الجامع لمسائل المدونةكتاب الصلح
أهل الأثرالأرشيف العلمي

من الجامع لمسائل المدونة والمختلطة وزيادتها ونظائرها وشرح ما أشكل منها وتوجيهه والفرق بينه وبين ما شاكله

[الباب الأول]

الأصل في جواز الصلح وفي الصلح في العيوب

[فصل 1 - الأصل في جواز الصلح] قال الله تعالى: ﴿والصلح خير﴾ [النساء:128] وقال تعالى: ﴿لا خير في كثير من نجواهم إلا من أمر بصدقة أو معروف أو إصلاح بين الناس﴾ [النسا:114]. قال ابن حبيب: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم (نعم الصلح الشطر).

الجزء: 14 - الصفحة: 251

وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (الصلح جائز بين المسلمين إلا صلحاً أحل حراماً أو حرم حلالاً) وقاله عمر بن الخطاب رضي الله عنه وروي أنه قال صلى الله عليه وسلم: (المسلمون عند شروطهم)، وأبطل كل شرط ليس في كتاب الله تعالى.
وقال عليه الصلاة والسلام (إنما أنا بشر مثلكم وإنكم تختصمون إلي فلعل بعضكم أن يكون هو ألحن بحجته من بعض فاقضي له على نحو ما أسمع، فمن قضيت له بشيء من حق أخيه فلا يأخذ منه شيئاً فإنما أقطع له قطعة من نار) فكلما يجري من الصلح بالتراضي فجائز إلا ما خرج إلى حرام أو ضارعه، ولما كان ترك شيء بعوض كان كالبيع في أكثر وجوهه.
[فصل 2 - يمتنع في الصلح ما يمتنع في البيع] قال ابن حبيب: قال مطرف وابن الماجشون: في الصلح يقع بما لا يجوز به البيع مثل أن يدعي على رجل مالاً فينكره على سكنى دار، أو خدمة

الجزء: 14 - الصفحة: 252

عبد، أو من قمح على شعير، أو شعير على قمح مؤجل أن ذلك حرام مفسوخ ويرد فإن/ فات صح بالقيمة على قابضه أو يرد المثل كالبيع ويرجعان إلى الخصوم إلا أن يأتنفا صلحاً يجوز لقول النبي صلى الله عليه وسلم: (الصلح جائز بين المسلمين إلا صلحاً أحل حراماً أو حرم حلالاً).
[فصل 3 - الصلح يقع بالأمر الذي يكره أو يحرم] قال مطرف: فإن وقع الصلح بالأمر الذي يكره وليس بصريح الحرام، فهو ماض جائز وإن أدرك بحدثانه.
وقال ابن الماجشون: إن عثر عليه بحدثانه فسخ وإن طال أمره مضى، وأما أصبغ فيجيزه كله حرامه ومكروهة وإن كان بحدثانه وقال: إنما هو كالهبة؛ لأنه لو صالح بتنقص لم تكن فيه شفعة؛ لأنه كالهبة

الجزء: 14 - الصفحة: 253

قال: وهذا في مجاري الحكم فأما فيما بينه وبين الله تعالى فلا يحل له أن يأخذ إلا ما يجوز له في التبايع.
وقد حدثني سفيان بن عيينه: (أن علياً بن أي طالب- رضي الله عنه- أتى بصلح فقال: هذا حرام، ولو أنه صلح لفسخته)، قال ابن حبيب: وبقول مطرف وابن الماجشون أقول.
م: وهذا كله في الصلح على الإنكار، وأما في الصلح على الإقرار فلا يجوز فيه إلا ما يجوز في البيع بإجماع، ومن الدليل أن الصلح لا يجوز على حرام قوله صلى الله عليه وسلمك (الصلح جائز بين المسلمين إلا صلحاً أحل حراماً أو حرم حلالاً) فهو على عمومه، والدليل على فسخه إن نزل ما روي (أن رجلين اختصما إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال أحدهما: إن ابني كان عسيفاً على هذا، وإنه زنى بامرأته.
فقال: إن على ابني الرجم فافتديت منه بمئة شاة وجارية لي، ثم إني سألت عن ذلك فأخبرت أن على ابني مئة جلدة وتغريب عام، وإنما الرجم على امرأته.
فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: والذي نفسي

الجزء: 14 - الصفحة: 254

بيده لأقضين بينكما بكتاب الله، أما غنمك وجاريتك فرد عليك وجلد ابنه مئة جلدة وغربة عاماً، وأمر أنيساً الأسلمي أن يأتي امرأة هذا فإن اعترفت فأرجمها، فاعترفت فرجمها) وهذا حديث صحيح من مسانيد الموطأ.
وأما احتجاج أصبغ إن وقع الصلح فيه على شقص فلا شفعة فيه.
بل أقول إن الشفعة؛ لأن قابضه مقر أنه ترك منه / عوضاً، وإن كان الآخر منكراً له فاجعل فيه الشفعة بقيمة الشقص لإنكار هذا، إلا أن يكون ما ترك فيه من العوض أقل من قيمة الشقص فله الشفعة بالأقل وهذا الذي اختار، وإن كان خلافاً للمدونة، وقد اختلف في الشقص يوهب لغير ثواب هل فيه شفعه أم لا؟ فقيل لا شفعة فيه؛ لأنه عن غير عوض.
وقيل: فيه الشفعة بقيمته؛ لأنه نقل ملك، والضرر أصل الشفعة فكيف بمن يقول في الشقص: لا شفعة فيه في الصلح على الإنكار وهو نقل ملك يقر مالكه أنه أخذه عن عوض فهذا يبين قبح ما ذهب إليه أصبغ من ذلك، والله أعلم.

الجزء: 14 - الصفحة: 255

فصل [4 - الرجل يشتري العبد فيجد فيه عيباً فيصالح البائع على عيبه] ومن المدونة قال ابن القاسم: وإن اشتريت عبداً من رجل بمئة دينار قد دفعتها إليه ثم أصبت به عيباً يجب به الرد ولم يفت العبد فصالحك البائع على عشرة دنانير نقدها لك-يريد من سكة دنانيرك- جاز؛ لأنك استرجعت عشرة دنانيرك وأخذت العبد بتسعين، وإن تأخرت الدنانير عن غير شرط جاز، وأما بشرط فلا يجوز؛ لأنه بيع وسلف منك للبائع.
م وكأنك ابتعت العبد بتسعين وأسلفته عشرة دنانير يردها إليك إلى شهر فهذا بيع وسلف؛ فإن نزل ذلك حكمت فيه بحكم البيع والسلف وذلك مذكور في البيوع الفاسدة.
م وأما على قول أشهب في مسألة الخلخالين يصالح من دراهم على دراهم من غير سكة الثمن فيجوز أن يصالحه هاهنا على دنانير إلى شهر؛ لأن البيع وقع أولاً على الصحة، وإنما اشترى الرد عليه بالعيب بهذه العشرة.

الجزء: 14 - الصفحة: 256

قال ابن القاسم: وإن صالحك على أن يدفع إليك مئة درهم إلي شهر لم يجز؛ لأنه بيع عبد نقداً ودراهم إلى شهر بدنانير نقداً، وذلك صرف مستأخر ويجوز على دراهم نقداً إن كانت أقل من صرف دينار.
وقال أشهب: جائز وإن كانت أكثر من صرف دينار.
م قيل: إنما ذلك لأن أشهب يجيز البيع والصرف، ويعتل له أيضاً أن ذلك جائز على أصله في مسألة الخلخالين/ قال أب محمد: وإن صالحك على عرض نقداً جاز كنت قد نقدته الدنانير أم لا، وإن صالحك على عرض إلى أجل جاز إن كنت لم تنقد الدنانير.
م يريد ثم تنقده الدنانير، ولا تؤخر ذلك إلا مثل ما يؤخر إليه رأس مال السلم.
قال: وإن وكنت قد نقدته لم يجز، وقال أصبغ يري؛ لأن بوجود العيب

الجزء: 14 - الصفحة: 257

وجب له الرد للعبد، وصار الثمن ديناً على البائع فأمسك المشتري العبد بنقصه وبقي له حصة العيب ديناً يدفع إليه عوضاً إلى أجل فذلك الدين بالدين.
ومن المدونة قال ابن القاسم: وإن فات العبد فصالحك البائع على أن يدفع إليك دنانير أو دراهم- يريد وإن كانت أكثر من صرف دينار- أو عرضاً نقداً جاز ذلك كله نقداً بعد معرفتكما بقيمة العيب.
قال يحي بن عمر عن أصبغ: وقد أجازه بعض أهل العلم وإن لم يعرفا قيمة العيب، ووجه هذا أنهما إذا عرفا ما العيب جاز لهما تبايعه وإن لم يعرفا قيمته كبيع جميع العبد وإن لم يعرفا قيمته والله أعلم.
ومن المدونة قال ابن القاسم: وإن صالحك على دنانير إلى شهر جاز إن كانت الدنانير مثل حصة العيب من الثمن أو أقل، وإن كانت أكثر لم يجز؛ لأنه تأخير زيادة، وإن صالحك على دراهم أو عرض إلى أجل لم يجز؛ لأنه تأخير زيادة، وإن صالحك على دراهم أو عرض إلى أجل لم يجز؛ لأنك فسخت

الجزء: 14 - الصفحة: 258

حصة العيب من الذهب في ذلك وهو في الدراهم صرف مستأخر ودين في دين، وفي العروض دين بدين.
م: وعلى قول من لا يراعي المعرفة بقيمة العيب يجوز هذا كله؛ لأنه إنما باعه العيب بذلك إن صح أن العلة ما ذكرنا قال يحي بن عمر عن أصبغ: وإن كان الثمن لم يقبض حتى فات العبد ثم وجد العيب فجائز أن يطرح عنه من الدنانير ما شاء عرفا قيمة العيب أم لا إذا اصطلحا على ذلك، ويأخذ البائع ما بقي له.
وإن تشاجرا فبعد المعرفة بقيمة العيب.
م: والصواب ألا يجوز مصالحته إلا بعد المعرفة بقيمة العيب؛ لأنه تبايع فلا يدري ما باع أقليل بكثير، أم كثير بقليل فذلك غرر، فغذا عرفا قيمة العيب جاز أن يعطيه/ منها ما تراضيا عليه؛ لأنه إن نقصه العيب العشر وجب له عشر الثمن، فإن كان مئة كانت قيمة العيب عشرة فجائز أن يسقطها عنه من المئة أو أقل منها أو أكثر إذا تراضيا.
قال: فإن رد عليه البائع ورقاً على أن يعطيه الثمن وافياً.
فذلك جائز بعد المعرفة بقيمة العيب قلت الدراهم أو كثرت، ولا يدخله هاهنا صرف وبيع؛ لأنه دين ثابت ومصارفة مبتدأه ويقبضها مكانه ويدفع إليه جميع ثمنه، وإن لم

الجزء: 14 - الصفحة: 259

يعرفا قيمة العيب لم يجز؛ لأنه خطر، ولا خير فيه إلى أجل على حال، قال: ويجوز على طعام أو عرض نقداً أو مؤجلاً موصوفاً بعد معرفتهما بقيمة العيب؛ لأنها مبايعة مؤتنفه.
م: يريد وينقده المبتاع حصة العيب من الذهب؛ لأنه اشترى بذلك عرضاً موصوفاً إلى أجل ولا يؤخره إلا مثل ما يجوز تأخير رأس مال السلم إليه.
[فصل 5 - من ابتاع طوق ذهب بدراهم فصولح على دراهم أو دنانير] ومن المدونة قال ابن القاسم: وإن ابتعت طوق ذهب فيه مئة دينار بألف درهم محمدية نقداً فوجدت به عيباً فصالحك منه البائع على دينار نقداً جاز وكأنه في عقد البيع، وإن صالحك على مئة درهم محمدية من سكة الثمن فإن كانت نقداً جاز وكأن البيع وقع بتسع مئة، وإن كانت إلى أجل لم يجز؛ لأنه بيع وسلف منك للبائع، وإن صالحك على مئة درهم يزيدية من غير سكة الثمن، أو على فضه لم يجز؛ لأنه بيع ذهب وفضة بفضة.
أبو محمد: وقال أشهب: يجوز أن تصالحه على درهم من غير سكة الثمن؛ لأن بيعكم أولاً على الصحة وإنما اشتريت أيها

الجزء: 14 - الصفحة: 260

البائع الرد عليك بالعيب بهذه المئة درهم.
وقال سحنون: مسألة سوء لا يجوز فيها الصلح بشيء كدينار صرفه ثم وجد به عيباً، فإما رضيه أو رده.
قال أبو محمد: ويظهر لي أن قول ابن القاسم صحيح؛ لأن من صرف ديناراً لم يقع الصرف على دينار بعينه فلما وجد بالذي أخذ عيباً فرده فقد نقض في المردود الصرف إذا لم يرض به وأبقيا/ بينهما عقد الصرف الأول فرجع أمرهما إلى أن دينار الصرف الذي لا عيب فيه تأخر عند بائعه فلا يجوز أن يأخذ إلا ديناراً جيداً، ولا يأخذ به هذا المعيب وزيادة دراهم وقد فسد الصرف بتأخيره أولاً فلابد من نقضه إن لم يرض بالمعيب؛ لأنه لم يصارفه ديناراً بعينه كالطوق المعيب المعين، ومسألة الطوق لم يرد الطوق المعيب فينتقض فيه العقد وهو مما يشتري لعينه فلم يتأخر وإنما أعطاه بائعه ... شيئاً ليرضاه بعينه، وكلام أشهب يجري به القياس أيضاً والله أعلم.
م: ووجه قول سحنون أيضاً أن المعيب جزء من الصفقة بقى على البائع فلما طلب المبتاع رده بذلك قال له البائع: أبق العقد الأول وأنا أعطيك ثمن العيب الآن فكأنه صرف تأخر بعضه والله أعلم.

