كتاب الصلاة الثاني
[باب - 1 -] في سجود القرآن
وسجد النبي صلي الله عليه وسلم في عزائم سجود القرآن، وروي أن تركه السجود في المفصل آخر فعله، وكانوا يأخذون بالأحدث فالأحدث من فعله.
[فصل-1 - في عدد سجود التلاوة ومواضعها من كتاب الله]
قال مالك رحمه الله: أجمع الناس، وفي رواية أخرى الأمر المجتمع عليه عندنا على أن عزائم سجود القرآن إحدى عشرة سجدة ليس في المفصل منها شيء، وقاله ابن عباس وابن عمر وابن المسيب وغيرهم.
الجزء: 2 - الصفحة: 671
يريد مالك أن الإجماع وقع على هذه العزائم، وأن الاختلاف وقع في غيرها، ولم يرد أنهم أجمعوا أن لا سجود إلا في هذه العزائم كما ظن بعض الناس، فأخطأ في ظنه، فأما المفصل: فلم ير مالك السجود فيه؛ [لأن النبي صلي الله عليه وسلم ترك السجود فيه]، بعد أن كان سجد.
وروي أبو سعيد الخدري وزيد بن ثابت أن النبي صلي الله عليه وسلم كثيراً لم يسجد في النجم بعد ما قام المدينة.
[فصل-2 - عدد سجود التلاوة وبيان مواضعها من كتاب الله]
قال ابن عباس: السجود في إحدى عشرة سجدة، ليس في المفصل منها شيء، وقاله ابن عمر، وهو قول سعيد بن المسيب وعكرمة ومجاهد وسعيد
الجزء: 2 - الصفحة: 672
ابن جبير وطاووس وعطاء.
قال/ مالك في المدونة: وهي في: المص، والرعد، والنحل، وبني إسرائيل، ومريم، والحد، والسجدة أولها، والفرقان، والهدهد، والم تنزيل، وص، وحم تنزيل فصلت، والسجدة في (إن كُنتُمْ إيَّاهُ تَعْبُدُونَ) في قولنا، وقاله /الليث، ونافع أبي نعيم القارئ.
قال ابن حبيب: هذا قول مالك، والذي اري أنها خمس عشرة سجدة، ترك مالك الأخذ منها بأربع: وهي السجدة الآخرة من الحج، وسجدة النجم و (إذَا السَّمَاءُ انشَقَّتْ) و (اقْرا بِاسْمِ رَبِّكَ) وقد ثبت أن النبي صلي الله عليه وسلم سجد فيهن، وأنا
الجزء: 2 - الصفحة: 673
آخذ بذلك اتباعاً لفعل النبي صلي الله عليه وسلم، وفعل الأئمة بعده.
وفي الموطأ أن عمر وابن عمر سجداً في الحج سجدتين، وسجد عمر في "النجم"، وأمر عمر بن عبد العزيز أن يسجد في (إذَا السَّمَاءُ انشَقَّتْ)، قال مالك: وليس العمل عليه.
قال ابن حبيب: ويسجد في الأعراف في آخرها عند قوله عز وجل: (ويُسَبِّحُونَهُ ولَهُ يَسْجُدُونَ)، وفي الرعد (وظِلالُهُم بِالْغُدُوِّ والآصَالِ)، وفي النحل (ويَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ)، وفي سبحان (ويَزِيدُهُمْ خُشُوعًا)،وفي مريم (سُجَّدًا وبُكِيًا)، وفي الحج السجدة الأولى (إنَّ اللَّهَ يَفْعَلُ مَا يَشَاءُ)،
الجزء: 2 - الصفحة: 674
وفي الثانية (وَافْعَلُوا الخَيْرَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ)، وفي الفرقان (وزَادَهُمْ نُفُورًا)، وفي النمل (اللَّهُ لا إلَهَ إلاَّ هُوَ رَبُّ العَرْشِ العَظِيمِ)، وفي ألم تنزيل (وهُمْ لا يَسْتَكْبِرُونَ)، وفي ص (وخَرَّ رَاكِعًا وأَنَابَ)، وقيل: (فَغَفَرْنَا لَهُ ذَلِكَ وإنَّ لَهُ عِندَنَا لَزُلْفَى وحُسْنَ مَآب)، وفي حم تنزيل (إن كُنتُمْ إيَّاهُ تَعْبُدُونَ)، وقاله/ على وابن مسعود رضي الله عنهما، وقال ابن عباس في
الجزء: 2 - الصفحة: 675
قوله: (وهم لا يسئمون)، وكل واسع، والأول أحب إلينا.
وفي النجم في خاتمتها، وكذلك (إذَا السَّمَاءُ انشَقَّتْ)، و (اقْرا بِاسْمِ رَبِّكَ)، وسجود القرآن من السنن المؤكدة، المندوب إليها، وليست بواجبه، ولا حجة لمن أوجبها، بأن الله تعالي مدرح من سجد وذم من لم يسجد بقوله: (وإذَا قُرِئَ عَلَيْهِمُ القُرْآنُ لا يَسْجُدُونَ)؛ لأن هذه الآية إنما نزلت في الكفار، دليله قوله تعالي: (بَلِ الَّذِينَ كَفَرُوا يُكَذِّبُونَ).
[فصل-3: حكم سجود التلاوة].
وقد قال عمر في الموطأ: "إن الله لم يكتبها علينا إلا أن نشاء".
الجزء: 2 - الصفحة: 676
وروي نحو عن النبي صلي الله عليه وسلم ومن قرأ سورة في آخرها سجدة فسجد ثم قام فإن شاء ركع وإن شاء قرأ من الأخرى شيئاً ثم ركع.
ومن المدونة قال مالك: ومن قرأ سجدة في صلاة أو غيرها فأحب إلى أن يسجدها إلا أن يكون في غير إبان صلاة فلا أحب له أن يقرأها حينئذ، وليتعدها إذا قرأ، يريد يتعدي موضع ذكر السجدة خاصة، لا الآية التي هي فيها، وقد قيل: يقرؤها ولا يتعداها، ولا يترك شيئاً من القرآن؛ لأن سجودها ليس بواجب.
قال مالك وأكره أن يخر فيها المتوضئ وليقرأها، وكره له مالك قراءتها
الجزء: 2 - الصفحة: 677
خاصة لا قبلها شيء ولا بعدها شيء في صلاة أو غيرها ثم يسجد لها.
قال مالك: وإن قرأها غير متوضئ أو قرأها متوضئ في غير إبان سجودها نهي عن ذلك، وكذلك من قرأها في صلاة فلم يسجدها فلينه عن ذلك.
قال ابن القاسم: ولا شيء عليه، وكان مالك يستحب لمن قرأها في إبان سجودها أن يسجدها، من غير إيجاب.
قال مالك: ولا بأس أن يقرأ الرجل السجدة بعد الصبح ما لم يسفر بالضياء وبعد العصر ما لم تصفر الشمس، ولا يسجدها كصلاة الجنائز، وإذا أسفر أو تغيرت الشمس فأكره له أن يقرأها حينئذ، فإن فعل لم يسجدها.
ورويعن مالك في/ المختصر والواضحة: أنه لا يسجدها بعد الصبح ولا بعد العصر، وقاله مطرف وابن الماجشون، قالا: ورخص في ذلك بعد
الجزء: 2 - الصفحة: 678
الصبح قبل الإسفار، فأما بعد العصر فلا، كما لا يركع حينئذ لطوافه، ويركع بعد الصبح/ ما لم يسفر.
فوجه قوله: يسجدها بعد الصبح وبعد العصر: كصلاة الجنائز؛ فلأنه اختلف في وجوبها، كما اختلف في صلاة الجنائز، فكانت أقوي من النوافل.
ووجه قوله: لا يسجدها بعد الصبح ولا بعد العصر: قياساً على النوافل، وهو أولى، وكذلك في الموطأ وغيره.
فصل-4: [في من نسي السجدة ثم ذكرها وهوف ي الصلاة]
ومن المدونة قال مالك: وإن قرأها في نافلة فنسي سجودها حتى ركع ورفع رأسه من ركوعه، أو ذكر وهو راكع، فأحب إلى أن يقرأها في الركعة الثانية.
أبو محمد: يريد يقرأ الحمد، ثم الآية التي فيها السجدة فيسجد، ثم يقوم فيقرأ السورة التي مع أم القرآن.
وقال أبو بكر بن عبد الرحمن: بل يقدمها على قراءة أم القرآن،
الجزء: 2 - الصفحة: 679
وإنما يكره أن يقدم قبل أم القرآن ذكراً أو دعاء في الركعة الأولى.
ومن المدونة قال مالك: وإن لم يذكر حتى ركع الثانية من النافلة فذكرها - وهو راكع- تمادي، ولا شيء عليه، إلا أن يدخل في نافلة أخرى.
جعل عقد الركعة إمكان اليدين من الركبتين في أربعة مواضع: أحدها هذه، والثاني: في الذي ذكر سجود سهو قبل الإسلام في فريضة في فريضة أو نافلة وهو راكع أنه/ يتمادي، والثالث: في الذي نسي السورة التي مع أم القرآن فذكر وهو راكع فإنه يتمادي، والرابع في الذي يقدم القراءة على التكبير في صلاة العيدين فيذكر وهو راكع فإنه يتمادي في هذا كله.
الجزء: 2 - الصفحة: 680
ومسألة خامسة وهي إذا نسي الركوع فلم يذكر في ركوع التي تليها، وسادسة في من أقيمت عليه المغرب وهو فيها قد أكن يديه من ركبتيه في ركوع الثانية فرآه ابن القاسم فوتاً في المجموعة، وقال أشهب في العتيبة.
واختلف قول أشهب فقال في المجموعة: ما لم يرفع رأسه من ركوع الثانية فإنه يتمادي.
قال ابن القاسم: ولا يقرأها في فريضة، قال ابن حبيب: فإن قرأها فيها ولم يسجدها، ثم ذكر في الثانية لم يعد قراءتها مرة أخرى بخلاف النافلة، قال ابن حبيب: وقال أيضاً يقرؤها في الثانية ويسجد وإن كانت فريضة، وقاله مالك وأصحابه.
قال ابن حبيب: وإذا جاوز القارئ السجدة بيسير فليسجدها، ويقرأ من حيث انتهي، وإن كان كثيراً رجع إلى السجدة فقرأها وسجدها، ثم رجع إلى حيث انتهي في القراءة.
الجزء: 2 - الصفحة: 681
قال مالك في المجموعة: وإن سجد السجدة ثم سجد معها ثانية سهواً فليسجد/ بعد السلام، قال: ولو سجد في آية قبلها يظن أنها السجدة فليقرأ السجدة في باقي صلاته ويسجد لها ويسجد بعد السلام.
فصل-5 - : [في تلاوة الإمام لسجود التلاوة في ما لا يجهر فيه]
ومن المدونة قال ابن القاسم: وأكره للإمام أن يتعمد في الفريضة قراءة سورة فيها سجدة؛ لأنه يخلط على الناس صلاتهم، قال: وأكره أن يتعمدها الفذ أيضاً في الفريضة، وهو الذي رأيت مالكاً يذهب إليه، وقيل عن مالك: لا يكره للفذ ولا للإمام في مسجد يقل أهله؛ لأنه /لا يخلط عليهم.
قال ابن حبيب: لا يقرأ الإمام السجدة فيما يسر فيه؛ لأنه يخلط عليهم، وأما فيما يجهر فيه فجائز إذا كان من خلفه قليل لا تخفي عليهم قراءته، ولا يخاف أن يخلط عليهم، ورواه مطرف وابن الماجشون عن مالك.
الجزء: 2 - الصفحة: 682
وهذا أصح من رواية ابن القاسم؛ لأن النبي صلي الله عليه وسلم سجدها في الفريضة والنافلة.
قال ابن المواز: وقال أشهب: ولا يقرأ الإمام في الخطبة يوم الجمعة سجدة، فإن فعل فلينزل فيسجد ويسجد الناس معه، فإن لم يفعل فليسجدوا هم، ولهم في الترك سعة؛ لأنه إمامهم، وينبغي أن يعيد قرائتها إذا صلي ويسجد.
وروي على عن مالك في المجموعة: أنه لا ينزل ولا يسجدها، وأن العمل على آخر فعل عمر.
وفي الموطأ أن عمر بن الخطاب رضي الله عنه قرأ السجدة وهو على المنبر يوم الجمعة فنزل وسجد وسجدوا معه، ثم قرأها يوم الجمعة الأخرى فتهيئوا للسجود فقال عمر: على رسلكم إن الله لم يكتبها علينا إلا أن نشاء ولم يسجد ومنعهم أن يسجدوا.
الجزء: 2 - الصفحة: 683
فصل-6 - : [في بعض الأحكام المتعلقة بسجود القرآن).
وفي المدونة قال مالك: ومن قرأ سجدة في الصلاة فليكبر إذا سجدها، وإذا رفع رأسه منها.
واختلف قوله إذا كانت في غير صلاة، فكان يضعف التكبير لها قبل السجود وبعده، ثم قال: أري أن يكبر، قال ابن القاسم: وكل ذلك واسع.
والتكبير أحسن؛ لما روي عمر ان رسول الله صلي الله عليه وسلم كان يقرأ القرآن فإذا مر/ السجدة كبر وسجد؛ ولأنه سجود شرعي فيكبر في أوله والرفع منه، كسجود الصلاة.
قال مالك: ولا يسلم بعدها.
الجزء: 2 - الصفحة: 684
لأن التسليم تحليل من إحرام، ولا إحرام لها كالطواف لما لم يحتج إلى حرام لم يحتج إلى تحليل.
قال مالك: ولا يركع بها في صلاة أو غيرها؛
لأنه إن قصد بها الركعة فلم يسجدها، وإن قصد بها السجدة فهذا أحالها عن صفتها، وذلك غير جائز.
قال ابن القاسم في العتيبة: فإن تعمد الركوع بها أجزأته الركعة في الفريضة والنافلة، ولا أحب له ذلك، وليقرأها في النافلة في الثانية ويسجد، وإن كان ذلك سهواً فذكر وهو راكع فليخر ساجداً، ويقوم، ويبتدئ القراءة.
قال ابن حبيب: ويسجد بعد السلام إذا كان أطال الركوع.
قال ابن القاسم: وإن لم يذكر حتى أتم الركعة ألغاها.
يريد ألغي الركعة؛ لأنه نوي بها السجدة، وكذلك في العتيبة.
يريد ثم يسجد السجدة، ثم يقوم، فيقرأ بشي، ثم يركع ويسجد لسهوه بعد السلام، وروي أشهب عن مالك أنها تجزئه ركعة، وإن ركعها ساهياً عن السجدة، وكذلك ما روي على عن مالك في المجموعة.
قال: ويقرأ السجدة فيما بقي من صلاته، ويسجد بعد السلام، وقاله
الجزء: 2 - الصفحة: 685
المغيرة إلا في سجود السهو.
قال أبو محمد: ينبغي أن يكون معني قوله: ركع ساهياً سهي عن السجدة وقصد الركعة، فأما لوخر إلى السجدة فلما حني صليه على ذلك نسي السجدة، فبقي راكعاً فهذا لا يجزئه؛ لأنه نوي بانحطاطه السجدة التي ليست بفريضة فلا/ تجزئه عن فريضة - والله أعلم - إلا على قول من يري أنه إذا ظن أنه في نافلة، فصلي ركعة، ثم تبين له أنه في فريضة أنها / تجزئة.
وعلى هذا التأويل يكون وفاقاً لقول ابن القاسم، وظهر لي أن الذي أشهب أنه يجزئه، وإن أنحط للسجدة؛ لأنه لم يخالف فعل الركعة، فلا تضره النية لانعقادها في أول الفريضة، وليس عليه تجديدها، في كل / ركعة، وهو مذهبه في الذي يصلي الفريضة فيظن أنه في نافلة فلا يذكر إلا بعد ركعة أن تلك الركعة تجزئة؛ لأن فعل تلك الركعة في الفريضة والنافلة سواء، فلا تضرء النية لانعقادها من أول الفريضة، فمذهبه في السجدة كمذهبه في
الجزء: 2 - الصفحة: 686
الركعة.
والله أعلم.
فصل -7 - : [في سجود التلاوة للقارئ والمستمع]
ومن المدونة قال مالك: وإذا قرأ السجدة من لا يكون لك إمام من رجل -يري من أهل البدع- أو امرأة أوصبي، وهو قريب منك، وأنت تسمع، فلا سجود عليك، قال ابن حبيب، وإن جلست إليه.
قال مالك: ومن قرأ سجدة تلاوة فسجدها، فيس على من سمعها أن يسجدها، إلا أن يجلس إليه.
الجزء: 2 - الصفحة: 687
وكره مالك أن يجلس إليه لا يريد تعليماً، وكره أن يجلس الرجل متعمداً لقراءة القرآن وسجود فيسجد بهم، لا يريد تعليماً، قال: ومن قعد إليه فعلم أنه - يريد قراءة سجدة فليقم عنه، قال في العتيبة: فإن سجد فلا يسجد معه.
قال ابن القاسم: ومن جلس إليه قوم - يريد للتعليم - فقرأ سجدة فلم يسجدها فليسجد من جلس إليه.
لأن سجود القرآن سنة مندوب إليها فعلى من قرأها أو سمع القراءة أن يسجدها، فليس ترك القارئ لها يسقطها عن السامع.
قال ابن حبيب: وقال مطرف وابن الماجشون وابن عبد الحكم وأصبغ: لا يسجد إلا أن يسجدها قارئها، قال: ولو كان كما قال ابن القاسم لزمهم إذا تركها الإمام في صلاته بهم أن يسجدونها دونه، ولكن إنما يسجدون
الجزء: 2 - الصفحة: 688
بسجوده ويتركون بتركه.
وروي ابن وهب في المدونة "أن رجلا قرأ سورة فيها سجدة عند رسول الله صلي الله عليه وسلم فسجد فسجد معه رسول الله صلي الله عليه وسلم، ثم قرأ آخر فلم يسجد وانتظره رسول الله صلي الله عليه وسلم أن يسجد فلم يسجد، فقال الرجل: يا رسول الله قرأت السجدة فلم تسجد، فقال رسول الله صلي الله عليه وسلم: كنت إماماً فلو سجدت سجدت معك.
وهذا أصوب من قول ابن/ القاسم؛ للحديث المذكور.
قال ابن حبيب: وإذا مر المعلم والمتعلم بسجدة فقال ابن القاسم: يسجدان أول مرة، ثم قال: لا يسجدان بعد، وقال ابن عبد الحكم وأصبغ: ليس ذلك عليهما أولاً ولا آخراً.
فوجه قول ابن القاسم: فلأن السجود مندوب إليه فيستحب لقارئه والمستمع له أن لا يتركه، فإذا تكرر ذلك عليهما استخف لهما تركه، إذ ليس بواجبه، كوضوء الجنب للنوم إنه إذا أحدث لم يكن عليه إعادة الوضوء؛ لأن ذلك يتكرر عليه، فكذلك هذا.
الجزء: 2 - الصفحة: 689
ووجه قول ابن عبد الحكم وأصبغ: أنه لما كان ذلك يكثر على المعلم والمتعلم استخف له تركه.
ومن المدونة قال مالك: ويقام الذي يقعد في المساجد يوم الخميس أو غيره لقراءة القرآن.
ومن العتيبة قال: والقراءة في المسجد محدثة ولن يأتي آخر هذه الأمة بأهدي مما كان عليه أولها، والقرآن حسن.
قيل: فالنفر في المسجد إذا / خف أهله جعلوا رجلاً حسن الصوت يقرأ لهم فكرهه مالك، قيل: فقول عمر لأبي موسي الأشعري: ذكرنا ربنا، قال: ما سمعت بهذا قط، وكره القراءة بالألحان، وقال: اتخذوا ذلك لأكل الدراهم عليه، وكره اجتماع القراء يقرؤون في سورة واحدة، وقال: لم يكن من عمل الناس ورأها بدعة.
الجزء: 2 - الصفحة: 690
[باب-2 -] في حمل المصحف وحليته وتحزيبه. وقراءة القرآن للجنب والحائض
قال الله تعالى: (إنَّهُ لَقُرْآنٌ كَرِيمٌ فِي كِتَابٍ مَّكْنُونٍ لا يَمَسُّهُ إلاَّ المُطَهَّرُونَ)،وقال (فِي صُحُفٍ مُّكَرَّمَةٍ مَرْفُوعَةٍ مُّطَهَّرَةٍ).
وفي كتاب عمرو بن حزم الذي كتبه له رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ((أن لا يمس القرآن إلا طاهر)).
[فصل-1 - : لا يحمل المصحف إلا متوضئ]
ومن المدونة قال مالك: ولا يحمل المصحف غير متوضئ لا على
الجزء: 2 - الصفحة: 691
وسادة ولا بعلاقة، إلا أن يكون في تابوت أو خُرج أو نحو ذلك، فيجوز أن يحمله غير المتوضئ، أو يهودي أو نصراني.
قال ابن القاسم: لأن الذي يحمل المصحف على وسادة/ أراد حملانه لا حملان ما سواه، والذي يحمله في التابوت والغرارة والخرج، ونحو ذلك، إنما أراد حملان ما سواه؛ لأن ذلك/ مما يكون فيه المتاع مع المصحف.
[فصل-2 - في حكم مس المصحف على غير وضوء للتعليم]
قال مالك في المختصر: وأرجو أن يكون مس الصبيان للمصاحف؛ للتعليم وهو على غير وضوء خفيفاً، ولا بأس بإمساكهم الألواح، قال مالك في العتبية: استخف للرجل والصبي يتعلم القرآن إمساك اللوح فيه القرآن على غير وضوء.
قال ابن القاسم: وكذلك المعلم يشكل ألواح الصبيان.
وقال ابن حبيب: يكره ذلك للرجال ويستخف للصبيان مس الأجزاء كالألواح، ويكره لهم مس المصحف الجامع، إلا على وضوء.
وقال
الجزء: 2 - الصفحة: 692
أشهب عن مالك في العتبية: لا أرى لغير المتوضئ مس اللوح فيه القرآن.
م اختصار خذا الاختلاف: قول: إنه لا يكره لمعلم أو متعلم من رجل أو صبي مس اللوح فيه القرآن على غير وضوء، قول: إنه يكره ذلك لهم، وقول: إنه يكره للرجال دون الصبيان، واستخف للصبيان مس المصحف للتعليم، وقول: يكره لهم مس المصحف الجامع.
[فصل-3 - في حكم تعليق بعض القرآن على الصبي والحائض]
قال مالك في العتبية: ولا بأس بما يعلق على الحائض والصبي في العنق من القرآن إذا خرز عليه جلداً أو جعل في شيء يكنه، ولا يعلق وليس عليه
الجزء: 2 - الصفحة: 693
شيء، وما رأيت من يفعله، ولا بأس أن يكتب ذلك للحبلى أو شيء من ذكر الله وأسمائه يعلق عليها، فأما ما لا يعرف، والكتاب العبراني والعقد في الخيط، فأكرهه.
[فصل-4 - : الجنب يكتب في صحيفة آية من القرآن]
قال في سماع ابن القاسم في الجنب يكتب على الصحيفة بسم الله الرحمن الرحيم ومواعظ وآية من القرآن: أنه لا بأس به، قيل: فتقرأ الكتاب الذي يعرض عليك وفيه آيات من القرآن، فقال: لا بأس به وأرجو أن يكون خفيفاً.
[فصل-5 - : في تزيين المصاحف وتشكيلها.
وجعلها أسداساً وأسباعاً]
قال ابن القاسم: وكره مالك تزيين المصاحف بالخواتم، وأن تعشر بالحمرة، وقال: تعشر بالسواد، ولا بأس أن تحلى بالفضة، ولا بأس أن يشكل منها ما يتعلم فيه الغلمان، فأما أمهات المصاحب/ فلا، وكره أن يكتب القرآن
الجزء: 2 - الصفحة: 694
أسداساً أو أسباعاً، وقال: قد جمعه الله/، وهؤلاء يفرقونه.
[فصل-6 - في حكم قراءة القرآن عن ظهر قلب للحائض والجنب ومن كان على غير وضوء]
قال أبو محمد: قال مالك: ولا يقرأ القرآن الجنب القرآن إلا الآية والآيتين عند أخذ مضجعه أو يتعوذ لارتياع ونحوه لا على جهة التلاوة، فأما الحائض فلها أن تقرأ لطول أمرها، فإنها لا تملك طهرها- يريد- فإن طهرت ولم تغتسل بالماء فلا تقرأ حينئذ؛ لأنها قد ملكت طهرها.
وفي كتاب الوضوء من هذا قال مالك: وللطاهر الذي على غير وضوء أن يقرأ ما بدا له ما لم يمس المصحف.
الجزء: 2 - الصفحة: 695
[باب-3 -] في سترة المصلي والمرور بين يديه
.
[فصل-1 - في سترة المصلي].
قال مالك: وقال الرسول - صلى الله عليه وسلم -: ((يستر المصلي مثل مؤخرة الرحل يحطه بين يديه)) قال ذلك يوم غزوة تبوك.
قال مالك: وهو من نحو عظم الذراع- يريد- في الارتفاع.
قال: وإني لأحب أن يكون في مثل جلة الرمح أو الحربة.- يريد- في غلظة.
وقال النبي - صلى الله عليه وسلم -: ((إذا صلى أحدكم فليصل إلى سترة وليدن من سترته، فإن الشيطان يمر بينه وبينها)).
وقد صلى النبي - صلى الله عليه وسلم - إلى بعيره، وفعله ابن
الجزء: 2 - الصفحة: 696
عمر.
وروي أن النبي - صلى الله عليه وسلم - كان يصبي وبينه وبين القبلة قدر ممر الشاة.
قال بعض القرويين: معنى هذا الحديث: أنه إذا سجد كان بينه وبين القبلة قدر ممر الشاة المعنى: إذا وقف يكون بينه وبين القبلة قدر ممر الشاة.
وقال بعض أصحابنا: وهذا التأويل حسن، ولو أن المراد إذا وقف يكون بين القبلة وبين رجليه قدر ممر الشاة لكان يحتاج إذا أراد السجود أن يتأخر يسيراً وذلك عمر.
قال أبو محمد وفي حديث ((قدر ثلاثة أذرع.
والله أعلم.
فإذا تؤول الحديث الأول اتفق معنى الحديثين، والله أعلم.
قال مالك في المجموعة: وإذا استتر الإمام برمح فسقط فليقمه إن خف، وإن شغله عن الصلاة فليدعه.
قال عيسى عن ابن القاسم: ومن صلى على مكان مشرف فإن كان يغيب عنه رؤوس الناس، وإلا جعل سترة/ والسترة أحب إليّ.
الجزء: 2 - الصفحة: 697
ومن المدونة قال مالك: الخط باطل، لا أعرفه.
قال أبو محمد/ وصورته عند من يذهب إليه أن يخط خطاً من القبلة إلى دبر القبلة عوضاً من السترة.
قال مالك: ولا بأس أن يصلي في السفر إلى غير السترة.
وقد صلى النبي - صلى الله عليه وسلم - إلى الفضاء.
قال مالك: ولا يصلي في الحضر إلا إلى سترة.
قال ابن القاسم: إلا أن يكون في الحضر بموضع يأمن فيه أن لا يمر بين يديه أحد مثل الجنازة يحضرها فتحضره الصلاة خارجاً، ونحو ذلك، فلا بأس أن يصلي إلى غير سترة.
قال مالك: ولا بأس أن ينحاز الذي يقضي بعد سلام الإمام إلى ما قرب منه من الأساطين بين يديه، وعن يمينه، وعن يساره، وإلى خلفه يقهقر قليلاً ليستتر بها إذا كان ذلك قريباُ، فإن لم يجد ما يقرب منه صلى مكانه،
الجزء: 2 - الصفحة: 698
وليدرأ ما يمر بين يديه ما استطاع.
قال مالك: والسترة قدر مؤخرة الرحل في جلة الرمح، قيل له: فإن كان السوط ونحوه؟ فكرهه، وقال: لا يعجبني.
فصل-2 - : [في المرور بين يدي المصلي]
قال مالك: ولا أكره أن يمر الرجل بين الصفوف والإمام يصلي؛ لأن الإمام سترة لهم، وإن لم يكونوا إلى سترة، وكذلك من رعف أو أصابه حقن/ فليخرج عرضاً، ولا يرجع إلى عجز المسجد، ولو ذهب إلى عجز المسجد لبال فبل أن يخرج.
