن لم يعلم به حتى ذهب-؛ لأنه لا يأمن أن يعود، وهو عيب لازم، وأمر يعتريه، ولا أمن ذهابه معروف عند الناس، ألا ترى لو جن عند سيده ثم برء فباعه ولم يخبر أنه قد كان
الجزء: 14 - الصفحة: 161
أصابه عنده جنون أن ذلك عيب يرد به، وأما البرص والجذام، فإن لم يعلم به حتى ذهب فليس له أن يرده، إلا أن يكون عند أهل النظر عيب يخافه، كالجنون.
انتهى الأول من جامع العيوب لابن يونس بحمد الله وحسن عونه وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم تسليمًا والحمد لله رب العالمين.
[/96 أ]
الجزء: 14 - الصفحة: 162
كتاب جامع القول في الرد بالعيب والتداعي فيه
الجزء: 14 - الصفحة: 163
[كتاب]
جامع القول في الرد بالعيب والتداعي فيه
[الباب الأول]
[اختلاف المتبايعين عند الرد بالعيب في وجود العيب بالسلعة عند البيع، وفي الرضا به، وفي تاريخ البيع] وجعل الرسول صلى الله عليه وسلم القول قول الغارم.
[فصل 1 - من ابتاع سلعة ثم قام بعيب لا يعلم إلا بقوله]
قال ابن القاسم: ومن اشترى جارية فطعن فيها بعيب، ولا يعلم أن بها عيبًا إلا بقوله.
فقال للبائع: احلف لي أنه لم يكن بها يوم بعتها مني عيب، فلا يجب بذلك يمين على البائع لا على البت، ولا على/ العلم حتى يدعي في عيب ظاهر [/175 أ] يرى أنه باعها وهو بها، ولو مكن من ذلك أحلفه كل يوم على ما شاء أنه لم يبعه وهو بها.
الجزء: 14 - الصفحة: 164
قال: ولو قام بعيب ظاهر لا يحدث مثله عند المشتري وجب به الرد بلا يمين عليه أصلًا، ولا مقال للبائع؛ لأن المبتاع قد ثبت صدقه، وسواء كان العيب ظاهرًا، أو خفيًا.
قال مالك: وإن كان العيب مما يمكن حدوثه عند أحدهما فإن كان ظاهرًا لا يخفى مثله حلف البائع على البت أنه ما باعه وهو به، وإن كان مما يخفي مثله ويرى أنه لم يعلمه حلف البائع على العلم، وعلى المبتاع البينة أن العيب كان عند البائع.
قال ابن المواز قال أشهب: لا يحلف البائع إلا على العلم في العيب الظاهر والخفي؛ لأنه إن لم يكن علم بالظاهر فهو كالخفي عليه، وإن علمه فقد تعمد الكذب.
م: وإنما بدأ البائع باليمين؛ لأن أصل البيع على السلامة وقد لزم المشتري وهو يريد نقضه، وارتجاع ثمنه فلا يقبل ذلك منه إلا ببينة وإلا حلف له البائع كما قدمنا.
الجزء: 14 - الصفحة: 165
[فصل 2 - مشتري السلعة يستحلف البائع في عيب وجده ثم يجد بينة عليه]
ومن المدونة قال مالك: فإن استحلفه ثم وجد بينة لم يكن علم بها فله القيام بها وإن علم بالبينة فاستحلفه رضي باليمين، وترك البينة فلا حق له كسائر الحقوق.
وقال ابن حبيب: وإن أشكل ذلك من علمه وجهله فليحلف ما علم بالبينة ثم يقضي له بها، وهي أبدًا على الجواز حتى يسقطها العلم بها، وإسقاطها بالعلم بها على الذي يريد إسقاطها عن نفسه.
ابن المواز: قال ابن القاسم عن مالك فإن نكل البائع / عن اليمين ولك يكن للمشتري بينة والعيب ظاهر حلف المبتاع على البت أنه ما حدث عنده، وإن كان خفيًا حلف على العلم.
قال ابن القاسم: وإنما يحلف المبتاع إذا ردت عليه اليمين لنكول البائع كما كان البائع يحلف سواء في العلم والبتات وذكر ابن القاسم في العتيبة أن البائع إذا نكل في الوجهين حلف المبتاع على العلم.
قال ابن المواز: فإن أقام المشتري شاهدًا أن هذا العيب كان بها عند البائع ومثله يخفى فليحلف المشتري مع شاهده على البت أنه كان بها عند البائع كما شهد شاهده ويردها.
الجزء: 14 - الصفحة: 166
قال أصبغ: فإن لكل حلف البائع على علمه.
قال ابن المواز: بل يحلف البائع على البت؛ لأنها اليمين التي ردت عليه ووجبت بالشاهد، وإنما أراد أصبغ أنه لما نكل المشتري أسقط الشاهد وليس كما ذهب إليه ولو كان كذلك لكان إذا أقام الرجل شاهدًا بحق على رجل وليس بينهما خلطة فنكل أن يحلف مع شاهده لم ينبغ أن ترد اليمين؛ لأنه أسقط الشاهد بنكوله ولا خلطة بينهما.
قال ابن المواز: فإن لكل البائع أيضًا رددت العبد.
ومن العتيبة قال: عيسى عن ابن القاسم، وإن حدث به عند المبتاع عيب مفسد ووجد به عيبًا مثله يكون قديمًا ومثله يحدث عند المشتري فإنه يقال للبائع: احلف أنك ما بعته وأنت تعلم هذا العيب به، فإن حلف لزم المشتري العيان، وإن لكل حلف المشتري ما يعلم أنه حدث عنده، فإن حلف كان مخيرًا بين أن يمسك ويرجع بقيمة ذلك العيب، أو يرد/ ويرد قيمة العيب الحادث عنده فإن لكل لزمه قيمة العيب ولم يكن له أن يرده.
قال فيها ابن القاسم عن مالك: وهي في كتاب محمد، واللفظ لكتاب محمد قال: وإن وجد المشتري بالعبد عيين أحدهما قديم والآخر مشكوك فيه؛ لأن مثله يكون قديمًا ويكون حديثًا فللمشتري الرد بالعيب القديم ثم يحلف المبتاع في العيب المشكوك فيه أنه ما حدث عنده؛ لأن البائع قد وجب عليه الرد فصار مدعيًا على المبتاع، وبه أخذ ابن القاسم واستحسنه.
الجزء: 14 - الصفحة: 167
قال: ولولا العيب القديم الذي أوجب الرد لبدأ البائع باليمين؛ لأن العبد لازم للمشتري فهو المدعي على البائع.
قال ابن حبيب: وهذا فيما يخفى، وأما الظاهر فاليمين على البت.
قال في سماع عيسى: فإن نكل المبتاع حلف البائع ثم يلزم المبتاع هذا العيب ويخبر في رده، وما نقصه أو حبسه، ويأخذ قيمة العيب القديم، فإن نكل أيضًا البائع لزمه العييان جميعًا ثم للمبتاع حبسه ولا شيء له، أو رده ولا شيء عليه.
م: وقال بعض أصحابنا: ولا يكون القول قول المبتاع في المشكوك فيه حتى يرده بالقديم فيكون حينئذ مطلوبًا بالمشكوك فيه فيكون القول قوله فيه.
م: وذلك عندي سواء رده بالقديم أو قام ليرده أن القول قوله في المشكوك فيه بل ليس له رده حتى يحلف في المشكوك فيه؛ لأنه إذا طلب رده بالقديم قال له البائع: ادفع إليّ قيمة المشكوك فيه؛ لأنه عندك حدث قصير حينئذٍ المبتاع مطلوبًا بقيمة المشكوك فيه فيحلف/ ويرد عليه، وعليه تدل رواية عيسى، وهو بين في العتيبة.
وبالله التوفيق.
الجزء: 14 - الصفحة: 168
قال في كتاب ابن المواز: وإن حدث به مع ذلك عيب ثالث عند المشتري فالمشتري بالخيار في رده وما نقصه العيب الحادث عنده أو حبسه ويأخذ قيمة العيب القديم فإن اختار رده وما نقصه كانت عليه اليمين في العيب المشكوك فيه أنه ما علمه حدث عنده، وإن اختار حبسه، وأخذ قيمة العيب القديم كان على البائع اليمين في العيب المشكوك فيه ثم لا تكون عليه إلا قيمة العيب القديم وحده، فإن نكل ردت اليمين على المشتري فيحلف، ويغرم البائع قيمة العيين القدين والمشكوك فيه.
مسألة: [إذا تعارضت البينات سقطت دلالتها]
قال: وإن قام بعيب فقال بعض أهل البصر: هو عيب، وقال بعضهم: ليس بعيب، أو قال بعضهم: قديم، وقال بعضهم: حادث فلا يرد على البائع بشيء من ذلك؛ لأن البينة تسقط عند التكاذب فإذا سقطت ثبت البيع.
[فصل 3 - إذا ظهر في العبد عيب عند المشتري فهل يحلف البائع؟]
ومن المدونة قال مالك: ومن ابتاع عبدًا فأبق عنده بقرب البيع فقال للبائع: أخشى أنه لم يأبق بقرب البيع إلا وقد كان عندك آبقًا فاحلف لي فلا يمين عليه.
قال ابن القاسم: وما جهل أمره فهو على السلامة حتى تقوم بينة.
الجزء: 14 - الصفحة: 169
قال ابن المواز: فإذا ادعى المبتاع في عبد أن البائع ظهر منه على إباق أو سرقه، أو أنه جن، أو زنا، أو شبه ذلك مما لا يعلم إلا بقوله فليحلف له البائع على علمه عند ابن القاسم، وقال أشهب: لا يحلف أصلًا، ولو مكن من ذاك لحلفه كل يوم على صنف من هذا، واحتج بقولك مالك في الذي أبق بقرب البيع فأراد أن يحلف البائع.
فقال مالك: لا يمين عليه.
م وهذا كله هو قول ابن القاسم في المدونة
وقال محمد: أما إذا ظهر العيب هكذا أخلف البائع، وإلا رد عليه، وليس له يمينه في عيب لم يظهر.
[فصل 4 - مشتري السلعة المدلسة يردها فيستحلفه البائع أنه ما رضيها]
ومن المدونة قال ابن القاسم: ومن اشترى عبدًا فوجد به عيبًا دلسه البائع فأراد رده عليه فقال البائع له: احلف أنك لم ترض العيب بعد أن رأيته ولا تشوقت به فلا يمين له عليه إلا أن يدعي أن مخبرًا أخبره أنه تسوق به بعد معرفته بالعيب، أو رضيه، وكذلك في الواضحة عن مالك.
فال ابن أبي زمنبن: ويحلف البائع أولًا لقد أخبره مخبر وكذلك يحلف المبتاع.
الجزء: 14 - الصفحة: 170
قال: وكذلك روى يحي بن يحي عن ابن القاسم.
قال: وقال بعض مشايخنا: ويزيد البائع في يمينه أخبرني مخبر صدق.
قال: ولو قال: هذا الذي أخبرني سقطت عنه اليمين، وإن كان المخبر مسخوطًا.
وقال ابن المواز: قال أشهب: لا يحلف وإن ادعى إخبار مخبر حتى يدعي أنه تبرأ إليه منه فرضيه.
[فصل 5 - السلعة ترد بعيب فيدعي البائع أنه بين العيب ورضيه المبتاع]
ومن المدونة قال ابن القاسم: وإن قال البائع: قد بينته لك فرضيته، فليحلف المبتاع، يريد فإن نكل حلف له البائع، ولزم المبتاع العيب، فإن نكل البائع لزمه العيب.
قال مالك: ولو قال له البائع: احلف أنك لم ترد العيب حين اشتريت، لم تلزمه اليمين إلا أن تكون للبائع بينة أنه قد رآه فيلزمه العيب، أو يدعي أنه أراه إياه فليحلف له.
الجزء: 14 - الصفحة: 171
ابن المواز: قال ابن القاسم: إلا أن يكون عيبًا ظاهرًا لا شك أنه يراه كالأعور، ومقطوع اليد والرجل ونحوه فليحلفه، وإلا فلا.
م: كان يجب إذا كان العيب ظاهرًا لا يخفي على أحد ألا يرد به إلا أن يمكن أن يخفي عليه، أو يشتريه به على الصفة فيرد به.
ومن كتاب محمد وغيره قال مالك في نخاس ابتاع عبدًا فأقام عنده ثلاثة أشهر حتى صرع، ونقص ثم وجد عيبًا قديمًا فلا أرى له رده، ومن هؤلاء النخاسين من يشتري فإن وجد ربحًا باع، إلا خاصم فأرى أن يلزم هؤلاء فيما علموا وفيما لم يعلموا.
قال ابن القاسم: وأحب إليّ إن كان مثله يخفي، ويسقط عنه علمه أن يحلف أنه ما رآه ويرده، وإن كان على غير ذلك لزمه، وأما غير النخاسين فليرد فيما خفي وفيما لم يخف.
قال ابن المواز: بغير يمين عليهم.
وروى ابن أبي زمنين عن ابن مزين في من باع دابة أو ثوبًا فزعم المشتري أنه وجد بها عيبًا، ولم يكن نقده الثمن فاراد المشتري ألا ينقده الثمن حتى يحكم له في العيب.
الجزء: 14 - الصفحة: 172
وقال البائع: لا أحاكمك في شيء حتى تنقد ثمن ما بعت.
قال ابن مزين: أما إذا كان مما يقضي به من ساعته فإنه لا ينقده حتى يحكم بينهما، وأما إذا كان أمرا يتطاول فيه الايام فإنه يقضي للبائع بأخذ متاعه قم يبتدئ المشتري بالخصومة بعد ذلك إن شاء.
[فصل 6 - في اختلاف المتبايعين في وقت حدوث العيب]
فال أصبغ في العتيبة: وإذا قام بعيب في عبد لا يحدث في أقل من شهر.
فقال: ابتعته منك عشرة أيام، وقال البائع: منذ سنة، أو يأتي به قد جن أو تجذم فيقول المبتاع: هو في السنة، ويقول بائعه: بعته منذ سنتين، أو يموت فيدعي المبتاع أنه في العهدة مات، أو ماتت الجارية فيما لا يكون فيه استبراء ولم تحص، ويدعي البائع قدم التاريخ فذلك كله سواء القول فيه قول البائع؛ لأنهم دعي عليه/ الرد أو الضمان أو بقيمة عيب.
قيل: فسواء انتقد أو لم ينتقد قال ذلك: سواء.
وأراك نحوت إلى قول ابن القاسم في مبتاع عبدين قام في أحدهما بعيب، وفات الآخر، واختلفا في قيمة الفائت أنه إن لم ينتقد فالقول قول المشتري، وهذا خطأ بل المدعي في هذا المشتري نقد أو لم ينقد؛ لأنه ثمن وجب للبائع ادعي هذا ما ينقضه، وكذلك قال أشهب.
وذكر ابن حبيب اختلافًا في هذا الأصل في تاريخ البيع والعهدة وغيره.
وقال سحنون في جوابه لحبيب إذا اختلف في تاريخ البيع لعيب ظهر فالمبتاع مدع؛ لأنه يريد نقض البيع.
الجزء: 14 - الصفحة: 173
الباب الثاني
في من باع عبدًا من رجلين فرد أحدهما حصته بعيب وتمسك الآخر ومن باع سلعة بعين فأخذ به سلعة أخرى ثم وجد عيبًا والعيب يوجد ببعض الصفقة
[فصل 1 - في الرجلين يشتريان سلعة فيجدان بها عيبًا فيختلفان في الرد والإمساك]
قال مالك: وإذا ابتاع رجلان عبدًا في صفقة فوجدا به عيبًا.
قال مالك: فلمن شاء منهما أن يرد أو يحبس دون الآخر شاء ذلك البائع أو أبي.
وكان يقول: أولًا للبائع مقال.