الجزء: 14 - الصفحة: 261

[الباب الثاني]

في صلح الورثة أو أحد الشركاء عن حصته

[فصل 1 - أحد الورثة يصالح عن حصته] قال ابن القاسم: من مات عن ولد وزوجة وترك دنانير ودراهم حاضرة وعروضاً حاضرة وغائبة وعقاراً فصالح الولد والزوجة على دراهم من التركة، فإن كانت قدر مورثها من الدراهم فأقل جاز، وإن كانت أكثر لم يجز؛ لأنها باعت عروضاً حاضرة وغائبة، ودنانير بدراهم نقداً وذلك حرام.
وإن صالحها الولد على دنانير أو دراهم من غير التركة قلت أو كثرت لم يجز، فأما على عروض من ماله نقداً فذلك جائز بعد معرفتهما بجميع التركة، وحضور أصنافها، وحضور من عليه العروض، وإقراره- يريد والعروض الذي أعطاها مخالف للعروض الذي على الغرماء- قال: وإن لم يقفا على معرفة ذلك كله لم يجز.
قال بعض فقهائنا القرويين: وأجاز أشهب أن يصالحها الولد على دنانير قدر حصتها من التركة من ماله.
م: يريد: لأنه يأخذ عوضه من التركة.
قال: وهذا عندنا ضعيف؛ لأنها تصير كأنها باعت نصيبها من الدنانير والعروض والدراهم بدنانير، وهذا إنما يحكى نحوه عن ابن عباس، ويحكى أنه رجع عنه.

الجزء: 14 - الصفحة: 262

ومن المدونة وإن ترك دنانير ودراهم وعروضاً، وذلك كله حاضر لا دين فيه ولا شيء غالب، فصالحه الولد على دنانير/ من التركة- يريد أكثر من حظها من الدنانير- فذلك جائز إن كانت الدراهم يسيرة.
قال ابن المواز: وذلك إذا لم يبق دنانير غير ما أخذت.
قال أبو محمد: انظر هل علة كلام محمد لأنها إذا أبقت ذهباً فقد أخذت وضيعة من كل صنف وكأنها أخذت بعض حقها من الذهب ذهباً، وأخذت ببقية ما بقي لها من ذهب وفضة وعروض ذهب فجعله كخروج من ذلك من غير التركة، وكلام ابن القاسم لا يدل على هذا، فيجوز إن كانت دراهم يسيرة، وقال بعض الفقهاء القرويين: وقول ابن القاسم أقيس؛ لأن من وجب له جزء في كل دينار أخذ عنه ديناراً ولم يكن شريكاً في جملة الدنانير، وكمن وجد درهماً زائفاً في الصرف إنما ينتقض صرف دينار؛ لأن هذه الدراهم وإن لم تختص بدينار واحد وكان شائعاً في جملة الدنانير فيجب أن تجمع له الأجزاء من كل دينار فيأخذ ديناراً واحداً هذا هو الأشهر من المذهب، إلا على قول من رأى أن جملة الصرف ينتقض بوجود درهم زائف فيصح جواب ابن المواز.
قال ابن القاسم: وإن ترك دراهم وعروضاً فصالحها الولد على دنانير من ماله فإن كانت الدراهم يسيرة حظها منها أقل من صرف دينار جاز إن لم يكن في التركة دين،

الجزء: 14 - الصفحة: 263

وإن كان في حظها منها صرف دينار فأكثر لم يجز، وإن ترك دنانير وعروضاً فصالحها الولد على دنانير من غير التركة لم يجز؛ لأنه ذهب وسلعة بذهب أبو محمد: يريد وإن كانت مثل حظها من الدنانير، وإن كان في التركة دين من دنانير ودراهم لم يجر الصلح على دنانير أو دراهم نقداً من عند الولد.
ابن المواز: إلا أن يكون جميع التركة دنانير فيجعل لها من ماله حظها منها مثل السكة والعين فيجوز.
وقال في كتاب الهبات: إن عجل لك رجل ديناً على آخر وهو دنانير على إن أحلته عليه لم يجز، كان النفع لك أو للمعطي.
قال ابن القاسم: وأراه/ بيع الذهب بالذهب.
وقال سحنون: إن كان النفع لك دون المعطى جاز.
قال ابن القاسم في كتاب الصلح: وإن كان الدين حيواناً أو عروضاً من بيع أو قرض أو طعاماً من قرض لا من سلم فصالحه الولد من ذلك على دنانير أو دراهم عجلها لها من عنده فذلك جائز إذا كان الغرماء حضوراً مقرين ووصف ذلك كله.
وإن ترك الميت دنانير حاضرة، وعروضاً وديناً من دراهم ودنانير، وطعاماً من سلم، فصالحه على دنانير من التركة نقداً، فإن كانت قدر مورثها من الدنانير الحاضرة فأقل جاز، وإن كانت أكثر لم يجز.
وإن صالحها على دنانير أو دراهم من غير التركة لم يجز.

الجزء: 14 - الصفحة: 264

وقال أشهب: إن كانت سكة دنانير التركة، وكانت قدر مورثها من دنانير التركة فجائز.
[فصل 2 - لا يجوز مصالحة الشريك شريكه بدنانير] قال ابن القاسم: وقد قال مالك في شريك صالح شريكه على دنانير من جميع ما بينهما، وبينهما دنانير ودراهم وفلوس وعروض لم يجز.
قال ابن المواز: إلا أن يكون ليس في التركة دنانير غيرها وذلك من الدراهم أقل من صرف دينار.
قال أبو محمد: يريد ولا دين في ذلك فيجوز.
[فصل 3 - أحد الورثة يصالح ثم يقْدُم آخر فالصلح ماض] وكم العتيبة يحي بن يحي عن ابن القاسم: وإن صالح الولد الزوجة على مال ثم قدم ولد آخر فالصلح ماض، والوارث القادم يأخذ حقه منهم أجمعين إن كان له السدس أخذ سدس ما بيد كل واحد وكذلك الربع والخمس.
[فصل 4 - من مات عن جارية حامل وامرأة فأراد الورثة مصالحة الزوجة عن ميراثها] ومن سماع ابن القاسم ومن ترك جارية حاملاً، وورثة، وزوجة فصالح الورثة الزوجة من حقها فلا يجوز؛ لأنها لا تدري ألها الربع أو الثمن إذا وضعت الجارية ولداً.

الجزء: 14 - الصفحة: 265

[الباب الثالث]

ما جاء في الصلح على الإقرار والإنكار

[فصل 1 - أدلة جواز الصلح على الإنكار]

قال مالك: والصلح جائز على الإقرار وعلى الإنكار فمن ادعى على رجل مالاً فأنكره، أو أقر له فصالحه منه على شيء جاز ذلك وكان صلحاً قاطعاً لدعواه.
م: وقال الشافعي لا يجوز مع الإنكار ودليلنا قوله صلى الله عليه وسلم: (الصلح جائز بين المسلمين إلا صلحاً أحل حراماً أو حرم/ حلالاً) فعم؛ ولأن من ادعى عليه بمال فأنكره فوجب عليه اليمين فافتدى منها بمال جاز.
وذلك مروي عن عثمان وابن مسعود، ولا مخالف لهما، وهذا صلح على الإنكار.
[فصل 2 - الصلح من مئة درهم حالة بمئة درهم إلى أجل] ومن المدونة قال مالك: ومن لك عليه مئة درهم حالة وهو مقر بها جاز أن تصالحه على خمسين منها إلى أجل؛ لأنك حططته وأخرته، ولا بأس أن تصالحه على

الجزء: 14 - الصفحة: 266

دنانير أو عرض نقداً، ولا يجوز فيهما تأخير؛ لأنه فسخ دين في دين، وصرف مستأخر.
قال ابن القاسم وكذلك إن كان المدعى عليه منكراً؛ لأن المدعى إن كان محقاً فلا بأس أن يأخذ من مئة درهم خمسين إلى أجل، وإن أخذ منها عرضاً أو ذهباً إلى أجل لم يصلح؛ لأنه فسخ دراهم في عروض أو دنانير إلى أجل وذلك حرام، ,غن كان المدعى مبطلاً لم يجز له أخذ شيء عاجل أو آجل.
م: ومن غير المدونة لا يجوز أن يصالحه من مئة على خمسين إلى أجل إذا كان منكراً لها؛ لأنه سلف جر منفعة.
م: يري؛ لأن المدعى عليه يحب عليه اليمين وله ردها على المدعى.
فكأنه قال له: المدعى لا تُحَلفْنِي وأنا أؤخرك سنة وأحطك كذا.
فهو سلف جر منفعة.

[فصل 3 - الصلح يقع على ترك الأيمان] وفي العتيبة قال أصبغ عن ابن القاسم: في من قام بحق يمين المطلوب فقال له: لا تُحَلفْنِي وأخرني سنة، وأنا أقر لك.
قال: لا يجوز وهو سلف جر منفعة قيل: فإن وقع أيبطل التأخير ويثبت الحق وهو يقول لم أقر إلا على التأخير افتداء من التأخير بيمين قال بل يسقط عنه الحق والتأخير ويرجع على الخصوم.
وروى أشهب عن مالك في من أقام شاهداً بعشرة دنانير على رجلن وكره أن يحلف مع شاهدهن وقال لصاحبه اطرح عن اليمين وأنا أوخرك سنة قال: ما هذا

الجزء: 14 - الصفحة: 267

بحسن.
أرأيت إن قال أعطيك عرضاً.
م: ولا يجوز شراء ما على منكر حاضر؛ لأنه شراء شيء فيه خصومة، ولا يجوز شراء ما على ميت.
قاله بعض القرويين.
قال ولو صالح المنكر على عروض إلى أجل، أو على أكثر من الدعوى إلى أجل لم يجز؛ لأن المدعي يقول لي عليه دراهم فلا يجوز له فسخه في عرض؛ لأنه فسخ دين في دين ولا في/أكثر منها؛ لأنه سلف جر منفعة.

الجزء: 14 - الصفحة: 268

[الباب الرابع]

في الدين بين الرجلين يقتضي أحدهما حصته منه أو يصالح منها أو يبيعها

[فصل 1 - في الدين بين الرجلين يقتضي أحدهما حصته منه] والقضاء أن كل ذكر حق لرجلين بكتاب واحد فإن كل ما قبض أحدهما يدخل في الآخر، وكذلك الوارثان يصالح أحدهما في حقه رجلاً قد كان عامل وليهم وهو مقر بما ادعى عليه من دين الميت أو منكر فإن لصاحبه الدخول معه فيما صالحه فيه ويكون بقية الدين بينهما.
قال مالك: وكل شريكين لهما ذكر حق بكتاب أو بغير كتاب إلا أنه من شيء كان بينهما فباعاه في صفقة بمال أو عرض يكال أو يوزن، أو كان ذلك الحق من شيء اقترضاه من عين أو طعام أو غيره مما يكال أو يوزن، أو ورثا هذا الذكر الحق فإن ما قبض منه أحدهما يدخل في الآخر، وكذلك إن كانوا جماعة شركاء فإنه يدخل فيه بقية أشراكه؛ إلا أن يشخص فيه المقتضي بعد الإعذار إلى شركائه في الخروج معه أو الوكالة، فإن أعذر إليهم عند السلطان أو بإشهاد عليهم فلم يخرجوا أو يوكلوا لم يدخلوا فيما اقتضى؛ لأن ذلك إضرار بصاحبهم لما تجشم من الخروج والمؤونة

الجزء: 14 - الصفحة: 269

وقال الرسول صلى الله عليه وسلم (لا ضرر ولا ضرار) وإن شخص لذلك دون الإعذار إليهم، أو يقتضي من حاضر فشركاؤه بالخيار، إن شاءوا أسلموا إليه ما قبض وأتبعوا الغريم، وإن شاءوا أشركوه فيما قبض، قبض جميع حصته أو بعضها.
ولو كان الحق بكتابين كان لكل واحد ما اقتضى، وإن كان من شيء أصله بينهما وباعاه بصفقة- ولو كان الحق بينهما بكتاب واحد أو مما أصله بينهما بغير كتاب- فقبض أحدهما حظه من الغريم وهو حاضر وسلم ذلك له شريكه ثم أراد أن يدخل معه فليس ذلك له وإن أعدم الغريم؛ لأن ذلك مقاسمة للدين.
كما لو ورثا ديناً على رجل وأقسما ما عليه جاز، وصار كذكر حق كتابين.
والحق إذا كان بكتابين كان لكل واحد ما اقتضى، ولم يدخل عليه فيه شركاؤه.
م: وذكر لنا عن أبي محمد في الرجلين يبيعان سلعتيهما من رجل ولا شركة بينهما في ذلك، ويكتبان دينهما عليه بكتاب واحد أن الكتابة في كتاب لا توجب الشركة بينهما في الدين، ويكون لكل واحد ما اقتضى، ولا يدخل عليه فيه صاحبه.