قال: وكان سعد بن أبي وقاص يمشي بين الصفوف عرضاً حتى يقف في مصلاه.
ابن وهب: وفعله ابن عباس والنبي - صلى الله عليه وسلم - يصلي بالناس، ولم
الجزء: 2 - الصفحة: 699
ينكر عليه أحد.
وروي أن الرجل إذا أحرم قام الإحرام من الأرض إلى السماء فأي شيء يقطعها.
قال مالك: ولا يقطع الصلاة شيء مما يمر بين يدي المصلي، خلافاً لمن قال: يقطعها الحائض والحمار والكلب الأسود.
ابن وهب: وقد قال الرسول - صلى الله عليه وسلم -: ((لا يقطع الصلاة شيء))، وكذلك روى مالك في الموطأ أن علي ابن أبي طالب وابن عمر رضي الله عنهم قالا: ((لا يقطع الصلاة شيء مما يمر به يدي المصلي)).
قال مالك: وإن كان عن يمين المصلي رجل وعن يساره رجل فأراد الذي عن
الجزء: 2 - الصفحة: 700
يمينه أن يناول ثوباً للذي على يساره من بيني يديه لم يصلح ذلك/ ولا يصح أن يناوله المصلي نفسه الثوب أو البو.
قال: لأنه يكره أن يمر بين يدي الإمام بثوب أو بو.
قال: أو إنسان أو غير ذلك.
وروى ابن وهب/ أن قطاً أراد أن يمر بين يدي رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وهو يصلي فحسبه برجله.
قال مالك في الموطأ: أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال: ((إذا كان أحدكم يصلي، فلا يدع أحداً يمر بين يديه وَليَدرأه ما استطاع، فإن أبى فليقاتله، فإنما هو شيطان)).
وقال أبو جُهَيم: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: ((لو يعلم المار بين يدي
الجزء: 2 - الصفحة: 701
المصلي ماذا عليه، لكان أن يقف أربعين خيراً له من أن يمر بين يديه)).
قال أبو النضر: لا أدري أقال: أربعين يوماً أو شهراً أو سنة؟.
وقال كعب الأحبار: لو يعلم المار بين يدي المصلي ماذا عليه لكان أن يخسف به خيراً له من أن يمر بين يديه.
قال أشهب في المجموعة: إذا مر بين يديه شيء في بعد منه فليرده بالإشارة، ولا يمشي إليه، فإن فعل وإلا تركه، وإن قرب منه فدرأه فلم يفعل.
فلا ينازعه، فإن ذلك شيطان، والمشي إليه أشد من ممره، فإن مشى إليه أو نازعه لم تفسد صلاته.
قال ابن نافع عن مالك: يمنعه بالمعروف، وقد درأ رجل رجلاً فكسر أنفه، فقال له عثمان بن عفان رضي الله عنه: لو تركته لكان أهون من
الجزء: 2 - الصفحة: 702
هذا.
قال ابن شعبان: في مثل هذا تكون الدية على العاقلة.
الجزء: 2 - الصفحة: 703
[باب-4 -] جامع القول في جمع الصلاتين ليلة المطر وفي المرض والسفر
.
[فصل-1 - في جمع الصلاتين في ليلة المطرأ.
روي أن الرسول - صلى الله عليه وسلم - جمع بين المغرب والعشاء ليلة المطر.
قال ابن قسيط: الجمع ليلة المطر سنة، وقد صلاها أبو بكر وعمر وعثمان رضي الله عنهم على ذلك.
قال مالك: يجمع أهل الحضر بين المغرب والعشاء في المساجد في المطر، ويجمعون أيضاً إذا كان طين وظلمة، وإن يكن مطر.
قال في العتبية: وإذا كان المطر لا ينقطع، وليس لتعجيلهم منفعة لدوامه فلا بأس أن يجمعوا.
قيل: فإن فيهم قريب الدار إذا خرج منها: دخل المسجد؟ قال: أرى أن يجمع القريب والبعيد.
قال يحيى بن عمر: ويجمع معهم المعتكف.
الجزء: 2 - الصفحة: 704
م إنما أبيح ذلك لقريب الدار والمعتكف؛ لإدراك فضل الجماعة، وقد/ جمع النبي - صلى الله عليه وسلم - بأصحابه، وفيهم القريب والبعيد/.
وقد قال - صلى الله عليه وسلم -: ((صلوا كما رأيتموني أصلي)).
ك واختلف في المرأة يكون بيتها بجوار المسجد فهي أبداً تصلي مع الناس: فحكي عن أبي عمران أنها لا تجمع معهم؛ لأنها لا عذر لها بالخروج إلى المسجد، فهي بخلاف المعتكف؛ لأن المعتكف أخذه حكم المسجد، ولا يقدر على مخالفة الإمام، فيجلس والإمام يصلي، ولا يقدر على الخروج من المسجد؛ لاعتكافه.
وقال غيره: تجمع المرأة معهم، كالمعتكف، وإنما جمع لإدراك فضل الجماعة، فكذلك المرأة.
ومن المجموعة قال مالك: وسنة الجمع في المطر أن ينادى للمغرب في أول الوقت، ثم يؤخر شيئاً، ثم تقام الصلاة فتصلى، ثم يؤذن للعشاء في داخل المسجد في مقدمه.
قال ابن حبيب: في صحن المسجد أذاناً ليس
الجزء: 2 - الصفحة: 705
بالعالي ثم يقيم فيصليها، وينصرفون قبل مغيب الشفق.
وقال محمد بن عبد الحكم: يجمع بينهما عند مغيب الشمس، ولا يؤخر المغرب، وذكر أنه قول ابن وهب، ورواه البرقي عن أشهب.
وإلى هذا كان يذهب شيخنا أبو باس، وكان يذهب شيخنا أبو الحسن إلى مذهب المدونة.
قال مالك في العتبية: ولا يوتر من جمع بينهما قبل مغيب الشفق ولا يتنفل بين المغرب والعشاء، ولكن يثبت كما هو حتى يصلي العشاء، وإنما جمع للرفق بالناس.
وقال ابن حبيب: من شاء تنفل بينهما ما دام يؤذن للعشاء.
قال مالك في العتبية: ولا يتنفل بعد العشاء في المسجد.
قال ابن حبيب: ولا يوترون في بيوتهم حتى يغيب الشفق.
ومن المدونة قال ابن القاسم: ولا يجمع في المطر بين الظهر والعصر في الحضر.
الجزء: 2 - الصفحة: 706
قال مالك: ومن أتى المسجد- وقد صلى في بيته المغرب- فوجدهم قد جمعوا فلا يصلي العشاء حتى يغيب/ الشفق؛ لفضله، كما عذر ليدرك فضل الجماعة بالجمع.
ومن المدونة قال ابن القاسم: وإن أتى المسجد- وقد صلى المغرب في بيته- فوجدهم في العشاء، فلا بأس أن يصليها معهم.
م لأنه إنما قدمت العشاء قبل وقتها؛ لإدراك فضل الجماعة، وهذا من ذلك.
قال ابن حبيب: ومثله في المختصر: لا يدخل معهم في العشاء، فإن دخل معهم أساء، ولا يعيد؛ لأنه مما اختلف فيه.
وقاله ابن عبد الحكم وأصبغ.
الجزء: 2 - الصفحة: 707
وقال أصبغ عن ابن القاسم في القوم يصلون المغرب فهم يتلفون لها إذ وقع المطر أيجمعون؟ قال: لا ينبغي أن يجعلوا العشاء إذا فرغوا من الغرب قبل وقوع المطر.
قال عنه ابن أبي زمنين: فإن فعلوا فلا بأس بذلك.
قال أبو محمد: وأعرف فيها قولاً آخر لا أذكر قائله.
م وينبغي على قياس قول ابن عبد الحكم الذي يرى الجمع في أول الوقت أن يكون إذا وقع المطر بعد صلاة المغرب أن يجمعوا.
ومن العتبية قيل: أفيجمعون في المطر في رمضان وهم لا ينصرفون حتى يقنتوا؟ قال: أحب إلى أن يجمعوا، وإن جمعوا ثم قنتوا فهم في سعة.
قال أبو محمد: قال أبو بكر: إنما يجمعون؛ للرفق، فإذا جمعوا/ قبل مغيب الشفق، ثم قنتوا فعليهم أعادة العشاء.
قال أبو محمد: إنما لم ير مالك عليهم الإعادة؛ لأنه لا بد أن ينصرف بعضهم، وأحب إليّ أن يكون الأقل في حكم الأكثر.
الجزء: 2 - الصفحة: 708
فصل-2 - : [في جمع المريض بين الصلاتين]
روي أنا لرسول - صلى الله عليه وسلم - جمع بين الظهر والعصر، والمغرب والعشاء في غير خوف ولا سفر.
قال مالك: أراه في مطر، وجمع بينهما في السفر حين جدبه السير، وجمع بين المغرب والعشاء في ليلة المطر، وفعله الخلفاء بعده؛ للرفق بالناس، فالمريض أولى بالجمع من المسافر وغيره؛ لشدة ذلك عليه، وهو أتعب من المسافر، وأشد مؤنة.
ومن المدونة قال مالك: فإذا خالف/ المريض أن يغلب على عقله جمع بين الظهر والعصر إذا زالت الشمس- لا قبل ذلك- وبين العشائين عند الغروب، ورأى له مالك في ذلك سعة.
قال: فأما إن كان الجمع أرفق به لشدة مرض أو بطن منخرق من غير خوف على عقله جمع بين الظهر والعصر في
الجزء: 2 - الصفحة: 709
وسط وقت الظهر، وبين العشائين عند غيبوبة الشفق.
وقال ابن حبيب: إذا كان الجمع أرفق به جمع آخر وقت الظهر وأول وقت العصر، كالمسافر.
وقال مالك في المختصر: إذا خاف المريض أن يغلب على عقله، أو يشق عليه الوضوء، فلا بأس أن يجمع بين الصلاتين، يؤخر الظهر إلى العصر، والمغرب إلى العشاء، كالمسافر.
م أما الذي يخاف أن يغلب على عقله فأحب إليّ أن يجمع بينهما عند الزوال؛ خوفاً أن يغلب على عقله فلا يصليهما وهو كان قادراً على أن يصليهما، وأما الذي يرى الجمع أرفق به فليجمع كجمع المسافر، فيصلي كل صلاة في وقتها خير من أن يصلي العصر قبل وقتها من غير اضطرار إلى ذلك.
وروى ابن نافع أنه لا يجمع الذي يخاف أن يغلب على عقله، ولكن يصلي كل صلاة لوقتها، فما أغمي عليه حتى ذهب وقته لم يكن عليه قضاؤه.
الجزء: 2 - الصفحة: 710
فصل - 3 - : [في وقت الجمع بين الصلاتين للمسافر]:
ومن المدونة قال مالك: ولا يجمع المسافر في حج أو غيره حتى يجد به السير، ويخاف فوات أمر، فيجمع بين الظهر والعصر، يؤخر الظهر فيصليها في آخر وقتها، ثم يصلي العصر في أول وقتها، إلا أن يرتحل عند الزوال، فيجمع بينهما حينئذ في المنهل، ويجمع بين العشائين مقدار ما تكون المغرب في آخر وقتها قبل مغيب الشفق، والعشاء في أول وقتها بعد مغيب الشفق، ولم يذكر في المغرب والعشاء مثل ما ذكر في الظهر والعصر.
قال سحنون: وهما في ذلك كالظهر والعصر.
وإنما قال ذلك: لأن أصل الجمع في السفر إنما هو تخفيف على المسافر، وعون له على سفره، وفي الجمع له في المنهل غاية التخفيف، فأبيح له ذلك.
وإنما قال: يجمع المسافر في الحج وغيره خلافًا لأبي حنيفة في قوله: لا
الجزء: 2 - الصفحة: 711
يجوز الجمع إلا بعرفة والمزدلفة.
ودليلنا عليه حديث معاذ بن جبل أن النبي صلى الله عليه وسلم جمع في غزوة تبوك بين الظهر والعصر، والمغرب والعشاء.
وروى ابن عمر نحوه، واعتبارًا بسفر الحج.
قال أشهب في المجموعة: لا أحب الجمع بين الظهر والعصر في سفر ولا حضر، إلا بعرفة أول الزوال، وهي السنة.
قال: وللمسافر - وإن لم يجد به السير - من الرخصة في جمعهما ما ليس للمقيم، وله في جد/ السير أكثر مما له إذا لم يجد به السير، وللمقيم أيضًا في ذلك رخصة؛ لأنه يصلي في آخر الوقتين اللذين وقت جبريل عليه السلام للنبي صلى الله عليه وسلم.
الجزء: 2 - الصفحة: 712
فإذا فاء الفيء قامة كان للظهر آخر وقت، وللعصر أول وقت، وأول الوقت فيهما جميعًا أحب إلينا، وإذا ساغ للحاضر ساغ للمسافر، وإن لم يجد به السير، وكذلك في المغرب والعشاء، ويكون مغيب الشفق وقتًا لهما يشتركان فيه مع ما روي من جمع المسافر، ولم يذكر جد السير به، وأما في جد السير فمجتمع عليه.
وقد جمع النبي صلى الله عليه وسلم في آخر وقت هذه وأول وقت هذه، وذلك أن ينقضي الظهر والفيء قامة أو يبتدئها حينئذ والفيء قامة، ثم يقيم فيصلي العصر بعدها، أو تنقضي المغرب وقد غاب الشفق، أو يبتديها حينئذ، ثم يقيم فيصلي العشاء بعدها، وهذا في الظهر والعصر أجوز منه في المغرب والعشاء؛ لأن المغرب إنما ذكر لها وقت واحد في الحديث.
قال أبو محمد عبد الوهاب: ويجوز الجمع في طويل السفر وقصيره خلافًا للشافعي في قوله: لا يجوز إلا في سفر القصير.
قال: ودليلنا عليه أنه سفر مباح فأشبه ما تقصر فيه الصلاة؛ لأن
الجزء: 2 - الصفحة: 713
كل رخصة تعلقت بالصلاة في الحضر لعذر جازت في قصير السفر وطويله.
قال ابن المواز: والجمع في السفر توسعة ورخصة لمن احتاج إليه، وليس ذلك بسنة لازمة.
الجزء: 2 - الصفحة: 714
[باب - 5 -] جامع القول في قصر الصلاة للمسافر
روى مالك في الموطأ قالت عائشة رضي الله عنها: «فرضت الصلاة ركعتين في السفر والحضر، فزيد في صلاة الحضر وأقرت صلاة السفر»، وهو في البخاري أيضًا.
وروي أن النبي صلى الله عليه وسلم صلى بمكة ركعتين ثم قال: «إنا قوم سفر، فأتموا الصلاة»، ومن رواية مالك أن عمر فعل ذلك بمكة، وقال لأهلها: «أتموا الصلاة فإنا قوم سفر، ولم يقل ذلك بعرفة ولا يمنى؛ لأن أكثرهم أهل سفر».
الجزء: 2 - الصفحة: 715
وكان ابن عمر إذا صلى مع الإمام بمكة أتم معه، وإذا صلى وحده قصر، وقد قيل لابن عمر: يا أبا عبد الرحمن إنا نجد صلاة الخوف وصلاة الحضر في القرآن، ولا نجد صلاة السفر، فقال: يا بن أخي إن الله بعث إلينا محمدًا عليه السلام ولا نعلم شيئًا، فإنما نفعل كما رأيناه يفعل.
ابن وهب: وقد قال ناس يا رسول الله إنا كنا مع فلان في السفر فأبى إلا أن يصلي لنا أربعًا، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: «إذًا والذي نفسي بيده تضلون».
يريد إن صليتم أربعً.
[فصل - 1 - في خلاف أصحاب مالك في حكم القصر في السفر]:
قال أبو الفرج المالكي: اختلف أصحاب مالك في قصر الصلاة في السفر، فقال بعضهم: هو فرض، وقال بعضهم: هو سنة، ورواه أبو المصعب عن مالك.
وقال عبد الوهاب: اختلف أصحابنا في القصر هل هو فرض للمسافر
الجزء: 2 - الصفحة: 716
أو سنة؟ فذهب أكثرهم إلى أن فرضه التخيير، إلا أن القصر أفضل، وهو سنته، وقاله ابن وهب عن مالك، وذهب جماعة من البغداديين إلى أن القصر فرضه.
فوجه قول من قال: إن القصر فرضه أن النبي صلى الله عليه وسلم قصر في السفر ولم يتم.
وقال غيره: قال النبي عليه السلام: «إن الله جعل فرض الحاضر أربعًا، وفرض المسافر ركعتين».
وقد قالت عائشة: «فرضت الصلاة ركعتين فزيد في صلاة الحضر وأقرت صلاة السفر».
وقال عمر بن الخطاب رضي الله عنه: «صلاة السفر ركعتان، وصلاة الجمعة ركعتان، وصلاة العيد ركعتان تمام غير قصر على لسان نبيكم صلى الله عليه وسلم، وقد خاب من افترى».
فإن قيل: لو كان فرضه ركعتين لم يجز له أن يتم خلف المقيم.
الجزء: 2 - الصفحة: 717
فالجواب: إن هذا لا يمنع أن يكون فرضه ركعتين، ثم إذا صلى خلف المقيم يصير فرضه فرض المقيم، كالعبد والمرأة فرضهما أربع، ثم أنهما لو صليا الجمعة خلف الإمام لصار ذلك فرضهما.
واحتج الذين قالوا إنه مخير بين القصر والإتمام - وقاله الأبهري - إن النبي صلى الله عليه وسلم قصر وأتم، وصام وأفطر، فعلم بذلك أنهما يجريان مجرى واحدًا، وأن الخيار إلينا في ذلك.
وأما ما احتج به من قال: إن الله تعالى جعل صلاة الحاضر أربعًا وصلاة المسافر ركعتين، فمعناه إن اختار؛ لأن النبي عليه السلام أتم وقصر.
قال الأبهري: أما قولهم: إنما أتم خلف المقيم اتباعًا لإمامه وهو فرضه، كالمرأة والعبد في الجمعة، فإنا نقول: إن العبد والمرأة دخلا في خطاب آية الجمعة، إلا أنهم عذرا في التخلف؛ لأن العبد مشغول بخدمة سيده، والمرأة عورة مشغولة بخدمة زوجها فهما كالمريض والمسافر خوطبا في الجملة وعذرا في التخلف.
قال عبد الوهاب: وقد قال أنس: «كنا نسافر مع رسول الله صلى الله عليه وسلم فمنا من يقصر ومنا من يتم فلا يعيب بعضنا على
الجزء: 2 - الصفحة: 718
بعض».
ولأن أصحابنا هؤلاء [قد] أجازوا للمسافر أن يصلي خلف المقيم ويتم، فلو كان فرضه القصر ما جاز له الإتمام، كما أن الحاضر لما كان فرضه الإتمام لم يكن له أن يقصر خلف المسافر.
وقد أكثروا من الاحتجاج لكل قول، وهذا أبين ذلك، والله أعلم بالصواب.
فصل - 2 - : [في تحديد مسافة القصر]:
ومن المدونة قال مالك: ولا يقصر المسافر حتى تكون مسافة سفره أربعة برد/ فأكثر.
الجزء: 2 - الصفحة: 719
م وإنما قال ذلك؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم وابن عمر وابن عباس قصروا الصلاة إلى ذات النصب، وهي من المدينة على أربعة برد.
وقد روي أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «يا أهل مكة لا تقصروا لأقل من أربعة برد».
قال مالك: ولا يتم حتى ينوي إقامة أربعة/ أيام، وإنما قال ذلك؛ لأن عثمان بن عفان وسعيد بن المسيب قالا: إذا نوى المسافر إقامة أربعة أيام أتم، وما لم يجمع على ذلك فليقصر.
قال مالك: وذلك أحسن ما سمعت، والذي لم يزل عليه أهل العلم عندنا.
واستدل على ذلك بعض أصحابنا من البغداديين بأن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «لا
الجزء: 2 - الصفحة: 720
يقيمن مهاجر بعد قضاء نسكه فوق ثلاث».
فمنه المهاجر أن يتخذ مكة قرارًا فوق ثلاثة أيام، فدل على أن الثلاثة ليست في حيز الإقامة، وأن الأربعة فما فوق إقامة.
وذلك حجتنا على أبي حنيفة في قوله: لا يتم حتى ينوي إقامة خمسة عشر يومًا.
قال ابن القاسم في المدونة: الذي رجع إليه مالك أن الإقصار في أربعة برد، وكان يقول: في مسيرة يوم وليلة.
قال غيره: وإنما كان يقول: تقصر الصلاة في يوم وليلة؛ لقول ابن عمر تقصر في اليوم والليلة.
الجزء: 2 - الصفحة: 721
م ولقول/ الرسول صلى الله عليه وسلم: «لا يحل لامرأة تؤمن بالله واليوم الآخر أن تسافر مع غير ذي محرم منها/ سفر يوم وليلة».
فجعل للسفر حرمة إذا كان يومًا وليلة.
فدل أن ما دون ذلك بخلافه.
وإنما رجع مالك إلى القول بأربعة برد؛ لأن البريد يضبط، ويتحصل في الشتاء والصيف والسريع والبطيء، وليس اليوم والليلة كذلك.
قال مالك في العتبية: ويقصر في خمسة وأربعين ميلا.
وقال ابن الماجشون في الواضحة: يقصر في أربعين ميلًا، وذلك قريب من الأربعة برد.
قال ابن القاسم في العتبية: ومن قصر في ستة وثلاثين ميلًا فلا إعادة عليه.
قال ابن المواز: وقال ابن عبد الحكم: يعيد في الوقت، وقال يحيى ابن عمر: يعيد أبدًا.
فوجه قول ابن القاسم: فلأن الثلاثة برد سفر يدخل في قوله عليه السلام: «يا أهل مكة لا تقصروا فإنا قوم سفر»؛ ولأنه إنما نقص من
الجزء: 2 - الصفحة: 722
الأربعة برد الربع والربع في الأصول في حد القلة، فوجب أن لا يغير الحكم.
ووجه قول يحيى بن عمر يعيد أبدًا: قوله عليه السلام: «يا أهل مكة لا تقصروا لأقل من أربعة برد».
ووجه قول ابن عبد الحكم/: أنه لما ترجح الأمر عنده من أن يجزئه أو لا يجزئه توسط قولا بين القولين، فجعله يعيد في الوقت.
قال ابن عبد الحكم: وإن قصر في أقل من ستة وثلاثين ميلًا أعاد أبدًا؛ لأنه لم يختلف فيه.
فصل - 3 - : [في مكان القصر]:
ومن المدونة قال مالك: ومن أراد سفرًا فليتم الصلاة حتى يبرز عن بيوت القرية حتى لا يحاذيه أو يواجهه منها شيء، وكل ذلك في البحر، ثم يقصر.
قال: وإذا رجع من سفره فليقصر حتى يدخل بيوت القرية أو قربها،
الجزء: 2 - الصفحة: 723
ولم يحد في القرب حدًا، وقال في الميل: إنه يقصر.
وإنما قال ذلك؛ لأن ابن عمر كان إذا سافر قصر، وهو يرى البيوت، وإذا رجع قصر حتى يدخل البيوت.
وقد رأى علي بن أبي طالب رضي الله عنه خصًا حين خرج من البصرة، فقال: لولا هذا الخص لصلينا ركعتين.
قال في العتبية: في الأمير يخرج عن المدينة على ثلاثة أميال حتى يتكامل أكرياؤه وحشمه قال: لا يقصر حتى يجتمع على المسير - يريد - فيقصر، إذا برز من ذلك الموضع الذي يتكامل فيه أكرياؤه.
وقال في من يخرج من الفسطاط إلى بئر عميرة وهو يقيم بهم اليوم واليومين كما يصنع الأكرياء حتى يجمع إليه الناس أنه يقصر.
قال أبو محمد: قال يحيى بن عمر: ولم ير ذلك في الأمير يخرج على الميلين حتى يجتمع ثقله، وقال يتم.
وقال عنه ابن نافع في المجموعة: أحب إلي أن يتم/ إذا كان الأكرياء يحبسون الناس.
والأمير وغيره سواء، وإنما ذلك اختلاف من قوله:
الجزء: 2 - الصفحة: 724
وقيل إن الفرق بين ذلك، إن الأمير السير إليه، وهو القاصد للإقامة، والخارج إلى بئر عميرة ليست الإقامة إليه، بل خرج على النفاذ.
ولو عكس هذا لكان أصوب؛ لأن الأمير إليه السير، وعادته الخروج عازمًا على السفر، والآخر ليس إليه السير، وإنما يريد الأكرياء، فهو كمن واعد قومًا للسفر وهو لا يريد إلا بسيرهم، فإنه يتم.
قال ابن القاسم عن مالك: وإذا قدم من سفره/ فنزل من مدينته على ميل أو ميلين ليقيم حتى يدخل ليلًا فإنه يقصر، إلا أن يقرب جدًا ولم يحد القرب، قال: وإنما يحد في هذا أهل العراق.
قال أشهب وابن/ نافع عن مالك في المسافر إذا رجع إلى أهله: فإنه يقصر حتى يدنوا من البيوت مثل الميل ونحوه فيتم الصلاة.
ومن كتاب ابن المواز: ومن خرج مسافرًا ثم نزل على قدر أميال، ثم بدا له في الرجعة، ثم لم يبرح حتى رجعت نيته إلى السفر في الوقت، ثم حضرت الصلاة فليتم حتى يبرز عن ذلك الموضع، ولو شيعهم رجل وهو يريد الرجعة فقدموه يصلي بهم قبل أن يفترقوا فلم يدخل في الصلاة حتى نوى السفر وعزم عليه فليتم حتى يبرز عن ذلك الموضع.
الجزء: 2 - الصفحة: 725
م وإنما قال ذلك؛ لأن الأصل الإقامة والسفر فرع طارئ عليه فوجب أن يرجع إلى الأصل بالنية ولا ينتقل عنه إلا بالفعل، وهو الظعن.
ومن المدونة قال مالك: ومن واعد قومًا للسفر ليمر بهم وبينه وبين موضعه ما لا تقصر في مثله الصلاة أو تقدمهم حتى يلحقوه، فإن كان عازمًا على السفر على كل حال خرج القوم الذين واعدهم أم لا، فليقصر إذا برز عن قريته، وإن كان لا يخرج إلا بخروجهم فليتم حتى يبرز عن موضعهم، في المبسوط: وعن الموضع الذي يلحقونه فيه.
فصل - 4 - [في قصر المسافر بحرًا]:
قال مالك: ويقصر المسافر في البحر إن نوى مسيرة يوم تام.
قال عبد الملك في المجموعة: وإن توجه إلى سفر فيه بر وبحر فإن كان في أقصاه باتصال البحر مع البر ما يقصر فيه الصلاة قصر إذا برز.
قال ابن المواز: وإذا كان ليس بينه وبين البحر ما تقصر فيه الصلاة، فانظر: فإن كان
الجزء: 2 - الصفحة: 726
المركب لا يبرح إلا بالريح، فلا يقصر حتى يركب ويبرز عن موضع قلع منه بالريح - يريد - إذا كان في سفره من ذلك الموضع ما تقصر فيه الصلاة.
قال ابن المواز: وإن كان يخرج بالريح وبالقذف فليقصر حين يبرز عن قريته.
ومن المدونة قال مالك: ويقصر النواتيه وإن كان معهم الأهل والولد.
وقاله سالم بن عبد الله.
قال مالك: ولو ردته الريح إلى الموضع الذي خرج منه فليتم فيه ما حسبته الريح حتى يظعن ثانية.
قال سحنون: هذا إن كان له وطنًا، وإلا قصر فيه أبدًا إلا أن ينوي/ إقامة أربعة أيام.
وإن لم يكن له وطنًا إلا أنه كان نوى فيه إقامة أربعة أيام فأكثر، فكان يتم فيه، ثم خرج فردته الريح إليه فهذا يدخل فيه اختلاف.
قول مالك في الذي أقام بمكة بضعة عشر يومًا فأوطنها ثم خرج ليعتمر من الجحفة ثم يعود إلى مكة فيقيم بها اليوم واليومين، فقال مالك: مرة يتم في يوميه، ثم رجع
الجزء: 2 - الصفحة: 727
إلى أنه يقصر، وكذلك هذا، والله أعلم.