قال ابن القاسم: وجوب الرد لمن شاء منهما بين إذا لو فلس أحدهما لم يتبع إلا بنصف الثمن.
وقال أشهب في كتاب بيع الخيار: ليس لهما إلا أن يردا جميعًا أو يحبسا أو يأخذ المتمسك جميع العبد وقال مالك.
م: فوجه قول ابن القاسم ما ذكره أنه لا تتبع ذمه كل واحد في الموت، والفلس إلا بحصته؛ ولأنه بيع اجتمع في أحد طرفيه عاقدان فلم يتعلق رد المعيب في حق أحدهما برده في حق الآخر، أصله إذا كان البائعان رجلين والمشتري واحد؛ ولأنه مبتاع وجد بما ابتاعه عيبًا فلم يرض به ولم يفت عنده فكان له رده من غير اعتبار بغيره أصله إذا انفرد به، ووجه قول أشهب أن تفريق الصفقة على البائع
الجزء: 14 - الصفحة: 174
إضرار به وخلاف لما دخل عليه؛ ولأنه رد لمبيع وجب الجماعة عن عقد بيع فوجب الا يملك أحدهم رد ما يخصه إلا برد الباقين.
أصله إذا مات المبتاع في أيام الخيار فليس لبعض ورثته أن ينفرد بالرد دون الآخر.
[فصل 2 - من باع سلعة بعين فيأخذ بالعين أخرى فيجد بها عيبًا]
قال ابن القاسم: ومن باع سلعة بمئة دينار ثم أخذ بالمثة ثوبًا فألفاه معيبًا فرده فليرجع بالمئة دينار، وهذا مما لا اختلاف فيه، وإنما اختلف الناس في السلعة الأولى، وكذلك قال مالك في من أخذ من ثمن طعام طعامًا يخالفه فإنما ينقض عليه البيع الآخر ويبقي البيع الأول بحاله.
م: ذكر ابن لبابه في قوله وإنما اختلف الناس في السلعة الأولى يريد أن يوجد العيب بالسلعة الأولى فيردها المبتاع لها، ويأخذ ثوبه وتسقط الدنانير، وهذا قول أهل العراق ومالك يقول: اذا ردها أخذ دنانيره التي وقع بها بيعه.
م: خلاف ما لو أخذ البائع في دنانيره دراهم هذا إذا ردت السلعة بعيب رجع المبتاع بالدراهم التي دفع؛ لأنه لو رجع بالدنانير التي عقدا بها صار آخر أمره أنه دفع دراهم فرجعت إليه دنانير فاتقى فيه الصرف المستأخر؟
الجزء: 14 - الصفحة: 175
قال ابن لبابه: وقد قال ابن القاسم: أن القياس في الدراهم ألا يأخذ إلا الدنانير يريد لولا التهمة في تأخير الصرف.
م: وإنما قال: إذا استحقت السلعة الثانية؛ أو وجد بها عيبًا أن يرجع بالمئة؛ لأنها ثمن السلعة الثانية؛ لأنه لما باع السلعة الأولى بمئة اشترى بتلك المئة سلعة ثانية فإذا استحقت رجع المئة التي هي ثمنها، وأما إن استحقت الأولى، أو وجد بها عيبًا فردها رجع بثمنها أيضًا، وهي المئة؛ لأنه كان باعها أولًا منه بالمئة، ولو بعت منه عبدًا بثوب ثم أخذت في الثوب عشرة دنانير ثم استحق العبد فقد علمت أن ثمن العبد الثوب وهو في يد مشتري العبد فلما استحق العبد رجع في ثمنه وهو الثوب فصار مستحقا للثوب الذي اشتراه من بائع العبد فوجب أن يرجع عليه بالعشرة التي دفع إليه فيه، ولو استحق الثوب من بده لرجع بالعبد؛ لأنه ثمنه، فإن فات رجع بقيمته، وهذا بين، وفي كتاب الاستحقاق إيعاب هذا.
[فصل 3 - رد المعيب بحصته من الصفقة]
م وقد تقدم في الباب الثاني من هذا الكتاب أن من ابتاع سلعًا كثيرة بيده في صفقة واحدة فوجد ببعضها عيبًا بعد أن قبضها أو قبل فليس له إلا رد المعيب بحصته من الثمن إن لم يكن وجه الصفقة، فإن كان وجهها، وفيه رجاء الفضل فليس له إلا الرضى بالعيب بجميع الثمن أو رد جميع الصفقة.
الجزء: 14 - الصفحة: 176
قال هاهنا: وإن اشترى عشرة أثواب في صفقة، وسموا لكل ثوب عشرة دراهم فأصاب بأحدهم عيبًا لم ينظر إلى ما سموا لكل ثوب، ولكن يقسم الثمن على قيمة الثياب فينظر هل المعيب وجه الصفقة أم لا؟
قال ابن القاسم: فإن كانت قيمة المعيب / خمسين دينارًا أو قيمة كل ثوب سواه
نحو الثلاثين، لم يكن وجه الصفقة حتى تكون حصته أكثر الثمن، مثل أن يكون ثمن الجميع مئة، وثمن هذا المعيب سبعين دينارًا أو ثمانين فهذا وجه الصفقة في قول مالك.
قال ابن المواز: اذا وقع للمعيب نصف الثمن فأقل لم يكن وجه الصفقة، وإن وقع له من الثمن أكثر من نصفه فهو وجه الصفقة.
الجزء: 14 - الصفحة: 177
[الباب الثالث] فيمن قام بعيب وقد اغتل أو ولدت الغنم أو جز أصوافها وقال النبي (صلى الله عليه وسلم): (الخراج بالضمان) ومعناه أن البيع إذا كان في ضمان المشتري لو أصابه تلف حكم بتلفه من ماله كان له غلته بضمانه، وهذا إذا ضمنها بضمان الملك لا بضمان الغضب
لقوله (صلى الله عليه وسلم)، وليس لعرق ظالم حق والغاضب هو العرق الظالم.
[فصل 1 - المشتري يغتل السلعة ثم يردها بعيب]
قال مالك: فمن ابتاع دورًا أو عبيدًا فاغتلهم ثم ردهم بعيب كان ما أغتل منهم له بضمانه.
م: ولا خلاف في ذلك، وإن أصاب الدور عنده عيب رد معها ما نقصها.
الجزء: 14 - الصفحة: 178
[فصل 2 - المشتري يشتري إبلًا أو بقرًا أو غنمًا فتلد ثم يردها بعيب]
قال ومن اشتري إبلًا أو بقرًا أو غنمًا فولدت عنده ثم وجد بها عيبًا فلا يردها إلا مع ولدها، ولا شيء عليه في الولادة إلا أن ينقصها ذلك فيرد معها ما نقصها.
م: يريد وإن كان في الولد ما يجبر به النقص جبره على قول ابن القاسم كما قال في الأمة تلد ثم يردها بعيب.
[فصل 3 - المشتري يشتري إبلًا أو غنمًا أو بقر قم يجز صوفها]
قال ابن القاسم: ولا شيء عليه فيما جز من صوف أو وبر، أو حلب من لبن، أو انتفع به من زبد أو سمن؛ لأن ذلك غلة، وسواء كان ذلك بيده، أو قد فات، ويرجع بجميع الثمن.
قال مالك: وكذلك في البيع الفاسد/ يرد ولا شيء عليه مما أخذ من الغلة فيه إلا أن يفوت في البيع الفاسد، والولد فيه فوت يوجب عليه القيمة يوم القبض.
قال ابن القاسم: وإن كان صوف الغنم يوم الصفقة تامًا فجزه ثم ردها بعيب فليرد ذلك معها أو مثله إن فات.
م: وإن لم يعلم وزنه رد الغنم بحصتها من الثمن كمشتري ثوبين يفوت عنده أحدهما ثم يجد بالثاني عيبًا.
الجزء: 14 - الصفحة: 179
وفي كتاب محمد: إذا فات، ولم يعرف وزنه يرد قيمته ما بلغ بخلاف الثوبين.
والأشبه ما قدمناه، وهذا على قياس قول من قال: إذا فات الأدنى من الثوبين رد قيمته مع الأرفع المعيب، ورجع بجميع الثمن؛ لأنه يقول، إذا انتقضت صفقتي لم تلزمني المغابنة في الأدنى.
[فصل 4 - المشتري يرد الابل أو البقر أو الغنم بعيب بعد ما حلبها]
وفي المدونة قال ابن القاسم: ولا يرد للبن شيئًا، وإن كان في الضروع يوم البيع، وذلك خفيف.
[فصل 5 - المشتري يرد النخل بعيب بعد جدادها]
قال مالك: وإن اشتريت نخلًا فجددتها زمانًا ثم رددتها بعيب أو استحقت فلا شيء عليك للثمرة؛ لأن الغلة بالضمان، وترجع على بائعك بالثمن كله.
الجزء: 14 - الصفحة: 180
[فصل 6 - المشتري يرد النخل الذي كانت مؤبرة يوم الشراء بعيب بعد جد الثمرة]
وفي كتاب محمد فإن ردها وفيها ثمرة قد أزهت فهي له، وإن لم تزه فهي للبائع، ويرجع بالسقي والعلاج.
قال: وكذلك لو اشتراها شراء فاسدًا فردها بعد زهو الثمرة.
ومن المدونة قال ابن القاسم: وإن كانت الثمرة يوم الشراء مأبورة فاشترطتها، فإنك إن رددت النخل بعيب، وقد جددتها رددت الثمرة معها، وإلا فلا شيء لك، فإن رددتها معها كان لك أجر سقيك، وعلاجك فيها.
م: يريد ما لم تجاوز قيمة الثمرة.
قال ابن القاسم: ولما لم / تكن واجبة إلا باشتراط صح أن لها حصة من الثمن، ولم ألزمها لك بحصتها من الثمن كسلعة ثانية فتصير إذا أفردت بيع ثمرة لم يبد صلاحها.
الجزء: 14 - الصفحة: 181
م: وأمضاها له في التفليس بما ينوبها من الثمن، وإن اشتراها ولا شيء فيها فاستحقت وفيها ثمرة وقد أزهت فهي للمستحق ما لم تيبس، وكذلك الشفعة لا يفيتها إلا اليبس، وفي التفليس لم يفوتها إلا الجد فإن ذهبت الثمرة بأمر من الله رددت الحائط، ولا شيء عليك للثمرة، وهذا مثل ما قال مالك في مال العبد إذا اشتريته، واشترطت ماله معه فانتزعته فإنك إذا رددته بعيب رددت ماله معه، وإن هلك المال قبل انتزاعك لم يلزمك له نقص من ثمنك إن رددته بعيب فالثمرة إذا اشترطت بعد الإبار، ومال العبد أمرهما واحد.
قال في كتاب محمد: ولو انتزعته ثم هلك بأمر من الله ضمنته وكذلك الثمرة إذا وجددتها ثم هلكت فإنك تضمنها قاله محمد.
م: وأما لو اشترطت الثمرة بعد الطياب فهذه إن هلكت الثمرة قبل الجداد بأمر من الله فرددت النخل بعيب فلتردها بحصتها من الثمن وكذلك إن جدها رطبًا فأكلها فلترد النخل بحصتها من الثمن، وكذلك ينظر ما قيمة النخل من قيمة الثمرة فإن كانت مثلها رجع بنصف الثمن، وإن كانت مثليها رجع بثلثي الثمن، وأما إن جدها تمرًا وعرف مكيلتها فإن قائمة ردها معها، وإن فاتت رد مثلها مع النخل.
الجزء: 14 - الصفحة: 182
ومن المدونة، قال أشهب في الثمرة وإن أبرت والصوف وإن تم يوم الصفقة فهما غلة لا يرد ذلك في رده بالعيب.
م: وقول ابن القاسم/ أبين؛ لأن النخل إذا أبر ثمرها فإنما هي غلة حدثت عند [/191 أ]
البائع ألا ترى أنها للبائع في البيع حتى يشترطها المشتري، ولا يتك له اشتراطها إلا برضي البائع فإنما هو كمن باع سلعتين، وإن كنا لا نجيز بيعها مفردة فتجوز مع الأصول بالسنة، ويلزم أشهب أن يقول: إذا اشتراها، والثمر قد أزهى، أو أثمر أنها غلة للمبتاع كما قال في الصوف إذا تم.
وهذا يبين صعف قوله والله أعلم بالصواب.
م: وذهب أبو حنيفة أن الولادة، والنتاج والثمرة تبطل الرد، وتوجب قيمة العيب؛ لأنها عيوب، وحدوث العيب عنده يمنع الرد بالعيب.
الجزء: 14 - الصفحة: 183
وقال الشافعي: يرد الأصل في ذلك كله، ولا يرد الفرع.
فدليلنا على أبي حنيفة أنه إنما حدث في يد المشتري بعد العقد فلم يمنع الرد بالعيب أصلة الغلة، والكسب، وقد وافقنا أن العبد إذا أفاد عند المشتري مالًا عينًا أو حيوانًا بهبة أو التقاط أو ركاز فإن ذلك لا يمنع الرد بالعيب يوجب به فكذلك ولادة الأمة.
ودليلنا على الشافعي في قوله: أن الولد غلة لا يرد فلان الأصول موضوعة على أن كل حكم لزم في رقبة الأم فإن الولد يتبعها فيه إذا كان الولد من زوج كولد أم الولد والمكاتبة والمدبرة والمعتقة لإلي أجل، وقد ثبت أن حكم الرد لازم في رقبة الأم المعيبة فيجب أن يكون حكم ما يحدث لها من ولد كحكمها، ولا يشبه الثمرة؛ لأنها غلة وليست تلحق بالأصل.
ومن المدونة قال ابن شهاب: وإذا سافر بالدابة ثم ردها بعيب فلا كراء عليه/.
الجزء: 14 - الصفحة: 184
[الباب الرابع]
في من ابتاع ثيابًا أو غيرها فقطعها أو صبغها ثم قام بعيب
[فصل 1 - العيب المفسد إذا حصل عند المبتاع من غير سبب التدليس فلا يرد إلا بما نقص]
قال مالك= رحمه الله-: كل ما حدث بالرقيق والحيوان عند المبتاع من عيب مفسد من غير سبب التدليس فلا يرده إن وجد عيبًا إلا بما نقصه ذلك عنده، دلس له البائع بالعيب أم لا.
قال ابن القاسم: وكذلك الدور بخلاف الثياب تقطع وتصبغ وتقصر إذ لهذا تشتري فيفترق فيها التدليس من غيره، ويصير المدلس كالآذن في ذلك، فلا شيء له في الرد مما نقصها إلا أن يفعل غفي الثياب ما لا يفعل في مثلها أو يحدث فيها عيب مفسد من غير التقطيع فلا يردها إلا بما نقصها.
الجزء: 14 - الصفحة: 185
[فصل 2 - المشتري يقطع الثياب ثم يظهر على عيب لم يعلم به]
قال: فإن قطع الثياب قميصًا أو سراويلات أو أقبيه ثم ظهر على عيب لم يعلم به فالمبتاع مخير في حبسه والرجوع بقيمة العيب أو رده وما نقصه القطع، وإن دلس له البائع فلا شيء على المبتاع لما نقصه القطع إن رده.
احلفه ولو قال البائع عَلِمتُه فأنْسِيتُه حين البيع حلف أنه أنسيه وكان له ما نقصه القطع.
ابن المواز قال مالك: ولا أحب أن يحلف حين ذكر أنه نسي العيب، ولا في قوله: لم أكن عالمًا بالعيب حتى يختار المبتاع رد الثياب مقطعة فيحلف ويأخذ/ ما نقصها، وإن تماسك لم يحلف ورد قيمة العيب.