الجزء: 14 - الصفحة: 270

م: وفي هذه نظر؛ لأن الكِتْبَة لما كانت تفرق ما كان أصله مشتركاً بينهما فيكون إذا كتباه كتابين/ كقسمة الدين، فكذلك ينبغي أن تجمع الكتبة ما كان أصله مفترقاً، وعليه يدل ظاهر الكتاب والله أعلم.
م: وهذا إذا جمعا سلعتهما في البيع منه على قول من يجيز ذلك؛ لأنهما كالشريكين قبل البيع.
ألا تري ألو استحقت سلعة أحدهما وهى وجه الصفقة أن للمشتري نقض البيع، كما لو كانا شريكين فيهما، فكذلك يكون حكمهما في الاقتضاء كحكم الشريكين، ووافق بعض أصحابنا في الاستحقاق وخالف في الاقتضاء، وقال: لا يدخل أحدهما على الآخر إذ شركة بينهما في الأصل.
قال بعض شيوخنا القرويين: وإذا أسلم أحد الشريكين لشريكه ما اقتضى فسواء كان الغريم حين الاقتضاء ملياً بجميع حقهما، أو لم يوجد مع الغريم إلا مقدار حقه لا كلام لشريكه فيما اقتضى، بخلاف مسألة الكفالة إذا لم يوجد مع الغريم إلا مقدار حظ الحاضر فيقضي له السلطان بذلك؛ ثم يقدم الشريك الغائب هذا له الدخول مع شركيه؛ لأم السلطان أخطأ في قضائه إذ دفع إلى الشريك جميع ما بيد الغريم، وفي مسألة الصلح الشريك أطلقه على قبض حقه، ورضى ببقاء دينه في ذمة الغريم.
قال غيره من الفقهاء القرويين: وإذا أعذر إلى شريكه في الخروج معه وامتنع فلا ينفعه الإشهاد عليه دون أن يرضى له بالخروج وحده، فإن لم يرض له

الجزء: 14 - الصفحة: 271

الخروج، وامتنع أن يخرج معه رفع أمره إلى القاضي ليحكم عليه بالمقاسمة فإذا حكم عليه صار مثل حقين/ ولا يدخل عليه فيه كما لو رضيا وقسماه.
[فصل 2 - في الدين بين الرجلين يصالح أحدهما منه] ومن المدونة قال ابن القاسم: وإن كان لهما مئة دينار من شيء أصله بينهما، وهي بكتاب واحد أو بغير كتاب، فصالح أحدهما من جميع حقه على عشرة دنانير ولم يشخص أو شخص، ولم يعذر إلي شريكه فشريكه مخير في تسليم ذلك، وإتباع الغريم بخمسين، أو يأخذ من شريكه خمسة ويرجع وهو بخمسة وأربعين، وصاحبه بخمسة وهكذا.
قال غيره في كتاب المديان وذكر فيه ابن القاسم: أن للذي لم يصالح أن يأخذ من شريكه خمسة، ثم يرجع هو على الغريم بخمسين جميع حقه، فإذا قبضها دفع للمصالح الخمسة التي قبضها منه.
وقال غيره في كتاب الصلح: إن اختار الذي لم يصالح أن يدخل مع المصالح في العشرة فإني أجعل دينهما كأنه كان ستين ديناراً، فيكون له خمسة أسداس العشرة، وللمصالح سدسها، ثم يرجع المصالح بخمسة أسداسها على الغريم، ويرجع

الجزء: 14 - الصفحة: 272

عليه الآخر بما بقي له وذلك واحد وأربعون ديناراً وثلثا دينار، وكذلك لو قبض أحدهما العشرة اقتضى من حقه وحط من غريمه أربعين، ثم قام عليه شريكه بعد ذلك فاختار مقاسمته فليفعلا كما وصفنا، فأما إن قام عليه شريكه قبل الحطيطة فقاسمه العشرة شطرين ثم حطه أربعين فلا يرجع عليه شريكه بشيء؛ لأنه قاسمه وحقه كامل فمضى ذلك على ما قسما ثم يتبعلن الغريم هذا خمسة وصاحبه بخمسة وأربعين.
قال سحنون: قول ابن القاسم أشبه وطرح قول غيره.
[فصل 3 - في الدين بين الرجلين يبيع أحدهما حقه ويصالح منه على قمح] قال ابن القاسم: ولو باع أحدهما حقه، وصالح منه على عشرة أقفزة قمحاً جاز، ولشريكه تركه واتباع الغريم، أو أخذ نصف القمح من الشريك.
قال سحنون: ثم يكون بقية الدين بينهما، وذلك أنه تعدى له على دين فابتاع به شيئاً، فهو كعرض باعه بغير أمره، وليس كعين تعدي فيه والصلح في غير موضع أشبه شيء بالشراء وهكذا.
قال غيره في كتاب المديان: قال وإذا صالح أحدهما من حقه على عرض فلشريكه أخذ نصف العرض، ثم يكون بقية الدين بينهما.

الجزء: 14 - الصفحة: 273

وقال فيه ابن القاسم: إن للذي لم يصالح أن يأخذ من شريكه نصف العرض صالح عليه، ثم قبض هو جميع حقه رد على المصالح قيمة العرض الذي أخذ منه يوم وقع الصلح به.
م: وقال بعض شيوخنا: يرد عليه القيمة وإن كان مما يكال أو يوزن يريد؛ لأنه إذا دفع إليه قيمة ذلك الشيء يوم وقع الصلح لم يظلمه، وإذا دفع إليه المثل قد يكون فيه ظلم إذ قد يكون قيمة ذلك يوم وقع الصلح أغلى من قيمته يوم حلول الأجل، وهو إنما ترك بعض حقه لغلاء ما أخذ.
قال: وكذلك من فدى رجلاً من دار الحرب بمكيل أو بموزون؛ لأن قيمة ذلك في البلدين مختلفة.
م: وقال غيره من شيوخنا في مسألة الشريكين بل يدفع في المكيل والموزون مثله.
م: وهذا هو الصواب؛ لأنه إنما أخذ منه ما أوجبه له عليه الحكم، ولا أجرة له فيما صنع، وكان الصواب أن يرجعا جميعاً على الغريم بما بقى منهما، ولا يقول أحد أن يرجع المصالح على الغريم إلا بالمثل فكذلك يدفع إليه هذا المثل، وإنما رأى في هذا القول أن يكفيه مشقة الاقتضاء كم كفاه هو لا على أن ما أخذ منه لازم له.
ألا ترى أنه لو أفلس الغريم بباقي الدين لم يكن للمصالح على شريكه شيء حتى يقبض من الغريم، وأما في الهبة فيتحمل أن تلزمه القيمة؛ لأنه لما تصرف فيما وهب له للثواب فصار رضى منه بالثواب؛ لأن ذلك كالشراء.

الجزء: 14 - الصفحة: 274

ومسألة الذي فدى رجلاً من دار الحرب فإنما يكون عليه القيمة؛ لأنه لا يقدر على التواصل إلى أداء المثل في ذلك البلد فكان العدل في ذلك القيمة.
[فصل 4 - في الدين بين الرجلين يبيع أحدهما حصته والصلح من الرهن] ومن كتاب الصلح قال ابن القاسم: ولو كان دينهما ثياباً أو عرضاً يكال أو يوزن أو لا يكال ولا يوزن من غير الطعام والإدام فصالح أحدهما أو باع حقه بعشرة دنانير جاز، ولشريكه أخذ نصفها ثم يكون ما بقى على الغريم بينهما، وإن شاء سلم له ذلك واتبع الغريم بجميع حقه ثم لا رجوع على الشريك وإن أدم الغريم؛ لأنه تعدى على سلعته فباعها فله أن يأخذ ثمن سلعته ثم يتبعان الغريم بما بقى أو يسلم ذلك لشريكه ويتبع هو الغريم، والصلح والبيع سواء وجميع الدين كالعروض وإن كان عيباً.
ألا ترى لو كان لك مئة دينار على رجل فصالحته أو اشتريت منه بالمئة سلعة لم يجز أن تبيعها مرابحة حتى يتبين، فهذا يدلك أن الدين العين كالعرض.
ألا ترى لو كان لك على رجل مئة دينار، فرهنك بها شيئاً مما

الجزء: 14 - الصفحة: 275

يغاب عليه ويضمنه المرتهن إن ضاع، وقيمة الرهن مثل الدين أو أقل أو أكثر، فصالحته من الدين على ألف درهم نقداً، ثم ادعيت أن الرهن ضاع قبل الصلح أو بعده فإنك تضمنه إلا أن تقوم لك بينه بضياعه، والصلح الذي جرى بينكما نافذ، فهذا يدلك أن الصلح كالبيع.

الجزء: 14 - الصفحة: 276

[الباب الخامس]

جامع القول في الصلح في الدماء

[فصل 1 - الدعوى في صلح على دم عمد] قال ابن القاسم: ومن وجب لك عليه دم عمد أو جراحة فيها قصاص، فادعيت أنك صالحته على مال، فأنكر الصلح، فليس لك أن تقتص منه، ولك عليه اليمين أنه ما صالحك.
م: ولو كان إنما ادَعى القاتل أو الجارح على الولي أنه عفا عنه على مال أو غير مال، فقال ابن القاسم: يلزمه اليمين، وقال أشهب: لا يلزمه كدعوى الزوجة الطلاق، والفرق عند ابن القاسم بين هذا وبين الطلاق: أن الزوجة لو مكنت من ذلك لتكررت دعواها على زوجها فتضربه، وهذا إذا حلف قتله ولم تتكرر الدعوى منه.
[فصل 2 - القاتل خطأ يصالح من الدم ظاناً أن الدية تلزمه] ومن المدونة قال مالك: والقاتل خطأ غذا صالح الأولياء على مال نجموه عليه فدفع إليهم نجماً، ثم قال: ظننت أن الدية تلزمني فلذلك له، وتوضع عنه، ويتبع أولياء المقتول العاقلة.
قال ابن القاسم: ويرد عليه أولياء المقتول ما أخذوا منه إذا كان يجهل ذلك وقال جماعة من أصحابنا: وعليه اليمين أنه ظن أن الدية تلزمه/ قال:

الجزء: 14 - الصفحة: 277

وينظر في ما دفع في الصلح فإن كان قائماً أخذه، وإن فات فإن كان هو الطالب للصلح فلا شيء له قبلهم.
كمن عوَض من صدقه وقال: ظننته يلزمني، وإن كان مطلوباً بالصلح فإنه يرجع على الأولياء بمثل ما دفع إليهم، أو بقيمته إن كان مما يقوم.
[فصل 3 - القاتل خطأ يقر بلا بينة فيصالح قبل لزوم الدية على العاقل بالقسامة] ومن المدونة ولو أقر بقتل خطأ ولم تقم بينة فصالح الأولياء على مال قبل أن تلزم الدية العاقلة بقسامة، وظن أن ذلك يلزمه، فالصلح جائز لازم.
م: جعل صلحه كحكم حاكم حكم عليه بالدية في ماله فلا يُنقض للاختلاف فيه قاله بعض القرويين.
قال سحنون: وقد اختلف عن مالك في الإقرار بالقتل خطأ فقيل: على المقر في ماله، وقيل: على العاقلة بقسامة في رواية ابن القاسم وأشهب.
م: جعل في روايتهما كشاهد ويكون عدلاً غير مهتم قاله بعض فقهائنا القرويين.
وقال ابن دينار: لا يلزمه إلا ما يلزمه مع العاقلة.