[فصل - 5 - في من سافر ثم رجع قبل أن يبلغ المسافة هل يقصر؟]
قال مالك: ومن خرج مسافرًا تقصر في مثله الصلاة، فسار ما لا يقصر في مثله الصلاة، ثم رجع إلى بيته في حاجة بدت له فليتم في رجوعه حتى يبرز ثانية، وقيل: يقصر ما لم يدخل بيوت القرية.
فوجه قول مالك: فلأن رجوعه سفر غير الخروج، فلا يضاف إليه، ولو جاز هذا القصر من خرج إلى مسافة بريدين، إذا كان نيته أن يرجع من ساعته ولا يقيم، وهذا لا يقوله أحد.
ووجه الثانية: فلأن رجوعه إنما كان لحاجته لا كسرًا عن سفره/ الأول، فهو عليه ما لم يدخل وطنه فوجب أن/ يقصر.
والأول أبين لما قدمنا، والله أعلم.
فصل - 6 - : [من خرج في طلب حاجة متى يقصر]:
ومن المدونة قال مالك: ومن خرج في طلب آبق له أو حاجة فقيل له: هي بين يديك على بريدين فمشى كذلك أيامًا ولا يدري غاية سفره، فليتم
الجزء: 2 - الصفحة: 728
في سفره، ويقصر في رجوعه إذا كان أربعة برد فأكثر.
ومن غير الأم واختلف أصحابنا المتأخرون إذا كان لما بلغ هذا الذي خرج في طلب آبق على رأس برد، فأراد الرجوع، فقيل له: إن حاجتك في موضع كذا على بريدين بين يديك أو عن يمينك أو عن شمالك، فقال: أنا أبلغ ذلك الموضع، ثم أتمادى منه إلى داري على كل حال وجدته أو لم أجده، فذهب بعض أصحابنا إلى أنه لا يقصر حتى يرجع من الموضع الذي أخبر أن العبد فيه؛ لأنه لا يضاف مسيره إلى رجوعه.
وظهر لي ولغيري من أصحابنا أنه يقصر من رأس أربعة برد؛ لأنه قد نوى الرجوع، وقال: أنا آخذ في رجوعي من الموضع الذي ذكر له أن العبد فيه، فهو كالراجع، وكما لو أخذ من ذلك الموضع لوعر في طريقه الأولى أو/ لحاجة غير الآبق فهو كمبتدئ سفرًا من ذلك الموضع، وكالذي يريد سفرًا إلى جهة قبلة بلده فذكر أن له حاجة على بريدين، في دبور بلده، فقال: أخرج إلى هذه الحاجة في دبور بلدي، ثم أرجع إلى طريقي، ولا أدخل مدينتي، ثم أتمادى
الجزء: 2 - الصفحة: 729
إلى تمام سفري، أنه يقصر من حين يبرز عن قريته، فكذلك الذي بلغ رأس أربعة برد فقال: أنا أبلغ موضع كذا ثم أتمادى منه إلى داري لا فرق بينهما، والله أعلم.
[فصل - 7 - في من يدور في القرى هل يقصر؟]:
ومن المدونة قال مالك: ومن خرج يدور في القرى وفي دورانه أربعة برد قصر.
قال ابن القاسم: والسعاة مثله.
قال مالك: ومن خرج إلى مكة ونوى أن يسير يومًا ويقيم يومًا قصر من حين خرج من بيته حتى يأتي مكة.
ومن العتبية قال سحنون: وإن نوى أن يسير يومًا ويقيم أربعة أيام، فهذا يقصر في مسيره، ويتم في مقامه، وكذلك عنه في المجموعة في من خرج ينوي أن يسير ثلاثين ميلًا أو عشرين ميلًا ثم يقيم أربعة أيام، ثم يمشي مثل ذلك، ثم يقيم أربعة أيام أنه يقصر من حين يخرج في مسيره، ويتم في مقامه، وقاله ابن الماجشون.
وذكر ابن المواز
الجزء: 2 - الصفحة: 730
خلافه، وأنه تراعى مسافته إلى الموضع الذي نوى فيه الإقامة، وجعله كوطنه، فإن كان بين كل موضعين أقل من أربعة برد أتم ولم يقصر.
وقول سحنون أولى؛ لأنه لما نوى في أول سفره أن يسير كذلك فهو مسافر إلى غاية القصر حقيقة، ولا يضره تخلل الإقامة، كما أن من نوى أن يصوم في سنة يومًا بعد أربعة أيام أنه يجزئه التبييت في أول ليلة، ولا يضره تخلل الفطر، ويصير حكمه حكم الصوم المتصل، فلذلك هذا حكمه حكم السفر المتصل، ولا يضره تخلل الإقامة، وليس نية الإقامة، كدخوله وطنه؛ لأن دخوله وطنًا له يوجب عليه الإتمام، وإن لم ينو الإقامة، وإقامته في غير وطنه لا يوجب ذلك عليه إلا بنية إقامة أربعة أيام، فهو أضعف من وطنه.
فصل - 8 - : [لا يقصر إلا في سفر يجوز له الخروج فيه]
ومن المدونة قال مالك: ومن/ خرج يريد الصيد على مسيرة أربعة برد قصر الصلاة، إن كان ذلك عيشه.
قال ابن القاسم: فإن خرج/ متلذذًا، فلم أره يستحب له قصر الصلاة.
وقال: أنا لا آمره بالخروج، فكيف آمره بقصر الصلاة؟.
الجزء: 2 - الصفحة: 731
قال ابن شعبان: فإن قصر المتلذذ للصيد لم يعد للاختلاف فيه؛ لأن الصيد مباح، وقد أجاز ابن عبد الحكم الصيد للهو.
قال ابن حبيب: إنما يقصر في سفر يجوز له الخروج فيه غير باغ ولا عاد، فأما من خرج باغيًا أو عاديًا أو/ قاطعًا للرحم أو طالبًا لإثم، فلا يجوز له القصر، كما لا يباح له الأكل من الميتة عند الضرورة.
والذي قال ابن حبيب: هو المذهب، إلا قوله لا يباح له أكل الميتة عند الضرورة، والصواب أن له أكلها لإحياء نفسه.
وقد قال الله تعالى: (وَلا تَقْتُلُوا أَنفُسَكُمْ) وليس في ترك الأكل إلا ذهاب نفسه، وهذه معصية أخرى.
ومن حجة من منعه أنه قادر على استحداث التوبة، فيجوز له الأكل.
وقد ذهب أبو حنيفة إلى أن له القصر، كما أن له أكل الميتة إذا
الجزء: 2 - الصفحة: 732
اضطر إليها، ففرق له بعض أصحابنا بأن قال: إن الله تعالى قد فرض عليه إحياء نفسه مع القدرة على ذلك من غير أن يتلف بها نفسًا أخرى حرمتها كحرمة نفسه، وإذا كان الأمر على هذا فكأنه توجه عليه فرضان: أحدهما النزوع عما هو عليه من المضي والسعي في معصية الله، والآخر: إحياء نفسه حتى يتناول ما يرد به رمقه فأمر بالأمرين جميعًا، فإن فعلهما فهو المراد، وإن فعل أحدهما لم نأمره بتركه من أجل أنه لم يفعل الآخر، وهذا كمن أمر بترك الزنا وشرب الخمر فأقلع عن أحدهما، فلا يجوز أن يقال له: لا تترك هذا حتى تترك الآخر، بل يقال له: أنت ممدوح على ترك ما تركت، ومذموم على ما أقمت عليه، وإنما لم يجز له الفطر والقصر عندنا؛ لأنهما رخصتان معينتان على السفر، فلا يباحا للعاصي، فيكونا عونًا له على المعصية، فيصير ممنوعًا من سفر معانًا عليه، وهذا تناقض.
الجزء: 2 - الصفحة: 733
م ولأن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «صلوا كما رأيتموني أصلي»، فلما لم يصحح سفره عليه السلام عاصيًا لم يصح أن يفطر أو يقصر فيه.
فصل - 9 - : [في المسافر ينوي الإقامة]
ومن المدونة قال مالك: وإذا أجمع المسافر في بر أو بحر على مقام أربعة أيام بلياليهن أتم الصلاة، وصام حتى يظعن من مكانه.
قال ابن الماجشون وسحنون: إذا دخل في بعض النهار، فإن نوى إقامة عشرين صلاة أتم، وقال ابن القاسم في العتبية: يلغي يوم دخوله، ولا يحسبه.
هذا أصل مختلف فيه في العدد والأيمان، فهذا على ذلك، والقياس البناء على بعض اليوم، والاحتياط أن يلغي بعض اليوم، ويبتدئ الذي يليه من أوله.
قال عيسى عن ابن القاسم: وإن نوى المسافر إقامة أربعة أيام ثم قصر أعاد أبدًا، وكذلك في كتاب ابن سحنون، وأنكر سحنون قول من قال: يعيد في الوقت.
ومن المدونة قال مالك: وإذا صلى مسافر ركعة ثم نوى الإمام
الجزء: 2 - الصفحة: 734
الإقامة شفعها وسلم، وكانت نافلة، وابتدأ صلاة مقيم.
وإن نوى الإقامة بعد تمامها لم أر عليه الإعادة واجبة، وإن أعاد فحسن، وأحب إلي أن يعيد.
ابن المواز: وإذا نسي المسافر القصر حتى بقي من النهار ركعة فصلى الركعة وغربت الشمس، ثم نوى الإقامة بعد خروج الوقت فإن صلاته تبطل، ويبتدئ صلاة مقيم.
وقال أصبغ: يبتدئ صلاة سفر؛ لأنه نوى الإقامة بعد خروج الوقت فكأنه يقضي ما فاته.
قال محمد: ولو ابتدأها/ بعد ما غربت الشمس لم تضره نية الإقامة، وليتماد فيها سفرية، ولو أغمي عليه فيها فلابد من قضائها، ولو أحرم بها قبل الغروب، ثم أغمي عليه فيها بعد الغروب لسقطت عنه.
ويجب على قوله في المسافر ألا تسقط عنه؛ لأنه إنما أغمي عليه بعد خروج الوقت.
قال أصبغ في امرأة صلت ركعة من العصر، ثم غربت الشمس فحاضت،
الجزء: 2 - الصفحة: 735
فإنها تسقط عنها إعادتها.
ويجب على قوله في المسافر أن يقضيها.
وقال سحنون في المسافر: يتمادى، ولا يضره ما نوى بعد خروج الوقت، وكذلك الحائض تقضيها؛ لأنها حاضت بعد خروج الوقت.
قال مالك في المجموعة: وإذا نوى الإمام الإقامة بطلت صلاته وصلاة من خلفه، ثم قال: يستخلف من يتم بالقوم، وينصرف هو فيبتدئ صلاة مقيم.
قال ابن القاسم ف يالعتبية: وإن نوى الإقامة بعد أن صلى ركعة وخلفه مقيمون فليقدم من يتم بهم، ويقطع هو صلاته، وإن كان خلفه مسافرون ومقيمون، فإن قدم مسافرًا سلم هو والمسافرون من ركعتين، وأتم المقيمون لأنفسهم بقية صلاتهم.
كما كانوا يفعلون مع إمامهم.
قال ابن القاسم: فإن قدم حضريًا صلى بهم ركعة بقية صلاة الإمام
الجزء: 2 - الصفحة: 736
الأول ثم أشار إليهم أن اجلسوا، ثم أتم هو وحده وسلم هو والسفريون، ثم أتم المقيمون بعد سلامه.
قال عيسى: أحب إليّ أن ينتقض عليهم أجمع.
قال ابن القاسم: وإذا استخلف هذا الخارج فلا يضيف ركعة ويجعلها نافلة، بمنزلة ما لو كان وحده، وليدخل معهم، فيتم بقية الصلاة، وتجزئه.
وقال عيسى: بل يبتدئ هو وهم أحب إلي.
أما قوله: إذا نوى الإقامة وخلفه مقيمون فليقدم من يتم بهم فصواب؛ لأنه لم يختلف على المأمومين شيء من أمرهم؛ لأنهم دخلوا على الإتمام فهم عليه، فيصلي بهم المستخلف بقية صلاة الأول، ثم يشير إليهم أن اجلسوا، ثم يتم هو لنفسه ويسلم ويتم المقيمون لأنفسهم أفذاذًا بعد سلامه،
الجزء: 2 - الصفحة: 737
وأما قوله: وإن كان خلفه مقيمون ومسافرون فقدم مسافرًا فصواب أيضًا؛ لأن خليفته كهو، فلم يتغير عليهم شيء من أمرهم، وأما إن قدم حضريًا، فقول عيسى أبين؛ لأنه قد حصل للمسافرين في هذه الصلاة إمامان مسافر ومقيم، وحكمهم في الصلاة خلف كل واحد منهم مختلف، فإن أتموا خلف الثاني، فقد خالفوا ما دخلوا عليه وخالفوا فعل الأول، وإن لم يتموا فقد خالفوا فعل الثاني، والمسافر إذا أدرك خلف المقيم ركعة لزمه الإتمام؛ ولأنه إمامهم في هذه الركعة المستخلف عليه لو فسدت عليه لفسدت عليهم، فلذلك قال عيسى: أحب إليّ أن تنتقض عليهم صلاتهم.
ووجه قول ابن القاسم: أن صلاتهم قد انعقدت على حالة الأول، وإنما هذا الثاني يفعل بهم بقية عمل الأول، ثم يشير إليهم بالجلوس ليتم هو ما كان يلزمه، ويسلم بهم، ويتم الحضريون بعد سلامه، كما كانوا يفعلون مع الأول.
وأما قوله: إذا استخلف هذا الخارج فليدخل معهم، ويتم بقية الصلاة، وتجزئه - يريد - أنه يقطع ما كان فيه، ويدخل بإحرام جديد، ويتمادى مع الإمام، فإذا سلم الإمام أتم هذا بقية صلاته، وتجزئه.
[فصل - 10 - في من دخل مكة فأقام بها ثم ينوي العمرة والبقاء بمكة يومين هل يقصر؟]
ومن المدونة قال مالك: ومن دخل مكة فأقام بها بضعة عشر يومًا فأوطنها، ثم بدا له أن يخرج ليعتمر من الجحفة، ثم يعود إلى مكة ويقيم بها اليوم واليومين، ثم يخرج منها فليتم الصلاة في يومه ويوميه؛ لأن مكة كانت له وطنًا، ثم قال:
الجزء: 2 - الصفحة: 738
يقصر.
قال ابن القاسم: وهو أحب إليّ.
فوجه قوله يتم؛ لأنه لما أوطنها وأتم الصلاة بها صار له حكم الوطن، فكأنه رجع إلى وطنه، ووجه قوله: يقصر؛ لأنها ليست كوطنه في الحقيقة، وإنما أتم بالسنة لما نوى من الإقامة، وأما وطنه فلا يحتاج إذا رجع إليه إلى نية الإقامة، فما كان لا يتم فيه إلا بنية أضعف مما يتم فيه بغير نية، وقد سافر من ذلك الموضع سفر إقصار، فإذا رجع إليه فهو على نية سفره حتى ينوي إقامة أربعة أيام أيضًا، ولو كان اعتماره من الجعرانة والتنعيم أو ما لا تقصر فيه الصلاة، ثم رجع إلى مكة ونوى أن يقيم بها اليوم واليومين لأتم في ذلك بلا اختلاف من قوله؛ لأنه على نيته الأولى في الإتمام، فلا يزيلها إلا بخروجه إلى سفر الإقصار.
[فصل - 11 - في حكم المسافر يمر بقرية له فيها أهل وولد]
ومن المدونة قال مالك: وإذا مر المسافر بقرية فيها أهله وولده فأقام
الجزء: 2 - الصفحة: 739
عندهم، ولو صلاة واحدة أتم، وإن لم يكن له بها غير عبيده وبقره وجواريه، ولا أهل له بها ولا ولد قصر الصلاة إلا أن ينوي إقامة أربعة أيام.
قال ابن القاسم: وإن هلك أهله وبقي ولده فمحملها عند مالك إن كانت له مسكنًا، وإلا قصر.
قال ابن حبيب: وإن كان له بها أم ولد أو سرية يسكن إليها أتم.
ومن كتاب ابن المواز: وإن لم يكن مسكنه، ولكنه نكح بها، فلا يتم بها حتى يبني بأهله، وتلزمه السكنى.
قال: وإذا خرج وفي طريقه قرية له بها أهل ونوى دخولها، فإن كان بينه وبينها أربعة برد قصر إليها، وإلا أتم، ثم ينظر في بقية سفره منها، فإن كان في المسافتين منتهى أربعة برد فأكثر قصر الصلاة، وإلا أتم، فإذا رجع ولم ينو دخولها قصر إذا كان بين المسافتين أربعة برد فأكثر.
الجزء: 2 - الصفحة: 740
قال: ولو خرج أولا وهي على أقل من أربعة برد ونوى دخولها لزمه الإتمام، ثم لمَّا حاذها بدا له فترك دخولها فلينظر بقية سفره من حينئذ، فإن كان أربعة برد قصر إذا ظعن من مكانه ذلك لا قبل الظعن منه.
يريد؛ لأنه الساعة يصير مسافرًا، وكأنه خارج من وطنه، قال: ولو كانت مسافة قريته أربعة برد قصر، وإن لم يظعن من مكانه كان في باقي سفره أربعة برد أو أقل؛ لأنه لا يجب عليه الإتمام إلا بدخول تلك القرية، فمتى لم يدخلها بقي على ما كان عليه من الإقصار.
قال: ولو شقها مارًا ولم ينزلها لراعيت بقية سفره فلا يقصر، إلا أن تبقى أربعة برد.
قال: ولو لم يكن له بها أهل إلا أنه نوى المقام بها أربعة أيام ثم خرج مكانه فالجواب سواء.
قال: ولو أنه إذا نوى المقام بها فأتم، ثم خرج إلى بقية سفره وفيه أربعة برد، فلما سار عنها ميلين رجع إليها في حاجة
الجزء: 2 - الصفحة: 741
فليقتصر هذا في رجوعه وفي دخوله حتى ينوي المقام بها ما يتم فيه الصلاة، إلا أن يكون بها أهله.
وهذا الذي أخذ به من اختلاف قول مالك في هذا، وبه أخذ ابن القاسم وأصبغ.
يريد الاختلاف الذي جرى لمالك في مسألة مكة.
فصل - 12 - : [في من نسي صلاة سفر فذكرها في حضر أو العكس]
ومن المدونة قال مالك: ومن نسي صلاة سفر فذكرها بعد ذهاب وقتها في حضر صلاها ركعتين كما كانت وجبت عليه، وكذلك إن ذكر صلاة حضر قد ذهب وقتها، فذكرها في سفر صلاها أربعًا كما وجبت عليه.
قال: وإذا خرج لسفر أو دخل منه في وقت صلاة فوقته في الظهر والعصر إلى الغروب، وفي العشائين إلى طلوع الفجر، فإن خرج ولم يكن صلاها وفي الوقت ما يسع إحدى الصلاتين وركعة من الأخرى صلاهما سفريتين،
الجزء: 2 - الصفحة: 742
وإن لم يسع إلا واحدة صلاها سفرية، فهي الآخرة، فيصلي الأولى حضرية والثانية سفرية، وإن خرج بعد زوال وقتهما قضاهما حضريتين، وكذلك في دخوله بهذا المعنى إن دخل لمقدار خمس ركعات صلى الظهر والعصر حضريتين، وإن كان لقدر أربع ركعات إلى ركعة صلى الظهر سفرية، والعصر حضرية، وإن دخل بعد الغروب صلاهما سفريتين، وإن كان قد صلى العصر ونسي الظهر فليبدأ بالظهر في الخروج سفرية، فإن بقي قدر ركعة أعاد العصر سفرية أيضًا، وإلا لم يعدها، وفي الدخول يبدأ بالظهر حضرية، فإن بقي قدر ركعة أعاد العصر حضرية، وإلا لم يعدها، وإن خرج لقدر ركعة، فأكثر من الليل، ولم يصل العشائين، فليصل العشاء الآخرة سفرية، وإن دخل أيضًا لقدر ركعة فأكثر صلاها حضرية؛ لأن المغرب لا تقصر فلا يتغير الحكم صلاها أم لا.
وقد تقدم كثير من هذا المعنى بزيادة فيه في مقادير الأوقات للحائض وغيرها في كتاب الصلاة الأول فأغنى عن إعادته.
الجزء: 2 - الصفحة: 743
فصل - 13 - : [في صلاة المسافر خلف المقيم]
ومن المدونة قال مالك: وإذا أدرك المسافر ركعة خلف مقيم أتم، وإن لم يدركها قصر.
قال ابن حبيب: ويبني على إحرامه ذلك صلاة مسافر.
قال مالك: وإذا صلى مقيم خلف مسافر فليتم المقيم بقية صلاته بعد سلام الإمام المسافر؛ لقوله عليه السلام لأهل مكة: «أتموا الصلاة فإنا قوم سفر».
وقال ابن حبيب عن مالك: لا يتم المسافر [لا وحده ولا] خلف المقيم، فإن فعل أعاد في الوقت، إلا في مثل جوامع المدائن وأمهات الحواضر، لا في مساجد عشائرها، ولا في القرى الصغار التي لا يجمعون الجمعة في مسجدهم.
كأنه رأى في هذا القول إن فرض المسافر القصر فلا يتم خلف المقيم، إلا في مثل أمهات الحواضر؛ لإتمام ابن عمر مع إمام مكة.
والصواب الإتمام خلفه، كما كان يفعل ابن عمر؛ ولقوله عليه السلام: «إنما جعل الإمام ليؤتم به».
هذا هو الأصل، وخرج إتمام المقيم خلف المسافر
الجزء: 2 - الصفحة: 744
بالسنة، وبقي ما سواه على أصله؛ ولأن إتمام المقيم خلف المسافر إنما هو بعد سلام الإمام فليس ثم إمام يخالفه بعد، وإذ قصر المسافر خلف المقيم يصير المسافر جالسًا والإمام يصلي، فقد خالف إمامه.
فصل - 14 - : [في المسافر يصلي أربعًا]
ومن المدونة قال مالك: ومن صلى في السفر أربعًا أعاد في الوقت، فإن كان في سفر، وهو في وقتها، أعاد ركعتين، فإن ذهب الوقت لم يعد.
قال ابن القاسم: وإن رجع إلى بيته في وقتها أعاد أربعًا.
قال سحنون في كتاب ابنه ومحمد في كتابه: وسواء أتم عامدًا أو جاهلاً أو ناسيًا، فإنه يعيد في الوقت، ولا سجود سهو عليه، ولو كان ذلك عليه لكان عليه في عمده أن يعيد أبدًا، وكذلك قال ابن حبيب عن ابن
الجزء: 2 - الصفحة: 745
القاسم.
قال: وقال مطرف عن مالك: إذا أتم ساهيًا سجد لسهوه، وأجزأته، ولم بعد في وقت ولا غيره.
قال سحنون: وأما إن افتتحها على ركعتين، ثم بدا له فأتمها سهوًا أو عمدًا، فليعد أبدًا؛ لكثرة السهو.
قال ابن المواز: يعيد العامد أبدًا، ويجزئ الساهي سجود سجدتا السهو، وليس كسهو مجتمع عليه.
قال ابن المواز: ولولا أن مالكًا وأصحابه لم يختلفوا في من أتم في السفر أنه إنما يعيد في الوقت لاستحسنت أن يعيد أبدًا؛ لأنها سنة من رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه رضي الله عنهم.
وقال سحنون: القياس أن يعيد أبدًا.
قال غيره: وإنما لم ير مالك الإعادة عليه أبدًا؛ لقوة اختلاف الصحابة في ذلك.
وقال أبو محمد: والوقت في ذلك النهار كله.
الجزء: 2 - الصفحة: 746
وقال أبو العباس الإبياني: الوقت في ذلك وقت الصلاة المفروضة، والأول أصوب.
ومن المدونة: وقد روى ابن وهب أن عائشة كانت تتم في السفر، وأن عثمان كان يتم في السفر.
قال أبو بكر بن الجهم: قيل لعروة: ما بال عائشة تتم في السفر؟ قال: أراها تأولت ما تأول عثمان.
قال أبو بكر: ويقال: إن الذي تأول عثمان أنه كان يقول: أنا أمير المؤمنين فحيثما كنت من البلاد فأنا في عملي، وقالت عائشة: أنا أم المؤمنين فحيثما كنت فأنا عند ولدي وفي بيتي.
قال ابن حبيب: إنما أتم عثمان بمنى خاصة؛ لأن له بها أرضًا ومالاً، فتأول
الجزء: 2 - الصفحة: 747
أنه غير مسافر.
قال: وحسبت عائشة أن سفرها بعد النبي صلى الله عليه وسلم لا يجوز لها، فأتمت فيه لهذا.
قال غيره: أما ما قيل: إن عائشة رضي الله عنها إنما أتمت؛ لأنها خرجت عاصية؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم قال لها ولغيرها من نسائه في حجة الوداع: «إنما هي هذه ثم ظهور الحصر»، يعني إنما هي هذه الحجة، ثم اجلسن في بيوتكن.
فقد قيل: إنه حديث غير صحيح، لم يدخله إلا من قصد به الطعن على عائشة رضي الله عنها.
وما تقدم من التأويل عليها أولى.
والله أعلم.
ويحتمل أن تكون عائشة وعثمان رضي الله عنهما اختارا الإتمام لما روي «أن النبي صلى الله عليه وسلم أتم وقصر»، ولحديث أنس «كنا نسافر مع رسول الله صلى الله عليه وسلم فمنا من يتم ومنا من يقصر فلا يعيب بعضنا على بعض».
الجزء: 2 - الصفحة: 748
[فصل - 15 - في المسافر يبتدئ صلاته على الإتمام ثم يتم أو العكس]
ومن المدونة قال ابن القاسم: وإذا افتتح المسافر على الإتمام، ثم بدا له فسلم من ركعتين لم تجزئه صلاته في قول مالك؛ لأن صلاته على أول نيته.
قال مالك: وإذا صلى مسافر بمسافرين فقام من اثنتين فسبحوا به، فتمادى وجهل، فلا يتبعوه، ويقعدوا، ويتشهدوا.
قال ابن القاسم: فإذا
الجزء: 2 - الصفحة: 749
سلم الإمام سلموا بسلامه، ويعيد وحده في الوقت، وكذلك قال مالك.
قال ابن عبدوس: وكان سحنون يفسر ذلك ويقول: إن كان أتم ناسيًا لسفره أو لإقصاره، أو متأولاً وخلفه مقيمون ومسافرون، فإنه يعيد هو ومن أتبعه في الوقت، ويعيد من لم يتبعه أبدًا: ألا ترى أنهم لو سبحوا به حين قام من الركعتين فرجع إليهم وسلم من الركعتين بالمسافرين، وأتم المقيمون أن عليهم أبدًا؛ لأن صلاته على أول نيته، وأما إن حرم على اثنتين فتمادى سهوًا فليسبحوا به إلى وقت لو انتبه وسلم أجزأته، فإن زاد سلموا أفذاذًا، وقدموا من يسلم بهم، ويتم المقيمون لأنفسهم، فصار كإمام أحدث بغلبة.
قال ابن عبدوس: يسبحون به إلى أن يرفع رأسه من الرابعة فحينئذ أبطل على نفسه، وخرج القوم من إمامته، فيسلم المسافرون، ويتم المقيمون وصلاتهم تامة.
الجزء: 2 - الصفحة: 750
ومن العتبية قال ابن القاسم: وإذا صلى مسافر بمقيمين فسلم من ركعتين فليتم المقيمون أفذاذاً, وإن أتموا بإمام أساءوا وأجزأتهم صلاتهم, وإن أعادوا فحسن.
وقال عنه موسى: يعيدون أبداً أحب إلى, وكذلك لو صلى بعضهم بإمام, وبعضهم بإمام.
وقال عنه سحنون: إذا كان خلفه مقيمون ومسافرون فأتهم بهم كلهم مقيم فصلاته تامة, ويعيد المقيمون والمسافرون أبداً؛ لأنه لا يكون فى صلاة واحدة إمامان, وكذلك لو أحدث فقدم مقيماً فأتم بالجميع.
م لأنه يصير لهم إمامان مختلفان.
قال ابن المواز: لا تجزئهم إذا جمعوا فيما عليهم أن يصلوه أفذاذاً.
فصل -16 - : [فى حكم القصر فى دار الحرب]
ومن المدونة قال مالك: ويتك الأسير فى دار الحرب / إلا أن يسافر به
الجزء: 2 - الصفحة: 751
فيقصر.