ابن المواز: ولا يكون له ها هنا أن يحبسه ويأخذ من البائع قيمة العيب القديم، إذ صار للمشتري أن يرد بلا غرم لما نقصه، ولا شيء دخل له فيه من صبغ أو خياطة،
الجزء: 14 - الصفحة: 186
فلما كان كذلك صار كمن لا يحدث به عنده عيب فله أن يرد أو يحبس، ولا شيء له.
[فصل 3 - المبتاع يدعي تدليس البائع وهو ينكر]
ومن المدونة قال مالك: وإن ادعى أن البائع دلس له فأنكره وإن خاط الثياب فله أخذ قيمة العيب دلس له البائع أو لم يدلس، وله أن يرده مخيطًا فتدخل الخياطة في القيمة، فإن نقص بعد ذلك شيء غرم المبتاع ما نقص إن لم يدلس، ولا شيء عليه إن دلس، ولو زادت الخياطة كان بالزيادة شريكًا إن رد.
[فصل 4 - المشتري إذا رد الجلود أو الثياب بعيب
وقد عمل بها ما يعمل بمثلها فله الرد]
ومن المدونة قال ابن القاسم: وكذلك الجلود تقطع خفافًا أو نعالاً، وسائر السلع إذا عمل بها ما يعمل بمثلها مما ليس بفساد، وأما إذا فعل في ذلك ما لا يفعل في مثله كقطع الثوب الوشي خرقًا أو تباين فليس له رده وذلك فوت ويرجع على
الجزء: 14 - الصفحة: 187
البائع بقيمة العيب من الثمن، وأما إن لبس الثوب لبسًا ينقصه لم يرد إلا بما نقصه اللبس في التدليس وغيره؛ لأنه انتفع، أو يحبسه ويرجع بقيمة العيب، ولا يرد للبس الخفيف شيئًا إذا لم ينقصه.
قال مالك: وأما إن صبغ الثوب صبغًا ينقصه أو قطعه والبائع مدلس فللمبتاع الرد بلا غرم أو التماسك والرجوع بقيمة العيب.
م لعله يريد قَطْعه قطعًا أدى عليه أجرة لقطعه فيكون له التماسك والرجوع بقيمة العيب كما قال في الصبغ، وأما إذا لم يكن لقطعه قيمة فكان يجب إذا تماسك به ألا يرجع بشيء؛ لأنه كان له أن يرد بلا غرم، وكذلك قال ابن المواز وهو الصواب إن شاء الله تعالى.
وقال بعض شيوخ أفريقية: قول مالك أولى؛ لأن التقطيع فوت ففي غير التدليس يرده، وما نقصه القطع، أو يرجع بقيمة العيب فإذا دلس فلا/ يكون أحسن حالاً ممن لم يدلس فالحكم فيهما سواء إلا في خصلة أنه يرد، ولا يلزمه ما نقص التقطيع.
م: وهي الحجة التي أوجبت ألا يرجع بقيمة العيب؛ لأنه كمن لم يحدث عنده عيب، وكما لو قال له البائع في عيب حدث عنده: رد ولا شيء عليك، لم تكن له حجة في أن يرجع بقيمة العيب، وهذا بين والله أعلم.
الجزء: 14 - الصفحة: 188
قال ابن المواز: وإذا صبغ الثوب صبغًا ليس بصبغ مثله فذلك فوت فيه، مثل قطع الثوب تبابين أو خرقًا فليس له إلا قيمة العيب، وإن صبغه صبغ مثله إلا أنه مما ينقصه فهو مثل إذا قطعه، وخاطه خياطة تنقصه إن شاء حبسه، وأخذ قيمة العيب سواء دلس له أم لا، وإن أحب أن يرده اختلف التدليس من غيره إن دلس رده بلا غرم عليه لما نقصه الصبغ والخياطة، وإن لم يدلس لم يرده إلا بما نقصه بعد أن يقوم الثوب أبيض معيبًا ثم معيبًا مقطعًا مخيطًا أو مصبوغًا فتدخل الخياطة أو الصبغ في القيمة، فإن نقصه شيء غرم المبتاع ما نقص إن لم يدلس البائع، وعلى البائع ها هنا اليمين أنه لم يدلس، فإن نكل فلا شيء له من النقص.
قال أبو محمد: يريد محمد بغير رد يمين في هذا، وقاله مالك في نكول البائع فيما بيع بالبراءة.
ابن المواز: قال أصبغ: وإن طلب المبتاع حبسه وأخذ قيمة العيب، فقال له البائع: أنا آخذ الثوب، وأغرم لك الخياطة، ولا آخذ منك ما نقص القطع حتى لا تكون لك حجة تحبسه بها، فليس له ذلك للصنعة التي/ فيه للمبتاع، وكما لم يكن للمبتاع أن يقول: أنا أرد عليك وألزمك قيمة خياطتي.
م: والعلة في منع ذلك؛ أن البائع يريد شراء صنعة المبتاع كرهًا فلم يمكن من ذلك، وكذلك إذا أراد أن يلزمه شراء صنعته كرهًا لم يكن له ذلك.
الجزء: 14 - الصفحة: 189
[فصل 5 - مشتري الثوب يرده بعيب بعدما فعل به ما زاد قيمته]
ومن المدونة وغيرها قال مالك: ولو فعل في الثوب ما زادت له قيمته من صبغ أو خياطة أو غير ذلك فله حبسه، وأخذ قيمة العيب أو رده ويكون بما زادت الصنعة شريكًا لا بقيمة الصنعة، ولا بما ودي، يقوم الثوب أبيض معيبًا، فتكون هذه القيمة رأس مال البائع، ثم يقوم مصبوغًا فما زاد فهو شريك به، سواء دلس له في هذا أم لا.
[فصل 6 - هل القيمة في ما أحدث في السلعة
وهي معيبة يوم الحكم أو يوم البيع؟]
م: حكى عن الشيخ أبي الحسن بن القابسي أنه قال: والقيمة في ذلك يوم الحكم لا يوم البيع؛ لأنه إذا رده فقد فسخ البيع يوم الحكم.
الجزء: 14 - الصفحة: 190
م: وهذا خلاف قولهم إذا نقص فأراد الرد ورد ما نقص أن القيمة في هذا يوم البيع فكذلك كان يكون إذا زاد، ولا فرق بينهما.
م وقال بعض الناس: إذا اشترى ثوبًا فقطعه وخاطه، ثم وجد عيبًا فإنه يقال: ما قيمته يوم وقعت الصفقة بغير عيب.
فيقال: مئة ثم يقال: وكم قيمته حينئذ معيبًا، ليُعلم ما نقصه العيب؟ فيقال: ثمانون ثم يقال: وكم قيمته ذلك اليوم معيبًا مخيطًا؟ فإن لم ينقص من ثمنه شيء فإن شاء رده، ولا شيء عليه، أو حبسه، وأخذ قيمة العيب وهو خمس الثمن، وإن كان قد نقصته الصنعة فإن دلس البائع رده المشتري ولا شيء عليه، وإن لم يدلس لم يرده المشتري إلا وما نقصه.
م وهذا هو الصواب.
وإن زادت قيمته على الثمانين كان بما زاد شريكًا، فإن كانت قيمته كذلك تسعين كان شريكًا بالتسع.
قال: وجعل ها هنا ما أخدثه من الخياطة التي هي عرض يجبر بها ما أحدث من النقص الذي هو القطع.
قال: وفي ذلك نظر؛ لأن ما نقص عنده إنما يمضي بما ينوبه من الثمن، وما أحدث شاركه به فعرض عرضًا، وهي الخياطة عما نقص القطع عنده.
قال: وانظر على هذا، لو حدث عنده عيب غير القطع، وقد أحدث فيه خياطة أو صبغًا هل يجبر أيضًا ما حدث عنده من العيب بالخياطة والصبغ، وهما عرضان؟ قال:
الجزء: 14 - الصفحة: 191
والأشبه، كان إذا حدث عنده عيب في الثوب، وقد صبغه واطلع على عيب، أن يقوم يوم اشتراه فإن قيل: قيمته صحيحًا مئة، قيل: وما قيمته بالعيب الذي اطلع عليه؟ فإن قيل: ثمانون.
قيل: وما قيمته بالعيب الذي حدث عنده؟ فإن قيل: ستون، قيل: ما قيمته مصبوغًا؟ فإن قيل: سبعون كان للمشتري الرجوع بخمس الثمن على البائع؛ لأنه أخذه من غير عوض دفعه، وكان للبائع إذا رد عليه الثوب الرجوع بربع ثمن ما دفع إليه وهو عشرون؛ لأنه دفع ما يسوي ثمانين، أفات المشتري ربعها فمضى بربع الثمن فيتقاصان بذلك، ثم يشارك المشتري بقدر ما زاد، وهو السبع فيصير له سبع الثوب بصبغه، وهذا هو الأقيس ألا يدفع فيما فات عوضًا، وهو الصبغ، وإذا جبرنا بالصبغ غرم ثمن الثمن، وكان الصبع كله للمردود عليه؛ لأن الربع الذي فات عنده دفع نصفه صبغًا، ودفع نصفه ثمنًا قاصص به البائع من العشرين الذي عنده، وهي خمس الثمن/ فيبقى له عند البائع عشرة يأخذها منه وينبغي أن الشركة إنما تكون يوم الحكم إذا زاد الصبغ أو الخياطة في الثوب، وكذلك في كتاب محمد في زيادة الصبغ، ولو نقص الصبغ الثوب لا نبغي أن يكون النقص محسوبًا يوم عقد البيع؛ لأنه كجزء قد ذهب من المشتري فإنما يمضي بما ينوبه من الثمن يوم وقع العقد.
الجزء: 14 - الصفحة: 192
م قال ها هنا: يكون شريكًا بما زاد الصبغ، وقال في من استحق ثوبًا من يد مشتر، وقد صبغه فأبى أن يعطيه قيمة الصبغ، وأبى المشتري أن يعطيه قيمة الثوب فوجب أن يكونا شريكين المشتري يكون شريكًا بقيمة الصبغ، ولم يقل بما زاد فالفرق بينهما أن الراد بالعيب مختار لرد الثوب إذ لو شاء تمسك به، ورجع بقيمة العيب، والمستحق من يده مجبور على أن يؤخذ من يده فلهذا فرق بينهما والله أعلم.
وقال في صبغ المقارض: إذا أبى ربه أن يعطيه ما صبغه به يكون المقارض شريكًا بما ودى فوجه هذا؛ لأنه مأذون له في حركة المال، وتنميته بالصبغ وغيره، فكأنه صبغه بإذن ربه ففارق الراد بالعيب، والمستحق من يده، والله أعلم.
[فصل 7 - العيوب في الثياب تختلف في الحكم عن العيوب في الحيوان]
ومن المدونة قال مالك: وإذا لم يدلس له في الثياب وشبهها فردها بعيب، وقد حدث عنده بها عيب، وإن لم يفسدها فليرد معها ما نقصها، والعيوب في الثياب بخلافها في الحيوان؛ لأن يسير الخرق في وسط الثوب ينقص ثمنه والكية وشبهها تكون في الحيوان لا تنقص من ثمنه إلا أن يحدث بالثوب عند المبتاع الشيء الخفيف الذي لا خطب له فليرده ولا شيء عليه.
الجزء: 14 - الصفحة: 193
[فصل 8 - مشتري الجارية البكر ذات الزوج يردها بعيب
بعد أن افتضها الزوج]
قال ابن/ القاسم: وأما إن ابتعت جارية بكرًا ذات زوج علمت به، فقبضتها ثم افتضها الزوج عندك فنقصها ذلك ثم ظهرت على عيب دلسه البائع فلك ردها، ولم تغرم لنقص الافتضاض شيئًا؛ لأنه باعه الجارية وهو عالم أن لها زوجًا يفتض وذلك كالتدليس في الثوب يقطعه المشتري قال: وكذلك لو لم يدلس بالعيب في الجارية ثم ردها بالعيب لم يغرم لنقص الافتضاض شيئًا؛ لأن البائع هو الذي زوجها وإنما يلزم المبتاع ذلك لو زوجها هو.
م وحكى لنا عن بعض شيوخنا القرويين إذا تزوج العبد بغير إذن سيده فباعه، ولم يعلم به فعلم به المشتري فرضى النكاح، وأقره ثم ظهر على عيب فلا يرده إلا بما نقصه؛ لأنه كان قادرًا على فسخه فلما أقره صار كأنه هو الذي زوجه، وصار البائع لا يقدر على فسخه.
الجزء: 14 - الصفحة: 194
[الباب الخامس]
في ما لا يعلم بعيبه إلا بعد إفساده كالخشب والجوز والقثاء والبيض
[فصل 1 - العيب الباطن في الجوز والقثاء والخشب لا يعلم إلا بإفساده]
قال ابن القاسم: كل ما بيع من غير الحيوان، وفي باطنه عيب يجهله المتبايعان ولا يعلم به إلا بعد الشق أو الكسر مثل الخشب وشبهها تشق فيجد المبتاع في داخلها عيبًا باطنًا فهو له لازم، ولا شيء على البائع من رد، ولا قيمة عيب، وكذلك قال مالك في الرانح وهو الجوز الهندي، والجوز يوجد داخله فاسدًا، أو القثاء يوجد مرًا فلا يرد وهو من المبتاع.
قال مالك: وأهل السوق يردونه إذا وجدوه مرًا، وما أدري لما ردوا ذلك؟ إنكارًا لرده.
م: وذكر/ ابن حبيب عن مالك مثل ما تقدم، قال ابن حبيب: وهذا إذا كان من أصل الخلقة، ولم يحدث فيها من عفن وشبهه، وكذلك غير الخشب مما لا يمكن علمه إلا بعد قطعه مثل الصندل والعود، وأما الرانج والجوز والقثاء يوجد داخله فاسدًا أو مرًا فمالك يراه مثل الخشب.
وقال ابن الماجشون: هذا في اليسير إذ لا يسلم منه وأما ما كثر فيرد ولو شرط البائع البراءة منه لم يجز؛ لأنه خطر، وهو في معنى قول مالك، وقاله أصبغ.
الجزء: 14 - الصفحة: 195
م: وهذا ضد ما حكى محمد عن مالك، وقول ابن حبيب في الخشب إنما ذلك إذا كان العفن من أصل الخلقة خلاف أيضًا، وقد قال مالك في العتبية كل ما يباع فكان البائع والمبتاع في معرفته سواء، لا يظن أن البائع عرف من سلعته ما لم يعرف المبتاع، فإن المبتاع لما اشترى ضامن ليس إلى رده من سبيل.
ابن المواز قال مالك: إن كان عيب الخشب لا يوقع عليه إن طلب إلا بالنشر فلا رد فيه، ولا قيمة عيب، وهذا أمر ثابت في هذه الأشياء معروف يشتري عليه المشتري، ويبيع عليه البائع، ومثل هذه الفصوص وخشب النخل، والخشب التي يعمل بها الأقداح نحتت ترى عيوبها قال: وكذلك: الرائج والجوز، الصحيح هو مثل الخشب قال: وقيل: أيضًا لا يرد من الجوز ما كسر ووجد فاسدًا إلا مثل الجوزتين والثلاث رانجا كان أو من الجوز الصغار وما يمكن منه أن يتدبر فيقدر على معرفته، وأما الأحمال والكثير منه فلا رد فيما وجد منه فاسدًا إلا أن يكون كله فاسدًا أو أكثره فإنه يرده ويأخذ الثمن، يريد؛ لأنه لا يخفى على البائع إذا كان كذلك.
قال: وأما اليسير من الكثير فلا يرد، ويلزمه البيع.
قال ابن المواز: وكذلك القثاء يوجد كله فاسدًا أو أكثره فإنه يرده ويأخذ الثمن يريد؛ لأنه لا يخفى على البائع إذا كان كذلك قال: وأما اليسير من الكثير فلا يرد، ويلزمه البيع.