الجزء: 14 - الصفحة: 278

وقال في كتاب الديات إذا أقر رجل بقتل خطأ فإن اتهم أن يكون أراد غنى ولد المقتول كالأخ والصديق لم يصدق، وإن كان من الأباعد صدق إن كان ثقة مأموناً، ولم يخف أن يرشى على ذلك، ثم تكون الدية على العاقلة بقسامة ولا شيء على المقر.
[فصل 4 - الصلح من دم أو جرح عمد في صحة أو مرض] قال في كتاب الصلح: وكلما وقع به الصلح من دم عمد، أو جرح عمد مع المجروح أو أوليائه بعد موته فذلك لازم له كان أكثر من الدية أضعافاً أو أقل من الدية؛ لأن دم العمد لا دية فيه إلا ما اصطلحوا عليه، وإذا وجب على رجل جراحة عمد فصالحه في مرضه على أقل من الدية، أو من أرش تلك الجراحة، ثم مات من مرضه، فذلك جائز لازم، إذ للمقتول العفو عن دم العمد في مرضه وإن لم يدع مالاً.

الجزء: 14 - الصفحة: 279

[فصل 5 - المقتول له وليان فصالح أحدهما] ومن قتل رجلاً عمداً وله وليان فصالحه أحدهما على فرض أو عرض.
م: والفرض هو العين- للمولى الآخر الدخول معه على ذلك ولا سبيل إلى القتل.
وقال غيره: إن صالح من حصته على أكثر من الدية، أو على عرض قل أو كثر فليس له غيره، ولم يكن لصاحبه على القاتل إلا بحساب/ دية، ولا سبيل على القتل إذ لو عفا الأول جاز عليه عفوه، ولا يدخل أحدهما على الآخر في هذا القول فيما أخذ إذ ليس دم العمد بمال.
وهو كعبد بينهما يبيع أحدهما حصته بما شاء ولا يدخل عليه الآخر فيه.
م: قال بعض القرويين: ولا يلزم ابن القاسم ما احتج به الغير، والفرق عنده بين بيع أحد الشريكين حصته من العبد، وبين صلحه عن حصته من الدم: أن يبيع الشريك حصته من العبد لم يغير على شريكه شيئاً من حصته فوجب ألا يدخل عليه، وفي الصلح عن الدم قد تغير الأمر بصلح الشريك؛ لأن بصلحه عاد مالاً بعد أن كان دماً، فوجب أن يكون حكمه حكم المال الذي يصالح منه.
وقاله سحنون.
وقال: بل مسألة المفسد للدم بالصلح في الرجوع على شريكه أحرى من مسألة الشريكين إذا صالح أحدهما عن نصيبه من الدين بشيء أن لشريكه الدخول معه.
م: قال بعض فقهائنا القرويين: ويجب على قول الغير ألا يدخل أحد الشريكين على شريكه في الدين إذا صالح أحدهما عن نصيبه بشيء.

الجزء: 14 - الصفحة: 280

[فصل 6 - أحد الابنين يعفو عن الدية أو يصالح عليها] ومن المدونة قال أشهب: إن عفا أحد الابنين على الدية فأكثر منها عن جميع الدم ولهما أخت فذلك كله بين الابنين على خمسة [أخماس] للبنت الخمس ولكل ابن خمسان.
ولو صالح بذلك عن حصته فقط كان للأخ والأخت اللذين لم يصالحوا على القاتل ثلاثة أخماس الدية يضمانه إلى ما صالح به أخوهما ثم يقتسمون الجميع على خمسة كما ذكرنا إن كان صلحه من حصته على أكثر من خمسي الدية، فأما إن كان صلحه على خمسي الدية فأقل فليس له غيره، ويرجع الأخ والأخت على القاتل بثلاثة أخماس الدية فيكون بينهما للذكر مثل حظ الأنثيين.
ولو صالح على الدم كله بأقل من الدية فله الخمسان من ذلك، ويسقط ما بقي عن القاتل من حصته، ويكون للأخ الآخر والأخت ثلاثة أخماس الدية كاملاً؛ لأنه فوت عليهما القتل فلزم القاتل نصيبهما من الدية في مال القاتل.
م: قال بعض فقهاء القرويين: وإن وجد القاتل عديماً/ شاركا المصالح فيما أخذ حتى يأخذا من القاتل فيراد عليه ما أخذا منه.

الجزء: 14 - الصفحة: 281

وإن كان على الميت دين قضي الدين من الدية، وإن كانت له امرأة ورثت من ذلك؛ لأن الدية تصير كمال من ماله.
وإن كان على الميت مئة دينار ديناً، ولم يترك شيئاً مالاً، وترك أخوين فعفا أحدهما عن غير شيء جاز عفوه عن نصيبه، ورجع الأخ الذي لم يعف على القاتل بأربع مئة، وصاحب الدين بمئة.
ولو ترك الميت مئة لوجب أن يؤخذ الدين من المئة التي ترك ومن الخمس مئة بالحصص فيؤخذ من كل مئة سدسها ثم تكون خمسة أسداس المئة التي ترك بين الأخوين وخمسة أسداس الخمس مئة للذي لم يعف.
وكلك لو ترك مدبراً قيمته مئة لعتق من جملة الست مئة بالحصص، وورثا بقية المئة وأخذ الذي لم يعف بقية الخمس مئة.
هذا على مذهب عبد الملك الذي يرى أن يدخل في المال الذي لم يعلم به، والمال الذي علم به بالحصص، وأما على قول ابن القاسم فإنه يبدأ به في المال الذي علم به، فإن عجز عن ذلك أتم فيما لم يعلم به فيعتق ثلث المدبر في المئة التي علم به، ويورث بقيتها، ويعتق ثلثاه في الخمس مئة، ويأخذ الذي لم يعف بقيتها، م: وفي هذا نظر، وكان ينبغي أن يعتق في المئة التي علم بها ثلثاه؛ لأنه كأنه ترك المدبر وقيمته مئة وترك مئة عيناً فيعتق بذلك ثلث المدبر، وهوما يحمل الثلث، ويعتق بقيته من الخمس مئة, ويورث ثلث المئة التي ترك عيناً.
والله أعلم.

الجزء: 14 - الصفحة: 282

[المسألة الأولى: المال المصالح به من الدم لسائر الورثة على فرائض الله] ومن المدونة قال ابن القاسم: وكلما صولح به من الدم والخطأ فللزوجة ميراثها منه ولسائر الورثة على فرائض الله تعالى.

[المسألة الثانية: الجماعة يقطعون يد رجل عمداً أو يجرحوه فله صلح أحدهم] وإذا قطع جماعة يد رجل أو جرحوه عمداً فله صلح أحدهم والعفو عن من شاء منهم، والقصاص ممن شاء منهم، وكذلك الأولياء في النفس.

[فصل 7 - المصالح على قطع يده عمداً يبرأ ثم يموت فلأوليائه القسامة] ومن قطعت يده عمداً فصالح القاطع على مال أخذه ثم نزى بها فمات فلأوليائه أن يقسموا، ويقتلوا ويردوا المال، ويبطلوا الصلح.
وإن أبوا أن يقسموا كان لهم المال الذي / أخذوا في قطع اليد، وكذلك لو كانت موضحة خطأ فلهم أن يقسموا ويستحقوا الدية على العاقلة، ويرجع الجاني فيأخذ ماله، ويكون في العقل كرجل من قومه، ولو قال قاطع اليد للأولياء حين نكلوا عن القسامة قد عادت

الجزء: 14 - الصفحة: 283

[الجناية] نفساً فاقتلوني وردوا المال لم يكن ذلك له ولو لم يكن صالح فقال ذلك وشاء الأولياء قطع اليد ولا يقسموا فذلك لهم.
وإن شاءوا أقسموا وقتلوا.
م: ولو صالحه بمال على الجرح وعلى ما ترامى إليه فقيل: ذلك جائز, وقيل: ذلك لا يجوز؛ لأنه غرر.

[فصل 8 - الصلح من جناية العمد على ثمر لم يبد صلاحه] ومن المدونة ولا يجوز الصلح من جناية العمد على ثمرة لم يبد صلاحه.
فإن وقع ذلك ارتفع القصاص وقضى بالدية.
كما لو وقع النكاح بذلك وفات بالبناء قضي بصداق المثل.

الجزء: 14 - الصفحة: 284

قال غيره: يمضي ذلك إذا وقع، وهو بالخلع أشبه؛ لأنه أرسل من يده بالغرر ما كان له أن يرسله بغير عوض، وليس كمن أخذ بضعاً ودفع فيه غرراً.
قال سحنون: هذا أحسن وهو لابن نافع، والأول لمالك رحمه الله.

[فصل 9 - الصلح من دم عمد على عرض أو عبد فيوجد به عيب] قال ابن القاسم: ومن صالح من دم عمد أو خالع على عبد فذلك جائز.
فإن وجد بالعبد عيباً يرد من مثله في البيوع فرده رجع بقيمة العبد صحيحاً إذ ليس للدم والطلاق قيمة تعلم يرجع بها، وكذلك النكاح في هذا.

[فصل 10 - هل للمقتول العفو عن دم العمد وجراحات العمد مع رد الغرماء؟]

وإذا للمقتول العفو عن دم العمد، وجراحات العمد في مرضه وإن لم يدع مالاً أو له مال وعليه يدن يغترقه، وليس للورثة أن يقولوا فعله في ثلثه، ولا لغرمائه إن كان عليه دين أن يقولوا فرعنا بماله، ولا ينظر إلى قولهم، وفعله جائز.

الجزء: 14 - الصفحة: 285

م: لأن العمد ليس فيه إلا القود إلا أن يصطلحوا على شيء فلما لم يجب له عليه مال جاز عفوه عنه في مرضه ولا كلام لورثته ولا لغرمائه فإن لم يجب له عليه مال جاز عفوه عنه في مرضه ولا كلام لورثته ولا لغرمائه فإن قيل فعلى قول أشهب الذي رأى أنه له أن يجبره على الدية وإن كره.
قيل له قد قال أشهب: إن له أن يعفو عنه في مرضه وهو يقول له أن يجبره على الدية.
وفي المدونة قال ابن القاسم في العبد يقتل الحر عمداً فيعفوا عنه الحر في مرضه: أن ذلك في رأس ماله، وقال أشهب في العبد خاصة أن ذلك من ثلثه، ولا فرق في الحقيقة بين الحر والعبد على مذهب من رأى أن للحر إجبار الحر القاتل على الدية فيصير هذا كأنه اختلاف في هذا الأصل؛ لأنه ما لم يصيره مالاً بالإجبار فهو دم، فلهذا جاز عفوه قاله بعض فقهاء القرويين.
م: فإن قيل: لم كان لا يرجع في النكاح والخلع إذا وجد بالعبد عيباً أو استحق بصداق المثل؛ لأن ذلك قيمة البضع، ويكون كالنكاح بالغرر أو بتفويض يفوت بالبناء أنه يقضي فيه بصداق المثل، ويرجع في دم العمد بداية العمد إذا قبلت ويكون كقولهم في بيع العرض بالعرض يستحق أحدهما أو يوجد به عيب أنه يرجع

الجزء: 14 - الصفحة: 286

في عين عرضه إن لم يفت، فإن فات رجع بقيمته، ولا يرجع بقيمته ما استحق ولا بقيمة العيب.
والجواب عن ذلك أنه لما كان النكاح طريقة المكارمة لا المكايسة، وكان الإنسان يتزوج بأضعاف صداق المثل، وبغير صداق المثل، وأقل وأكثر لم يكن للبضع قيمة متحققة يرجع إليها كما هي في بيع العرض بالعرض فكان الرجوع إلى قيمة ما تراضيا به أولى؛ لأنها قيمة معلومة، وكان ذلك بخلاف من تزوج بغرر أو بتفويض؛ لأن قيمة الغرر غير محققة، وفي التفويض ليس ثم صداق مذكور يرجع إليه فكان الرجوع إلى صداق المثل أولى، وكذلك القول في الخلع والدم العمد إذ ليس من عادة الناس أن يخالعوا إلا بمثل صداق المثل ولا يعفون إلا على الدية.
وأنهم يخالعون ويصالحون بأضعاف ذلك، وييسر ذلك، وبغير شيء فلما كان الأمر كذلك كان الرجوع إلى قيمة ما تراضوا به وتصالحوا عليه أولى وبالله التوفيق.

[فصل 11 - هل للمصالح من دم أو جرح عمد يخاف منه موته أن يحط من المال بعد ثبوت الصلح؟]

ومن المدونة ولو صالح من دم أو جرح عمد يخاف منه موته على المال وثبت، فحط من المال بعد ذلك لم يجز ذلك إن أحاط الدين بماله، وإن لم يكن عليه دين كان ما يفعل بثلثه.

الجزء: 14 - الصفحة: 287

[فصل 12 - الجاني عمداً وهو مدين يريد أن يصالح من الجناية والغرماء يردون ذلك] ومن جنى عمد وعليه دين يحيط بماله/ فأراد أن يصالح منها بمال يعطيه من عنده ويسقط القصاص عن نفسه فللغرماء رد ذلك؛ لأن في ذلك إتلاف ماله كهبته وعتق؛ لأنه أعتق نفسه من القتل وليس كتزويجه وإيلاد أمته؛ لأن الغرماء على مثل ذلك عامله على النفقة على زوجته وأولاده الصغار قاله بعض شيوخنا القرويين.
م: ولأنهم ليس لهم منعه من وطيء زوجته ولا أمته، والوطء يكون عنه الولد فتعتق به الأمة، وتلزمه به النفقة على ولده المحدث من الأمة والزوجة، فلذلك كان بخلاف عتقه وهبته.