قال سحنون فى كتاب ابنه: ويسأل الذين سافروا به, فإن اجتمعوا أن مسافة سفره أربعة برد, قصر.
وقيل: قول جماعتهم.
قال مالك: وكلما أقام العسكر بدار الحرب قصر, وإن طال مقامه فى موضع واحد, وليس دار الحرب كغيرها.
وقد قيل لابن عباس: إنا نطيل المقام بخراسان فى العدو, فقال: صل ركعتين وإن أقمت عشر سنين, وقد أقام رسول الله (صلى الله عليه وسلم) فى حصار الطائف سبع عشرة ليلة يقصر الصلاة.
قال ابن حبيب: وكذلك لو عزم على إقامة أربعة أيام, فليقصر؛ إذ لا يملك ذلك ملك الثقة حتى يجاوز الدروب, ويصير بمحله آمنا.
قال فى المدونة: ولو كان بغير دار الحرب/ أتم إذا نوى إقامة أربعة أيام, وإن لم يكن فى مصر ولا قرية.
قال ابن حبيب: ولو أقام بهم فى بلد الإسلام ولا يدرون كم يقيم فليقصروا حتى يعلمهم أنهم مقيمون أربعة أيام, وينبغى للإمام العدل أن يعلمهم كم يقيمون بذلك الموضع, وهذا باب واسع فاقتصرت منه على ما يتعلق بمسائل المدونة خشية التطويل, والله الموفق للصواب.
الجزء: 2 - الصفحة: 752
[باب -6 -] ما جاء فى الصلاة فى السفينة
[فصل -1 - فى صلاة الفريضة فى السفينة]
قال مالك: ويستحب لمن يصلى فى السفينة أن يصلى خارجاً منها إن قدر, فإن صلى فيها -وهو قادر على الخروج منها- فى شئ عليه.
وروى ابن وهب: أن جماعة من الصحابة كانوا يصلون / فى السفينة وهم قادرون على الخروج منها.
قال مالك: ويجمعون الصلاة فى السفينة بإمام.
قال مالك: ومن أقدر أن يصلى فيها قائماً فلا يصلى قاعداً.
ومن سماع أشهب: قيل له: فإن لم يقدر أحدهم أن يركع أو يسجد إلا على ظهر أخيه,
الجزء: 2 - الصفحة: 753
قال: ولم يركبوها؟ قيل للحج والعمرة, قال: فلا يركبوها لحج ولا لعمرة, أيركب حيث لا يصلى؟ ويل لمن ترك الصلاة.
ومن المدونة قال: وصلاتهم على ظهرها أفذاذاً أحب إلى من صلاتهم تحت سقفها فى جماعة محنية رؤوسهم.
قال: ويدورون إلى القبلة كلما دارت السفينة عن القبلة إن قدروا.
قال ابن القاسم: فإن لم يقدروا أن يدوروا معها أجزأتهم صلاتهم عند مالك.
وقال ابن عبد الحكم فى أهل السفن: يصلى بهم إمامهم فى إحداها ففرق الريح بينهم وبين إمامهم فليستخلفوا من يت بهم.
[فصل -2 - فى صلاة النافلة فى السفينة]
ومن المدونة: ولم يوسع مالك لمن فى السفينة أن يصلى النافلة إيماء حيثما كان وجهه, كما وسع للمسافر على الدابة والمحمل.
الجزء: 2 - الصفحة: 754
م لأنه في السفينة يقدر أن يدور إلى القبلة, ولا يقطع ذلك طريقه, وفى الدابة لو أمر أن لا يصلى إلا إلى القبلة لم يستطيع ذلك إلى مخالفة طريقة فوسع له فى ذلك.
وقال ابن عبد الحكم عن مالك: ولا يتنفل فى السفينة إلا إلى القبلة, وفى كتاب ابن حبيب: قال مالك: السفينة كالدابة, يتنفل عليها حيثما توجهت به.
وقد تقدمت مسألة من سافر فى البحر فقصر فردته الريح إلى موضع خروجه, أنه يتم.
قال سحنون: إن كان ذلك وطناً له.
الجزء: 2 - الصفحة: 755
[باب -7 -] ما جاء في ركعتي الفجر
[فصل -1 - فى حكم ركعتى الفجر]
وركع الرسول (صلى الله عليه وسلم) ركعتى الفجر, وقال: «ركعتا الفجر خير من الدنيا وما فيها».
وندب إليهما, ورغب فيهما, وداوم عليهما.
وقال مالك رحمه الله: ركعتا الفجر يستحب العمل بهما, والوتر أوجب منهما بكثير.
وكان ابن عمر لا يركعهما فى السفر.
ابن المواز: قال ابن عبد الحكم وأصبغ: ليستا بسنة.
قال أصبغ: وهما من الرغائب.
وقال أشهب فى المجموعة: إنهما سنة, وليستا كالوتر, كما ليس غسل العيدين كغسل الجمعة ودخول مكة.
م فوجه القول الأول: أن السنة ما صلاها النبى صلى الله عليه وسلم فى جماعة, وداوم
الجزء: 2 - الصفحة: 756
عليهما, وما قصر عن ذلك ولم يداوم عليه, فهو من الرغائب, وركعتا الفجر لم يصلهما فى جماعة, ألا ترى أنه لما صلى العيدين كانتا من السنة.
ووجه الثانى: أن السنة عبارة عما تأكد من النوافل وترتب وتقدر, ولم يكن موكولاً إلى اختيار المصلى, وهذه صفحتهما, بخلاف سائر النوافل.
فصل -2 - [إذا ركع ركعتي الفجر ثم ظهر له أنه ركعهما قبله هل يعيدهما؟]
ومن المدونة قال مالك: ومن تحرى الفجر فى غيم فركع له فلا بأس به, فإن ظهر له أنه ركعهما قبل الفجر أعادهما بعده/
وقال ابن حبيب: لا يعيدهما.
وقال ابن الماجشون: وفعله ربيعة والقاسم وسالم.
الجزء: 2 - الصفحة: 757
فوجه قول مالك: أنه تحرى الوقت فأخطأه فوجب عليه أن يعيد, أصله صلاة الفريضة.
قال مالك فى المدونة: وإن صلاهما بعد الفجر لا ينوى بهما ركعتى الفجر لم يجزئاه.
[فصل -3 - فى من دخل المسجد ولم يركع ركعتى الفجر, فأقيمت الصلاة]
قال مالك: وإن دخل المسجد بعد / الصبح ولم يركعهما فأقيمت الصلاة فلا يركعهما, وليدخل مع الإمام.
وقد قال النبى (صلى الله عليه وسلم) لمن ركعهما بعد الإقامة فى المسجد: «أصلاتان معاً؟» يريد نهياً عن ذلك.
الجزء: 2 - الصفحة: 758
م ولو وجد الإمام المؤذن فى الإقامة, وقد كان لم يركع الفجر فلا يخرج لذلك, ولا يسكته, وليصل, قاله مالك.
وذلك بخلاف الوتر, لأن عبادة بن الصامت أسكت المؤذن لأجل الوتر, وذلك لتأكيد الوتر, ولأنه لو صلى / لم يأت به بعد ذلك, وركعتا الفجر إن شاء صلاهما إذا طلعت الشمس.
قال الأبهرى: وإذا صلاهما بعد طلوع الشمس فهو متطوع بهما لا أنهما ركعتا الفجر.
قال مالك: ثم إن شاء صلاهما بعد طلوع الشمس وذلك حسن, وليس بواجب, وفعله ابن عمر والقاسم بن محمد».
قال مالك: «وإن سمع الإقامة قبل أن يدخل المسجد أو جاء والإمام فى الصلاة, فإن لم يخف فوات ركعة فأحب إلى أن يركعهما خارجاً في غير
الجزء: 2 - الصفحة: 759
أفنية المسجد التى تصلى فيها الجمعة اللاصقة به, وإن خاف ذلك دخل مع الإمام ثم إن شاء صلاهما بعد طلوع الشمس.
فصل -4 - [فى القراءة فى ركعتى الفجر].
وكان مالك يقرأ فيهما بأم القرآن سراً لحديث عائشة رضى الله عنها أن البنى (صلى الله عليه وسلم) كان يخفف ركعتى الفجر حتى أقول أقرأ فيهما بأن القرآن أم لا.
وروى ابن وهب فى موطئه عن ابن عمر «أن البنى صلى الله عليه وسلم قرأ فيهما بـ ﴿قُلْ يَا أَيُّهَا الْكَافِرُونَ﴾ و ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾ , وفى بعض الكتب ذكر الحديث لمالك فأعجبه.
قال ابن حبيب: «وروى أيضاً أن النبى صلى الله عليه وسلم قرأ فى الأولى مع أن القرآن بـ ﴿قُلْ يَا أَيُّهَا الْكَافِرُونَ﴾ وفى الثانية بـ ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾.
الجزء: 2 - الصفحة: 760
وروي أيضاً أن النبي (صلى الله عليه وسلم قرأ فى الأولى بأم القرأن و ﴿آمَنَ الرَّسُولُ﴾ وفى الثانية بأم القرأن و ﴿قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ تَعَالَوْا إِلَى كَلِمَةٍ سَوَاءٍ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ﴾ الآيتين.
قال: «ومن اقتصر على ﴿قُلْ يَا أَيُّهَا الْكَافِرُونَ﴾ و ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾ مع أن القرآن وبهاتين الآيتين مع أم القرآن فهو أحب إلى من أم القرآن وحدها.
فصل -5 - [فى التنقل والكلام بعد طلوع الفجر إلى صلاة الصبح]
ومن المدونة قال مالك: ومن فاته حزبه من الليل أو تركه حتى طلع الفجر فليصله ما بين طلوع الفجر إلى صلاة الصبح, وما ذلك من عمل الناس, إلا من غلبته عيناه, فأرجوا أن يكون خفيفاً, وقد فعله عمر بن الخطاب رضي الله عنه.
الجزء: 2 - الصفحة: 761
وقال مالك فى كتاب ابن المواز: إن الناس لينكرون التنقل بعد الفجر, وما هو بالضيق جداً.
وقال ابن حبيب: من السنة كراهية الصلاة بعد الفجر إلا ركعتى الفجر.
قال مالك فى / المدونة: «ولا بأس أن يقرأ حينئذ سجدة, ويسجد, ولا بأس بالكلام بعد الفجر حتى يصلى الصبح, فبعد ذلك يكره الكلام إلى طلوع الشمس أو قرب طلوعها».
وكان مالك يجلس بعد الفجر يتحدث ويسأل حتى تقام الصلاة, ثم يترك الكلام إلى طلوع الشمس أو قرب طلوعها.
قال مالك: ولقد / رأيت نافعاً مولى ابن عمر, وموسى بن ميسرة وسعيد بن أبى هند يجلسون بعد صلاة الصبح, وما يكلم أحد منهم صاحبه اشتغالاً بذكر الله, وكان سالم بن عبد الله يتحدث بعد طلوع الفجر إلى أن تقام الصلاة.
وقال عائشة رضى الله عنها: أن النبى صلى الله عليه وسلم كان يصلى من الليل إحدى
الجزء: 2 - الصفحة: 762
عشرة ركعة, ثم يضطجع على شقه الأيمن, فإن كنت يقظانه حدثنى حتى يأتيه المؤذن بالصلاة, وذلك بعد طلوع الفجر.
فصل -6 - [فى الضجعة بين ركعتى الفجر وصلاة الصبح]
قال ابن القاسم: ولا بأس / بالضجعة بين ركعتى الفجر وصلاة الصبح إن لم يرد بها فصلا بينهما وإن أراد ذلك فى أحبه.
قال ابن حبيب: وأنا استحب الضجعة بين ركعتى الفجر وصلاة الصبح.
أبو محمد: ولا يفعله استناناً؛ لأن النبة (صلى الله عليه وسلم) لم يفعله استناناً, وكان ينتظر المؤذن حتى يأتيه
[فصل -7 - فى من وجد الناس قد صلوا هلى يركع للفجر؟ ومن ركعهما فى بيته هل يركعهما ثانية].
ومن سماع ابن القاسم قيل لمالك: ممن وجد الناس قد صلوا أيركع
الجزء: 2 - الصفحة: 763
للفجر؟ قال: نعم إلا أن يسفر جداً, قيل: فإذا أصابهم فى التشهد, فجلس معهم, فتشهد وسلم معهم أيركع؟ قال: يبتدئ بالمكتوبة.
م إذا سلم معهم فهى مثل الأولى يركع للفجر إلا أن يسفر جدا.
قيل لمالك: فمن ركعهما فى بيته, ثم أتى المسجد أيركعهما ثانية؟ قال: كل ذلك واسع, وقد رأيت من فعله, وأحب إلى أن لا يركع.
وقال: قبل ذلك أحب إلى أن يركع.
وقال سحنون: لا يعدهما فى المسجد.
ابن حبيب: وكان النبى (صلى الله عليه وسلم) يركع للفجر فى بيته, فإذا دخل المسجد لم يعدهما, وبه أخذ ابن وهب وأصبغ.
م فوجه قوله: أن يركع قوله عليه السلام: (إذا دخل أحدكم المسجد فلا يجلس / حتى يركع).
الجزء: 2 - الصفحة: 764
ووجه أن لا يركع لفعله عليه السلام, ولقوله: (إذا طلع الفجر فلا صلاة إلا ركعتى الفجر).
م وبه أقوال.
وسئل أبو بكر بن عبد الرحمن هل هذا الاختلاف فى إعادة ركعتى الفجر؟ أم إنما يعنى أن يأتى بركعتين تحية المسجد؟ قال: لا يصح أن يكون الاختلاف فى ركعتى الفجر, وإنما اختلف قوله: هل يأتى بركعتين تحية المسجد أم لا؟.
وسئل عنها الشيخ أبو عمران, فقال: قد وقع من قول مالك الاختلاف الذى ذكرت, فعورض مالك بما جاء أنه (لا صلاة بعد الفجر إلا ركعتى الفجر) فذكر الحديث الذى جاء فى من دخل المسجد أنه (لا يجلس حتى يركع ركعتين).
قال أبو عمران: «وهذا الحديث الذى احتج به مالك أثبت من الحديث الآخر.
ففى هذا بيان أن اختلاف قوله: إنما هو فى ركعتين يأتي بهما تحية
الجزء: 2 - الصفحة: 765
للمسجد, وأما إعادة ركعتي الفجر, فلا وجه له.
قيل له: فما ذكرت عن الشيخ أبى الحسن أنه قال: إذا أتى المسجد بعد الفجر أنه يصلى أربع ركعات ركعتى الفجر ووركعتين تحية للمسجد, فقال: إذا بدأ بركعتى الفجر فهى تنوب له, كما إذا صلى فريضة نابت له عن تحية المسجد, فكأنه ضعف رأى أبى الحسن, وبالله التوفيق.
الجزء: 2 - الصفحة: 766
[باب -8 -] ما جاء فى الوتر
[فصل 1 - 1 فى حكم الوتر] والوتر سنة مؤكدة لا يسع أحداً تركها, خلافاً لأبى حنفية فى قوله: إنها واجبة, وليست بفرض ولا سنة.
الجزء: 2 - الصفحة: 767
ودليلنا قوله عليه السلام للأعرابى لما سأله عن الإسلام: «خمس صلوات فى اليوم والليلة» , ولو كان الوتر واجباً لكان يقول ستاً,
وقوله عليه السلام: «أمرت بالوتر, وهو لكم سنة» , وروى مالك فى الموطأ أن رجلاً من بنى كنانة سمع رجلاً بالشام يدعى أبا محمد يقول: إن الوتر واجب, قال: فرحت إلى عبادة بن الصامت [فاعترضت له وهو روائح إلى المسجد] فأخبرته بالذى قال أبو محمد, فقال عبادة: كذب أبو محمد سمعت / رسول الله (صلى الله عليه وسلم) يقول: «خمس صلوات كتبهن الله على العباد فمن جاء بهن لم يضيع منهن شيئاً استخفافاً بحقهن كان له عند الله عهد أن يدخله الجنة ومن لم يأت بهن فليس له عند الله عهد إن / شاء عذبه, وإن شاء أدخله الجنة».
[فصل -2 - : الوتر لا يكون إلا بعد شفع]
قال مالك رحمه الله: «ولا يكون إلا بعد شفع؛ لقول الرسول (صلى الله عليه وسلم): «صلاة
الجزء: 2 - الصفحة: 768
الليل مثنى مثنى, فإذا خشى أحدكم الصبح صلى ركعة توتر له ما قد صلى» وقد ذهب أبو حنيفة إلى أنها ثلاث ركعات لا فصل بينهن.
ودليلنا قوله عليه السلام: «صلى ركعة توتر له ما قد صلى» , فنص أن الوتر ركعة.
وروت عائشة رضى الله عنها أنه (صلى الله عليه وسلم) كان يصلى من الليل إحدى عشرة يوتر منها بواحدة.
فصل -3 - [فى من نسى الوتر أو نام عنه هل يوتر بعد الفجر؟]
قال مالك: ومن نسى الوتر, أو نام عنه, فانتبه وهو يقدر على أن يوتر,
الجزء: 2 - الصفحة: 769
ويركع للفجر, ويصلى الصبح قبل طلوع الشمس فعل ذلك كله.
وقد سئل النبى (صلى الله عليه وسلم) أيوتر بعد الفجر؟ فقال: نعم.
قال مالك فى الموطأ وفعله ابن عباس وعبادة بن الصامت, وعبد الله بن عامر وغيرهم.
قال مالك فى المدونة: وإن لم يقدر إلى على صلاة الصبح والوتر صلاهما وترك ركعتى الفجر؛ لأن الوتر آكد منها, وإن لم يقدر إلى على الصبح صلاهما, ولا قضاء عليه للوتر, وإن أحب ركع للفجر بعد طلوع الشمس.
قال ابن المواز وعيسى بن دينار عن ابن القاسم: ومن أصبح ولم
الجزء: 2 - الصفحة: 770
يوتر, فإن كان تنفل بعد العتمة فليوتر بواحدة وإلا شفع الآن, بركعتين.
قال ابن المواز: قال أصبغ: ولو لم يكن تنفل ولم يبق لطلوع الشمس إلا أربع ركعات فليوتر بثلاث, ثم يصلى الصبح.
قال ابن المواز: وأحب إلى أن يوتر بواحدة, ويصلى الصبح كلها فى الوقت.
[فصل -4 - فى صفة الوتر].
ومن المدونة قال مالك: والوتر واحدة, وكان مالك يقرأ فيها فى خاصى نفسه بأن القرآن, و ﴿قل هو الله أحد﴾ والمعوذتين, ولا يفتى الناس بذلك.
ابن وهب وفعله النبي (صلى الله عليه وسلم).
الجزء: 2 - الصفحة: 771
وقال مالك فى المجموعة: إن الناس ليلتزمون فى الوتر قراءة ﴿قل هو الله أحد﴾ والمعوذتين مع أم القرآن, وما ذلك بلازم.
وأما الشفع قبله فما عندى / شئ يستحب القراءة [به] فيه دون غيره.
قال فى العتبية: ومن قرأ فى الوتر بأم القرآن وحدها سهواً فلا سجود عليه, وخففه وقال: ألا ترى الركعتين الآخرتين من الفريضة يقرأ فيهما بأم القرآن فقط.
قال عنه على: فإن نسى أن يقرأ فيها فأحب إلى أن يشفعها ويسجد
الجزء: 2 - الصفحة: 772
للسهو, ثم يوتر.
قال ابن حبيب: وكان النبى (صلى الله عليه وسلم) يقرأ فى الركعة الأولى من شفع الوتر بـ ﴿سبح اسم ربك الأعلى﴾ , وفى الثانية بـ ﴿قل يا أيها الكافرون﴾ , ويسلم ويقرأ فى ركعة الوتر بـ ﴿قل هو الله أحد﴾ والمعوذتين, فمن بهذا فى وتره فحسن, ومن قرأ بغيره فلا حرج.
قال أبو العباس الأبيانى: ويجهر بالقراءة فى ركعة الوتر, فإن أسر ساهياً سجد قبل السلام, وإن جهل ذلك أو تعمد فعليه الإعادة فى ليلته, وبلغنى ذلك عن يحيى بن عمر.
وأما الركعتان قبله, فإن شاء جهر / فيهما أو أسر.
م وقيل: لا شئ عليه إن أسر فى الوتر, كما لا شئ عليه إذا قرأ فيهما بأم القرآن وحدها.
قال بعض أصحابنا: هذا استحسان بعيد.
وقد اختلف فيمن أسر فيما يجهر فيه عامداً أو جاهلاً فى الفرض هل يعيد فكيف فى الوتر؟.
ومن المدونة: قال مالك: ولا ينبغى أن يوتر بواحدة فى سفر / ولا حضر,
الجزء: 2 - الصفحة: 773
وليصل ركعتين, ثم يسلم, ثم يوتر بواحدة.
وفى الموطأ قال أبو هريرة: إذا صليت العشاء صليت خمس ركعات, ثم أنام, فإن قمت من الليل صليت مثنى ومثنى, وإن أصبحت أصبحت على وتر».
قال مالك: «وكان أبو بكر الصديق رضى الله عنه يوتر أول الليل, وكان عمر بن الخطاب رضى الله عنه يوتر آخر الليل, وفى غير الموطأ (أن النبى (صلى الله عليع وسلم) سأل أبا بكر كيف توتر؟ فقال: أصلى ثم أوتر, ثم أقوم فأصلى ولا أوتر, فقال له: أخذت بالحزم, وسأل عن ذلك عمر بن الخطاب رضى الله عنه كيف توتر؟.
فقال: أصلى ثم أنام, ثم أقوم فأصلى وأوتر, فقال له: أخذت بالقوة.
والأفضل عند مالك تأخير الوتر لفضيلة قيام آخر الليل إلا لمن يكون
الجزء: 2 - الصفحة: 774
الغالب عليه أن لا ينتبه, فالأفضل أن يوتر ثم ينام؛ لأن فى نومه قبله تغريراً بالوتر.
قال ابن الحبيب: كان أبو هريرة يوتر بخمس ركعات ثم ينام, وكان ابن عباس وابن عمر يوتران بسبع, ثم ينامان, فإن قاما صليا مثنى مثنى, وكان سعد بن أبى وقاص يوتر بواحدة ليس قبلها شئ.
قال مالك: والعمل / على خلاف ذلك.
ابن سحنون وقال أشهب: ومن أوتر بواحدة فليعد وتره بإثر شفع ما لم يصل الصبح.
وقال سحنون: إن كان بأثر ذلك شفعها, ثم أوتر وإن تباعد أجزأه, وقد أخبرنى على عن مالك قال: لا بأس أن يوتر المسافر بواحدة.
وقد مرض سحنون فأوتر بواحدة فى مرضه.
[فصل -5 - فى الوتر على الراحلة]
ومن المدونة قال مالك: ولا بأس أن يوتر على الراحلة فى السفر حيثما
الجزء: 2 - الصفحة: 775
توجهت به دابته, وفعله الرسول (صلى الله عليه وسلم) وهذا فى سفر تقصر فى مثله الصلاة, اعتباراً بالقصر والفطر.
قال مالك: وإن صلى المسافر على الأرض, وله حزب من الليل, فليوتر على الأرض, ثم يركب دابته, فيتنقل ما أحب, وقد أجزأ عنه وتره».
فصل -6 - [فى من أوتر قبل صلاة العشاء]
قال مالك: ومن أوتر قبل صلاة العشاء الآخرة ناسياً فليصل العشاء ثم يوتر ثانية.
وإن أتى فى رمضان فوجد الناس يوترون, فصلى معهم جاهلا حتى فرغ من الوتر, ولم يكن صلى العشاء الآخرة فليشفع الوتر إن كان بالقرب, ثم يصلى العشاء الآخرة ويعيد الوتر, وإن تطاول أو خرج من المسجد فلا يشفع وتره ولكن يعيده بعد العشاء.
قال مالك: ومن صلى العشاء على غير وضوء, ثم انصرف إلى بيته فتوضأ وأوتر, ثم ذكر ذلك فليعد العشاء, ثم الوتر, وإن ذلك فى آخر الليل».
الجزء: 2 - الصفحة: 776
فصل -7 - [فى من ذكر الوتر وهو فى صلاة الصبح هل يقطع ويوتر؟]
ومن كان خلف إمام فى الصبح أو وحده فذكر وتر ليلته, فقد استحب له مالك أن يقطع, ويوتر, ثم يصلى الصبح؛ لأن الوتر سنة, ولا يقضى بعد الصبح, وقد أسكت عبادة بن الصامت المؤذن بعد إقامة صلاة الصبح حتى يصلى الوتر.
قال ابن القاسم: ثم أرخص مالك للمأموم أن يتمادى.
قال مالك فى الواضحة: وإن ذكر الإمام الوتر وهو فى الصبح فليقطع, ويخرج فيوتر, ثم يصلى الصبح إلا أن يكون قد أسفر جداً فلا يقطع, وليتماد فى فريضته».
وروى مثله ابن القاسم وابن وهب.
وروى أيضاً ابن وهب عنه أنه قال: إن شاء تمادى, ثم أوتر, وأعاد الصبح, / وقاله ابن عبد الحكم.
الجزء: 2 - الصفحة: 777
ومن المدونة قال مالك رحمه الله: ومن ذكر الوتر بعد صلاة الصبح لم يقضه, ولم أسمع أن أحدً قضى الوتر بعد صلاة الصبح, وليس هو كركعتى الفجر فى القضاء.
وقال النخعى: إذا صلى الصبح أو طلعت الشمس فلا قضاء للوتر.
م إنما قال ذلك؛ لأنه ما لم يصل الصبح / يكون وتره متصلاً بما هو قبله , فإذا صلى الصبح فقد حال بينه وبينه صلاة من غير جنسه ففات وقته, وإذا طلعت الشمس ولم يكن صلى الصبح فالأولى له أن يبدأ بالصبح كما بدأ بها عليه إذا ضاق الوقت, فإذا بدأ بها صار ذلك حائلاً بينه وبين ما هو وتر له.
فصل -8 - [فى من شفع وتره ساهياً]
قال ابن القاسم: ومن شفع وتره ساهياً سجد لسهوه بعد السلام, واجتزأ
الجزء: 2 - الصفحة: 778
بوتره, يعمل فى السنن كما يعمل فى الفرائض»
قال مالك: «ومن لم يدر جلوسه فى الشفع أو فى الوتر سلم وسجد لسهوه, ثم أوتر بواحدة».
م قيل: إنما أمره بسجود السهو؛ لاحتمال أن يكون أضاف ركعة الوتر إلى ركعتى الشفع من غير سلام فيصير قد صلى الشفع ثلاثاً, فيسجد بعد السلام كذلك, والله أعلم.
قال ابن القاسم: وإن لم يدر أفى الأولى هو جالس أو فى الثانية أو الوتر؟ أتى بركعة وسلم وسجد لسهوه ثم أوتر.
قال ابن المواز: قال ابن القاسم: ومن أحرم للشفع فلا يجعلها وتراً,
الجزء: 2 - الصفحة: 779
وإن أحرم للوتر فلا يجعلها شفعاً».
قال أصبغ: «فإن فعل فى الوجهين أجزأه».
قال ابن المواز: وإن أحرم للوتر فله أن يشفعه, وإن أحرم للشفع فلا يجزئه أن يوتر به.
الجزء: 2 - الصفحة: 780
[باب- 9 -] في من ذكر صلاة نسيها وهو في صلاة أو غيرها
[فصل -1 - في وقت الصلاة المنسية]
وقال الرسول صلى الله عليه وسلم: من نسي صلاة فليصلها إذا ذكرها، فإن الله تعالى يقول: ﴿وَأَقِمِ الصَّلاةَ لِذِكْرِي﴾، وكذلك إذا نام عنها.