الجزء: 14 - الصفحة: 196
قال ابن المواز: وكذلك القثاء يوجد كله أو جله مرًا فإنه يرده؛ لأنه لا يخفى على بائعه، وقد قال في ذلك أشهب: إن كان يوصل إلى علم مرة بإدخال العود الرقيق فيه فأرى أن يرد ما بيع منه مما يمكن أن تشترى القثاة والقثاتان، وأما ما بيع أحمالاً فلا يرد ما وجد فيه مرًا، ابن المواز: إلا أن يكون كله مرًا.
[فصل 2 - عيب البيض الباطن هل يرد به إذا كسر؟]
ومن المدونة قال مالك: وأما البيض فيرد لفساده؛ لأنه مما يعلم ويظهر فساده قبل كسره، وهو من البائع إذا كسر إذا كان مدلسًا.
قال ابن المواز: وكل ما يمكن الإطلاع على فساده وعيبه بغير كسر فهو مردود ولا شيء على كاسره؛ لأنه بيع على أن يكسر، وإن لم يشترطه إذ لا ينتفع به إلا بعد كسره، وذلك إذا كان البائع مدلسًا، وإن لم يكن مدلسًا رد الدنيء مع ما نقصه، قال: وأما البيض يوجد فاسدًا وقد كسر فلا رد فيه، وأرى أن يرجع بما بين القيمتين إن كانت له قيمة يوم باعه بعد الكسر وإلا رجع بالثمن كله، وقاله أيضًا ابن القاسم في البيض إذا وجد مفسودًا إن كان بحضرة البيع رده، وإن كان بعد أيام لم يرده؛ لأنه لا يدري أفسد عند البائع أو عند المبتاع وقاله مالك.
وقد تقدم القول في الصغير إذا كبر أنه فوت/ ويرد البائع قيمة العيب على ما أحب أو كره، ولا يشبه ذلك الفراهية، وتعليم الصنعة هذا ليس بفوت،
الجزء: 14 - الصفحة: 197
فإن شاء رد أو أمسك، ولا شيء له، وقد تقدم أيضًا أن من اشترى جارية أو عبدًا ثم باعه من الذي باعه منه بمثل الثمن ثم ظهر على عيب كان به عند البائع، فلا تراجع بينهما في تدليس ولا غيره، وإن باعه منه بأقل من الثمن قبل علمه بالعيب رجع عليه بتمام الثمن دلس به أم لا، وإن باعه منه بأكثر من الثمن فلا رجوع له عليه إن كان مدلسًا، وإن لم يدلس فله رده عليه، وأخذ ثمنه ثم للآخر رده عليه، وأخذ ثمنه فيتقاصان إذا شاءا.
الجزء: 14 - الصفحة: 198
[الباب السادس]
القضاء في من غش وفي ما غش من ابتاع ما هو زوج فرد أحدهما بعيب
[فصل 1 - القضاء في من غش وفي ما غش]
ونهى الرسول صلى الله عليه وسلم عن الغش والخلابة، وقال: (من غشنا فليس منا).
م: قال بعض العلماء معناه: لم يعمل بأعمالنا، وتشبه بأعدائنا اليهود؛ لأن من شأنهم الغش في غالب حالهم.
قال مالك: وإن ابتعت حنطة كانت مبلولة فجفت، أو عسلاً أو لبنًا مغشوشًا فلم تعلم بذلك حتى أكلت ذلك فلك الرجوع بما بين الصحة والداء، إذ لا يوجد مثله لغشه ولو وجدت مثله في غشه حتى يحاط بعلم ذلك لرددت مثله، وأخذت جميع الثمن.
ابن المواز: قال أشهب: وسواء دلس له أم لا.
قال: وإن وجد مثله سواء فهو مخير في رد مثله، أو أخذ قيمة الغش قال أبو محمد وقال سحنون لا يرد مثله، وإن وجد مثله ويرجع بقيمة العيب.
قال ابن حبيب: قال مطرف وابن/ الماجشون: ويعاقب من غش بسجن وضرب، وإخراجه من السوق إن كان معتادًا للغش والفجور، ولا يهراق متاعه إلا ما خف مثل اللبن يغشه بالماء أو يسير الخبز الناقص فليتصدق به أدبًا له مع تأديبه بما ذكرنا، وأما الكثير من اللبن، وخبز فلا، ولا ما غش من زعفران، أو مسك.
الجزء: 14 - الصفحة: 199
ابن حبيب: ولا يرد عليه، وليبع ممن يؤمن أن يغش به، ويرد إليه ما كسر من الخبز، وقاله كله مالك وأصحابه.
قال مالك فيه وفي العتبية: ولا ينهب متاع الرجل إذا غش، وأرى أن يعاقب من أنهب أو انتهب.
قال مالك في كتاب محمد: وأرى أن يخرج من السوق من فجر فيه فذلك أشد عليه من الضرب.
[فصل 2 - خلط طعام بطعام دونه]
قال مالك: ولا يخلط طعام بدونه، ويعاقب فاعله، وكذلك البر بالشعير وكذلك جميع الطعام [و] الثمر وغيره.
قيل: فالجميع من التمر يخلط في الحائط إذ جد، قال: لا بأس بذلك.
وقال مالك في من خلط قمحًا بشعير لقوته: أكره له أن يبيع ما فضل منه، وإن قل، وكذلك التمر والعسل والسمن.
وقال ابن القاسم: إذا لم يتعمد خلطه لبيع فأرجو أن يكون خفيفًا.
الجزء: 14 - الصفحة: 200
وقال ابن الماجشون، ومطرف في الواضحة مثل قول ابن القاسم.
ابن المواز قال ابن القاسم في الجزار يخلط لحما سمينا، ومهزولا فيبيعهما بوزن واحد، والمشتري يرى ذلك ولكن لا يعرف وزن هذا من هذا فلا بأس به في الأرطال اليسيرة كشراء الرجل بالدرهم والدرهمين، وأما مثل عشرين رطلاً وثلاثين فلا خير فيه حتى يعرف وزن هذا من هذا من هذا وإلا فهو خطر وليُمنع الجزارون من خلط السمين بالمهزول، وهو من الغش وما لا يحل، وإن بينه.
قال مالك: ولا بأس بما يجعل من التبن من أسفل المطمر عند الخزن أو في السفينة، وليس من الغش، وكذلك خلط الماء باللبن لاستخراج زبده، وأما بعد ذلك فلا.
قال سحنون في العتبية: لابأس أن يصب في العصير المتخذ للخل الماء لئلا يصير خمراً، وليتعجل تخليله إذا قصد هذا وليس من الغش.
الجزء: 14 - الصفحة: 201
[فصل 3 - نسبة السلعة إلى غير جنسها أو تسميتها بغير اسمها]
قال ابن حبيب: ومن الخديعة والخلابة أن ينسب السلعة إلى غير جنسها، وللمبتاع الرد بذلك فأما لو جهل أحد المتبايعين فباع أو ابتاع ما يساوي مئة درهم بدرهم لكان ماضياً عليهما.
وروى عن شريح فيمن قال لرجل بكم هذا الثوب الهروي؟ فقال: بكذا فابتاعه منه ثم تبين أنه غير هروي، ولكن صنع صنع الهروي فأجاز بذلك عليه شريح؛ لأنه لم يبعه على أنه هروي هراه، وإنما هو هروي الصنع.
قال أبو محمد: فيها نظر، قال ابن المواز وابن حبيب: قال مالك فيمن باع حجراً بدرهمين أو بثمن يسير فإذا هو ياقوت رفيع، فالبيع لازم ابن المواز: ولو شاء استبرأ لنفسه قبل البيع.
قال ابن حبيب: وذلك إذا قال: من يشتري مني هذا الحجر؛ لأن الياقوت يسمى حجراً، وسواء علم المشتري حين اشترى أنه ياقوت أو لم يعلم، وكذلك لو ظن المبتاع أنه ياقوت فرفع في ثمنه فأخطأه ظنه فلا رد له.
ولو قال البائع: من يشتري مني هذه الزجاجة فباعه ثم ظهر أنه ياقوت فللبائع رده جهله المبتاع أو علمه كما لو سماه ياقوتاً فألفاه زجاجاً، فأما إن سكت أو قال حجراً فلا كلام له إن وجده ياقوتاً.
الجزء: 14 - الصفحة: 202
قال سحنون: ومن اشترى/ ثوراً على أنه يحرث فوجده لا يحرث فله شرطه، ويرده إن شاء، وإن اشتراه ولم يشترط شيئاً فيجده لا يحرث، وإنما اشتراه للحرث فلا رد له في هذا.
وقال مالك: في خلط سلعته بتركه ميت تباع، أو خلط عبده برقيق مجلوب يباع فالمبتاع مخير إذا علم.
فصل [4 - من اشترى مالا يفترق فيجد ببعضه عيباً]
ومن قال ابن القاسم: ومن اشترى خفين أو نعلين أو مصراعين أو كل ما هو زوج فأصاب بأحدهما عيباً قبل القبض أو بعده فإما ردهما جميعاً، أو حبسهما جميعاً، وأما ليس بأخ لصاحبه، أو كانت نعالاً فله رد المعيب إن لم يكن وجه الصفقة، ,غن كان وجه الصفقة فليس له إلا رد الجميع أو حبسه ولا شيء له، وحكم الأم تباع مع ولدها فيوجد بأحدهما عيب حكم مالا يفترق.
الجزء: 14 - الصفحة: 203
في من تبرأ من عيب فيوجد اشنع منه، ويبرؤه من العيب بعد تمام البيع [فصل 1 - البراءة من عيب فيجد أشنع منه]
[المسألة الأولى: البراءة من الدبرة]
قال ابن القاسم: ومن باع بعيراً فتبرأ من دبرته فإن كانت دبرته منْقَلة مفسدة لم يبرأ -وإن أراه إياها- حتى يذكر ما فيها من نقل وغيره.
[المسألة الثانية: البراءة من الإباق]
وكذلك قال مالك: في من تبرأ في عبد من إباق والمبتاع يظن أنه إباق ليلة، أو مثل العوالي فيوجد قد أبق إلى مثل مصر والشام.
قال ابن المواز: أو قد أبق مراراً.
الجزء: 14 - الصفحة: 204
[المسألة الثالثة: البراءة من السرقة]
قال ابن القاسم: وكذلك إن تبرأ من سرقة العبد يظن أنه إنما كان سرق في البيت الرغيف ونحوه فإذا هو عاد ينقب بيوت الناس فلا يبرأ حتى يبين أمره.
م: وحكى عن أبى بكر بن عبد الرحمن فيمن باع عبداً، وتبرأ من أباق ذكر قدره فأبق عند المبتاع فهلك في - إباقه ثم اطلع أنه أبق عند/ البائع أكثر مما بين.
م يريد ويرجع عليه بما بين القيمتين، وإن هلك في أكثر من ذلك وفي مثل ما دلس به فهو من البائع، ويرجع عليه بجميع الثمن كله.
م وفي هذا نظر وقد تقدم شرحه.
ابن حبيب: إذا تبرأ من دبر دابته فإن عرف غورها وما في داخلها لم يبرءه من تفاحشه إلا أن يبينه، وإن لم يعرف غورها وما في داخلها لم يضره ما ظهر فيها عند المبتاع؛ لأنه كعيب يستوي علم البائع والمبتاع في معرفته، وقاله من
الجزء: 14 - الصفحة: 205
كاشفت من أصحاب مالك.
م: صواب وهو يرد ما تقدم له من عيوب الخشب؛ لأنه قال: لا يبرأ إلا أن يكون من أصل الخلقة.
فأنظره.
[المسألة الرابعة: البراءة من الكي بالأمة]
ومن المدونة ولو تبرأ البائع من كي بلأمة فوجد الكي بالظهر أو الفخذين.
فقال المبتاع: ظننته ببطنها فلا رد له إلا أن يكون متفاحشاً فيرد على ما ذكرنا في الدبر والإباق.
ابن المواز وقال أشهب: يفسخ البيع مالم يصف شنع الكي وقدر كل كيه ويريه ما يجوز أن ينظر إليه، وكذلك قروح الجسد، وجراحاته، وكذلك ذكر البراءة في الدبرة إذا لم يصف له قدرها وغورها، وأمرها مجهول فبيعه مفسوخ.
قال ابن المواز: وقول ابن القاسم في ذلك أحب إلينا، وقد أضعف قول أشهب جوابه في مسألة الأباق.
قال هو وابن القاسم في من تبرأ من الإباق كثيراً أو بعيداً: فله الرد.
م: قال وبعض شيوخنا: إذا اشترى عبداً فوجد به كياً خفيفاً فقال أهل الفلسفة: إنه كوي لعلة كذا نظر فإن كان/ من أهل البربر لم ينظر إلى قولهم؛ لأن
الجزء: 14 - الصفحة: 206
البربر معلوم أنهم يكوون لكل علة، وإن كان الروم فليرده؛ لأنهم لا يكوون إلا لعلة مخوفة.
[المسألة الخامسة: البراءة من عيوب الفرج]
ومن المدونة قال ابن القاسم وابن المواز وقاله أشهب: وإن تبرأ من عيوب الفرج فإن كانت مختلفة، ومنها المتفاحش لم يبرءه حتى يذكر أي عيب هو إلا من اليسير فإن كانت مختلفة، ومنها التفاح لم يبرءه حتى يذكر أي عيب هو إلا من اليسير فلا يبرأ، وأما الرتق وما تفاحش فلا يبرأ ولو تبرأ من الرتق فوجد بها رتقاً لا يقدر على فإن كان الرتق ما يقدر على علاجه ومنه ما لا يعالج لم يبرأ البائع حتى يبينه.
ابن المواز قال أشهب: إن كان رتقها بعظم لا يقدر على علاجه إلا بخوف على الجارية فله ردها إن أحب.
[المسألة السادسة: البراءة لا تكون إلا من عيب يوقفه عليه]
ومن المدونة قال ابن وهب عن مالك: في من باع عبداً أو دابة أو غير ذلك، وكثر في براءته أسماء العيوب: فلا يبرئه إلا من عيب يريه إياه ويوقفه عليه، وإلا فله الرد به إن شاء.
وروى ابن وهب أن عمر بن عبد العزيز منع أن يذكر في البراءة عيوباً ليست في المبيع إرادة التلفيق
الجزء: 14 - الصفحة: 207
قال النخعي: ولو قال: أبيعك لحماً على باريه لم يبرأ حتى يسمي العيب.
قال شريح: حتى يضع يدع عليه.
ابن المواز: وقال أشهب عن مالك: لا تنفع البراءة من كل عيب علم به، وإن سماه مالم يقل إنه به، وإلا فهو مردود، وإذا باع عبداً أو دابة أو غير ذلك، وبه عيب فسماه وسمى معه عيوباً مما ليس به فإن ذلك لا ينفعه ويرد عليه حتى يوقفه على ذلك العيب بعينه.
قال ابن المواز: ولا ينفعه لو أفرده فقال: أبيعك بالبراءة من كذا وكذا حتى يقول: إن ذلك به ولا/ يخلطه بغيره يريد لما جرى من عادة النخاسين أن يذكروا ذلك تلفيفاً، وأطماعاً للمشتري بذكرهم ما ليس في المبيع فيظن أن ذلك ليس بها.
م: وأرى البراءة بذكره إذا أفرده، وإن لم يقل أنه به.
ومن الواضحة وإذا سمى في البراءة عيوباً منها ما بالعبد، ومنها ما ليس به لم يبرأ مما به حتى يفرده، وله الرد إلا أن يكون المبتاع عالماً بالعيب، أو يكون عيباً ظاهراً ويخبره به غير البائع حين التبايع فيلزمه، ولا يرد به قاله مالك وأصحابه.
الجزء: 14 - الصفحة: 208
قال أبو محمد: وهذا مثل ما في كتاب محمد.