[فصل 13 - في رجل قتل رجلين عمداً فصالح أولياء على الدية وقام أولياء الآخر بالقود] ومن العتيبة روى يحي بن يحي عن ابن القاسم في من قتل رجلين عمداً وثبت ذلك عليه فصالح أولياء أحدهما على الدية أو عفوا عن دمه وقام أولياء الآخر بالقود قال: فلهم القود.
فإن هم استقادوا بطل الصلح ويرجع المال إلى ورثته.

الجزء: 14 - الصفحة: 288

[فصل 14 -] الصلح من موضحة عمد وموضحة خطأ على شقص م: وهذه المسألة مذكورة في كتاب الشفعة وهناك فيها زيادات.
قال ابن القاسم: ومن صالح من موضحة عمد وموضحة خطأ على شقص من دار، جاز فيه الشفعة بدية موضحة الخطأ وبنصف قيمة الشقص؛ لأنا قسمنا فيها الشقص الموضحتين، وإحداهما معقولة والأخرى مجهولة.
وقال الخزامي: الصلح جائز، وتحمل دية الخطأ وهي خمسون على قيمة الشقص، فإن تكون قيمة الشقص مئة فقد علمت أن قيمة الشقص من الجميع الثلثان، فيستشفع بخمسين ديناراً وبثلثي قيمة الشقص، فهكذا يحسب فيما قل أو كثر من الأجزاء.
وقال ابن نافع في غير المدونة: يأخذ بقيمة الشقص إلا أن تكون القيمة أقل من خمسين دية موضحة الخطأ فلا ينقص.
وقال سحنون بقول ابن نافع.
قال: وليس غير هذا شيء؛ لأنه قد يضمن الشقص بشيء معلوم وهو دية موضحة الخطأ وشيء مجهول/ وهو موضحة العمد، فالمعقول خمسون ديناراً.
فإن كانت قيمة الشقص أزيد من ذلك علمنا أن الزائد للمجهول من العمد، وإن كانت القيمة

الجزء: 14 - الصفحة: 289

أقل لم ينقص شيئاً من المعقول، وبه قال ابن المواز وابن حبيب ويحي بن عمر.
م: ووجه قول ابن القاسم أن المصالح بالشقص إنما دفعه ثمناً للموضحتين فكان العدل أن يجعل لكل موضحة نصفه، ولو جعلنا لموضحة الخطأ ما قبلها من قيمة الشقص، وما فضل للعمد أمكن أن تستغرق موضحة الخطأ الشقص أو تزيد فتبقى موضحة العمد لا عوض لها، وهو إنما دفع الشقص عنهما.
وهذا كمن باع سلعة بسلعتين أن قيمة السلعة مفضوضة على قدر قيمة السلعتين وإن كانت قيمة كل واحدة من السلعتين أكثر من قيمة المنفردة، وكذلك الموضحتان، ووجه قول المخزومي أن الشقص لو صالح به من موضحة عمد فقط كان للشفيع الأخذ بقيمة الشقص فصارت قيمة الشقص كأنها ديه موضحة العمد، ولو دفعه أيضاً عن موضحة الخطأ كان فيه الشفعة بخمسين دية موضحة الخطأ فلما دفع عنهما ضرب في قيمته لموضحة الخطأ بديتها خمسين، ولموضحة العمد بقيمة الشقص؛ لأن كل واحد لو انفردت بالشقص كذلك كان يضرب بها.
وهذا أيضاً كمن أوصى بمعلوم ومجهول فإن جميع ذلك في الثلث يضرب فيه للمعلوم وبقدره، وللمجهول بالثلث.
قال يحي بن عمر: ولو صالحه منهما بهذا الشقص وبعشرة دنانير يريد على أصل ابن القاسم فالعشرة مأخوذة من موضحة الخطأ فبقي منها أربعون وبقيت موضحة العمد.
فيقسم الشقص على ذلك فيأخذه بأربعين وبخمسة أتساع قيمة الشقص، وإن صالح منهما على شقص

الجزء: 14 - الصفحة: 290

وعرض قيل: ما قيمة العرض؟ فإن قيل: عشرون كان منه لكل موضحة عشرة فيأخذ الشقص بأربعين ونصف قيمة الشقص.
قال أبو محمد: ولو قيل أن مجرى كلام ابن القاسم أيقسم ما أخذ من عين الشقص علو الموضحتين كما فعل بالعرض لكان صواباً.
وذلك أن يقسم الشقص والعشرة على الموضحتين فيقع لكل موضحة نصف الشقص، وخمسة دنانير فيأخذ نصف الشقص بخمسة وأربعين بقية دية موضحة الخطأ ونصفه الآخر بنصف قيمة الشقص عن موضحة العمد؛ لأنه أخذ عن موضحة العمد خمسة دنانير ونصف شقص وقيمتها مجهولة، فوجب أن يأخذ هذا النصف الآخر بنصف قيمة الشقص.
م: قول يحي في العين أصوب أن يجعل لدية موضحة الخطأ فيسقط المعلوم من المعلوم، فإن بقي منها شيء أخذ به وبنصف موضحة العمد من قيمة الشقص يجعل دية موضحة الخطأ كأنها خمسون، فإن دفع مع الشقص عشرة أسقطها من موضحة الخطأ فبقي أربعون ودية موضحة العمد كأنها خمسون فيستشفع بأربعين وبخمسة أتساع قيمة الشقص، فإن دفع إليه مع الشقص عشرين استشفع بثلاثين وبخمسة أثمان قيمة الشقص، فإن دفع إليه ثلاثين استشفع بعشرين وبخمسة أسباع قيمة الشقص، فإن دفع إليه مع الشقص أربعين استشفع بعشرة وبخمسة أسداس قيمة الشقص، فإن دفع إليه مع الشقص خمسين فقد استوفى دية موضحة الخطأ وبقي الشقص

الجزء: 14 - الصفحة: 291

لموضحة العمد فيأخذه بقيمة الشقص واو استغرقها العين وزاد عليها لأخذ بقيمة الشقص؛ لأنه دفع دية الخطأ، والباقي إنما هو لموضحة العمد، فوجب أن يأخذ الشقص بقيمته.
ولو قسمنا العين على الموضحتين كما قال أبو محمد: فاستغرق نصف دية موضحة الخطأ لجعلته يأخذ الشقص بنصف قيمته، وهو قد دفع دية الخطأ فدل أن الفاضل إنما هو لموضحة العمد.
مثاله لو دفع مع الشقص مئة دينار فإذا قسمت ذلك على الموضحتين وقع لكل موضحة خمسون وقد دفع دية موضحة الخطأ فدل أن ما فضل وهو الخمسون الباقية والشقص/ إنما دفعه عن موضحة العمد فيجب أن يأخذ بقيمة الشقص، وعلى قياس قول أبي محمد يأخذه بنصف قيمة الشقص فما ذكره يحي أبين والله أعلم بالصواب.
م: وأما قول يحي إذا دفع في الموضحتين شقصاً وعرضاً فيقسم فيه العرض على الموضحتين فهو يؤدي إلى ما ذكرنا في العين على قول أي محمد، والصواب من ذلك ما قاله أصبغ: قال أصبغ: إذا صالح منهما على شقص وعبد وقيمة العبد كقيمة الشقص فقد أخذ العبد بنصف الموضحتين وبقي للشقص نصفهما، فيأخذه بنصف دية موضحة الخطأ، وبنصف قيمة الشقص ما بلغ، وإن كان العبد من ذلك الثلث فهو ثلث الموضحتين، وكذلك إن كان الربع فهو كربعهما ففي الثلث يأخذ بثلثي دية موضحة الخطأ وبنصف قيمة الشقص، وفي الربع يأخذ بثلاثة أرباع دية موضحة الخطأ وبنصف قيمة الشقص؛ لأنه دفع الشقص عن ثلاثة أرباع دية الخطأ وثلاثة أرباع دية العمد فلذلك قسمه عليهما كما قسمه إذا أخذه عن جميعها.

الجزء: 14 - الصفحة: 292

قال أصبغ ولو كان المجروح هو معطي العبد الجرحين حتى يأخذ الشقص فإن كانتا جميعاً أخذ الشقص بديتها وبقيمة العبد.
م: ولا خلاف في ذلك، قال: وإن كانت جميعاً عمداً نظر إلى الاجتهاد في عقلهما كم ذلك؟ وكم قيمة العبد من قيمتهما بالاجتهاد؟ فإن كان العبد ثلث ذلك أخذ الشقص بقيمة العبد وبثلثي قيمة الشقص، وعلى هذا إن كان أقل أو أكثر م: وعلى قياس قول المخزومي تحمل قيمة العبد على قيمة الشقص فإن كانت قيمة العبد من الجميع الثلث استشفع بقيمة العبد وبثلثي قيمة الشقص.
وعلى قول ابن نافع يأخذه بقيمة الشقص مالم ينقص من قيمة العبد.
وإن كانت واحدة عمداً والأخرى خطأ ففي قول المخزومي يحمل دية الخطأ وقيمة العبد على قيمة الشقص ثم يفعل كما وصفنا/.
وعلى قول ابن نافع يأخذ بقيمة الشقص مالم تنقص عن خمسين دية الخطأ.
وعن قيمة العبد.
وقال أصبغ: إن كانت واحدة خطأ والأخرى عمد نظر إلى دية الخطأ وإلى مبلغ عقل العمد بالاجتهاد موضحة كانت أو عقل غيرها وإلى قيمة العبد فيعرف ذلك كله فيأخذ الشقص به.
قال أبو محمد: أرى أصبغ يريد إذا كانت قيمة العبد بالاجتهاد قدر الثلث من الجميع أخذ الشقص بخمسين للخطأ وبقيمة العبد وبثلث قيمة الشقص ثم على هذا الحساب.
وجرى كلام أصبغ على أن موضحة العمد مقومة بالاجتهاد هاهنا، وجعلها

الجزء: 14 - الصفحة: 293

في الصلح منهما على شقص من غير عطية من المجروح على معنى قول ابن القاسم أن المأخوذ مقسوم على الموضحتين بالسواء ولم يجعل للعبد قيمة مبتدأه بالاجتهاد.
وكلام يحي في الذي صالح منهما على شقص، وعرض فجعله مثل ما لو أخذ شقصاً، ودنانير وليس يستوي ذلك.
مك لم يجعله يحي كذلك.
قال: وكلام أصبغ أصح في العرض المأخوذ مع الشقص؛ لأن العرض ليس هو الواجب في الموضحتين، ولا في أحدهما، ولا في بعضهما وهو مأخوذ مع الشقص في ثمن معلوم، ودم لا قيمة له معلومة.
فالمأخوذ كله مقسوم على الموضحتين، وأما إذا أخذ دنانير فقد أصبنا الخطأ من الموضحتين الواجب فيها مال فصرفنا ما أخذ من المال فجعلناه عنها ونظرنا ما بقي من المال فصار الشقص به مأخوذ وبموضحة العمد فيقسم ذلك على ما بقي من الخطأ وعلى جميع العمد.
وأصل ابن القاسم أنه ساوي بين موضحة العمد والخطأ في القيمة، وأصل أصيغ يجتهد في قيمة العمد.
قال: ولو أن رجلاً جرح موضحة عمداً، فأخذ فيها عشرة دنانير وشقصاً ما وجب أن يأخذ الشفيع الشقص إلا بقيمته ما بلغت.
إذ لا قيمة لموضحة العمد معلومة حتى يحط منها العشرة المأخوذة، وهذا/ يقوي كلام ابن نافع الذي اختاره سحنون، وهو أقوى الأقاويل إن شاء الله تعالى.
م: وكان يجب على قول ابن القاسم إذا دفع المجروح العبد مع الجرحين ليأخذ القص وإحداهما خطأ والأخرى عمد أن يقوم العبد، فإن كانت قيمته خمسين

الجزء: 14 - الصفحة: 294

أخذ الشقص بمئة بثلث قيمة الشقص كما لو دفع خمسين مع الموضحتين ليأخذ الشقص، فإن كانت قيمة العبد مئة أخذه بمئة وخمسين ويدفع قيمة الشقص والله أعلم.

[فصل 15 - الصلح من شقص بدار فيها شركاء على دراهم هل فيها شفعة؟] ومن المدونة وإن ادعيت شقصاً من دار في يد رجل فأنكر له شريك فصالحك منه على دراهم، فإن كان إقرار جاز وفيه الشفعة، وإن كان على إنكار فلا شفعة فيه.