وقد روى مالك عن زيد بن أسلم أنه قال: ((عرسنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم بطريق مكة ووكل بلال [أن] يوقظهم للصلاة فرقد بلال، ورقدوا حتى [استيقظوا وقد] طلعت عليهم الشمس فاستيقظ القوم، وقد فزعوا، فأمرهم رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يركبوا حتى يخرجوا من ذلك الوادي، وقال: (إن هذا واد به شيطان) فركبوا حتى خرجوا من ذلك الوادي، ثم أمرهم رسول الله صلى الله عليه وسلم أن ينزلوا و [أن] يتوضؤوا، وأمر بلالا [أن] ينادي بالصلاة أو يقيم، فصلى رسول الله صلى الله عليه وسلم بالناس، ثم انصرف [إليهم]، وقد رأى فزعهم فقال: ((يا أيها الناس إن الله قبض أرواحنا ولو شاء لردها إلينا في حين غير هذا، فإذا رقد أحدكم عن الصلاة أو نسيها، ثم فزع إليها فليصلها، كما كان يصليها في وقتها)) ثم التفت [رسول الله صلى الله عليه وسلم] إلى أبي بكر، فقال: ((إن الشيطان أتى بلالاً، وهو قائم يصلي، فأضجعه، فلم يزل يهدئه كما يهدأ الصبي حتى نام) ثم دعا [رسول الله صلى الله عليه وسلم] بلالا، فأخبر بلال رسول الله صلى الله عليه وسلم مثل الذي/ أخبر رسول الله صلى الله عليه وسلم أبا بكر، فقال أبو بكر أشهد أنك رسول الله)).
قال النخعي في من نسي صلاة: فليصلها متى ما ذكرها في وقت صلاة أو غير وقت صلاة.
الجزء: 2 - الصفحة: 781
م وخالف ذلك أبو حنيفة، وقال: لا يصلي في غير وقت صلاة.
ودليلنا قوله عليه السلام: ((من نسي صلاة، أو نام عنها، فليصلها إذا ذكرها، فإن ذلك وقتها))، ولأن تلك صلاة فرض، فأشبهت عصر يومه أو فجره، وهو يوافقنا في ذلك.
قال ابن عمر: فإن ذكرها وهو خلف إمام تمادى معه، فإذا سلم الإمام صلى التي نسي، وأعاد التي صلى مع الإمام.
قال مالك: وعلى ذلك الأمر عندنا.
قال مالك: في من ذكر صلاة نسيها، فليصلها حين يذكرها، من ليل أو نهار، وإن بدأ حاجب الشمس، أو كان عند غروبها.
ووقتها حين يذكرها،
الجزء: 2 - الصفحة: 782
لا يؤخرها عن ذلك.
[فصل -2 - في من ذكر فريضة، وهو في فريضة أخرى]
قال: وإن ذكرها وهو في فريضة غيرها، فإن كان وحده قطع، ما لم يركع، ويصلي ما نسي، ثم يعيد التي كان فيها، وإن صلى ركعة شفعها ثم قطع، وإن ذكرها وهو في شفع سلم، ثم صلى التي نسي، وأعاد التي كان فيها، وإن ذكرها بعد ما صلى من هذه ثلاثًا أتمها أربعًا، -يريد- ولا يجعلها نافلة.
قال ابن القاسم: ويقطع بعد ثلاث/ أحب إلي، ثم يصلي التي ذكر، ثم يعيد ما كان فيه.
وقال أشهب في العتبية: إذا ذكرها قبل أن يركع في الأولى فليتم ركعتين، ويصلي ما نسي، ثم التي كان فيها.
الجزء: 2 - الصفحة: 783
قال مالك: ((وإن ذكرها وهو خلف إمام تمادى معه، ولا تجزئه، فإذا سلم الإمام سلم معه ثم صلى ما نسي، ويعيد ما كان فيه مع الإمام إلا أن يكون قد صلى قبلها صلاة فيدرك وقتها ووقت التي صلى مع الإمام فيعيدهما جميعًا بعد الفائتة مثل أن يذكر الصبح وهو مع الإمام في العصر، فإنه إذا سلم الإمام سلم معه، ثم صلى الصبح، ثم أعاد الظهر والعصر.
قال مالك: وكذلك إن ذكر صلاة وهو خلف الإمام في المغرب، فليتماد مع الإمام فإذا سلم الإمام سلم معه، ولا يشفعها، ثم قضى ما نسي وأعاد المغرب، ووقت المغرب والعشاء في ذلك الليل كله.
وكذلك لو ذكر وهو خلف إمام في العصر أنه قد نسي الظهر فليتماد معه، فإذا فرغ صلى الظهر وأعاد العصر.
قال ابن حبيب: إنما يتمادى مع الإمام من ذكر صلاة خرج وقتها فأما إن
الجزء: 2 - الصفحة: 784
كان في العصر فذكر ظهر يومه، أو كان في العشاء فذكر المغرب فهذا يقطع على شفع كان أو وتر؛ لأنه في خناق من وقت الأولى، وتلك فرض، وهذه لا تجزئه، فمبادرته وقت الأولى أولى.
قال: ولو ذكر فيها صلاة فاتت فليتماد فإذا سلم صلى التي ذكر، وأعاد هذه، فإن نسي أن يعيدها حتى خرج وقتها فليعدها أبدًا؛ لأنها صارت نافلة.
وقال سحنون: لا يعيدها إذا خرج وقتها.
م قول ابن حبيب أحب إلي
ووجه قول سحنون أن الترتيب إنما يجب في الوقت فإذا ذهب الوقت سقط حكمه فيما قد صلى، فأما المنسيات فحكمها قائم بعد إذ لابد من الاتيان بها، وهو مذهب المدونة.
قال ابن حبيب: وإن ذكر الفائتة/ بعد سلامه من هذه فصلى التي ذكر ونسي إعادة هذه حتى خرج وقتها، فقال ابن القاسم: لا يعيدها، وقال مطرف وبعد الملك: يعيدها، وذكراه عن مالك، وبه أقول، وكذلك قالا في من ذكر في الوقت أنه صلى بثوب نجس، ثم نسي أن يعيد حتى خرج الوقت أنه يعيد أبدا.
وقال ابن المواز: لا يعيد بعد الوقت في الوجهين تركها ناسيًا أو عامدًا إلا في قول عبد الملك.
الجزء: 2 - الصفحة: 785
م وقول ابن القاسم في ذلك أبين، وبه أقول.
[فصل -3 - ذكر مكتوبة وهو في نافلة]
ومن المدونة، قال ابن القاسم: وإن ذكر مكتوبة ذهب وقتها وهو في نافلة، فليقطع إن لم يركع، وإن ركع واحدة شفعها، وقد كان مالك يقول أيضا: يقطع، وأحب إلي أن يشفع.
م ولم يختلف قوله: إذا هو ذكرها بعد ركعة من الفريضة أنه يشفعها، والفرق بينهما على أحد قوليه أن الفريضة إذا شفعها فهو قطع لها إذ دخل على أربع، فقطع من اثنتين، والنافلة إذا شفعها فقد أكملها، ولم يؤثر ذكر الفريضة فيها، فأمره أن يقطع من واحدة ليؤثر فيها ذكر الفريضة وإنما تشبه الفريضة النافلة إذا ذكرها بعد ثلاث من الفريضة؛ لأنه إن زاد رابعة صار مكملا لها كما يكون مكملا في النافلة إذا شفعها، وقد اختلف قوله فيهما جميعًا.
ومن المدونة قال مالك: وإذا ذكر الإمام صلاة نسيها فليقطع، ويعلمهم فيقطعوا.
قال ابن القاسم: ولم يره مثل الحدث.
الجزء: 2 - الصفحة: 786
م يريد؛ لأنه في الحدث يستخلف.
والفرق بين ذلك أن صلاة المأموم متعلقة بصلاة الإمام، فمتى بطلت صلاة الإمام بطلت صلاة من خلفه، هذا هو الأصل، فخرج الاستخلاف في الحدث من ذلك بالسنة، وبقي ما سواه على أصله، ولأنها صلاة قد تصح على قول بعض الناس، وتجزئ المأمومين، فإذا قطع فقد أفسد عليهم، فلذلك لم يجز أن يستخلف.
ومن المدونة قال ابن القاسم: وإن لم يذكر الإمام حتى سلم أجزأتهم صلاتهم، وأعاد هو بعد قضاء التي ذكر.
قال سحنون: وقد كان يقول: ويعيدون هم في الوقت، وقاله في كتاب الحج وهما يحملان جميعًا محملاً واحدًا.
قال أبو عمران: معناه وهما يرويان جميعًا.
م والأول أبين.
الجزء: 2 - الصفحة: 787
قال سحنون وعيسى: إن ذكرها وهو في الصلاة استخلف، كالحدث، وإن ذكرها بعد أن سلم فلا إعادة على من خلفه، وقاله ابن القاسم أيضا، وابن كنانة وابن دينار أنه يستخلف.
وقال ابن حبيب: وقاله مطرف وابن الماجشون.
قال: ((وإنما يقطع إذا ذكر أنه صلى تلك الصلاة في بيته أو نسي تكبيرة الإحرام وشبه ذلك فإنه يقطع ويقطعون، ويبتدئون صلاتهم بإمام، وسواء ذكر ذلك في حال صلاته أو بعد أن سلم إلا التي كان صلاها في بيته فإنه إن لم يذكر إلا بعد فراغه منها فإنما يعيدونها أفذاذًا)).
م والقياس أن يستخلف في ذلك كله، وليسوا بأسوء حالاً من الحدث، ولا يستخلف/ في ذلك كله، إلا في الحدث الذي ورد/ فيه النص.
والفرق بين ذلك ضعيف.
فصل -4 - [في من ذكر صلوات كثيرة أو صلوات يسيرة وقت صلاة]
ومن المدونة قال مالك: ومن ذكر صلاة أو صلوات يسيرة مثل الثلاث والأربع في وقت صلاة بدأ بهن وإن فات وقت الحاضرة.
الجزء: 2 - الصفحة: 788
قال ابن القاسم في العتبية: ولو بدأ بالتي حضر وقتها، ثم قضى ما ذكر فلم يفرغ حتى خرج وقت التي بدأ بها فلا يعيدها.
وقال في المدونة: وإن كانت الصلوات كثيرة بدأ بالتي حضر وقتها.
قال: وإن كان قد صلى الحاضرة، ثم ذكر صلوات يريد يسيرة، قال: فيصلي ما نسى، فإن بقي بعد ذلك من وقت الحاضرة قدر ركعة أعادها، وإلا لم يعد.
قال ابن القاسم: وإن ذكر صلوات كثيرة وهو في صلاة تمادى فيها.
م إذا ذكر صلوات وهو إن بدأ بهن فات وقت الحاضرة، فإن كانت أربع صلوات فأقل، فلا خلاف بين أصحابنا أنه يبدأ بهن، وإن فات وقت الحاضرة، وإن كانت ست صلوات فأكثر بدأ بالحاضرة.
واختلف إن كانت خمس صلوات، فقيل: يبدأ بهن، وقيل: يبدأ بالحاضرة.
م وإن كان الوقت متسعًا.
الجزء: 2 - الصفحة: 789
قال ابن حبيب: مثل أن يذكر عند الزوال أن عليه عشر صلوات أو أكثر، وهو إن بدأ بهن فرغ منهن وأدرك الظهر في وقت يجوز لمن عليه صلاة تأخيرها إليه، فليبدأ بهن الأولى فالأولى، وكذلك ما يذكر عند غيبوبة الشفق، وقاله ابن عبد الحكم.
وقال أبو زيد عن ابن القاسم: ((إن ذكر عشر صلوات يريد أو أكثر في وقت الظهر بدأ بهن ما لم يخف فوات وقت الظهر، والوقت في ذلك (كله) ما لم تصفر الشمس.
والوقت في رواية سحنون في ذلك الغروب.
وعلى هذا الأصل إن ذكر عشر صلوات أو أكثر وهو يصلي الظهر في أول وقتها فإنه يقطع، ويبتدئ بهن، ويصليها بعد الفراغ منهن، وإن كان قد صلاها قبل أن يذكرهن فإنه يصليهن ويعيدها؛ لأنه يدرك وقتها.
والوقت عند ابن حبيب وقت الصلاة المفروضة، وفي رواية أبي زيد الاصفرار.
وفي رواية سحنون الغروب، كما قدمنا، وهذا كله خلاف لما في المدونة، والذي هو وفاق المدونة ما ذكره سحنون في كتاب الشرح، وهو إن ذكر أربع صلوات فأدنى في وقت صلاة بدأ بهن، وإن لم يذكرهن حتى صلاها فليصل ما ذكر بعد ذلك ويعيد التي صلى إن كان في وقتها، وإن ذكر خمس صلوات فأكثر بدأ بالحاضرة، ثم يصلي ما ذكر بعد ذلك ولا يعيد الحاضرة، وإن كان في وقتها، وكذلك لو ذكرهن بعد ما صلى الحاضرة، وإن ذكر الخمس وهو في الحاضرة فليتماد عليها، فإذا فرغ صلى التي ذكر، ولا يعيد الصلاة التي ذكرهن فيها.
الجزء: 2 - الصفحة: 790
ويحتمل أن تكون الخمس في حيز القليل وما تقدم أشبه بظاهر المدونة.
ولا إشكال في الست أنها في حيز الكثرة، وقول ابن حبيب حسن.
وبالله التوفيق.
ومن المدونة قال مالك: ومن نسي صلوات كثيرة أو تركها صلاها على قدر طاقته، ويذهب لحوائجه، فإذا فرغ من حوائجه صلى أيضا ما بقي عليه حتى يستكملها، ويقيم لكل صلاة صلاها.
ويصلي صلاة الليل في النهار ويجهر، وصلاة النهار في الليل ويسر.
قال محمد بن أبي زمنين: في من عليه صلوات كثيرة/، فقيل: إنه يبدأ بصلاة الظهر، وقيل: يبدأ بالصبح.
قال: فإذا طلعت الشمس فأكره الصلاة حتى ترتفع في الطلوع، يريد صلاة النافلة.
م لما روي أن الرسول صلى الله عليه وسلم قال: ((إذا بدأ حاجب الشمس فأخروا الصلاة حتى تبرز، وإذا غاب حاجب الشمس فأخروا الصلاة حتى تغيب)) /.
الجزء: 2 - الصفحة: 791
فصل -5 - [في من ذكر صلاة صلاها وأعاد ما هو في وقته]
ومن ذكر صلاة صلاها، وأعاد ما هو في وقته من الصلوات ووقت الظهر والعصر في هذا النهار كله، والمغرب والعشاء الليل كله، والصبح إلى طلوع الشمس.
فإن بقي بعد الفائتة من الوقت قدر صلاة ركعة من الأخرى أعادها جميعا، وإن لم يبق إلا قدر صلاة أو ركعة منها جعلها للآخرة.
قال في العتبية: فإن قدر أنه يبقى من النهار أربع ركعات فصلى العصر، ثم بقي من النهار ركعة، فليعد الظهر والعصر؛ لأنه قد كان وجب عليه صلاتهما متواليتين، وكذلك قال ابن حبيب، وقاله ابن المواز عن مالك.
وقال أشهب في الصلاة الثاني من العتبية، وسحنون في كتاب ابنه: ((لا يصلي إلا الظهر))، وقاله ابن المواز من رأيه.
قال: إلا أن يعلم قبل أن يسلم من العصر أو لا فليعد الصلاتين.
م فوجه قول مالك: فلأنه لما فرغ من الفائتة بقي له من النهار قدر خمس ركعات فوجب أن يصلي الظهر والعصر متواليتين فليس خطؤه في التقدير يسقط ما كان وجب عليه.
الجزء: 2 - الصفحة: 792
ووجه قول أشهب أنه لما كان الواجب أن يبدأ بالظهر، ثم العصر فأخطأ فبدأ بالعصر صار كمن نسي الظهر وصلى العصر فذكر لقدر ركعة من النهار أنه يصلي الظهر ولا يعيد العصر، فعذره بخطئه في التقدير كما عذره بالنسيان؛ لقوله عليه السلام: (حمل عن أمتي الخطأ والنسيان)، وهو القياس.
والله أعلم.
وكذلك الحائض في خطأ التقدير.
وفي كتاب الصلاة الأول شيء من هذا.
[فصل -6 - في الترتيب بين الفوائت]
ومن المدونة قال مالك: وإن ذكر الصبح والظهر بدأ بالصبح، وإن خرج وقت الظهر، وإن ذكر الظهر والعصر بدأ بالظهر، وإن غربت الشمس.
قال علي عن مالك: فإن بدأ بالعصر جهلا أو سهوًا فليعدهما، وإن لم يذكر حتى ذهب يومه لم يعد شيئا.
قال في المدونة: وإن كان قد صلى العصر، ثم ذكر الظهر، فليصلها، ولا يعد العصر، إلا أن يبقى من النهار قدر ركعة، ولو ذكر آخر الليل المغرب والعشاء بدأ بالمغرب، وإن طلع الفجر، وكذلك العشاء والصبح يبدأ بالعشاء وإن طلعت الشمس.
الجزء: 2 - الصفحة: 793
قال سحنون: ومن ذكر صلاة بعد أن ركع ركعتي الفجر صلاها، وأعاد ركعتي الفجر.
قال مالك: ومن نسي الصبح والظهر من يوم فذكر الظهر بعد أيام فلما أحرم بها ذكر الصبح فليقطع، ويبدأ بالصبح، ولو لم يذكرها حتى سلم لم يعد الظهر، وفراغه منها كذهاب وقتها.
ومن المجموعة قال أشهب: ومن ذكر الصبح في صلاة الجمعة، فإن أيقن أنه إذا خرج صلى الصبح وأدرك ركعة من الجمعة فليقطع، وإن أيقن أنه لا يدرك ذلك تمادى، فإذا سلم صلى الصبح ولم يعد ظهرا، كصلاة خرج وقتها، وإن أعاد ظهرًا فحسن.
ابن المواز قال ابن القاسم: وإن صلى الجمعة، ثم/ ذكر الصبح فإنه يصلي الصبح، ويعيد الجمعة ظهرًا، ووقتها النهار كله، قال أصبغ: وقال الليث وأشهب: وقتها الفراغ منها، قال سحنون: لا يعيدها.
ومن المدونة قال ابن القاسم: ومن صلى أيامًا ذاكرًا لصلاة متعمدًا صلى التي ذكر، وأعاد ما هو في وقته من الصلوات، وقد أساء في تعمده، ولا يعيد التي ذكرها فيها أولا إذا خرج وقتها.
وقال ابن الماجشون: ((لابد من إعادة التي ذكرها فيها أولاً، وما هو في وقته من الصلوات)).
الجزء: 2 - الصفحة: 794
قال ابن القصار: في من ذكر صلاتين ظهرين أو عصرين أن الترتيب يسقط فيهما؛ لأنهما من جنس واحد، وصفتهما واحدة، والنية لهما واحدة، وقد اجتمعتا في وقت الذكر، فلا فائدة في ترتيب إحداهما على الأخرى، وليس كذلك إذا كانتا مختلفتين.
قال: وليس عن مالك في هذا نص، وإنما النص في الصلوات المختلفة، وهذا شيء/ رأيته واخترته.
وفي كتاب ابن الجلاب: أن الترتيب في الفوائت مستحق في خمس صلوات فأدنى، وغير مستحق في ست صلوات فما فوقهن.
قال: وترتيب المفعولات مستحب إعادتها في الوقت بعد صلاة ما نسي، وترتيب المتروكات مستحق في الوقت وبعده)).
[فصل -7 -] في من ذكر صلاة لا يدري ما هي أو صلوات لا يدري أيتهما قبل الأخرى
من العتبية قال ابن القاسم: ومن ذكر صلاة يوم لا يدري سفرًا أو حضرًا، فليصل صلاة يوم للسفر، وصلاة يوم للحضر، لا يعيد فيهما الصبح والمغرب.
الجزء: 2 - الصفحة: 795
م وكذلك لو ذكر صلاة واحدة لا يدري ما هي، لا من سفر، ولا من حصر، الجواب سواء.
قال ابن القاسم: وإن ذكر ظهرًا وعصرًا لا يدري الظهر للسبت والعصر للأحد، أو العصر للسبت والظهر للأحد، فليصل ظهرًا للسبت، ثم عصرًا للأحد، ثم عصرًا للسبت، ثم ظهرًا للأحد، وقاله ابن حبيب.
م والصواب أن يصلي عصرًا بين ظهرين أو ظهرًا بين عصرين، ولا حكم للأيام، وإنما المراعاة في الترتيب، فإذا صلى على حسب ما ذكرنا حصل الترتيب؛ لأنه إن كانت الظهر هي الأولى فقد صلاها قبل العصر وإن كانت العصر الأولى فقد صلاها قبل الظهر.
قال ابن حبيب: ومن نسي صلاة لا يدري ظهرًا أو عصرًا فليصل صلاتين ظهرًا وعصرًا، هذا إن لم يدر من أي يوم هي، وإن شك في اليوم، فقال: من السبت أو الأحد، فليصل أربع صلوات ظهرًا وعصرًا للسبت، ثم يعيدها للأحد.
الجزء: 2 - الصفحة: 796
م ذلك سواء إنما عليه أن يصلي ظهرًا وعصرًا فقط.
قال: فلو كان ظهرًا لا يدري من السبت أو من الأحد، فليصل الظهر للسبت، ثم يعيدها للأحد.
م إنما عليه ظهر واحد.
قال: ومن نسي صلاتين ظهرًا وعصرًا من يومين مختلفين لا يدري أيتهما قبل صاحبتها، ولا يعرف اليومين، فليصل ظهرًا بين عصرين وعصرًا بين ظهرين، وقاله ابن الماجشون وابن القاسم وغيرهما.
قال: ((وأما لو عرف اليومين مثل السبت والأحد، فليصل ظهرًا وعصرًا للسبت، وظهرًا وعصرًا/ للأحد.
ولم يفرق سحنون ولا ابن المواز بين يوم معروف أو غير معروف، وقالا: ((يصلي ظهرًا بين عصرين، أو عصرًا بين ظهرين)).
م وهذا هو الصواب.
ومن كتاب ابن سحنون من ذكر ظهرًا لا يدري للسبت أو للأحد فإنما
الجزء: 2 - الصفحة: 797
عليه ظهر واحد، وكذلك إن ذكر ظهرًا وعصرًا لا يدري من أمس أو من أول أمس فإنما عليه ظهر وعصر فقط.
م وهذا خلاف ما تقدم لابن حبيب، وهو الصواب؛ لأنه إذا كانت عليه الصلاة أو الصلاتان من يوم واحد فإنما عليه قضاؤها لا يراعى كانت للسبت أو لأحد، ولو لزم هذا للزم من ذكر ظهرًا لا يدري من أي يوم من الجمعة أن يصليها لكل يوم من أيام الجمعة، وكذلك لو كان لا يدري أي يوم هي من سنة ست أن يصليها على عدد أيام سنة ست، فليس هذا بشيء، وإنما عليه أن يصلي ما ذكر من الصلوات إذا كانت من يوم واحد لا يراعى غير ذلك.
وقال ابن القاسم: في من ذكر ظهرًا أو عصرًا لا يدري كل واحدة منهما عن سفر أو حضر، فليصلهما سفريتين، ثم حضريتين.
الجزء: 2 - الصفحة: 798
قال في العتبية: وإن نسي ظهرًا وعصرًا واحدة من سفر وأخرى من حضر لا يدري أيتهما هي، ولا أيتهما قبل الأخرى فليصل ست صلوات، إن شاء صلى ظهرًا أو عصرًا/ للحضر، ثم صلاهما للسفر، ثم صلاهما للحضر، وإن شاء بدأ بهما للسفر وختم بالسفر، وقاله سحنون، وقاله ابن حبيب عن أصبغ.
أبو محمد: وقال بعض أصحابنا: يصلي ظهرًا أربعًا، وعصرًا ركعتين، ثم عصرًا أربعًا، ثم ظهرًا ركعتين، ثم ظهرًا أربعًا، ثم عصرًا ركعتين)).
إن كانا من يوم واحد، فليصلهما جميعًا حضريتين، ثم يعيدهما سفريتين، وإن كانت واحدة من يوم وأخرى من يوم آخر، ولا يدري هل هما حضريتان أو سفريتان، ولا أيتهما قبل، فليصل ظهرًا حضريًا ويعيده سفريًا، ثم عصرًا حضريًا ويعيده سفريا، ثم ظهرًا حضريا ويعيده سفريا، ولا وجه لقول أصبغ فيما ظهر لي، والله أعلم بالصواب.
قال ابن حبيب: قال أصبغ: وإن شك أن يكونا جميعًا للحضر أو جميعًا للسفر، والمسألة بحالها فليصل ظهرًا حضريًا ويعيده سفريًا، ثم عصرًا
الجزء: 2 - الصفحة: 799
حضرياً ويعيده سفريًا)).
وقاله أصبغ، وقال: وما قيل لك غير هذا فأطرحه؛ فإن فيه تخييرًا لأصحابنا.
قال سحنون: ((ومن نسي صلاتين من يوم وليلة لا يدري الليلة سابقة لليوم أو بعدة فليصل سبع صلوات يبدأ بصلاتي الليل، ثم بصلاتي النهار، ثم بصلاتي الليل، ولم يأمره أن يبدأ بصلاتي النهار لئلا يصير مصليا ثمانيًا.
وقال ابن حبيب عن ابن الماجشون: أنه يبدأ بصلاتي النهار، ثم صلاتي الليل، ثم صلاتي النهار.
قال أبو محمد: وهذا القول من ابن الماجشون يدل [على] أنه جعل صلاة الصبح من صلاة الليل، والمعروف لمالك أنها من صلاة النهار.
م وفي ما ذكرنا من هذا الباب كفاية، فقس عليه ما يرد عليك منه، إن شاء الله وبالله التوفيق.
الجزء: 2 - الصفحة: 800
[باب -10 -] جامع القول في السهو في الصلاة
[فصل -1 - في تحقيق القول في محل سجود السهو من الصلاة]
روى أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ((إذا شك أحدكم في صلاته فلا يدري كم صلى ثلاثًا أم أربعًا/ فليصل ركعة ثم يسجد سجدتين قبل السلام، فإن كانت الركعة التي صلى خامسة شفعها بهاتين السجدتين، وإن كانت رابعة فالسجدتان ترغيم للشيطان)).
م هكذا في الموطأ أنه يسجد سجدتين قبل السلام، وهذا يؤيد قول من قال: إن السجود كله في النقص والزيادة قبل السلام؛ لأن هذه زيادة وهو قول ابن شهاب والليث، ولكن قد جاء حديث آخر أنه عليه السلام قام من اثنتين فسبح به فلم يرجع، وسجد قبل السلام، وسلم من اثنتين فسجد بعد
الجزء: 2 - الصفحة: 801
السلام، وصلى خامسة فسجد بعد السلام، فوجب بذلك السجود في النقص قبل السلام، وفي الزيادة بعد السلام.
ابن المواز: وقال مالك وأصحابه: إن سجود النقص قبل السلام كأنه جبران لما نقص، وفي الزيادة بعد السلام ترغيم للشيطان.
قال عبد الوهاب: ولأن سبيل الجبران للنقص في العبادة أن يكون فيها لا بعدها، ولما كان سجود السهو للزيادة ترغيمًا للشيطان وشكرًا لله تعالى على إتمام الصلاة وجب أن يكون بعد السلام؛ لأنه لا يجبر نقصًا؛ ولأنه لما زاد ساهيًا لم يجز أن يزيدها سجودًا؛ لأنها لا تحتمل زيادتين، وليس كذلك النقصان؛ لأنه لما نقص كان السجود جابرًا للمتروك، وإنما لم يسجد لهما عقيب سهوه وأخرهما إلى آخر الصلاة؛ لأن الرسول صلى الله عليه وسلم كذلك فعل؛ ولأنهما تجزيان لجميع السهو، فأخرا إلى آخر الصلاة لجواز أن يتبع السهو سهوًا فيكون/ السجود لجمعيه.
[فصل -2 - في أنواع المتروك من الصلاة]
قال أبو محمد عبد الوهاب: والمتروك من الصلاة أربعة أنواع: فرض، وسنة، وهيئة، وفضيلة، فالمفروض لا يجبر بسجود السهو دون الإتيان به، وذلك
الجزء: 2 - الصفحة: 802
كتكبيرة الإحرام، وقراءة أم القرآن، والركوع، والسجود، وغير ذلك من فرائض الصلاة.
والمسنون مثل: قراءة السورة التي مع أم القرآن والإسرار، والإجهار، والتكبير كله غير الإحرام في حال الخفض والرفع وما أشبه ذلك فهذا يجبر بسجود السهو، والهيئات: كرفع اليدين، وصفة الجلوس، وكذلك الفضائل الداخلة على الصلاة، كالقنوت، وسجود التلاوة، فلا سجود للسهو فيه.