فصل [2 - البراءة من العيب بعد تمام البيع]
ومن المدونة قال مالك: وإذا أتى بائع الأمة أو العبد أو غير ذلك بعد تمام البيع، فتبرأ من عيب ذكره؛ فإن كان ظاهراً فذلك له والمبتاع مخير، وإن لم يكن ظاهراً لم تنفعه براءته,، ولا رد للمبيع.
ثم إن ظهر للمبتاع عيب قديم كان له الرد أو الرضى، ولو أقام البائع بينة أن ذلك العيب به مكن من ذلك ثم خير المبتاع في أخذها أو ردها.
ابن المواز قال أشهب: ولا تنفعه البينة إن لم يقبلها ويبرئه إلا أن يقفه السلطان على الرد، أو الإمساك.
... قال ابن المواز: وإذا لم يظهر العيب فأراد المشتري أن يرد بعد أن لم يكن قبل منه فليس ذلك له إلا أن يثبت البائع على إقراره، أو يظهر ذلك العيب أو يتحقق ببينة فيوقف فيكون له أن يرد أو يمسك.
م: قال بعض أصحابنا عن بعض شيوخه القرويين يريد محمد: ولو أقر له البيع أنه أبق عنده، وأنه دلس له بإباقه، ولم يقم على ذلك بينة، ولم يقبل منه المبتاع قوله فأبق بعد/ ذلك فمات في إباقه فليرجع المبتاع على البائع فيأخذ منه جميع الثمن؛ لأن من أقر على نفسه بشيء من أموال الناس أخذ به.
قال: وكذلك فسر لي الشيخ أبو الحسن.
الجزء: 14 - الصفحة: 209
[الباب الثامن]
جامع القول في البراءة
[فصل 1 - البيع بشرط البراءة لا يصح إلا في الرقيق وبيع الحاكم للغنائم
والميراث ومال المفلس]
قال مالك: ولا تنفع البراءة مما لا يعلم البائع في ميراث وغيره في من شيء السلع، والحيوان إلا في الرقيق وحده.
قال ابن القاسم: وهو الذي أخذ به من قول مالك وهو الذي قضى به عثمان على عبد الله بن عمر.
الجزء: 14 - الصفحة: 210
قال في كتاب محمد: ومضى به العمل من الإمام المتبع أثره ليس في ذلك حد لصغر عيب، ولا لكبره، وكذلك بيع السلطان على المفلس والمغانم وغيرها.
[فصل 2 - البيع بالبراءة ثم يوجد بالمبيع عيب قديم]
ومن المدونة قال: ومن باع عبداً أو وليده وقال: أبيع بلا براءة فهو بيع براءة، ويبرأ من كل عيب لم يعلم به إلا من الحمل في الرائعة؛ لأنها تتواضع، ولا يبرأ من عيب علمه حتى يسميه بعينه.
قال ابن حبيب: فإن وجد المبتاع عيباً قديماً، وقد اشترى بالبراءة حلف البائع أنه ما علمه به وبريء كان خفياً أو ظاهراً.
قال مالك في كتاب محمد: فإن نكل ارتجع عبده، ولم يكن على المبتاع يمين.
وقال في العتيبة: بعد يمين المبتاع على علمه أنه ما حدث عنده.
م: لعله يريد في عيب يقول أهل الفلسفة: إنه قديم ولانقطع نحن بحقيقة ما قالوه، وما يتحقق كل أحد أنه قديم فلا يجب على المبتاع يمين؛ لأنه قد بان صدقه، وما في كتاب ابن المواز أصح.
قال ابن حبيب: وإن كان عيباً يمكن قدمه وحدوثه فلا يمين فيه على البائع بالبراءة كان/ خفياً أو ظاهراً.
وقال ابن القاسم في العتيبة: يحلف البائع على علمه.
الجزء: 14 - الصفحة: 211
وقال أشهب عن مالك: ومن باع عبداً بالبراءة على ألا يمين عليه ثم وجد المبتاع به عيباً قديماً فلا يمين عليه كما شرط.
[فصل 3 - بيع السلطان للديون والغنائم وبيع الورثة
الميراث كله بيع براءة]
ومن المدونة قال ابن القاسم وبيع السلطان في الديون، وفي المغنم وغيره، وبيع الورثة إذا ذكروا أنه ميراث ذلك كله بيع براءة وإن لم يذكروا البراءة، وإن لم يذكر الورثة أنه بيع ميراث لم يبرؤا إلا بذكر البراءة.
ابن حبيب: وما بيع بأمر الإمام على مفلس، أو ميت لقضاء دين، أو لنفاذ وصية، أو على أصاغر فهو بيع براءة، وإن لم يذكر متوليه أن بيع ميراث أو مفلس، فأما ما وليه الوصي لنفسه، لما ذكرنا، بغير أمر الإمام، أو باعه الورثة وهم أكابر ليقضوا دين الميت ووصاياه فليس ببيع براءة حتى يخبر من يليه أنه بيع ميراث أو يذكر البراءة، وأما ما باعه الوصي على يديه للأيتام من رقيق وغيرها فليس ببيع براءة، وإن بين أنه لأصاغر من ميراثهم حتى يشترط البراءة، وقاله أصبغ من ذلك كله.
ابن المواز: قال مالك: بيع الميراث وبيع السلطان بيع براءة إلا أن يكون المشتري لم يعلك أنه بيع ميراث أو سلطان فهو مخير أن يرد أو يحبس بلا عهدة.
م: وهذا أحسن من قول ابن حبيب أن بيع براءة، وإن لم يذكر متولية أنه بيع ميراث أو مفلس.
الجزء: 14 - الصفحة: 212
قال في المدونة: وأما إن علم أنه بيع سلطان أو ميراث.
فليس للمبتاع في ذلك رد بعيب قديم إذا لم يعلم به البائع، ولا في ذلك عهدة ثلاث، ولا سنة، وهو من المبتاع بعقد الشراء، ولا ينفع/ في غير الرقيق من ثياب أو دواب أو عروض شرط البراءة، باعه ورثة أو وصي أو سلطان، وللمبتاع القيام بما وجد من ذلك من عيب.
ابن المواز قال أشهب: وإن وقع بيع البراءة في الحيوان غير الرقيق لم أفسخه، وإن وقع في العروض فسخته إلا أن يطول ويتباعد فلا أفسخه، وخالفه ابن القاسم وقال: لا ينفع ذلك وشرطه باطل.
قال ابن المواز: وأرى إنما قالك لا افسخه في الحيوان لما وقع لمالك في كتبه من باع عبداً أو وليدة أو حيواناً بالبراءة فقد بريء، وقد روى عنه أشهب في بعير باعه السلطان أيرد قال: لا إلا أن يعلم عيباً فكتمه، وإن كان إنما باعه لنفسه فهو كسائر الناس، وإن باعه في دين ونحوه فلا يرد.
[فصل 4 - رجوع مالك عن قوله بجواز البراءة في الرقيق وثبوته
على جوازها في بيع السلطان]
ومن المدونة قال ابن القاسم: وقد رجع مالك فقال: لا تنفع البراءة في الرقيق أيضاً، وإن باعها ورثة أو وصي أو غيره إلا أن يكون عيباً خفيفاً أو بيع سلطان قال: ومن ذلك من يقدم عليه بالرقيق فيبيع بالبراءة، ولم يخبرها، ولا كشفها فهو يريد أن يذهب أموال الناس بهذا الوجه فما أرى البراءة تنفعه ابن حبيب وقال: أشهب إن وقع لم يفسخ، وقاله اصبغ، وعبد الملك.
ومن المدونة قال مالك: وإنما كانت البراءة فيما باعه السلطان على مفلس ونحوه.
الجزء: 14 - الصفحة: 213
قال ابن القاسم: وبأول قوله أقول، وثبت مالك أن بيع السلطان بيع براءة، وهو أشد من بيع البراءة، ولأبي القاسم بن الكاتب قال: لم يختلف قول مالك في بيع السلطان أنه بيع براءة؛ لأنه كالحكم منه إلا عهدة والأحكام لا تنقض إلا أن يخالفها الجماعة، قال: ولم يختلف/ قول مالك في البراءة أنها تنفع في عهدة الثلاث والسنة وإنما اختلاف قوله في البراءة في العيب القديم.
[فصل 5 - اختلاف قول مالك في البراءة]
ابن حبيب: قال ربيعة وابن شهاب ويحي بن سعيد وغيرهم: تجوز البراءة في كل شيء، وقاله مالك: مرة أنها تلزم في الرقيق، والحيوان والعروض وبه قال ابن وهب، ثم رجع مالك فقال: لا تكون إلا في الرقيق.
قال ابن حبيب: وبه أقول فيما بيع طوعاً فأما ما باعه السلطان في فلس أو موت أو على أصاغر أو مغنم فآخذ بقوله الأول أنه بيع براءة في كل شيء من رقيق أو حيوان أو عروض وإن لم يشترطه، وقاله ابن الماجشون ومطرف وأصبغ وغيرهم قال: وقال مالك: إن البراءة تنفع في الرقيق في كل عيب، وإن كثر وقاله أصحابه إلا المغيرة فإنه قال مالم يجاوز ثلث الثمن فلا تنفع فيه البراءة حينئذ.
الجزء: 14 - الصفحة: 214
م: فاختلف قول مالك في بيع البراءة على أربعة أقوال: فقول إنها جائزة في كل شيء، وقول إنها جائزة في الرقيق والحيوان، وقول إنها لا تجوز في شيء إلا فيما باعه السلطان على مفلس أو في عيب خفيف في الرقيق، وإنما فرق مالك في أحد أقواله بين الرقيق والحيوان؛ لأن الرقيق ينطبق في الأغلب، وتشكو بعيوبها فلا يخلو أن يكون العيب ظاهر فهو بيع براءة أو خفياً فيعلمه من العبد بشكواه، فإذا باعه بالبراءة حمل على أنه لا يعلم به عيباً؛ أو خفياً فيعلمه من العبد بشكواه، فإذا باعه بالبراءة حمل على أنه لا يعلم به عيباً؛ لأنه يقول: لو كان به عيب لأعلمني به فأشد ما عليه إذا ظهر عيب قديم اليمين أنه ما علمه، والحيوان لا ينطبق فيظهر ما بها من عيب خفي ففي بيعها بالبراءة بعض الغرر يقول:/ البائع لعل بها عيوباً فتكون قد غبنته، ويقول المبتاع: لعل لا عيب بها فتكون قد غبنته فيبيع ما يطلع عليه الرقيق فيبيعها بالبراءة، ولم يخبرها، ولا كشفها فهو يريد أن يذهب أموال الناس بهذا الوجه فيما أرى البراءة تنفعه فهذا يشبه البراءة في الحيوان، وأيضاً فإن السنة إنما وردت في الرقيق وذلك أن ابن عمر باع عبداً بالبراءة فقيم عليه فيه بعيب قديم فاختصما إلى عثمان فقال ابن عمر: بعته بالبراءة فقال عثمان: فاحلف لقد بعته وما به داء تعلمه فأبى عبد الله أن يحلف، وارتجع العبد فموضع الدليل أن ابن عمر باعه بشرط
الجزء: 14 - الصفحة: 215
البراءة فلم ينكر ذلك عليه عثمان، وإنما حكم عليه باليمين فقد اتفق عثمان، وابن عمر في جواز شرط البراءة في الرقيق، وهذا مذهب صحابيين لا مخالف لهما، ولم يأت مثل ذلك في الحيوان ووجه قوله إن البراءة جائزة في الحيوان أنه شرط البراءة من عيب لم يعلمه، ولم يدلس به، أصله الرقيق، وقد قال تعالى:} أوفوا العقود} [المائدة:1]، وقال الرسول صلى الله عليه وسلم (المسلمون عند شروطهم) وهى الحجة في البراءة في العروض، واختيار ابن حبيب حسن في ما باعه السلطان؛ لأن الدين يقضي منه، والقضاء بالنقد فيه، وبالله التوفيق.
[فصل 6 - الورثة يكتمون عيوباً يعلمونها لا ينفعهم شرط البراءة]
ومن المدونة قال ابن القاسم: واذا كتم الورثة عيوباً يعلمونها لم ينفعهم شرط البراءة، ولا ذكر الميراث حتى يسموا تلك العيوب بعينها وكذلك الوصي.
قال مالك، ولا يجوز بيع أمة رائعة، أو ما وطنه المشتري من الوخش بالبراءة من الحمل؛ لأنه غرر في الرائعة وفي الوخش تارة سلفاً وتارة بيعاً، ولا بأس بذلك في الوخش من الزنج وغيرهم إن لم يطأها البائع إذ ليس بكبير نقص فيها، وربما زاد ثمنها وهو تخاطر في الرائعة لكثرة ما ينقصها إن كان بها، ولو كان بها حمل ظاهر-و
الجزء: 14 - الصفحة: 216
ليس من السيد-جازت البراءة منه وزال التخاطر، وثمن خمسين لها حكم الرائعة، وهي ممن ترد للوطي.
ابن المواز: وإن بيعت الرائعة بالبراءة مطلقاً، ولم يذكر الحمل جاز وفيها المواضعة.
[فصل 7 - البائع بالبراءة لا يبرأ من عيب يعلمه حتى يسميه]
ومن المدونة والذي يبيع رقيقاً بالبراءة لا يبرأ، من عيب يعلمه حتى يسميه وقضى به عمر بن الخطاب، ولا يبرأ في غيرها إلا مما سمى علم عيباً أم لا ولاتباعه ولا إيمان.
قال في كتاب محمد: إلا اليمين أنهم ما علموا.
قال في المدونة إلا أن يقيم المبتاع بينة أنهم كتموا عيباً علموه فليرد إن شاء.
الجزء: 14 - الصفحة: 217
ومن كتاب محمد والنقد جائز في بيع البراءة إذ لا عهدة فيه إلا في بيع الجارية الرائعة، فلا ينقد فيها بشرط إذ لابد فيها من المواضعة وليتواضعا الثمن حتى تحيض.
ومن كتاب ابن سحنون وسأله ابن حبيب عن عبد قام فيه المبتاع بأضراس ساقطة، وقال البائع: تبرأت إليك منها، فأنكره المبتاع، فكلف البائع البينة، فأتى ببينة تشهد أنه باعه منه بالبراءة من كل عيب.
قال: وأنا لا أعرف هذه الأضراس، وإنما أردت بقولي: برئت/ منها؛ لأني إنما بعتك بالبراءة من كل عيب قال: لا ينفعه ذلك، وقوله بئت منها إقرار منه أنه كان يعرفها، وإنما البراءة مما لا يعلمه البائع.
وسأله عمن ابتاع عبداً فقام فيه بعيب فزعم البائع أنه باعه بالبراءة من كل عيب، ولم أكن بهذا العيب عالماً، فأنكر المشتري أن يكون اشتراه بالبراءة، ولم يأت البائع ببينة فحكمت عليه بالعيب فيأتي المحكوم عليه بالبائع منه لا حكم له عليه فقال: لعل أنت مقر أنك بعت من صاحبك بالبراءة، وقد جحدك ذلك وكيف إن كانت جارية فردت على الأول أيحل له وطؤها، وهو يزعم أنها للذي ردها عليه بالعيب، ولكنه جحده فكتب إليه سحنون له أن يردها على الذي باعها منه أولاً، وله أن يطأها م، إن لم يردها؛ لأنه بيع لم يتم ومثل ذلك لو اختلف المتبايعان في الثمن
الجزء: 14 - الصفحة: 218
وتحالفا ورجعت إلى البائع أن له الوطء ويردها بعيب إن وجده وهو يعلم أنه محق في دعواه التي جحدها صاحبه، ولكن لما لم يتم البيع جاز له ما ذكرنا من الوطء والرد.
ومن كتاب ابن المواز ونحوه في المدونة قال مالك: ومن باع دابة ثم وضع له بعد تمام البيع ديناراً على عيوبها فوجد المبتاع عيباً فله الرد.