الجزء: 14 - الصفحة: 295

[الباب السادس]

في من صالح على الإنكار ثم أقر له المطلوب أو قامت له بينة أو وجد صكه وإيداع البينة في ذلك

[فصل 1 - من صالح على إنكار ثم أقر له المطلوب] قلت: فمن ادعى داراً بيد رجل فأنكر، فصالحه المدعي على مال أخذه منه ثم أقر له المطلوب.
قال: قال مالك: في من ادعى قبل رجل مالاً فأنكره، فصالحه من ذلك على شيء أخذه منه، ثم وجد بينة لم يعلم بها فله القيام ببقية حقه.
م: يريد فكذلك هذا له القيام عليه بما أقر له به ابن حبيب: وقاله مطرف قال ولا يشبه هذا قول مالك في من صالح في غيبة بينته أو جهله بها أنه لا شيء له إذا وجد البينة؛ لأن الأول مقر بالظلم، وهذ مقيم على الإنكار.
وقال يحي بن عمر: بلغني عن سحنون في الذي أقر له بالدار بع الصلح أن الطالب مخير فإن شاء تماسك بصلحه، وإن شاء رد ما أخذ ويأخذ الدار وهذا تفسير لقول ابن القاسم.

[فصل 2 - من صالح على إنكار وله بينة غائبة، أو وجد صكه أو قامت له بينة] ومن المدونة قال ابن القاسم عن مالك: وإن كان الذي صالح عالماً بالبينة في حين الصلح فلا قيام له، ولو كانت غائبة فخاف موتهم أو إعدام الغريم إلى قدومهم فلا حجة له بذلك، ولو شاء تربص.

الجزء: 14 - الصفحة: 296

وروى أصبغ عن ابن القاسم إن كانت بينته غائبة بعيدة الغيبة جداً/ وأشهد أنه إنما يصالح لذلك فله القيام.
م: وينبغي أن لا يختلف في هذا إذا أعلن بالشهادة كما لو قال للحاكم بينتي غائبه بعيدة الغيبة، فأحلفه لي فإذا قدمت بينتي قمت بها، فإنه يحلف له، ثم له القيام من بينته إذ قدمت، وأما إن لم يشهد على الغريم بذلك وإنما أشهد سراً أنه أنما يصالحه لغيبة بينته فإذا قدمت قام بها، فهذا يدخله الاختلاف.
قيل: ينفعه.
وقيل: لا ينفعه.
وكذلك إذا صالح ولم يعلم ببينته ثم علم.
فقيل: ينفعه وقيل لا ينفعه.
وكذلك إذا صالح وهو عالم ببينته قيل: ليس له القيام بها، وقيل: ذلك له، واختلف في من يقر في السر ويجحد في العلانية، فصالحه على أن يؤخره سنة، وأشهد الطالب أنه إنما يصالحه لغيبة ببينته قيل: ليس له القيام بها، وقيل: ذلك له، واختلف في من يقر في السر ويجحد في العلانية، فصالحه على أن يؤخره سنة، وأشهد الطالب أنه إنما يصالحه لغيبة بينته فإذا قدمت قام بها فقيل: ذلك له إذا علم أنه كان يطلبه ويجحده وقيل: ليس ذلك له.
ولم يختلف في من صولح على الإنكار ثم أقر، ولافي من صالح على الإنكار وذكر ضياع صكه ثم وجده بعد الصلح أنه له القيام في المسألتين.
قال ابن حبيب: قال مطرف عن مالك في من له ذكر حق فيه بينة فضاع فصالح غريمه على الإنكار، وذكر ضياع صكه ثم وجده بعد الصلح أن له القيام ببقية حقه وفرق بينه وبين الذي يجد البينة على حقه بعد الصلح.

الجزء: 14 - الصفحة: 297

ومسألة ضياع الصك وفاق لابن القاسم، وهي مذكورة له في العتيبة.
م: وهو كوجوده بينة لم يعلم بها عند ابن القاسم.
وقال مطرف: ولو أن الذي ضاع صكه قال له غريمه حقك حق فات بالصك، فامحه وخذ حقك.
فقال قد ضاع وأنا أصالحك ففعل ثم يجد ذكر الحق فلا رجوع له بخلاف الأول.
وقال أصبغ: مثله كله.
م: والفرق بين هذه وبين الأولى أنه في هذه إنما صالحه على إسقاط صكه؛ لأن غريمه مقر به وإنما طلبه بإحضاره لمحو ما فيه فقد رضي هذا بإسقاطه واستعجال ما صالحه به عليه.
والأول منكر للحق، وقد أشهد هذا إنما يصالحه لضياع صكه فهو / كإشهاده أنه إنما يصالحه لبعد غيبة بينته.
وقال مطرف: في الرجل يدعي عليه الحق فيصالحه الطالب ويشهد أني إنما أصالحه لإنكاره وأني على حقي: فقال: لا ينفعه ذلك، ولا يجوز إشهاده على سر بخلاف ما وقع به الصلح، وقد أبطل مالك تلك البينة إذا وجدها بعد الصلح.
قال مطرف: إلا أن يقر المطلوب بعد الصلح على الإنكار فيؤخذ بباقي الحق.
وقاله أصبغ.
ومن مختصر ابن الحكم: ومن جحد لرجل مالاً فأقر له في السر ودعاه إلى الصلح ثم انطلق الطالب فأشهد سراً أنه إنما يصالحه ليقر له في العلانية ثم يقوم بحقة فيصالحه

الجزء: 14 - الصفحة: 298

في العلانية، وأشهد عليه، فلما فرغا خاصمه قال: الصلح لازم إلا أن يأتي بأمر من شهادة أو علم على أصل الحق.
وقال في موضع آخر من الكتاب.
ومن كانت له بينة غائبة على حقه، وجحده غريمه، فصالحه وأشهد سراً أنه إنما يصالحه لغيبة بينته وجحوده، وأنه يقوم عليه إذا حضرت، فالصلح يلومه ولا قيام له.
وقال سحنون: في من له ديناً فجحده ويقر له سراً.
فقال له: أخبرني سنة وأنا أقر لك به ففعل وصالحه على هذا ثم قام عليه فإن كان أشهد سراً أني إنما أؤخره؛ لأنه جحدني ولا أجد بينة فإن وجدت قمت عليه فذلك له إن شهد بذلك قبل الصلح، وقد علمت البينة أنه كان يطالبه بذلك وهو يجحد.
م: وهذا أحسن، والظالم أحق أن يحمل عليه.
م: وفي سماع ابن القاسم في من له على رجل دراهم فصالحه على أن يعطيه كل شهر خمسة دراهم على أنه إن ادعى المطلوب أنه دفع إليه شيئاً من ذلك بلا بينة وأنكره الطالب فلا يمين له عليه.
قال: فلا يلزمه هذا الشرط، وله اليمين عليه إن جحده.
م: وينبغي أن يبطل التأخير؛ لأنه إنما أخذه لإسقاط اليمين فإذا سقط شرطه سقط التأخير.
وروى أصبغ عن ابن القاسم في المتداعيين يصطلحان على اليمين وطرح بيناتهما، أو على أن من نكل/ غرم بلا رد يمين أو بعد ردها، فإن أتى بعد ذلك ببينة فلا شهادة لها.
قال: ذلك جائز.
م: وهذا خير من الأولى، المسلمون على شروطهم، وبالله التوفيق.

الجزء: 14 - الصفحة: 299

[الباب السابع] ما يحل ويحرم في الصلح ومن استهلك لرجل شيئاً فصالحه منم [فصل 1 - المصالحة من الدين المنكر بعض في الذمة] وقد تقدم من قول مالك أن الصلح بيع من البيوع وسواء كان على الإقرار أو على الإنكار قال ابن القاسم: وإن ادعيت على رجل بدين فأنكر فصالحته منه على ثياب موصوفة إلى أجل لم يجز؛ لأنه فسخ دين بدين، وغن صالحته منه على عشرة أرطال من لحم شاته وهي حيه لم يجز.
قال أشهب: أكرهه، فإن جسها وعرف نحرها وشرع في الذبح جاز، وأنكر سحنون قول أشهب.

[فصل 2 - الصلح في الاستهلاك والغصب والتعدي] قال ابن القاسم: ومن استهلك لك بعيراً لم يجز على بعير مثله إلى أجل؛ لفسخك ما وجب لك من القيمة في بعير.
وكذلك إن استهلك لك طعاماً فصالحته على طعام أو عرض مؤجل لم يجز؛ لفسخك ما وجب لك من القيمة في ذلك، ولو صالحته على دنانير مؤجلة فإن كانت أكثر من القيمة لم يجز، وإن كانت كالقيمة فأدنى، وكان ما استهلك يباع بالدنانير بالبلد جاز.
ويجوز على

الجزء: 14 - الصفحة: 300

دراهم نقداً، أو عرض نقداً بعد معرفتكما بقيمة المستهلك من الدنانير، ولا يجوز إلى أجل.
وإن كان مما يباع بالدراهم جاز الصلح على دراهم مؤجلة مثل القيمة فأدنى، ولا يجوز على دنانير أو عرض إلا نقداً بعد معرفتكما بقيمة المستهلك من الدراهم، وإن اشترطتما تأخير ذلك إلى أجل لم يجز، ولو تعجلته بعد الشرط لم يجز لوقوعه فاسداً.
وكذلك إن ادعيت أنه استهلك لك غنماً أو متاعاً فالصلح فيه على عين أو عرض يجري على ما وصفناه، ولو لم تفت الغنم ولا المتاع ولا تغير جاز صلحك منه على عين أو عرض نقداً أو مؤجلاً إذا وصفت العرض المؤجل، وكان مما يجوز أن تسلم فيه عرضك، وأجله مثل أجل السلم.
وإن غصبك عبداً فأبق منه لم يجز / أن يصالحك على عرض مؤجل، وأما على دنانير مؤجلة فإن كانت كالقيمة فأقل جاز، وليس هذا من بيع الآبق.
وقد قال مالك في مكتري الدابة يتعدى إلى غير البلد الذي تكاري إليه فتضل الدابة أن لربها تضمينه القيمة.
قال بعض فقهائنا القرويين: فإن قيل: أليس له ألا يغرم الغاصب قيمة

الجزء: 14 - الصفحة: 301

الآبق ويتبع فلم لم يكن هذا بيع الآبق؛ لأنه وجبت له قيمة فأخذ فيها آبقاً.
قيل: ويجب على هذا ألا يأخذ فيه قيمة؛ لأنه لو شاء طلبه فصار انتقاله إلى القيمة كأنه بيع فهذا لا يعتبرها هنا.
م: ووجه طلبه القيمة؛ لأن الغاصب أتلف عليه عبده فوجب عليه غرم قيمته، ووجه أن له ترك القيمة وطلب عبده؛ لأن القيمة ليست حراماً ألا يغرمها الغاصب فكأنه ترك له حقه وبقى على متقدم ملكه فليس هذا بيعاً له.
قال بعض الفقهاء: وقد رأيت أن ليس له إلا القيمة ولا يجوز أن يتركها ويطلبه.
م: وهذا يؤدي إلى أن يلزم بيع عبده كرهاً.
ومن العتبية روى يحي ابن يحي عن ابن القاسم في من ذبح شاة رجل فأعطاه بالقيمة شاة أو بقرة أو فصيلاً، فإن كان لحم الشاة لم يفت لم يجز؛ إذ له أخذها فصار اللحم بالحيوان، وإن فات اللحم فجائز نقداً، هذا بعد المعرفة بقيمة الشاة.
ولو استهلك له صبرة قمح لا يعرفان كيلها جاز أن يأخذ بالقيمة ما شاء من طعام من غير جنسه أو عرض نقداً، وأما على مكيله من قمح أو شعير أو

الجزء: 14 - الصفحة: 302

سلت فلا يصلح على التحري، وأما على كيل لا يشك أنه أدنى من كيل الصبرة فلا بأس به، وكأنه أخذ بعض حقه فلا تبالي أخذ قمحاً أو شعيراً أو سلتاً، يريد ها هنا وإن لم يعرفا القيمة.