[فصل -3 - في تسليم الإمام في الرباعية من ركعتين ساهيًا]
ومن المدونة قال مالك: وإذا سلم الإمام من اثنتين فسبحوا به فلم يفقه، فقال له رجل ممن خلفه في الصلاة: إنك لم تتم صلاتك فالتفت إلى القوم فقال: أحق ما يقول هذا؟ فقالوا: نعم، فليتم بهم الإمام بقية صلاتهم، ويسجد بعد السلام، وتجزئهم من تكلم ومن لم يتكلم، كما جاء في يوم ذي اليدين.
وروى ابن وهب: أن النبي صلى الله عليه وسلم من اثنتين فقال ذو اليدين: أقصرت الصلاة يا رسول الله أم نسيت؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((كل ذلك لم يكن، فقال:
الجزء: 2 - الصفحة: 803
قد كان بعض ذلك يا رسول الله فأقبل رسول الله صلى الله عليه وسلم على الناس فقال: ((أصدق ذو اليدين))؟ فقالوا: نعم، فأتم رسول الله/ صلى الله عليه وسلم ما بقي من الصلاة ثم سلم، ثم سجد سجدتين بعد السلام.
قال ابن أبي زمنين: وروي عن سحنون أنه قال: لست آخذ بهذا الحديث إلا في موضعة، وأما في واحدة أو ثلاث فلا أفعل.
والمعروف من قول ابن القاسم أنه يأخذ به في واحدة وفي ثلاث/.
وقال ابن كنانة: إنما ذلك خاص للنبي صلى الله عليه وسلم ولم خلفه، ولم يأخذ به ابن كنانة في ركعتين، ولا في غيرها؛ لأن الفرائض كانت تنسخ فيمكن أن يكون ذلك منسوخًا، وقد ظن ذو اليدين أن تقصيرها قد نزل من السماء/، واليوم فلا يظن ذلك أحد، وعرض هذا على ابن القاسم فنقضه وقال: قد تكلموا بعد أن علموا أنها لم تقصر، وقالوا: قد كان بعض ذلك يا رسول الله لما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: كل ذلك لم يكن.
الجزء: 2 - الصفحة: 804
ومعنى قوله: ((كل ذلك لم يكن)) أي: ما قصرت، ولا نسيت، وكذلك فسره في الحديث الآخر الذي في الموطأ.
[فصل -4 - إذا تيقن الإمام أو المنفرد صلاته فلا يرجع إلى يقين غيره]
قال مالك: ولا يرجع من صلى وحده إلى يقين من ليس معه في صلاته، وليبق على يقينه، فإن سأل غيره بطلت صلاته.
قال ابن القاسم: فكل من شك في صلاته فليبق على يقينه، فإن كان إمامًا فسبحوا به فليرجع إلى يقين من خلفه في شكه لا في يقينه، وكذلك يرجعون إليه.
[فصل -5 - في أحكام الزيادة في الصلاة]
قال مالك: ومن ذكر أنه في خامسة فليكف عن إتمامها، أي وقت ذكر، فإن كان قد أتمها لم يأت بسادسة، ويسجد بعد السلام.
قال ابن القاسم: وإن صلى إمام خامسة فسها قوم كسهوه وجلس قوم وأتبعه قوم عامدون فصلاة الإمام ومن سها معه أو جلس تامة ويسجدون معه للسهو، وتفسد صلاة العامدين، ويعيد العامدون صلاتهم.
قال ابن المواز: ولو أنه لما سلم من الخامسة قال: إنما كنت تركت سجدة من الأولى فهاهنا تبطل على من لم يتبعه،
الجزء: 2 - الصفحة: 805
يريد إن لم يوقنوا بسلامتها، وإن أيقنوا أنه لم يسه فصلاتهم تامة.
قال ابن المواز: وتصح لمن اتبعه في السهو والعمد.
قال سحنون: تبطل صلاة العامدين إن أيقنوا أنه لم يبق عليه شيء إلا أن يتأولوا أن عليهم اتباع إمامهم، فأرجو أن تجزئهم صلاتهم، وأحب إلي أن يعيدوا.
م اختصاره إن أيقنوا أنه لم يسقط شيئًا بطلت صلاة العامدين خاصة، وإن شكوا بطلت صلاة من لم يتبعه خاصة، وتصح صلاة من سها في الوجهين.
قال ابن المواز: ولو اتبعه فيها من فاتته ركعة، وهو يعلم أنها خامسة ولم يسقط الإمام شيئًا أبطل صلاته، وإن لم يعلم فليقض ركعة أخرى ويسجد لسهوه كما يسجد إمامه.
قال: ولو قال الإمام: كنت أسقطت سجدة من الأولى أجزأت من اتبعه ممن فاتته ركعة، وأجزأت/ غيره ممن خلفه ممن اتبعه إلا أن يجمع كل من خلفه على أنهم لم يسقطوا شيئًا، أي: إنما أسقطها الإمام وحده فلا يجزئ من اتبعه عامدًا ممن خلفه، ولا ممن فاتته ركعة وهو لا يعلم، وليأت بها بعد سلامه، وتجزئه ومن اتبعه عالما بأنها خامسة ممن فاتته ركعة أو لم تفته بطلت صلاته، وينبغي لمن علم ممن فاتته ركعة أن لا يتبعه فيها ويقضي بعد سلامه،
الجزء: 2 - الصفحة: 806
فإن اجتمع الإمام وكل من خلفه على أنهم أسقطوا سجدة من الأولى أعاد هذا صلاته، ولو نسيها الإمام وحده دون من خلفه أجزأته صلاته إذا قضى الركعة التي بقيت عليه.
م وإنما قال ذلك؛ لأنه إذا أسقط الإمام ومن معه السجدة من الأولى وجب على ما فاتته ركعة القيام معه في هذه الخامسة؛ لأنها رابعة له؛ لأن الأولى سقطت عن الإمام وعمن خلفه، كما سقطت عن الداخلين ويسجد بهم لسهوه قبل السلام؛ لأنه/ زاد ونقص، فإذا لم يتبعه فيها من فاتته ركعة فقد أبطل على نفسه، وأما إن كان خلف الإمام لم يسقط مع الإمام شيئًا، وإنما أسقط الإمام وحده فقط وجب على الإمام وحده قضاء تلك الركعة بعينها بأم القرآن وسورة، ويسجد لسهوه بعد السلام، ويكون كمن استخلف بعد أن فاتته ركعة فلا يجوز لمن خلفه ممن فاتته ركعة أن يتبعه فيها، ولا يقضيها حتى يسلم الإمام بعد قضاء ركعة.
م وكذلك فسره ابن المواز في غير هذه المسألة.
قال ابن المواز:/ ولو أسقط سجدة من الثانية أو الثالثة والقوم معه وقد اتبعه هذا في الخامسة فذلك جائز له، ولكن يقضي الأولى التي فاتته، وسواء أتبعه هاهنا، وهو عالم بأنها خامسة أو غير خامسة؛ لأنها للإمام ومن معه
الجزء: 2 - الصفحة: 807
رابعة.
قال أبو محمد: أراه يريد وليس بموقن بسلامة ما أدرك معه.
قال: ولو جلس في الخامسة معه ثم ذكر الإمام سجدة لا يدري من أي ركعة فلا يسجد سجدة لا هو ولا من شك كشكه ولا من فاتته ركعة وليسجد الإمام لسهوه/ قبل السلام إلا أن يعلم أن السجدة من إحدى الركعتين الآخرتين فليسجد بعد السلام، يريد معه.
فصل -6 - [في أحكام الناسي لبعض سجود الصلاة]
ومن المدونة قال مالك: ومن صلى ركعة ونسي سجودها فذكر ذلك وهو قائم في الثانية قبل أن يركع فليسجد سجدتين، يريد أنه يخر للسجدتين من قيام، ولا يجلس ثم يسجد، قال: ثم يقوم فيبتدئ قراءة الركعة الثانية، ولو نسي سجدة من الأولى فذكرها قبل أن يركع للثانية أو بعد أن ركع ولم يرفع رأسه منها فليرجع ويسجد السجدة التي بقيت عليه، يريد أنه يجلس ثم يسجد؛ لأن عليه أن يفصل بني السجدتين بجلوس بخلاف الذي نسي السجدتين قال: فإذا سجد قام فابتدأ قراءة الركعة الثانية.
قال: وإن ذكر في
الجزء: 2 - الصفحة: 808
الوجهين جميعًا بعد ما رفع رأسه من الركعة تمادى وكانت أولى صلاته، وألغى الركعة الأولى، وسجد في ذلك كله بعد السلام.
قال مالك: وعقد الركعة رفع الرأس منها.
قال ابن المواز: وقال أشهب عن مالك: وقاله أصبغ: إن إمكان يديه من ركبتيه فوت.
ابن المواز: وتماديه إذا أمكن يديه من ركبتيه أحب إلي، وهو إنما تصح له ركعة بكل حال، فيتمادى على هذه وتكون أولى، ويسجد بعد السلام، ولو أعاد الصلاة لكان حسنًا، وليس بلازم.
ومن المجموعة قال عبد الملك: ومن كان قائمًا في الثانية فذكر سجدة من الأولى أو شك فيها فليرجع جالسًا ثم يسجدها، وكذلك لو كان خلف الإمام، إلا أن يخاف أن يرفع من ركوع الثانية فليتبعه فيها، ويقضي ركعة.
قال: ولو شك في قيامه في الثالثة وهو وحده في سجدة لا يدري أمن الأولى أو من الثانية فليرجع فيسجد ثم يتشهد، ولعله يتذكر أنها منها، فإن ذكر صحت له ركعتان، وإن لم يذكر بنى على ركعة وسجد بعد السلام.
وقال في كتاب محمد: كما أمرته أن يسجد فكذلك آمره أن يجلس ويتشهد ولا يترك تمامها على ما أمكن منها.
قال ابن المواز: لا آمره أن يجلس؛ لأنه بعد أن يسجد كمن قال: لا
الجزء: 2 - الصفحة: 809
أدري أصليت واحدة أو/ اثنتين، فهذا يجلس ويبني على/ ركعة، وكذلك قال ابن حبيب عن ابن الماجشون: أنه يسجد ولا يجلس.
قال في المجموعة: ولو شك وهو قائم في الرابعة في سجدة لا يدري من أي ركعة هي فليسجد ويتشهد ويبني على ركعتين ويسجد قبل السلام، وهو في القراءة بان؛ لأنه وحده، وقد نقص السورة من الثانية.
م إذ قد تكون السجدة من إحدى الأوليتين فصارت الثالثة ثانية، وقد قرأ فيهما بأم القرآن فبنى أمره على اليقين وزاد، فلذلك يسجد قبل السلام.
م ولا خلاف في هذه أنه يجلس ويتشهد؛ لأنه يبني على اثنتين فجلوسه في موضع الجلوس.
قال عبد الملك: وإن ذكر في جلوس الرابعة سجدة لا يدري من أي ركعة/ سجد سجدة إذ قد تكون من هذه ويتشهد ويبني على ثلاث ويسجد قبل السلام؛ إذ قد تكون من الأولى أو من الثانية فتصير الثالثة ثانية، وقد نقص منها الجلوس ونقص القراءة.
وقال عنه ابن حبيب: إذا سجد قام ولم يتشهد.
ابن المواز: وإن ذكر في قيام الرابعة سجدتين لا يدري من ركعة أو من ركعتين فليخر بسجدتين ويبني على ركعة ويسجد قبل السلام؛ لأن التي بنى
الجزء: 2 - الصفحة: 810
عليها لم يقرأ فيها إلا بأم القرآن، وكان أصبغ وأبو زيد يقولان: لا يخر لشيء ويبنى على ركعة؛ إذ لا يصح له غير ركعة، وقاله أشهب في من ذكر سجدة لا يدري من أي ركعة أنه يلغي ركعة ولا يخر لسجدة.
قال ابن المواز: لا يعجبني وهو خلاف قول مالك وأصحابه أن يدع إصلاح ركعة وهو فيها وهو يقدر على إصلاحها.
ومن كتاب ابن يحنون: ولو ذكر في تشهد الرابعة سجدة منها سجدها، وأعاد التشهد، ولا يسجد لسهوه، إلا أن يطيل الجلوس بين السجدتين، وقاله ابن القاسم، ولو ذكر سجدتين لا يدري أمجتمعين أو مفترقتين فليسجد سجدتين ويتشهد ويأتي بركعتين بأم القرآن في كل ركعة ويسجد قبل السلام، ولو كان مع إمام مسجد سجدتين فإذا سلم إمامه قام فأتى ركعتين / قضاء بأم القرآن وسورة في كلتيهما ويسجد بعد السلام، وأحب إليّ أن يعيد الصلاة في المسألتين.
ومن المجموعة قال ابن عبدوس: وإذا كان مع الإمام فى قيام الثانية فذكر سجدة أو شك فيها فإن طمع أن يسجدها قبل رفع الإمام رأسه فعل، ثم لا يسجد للسهو، وإن لم يطمع تمادى، وأتى بركعة بعد سلام الإمام يقرأ فيها بأم القرآن وسورة، فإن كان موقنًا بالسجدة فلا يسجد للسهو، وإن كان على شك سجد بعد السلام خوفًا أن تكون الرابعة زيادة، ولو كان في قيام الثالثة، والمسألة بحالها
الجزء: 2 - الصفحة: 811
ذكر سجدة أو شك فيها ولا يدري أمن الأولى هي أم من الثانية، فإن طمع ألا تفوته الركعة خر بسجدة، ثم يتبع الإمام فى قيامه، فإذا سلم أتى بركعة بأم القرآن وسورة؛ لأنه قاض، ولعلها من الأولى، ويسجد بعد السلام، إذ لعله أصاب بالسجدة موضعها والركعة زائدة، فإن أيقن بسلامة الثانية فيختلف يقينه وشكه، فإن أيقن بالسجدة قضى ركعة ولا يسجد للسهو، وإن شك فيها سجد بعد السلام، وكذلك إن شك أن تكون من الأولى أو من الثانية ولم يدرك أن يخر بسجدة في الثانية / وتمادى فليقض بعد الإمام، وإن أيقن أنها باقية من إحداهما لم يسجد للسهو، والمسألة بوجهها في كتاب ابن المواز، وهذا باب تتسع فيه الزيادة، وفيما ذكرناه كفاية، وبالله التوفيق.
[فصل -7 - في من نسي سجدة من الركعة الأولى والركوع من الثانية]:
ومن المدونة قال ابن القاسم: ومن نسي سجدة من الركعة الأولى ونسي الركوع من الثانية وسجد لها فليأت بسجدة يصلح بها الأولى، ويبني عليها، ولا يضيف إليها من سجود الثانية شيئًا؛ لأن نيته في هذا السجود إنما كان
الجزء: 2 - الصفحة: 812
لركعة ثانية فلا تجزئه لركعته الأولى، ويسجد بعد السلام.
فصل -8 - [في من تكلم في صلاته ناسيًا]:
قال مالك: ومن تكلم في صلاته ناسيًا بنى على صلاته / وسجد بعد السلام؛ لقول النبي صلى الله عليه وسلم: "حمل عن أمتي الخطأ والنسيان "، وقد تكلم / النبي صلى الله عليه وسلم في صلاته وبنى فيما قرب، قال مالك: وإن كان هذا مأمومًا حمله عنه إمامه، قال ربيعة وابن هرمز: ليس على صاحب الإمام سهو، وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم: "الإمام ضامن والمؤذن مؤتمن"، والضمان يقتضي مضمونًا، فوجب أن يجمل عنه ما فعله سهوًا من قول أو فعل يسجد له الفذ.
[فصل -9 - فيما يحمله الإمام عن المأموم]:
قال مالك: وكلما سها المأموم فالإمام يحمله عنه، إلا اعتقاد نية الفريضة أو تكبيرة الإحرام أو ركعة أو سجدة أو السلام، ومن سها عن ذلك لم يجزئه سجود السهو، ويجزئه في غير ذلك من النقصان إن ذكر ذلك مكانه أو بالقرب إلا ما تقدم ذكره من ترك أم القرآن من ركعتين، وقد تقدم بعض هذا.
قال مالك: ومن سلم من ركعتين ساهيًا أو شرب في الصلاة ناسيًا،
الجزء: 2 - الصفحة: 813
فليتم صلاته، ويسجد بعد السلام، قال: ومن سها عن سجدة أو ركعة أو عن سجدتي السهو قبل السلام بنى فيما قرب، وإن تباعد ابتدأ الصلاة.
قال مالك: وكل من رجع لإصلاح ما بقي عليه بالقرب فليرجع إليه بإحرام، قال أبو محمد: ورأيت لبعض أصحابنا في من سلم من اثنتين ثم رجع بالقرب، فإنه يكبر ثم يجلس ثم يقوم للبناء، وقاله ابن القاسم، يريد؛ لأن نهضته الأولى لم يفعلها لصلاته لكن للانصراف، فلذلك أمره أن يجلس، وقال ابن نافع: لا يجلس، وقال ابن القاسم: فإن لم يدخل بإحرام أفسد ولو سلم من ركعة أو من ثلاث دخل بإحرام ولم يجلس.
ويجب على من قال إذا سلم من ركعة أو من ثلاث وانصرف ثم رجع بالقرب أن يحرم، ثم يجلس؛ لأن نهضته الأولى لم يفعلها للصلاة لكن للانصراف فلا فرق.
والله أعلم.
قال بعض أصحابنا: وذهب غير واحد من علمائنا أن ليس عليه أن يحرم إذا
الجزء: 2 - الصفحة: 814
رجع بالقرب؛ لأنه في الصلاة بعد، قالوا: والحديث في ذلك ضعيف.
قال: واستحسن بعض / فقهائنا إن ذكر في مكانه كما سلم قبل أن يقوم فليرجع بغير إحرام، وإن قام ثم رجع بالقرب فليرجع بإحرام.
وهذا استحسان، والقياس أن لا إحرام عليه في الوجهين؛ لأنه في الصلاة بعد.
[فصل -10 - في حكم من سها عن التشهد]:
ومن المدونة قال مالك: ومن سها في الرابعة فلم يجلس مقدار التشهد حتى / صلى خامسة رجع جلس وتشهد وسلم وسجد لسهوه وصلاته تامة.
قال: والسهو فى الفرض والتطوع وعلى الرجال والنساء سواء.
وإن نسي التشهد الآخر وقد جلس وسلم، فإن كان بالقرب تشهد وسلم، وسجد بعد السلام، وإن تطاول ذلك فلا شيء عليه إذا ذكر الله، وليس كل الناس يعرف التشهد، قال ابن القاسم: ولم يره نقصانًا من الصلاة،
الجزء: 2 - الصفحة: 815
وكذلك سهوه عن التشهدين جميعًا، لا يراه بمنزلة غيره من الصلاة فيما يسهو عنه، قال أبو محمد: يريد: وقد جلس في الآخرة، قال مالك: وإن كان لما رفع رأسه من السجود سلم ساهيًا قبل أن يجلس وظن أنه قعد مقدار التشهد رجع أيضًا بالقرب فجلس وتشهد وسجد لسهوه بعد السلام، يريد: وإن تطاول أعاد الصلاة.
[فصل -11 - في حكم من سها عن سجود سهو لنقصان هل يبنى على صلاته أو يستأنفها؟]:
قال مالك: ومن ذكر بعد أن سلم ركعة أو سجدة بنى فيما قرب وإن بعد ابتدأ الصلاة، وكذلك ذكره لسجدتي السهو قبل السلام من نقص ثلاث تكبيرات أو سمع الله لمن حمده مثل ذلك.
ابن المواز: وقد اختلف قول ابن القاسم في إيجاب الإعادة في ذلك، ولم ير أصبغ في ذلك عليه إعادة، وبه أقول، وأما إن كانتا من نقص الجلسة الأولى أو قراءة أم القرآن من ركعة فلم يختلف أنه يعيد الصلاة إذا تباعد.
الجزء: 2 - الصفحة: 816
قال أبو محمد في حاشية نوادره: محمد بم الحكم يقول: لا تفسد صلاته، وإن كان من القيام من اثنتين أو قراءة ركعة.
ومن المدونة قال مالك: وإن كانتا من نقص تكبيرتين أو سمع الله لمن حمده مرتين أو التشهدين أو قراءة السورة التي مع أم القرآن من ركعة / أو ركعتين أو ترك الجهر في القراءة فليسجد فيما قرب، وإن تباعد أو طال في الكلام أو انتقض وضوءه، فلا شيء عليه.
قال أبو محمد عبد الوهاب: اختلف عن مالك هل تعاد الصلاة / في ترك جميع السجود للنقصان أو في بعضه؟ فقال مرة: تعاد من ترك جميع السهو، وقال مرة: تعاد من ترك سجود نقص الأفعال دون الأقوال، فوجه الأولى: أنه جبران للنقص الواقع في الصلاة فأشبه السهو عن الأفعال، ووجه الثانية: إن حكم الأفعال آكد من حكم الأقوال بدلالة أن الإمام يحمل عن المأموم من أركان الأقوال وهو القراءة، ولا يحمل عنه شيئًا من أركان الأفعال.
[فصل -12 - في حكم من جعل الله أكبر سمع الله لمن حمده أو العكس]:
ومن المدونة قال مالك: وإذا جعل الإمام أو الفذ موضع الله أكبر سمع الله لمن حمده، وموضع سمع الله لمن حمده الله أكبر فليرجع فيقول كما كان
الجزء: 2 - الصفحة: 817
عليه، فإن لم يرجع ومضى سجد قبل السلام، كما لو أسقطهما.
يريد أنه يقول: سمع الله لمن حمده فقط، ولا يعيد التكبير؛ لأن موضع التكبير قد فاته؛ لأنه قد رفع رأسه وهو أيضًا إذا أعاد سمع الله لمن حمده فقد أتى بها بعد التكبير، فهو كمن قرأ السورة قبل أم القرآن، فإنما يعيد السورة فتصير بعد أم القرآن، وكمن صلى يوم الجمعة قبل الخطبة، فإنه يعيد الصلاة فتصير بعد الخطبة.
[فصل -13 - لا سجود سهو فيما خف]:
قال مالك: فأما من نسي تكبيرة / أو سمع الله لمن حمده مرة أو القنوات فهو خفيف، ولا سجود عليه، وقيل: يسجد في ذلك، وهو خفيف.
قال مالك: ولو شك في ركعة فتفكر قليلًا، ثم ذكر أنه لم يسه فلا سجود عليه، وإن لم يدر أسلم أم لا فليسلم ولا سجود عليه في كل سهو سها فيهما.
قال عيسى عن ابن القاسم: ولو ذكر أنه زاد في صلاته فسجد سجدة من سجدتي السهو بعد السلام ثم ذكر أنه لم يسه فلا يسجد أخرى، ولا شيء عليه،
الجزء: 2 - الصفحة: 818
ولو ظن أنه نقص من صلاته فسجد سجدة قبل السلام، ثم ذكر أنه لم ينقص شيئًا فلا يسجد أخرى، وليسجد لسهوه بعد السلام، وكذلك لو سجد سجدتين، ثم ذكر أنه لم ينقص شيئًا سجد لسهوه بعد السلام.
قال ابن حبيب: ومن نقص / فسجد لسهوه قبل السلام فتكلم قبل أن يسلم فليسلم ويسجد لسهوه بعد السلام، وقال مالك في المجموعة في إمام سلم من اثنتين ساهيًا وسجد لسهوه، ثم ذكر فليتم صلاته، ويعيد سجود السهو.
قال ابن المواز: ومن سجد سجدتين في آخر صلاته وعليه سجدتا السهو فلم يدرأ سجدهما لفرضه أم لسهوه فعليه أربع سجدات أخرى.
فصل -14 - [سجدتا السهو كسجدتي الفريضة]:
ومن المدونة قال مالك: وسجدتا السهو كسجدتي الفريضة، ويكبر لهما، وكذلك فعل الرسول صلى الله عليه وسلم، ومن صلى إيماء أومأ بهما، فإن كانتا بعد السلام تشهد لهما، واختلف قوله في التشهد لهما قبل السلام.
وإنما قال: إن كانتا بعد السلام تشهد لهما؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم فعل ذلك، ولأن من سبيل السلام أن يكون عقيب تشهد، ألا ترى أن سلام
الجزء: 2 - الصفحة: 819
التحليل لا يكون إلا عقيب تشهد، ألا ترى أنه إذا فرغ من تشهده ثم قام ونسي السلام، فإنه يرجع إذا كان قريبًا فيعيد / التشهد ثم يسلم، ولا يكتفي بالتشهد الأول لتراخيه عن السلام، ووجه قوله: إذا كانتا قبل السلام تشهد لهما أيضًا: فلما روى عمران بن حصين أن الرسول صلى الله عليه وسلم تشهد لهما؛ ولأنه سجود سهو فأشبه الذي بعد السلام؛ ولأن السلام يقتضي أن يكون عقيب تشهد اعتبارًا بالصلاة والتشهد الأول قد تخلل بينه وبين السلام سجود السهو، فوجب أن يستأنف غيره ليقع السلام عقيبه، ووجه قوله: لا يتشهد لهما أنه يكتفي في ذلك بالتشهد الأول؛ لأنه لم يفصل بينه وبني السجود بسلام؛ ولأن الركعة الواحدة لا يتشهد فيها مرتين.
قال مالك: ولا يحرم لهما كانتا قبل السلام أو بعده.
وإنما قال ذلك؛ فلأن ما كان قبل السلام داخل في حكم الصلاة فلم يكن له إحرام ولا إحلال، كسجود الأصل، وأما ما كان بعد السلام؛ فلأنه غير واجب، ولا تبطل بتركه الصلاة فلم يكن له إحرام كسجود التلاوة، وإن نسيهما وهما بعد السلام وطال ذلك، فقال ابن القاسم مرة: يسجد لهما ولا يحرم
الجزء: 2 - الصفحة: 820
لهما / كسجود التلاوة، وقال أيضًا: يحرم لهما، وروي عن مالك.
فوجه الأولى أن سجودهما غير لازم فلم يحرم لهما كسجود التلاوة.
ووجه الثانية أنه لما كان لهما تشهد وتحليل وجب أن يكون لهما / تحريم، كالصلاة.
قال ابن المواز: وإن ذكر اللتين قبل السلام بعد أن سلم رجع بإحرام كرجوعه لإصلاح صلاته فيما قرب.
[فصل -15 - إذا اجتمعت الزيادة والنقصان على المصلي سجد لهما قبل السلام]:
ومن المدونة قال مالك: ومن سها سهوين أحدهما يجب عليه فيه السجود قبل السلام، ابن المواز: وكذلك إن شك فلم يدر أزاد أو نقص فليسجد قبل السلام، قال أبو محمد عبد الوهاب: وإنما قال: يسجد في اجتماع الزيادة والنقص قبل السلام؛ لأنه لا يخلو من أحوال: إما أن لا يسجد أصلًا، فذلك غير جائز باتفاق، أو أن يسجد أربع سجدات، وذلك غير جائز أيضًا؛ لأنه خلاف الأصول، أو أن يغلب أحدهما فكان النقصان أولى بالتغليب؛ لأنه جبران
الجزء: 2 - الصفحة: 821
وسجود الزيادة شكر وإرغام للشيطان، ولا يجوز أن يؤتى بسجود شكر على صلاة ناقصة، ولا أن يرغم الشيطان بترك الصلاة ناقصة.
ومن المدونة قال مالك: ومن صلى خلف من يرى السجود فى النقص بعد السلام فلا يخالفه، فإن الخلاف شر، ابن المواز: لقول النبي صلى الله عليه وسلم: "إنما جعل الإمام ليؤتم به "، قال ابن القاسم: ومن وجب عليه سجود سهو بعد السلام فسجد قبل السلام رجوت أن يجزئ عنه على القول في الإمام الذي يرى خلاف ما يرى من خلفه، قال ابن المواز: وصلاته تامة فعل ذلك سهوًا أو عمدًا، وقال أشهب: يعيد إذا تعمد ولا أقول به، وقد كان ابن شهاب والليث يريان السجود في النقص والزيادة قبل السلام.
ومن المدونة: ومن لزمه سجود سهو قبل السلام فنسيه حتى طال ذلك أعاد الصلاة، فإن ذكر بحضرة ما سلم فليسجدهما وتجزئان عنه، كمن قام من رابعة، ثم ذكر فليرجع جالسًا ويسلم ويسجد لسهوه.