قال أصبغ: كما لو باعها بالبراءة لم ينفعه.
م يريد ولو كان ذلك رقيقاً جاز لجواز بيعه بالبراءة.
قال ابن حبيب: ومن قول مالك في من باع دابة أو جارية بعشرة دنانير على أن وضع/ له ديناراً لعيوبها، فإنه إن وجد عيباً ردها وأخذ التسعة كمن نكح بعشرة دنانير على أن تركت له ديناراً على أن لا ينكح عليها فالنكاح جائز، ولا شيء عليه.
قال: وأما لو تم البيع ثم وضع ديناراً لعيوبها لم يجز ذلك في الدابة إذ لا تنفع البراءة فيها؛ لأنه خطر، ويرد الدينار، وإن وجد عيباً فعليه الرد، ويجوز في الجارية بجواز البراءة فيها؛ لأنه خطر، ويرد الدينار، وإن وجد عيباً فله الرد، ويجوز في الجارية بجواز البراءة فيها، وما جاز اشتراطه في عقد البيع جاز أن يلحق به بعد العقد كمشتري مال العبد بعد الصفقة أو يشتري من الصبرة ما له أن يستثنيه في العقد.
قال أبو محمد: والذي ذكر ابن حبيب آخراً يرد الأول في الجارية بقوله: أنه يلزم ما بعد الصفقة من هذا كما يلزم في الصفقة، ورواية ابن المواز أصح.
ومن العتيبة قال أشهب عن مالك: ومن ابتاع عبداً بالبراءة أو بيع ميراث فلا يبيعه بيع الإسلام وعهدته حتى يبين أنه ابتاعه بالبراءة، ولو أخبره بذلك بعد العقد يريد فسخ البيع لم يفسخ إنما عليه أن يبين ثم للمبتاع رده إن شاء وكذلك في كتاب محمد.
الجزء: 14 - الصفحة: 219
م: وذلك كعيب كتمه؛ لأنه يقول: لو علمت أنك ابتعته بالبراءة لم اشتره منك إذ قد أجد به عيباً، وتفلس أنت أو تكون عديماً فلا يكون رجوع على بائعك.
م: قال بعض أصحابنا: ويجب على هذا، أن لو باع عبداً قد وهب له، ول يبين أنه وهب له، وإنما باع عبداً على أنه عبد اشتراه، أن يكون للمشتري مُتَكَلم في ذلك، إذ لو ظهر له عيب لم يكن له متكلم مع الواهب.
ومن العتيبة/ روى أشهب أن مالكاً قال لصاحب السوق: ولا تدع من اشترى بيع الإسلام وعهدته أن يبيع بالبراءة، وامنعهم من ذلك، وافسخ ذلك بينهم يبتاع العبد أحدهم بيع العهدة ثم لا يقيم في يديه كبير شيء حتى يبيعه بالبراءة، فلا أرى له ذلك إلا من بيع عليه في دين أو ميراث أو باعه سلطان ونحوه فذلك له.
الجزء: 14 - الصفحة: 220
[الباب التاسع]
في عهدة ما بيع على مفلس أو باعه وكيل أو قاض أو وصي، والعهدة في الشركة والتولية
[فصل 1 - في عهدة ما بيع على مفلس]
قلت: فمن اشتى عبداً من مال رجل قد فلسه السلطان فأصاب به عيباً على من يرده؟ قال: بلغني عن مالك أنه قال: يرده على الغرماء الذين بيع لهم، واخذوا المال.
قال مالك: ولو جمع السلطان متاعه وباعه لهم لثم تلف ما اجتمع لهم من الأثمان قبل قسمتها كانت من الغرماء، ولو تلف جميع ما جمع في البيع من المتاع كان المديان؛ لأن له نماه فعليه تواه، وقاله ابن القاسم، وقال أشهب: الأثمان والمتاع من الغريم ولا يكون من الغرماء شيء لم يقبضوه.
وقال ابن الماجشون: الكل من الغرماء؛ لأنه أوقف.
الجزء: 14 - الصفحة: 221
قال عنه ابن المواز: ولو استعرق رب الدين حقهن فأمر السلطان ببيع دار الميت، فبيعت وقبض الثمن فضاع قبل أن يقبضه الغرماء، ثم استحقت الدار، فإن المشتري يرجع على الغرماء الذين بيعت لهم فيغرمون الثمن الذي ضاع، وإن كانوا لم يقبضوه؛ لأن لهم بيعت فهو منهم، ومن كل غريم كان للمفلس أو الميت، وإن لم يكونوا قاموا ولا علموا؛ لأنهم في ذلك الثمن أسوة فهو من جميعهم، ويرجعون بذلك في ذمة الغريم، ولو طرأ للغريم/ مال لأخذ منه ثمن الدار وحسب ما تلف من الغرماء حتى كأنهم قبضوه وأكلوه.
[فصل 2 - إعتاق المديان أمته]
ومن المدونة قال: وإذا أعتق المديان أمته، ولا مال له فرد الغرماء عتقه وتركوها بيده موقوفه، فلا يطأها حتى تباع في دينه أو تعتق إن أفاد مالاً، وإن باعها عليه السلطان في دينه ثم أيسر فاشتراها بقيت له رقاً، وحل له وطئها.
قال: ومن وجد أمته التي باع بيد المبتاع بع أن أفلس كان أحق بها إلا أن يعجل له الغرماء جميع الثمن فإن فعلوا ثم هلكت الأمة قبل أن تباع كانت من المديان وعليه خسارتها، وله ربحها، وليس له منعهم من أداء ثمنها عنه بأن يقول: أبرأتموني مما تدفعون فيها أو سلموها كمن ودى عن رجل ما لزمه بغير أمره؛ ولأن البيع قائم بعد لم
الجزء: 14 - الصفحة: 222
ينتقض، وإنما للبائع نقضه بأخذ السلعة إن شاء قبل وجود الثمن من المشتري أو من دافع يدفع عنه بأمره أو بغير أمره.
م: وللغرماء أن يأخذوها عنه بزيادة، ولو دينار على أن يحسب ذلك الدينار من مالهم من الدين فيكون لهم ربحها وعليهم خسارتها كفدائهم إياها من جنايتها ونحوه لأشهب.
وقال ابن حبيب عن ابن الماجشون: إن نقصت فالبائع مخير، فإن زادت فالغرماء مخيرون في إسلامها أو دفع ثمنها، ويباع لهم والنقص عليهم والزيادة للمديان كالعبد الرهن يجني فيفتكه المرتهن، وفي كتاب التفليس إيعاب هذا.
[فصل 3 - السلطان يبيع عبداً لمفلس فيرده مشتريه بعيب قديم]
ومن المدونة: وإذا أنفذ السلطان بيع عبد المفلس، وقسم الثمن بين غرمائه ثم وجد المبتاع عيباً قديماً لم يرده؛ لأنه بيع براءة/ إلا أن يعلم أن المديان علم به فكتمه فيكون حينئذ للمبتاع الرد، ويؤخذ الثمن من الغرماء إن كان المديان الآن عديماً ثم يباع لهم ثانية بالبراءة من ذلك العيب فما نقص ثمنه من حقهم أتبعوه به، ولو كان ملياً ودي هو الثمن، وأخذ العبد، فإن كان قد أعتقه أولاً فباعوه عليه عتق الآن عليه؛ لأن البيع الأول لم يتم، ولو حدث به عيب آخر مفسد عند المبتاع كان له
الجزء: 14 - الصفحة: 223
حبسه وأخذ قيمة العيب من ربه في ملائه أو من الغرماء في عدمه، أو رده ورد ما نقصه العيب الثاني ثم يعتق على البائع في ملائه، ويغرم الثمن أو يرد على الغرماء في عدمه، ويغرمون الثمن، ويباع لهم.
قال ابن المواز عن أشهب: وإنما يرد على الغرماء إذا قامت بينة أن المفلس علم العيب فكتمه وأما إن لم يعلم ذلك إلا بقول المفلس فلا يرد إلا أن يشاء المشتري رده على المفلس فلا شيء له على الغرماء.
م: قال جماعة من أصحابنا في قوله يرده المشتري، وما نقصه يكون ما نقصه للسيد؛ لأنه اليوم تم عتقه.
م: وظهر أن لو كان بيعه، ولم يفت حتى رده بالعيب ورده معه ما نقصه لكان ما نقصه للعبد المعتق؛ لأن ما نقصه للعبد المعتق؛ لأن ما نقصه إنما هو ثمن بعضه فكما لا يجوز للمفلس أن يمتلك ما بقي منه على هذا القول فكذلك لا يحل له أن يمتلك ثمن ما نقصه؛ لأنه ثمن بعضه ولكن معنى قولهم يرده ما نقصه إذا كان الثمن عيناً أن يرد ما بقي منه بحصته من الثمن وكان ما نقصه كسلعة ثانية فاتت عند/ المشتري فإنما يرد عليه العبد معيباً، ويرد عليه هذا ما يقابله من الثمن ثم يعتق ما نقص فيه المبيع،
الجزء: 14 - الصفحة: 224
وما فات عند المشتري فلم ينقص فيه البيع فهو كما لو تماسك بالعبد ورجع بقيمة العيب، ثم ظهر لي ما نقصه يكون للسيد وإن كان الثمن عرضاً؛ لأن ما نقصه قد فات عند المشتري فتم فيه البيع فهو كما لو تماسك بجميعه ورجع بقيمة العيب أن بقية ثمنه سائغ لبائع؛ لأنه لم ينتقض فيه البيع فكذلك ثمن ما فات عند المشتري، وهذا أبين مما تقدم والله اعلم إلا على قول من قال: إذا رد على المفلس بعيب وهو مليء كان له ما نقصه والله أعلم.
قال ابن المواز عن أشهب: ولو كان السيد هو باعه بنفسه وقضى دينه ثم أخبر بعيب علمه فلا سبيل إلى رده على الغرماء.
قال أبو محمد: أراه يريد، ولو قامت بينة بعلمه في هذا وقال في بيع السلطان: إن علم السلطان عيباً فكتمه فللمبتاع الرد كعلم المفلس.
قال ابن أبي زمنين في مسألة من باع عليه السلطان عبداً كان أعتقه ثم وجد المشتري به عيباً.
يريد وثبت علم البائع بالعيب فرده قال: قال أشهب في هذه المسألة خلاف ما قاله ابن القاسم روى عنه أنه قال: لا يعتق على البائع إذا رده المشتري بالعيب، وإذا تدبرت ما قالاه في هذه المسألة وجدتهما قد نقضا أصليهما الذي عقدا في كتاب الاستبراء، وذلك أن ابن القاسم جعل فيه الرد بالعيب كبيع مبتدأ حين جعل
الجزء: 14 - الصفحة: 225
المواضعة على المشتري إذا رد الجارية بعيب فكان يلزمه أن يقول في هذه المسألة: إن العبد لا يعتق، وكان يلزم أشهب أن يقول فيها: أنه يعتق؛ لأنه لم يجعل في الجارية/ المردودة المواضعة على المشتري، لأنه جعل الرد بالعيب نقض بيع هكذا رأيته لبعض أهل العلم، وهو بين إن شاء الله تعالى.
فصل [4 - في عهدة ما باعه وكيل أو وصي أو قاضي]
ومن المدونة قال ابن القاسم: ومن باع لرجل سلعة بأمره من رجل فإن أعلمه في العقد أنها لفلان فالعهدة على ربها، فإن ردت بعيب فعلى ربها ترد وعليه اليمين لا على الوكيل، وإن لم يعلمه أنها لفلان حلف الوكيل وإلا ردت السلعة عليه.
قال أبو محمد: وهذا إذا كان بيعه بالبراءة أو كان مشكوكاً فيه مثله يكون حديثاً وقديماً، فإن حلف ثم شاء المشتري أن يحلف صاحبها أنه ما علم بالعيب كان ذلك له، وأما لو كان على غير البراءة رده بالعيب القديم وهذا كله في الرسول ليس الوكيل المفوض إليه، ولا الوصي.
قال أصبغ: التباعة أبداً على متولي البيع إلا أن يشترط عند البيع ألا عهدة عليه، ولكن على ربها، ويعامل على ذلك فلا يكون عليه شيء.
ابن المواز قال مالك: وإذا باع الوكيل عبداً بالبراءة فأطلع المشتري على عيب قديم فإن لم يبين البائع أنه لغيره حلف وإلا رد عليه.
قال أبو محمد: وإن بين أنه لغيره فقد اختلف قول مالك فيه فقال مرة: يحلف، وإن بين أنه لغيرهن وقال أيضاً: إن أعلمه أنه لغيره لم يحلف وإلا حلف إلا أن
الجزء: 14 - الصفحة: 226
يكون مثل هؤلاء النخاسين والمنادين بالجعل، ومن يبيع في المواريث في من يريد فلا تباعة عليهم، ولا عهدة.
قال ابن المواز: أما هؤلاء فكما ذكر وأما الذي أخذ به في الوصي والوكيل المفوض إليهما، فإن عليهم اليمين، وإن ذكروا أنه/ لغيرهم إلا أن يشترط ذو الفضل منهم ألا يمين عليه بذلك فذلك له أتباعاً واستحساناً لقول مالك قد قاله فيه، وأما الوكيل غير المفوض إليه يرسل ليبيع شيئاً فلا يمين عليه إذا أعلمه أنه لغيره؛ لأنه ليس له أن يقبل ولو أقر أنه كان يعلم بالعيب لينقض البيع ما قبل قوله فكيف يحلف.
قال: وإن لم يعلمه أنه لغيره فعليه اليمين فإن نكل رد عليه؛ لأنه حق للمشتري إذا كان بيعه بالبراءة أو كان عيباً يشك في قدمه وحدوثه، وإن حلف للمشتري أن يحلف صاحبه أنه ما علم بالعيب.
قال مال: وإن علم المبتاع بعد البيع أنه لغيره فهو مخير إن شاء تماسك على أن عهدته على الآمر، وإن شاء رد إلى أن يرضى الرسول أن يكتبها على نفسه فلا حجة للمبتاع، وإن كره الرسول لم يجبر، وللمشتري رد البيع.
قال ابن المواز: وذلك إذا ثبت أنه لغيره.
م: فصار الوكلاء على ثلاثة أقسام: الوكلاء المفوض إليهم والأوصياء عليهم العهدة وعليهم اليمين، والوكلاء غير المفوض إليهم عليهم العهدة إلا أن يخبروا أنها لغيرهم فلا تكون عليهم عهدة، ولا يمين وأما النخاسون المنادون فلا عهدة عليهم، ولا يمين.
الجزء: 14 - الصفحة: 227
وقال في الوكيل المخصوص: إذا أخبر أنها لغيره هو لو أقر بالعيب لينقض بذلك البيع ما جاز إقراره فكيف أحلفه.
م: قال بعض الفقهاء القرويين: وقد قال في المدونة في الوكيل على دفع دراهم سلفاً في طعام فيأتي بها البائع ويقول: إنها زيوف فإن عرفها الوكيل لزمت الأمر، فما الفرق؟ ووكالته قد انقطعت هاهنا بعد البيع.
م: ويحتمل هذا أنه اختلاف قول.
قال: ثم قال: فإن لم يبين/ أنه لغيره ثم لبث بعد البيع أنه موكل كان المشتري مخيراً إن شاء قبل العيد وكانت عهدته على الآمر، وإن شاء رده إلا أن يرضي الرسول أن يكتب له العهدة على نفسه فجعل للبائع حجة في العهدة، وقد قال: لو أجاز المغصوب منه العبد بيع الغاصب ما كان للمشتري حجة بانتقال عهدته على المستحق إلا أن يريد أن ذمة المستحق خير من ذمة الغاصب: فلهذا لم يجعل له حجة، وكذلك أجاز لمن أخذ من رجل دراهم سلماً على طعام لفلان، وشرط عليه الدافع إن أقر له فلان وإلا فالسلم عليك، ولم يجعل غرراً في البيع فلعله يريد لتساوي الذمتين، وأنكر ذلك سحنون.