الجزء: 14 - الصفحة: 303

الباب الثامن

[فصل 3 -] في من أوصى لرجل بشيء فصالحه منه ورثته قال ابن القاسم: ومن أوصى لرجل بما في بطن أمته لم يجز للورثة مصالحته من ذلك على شيء، ولو أوصى له بخدمة عبده، أو غلة نخله، أو سكنى داره أو لبن غنمه أو سمنها أو صوفها جاز للورثة أن يصالحوه من ذلك / على شيء يدفعونه إليه ويبرأ لهم من الوصية؛ لأن هذه الأشياء غلات ولها مرجع إلى الورثة، والجنين ليس بلغة، ولا لهم فيه مرجع.
وقد جوز أهل العلم ارتهان غلة الدار والغلام وثمرة النخل الذي لم يبد صلاحها ولم يجوزوا ارتهان الأجنة.
وقد أرخص النبي عليه الصلاة والسلام في بيع العرَّية بخرصها تمراً إلى الجذاذ، ونهى عن بيع الأجنة؛ ولأن من ابتاع هذه الأشياء فاستغلها زماناً، وكانت الغلة قائمة في يديه ثم استحق ذلك من يده فلا شيء

الجزء: 14 - الصفحة: 304

للمستحق من الغلة لقول الرسول عليه الصلاة والسلام: (الخراج بالضمان) وقاله غير واحد من أهل العلم.
ولو استحق امة له لها ولد، أو غنماً وقد ولدت أخذ الولد معها.
م: وقد اعترض ذلك بعض فقهاء القرويين وقال: في هذا نظر؛ لأن من أسكن داراً، أو أخدم عبداً حياته فإنما جاز للمُسَّكنِ أو لورثته أن يشتروا السكنى والخدمة المجهولة ليتصرفوا في الرقاب المعقولة عليهم فكأنهم اشتروا الرقاب فإذا كان وضع الولد يطول فقد صارت الأمة معقولة عليهم فما الذي يمنع من اشتراء ذلك ليملك التصرف في الأمة كما يشتري السكنى المجهولة؟ فإن قيل: إنما ذلك لقرب ولادة الجنين فلا ضرر عليهم في تأخيره مده الحمل.
قيل: قد يحتاجون إلى بيع الأمة] ولا يقدر على ذلك [بسبب حملها فأشبه ذلك من أوصى له بثمرة لم تؤبر أنه جائز للورثة شراؤها من الموصى له لما كانوا غير قادرين على بيع الأصول.
وأما رهن الأجنة فإن كان في عقد البيع فلا يجوز على قول من يرى أن غرر الرهن يفسد البيع، وقد اختلف في ذلك، وأما إن كان بعد عقد البيع فما الذي يمنع من ذلك كما يرهنه آبقاً، أو ثمرة لم تخرج بعد؟ وقد أجاز ابن ميسر رهن الأجنة.

الجزء: 14 - الصفحة: 305

[الباب التاسع]

في الصلح من العيوب على الإنكار

[فصل 1 - في من ابتاع عبداً إلى أجل أو بنقد فقام بعيب فأنكر البائع فصالحه على أن يرد إليه العبد وزيادة] قال مالك - رحمه الله -ومن ابتاع عبداً فطعن فيه بعيب فأنكره البائع فاصطلحا على مال جاز ذلك.
وإن اشتريت عبداً بألف درهم إلى /أجل فاطلعت على عيب به فأنكره البائع، وزعم أنه لم يكن عنده فصالحته منه قبل الأجل على إن رددته إليه مع عبد آخر، أو عرض نقداً، فذلك جائز؛ لأن مالكاً قال: لا بأس أن يشتري الرجل عبداً بذهب إلى أجل ثم يستقيل قبل الأجل على أن يرد العبد ويرد معه عرضاً نقداً، وإنما كره أن يرد معه دنانير أو دراهم نقداً قبل الأجل، ويدخله إن رد معه دراهم بيع وسلف من المبتاع للبائع، ويقبض المبتاع السلف من نفسه إذا حل أجل ما عليه من الدراهم

الجزء: 14 - الصفحة: 306

وإن رد معه دنانير دخله تأخير الصرف.
ولو حل الأجل جاز أن يرد مع العبد عرضاً، أو يرد معه عيناً من جنس ما عليه من الثمن.
م: هكذا نقلها أبو محمد وهو أصوب.
وقال في المدونة: جائز أن يزيده مع العبد عرضاً أو دنانير أو دراهم، وإنما يعني إن كان البيع الأول بدنانير زاده دنانير وإن كان بدراهم زاده دراهم، ولا يجوز أن يكون البيع الأول بدنانير فيزيده دراهم مع العبد فيدخله الآن بيع عبد ودراهم بالدنانير التي كانت عليه، إلا أن تكون دراهم يسيرة أقل من صرف دينار فيجوز، وكذلك إن كان البيع بدراهم لم يجز أن يزيده مع العبد دنانير إلا أن يزيده معه أقل من صرف دينار.
قال ابن القاسم: ولا يجوز تأخير شيء من الزيادة فيدخله البيع والسلف في زيادتنا العين، والدين بالدين في زيادة العرض.
قال غيره: فإن اصطلحا على أن زاده البائع عرضاً أو عبداً نقداً ولم يفت العبد جاز، وكأنهما في صفقة أو استقالة فزاده، وأما إن زاده البائع دراهم نقداً لم يجز وذلك سلف من البائع له، ولو زاده البائع دنانير نقداً لم يجز؛ لأنه بيع عبد وذهب بفضة إلى أجل، وكذلك إن كان البيع بدنانير إلى أجل لم يجز أن يزيده البائع دراهم نقداً فيصير بيع عبد ودراهم نقداً بدنانير إلى أجل.
م: ولو استقالة البائع في العبد على أن يزيده البائع دنانير أو دراهم أو عرضاً نقداً أو مؤجلاً جاز م: لأن ثمن العبد أولاً وما يزيده البائع الآن من عين أو عرض كل ذلك خارج من يد البائع الأول دفعه في العبد الذي استقال منه فهو جائز، وقد قدمنا هذا في مسألة حمار ربيعة في كتاب الآجال، وهو لابن المواز، وهي هذه المسألة بعينها

الجزء: 14 - الصفحة: 307

ومن كتاب الصلح قال: وإن فات العبد بعتق أو موت أو تدبير وقد ابتاعه بدراهم مؤجلة لم يجز أن يزيده البائع دراهم نقداً؛ لأنها سلف للمبتاع يردها فيما عليه إلى أجل، وإنما ينبغي أن يضع عنه حصة العيب مما عليه قِصاصاً.
م: وذكر عن أبي محمد أنه قال: لا أدري ما معنى قول غيره.
إنه سلف للمبتاع؛ لأنه إذا كانت الدراهم التي يعطيه البائع نقداً وقد فات العبد فما يمنع عندي من سلفها شيء إلا أن يعطيه دراهم أقل من حصة العيب فيتهم البائع في دفع قليل في كثير والله أعلم.
وحكي عن الشيخ أبي الحسن أنه قال: إنما منع من ذلك؛ لأنه دفع بما أعطاه خصومة المبتاع في قيمة العيب إذ لو لم يرض بتعجيل هذه الدراهم لأمكن ألا يوافقه على قيمة العيب فإذا أمكن ذلك صار سلفاً جر نفعاً.
م: ومع هذا الاعتلال لا يجوز، سواء كان المدفوع مثل حصة العيب أو أقل أو أكثر.
م: وهو أحسن من تأويل أبي محمد

الجزء: 14 - الصفحة: 308

[فصل 2 - المصالحة بعد العقد على البراءة من عيوب العبد] ومن المدونة قيل: لابن القاسم في من باع عبداً من رجل ثم صالحه بعد العقد من كل عيب به على دراهم دفعها إليه.
قال: قول مالك أن المتبري في العقد من كل عيب بالعبد أو مشش بالدابة أنه لا يبرأ حتى يريه ذلك أو يبينه، وإلا لم ينفعه في ذلك البراءة، ويجب القيام للمبتاع بما ظهر من عيب.
م: الذي في المدونة من كل عيب بالدابة أو مشش بها، وفي المختصر من كل عيب بالعبد أو مشش بالدابة وإنما يصح ذلك على قول مالك الذي قال فيه: لا تنفع البراءة في رقيق ولا غيره، أو يكون عيباً يعلمه البائع فهذا لا يبرأ منه حتى يبينه، وأما على / قوله الذي أجاز فيه البراءة من عيوب الرقيق التي لا يعلمها البائع فيجوز أن يبرأ منها بعد العقد، وعلى هذا يدل جوابه في المدونة؛ لأنه إنما ذكر عيب الدابة وحدها فدل أن العبد بخلافها.
وقد قال ابن حبيب في من باع دابة أو جارية، فتم البيع بينهما، ثم وضع عن المبتاع ديناراً لعيوبها: لم يجز ذلك في الدابة؛ لأنه خطر.
ويرد المبتاع الدينار، فإن وجد عيباً فله الرد، ويجوز ذلك في الجارية لجواز بيعها بالبراءة.
وما جاز أن يضم مع البيع في عقده جاز بعد البيع أن يلحق به.

الجزء: 14 - الصفحة: 309

[الباب العاشر]

في من صالح عن غيره وما يحل ويحرم في الصلح من معاني البيوع والصرف

[فصل 1 - المصالحة عن المديان أو المرأة بغير أمرهما] قال ابن القاسم: ومن قال لرجل: هلمَّ أصالحك من دينك الذي على فلان بكذا، ففعل لزم فلانا الصلح، ولزم المصالح ما صالح به، وكذلك قال مالك في من أتى إلى رجل فصالحه عن امرأته بشيء مسمى أن الصلح لازم للزوج، ويلزم المصالح ما صالح به وإن لم يقل أنا ضامن؛ لأنه إنما قضى عن الذي عليه الحق.
فصل [2 - المصالحة على ألف درهم نقداً بمئة] فإن كان لك على رجل ألف درهم نقداً فصالحته على مئة درهم ثم فارقته قبل أن تقبضها جاز ذلك.

الجزء: 14 - الصفحة: 310

[فصل 3 - يمنع في العروض والطعام من سلم المصالحة على رأس ماله] ومن له على رجل دين عرض أو طعام من سلم فصالحه على رأس ماله ثم فارقه قبل قبضه لم يجز م: فيدخله الدين وبيع الطعام قبل قبضه.
فصل] 4 - المصالحة على الدراهم الجياد بالمحمول عليها نحاس أو البهرجة [ وكره مالك أن يصالح الرجل من دراهم له جياد على زيوف - وهي المحمول عليها نحاس - أو بدراهم نبهرجة وقال: أكره البيع بها والشراء وإن بَّين، وأرى أن يقطع.
قال ابن القاسم: ولا أعلم الذي كره مالك من بيعها وشرائها إلا للصيارفة ولا أدري أكره بيعها لجميع الناس أم لا؟ والذي سألته عنه في الصيارفة.
قال ابن القاسم: وأنا أرى الصلح بها جائز إذا لم يَغرُ بها أحداً وكان يقطعها.

الجزء: 14 - الصفحة: 311

فصل [5 - إذا أخذ عرضاً عن دين هل يبيع مرابحة ولا يبين؟] وإن كان لك على رجل دين حال فأخذت به عبداً، أو جحدكه فصالحته منه على عبد فلا تبعه / مرابحة حتى تبين، وقد تقدم هذا في كتاب المرابحة.
وهناك مسألة من ابتاع ثوبين في صفقة وصفتهما واحدة أنه لا يبيع أحدهما مرابحة، ولو كانا من سلم جاز أن يبيع أحدهما مرابحة، وأما ما يكال أو يوزن من الطعام والعروض فإنه يجوز أن يبيع نصفه مرابحة كان بعينه أو من سلم، وفي المرابحة إيعاب هذا.
فصل] 6 - المصالحة من طعام قرض على دراهم [ قال ابن القاسم: ومن لك عليه طعام من قرض فصالحته منه على دراهم أو غيرها فلا تؤخره بها، فإن تأخر ذلك أو بعضه حتى فارقك لم يجز؛ لأنه دين بدين، وترد الدرهم ويبقى لك الطعام بحاله، ولا يجوز من ذلك حصة النقد إلا أن يكون افتراقكما شيئاً قريباً مثل أن تذهب معه إلى البيت أو السوق إليك فلا بأس بهذا.

الجزء: 14 - الصفحة: 312

وكذلك قال مالك في من عليه دنانير فأخذت بها طعاماً فتأخر كيله إلى غدٍ ليأتي بدواب ونحوها فلا بأس به.
فصل] 7 - المصالحة على طعام قرض وعشرة دراهم بأحد عشر درهماً نقداً [ ومن لك عليه طعام من قرض وعشرة دراهم فصالحته على أحد عشر درهماً نقداً فذلك جائز م: يريد إن كانت الدراهم التي لك عليه حالة؛ لأنك بعت منه الطعام القرض بدرهم، وبيعه جائز حل أو لم يحل، وأخذت عشرة قضاء من دراهمك الحالة.
ولو كانت الدراهم التي لك عليه لم تحل حل أجل الطعام أو لم يحل؛ لأنه ابتاع منك الطعام على إن عجل لك العشرة دراهم فذلك بيع وسلف.
قال ابن القاسم: وإن كان الطعام من بيع لم يجز؛ لأنه بيع الطعام قبل قبضه.
فصل] 8 - الصلح من مئة درهم ومئة دينار على مئة دينار ودرهم [ ومن لك عليه مئة دينار ومئة درهم حالة، فصالحته من ذلك على مئة دينار ودرهم فذلك جائز؛ لأنك أخذت الدنانير قضاء من دنانيرك، وأخذت درهماً من دراهمك، وهضمت باقيها، بخلاف التبادل بها نقداً وذلك صرف فلا يجوز ذهب

الجزء: 14 - الصفحة: 313

وفضة بمثلهما يداً بيد عدداً ولا مراطلة إذ لكل صنف حصة به من الصنفين.
وقد قال الرسول عليه الصلاة والسلام: «الذهب بالذهب مثلاً بمثل» فلا يجوز أن يكون معها، ولا مع أحدهما فضة ولا غيرها.
م: وسواء أخذ منه الدرهم نقداً أو أخر به، أو أخذ منه المئة دينار نقداً أو أَخَّره بها؛ لأنه لا مبايعة هاهنا وإنما هو قضاء وحطيطة فلا تهمة في ذلك، ولو أخذ منه مئة دينار وديناراً نقداً، جاز لأن المئة قضاء والدينار بيع بالمئة درهم، ولو تأخر الدينار لم يجز؛ لأنه صرف مستأخر، ولو نقد الدينار وأخر المئة لم يجز؛ لأنه بيع وسلف.
قال ابن القاسم: وإن صالحته على مئة درهم مؤخرة وعشرة دراهم نقداً لم يجز شيء منه؛ إذ لما تأخر حصة من الذهب والفضة وهذا صرف، ويدخله بيع وسلف.