قال مالك: وأما إن نسي سجود سهو / بعد السلام فليسجدهما متى ذكر ولو بعد شهر ولو انتقض وضوءه توضأ وقضاهما، وإن أحدث بعد ما سجدهما
الجزء: 2 - الصفحة: 822
توضأ وأعادهما، وإن لم يعدهما أجزأتاه، وقيل: لا يجزئانه وصلاته في ذلك كله تامة.
والفرق بين السجود قبل السلام وبعد السلام في بطلان الصلاة إذا تباعد هو: أن الذي بعد السلام ليس من الصلاة /، وما يفعل بعد العبادة لا تفسد بتركه، والذي قبل السلام هو من نفس الصلاة وقبل التحليل، فجاز أن تبطل بتركه؛ ولأن سجود الزيادة شكر وترغيم للشيطان على تمام الصلاة، فهو يتضمن صحتها، وسجود النقص جبران للنقص الواقع فيها، فجاز أن تفسد بتركه.
قال ابن المواز: ومن انصرف من صلاته، ثم ذكر سجدتي السهو قبل السلام فليسجدهما في موضع ذكره إلا في الجمعة فلا يسجدهما إلا في الجامع، فإن سجدهما في غيره لم تجزئه، وكذلك إن نسي السلام.
فصل:-16 - [فى حكم من سجود سهو من صلاة قد مضت وهو في صلاة]:
ومن المدونة قال مالك: ومن ذكر سجود السهو بعد السلام من صلاة قد مضت وهو في فريضة أو نافلة لم تفسد / واحدة منهما، قال ابن القاسم: فإذا فرغ مما هو فيه سجدهما.
الجزء: 2 - الصفحة: 823
م وكذلك إن كانتا قبل السلام وهما مما لا تفسد الصلاة بتركهما، فهما كالتي بعد السلام.
قال ابن القاسم: وإن كانتا قبل السلام وهما من فريضة/ ومما تعاد بنسيانها الصلاة فذكرهما بقرب صلاته في فريضة أو نافلة رجع إليهما بغير سلام كان وحده أو وراء إمام، فإن أطال القراءة في هذه الثانية أو ركع، يريد وإن لم يرفع رأسه بطلت الأولى، فإن كانت هذه الثانية نافلة أتمها ركع أو لم يركع.
يريد؛ لأنه في بقية من الوقت ولو كان في ضيق من الوقت قطع، وإن لم يركع ويصير كمن ذكر فريضة ذهب وقتها في نافلة.
قال: وإن كانت التي ذكر فيها سجود السهو فريضة قطع إن كان وحده.
لأنه لا يدخل من فريضة في فريضة إلا في ضيق من وقت الأولى، فلما بطلت الأولى صار كمن ذكر فريضة في فريضة، فإن كان وحده / قطع، وإن كان مع إمام تمادى فإذا سلم أعادهما.
قال: وإن كان الذي هو وحده عقد من الفريضة ركعة، ثم ذكر سجدتي السهو قبل السلام فليشفعها أحب إليّ، ثم يصلي فريضته الأولى والثانية.
وسحنون يرى أن عقد الركعة رفع الرأس منها، إلا في هذه.
الجزء: 2 - الصفحة: 824
قال ابن القاسم: وإن كانتا قبل السلام وهما من نافلة فذكرهما قبل أن يتباعد وهو في نافلة أخرى رجع إن لم يركع من الثانية شيئًا فسجد ما كان عليه وتشهد وسلم وابتدأ التي كان فيها إن شاء، قال ابن المواز: وإن ذكرهما بعد أن ركع في هذه الثانية التي هو فيها تمادى، فإذا فرغ منها فقد استحب له ابن القاسم أن يسجدهما بعد فراغه، قال: ولو ذكرهما وهو في فريضة لم يضره ذلك في فريضته ويتمها، ولا شيء عليه.
قال في المدونة: وإن ذكر سجود السهو بعد السلام من نافلة وهو في نافلة أخرى لم يقطع التي هو فيها ركع أو لم يركع إلا أنه إذا أتمها سجدهما.
فصل -17 - [فى أحكام سجود المسبوق]:
ومن المدونة قال مالك: ومن عقد مع الإمام ركعة فوجب على الإمام سجود سهو، فإن كان قبل السلام سجد معه قبل القضاء، ويجزئه، ولا يعيده قبل سلامه هو لنفسه، قال: وإن كان سهو الإمام بعد السلام، فلا يسجد معه حتى يقضي، قال ولينهض المأموم للقضاء إن شاء حين يسلم الإمام من
الجزء: 2 - الصفحة: 825
الصلاة أو من السجود، فإن جلس المأموم حتى يسلم المأموم حتى يسلم الإمام من سهوه فلا يتشهد، وليذكر الله تعالى.
قال ابن القاسم: وأحب إليّ أن يقوم بعد سلام الإمام من الصلاة؛ لأن الإمام قد انقضت صلاته حين سلم، ولو أحدث الإمام بعد السلم أجزأت عنه صلاته فبعد قضائه يسجد كما سجد إمامه بها سها الإمام والمأموم معه أم لا، ذلك / سواء.
قال ابن القاسم في العتبية: اختلف قول مالك في قيامه للقضاء، فقال مرة: يقوم بعد سلام الإمام من الصلاة، وقال مرة: بعد سلامه من سجود السهو، وهذا أحب إليّ؛ لأن قيامه وحده والإمام ساجد سماجة وشهرة.
قال ابن القاسم: وإن دخل/ عليه فيما يقضى هو لنفسه سهو، فإن كان نقصانًا سجد قبل السلام لسهوه وسهو الإمام؛ لأنه زيادة ونقص، وإن كان زيادة سجد لها بعد السلام /، وإن كان سجود الإمام بل السلام فسجد معه، ثم دخل عليه فيما يقضي لنفسه سهو، فإن كان نقصانًا سجد قبل السلام، وإن
الجزء: 2 - الصفحة: 826
كان زيادة سجد بعد السلام، وكذلك روى عيسى عن ابن القاسم.
فالمحصول في سجود هذا أن يراعي سهو نفسه، فإن كان نقصانًا سجد قبل السلام، وإن كان زيادة سجد بعد السلام.
قال عيسى عن ابن القاسم: ولو جهل فسجد معه سجود سهو بعد السلام، ثم قام يقضي فليعدهما بعد السلام أحب إلي، ويعيدهما متى ما ذكر، قال عيسى: جاهلًا كان أو عالماً.
وذهب سفيان في المدونة إلى أنه يسجد مع الإمام سجود السهو بعد السلام، ثم يقوم فيقضى، قال سحنون عن ابن القاسم في المستخرجة: فإن أحدث الإمام فقدمه، فإن كان سهو الإمام نقصانًا سجد بهم إذا انقضت صلاة الإمام قبل أن يقضي هو ما عليه، ثم يشير إليهم أن اجلسوا، ويقوم لقضاء ما عليه، فإن دخل عليه فيما يقضي سهو فليسجد له وحده، إن كان قبل فقبل، وإن كان بعد فبعد، وليس عليهم من سهوه شيء لأن صلاتهم قد انقضت ولم يبق عليهم إلا سلامه، وإن بقية صلاة الإمام فإنه يسجد سجود
الجزء: 2 - الصفحة: 827
الإمام الأول قبل السلام وتجزئه من ذلك كله كان سهوه هو في ذلك زيادة أو نقصانًا، وإن كان سهو الإمام زيادة فلا يسجد بالقوم حتى يتم بقية صلاته ويسلم ويسجد بهم، فإن دخل عليه سهو فسواء كان سهوه في بقية صلاة الإمام الأول أو فيما يقضي لنفسه، زيادة كان أو نقصانًا فليسجد بهم بعد السلام كسجود الإمام الأول، ويجمع له ذلك كله.
قال في المجموعة: وقال غير ابن القاسم: إذا كان سهو الإمام الأول زيادة وسها هذا فيما استخلف عليه نقصانًا فليسجد بهم قبل السلام ويجزئه عن السهوين جميعاً، وكذلك لو سها هو / فيما يقضي نقصانًا ليسجد بهم قبل السلام، وكان ذلك للسهوين.
وتحصيل سجود هذا المستخلف هو إن كان سهو الأول نقصانًا فسها المستخلف فيما يقضى لنفسه فليسجد سجوده لنفسه، وإن سها في بقية صلاة الأول سجد سجود الأول، وإن كان سهو الأول زيادة، فسواء سها المتخلف فيما يقضي لنفسه أو في بقية صلاة الأول زيادة أو نقصانًا فإنه يسجد سجود الأول بعد السلام.
وقيل: إن كان سها الأول زيادة، وسها المستخلف في بقية صلاة الأول، أو فيما يقضي لنفسه نقصانًا سجد قبل السلام، وكان ذلك للسهوين.
الجزء: 2 - الصفحة: 828
ومن المدونة قال مالك: وإن لم يعقد مع الإمام ركعة لم يسجد معه، لا قبل ولا بعد، ولا يقضيه؛ لأنه لك يدرك من الصلاة شيئًا، وفي الحديث "من أدرك مع الإمام ركعة من الصلاة فقد أدركها"، ألا ترى لو أن مسافرًا أدرك خلف مقيم التشهد الآخر فإنما يصلى صلاة سفر، قال / أشهب في المجموعة: لا يلزمه أن يسجد معه لسهوه، ولكن يسجدهما بعد السلام احتياطًا، فإن كانتا عليه فقد، قضاهما، وإلا لم يدخل في صلاته خللاً قبل سلامه.
فصل -18 - [في المأموم يظن أن الإمام سلم]:
ومن المدونة قال مالك: ومن ظن أن الإمام سلم، فقام يقضي ما فاته، فصلى ركعة وسجد سجدتين، ثم سلم الإمام فعلم بذلك فليرجع فيصلي تلك الركعة بسجدتيها، ولا يعتد بما صلى قبل سلام الإمام يريد ولا سهو عليه؛ لأنه في حكم الإمام فهو يحمله عنه، قال: ولو سلم عليه الإمام، وهو قائم، أو راكع فليرفع رأسه من الركوع بغير تكبير، ويبتدئ القراءة من أولها، يتم صلاته ويسجد للسهو قبل السلام.
الجزء: 2 - الصفحة: 829
قال ابن المواز وسحنون: لنقصه نهضة القيام في غير حكم إمامه، وفي المختصر الكبير عن مالك: بعد السلام، وقال المغيرة وعبد الملك: لا سجود سهو عليه؛ لأنه في حكم إمامه سها.
ومن المدونة: ولو علم بذلك وهو قائم، قبل سلام الإمام، فليرجع، فيجلس مع الإمام، ثم يقضي بعد سلام الإمام، ولا سجود سهو / عليه؛ لأنه رجع إلى الإمام قبل سلامه فحمل ذلك عنه.
فصل -191 - [في من أسر بالقراءة فيما يجهر فيه، أو جهر فيما يسر فيه]:
ومن المدونة قال مالك: ومن سها فأسر فيما يجهر فيه سجد قبل السلام، وإن جهر فيما يسر فيه سجد بعد السلام، وإن كان شيئًا خفيفًا من إجهار أو إسرار، كإعلانه بالآية ونحوها في الإسرار فلا سجود عليه.
ومن العتبية قال أشهب عن مالك: ومن قرأ في الجهر سرًا ثم ذكر فأعاد القراءة جهرًا فلا سجود عليه، قال: ولو قرأ أم القرآن فقط في ركعة من الصبح فأسر بها أجزأته صلاته، ولا سجود عليه، وقال ابن القاسم: إن قرأها سرًا، ثم ذكر فأعادها جهرًا فليسجد بعد السلام، قال أصبغ: ومن
الجزء: 2 - الصفحة: 830
أسرّ في الجهر أو جهر في الإسرار عامدًا لم يعد ويستغفر الله سبحانه وتعالى.
وقال علي في المجموعة: ورواه أبو زيد عن ابن القاسم: أنه يعيد؛ لأن هذا عابث، وقال عيسى: يعيد أبدًا.
فصل -20 - [في من نسي الجلوس في الركعتين، أو سها عن القراءة حتى ركع]:
ومن المدونة قال مالك/ ومن نسي الجلوس في الركعتين حتى نهض عن الأرض واستقل قائمًا تمادى ولا يرجع، ويسجد قبل السلام.
وقد قام النبي صلى الله عليه وسلم من اثنتين وعمر وابن مسعود فتمادوا وسجدوا كلهم للسهو.
ومن المجموعة قال ابن القاسم عن مالك: إذا فارق الأرض - وإن لم يعتدل قائمًا - فلا يرجع، ويسجد قبل السلام، وإن رجع سجد بعد السلام، وقال أشهب: إذا قام فلم يعتدل قائمًا حتى ذكر فجلس، فليسجد بعد السلام، وإن اعتدل قائمًا، ثم رجع فليسجد قبل السلام؛ لأنه مخطئ في رجوعه بعد أن قام، فلا يعتد بجلوسه.
الجزء: 2 - الصفحة: 831
م يريد؛ لأنه لما اعتدل قائمًا وجب عليه التمادي وتخلد النقصان في ذمته، فلما رجع كان ذلك منه زيادة، فهو كمن نقص وزاد في صلاته فسجوده قبل السلام.
أبو محمد: وبلغني عن ابن سحنون أنه ذهب إلى أن صلاته تفسد برجوعه، يريد إلا أن يرجع سهوًا.
ابن حبيب: إن تزحزح للقيام من اثنتين ثم ذكر فجلس فلا سجود عليه، وإن ارتفع عن الأرض فليرجع ما لم يستو قائمًا، فإذا استوى قائمًا فلا / يرجع، واستحسن لهم أن يسبحوا به ما لم يستو قائمًا، فإذا استوى قائمًا فلا يفعلوا.
ومن العتبية قال سحنون عن ابن القاسم: في من سها عن القراءة حتى ركع واطمأن / راكعًا أترى أن يمضي كما يمضي الذي نهض من اثنتين فاعتدل قائمًا، قال: لا أرى ذلك مثله، وأرى أن يقوم فيقرأ ثم يركع ثم يسجد لسهوه بعد السلام.
والفرق بينهما أن الذي قام من اثنتين فاعتدل قائمًا فقد فارق موضع الجلوس، وأسقط سنة يجزئ منها سجدتا السهو، فلذلك أمره بالتمادي،
الجزء: 2 - الصفحة: 832
والذي ترك القراءة ترك فرضًا فلذلك أمره بالرجوع /، كما لو أنه قام من اثنتين وقد أسقط سجدة لأمره بالرجوع إليها ولم يتمادى؛ إذ هي فرض فهذه مثل القراءة، وأما لو أسقط السورة التي مع أم القرآن فذكر وهو راكع فهذا يتمادى؛ لأنه فارق موضع القراءة، وقد أسقط سنة تجزئ منها سجود السهو، فهو مثل من أسقط الجلوس حتى استقل قائماً، وبالله التوفيق.
[فصل -21 - السهو في النافلة]:
ومن المدونة قال مالك: ومن قام في نافلة من اثنتين ساهيًا فليرجع فيجلس ويتشهد ويسلم، ويسجد بعد السلام.
قيل لابن القاسم: فإن لم يذكر حتى ركع قال: قد اختلف قول مالك فيه، وأحب إليّ أن يرجع ما لم يرفع رأسه من الركوع، فإن رفع رأسه من ركوعه أتى برابعة، كان في ليل أو نهار، وسجد قبل السلام لنقصه السلام، قال ابن القاسم: وإن سها عن السلام من الرابعة حتى صلى خامسة فلا يأت بسادسة، وليرجع متى ما ذكر فيجلس ويسلم ثم يسجد
الجزء: 2 - الصفحة: 833
للسهو؛ لأن النافلة في قول بعض العلماء أربعه - يريد - فيسجد على قولهم إذا صلى خمسًا بعد السلام، وأما على قول مالك، فالنافلة عنده ركعتان فإذا صلاهما خمسًا سجد قبل السلام؛ لأنه نقص السلام وزاد الركعة.
[فصل -22 - في من زاد في فريضة ركعة أو أكثر]:
قال مالك: وإن صلى الفريضة خمسًا ساهيًا سجد بعد السلام، وروي عن ابن القاسم في العتبية في من صلى المغرب خمسًا: أنه يجزئه سجود السهو بعد السلام /.
قال يحيى بن عمر: جيدة - يريد - ما روي عنه في من زاد في الصلاة مثل نصفها، وكذلك يقول أشهب: أنه يسجد للسهو، ابن حبيب: قال مطرف: ومن صلى المكتوبة ستًا أو أكثر أجزأه سجود السهو، وعاب قول من قال: تبطل صلاته إذا زاد فيها مثل نصفها، واحتج بزيادة ركعة فى الصبح وروى مثله عن ابن القاسم، وقاله ابن عبد الحكم وأصبغ، وقال ابن نافع وابن كنانة: عليه أن يعيد، وقال ابن الماجشون: لا أقول ينصف الصلاة، ولكن ركعتين عندي طول يفسدها، وليست ركعة في الصبح ولا غيرها بطول.
الجزء: 2 - الصفحة: 834
[باب -11 -] في استخلاف الإمام وعمل المستخلف
[فصل -1 - في استخلاف الإمام]:
قال مالك - رحمه الله -: وإذا أحدث الإمام أو رعف أو ذكر أنه جنب أو على غير وضوء استخلف قبل أن يخرج، فإن تمادى بعد ذكره، أو ابتدأ ذاكرًا أفسد عليهم.
وقال ابن القاسم: وإن تكلم في استخلافه، فقال: يا فلان تقدم لم يضرهم ذلك، ولكنه لا ينبني، وإن كان راعفًا.
قال ابن حبيب: إن استخلف الراعف بالكلام جهلاً أو عمدًا فقد أفسد عليه وعليهم، ولو كان يعلم أنه لا يستخلف بالكلام ففعلة سهوًا بطلت عليه دونهم، وأتموا لأنفسهم، وقاله / ابن الماجشون.
ومن المدونة قال مالك: وإن خرج الإمام ولم يستخلف أتم بهم أحدهم.
ومن المدونة قال ابن القاسم: فإن صلوا وحدانا فلا يعجبني ذلك،
الجزء: 2 - الصفحة: 835
وصلاتهم تامة، إلا الجمعة، فلا تجزئهم.
[فصل -2 - في عمل المستخلف]:
قال: وإن استخلف من فاتته ركعة أتم بهم صلاة الأول واجتزأ بما قرأ، ثم يجلسون حتى يقضى ما بقي عليه، ثم إذا سلم سلموا.
قال سحنون في كتاب ابنه: وإن كانوا كلهم قد فاتتهم الركعة، فمن أصحابنا من يقول: يقوم المستخلف وحده للقضاء [ثم يسلم] ثم يقومون بعده، ومنهم من يقول: إذا قام يقضى قام كل واحد منهم يصلي لنفسه، ثم يسلمون بسلامه، فإن ائتموا به فقد أبطلوا على أنفسهم، ولاة المستخلف تامة، وإلى هذا رجع سحنون بعد أن كان يقول تجزئهم.
وقال ابن عبد الحكم: من / لزمه أن يقضي فذا فقضى / بإمام بطلت صلاته.
الجزء: 2 - الصفحة: 836
قال ابن القاسم: وإن استخلف وهو راكع، فليرفع بهم المستخلف، وتجزئهم الركعة.
قال أبو محمد: يريد يرفع الإمام رأسه بغير تكبير، فيستخلف من يرفع بهم، ويل: يستخلف من يرفع بهم قبل أن يرفع هو؛ لئلا يعتدوا برفعه.
قال ابن القاسم فى العتبية: وإذا أحدث الإمام في بعض القراءة فقدم رجلاً، فليقرأ المقدم من موضع انتهاء الأول.
وإن كانت صلاة أسرار، فليبدأ المستخلف بأم القرآن خوفًا أن يكون نسيها الأول أو لم يتمها، إلا أن يكون سمع أين انتهى الأول في
الجزء: 2 - الصفحة: 837
القراءة، فليقرأ المقدم من موضع انتهى.
قال ابن القاسم: والمستخلف في الركوع يدب راكعًا، والمستخلف في الجلوس يدب جالسًا، وفي القيام يدب قائماً.
قال: وإذا أحدث الإمام بعد رفع رأسه من الركوع فقدم من لم يدرك معه تلكم الركعة، فليقدم هذا من أدركها ويتأخر هو، فإن لم يفعل، وسجد بهم، فلايتبعوه في سجوده؛ لأنه لا يعتد بتلك الركعة، فلا يعتدون هم بها، فإن اتبعوه بطلت صلاتهم جميعًا.
قال أشهب: في من لم يدرك مع الإمام إلا السجدة الآخرة فاستخلفه، فسجدها بهم، ثم أتم لنفسه أن صلاتهم باطلة لاتبعاهم إياه في سجدة لا يعتد بها.
ابن المواز: وقيل: إنها تجزئهم، وأن سجدوها معه.
فوجه هذا: فلأنهم لابد لهم من سجود تلك السجدة استخلف عليهم أو لم يتخلف، فسجودهم معه كسجودهم إياها أفذاذًا، فوجب أن يجزئهم.
ومن المجموعة والعتبية قال سحنون: "وإذا أحرم رجل خلف الإمام، وهو قائم في الثالثة من الظهر، فأحدث فقدمه فصلى بهم ركعتين بقية صلاة الأول، ثم رجع إليه الإمام، وهو في التشهد، فقال له: بقيت على سجدة،
الجزء: 2 - الصفحة: 838
ولا أدري من الأولى أو من الثانية، فليقم المستخلف بالقوم إن كانوا على شك فيصلي بهم ركعة بأم القرآن فقط؛ لأنه بناء، ثم يجلسون، ويأتي هو / بركعة قضاء بأم القرآن، وسورة، ويسجد قبل السلام، ويسجدون معه، وقد قيل: يسجد بهم قبل ركعة القضاء، وإنما يسجد قبل السلام، لأن ركعته من الأولتين قد بطلت بالسجدة التي أسقط الإمام، وصار المستخلف إنما استخلف على ثانية الإمام، وقد قرأ فيها بأم القرآن/ فقط، وقام فيها، فدخله النقص من هاهنا وقد صارت الرابعة ثالثة، فعليه أن يأتي برابعة الإمام، وهي ركعة البناء، فلذلك قرأ فيها بأم القرآن وحدها، ثم يأتي بركعة القضاء لنفسه"، قال: ولو كان القوم موقنين بالسلامة قعدوا، ولم يتبعوه وقضى الإمام لنفسه.
قال سحنون في المجموعة: " ولو كان الإمام الأول شاكًا في
الجزء: 2 - الصفحة: 839
السجدة لقرأ هذا في الركعة التي يحتاط بها بأم القرآن وسورة لاحتمال أن يكون الأول لم يبق عليه شيء، فتصير هذه الركعة قضاء، وكذلك الثانية، ثم يتشهد في الأولى منهما؛ لاحتمال أن تكون ركعة بناء ورابعة الأول، ويصلونها معه إن كانوا على شك، ويسجدون قبل السلام.
قال: وإن لم يرجع إليه الأول حتى قضى الركعتين اللتين فاتتاه، فقال له: بقيت على سجدة فصلاة المستخلف تامة؛ لأنه صلى بالناس ركعتين، وقضى ركعتين لنفسه، ولكن يسجد قبل السلام؛ لأنه قام في موضع الجلوس، وترك السورة التي مع أم القرآن في ركعة، وليسجد معه القوم، ثم إن كانوا على شك أتوا بركعة بعد سلامه بأم القرآن فقط، وسلموا، ثم سجدوا للسهو خوفًا أن لا يكون بقي عليهم شيء، فتصير هذه ركعة زائدة، وإن أيقنوا أن السجدة كان أسقطها الأول لم يسجدوا للسهو بعد ركعتهم هذه، وإن أيقنوا أنه لم يبق عليه شيء سلموا بسلام الإمام.
قال: ولو صلوا معه ركعتين، ثم استخلفه على ركعتين فصلاهما
الجزء: 2 - الصفحة: 840
بالقوم، ثم ذكر الأول سجده، فإن شك المستخلف فيها قام بالقوم إن شكوا فصلي بهم ركعة بأم القرآن وسجد بهم قبل السلام، وإن أيقنوا إنه لم يبق عليهم شيء فصلاتهم/ تامة، ولا شيء عليهم، ولو أن الأول لما ذكر سجدة، ثم ذكر الثاني مما صلي بهم بعده سجدة لا يدري من أي ركعة هي، فليخر بسجدة ويتشهد، ثم يأتي بركعتين بأم القرآن في كل ركعة، ويسجد قبل السلام؛ لأن فيها نقصاً وزيادة، ويعيد الصلاة لكثرة السهو، وكذلك قال في من صلي الظهر، فذكر في تشهده الآخر سجدتين لا يدري من ركعة أو من ركعتين أنه يسجد سجدتين ويتشهد، ويأتي بركعتين بأم القرآن في كل ركعة، ويسجد قبل السلام، ويعيد الصلاة احتياطاً.
ومن كتاب ابن المواز: وأما من فاتته ركعة مع الإمام فقام لقضائها بعد سلامه، ثم رجع الإمام، فقال له: أسقطت سجدة من الأولى، فإن قضي هذا ركعته ورفع رأسه منه بمقدار لو رجع إمامه لكان له البناء لقربه، ولم
الجزء: 2 - الصفحة: 841
يكن من الإمام أيضاً تعمد للكلام، ولا رجع فأتي بركعه وسلم، فركعته هذه باطلة، فليعدها إن لم يرجع الإمام فيبني معه، ولو كان استخلفه - م يريد رعف فاستخلفه - فأتم بهم، ثم قضي ركعة، فإنه يعتد بها، وكأنه استخلف عليها بركعة قرب أو بعد ويسجد قبل السلام، ويسجدون معه، ثم يقضي الإمام الأول بعد سلام المستخلف ركعة واحدة، ويصليها الناس أفذاذاً قبل أن يسلموا وهم فيها، كركعةغفلوا عنها حتى سلم إمامهم، ويصير المستخلف كأنه لم يفته شيء، ولو علموا ذلك قبل / أن يركعا، وصلوها معه لأجزأتهم، وكذلك الإمام الأول لو أدركه فيها لاتبعه، وإذا لم يكن مستخلفاً وقضي ركعة، فركعها ورفع رأسه منها بعد طول قيام لا يبني الإمام في مثله فهي له مجزئه، إلا أنه يسجد قبل اسلام، وكأنه نقص منها القراءة؛ إذا لو أتي الأول كان له أن يبني، فصارت قراءته لا يعتد بها حين وقعت في موضع الأول، إلا أن يبني فيه، ولو ركع قبل طول ذلك لم تجزئه، وصار كمن ظن أن إمامه
الجزء: 2 - الصفحة: 842
سلم، فقال يقضي، فسلم وهوقائم، فليلغ ما عمل، وأحب إلى أن يسجد قبل السلام؛ لأنه كان عليه أن يقوم بعد سلام الإمام، فترك ذلك، وقام في صلاة الإمام، ولو كانت الصبح قد فاتته منها ركعة فقضاها، ثم ذكر الإمام سجدة، فإن قضاها في وقت للإمام فيه البناء لم يعتد بها، فإن لم يفرغ منها حتى فات البناء أعاد هذا صلاته - يريد محمد - ويصير كمن ترك القراءة في ركعة من الصبح على ما بين في التي قبلها.
وفي السليمانية: إن الإمام إذا استخلف رجلاً في صلاة السر، وهو قائم، فإن أم المستخلف يبتدئ قراءة أم القرآن، ولم يفرق بين أن يكون مكث في قيامه قدر قراءة أم القرآن أم لا، وذلك سواء لإمكان أن يكون نسيها أو أبطأ في قراءتها، ولم يتمها، فلا بد للمستخلف من قرائتها والله أعلم.
وهذا باب واسع في كتاب محمد وغيره، وفيما ذكرناه منه دليل على ما يرد منه إن شاء الله، وفي باب الجمعة شيء منه.
الجزء: 2 - الصفحة: 843
[باب -12 -] في التشهد والسلام
[فصل-1 - في التشهد]
قال مالك رحمه الله: لا أعرف في التشهد بسم الله الرحمن الرحيم.
ويبدأ إذا قعد بالتشهد قبل الدعاء.
واستحب مالك تشهد عمر رضي الله عنه، وروي مثله ابن عمر عن رسول الله صلي الله عليه وسلم، ولم يذكر الزاكيات، وقال عبده ورسوله.