الجزء: 14 - الصفحة: 228
[فصل 5 - في عهدة ما باعه الطوافون وحكم جعل السمسار إذا ردت
السلعة بعيب]
ومن المدونة: قال مالك: وما باع الطوافون في المزايدة مثل النخاسين، ومن يعلم أنه يبيع للناس فلا عهدة عليهم في عيب ولا استحقاق والتباعة على ربها إن وجد وإلا اتبع.
قال: وإذا ردت السلعة بعيب رد السمسار الجعل على البائع.
قال أبو بكر ابن اللباد: معناه إذا لم يدلس، فأما إن دلس فالجعل للأجير، ولا يؤخذ منه.
وحكى عن ابن القابسي انه قال: وهذا إذا لم يعلم السمسار بالعيب، وأما إن علم فهو مدلس أيضاً، فإن رد الثوب فلا جعل له، وإن لم يرد الثوب فله أجر مثله.
الجزء: 14 - الصفحة: 229
م: والذي أرى أن يكون له ما سمى له من الجعل كما يكون للبائع المدلس الثمن لا القيمة إلا أن يتعامل السمسار ورب السلعة على التدليس فيكون له حينئذ أجر مثله؛ لن رب السلعة قال له: دلس بالعيب، فإن تم البيع فلك كذا، وإن رد فلا شيء لك فهذا غرر، وفي كتاب الشرح لابن سحنون إنما يرد السمسار الجعل إذا ردت السلعة بعيب إذا/ ردت على البائع بقضية، وأما إذا قبلها بتبرعه لم يرجع بالسمسرة؛ لأنه بمنزلة الإقالة، قال: ولو استحقت من يد المشتري فرجع بالثمن رجع بأجر السمسرة، قال: ولو فاتت بيد المشتري ثم ظهر على عيب فرجع بقيمته بالقضية رجع أيضاً على السمسار بما ينوب ما رد البائع من قيمة العيب إن كان الذي ينوب العيب عشر الثمن أو ربعه رجع بذلك الجزء من السمسرة، وإن رد ذلك
الجزء: 14 - الصفحة: 230
بطوعه لم يرجع بشيء.
وقال بعض أصحابنا: وإن حدث عند المشتري عيب مفسد ثم اطلع على عيب قديم فإن أمسك ورجع بالقيمة فيرد السمسار من الجعل ما ينوب العيب، وإن رد السلعة وما نقص فيرد السمسار الجعل إلا قدر ما نقصها العيب؛ لأن ذلك كجزء احتبسه وتم فيه البيع وهو معني كلام سحنون فيها.
فصل [6 - في الرجل يشتري السلعة لرجل أمره باشترائها فيعلم البائع
أنه يشتريها لفلان]
ومن المدونة قال مالك: ومن ابتاع سلعة لرجل فأعلم البائع أنه إنما يشتريها لفلان فالثمن على الوكيل نقداً أو مؤجلاً حتى يقول له في العقد: إنما ينقدك فلان دوني فالثمن على الآمر حينئذ.
قال ابن المواز: وإن لم يقل هذا وقال: ابتعته لفلان فليتبع المأمور إلا أن يقر الآمر فليتبع أيهما شاء إلا أن يقول: الآمر كنت دفعت الثمن للمأمور فليحلف ويبرأ ويتبع المأمور.
ولم يذكر في كتاب محمد هل قبض الآمر السلعة أو لم يقبضها؟ وذكر في العتيبة.
أصبغ عن ابن القاسم في قبض الآمر السلعة وقال: دفعت إلى المأمور الثمن.
قال: إن كان المأمور دفع الثمن إلى البائع فالقول قول الآمر مع يمينه، وإن كان لم ينقد حلف المأمور أني ما قبضت وأخذ.
الجزء: 14 - الصفحة: 231
وقال سحنون: ولو كان أشهد حين دفع أنه إنما ينقد من ماله/ يقبل قول الآمر أنه دفع إليه.
م: قال بعض فقهاء القرويين: والذي في كتاب محمد مخالف لهذا، لأنه ذكر أن الثمن لم يدفعه المأمور إلى البائع، ثم جعل القول قول الآمر، وذلك أن السلعة ليست برهن في يد المأمور على قوله، وقد كان يشبه لو لم يدفع السلعة أن يقول قوله على مذهب أشهب، وإن نقد؛ لأنه يراها كالرهن في يده، إذ له حبسها عنده حتى يقبض الثمن، وأما على مذهب ابن القاسم فليس له حبسها عنده حتى يقبض الثمن، وأما قوله فيكون القول قول الآمر فكان يجب اذا دفع السلعة إلى الآمر أن يكون القول قول الآمر؛ لنه لم يبق في يد المأمور عوض عما دفعه، وعما هو مجبور على دفعه.
وقد جعل العتيبة القول قوله بعد دفع السلعة إذا كان هو لم يدفع الثمن للبائع فكأنه أحله محل البائع غذ الثمن لا يسقط عن المشتري لقبض السلعة منه، فمتى كان الثمن لم يقبض كان لي دراهم سلفاً في طعام لا يلزم المأمور، وهو مشتري الدراهم بالطعام، وهو يقول: لو اشترى السلعة بثمن إلى أجل، وأخبر أن الشراء لغيره أن الثمن على المأمور- وإن أخبر أنه لغيره- حتى يقول: فلان ينقدك دوني فما الفرق بين شرائه لسلعة بدراهم، وبين شرائه لدراهم بسلعة إلا أن يقال: أن القياس في من اشترى لغيره، وأخبر أ، الثمن كان يجب على الآمر لولا العادة أن من أمر بالشراء دفع إليه الثمن، ولم تجر العادة في من أخذ دراهم على سلم/ أن يدفع المأمور السلم فبقي هذا على أصله أن ذلك على الآمر كعهدة المبيعات، وجرى الشراء على العادة.
ومن كتاب محمد قال: وإن قال: فلان بعثني إليك لتبيعه فهذا كالشرط المؤكد، ولا يبيع إلا فلان فإن أنكر فلان غرم الرسول رأس المال.
الجزء: 14 - الصفحة: 232
قال أشهب: ولو قال: بعثني إليك لأشتري منك أو لتبيعني فالثمن على الرسول، وإن أقر بذلك المرسل، فلا يبرأ وكان ذلك عليهما حتى يبين أني لست من الثمن في شيء أو يقول فلان: بعثني لتبيع منه.
م: والفرق بين شراء الوكيل، وبين بيعه إذا قال: أبيع لفلان أن العهدة على فلان، وإذا قال: اشتري له فالثمن على الوكيل إلا أن يقول: فلان ينقدك دوني هو أن العهدة أمرها خفيف، وقد لا يحتاج إليها أبداً، والثمن في شرائه لابد منه وهذا قد ولي معاملته وقبض سلعته فعليه أداء ثمنها إلا أن يشترط أن الثمن على فلان.
[فصل 7 - اشتراط البائع على المأمور بالشراء أنه إذا لم يرض فهو ضامن]
ومن المدونة قال في كتاب السلم: ولو قال: إتباعها منك فلان فشرط عليه البائع أنه إن أنكر فالثمن عليك، فذلك جائز كان الثمن نقداً أو إلى أجل، وكذلك إن أخذ منه سلفاً على هذا قال أشهب لا يجوز.
م: فوجه قول ابن القاسم أن الثمن متقرر في ذمة الوكيل إلا أن يقر له الآمر.
ووجه قول أشهب أنه باع على ذمة غير معلومة.
الجزء: 14 - الصفحة: 233
فصل [8 - بيع القاضي والوصي لمال اليتامى هل فيه عهدة؟]
قال مالكك وإذا باع القاضي مال اليتامى، أو باع مال رجل مفلس في دين، أو باع مال ميت وورثته غيب فلا عهدة في عهدة في ذلك على القاضي، وكذلك قال مالك في الوصي يبيع تركة الميت أنه لا عهده عليه.
قال ابن القاسم: وتكون عهدة المشتري في/ مال اليتامى.
قال مالك: وإن ضاع الثمن، وضاع مال اليتامى، ولا مال لهم غير ذلك ثم استحقت السلعة التي باع فلا شيء على اليتامى.
قال مطرف في الواضحة: ولا على الوصي، وإن كان لليتامى مال غير ذلك من عقار أو غيره فليتبعوا به.
ومن كتاب ابن المواز قال مالك: ومن أسلم في طعام أو عرض أو حيوان، ثم ولاه لرجل أو أشركه فيه أو باع منه العرض والحيوان فعهدة ذلك على من ذلك في ذمته وهو البائع الأول، شرط ذلك البائع الثاني أو لم يشترطه؛ لأنه باع ذلك أو ولي أو أشرك فيه قبل تضمينه فأما السلعة بعينها وهي حاضرة يبتاعها فقد ضمنها فإن فعل فيها ذلك بحضرة البيع وقربه ولم يفترقا فعهدة ذلك في الشركة
الجزء: 14 - الصفحة: 234
والتولية على البائع الأول، ولا شيء على المشتري الأول من استحقاق أو عيب اشترط ذلك أو لم يشترطه، وأما في البيع فتباعته على البائع الثاني إلا أن يشترط أن عهدتك على الأول ويكون ذلك عند مواجبة البيع وقبل أن يبين بالسلعة فيلزم ذلك.
قال مالك: وإن تفاوت ذلك لم ينتفع بشرط زوال العهدة على البائع الثاني.
قال أصبغ: وفوات افتراقهما الذي لا ينفع اشتراط العهدة في الشركة والتولية على البائع الأول افتراق الأول والمشتري منه افتراقاً بيناً، وانقطاع ما كانا فيه من مذاكرة البيع.
قلت: فإن أشركه أو ولاه عند مواجهة البيع فجعلت العهدة على البائع الأول أرأيت إن اشترط هذا المشترك أو المولى العهدة على الذي أشركه أو ولاه.
قال: ذلك جائز، ويلزمه؛ لأنه ضمان.
ابن المواز: وإن فيها/ لمغمزاً؛ لأنه ضمان يجعل إذ لا تسوى السلعة ما اشتراها به، ولكني اتبعه استحساناً.
الجزء: 14 - الصفحة: 235
[الباب العاشر]
ما جاء في عهدة الرقيق في الثلاث والسنة
[فصل 1 - عهدة الثلاث والسنة هل هي خاصة بأهل المدينة]
روى عقبة بن عامر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (عهدة الرقيق أربعة أيام أو ثلاثة) وأمر بعهدة الثلاث عمر ابن الخطاب، وقضى بها ابن الزبير، وعمر بن عبد العزيز.
وعهدة الثلاث وعهدة السنة أمر قائم بالمدينة، وكان أبان وهشام بن
الجزء: 14 - الصفحة: 236
إسماعيل يذكر أن ذلك إذا خطبا، وقاله أبو الزناد والزهري ورووه عن المشيخة السبعة.
قال ابن المواز: قال مالك في عهدة الثلاث والسنة في الرقيق إنما ذلك في المدينة، وإعراضها الذين جروا عليها فبيعهم على العهدة أبداً حتى يشترط البراءة، ولا تلزم بغيرها من البلدان إلا أن يشترط، ولا نراه أيضاً إلا بشرط.
قال أبن القاسم: وإذا كتب في الشراء في غير بلد العهدة، وله عهدة المسلمين لم ينفعه ذلك إذا لم تجر فيهم وذكرهم إياها في الكتاب باطل، ويحملون على أمرهم المعروف يريد إلا أن يشترطها.
قال ابن حبيب: قال المصريون من أصحاب مالك لا تلزم عهدة الثلاث أهل بلد حتى يحملهم السلطان عليها، وقال المدنيون منهم: يقضي بها بكل بلد، وإن لم يعرفوها، ولا جرت فيهم، وعلى الإمام أن يجريها، ويحكم بها على من عرفها وجهلها قبل التقدم فيها وبعده ورووه عن مالك.
الجزء: 14 - الصفحة: 237
م فوجه قوله لا يقضي إلا بالمدينة؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم قال ذلك بالمدينة لما شاهدهم عليها وذلك عرفهم وعاداتهم فيه فأقرهم على ما عرف/ منهم فالعرف أصل يقضي به في سائر الأحكام.
ووجه قوله يقضي بها بكل بلد لعموم قوله صلى الله عليه وسلم: (عهدة الرقيق أربعة أيام أو ثلاثة) ولم يخص المدينة من غيرها فهو على عمومه حتى يخص بدليل قاطع.
فصل [2 - عهدة الثلاث والسنة لا يحسب منها اليوم
الذي عقد فيه البيع وأيام الخيار]
قال ابن القاسم: ومن باع النهار فليلغي بقية يومه ويأتنف ثلاثاٍ بعده.
قال: وتؤتنف عهدة السنة بعد الثلاث وبعد الاستبراء، أما عهدة الثلاث فداخلة في الاستبراء، وكذلك روى ابن القاسم، وأشهب عن مالك في العتيبة.
ابن المواز: وقال ابن الماجشون: تدخل في السنة الثلاث، والاستبراء، وكذلك روى ابن حبيب عن مالك أن عهدة السنة من يوم عقدة البيع.
م: فوجه رواية ابن القاسم هو أن الثلاث، والاستبراء في البيع التام الضمان فيه من البائع من كل شيء، ولا يجوز فيها النقد بشرط فلما اشتبها دخل بعض ذلك في
الجزء: 14 - الصفحة: 238
بعض، وعهدة السنة الضمان فيها من المبتاع في كل شيء إلا من الثلاثة أدواء فوجب ألا تدخل عليها.
ووجه قول ابن الماجشون أن المراعاة في عهدة السنة مرور الفصول الأربعة بذهاب السنة تبيان السلامة من هذه العلل فيها، فوجب أن تكون من يوم العقد.
وقال ابن القاسم في العتيبة: وعهدة الثلاث في بيع الخيار مؤتنفة بع أيام الخيار.
م: لأم البيع لم يتم إلا بزوال الخيار.
قال ابن المواز: ليس في ذات الاستبراء عهدة ثلاث إلا أن تحيض من يومها حيضة بينة فيحسب فيها بقية الثلاث، وقال ابن حبيب: نحوه.
[فصل 3 - ما ظهر في الرقيق في العهدة من العيوب أو الفوت بعد البيع]
ومن المدونة قال مالك: وما بيع من الرقيق بغير براءة فمات في الثلاث، أو أصابه/ مرض أو عيب، أو ما يعلم أنه داء فهو من البائع وللمبتاع رده، ولا شيء عليه، وكذلك إن مات أو غرق أو سقط من حائط أو خنق نفسه أو قتل فهو من البائع في ذلك كله، ولو جرح أو قطع له عضو لكان ما نقصه للبائع ثم للمبتاع الخيار في رده أو قبوله معيباً بالثمن كله، وأما إن باعه بالبراءة فمات في الثلاث، أو أصابه عيب فهو من المبتاع، ولا شيء على البائع.
الجزء: 14 - الصفحة: 239
ومن العتبية قال ابن القاسم: وما حدث بالعبد في الثلاث من زنى أو سرقة أو شرب خمر.
قال ابن حبيب: أو إباق فللمبتاع رده بذلك، وكذلك الأمة في المواضعة.
ومن كتاب ابن المواز: وكل ما أصاب العبد في الثلاث فمن البائع والمبتاع مخير إلا أن يذهب عنه، وكذلك إن أصابه حمى أو عمش أو بياض بعينه، وما ذهب قبل الثلاث فلا رد له.
قال أشهب: أما الحمى فلا يعلم ذهابها ليتأنى به، فإن عادت بالقرب رده وإن بعد الثلاث؛ لأن بدو ذلك فيها.