الجزء: 14 - الصفحة: 314

م: وكأنه باعه المئة دينار بالعشرة دراهم النقد وأسلفه المئة الدرهم التي عليه، فهو بخلاف الأول.
فصل] 9 - المصالحة على عشرة دنانير مُدَّعَاة بمئة درهم يتأخر بعضها [ وإن ادعيت على رجل عشرة دنانير فصالحته على مئة درهم، أو صرفت منه عشرة دنانير نقدتها بمئة درهم، فدفع إليك منها خمسين في الوجهين، ثم فارقته قبل أن تقبض ما بقى، لم يجز لا حصة ما نقد ولا ما لم ينقد.
وكذلك لو أسلمت إلى رجل مئة دينار في طعام إلى أجل، فدفعت إليه خمسين وأخرك بخمسين إلى أجل الطعام، فذلك كله يبطل.
ولا يجوز حصة ما نقد ولا حصة ما لم ينقد؛ لأنها صفقة واحدة فإذا بطل بعضها بطل جميعها.
فصل] 10 - الرجل يصرف دنانير بدراهم فيصيب منها دراهم زيوفاً [ وإن صرفت دنانير بدراهم فأصبت منها درهماً زائفاً انتقض صرف دينار، وإن أصبت أكثر من صرف دينار بشيء وإن قل انتقض صرف دينارين، فإن زاد فعلى ما بيَّنا، وهذا بخلاف الأول؛ لأن هذا صرف صحت عقدته، ولو رضي

الجزء: 14 - الصفحة: 315

الردية تم جميعه.
والذي لم ينتقد إلا خمسين وقعت الصفقة فاسدة كلها، وهو موعب في كتاب الصرف.
فصل] 11 - في الرجل يصالح غريمه من دين له عليه لا يدري كم هو؟ [ ومن المدونة وإن كان لك على رجل دراهم نسيتما مبلغها جاز أن تصطلحا على ما شئتما من ذهب أو ورق أو عرض نقداً، وتتحالا ومغمز التقية فيه سواء، ولا يجوز تأخير ما تصالحه عليه؛ لأنه يدخله الخطر، والدين بالدين في أخذك العرض.
م: قال بعض فقهائنا القرويين: إذا صالحه على ما لا يشك أنه مثل السكة، وأقل من الوزن إلى أجل جاز.
وفي كتاب محمد إذا قضاه ما يعلم أنه مثل عينه وجودته فلا بأس به كان أقل أو أكثر.
م: يريد نقداً.
ولا يجوز أكثر إلى أجل؛ لأنه تأخير بزيادة.
وقال أشهب: إذا لم يعلم وزن الدراهم المستهلكة فلا بأس أن يصالحه على دراهم ما كان؛ لأنهما لم يتعمدا وجه المخاطرة والقمار، وإنما اضطرا إلى ذلك.

الجزء: 14 - الصفحة: 316

م: يريد إذا نقده، ولا يجوز إلى أجل إذ قد يعطيه أكثر من حقه، وقول ابن القاسم أصوب؛ لأنه إذا أعطاه من غير الجنس فقد يعطيه أدون أو أكثر وزناً، أو أجود وأقل وزناً، وذلك لا يجوز.
م: وقال بعض فقهائنا: وإذا اصطلحا في هذه المسألة على شيء ثم تقايلا في ذلك الصلح لم يجز؛ لأنهما يرجعان من معلوم ثبت بينهما إلى أمر مجهول.
م: وكذلك كل متصالحين على الإنكار لا يجوز لهما أن يتقايلا فيما اصطلحا عليه ويرجعان إلى الخصوم، فلا يجوز ذلك.
وقاله مطرف وأصبغ.
فصل] 12 - في الرجل يدعى قبل رجل حقاً فيصالحه على ثوب على أن يصبغه أو على عبد على أنه بالخيار ثلاثاً [ ومن المدونة قال ابن القاسم: وإن صالحته من دين لك عليه على ثوب على أن عليه صبغة، أو على عبد أنت فيه بالخيار ثلاثاً لم يجز، ويفسخ ذلك، وهو دين بدين؛ ولأن كل دين لك على رجل فلا تفسخه إلا فيما تتعجل قبضه.
وقاله مالك م: أما فسخك ما كان لك من دين على رجل في شيء في ذمته فلا يجوز؛ لأنه فسخ الدين في الدين وهو حرام، وأما أن تفسخه في شيء معين فهو أخف، ومكروه أنك انتفعت بتأخيره في ثمن ما فسخته فيه فهو من باب سلف جر نفعاً.

الجزء: 14 - الصفحة: 317

فصل [13 - إذا أشهدت أنه إذا أعطاك من الألف الحالَّة عليه مئة سقط الباقي لزمكما ذلك] قال مالك: ومن كان لك عليه ألف درهم حالة، فأشهدت له أنه إن أعطاك مئة من الألف الحالة إلى شهر فباقيها ساقط عنه، وإن لم يفعل فالألف كلها / لازمة له فذلك جائز ولكما لازم.
] فرع [ قال ابن حبيب: قال مطرف عن مالك في من قال: لغريمه إن عجلت حقي اليوم أو إلى شهر فلك وضيعة كذا، فيعجله للوقت إلا درهماً أو الشيء التافه أو بعد الوقت بيوم أو أمر قريب، أن الوضيعة لازمة له.
قال مطرف: كقول مالك في المسلم إليه في الضحايا يأتي بها بعد أيام الأضحى بيوم أنها لازمة وإن تباعد ذلك بالأيام، وما بعد فهو مخير في قبولها أو ردها ويأخذ رأس ماله.
ومال أصبغ في الوضيعة: لا يلزمه إذا جاء بالحق بعد الوقت باليوم أو ناقصاً درهماً.
وقول مطرف أحب إليَّ، وقال عيسى في العتبية كقول أصبغ أن له شرطه.
م: جيد لقول النبي صلى الله عليه وسلم: «المسلمون عند شروطهم» ويدخل هذا الاختلاف في مسألة الأضاحي والله أعلم.

الجزء: 14 - الصفحة: 318

فصل [14 - الصلح على ترك رد اليمين] ومن سماع ابن القاسم في من له على رجل دراهم، فصالحه على أن يعطيه خمسة دراهم في كل شهر، على أنه إن ادعى المطلوب أنه دفع إليه شيئاً من ذلك بلا بينة أنه لا يمين له على الطالب.
قال: لا يلزمه هذا الشرط، وله عليه اليمين إذا جحده.
م: وهذه مثل الأولى، وينبغي أن يكون له شرطه؛ ولأنه أمر كان يقدر على الاحتراز منه والله أعلم.
وقد تقدم هذا.
م: وقال بعض فقهاء القرويين في مسألة الأضاحي فيها نظر؛ لأن السلم متعلق بالذمة لا يصح أن يتعلق بوقت إن لم يقضه فيه فسد، كما لو أسلم إليه في شده فعجز عن الأداء حتى جاء الرخاء لم يكن للذي له السلم حجة في فسخ السلم بل لو شرط إن لم يأت بالسلم فيه بطل السلم، وأخذ رأس المال لكان السلم فاسداً ولا فرق بين أن يأتي بالأضاحي بعد أيام الأضحى بيوم أو بشهر؛ لأن غرض الناس قد مضى في الوجهين إذا التغالي فيها إنما هو ما دامت أيام الأضحى قائمة بل لو قيل أنها بعد أيام الأضحى بيوم أكسد منها بعده بشهر لكان أولى لاستغنى الناس بلحوم أضاحيهم فإذا / جاز أن يلزمه بعد أيام الأضاحي بالقرب جاز أن يلزمه في البعد.
م: والقياس عندي ألا يلزمه أخذها إذا أتى بها بعد الأضحى في قرب أو بعد؛ لأنه إنما أرادها ليضحي بها فقد فاته، كما لو أكرى منه إلى الحج فأتاه بدابة بعد

الجزء: 14 - الصفحة: 319

فوات الخروج إلى الحج أن ذلك لا يلزمه، وينفسخ الكراء لفوات إبانه فكذلك الأضحى، والله أعلم.
قال: والتارك عن غريمه إنما يتركه بشرط أن يوفي ما شرط من غير مطل، فإذا بقيت له بقية أو لم يأته به في الوقت المشترط لم يلزمه الترك؛ إذ قد يكون عليه دين حلف ليقضينَّه ذلك اليوم فلذلك أسقط بعض حقه، فإذا أخلفه ما شرط عليه لم تلزمه الوضيعة إلا أن يفهم أن غرضه ألا يكثر مطلة وأن لا يحبس جل حقه فيكون متى بقي الدرهم ونحوه لا يعد شيئاً، وليس هو الذي ترك من أجله فيكون لهذا وجه ويكون إتيانه به بالقرب مثل إتيانه به عند حلول الأجل.
وفي كتاب ابن حبيب إذا قال أحد الخصمين للآخر إن لم أوافك عند السلطان فكراء دابتك عليَّ، وكان الإمام في بعد، فذلك يلزمه.
وقاله مطرف وابن الماجشون وأصبغ.
م: صواب؛ لأنه أدخله في غرم ماله بوعده، فإذا أخلفه لزمه غرم ما وجب له على نفسه كمن قال اشتر عبد فلان وأنا أعينك فيه بكذا أو كذا فاشتراه أن ذلك يلزمه؛ لأنه أدخله فيه بوعده.
وبالله التوفيق والحمد لله وحده تم كتاب الصلح من كتاب الجامع بحمد الله وعونه.

الجزء: 14 - الصفحة: 320

فصول الكتاب · 78 فصل
فصول الجامع لمسائل المدونة
المقدمةالمقدمةكتاب الصلاة الأولكتاب الصلاة الثانيكتاب الجنائز من الجامعكتاب الصوم من الجامعكتاب الاعتكافكتاب الزكاة الأولكتاب الزكاة الثاني من الجامعكتاب الحج الأول من الجامعكتاب الحج الثاني من الجامعكتاب الحج الثالث من الجامعكتاب الصيد من الجامعكتاب الذبائح من الجامعكتاب الضحايا من الجامعكتاب العتق الأول من الجامعكتاب المكاتب الأولكتاب السلم الأولكتاب السلم الثانيكتاب السلم الثالثكتاب الصرفكتاب الرهنكتاب بيوع الآجالكتاب البيوع الفاسدةكتاب بيع الخياركتاب المرابحةكتاب اشتراء الغائبكتاب الوكالاتكتاب التجارة إلى أرض الحربكتاب جامع لأبواب متفرقةكتاب العراياكتاب العيوب والتدليسكتاب الصلحكتاب الجوائحكتاب الجعل والإجارةكتاب المساقاةكتاب القراضكتاب الأقضيةكتاب كراء الرواحل والدوابكتاب كراء الدور والأرضينكتاب الشركةكتاب الشهادة الأولىكتاب الشهادة الثانيكتاب الرجوع عن الشهاداتكتاب المديانكتاب الرجوع عن الشهاداتكتاب التفليسكتاب الحمالةكتاب المأذون له في التجارةكتاب اللقطةكتاب الضوالكتاب الإباقكتاب حريم الآبار وإحياء المواتكتاب الغصبكتاب الوديعةكتاب العاريةكتاب العدةكتاب الاستحقاقكتاب الحبسكتاب الصدقةكتاب الهبة والهباتكتاب الهباتكتاب الوصايا الأولكتاب الوصايا الثانيكتابً الوصايا الثالثكتاب الشفعة الأولىكتاب الشفعة الثانيكتاب القسم الأولكتاب القسم الثانيكتاب الفرائض الثانيكتابكتاب المحاربين والمرتدينكتاب القذفكتاب الأشربةكتاب الجراحكتاب الجناياتكتاب الدِّياتكتاب الجامع
جارٍ التحميل