ومن المدونة قال ابن القاسم: ومن ابتاع عبداً فأبق في الثلاث فهو من البائع إلا أن يبيعه بيع براءة.
قال ابن نافع عن مالك: وإن بيع بالبراءة من الإباق فأبق في الثلاث فهو من البائع حتى يعلم أنه خرج من الثلاث سالماً، ولا أعجل برد الثمن، واضرب للعبد أجلاً فإن علم أنه خرج من الثلاث سالماً كان المبتاع، وإن جهل أمره كان من البائع، ولو وجدناه بعد الثلاث لم تؤتنف فيه عهدة ولا حجة على البائع في إباقه؛ لأنه تبرأ منه.
ابن المواز ورواه أشهب عن مالك وأخذ به وقال: إن لم يترادا الثمن حتى وجد العبد رأيته لازماً للمبتاع، وإن لم يوجد ترادا الثمن ثم وجد رأيته لازماً للبائع؛ لأن ذلك البيع قد انتقض حين/ رد الثمن على المبتاع.
الجزء: 14 - الصفحة: 240
ابن المواز: وقال ابن القاسم: هو من المبتاع حتى يعلم أنه مات في الثلاث، وكذلك كل ما أصابه من العيوب ثم وجد فهو من المشتري متى يعلم أن ذلك أصابه في عهدة الثلاث، ورواه في العتيبة عن مالك.
قال ابن المواز: وقد قال ابن القاسم في من باع عبداً بالخيار ثلاثاً فمات العبد، فقال المشتري: مات في الخيار، وقال البائع: مات بعد الخيار، فقال /ن أراد نقض البيع: فعليه البينة وإلا لزمه، فأرى القول قول
البائع.
[فصل 4 - إذا اختلف البائعان في عيب الرقيق أحدث بعد العهدة أو قبلها]
ابن حبيب: وإذا أصاب العبد أو الأمة جنون أو جذام أو برص، فقال المبتاع: أصابه ذلك في السنة، وقال البائع: بعد انقضائها.
فقال لي بعض العلماء: المبتاع مصدق مع يمينه، واحتج بأن العهدة حق ثابت به السنة، فلا يقطع العهدة عنه، وماله فيها من الحق إلا انقضاؤها بها فالبينة في انقضائها على من ادعى ذلك، ومنهم من قال لي: القول قول البائع مع يمينه؛ لأن المبتاع يدعي ما يوجب الرد وكل من أراد نقض بيع قد تم فهو المدعي، والقول قول صاحبه، وكلا القولين محتما، وهذا عندي أقوى أن البائع مصدق مع يمينه حتى يثبت ذلك ببينة، وأما الشفعة فالقول قول الشفيع أنه لم يمض ما تنقطع في مثله الشفعة؛ لأنها
الجزء: 14 - الصفحة: 241
وجبت له بقضية الرسول صلى الله عليه وسلم فمن ادعى قطعها فعليه البيان.
[فصل 5 - الجناية على العبد في أيام الخيار وفي عهدة الثلاث من البائع والأرش له]
ومن كتاب بيع الخيار قال: وما جُني على العبد في الثلاث فمن البائع، والأرش له.
قال ابن أبي زمنين: قوله إذا جرح العبد في أيام عهدة الثلاث، أو قطعت يده أو فقئت عينه أن دية ذلك للبائع؛ لأن الضمان منه فإن أحب المشتري [أن يرده] رده قال: وهذه/ مسألة فيها نظر، وقد رأيت فيما أملاه بعض مشايخنا أنه قال: كيف يكون للمشتري أن يأخذه وتكون الجناية للبائع والعبد يكون موقوفاً حتى ينظر ما تؤول إليه جنايته، وليس لإيقافه أمد معلوم إذ لا يدري متى يكون البروء، والذي عندي أن يفسخ البيع ولا يكون للمشتري أن يرضى به إلا أن يسقط عن الجاني الجناية فيجوز حينئذ؛ لأنه لا يقوف إلا أن تكون الجناية مهلكة يخاف منها موت
الجزء: 14 - الصفحة: 242
العبد فلا يكون للمشتري الرضى به وإن أسقط البائع الجناية عن الجاني؛ لأنه يكون حينئذ بيع مريض يخاف موته.
[فصل 6 - ما يحصل للعبد من مال أو يتلف أو يهلك في الثلاث]
وقال في كتاب بيع الخيار: وما وهب له فيها من مال أو تصدق به عليه فللبائع، ولو تلف مال العبد في الثلاث لم يرد، ولا يرجع على البائع بشيء ولو هلك العبد في الثلاث انتقض البيع، وعلى المبتاع رد ماله وليس له التماسك به ودفع الثمن، ولو حدث به عيب في الثلاث مفسد فإما رده بماله أو حبسه بماله بجميع الثمن.
ابن حبيب: وإذا نمى مال العبد في الثلاث بربح أو هبة أو وصية، فإن كان المبتاع قد اشترط ماله فذلك للبائع، ورواه عيسى عن ابن القاسم.
فصلب 7 - عهدة السنة في ثلاثة أمراض الجنون والجذام والبرص]
ومن المدونة قال مالك: وعهدة السنة من الجنون، والجذام والبرص فما أصاب العبد من ذلك في السنة فمن البائع، وللمبتاع الرد قال ابن القاسم: وكذلك إن وسوس في السنة فأطبق عليه، وذهب عقله، أو وسوس رأس كل شهر ولو جن رأس
الجزء: 14 - الصفحة: 243
شهر واحد في السنة ثم لم يعاوده لرد إذ لا يعرف ذهابه ولو جُن عنده مرة ثم انقطع لم يجز له بيعه حتى يبين إذ لا يؤمن من عودته، وأما لو أصابه في السنة جذام أو برص ثم برأ قبل علم المبتاع/ به لم يرد إلا أن يخاف عودته أهل المعرفة فيكون كالجنون وليس له الرد من البهق والحمرة والجرب وإن تسلخ وورم في السنة، ولو جنى عليه رجل في السنة بضربة أذهبت عقله كان المبتاع، ولا يرد.
ابن حبيب: وقاله المدنيون والمصريون من أصحاب مالك إلا ابن وهب فإنه قال: بأي وجه زال عقله في السنة فهو من البائع.
ومن المدونة قال ابن القاسم: ولو أصابه في السنة صمم أو خرس لم يرد إذا كان معه عقله، وإن ذهب بذلك عقله كان من البائع.
ومن العتيبة قال ابن القاسم: وما ظهر بالرأس في السنة من عيب تخاف عاقبته إلى جذام أو برص ولا يقطع به أهل البصر، ويريبهم بذلك فلا يرد بهذا حتى يشهد عدلان أنه جذام ... أو برص ولو ساء منظرها في السنة في خفة حاجبيها، وغير ذلك
الجزء: 14 - الصفحة: 244
مما يظن الناظر أنه جذام ولا يقطع به أهل النظر ويريبهم ذلك؛ لأن بدايته يشك فيها فلم يردها الإمام بهذا الشك، ثم يستحكم الأمر فيها بعد السنة بجذام بين، فإن استحق ذلك بقرب السنة فله الرد، وإن طال ذلك بعد السنة فلا رد له.
فصل [8 - الخلاف في العهدة هل تختص بالبيع أو يدخل فيها السلم والنكاح]
ومن كتاب محمد قيل: فمن أسلم في عبد فقبضه أفيه عهدة الثلاث قال: نعم.
قال ابن المواز: لا عهدة فيه وإن كان ببلد العهدة إلا أن يشترطها، وأما إن كانت أمة ففيها الاستبراء.
وقال ابن القاسم: في من أسلم في عبد فقبض سلمه، فأصابه في السنة جذا فلا عهدة فيه يريد إنما ذلك في البيع.
قال مالك: وفي العبد المنكح به العهدة، وقال أيضاً: لا عهدة فيه.
قال ابن حبيب: والعهدة فيما أسلم فيه من الرقيق إذا قبض كذلك سمعت أهل العلم.
قال: ولا عهدة في سلف الرقيق، ولا في الإقالة منها في البيع، وقال أصبغ في كتاب/ محمد.
الجزء: 14 - الصفحة: 245
وقال مالك: ولا عهدة في رد بعيب.
[فصل 9 - من اشترى زوجته هل فيها عهدة أو مواضعة أو قيام بحمل؟]
ابن المواز: ومن اشترى زوجته بغير البراءة وبعهدة الإسلام ففيها العهدة، ولا استبراء فيها ولا مواضعة، فإن نزل بها في العهدة ما ترد به ردها وقد فسخ النكاح، وإن ظهر بها حمل لم يردها ورجع بقيمة الحمل وقد صارت بذلك الحمل أم ولد فلذلك لم ترد.
[فصل 10 - العقود التي ليس فيها عهدة ثلاث]
ابن زمنين: ليس في العبد المقرض عهدة ثلاث، ولا سنة، ولافي العبد السلم فيه، ولا في العبد الغائب يشترى على الصفة، ولافي العبد تتزوج به المرأة أو تخالع به زوجها، ولا عهدة في العبد المقاطع به من كتابة مكاتب، ولا في العبد المصالح به
الجزء: 14 - الصفحة: 246
من دم عهدة، وهذا كله مذهب ابن القاسم رواية سحنون عنه، وفي بعض هذا تنازع، م وسئل أبو بكر بن عبد الرحمن في العبد يباع بيعاً فاسداً وشرط فيه عهدة الثلاث أو لم يشترطها أو كانت سنتهم العهدة أفيه عهدة؟ قال: نعم، وقد قال في كتاب بيع الخيار إذا اشترط النقد في أيام الخيار، وقبض السلعة أن المصيبة من البائع وإن كان البيع فاسداً.
قيل: فإن باعه بيعاً فاسداً وشرط البراءة ففات عند المبتاع ولزمته القيمة هل فيه عهدة السنة؟ وهل فساد البيع مسقط لحكم البراءة؟ وهل له رده بالعيوب التي لم يعلم بها بخلاف البيع الصحيح؟ فقال: إذا فات ولزمته القيمة سقط شرط البراءة، وكان له الرد بالعيوب التي لم يعلم بها بخلاف البيع الصحيح.
م: وهذا منه تناقض ويجب أن ينفع شرط البراءة كما لزمته عهدة الثلاث وذلك كالبيع الصحيح في الوجهين والله أعلم.
وسئل عن من باع/ عبداً وقال بعته على إسقاط العهدة، وقال المشتري بل على ثبوتها فقال: إذا كان العبد قائماً لم يفت تحالفاً وتفاسخاً كالاختلاف في الثمن، ألا ترى أن المشتري يقول للبائع نفقة الثلاث عليك ويقول البائع بل هي عليك وذلك نقص في الثمن فإذا فات القول فالقول قول المشتري في المواضع
الذي فيه العهدة، وعلى البائع البينة.
وسئل في من باع عبداً، وقال بعتكه دون ماله، وقال البائع بل ابتعته بشرط ماله، والعبد بيد أحدهما قائم أو فائت.
فقال هذه المسألة وقعت في العتيبة أن القول قول البائع إلا أن يكون للمشتري بينة قال: ومعنى ذلك عندي إذا فات فأما إن كان
الجزء: 14 - الصفحة: 247
قائماً فإنهما يتحالفان ويترادان البيع.
م: إنما يكون معنى ما في العتيبة أنه فات لو قال: أن القول قول المشتري.
وسئل عن هذه المسائل أبو عمران فقال: فساد البيع لا يزيل حكم العهدة، ولا شرط البراءة كما هو في البيع الصحيح.
م وكما لو اشترى جارية بيعاً فاسداً فهلكت في المواضعة أن هلاكها من البائع، وأما اختلافهما في شرط العهدة أو في مال العبد فإذا كان العبد قائماً تحالفاً وتفاسخاً، وإن فات فالقول قول المشتري هذا القياس، والاستحسان في مسألة العهدة أو البراءة أن يحملا على عرف الناس مع يمين من يدعي العرف.
م وهذا كلام كله صواب جيد.
فصل [11 - المبتاع يفيت الجارية المبيعة في العهدة بحبل أو عتق ثم
يظهر على عيب]
ابن المواز: وإذا أعتق المبتاع العبد النبيع في عهدة الثلاث، أو حنث فيه بعتق نفذ عتقه، وعليه تعجيل الثمن، وتسقط بقية العهدة، ولا يجوز للبائع فيها عتق/ وإن لزمه ضمانه ونفقته؛ ولأنه ليس له إسقاط العهدة وذلك للمبتاع.
الجزء: 14 - الصفحة: 248
قال ابن القاسم: ومن ابتاع عبداً فأعتقه أو أمة فأحبلها ثم ظهر بها في السنة جنون أو جذام أو برص فلا يرجع بشيء وما أحدث من ذلك كالرضا بترك العهدة.
وقال أصبغ: له الرجوع بقيمة العيب؛ لأنه كعيب كان عند البائع، وكذلك لو أعتقه في عهدة الثلاث فليس ذلك بقطع لها، فإن أصابه فيها ما يرد بمثله رجع بأرشه على البائع.
فإن قيل: إحداثه العتق رضي بما حدث به قبل الوطيء له في السنة أفيكون وطيه رضاً وقطعاً للسنة، وقد يكون من الوطيء الحمل فالحمل والعتق واحد.
وكذلك في العتيبة قول ابن القاسم وقول أصبغ، وقال سحنون: فيها كقول أصبغ.
قال أصبغ: فيها عن ابن كنانه إذا أعتق العبد ثم تجذم في السنة نظر فإن كان له قيمة، وإن قلت: رجع بما بين الصحة والداء، وإن لم تكن له قيمة رجع بالثمن كله ونفذ عتقه، فإن مات العبد عن مال أخذ البائع منه مثل الثمن، وورث المبتاع ما بقي، ولو كان قد رجع أولاً بما بين الصحة والداء فميراثه كله للمشتري إذا كانت له قيمة ولو درهم واحد يوم رجع بالعيب.
فصل [12 - العهدة خاصة بالرقيق وشرط النقد فيها]
ومن المدونة قال ابن وهب بن مالك: ولا عهدة عندنا إلا في الرقيق فما حدث بالرأس في الثلاث من مرض أو موت فهو من البائع، ولا يجوز النقد في الثلاث بشرط، وعهدة السنة من الجذام والجنون والبرص [لا] غير، والنقد فيها جائز.
وفي كتاب محمد قلت: وما فرق
في [النقد] بين السنة والثلاث؟
الجزء: 14 - الصفحة: 249
قال: لأن الذي يتوقع ويخاف في السنة قليل وما يقع، فقل خطره، وهو في الثلاث والاستبراء من كل ما أصابه من الأدواء فالخوف فيه أكثر فحرم النقد؛ لأنه يكون تارة ثمناً وتارة سلفاً، ولا مضرة في حبسه على البائع، ولا في حبس العبد والوليد عن المشتري ... ، وهو في السنة لابد أن يقبض المشتري عبده أو جاريته، ولو منعت البائع قبض الثمن لمنعت المشتري قبض ما اشترى حتى تمضي السنة فيكون
شراء عبد بعينه لا يقبض إلى السنة، وذلك حرام لا يحل فهو أشد من منعي إياه النقد، فإن قيل: يكون تارة ثمناً وتارة سلفاً ...... فيه الحوائج ....... ذلك لكثرة فلم يتهم المتبايعين على المبيع والسلف/ .... قل منه وبالله التوفيق.
قال ابن المواز: قال مالك: وإذا تشاحا في النقد في الثلاث والواضعة جعل بيد أمين ثم مصيبته أن تلف ممن يصير له، وكذلك ذكر ابن عبدوس وابن حبيب، وقال مالك: في العتيبة أن ليس على المبتاع إيقاف الثمن إلا أت يتطوع.
تم كتاب جامع العيوب بحمد الله وتوفيقه وصلى الله على محمد نبيه وعلى آله الطيبين وسلم تسليماً ..
الجزء: 14 - الصفحة: 250