والذي روي عن عمر أنه كان يعلمه الناس على المنبر يوم الجمعة التحيات لله، الزاكيات لله، الطيبات الصلوات لله، السلام عليك أيها النبي ورحمه الله وبركاته السلام علينا وعلى عباد الله/ الصالحين، أشهد أن لا إله إلا الله،
الجزء: 2 - الصفحة: 844
وأشهد أن محمداً عبده ورسوله.
قال ابن الحبيب: "وهو التشهد الذي علمه النبي صلي الله عليه وسلم عمر، وكان عمر رضي الله عنه يعلمه الناس على المنبر، والصحابة حوله لا ينكرونه.
قال: والتحيات جمع التحية، والسلام منه.
وقال غيره: التحية، الملك.
الجزء: 2 - الصفحة: 845
قال ابن حبيب: والزاكيات صالح الأعمال، والطيبات طيبات القول.
وروي مالك في الموطأ أن يشير بن سعد قال: يا رسول الله! أمرنا الله أن نصلي عليك، فكيف نصلي عليك؟ فسكت رسول الله صلي الله عليه وسلم ثم قال: قولوا: الهم صل على محمد وعلى آل محمد، كما صليت على إبراهيم، وبارك على محمد وعلى آل محمد، كما باركت على إبراهيم في العالمين إنك حميد مجيد، والسلام كما قد علمتم.
قال أبو محمد: ومما تزيده إ'ن شئت بعد تشهد عمرك وأشهد أن الذي جاء به محمد حق، وأن الجنة حق، وأن النار حق، وأن الساعة آتية لا ريب فيها، وأن الله يبعث من في القبول، اللهم صل على محمد وعلى آل محمد، كما صليت ورحمت وباركت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم في العالمين إنك حميد مجيد، اللهم صل على ملائكتك المقربين، وعلى انبيائك والمرسلين، وعلى
الجزء: 2 - الصفحة: 846
أهل طاعتك أجمعين، اللهم أغفر لي، ولوالدي، ولأئمتنا، ولمن سبقنا بالإيمان، مغفرة عزماً، اللهم إني أسألك من كل خير سألك منه محمد نبيك، وأعوذ بك من كل شر استعاذك منه محمد نبيك، اللهم اغفر لنا ما قدمنا، وما أخرنا وما أسررنا، وما أعلنا، وما أنت ألعم به منا، ربنا آتنا في الدنيا حسنة، وفي الآخرة حسنة، وقنا عذاب النار، وأعوذ بك من فتنة المحيا والممات، ومن فتنة القبر، ومن فتنة المسيح الدجال، ومن عذاب النار، وسوء المصير، السلام عليك أيها النبي ورحمة الله وبركاته، السلام علينا، وعلى عباد الله الصالحين.
قال ابن حبيب: ولا يزيد المصلي في الجلسة الأولى على التشهد، وإن دعا فدعاء خفيف، قال مالك.
ومن العتيبة قال ابن القاسم عن مالك: ومن لم يتشهد ناسياً حتى سلم الإمام، فليتشهد، ولا يدعوا، ثم يسلم.
الجزء: 2 - الصفحة: 847
قال: والإشارة بالأصبع في التشهد حسن، ولا بأس أن يشير بها من تحت ساجه، وهو ملتف به، ولقد رأيت مالكاً يحرك السبابة في التشهد ملحاً.
ومن كتاب آخر: وروي أن عمر كان يحركها ملحاً، وقيل: إن مقمعة للشيطان.
قال ابن حبيب: "وفعله الرسول صلي الله عليه وسلم وقال الرسول صلي الله عليه وسلم: (الإشارة بالإصبع في الصلاة في الدعاء مقمعة للشيطان ومرضاة للرحمن، وهو
الجزء: 2 - الصفحة: 848
الإخلاص) ".
قال يحيي بن مزين: /ينبغي أن ينصب السبابة في التشهد، وحرفها إلى وجهه، ولا يحركها.
وقيل في من ينصبها تأويله الإخلاص إن الله أحد.
فصل -2 - [في التسليم]
ومن المدونة قال مالك رحمه الله: "ويسلم الإمام والفذ واحدة قبالة وجهه، ويتامن قليلاً، وقد سلم النبي صلي الله عليه وسلم، وكذلك سلم أبو بكر
الجزء: 2 - الصفحة: 849
وعمر وعثمان وغيرهم".
قال مالك في غير المدونة: وكما يدخل في الصلاة بتكبيرة واحدة، فكذلك يخرج منها بتسليمه واحدة، وعلى ذلك كان الأمر في الأئمة وغيرهم، وإنما أحدث تسليمتان منذ كانوا بنوا هاشم.
قال عنه ابن القاسم: ولا بأس بالمصلي وحده؛ إذا فصل بالواحدة أن يسلم على يساره.
الجزء: 2 - الصفحة: 850
وقد تقدمت الحجة في السلام في أدلة الفرائض في الكتاب الأول، فأغني عن إعادتها.
قال ابن حبيب: يسلم الإمام واحدة تلقاء وجهه، ويتامن قليلاً، ويسلم الفذ تسليمتين، واحدة عن يمينه وأخرى عن يساره، والمأموم كذلك/ وثالثة رداً على الإمام، يقول في ذلك كله: " السلام عليكم" قال مطرف عن مالك.
ومن المدونة: قال مالك: "ويسلم المأموم واحدة عن يمينه، ثم يرد على الإمام، فإن كان عن يساره أحد رد عليه، وقال ابن عمر".
وكان مالك يأخذ بقول سعيد بن المسيب: يسلم عن يمينه وعن يساره، ثم يرد على الإمام، ثم تركه ورجع إلى هذا.
قال/ أبو محمد عبد الوهاب: وقد روي الحسن عن سمرة بن جندب، قال: أمرنا رسول الله صلي الله عليه وسلم أن نرد على الإمام؛ ولأن الإمام قد جمع في تسليمه أمرين: التحليل، والتسليم على المأموين، فاحتاجوا إلى الرد عليه، وروي.
الجزء: 2 - الصفحة: 851
عن ابن عمر وغيره.
قال ابن حبيب: إن رد على الإمام قبل أن يسلم لنفسه سجد بعد السلام، ولو تكلم حينئذ أبطل على نفسه، ولو تكلم بعد سلامه لنفسه وقبل رده على الإمام لم يضره ذلك، ويجزئه.
ابن القرطي: قالبعض الناس: وإن سلم على يساره، ثم تكلم بطلت صلاته.
قال أبو محمد: ولا / وجه لفساد صلاته؛ لأنه إنما ترك التيامن".
قال: ولم يذكر ابن القرطي إلى من نسب هذه المسألة.
قال: ورأيت لمحمد بن عبد الحكم قال: قال مطرف: إن صلاته تامة، ولا شيء عليه فعله سهواً أو عمداً كان إماماً أوفذاً.
ومن المدونة قال مالك: ويرد على الإمام عليك السلام، أو السلام عليكم، وكل ذلك واسع، وأحب إلى السلام عليكم.
الجزء: 2 - الصفحة: 852
وقال في المختصر: لا يقول: وعليك السلام.
قال في العتيبة: ويقول: سلام عليكم.
قال ابن القرطي: وبالألف واللام أولى؛ لأن الله هو السلام.
وذكر عن أبي محمد إذا قال الإمام في سلامه: سلام عليكم بغير ألف ولام أن صلاته باطلة.
وذكر عن ابن شبلون أن ذلك يجزئه.
م: وهذا أبين، ولا فرق في هذا بين الإمام والمأموم، ويحمل قول مالك: ولا يجزئ من السلام إلا السلام عليكم، أي: أنه لا يجزئ فيه تكبير ولا تحميد، فإن لم يحمل على ذلك فهو اختلاف قول.
قال في المدونة: وإذا سلم الإمام فليسمع نفسه ومن يليه، ولا يجهر جداً.
قال في سماع ابن وهب: "وأحب للمأموم أن لا يجهر بالتكبير، وبربنا
الجزء: 2 - الصفحة: 853
ولك الحمد، ولو جهر بذلك جهراً يسمع من يليه فلا بأس بذلك، وترك ذلك أحب إلي.
قال: ولا يحذف سلامة وتكبيره حتى لا يفهم، ولا يطيل جداً حتى يخالف.
ومن الواضحة، وليحذف الإمام سلامه، ولا يمده قال أبو هريرة رضي الله عنه: وتلك السنة، وكان عمر بن عبدا لعزيز يحذفه، ويخفض صوته.
ومن المدونة قال مالك: وسلامه من الفريضة ومن سجود السهو سواء، وسلام الرجال والنساء سواء.
قال مالك: وإذا سلم إمام مسجد الجماعة، أو مسجد القبائل، فليقم، ولا يقعد في موضعه في الصلوات كلها، إلا أن يكون إماماً في سفر، أو في
الجزء: 2 - الصفحة: 854
فنائه، فإن شاء تنحي، وإن شاء أقام.
ابن وهب: وكان خارجه بن زيد يعيب على الأئمة قعودهم بعد السلام، وقالك إنما كانت الأئمة ساعة تسلم تقوم.
قال ابن شهاب: وهي السنة.
وقال ابن مسعود: لأن يجلس على الرضف خير له من ذلك، ولقد كان أبو بكر الصديق رضي الله إذا سلم كأنه على الرض/ حتى يقوم.
وقال عمر رضي الله عنه: جلوسه بدعة.
الجزء: 2 - الصفحة: 855
[باب - 13 -] جامع القول في صلاة الجمعة
[فصل -1 - في حكم صلاة الجمعة]
وصلاة الجمعة فرض على الأعيان؛ لقوله تعالي: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إذَا نُودِيَ لِلصَّلاةِ مِن يَوْمِ الجُمُعَةِ فَاسْعَوْا إلَى ذِكْرِ اللَّهِ وذَرُوا البَيْعَ).
وقول النبي صلي الله عليه وسلم: " الجمعة على من سمع النداء".
وقوله: "من تركها ثلاثاً متواليات، طبع الله على قلبه بطابع النفاق".
الجزء: 3 - الصفحة: 856
وقال تعالى: (وتَرَكُوكَ قَائِمًا)، أي تخطب، فدل أن الخطبة فريضة.
قال بعض العلماء: ففي هذه الآية خمس فوائد: أولها النداء للجمعة، والسعي إليها، والنهي عن البيع، ويدخل في ذلك ما يشغل عن السعي، والرابع وجوب الخطبة؛ لأن الذكر الذي يأتيه الساعي/ هو الخطبة فدل أن الخطبة فريضة، والخامس أن الذكر غير مقدر، فما كان من الذكر يسمي خطبة فهو جائز في ذلك.
وقال عبد الملك ومحمد بن الجهم: هي سنة واجبة.
فوجه قول مالك أنها فرض.
قول الله تعالي: (وتَرَكُوكَ قَائِمًا) أي: تخطب، وقوله تعالي: (فَاسْعَوْا إلَى ذِكْرِ اللَّهِ)، والذكر هو الخطبة.
ولأن النبي صلي الله عليه وسلم صلاها بخطبه، وقال: "صلوا كما رأيتموني أصلي".
ولأن الخطبة بدل من الركعتين، فكما كانت الركعتان فرضاً، فكذلك
الجزء: 3 - الصفحة: 857
ما هو بدل منها.
ووجه قول عبد الملك وغيره: أنه ليس في قول الله تعالي: (وتَرَكُوكَ قَائِمًا) دليل على أن الخطبة فرض، وإنما هي من فعل النبي صلي الله عليه وسلم فهي سنة.
ولا خلاف أن صلاتها والسعي إليها فريضة على الرجال الأحرار المقيمين المطيقين، إذا كان ثم إمام وجماعة.
ومعني قول الله تعالي: (فَاسْعَوْا إلَى ذِكْرِ اللَّهِ)، أي فامضوا إلى ذكر الله.
قال ابن شهاب: كان عمر بن الخطاب يقرؤها: إذا نودي للصلاة من يوم الجمعة فامضوا إلى ذكر الله.
[فصل -2 - في من ترك الجمعة من غير عذر]
قال ابن حبيب: "ومن ومن تركها مراراً من غير عذر لم تجز شهادته، وقد روي مالك في الموطأ عن صفوان بن سليم لا يدري أيرفعه إلى النبي صلي الله عليه وسلم أم لا؟ أنه قال: "من ترك الجمعة ثلاث مرات من غير عذر ولا علة طبع
الجزء: 3 - الصفحة: 858
الله على/ قلبه".
[فصل -3 - مجمل أحكام الجمعة]
وقد رغب النبي صلي الله عليه وسلم في التهجير إليها والتجمل لها بالثياب والطيب والسواك، وقال: "ما علي أحدكم لو اتخذ ثوبين لجمعته سوي ثوبي مهنته".
وكان ابن عمر لا يروح إلى الجمعة إلا ادهن وتطيب، إلا أن يكون حراماً.
وقد صلاها رسول الله صلي الله عليه وسلم ركعتين، وخطب قبلها وأمر بالغسل للجمعة، والإنصات للخطبة، وجعل مدرك ركعة منها مدركاً لها، وجلس في أول الخطبة ووسطهما، وجمع عليه السلام أهل العوالي إليه في الجمعة، وهي على مسيرة ثلاثة أميال من المدينة، وهو قدر ما يسمع منه النداء، وما كان أكثر من
الجزء: 3 - الصفحة: 859
هذا، فهو في سعة، إلا أن يرغب في شهودها فذلك حسن، قاله مالك.
[فصل-4 - في من تجب عليه الجمعة]
قال أبو محمد عبد الوهاب: وتجب على كل من كان على ثلاثة أميال، وروي ذلك في الحديث، ولأمره عليه السلام لأهل العوالي بحضورها ولا يراعي ذلك في المصر الواحد، ويجب على أهل المصر السعي إليها، وإن كانوا على خمسة أميال أو ستة، قال: وشروط وجوب الجمعة - م يريد على القادر على السعي إليها - خمسة، إمام ومسجد وخطبة وجماعة وموضع استيطان.
قال: وإنما/ قلنا ذلك؛ لأن النبي صلي الله عليه وسلم صلاها بخطبة في عدد من أصحابه، ولم يصلها إلا في المسجد، وقد قال: "صلو كما رأيتموني
الجزء: 3 - الصفحة: 860
أصلي"، قال: وإنما شرطنا الاستيطان؛ لإتفاق أنها لا تجب على مسافر، ولا على من لا قرار له ولا وطن، ولا حد لقدر الجماعة خلافاً للشافعي رضي الله عنه في قوله: لا تقام بأقل من أربعين رجلاً.
ودليلنا عليه قوله عليه السلام: "الجمعة واجبة في كل قرية، وإن لم يكن فيها إلا أربعة".
وروي أن سعد بن زرارة صلاها بالمدينة في بضعة عشر رجلاً، وصلاها
الجزء: 3 - الصفحة: 861
أنس بالبحرين بإثني عشر رجلا.
م وظاهر المدونة خلاف ما ذكر أبو محمد عبد الوهاب، وقد قال مالك فيها: إن عمر بن عبد العزيز كتب أن يجمع الجمعة خمسون رجلاً، رووي القاسم للنبي صلي الله عليه وسلم إذا اجتمع ثلاثون بيتاً.
وقال/ في الواضحة: إذا اجتمع ثلاثون رجلاً وما قاربهم فهم جماعة تلزمهم الجمعة، وإن كانوا أقل من ثلاثين لم تجزئهم.
ومن المدونة قال مالك: وإن كانت قرية متصلة البنيان، كالروحاء وشبهها لزمتهم الجمعة كان لهم وال أو لم يكن، وإن مات واليهم فليقدموا
الجزء: 3 - الصفحة: 862
لأنفسهم من يجمع لهم، وكذلك الخصوص المتصلة، وقال مالك مرة: يجمع أهل القرية المتصلة البنيان التي فيها الأسواق، ومرة لم يذكر الأسواق.
وقال زيد بن بشر: وإن كان حصن الرباط على فرسخ من موضع الجمعة فليأتوا إليها، ويجعلوا فيه من يحرسه، وإن كان على أكثر من فرسخ وفيه خمسون رجلاً فليستأذنوا الوالي؛ ليأمر من يخطب بهم ويجمع، ولم ير سحنون على أهل حصن المنسير جمعة.
[فصل-5 - في ما إذا وافق العيد يوم الجمعة]
ومن المدونة/ قال مالك: ومن شهد العيد يوم الجمعة مع الإمام فلا يسقط شهود العيد إتيان الجمعة، وإن أذن له الإمام، ولم يأخذ مالك بإذن عثمان لأهل العوالي، وقال: ما بلغني عن غيره.
الجزء: 3 - الصفحة: 863
وفي الواضحة روي ابن وهب ومطرف وابن الماجشون: أن مالكاً أخذ بإذن عثمان لأهل العوالي، وأنكروا ما أنفرد به ابن القاسم من أن مالكاً لم يأخذ به.
قال ابن حبيب: وقد جاء أن النبي صلي الله عليه وسلم أرخص في التخلف عن الجمعة لمن شهد صلاة الفطر والأضحي صبيحة ذلك اليوم من أهل القري الخارجة عن المدينة؛ لما في رجوعهم من المشقة على ما بهم من شغل العيد، وبه أخذ عثمان رضي الله عنه في إذنه لأهل العوالي.
والحجة لمالك قول الله تعالي: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إذَا نُودِيَ لِلصَّلاةِ مِن يَوْمِ الجُمُعَةِ فَاسْعَوْا إلَى ذِكْرِ اللَّهِ).
وقوله عليه السلام: "الجمعة واجبة على كل مسلم"، فعم؛ ولأن شرائط
الجزء: 3 - الصفحة: 864
الجمعة موجودة فلزم أداؤها أصله إذا لم يكن يوم عيد؛ ولأن صلاة العيد سنة، فلا تسقط فرضاً، لأنها أكد منها، وكما لا تسقط الجمعة العيد التي هي أضعف كان أولي أن لا يسقط الأضعف الآكد.
فصل-6 - [في من لا جمعة عليهم]
ومن المدونة قال مالك: وليس على المسافرين والعبيد/ والنساء والصبيان/ جمعة، فمن شهدها منهم فلا يدع صلاتها، وليغتسل إن أتاها.
وقال ابن مسعود: ليس على المسلمين جمعه في سفرهم، ولا يوم نفرهم.
قيل عن ابن اللباد: قوله: يوم نفرهم يريد يوم ينفرون إلى عدوهم، وقيل: عن ابن القابسي يعني يوم ينفرون من عرفات.
الجزء: 3 - الصفحة: 865
وفي المختصر: ولا غسل على مسافر أتي الجمعة، إلا أن يكون أتاها لفضلها، فليغتسل".
قال ابن المنذر: ولا خلاف أنها ليست على النساء، فإن حضرنا أجزأتهن.
واختلف في العبد والمسافر هل عليهما جمعة؟، فقال أبو محمد عبد الوهاب: لا تجب الجمعة على عبد أو امرأة، أو صبي، أو مريض؛ لقوله عليه السلام:" الجمعة واجبة على كل مسلم، إلا أربعة: العبد والمرأة والصبي والمريض"، يريد إذا كان لا يقويعلى لاسعي، وأما لمسافر فلا جمعة عليه؛ لأن من شرطها الإقامة، ومن حضرها من هؤلاء أجزأتهم عن فرضهم.
قال ابن القاسم: ولا يؤمن فيها العبد إذا ليست عليه، فإن فعل لم تجزئه،
الجزء: 3 - الصفحة: 866
ولم تجزئهم.
وقال أشهب: تجزئهم، وقد صار من أهلها لما حضرها.
ومن الواضحة قال مالك: ليس على المريض والشيخ الفاني جمعة.
قال ابن حبيب: ولا على الأعمي، إلا أن يكون له قائد"، قال: وهي على الجذماء ممن يمشي منهم، وليس للسلطان منعهم من دخول المسجد في الجمعة خاصة، وله منعهم في غيرها من الصلوات، وقاله مطرف.
قال سحنون: لا جمعة عليهم، وإن كثروا، ولا يصلون الجمعة مع الناس في مصرهم، ولهم أن يجمعوا ظهراً بإقامه، بغير أذان، في موضعهم.
فوجه قول ابن حبيب، قوله تعالي: (إذَا نُودِيَ لِلصَّلاةِ مِن يَوْمِ الجُمُعَةِ فَاسْعَوْا إلَى ذِكْرِ اللَّهِ) الآية.
وقوله عليه السلام: "الجمعة واجبة على كل مسلم"، فعم.
ووجه قول سحنون: لأن في حضورهم الجمعة ضرراً بالناس؛ لشدة رائحتهم ونتنهم وقذارتهم وقد أوجب النبي صلي الله عليه وسلم على الناس الغسل للجمعة؛ ولأنهم كانوا يأتون إليها من أعمالهم، فيؤذي بعضهم بعضاً بنتن أعراقهم، والمجذوم أشد من ذلك؛ ولأن صلاة الجمعة فرض على الأعيان،
الجزء: 3 - الصفحة: 867
كالصلوات الخمس، فوجب أن/ لا يصليها المجذوم في المسجد مع الناس، كسائر الصلوات، بل منعهم في يوم الجمعة أولى؛ لاجتماع الناس وتجملهم وتطييبهم لها، بخلاف سائر الأيام، فوجب أن يمنعوا؛ لمزاحمتهم الناس وقذرهم، ونتن ريحهم، وكما جاز أن/ يفرق بينه وبين امرأته إذا جذم كان أحرى أن يفرق بينه وبين الناس في يوم الجمعة، ولم يكن لهم أن يصلوها في موضعهم جمعة؛ لأن الجمعة لا تصلي في المصرفي موضعين، فقول سحنون أبين لما ذكرنا، وبالله التوفيق.
قال مالك في العتيبة: لا بأس أن يتخلف الرجل عن الجمعة، لجناز أخ من إخوانه، لينظر في أمره.
يريد إذا لم يكن له من يكفيه ذلك.
قال مالك: ولا يتخلف لمرضه الشديد، إلا أن يخشي/ عليه الموت قال: ولا يتخلف العروس عن حضور الجمعة، ولا عن الصلوات الخمس في
الجزء: 3 - الصفحة: 868
الجماعة، وقال في موضع آخر: وإنما لها أن يقيم عندها دون سائر نسائه، قال سحنون: وقد قيل: لا يخرج عنها، وذلك حق لها بالسنة.
قال مالك: ولا يتخلف عن الجمعة لدين عليه يخاف فيه غريمه.
فصل-7 - [في غسل الجمعة والتبكير إليها]
وقال الرسول صلي الله عليه وسلم: غسل الجمعة واجب على كل مسلم بلغ الحلم".
وقال عليه السلام: "حق على كل مؤمنم أن يغتسل يوم الجمعة، ويتسوك، ويمس من طيب إن كان له".
الجزء: 3 - الصفحة: 869
ووجوبه عندنا وجوب السنن المؤكدة، وليس بواجب حتماً، خلافاً لمن ذهب إلى وجوبه؛ لقوله عليه السلام: " من جاء يوم الجمعة فتوضاأ فيها ونعمت، ومن اغتسل فالغسل أفضل"
ووجه من أوجبه: ما روي أبو هريرة أنه قال: قال عليه السلام: "غسل الجمعة واجب على كل محتلم؛ كغسل الجنابة".
معناه ندنا: كصفة غسل الجنابة، لا كوجب غسل الجنابة، فتتفق الأخبار بهذا، ولا تتنافي.
ومن المدونة قال مالك: ولا يجزئ غسل الجمعة إلا متصلاً بالرواح قال: ومن اغتسل للجمعة غدوة ثم غدا إلى المسجد، وذلك رواحه فأحدث
الجزء: 3 - الصفحة: 870
لم ينتقض غسله، وخرج فتوضأ، ورجع، وإن تغدى أو نام بعد غسله أعاده حتى يكون غسله متصلاً بالرواح.
قال ابن حبيب: هذا إذا طال أمره، وإن كان شيئاً خفيفاً لم يعده.
قال ابن القاسم: وإن خرج من المسجد بعد رواحه في حاجة إلى موضع قريب ثم رجع لم ينتقض غسله، وإن طال ذلك انتقض غسله.
قال ابن وهب: عن اغتسل للجمعة في الفجر أجزأه.
م لعله يريد إذا راح حينئذ، وقد اختلف هل يجزئه غسله إذا راح حينئذ أم لا يجزئه، ويعيده أبداً؟
وقال مالك: لا يبكر بالتهجير جداً، والتهجير للجمعة ليس هو الغدو، ولم تكن الصحابة يغدون هكذا، وأكره أن يفعل ذلك، وأخاف على فاعله أن
الجزء: 3 - الصفحة: 871
يدخله شيء، ويعرف بذلك، ولا بأس أن يروح قبل الزوال ويهجر بالرواح.
م وقد علل مالك رحمه الله وجه كراهيته للتبكير، وإن كان قد روى في الموطأ عن أبي هريرة أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال: ((من اغتسل يوم الجمعة غسل الجنابة، ثم راح في الساعة الأولى فكأنما قرب بدنة، من راح في الساعة الثانية فكأنما قرب بقرة، ومن راح في الساعة الثالثة فكأنما قرب كبشاً أقرن، ومن راح في الساعة الرابعة فكأنما قرب دجاجة، ومن راح في الساعة الخامسة فكأنما قرب.
بيضة، فإذا خرج الإمام حضرت الملائكة يستمعون الذكر)).
قال مالك في شرح [غريب] الموطأ لأبي مروان عبد الملك: الذي يقع في قلبي أن هذه الساعات كلها في ساعة واحدة، وليست في ساعات النهار.
والذي يدل على قول مالك قول الله تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إذَا نُودِيَ لِلصَّلاةِ مِن يَوْمِ الجُمُعَةِ فَاسْعَوْا إلَى ذِكْرِ اللَّهِ) الآية.
فإنما أوجب السعي إذا نودي للصلاة، ففي هذه الساعة يقع فضل المسابقة.
ويدل على ذلك أيضاً قوله عليه السلام: ((من راح في الساعة الأولى))، والرواح عند العرب لا يكون إلا بعد الزوال.
الجزء: 3 - الصفحة: 872
وقال ابن حبيب: إنما عنى بالحديث ساعات اليوم كلها.
قال في المدونة: ولا بأس أن يغتسل للجنابة وللجمعة غسلاً واحداً ينويهما، وقاله ابن عمر، وعمر بن عبد العزيز.
فصل-8 - [في ما تدرك به صلاة الجمعة]
وقال الرسول - صلى الله عليه وسلم -: ((من أدرك من الجمعة ركعة/ فقد أدركها)).
قال مالك: ومن ضغط بعد عقد ركوع الأولى فليتبع الإمام في السجود، ما لم يخف أن يعقد الثانية، فإن لم يقدر أن يسجد حتى ركع الإمام الثانية- يريد ولم يرفع رأسه- ألغى الأولى، ولم يسجد لها، وركع معه الثانية، وأضاف إليها ركعة بعد سلام الإمام، وأجزأته.
الجزء: 3 - الصفحة: 873
قال: وإن لم يقدر على سجود الأولى، ولا ركوع الثانية حتى تمت الصلاة.
صلى ظهراً أربعاً، ولو عقد الأولى بسجدتيها، ثم زحمه الناس عن الثانية حتى سلم الإمام أضاف إليها ركعة، وأجزأته، وإن لم يقدر على السجود إلا على ظهر أخيه لم يجزئه، فإن فعل أعاد أبداً.
قال: ومن أدرك من الجمعة ركعة قضى بعد سلام الإمام أخرى، يقرأ فيها بسورة الجمعة استحباباً، ويجهر، وإن أدرك الجلوس فقط صلى ظهراً أربعاً، ورواه أبو هريرة عن النبي - صلى الله عليه وسلم -، وقاله ابن عمر وغيره.
فصل-9 - [في المسبوق ينسى من صلاته سجدة]
قال ابن المواز: في الذي أدرك من الجمعة ركعة، فبعد سلام الإمام ذكر قبل أن يركع- أنه أسقط سجدة من هذه الركعة، فقد اختلف فيها، فقال أشهب:/ يسجد سجدة أو يأتي بركعة، وتصح له جمعة؛ لقول النبي - صلى الله عليه وسلم -: ((من
الجزء: 3 - الصفحة: 874
أدرك الركعة، فقد أدرك السجدة)) وقال: ((من أدرك من صلاة الجمعة ركعة، فقد أدرك الجمعة)).
وقال ابن القاسم: لم تتم له إلا بعد سلام الإمام، فقد صارت ركعة بلا إمام، والجمعة لا تكون إلا بإمام، وليبن عليها ثلاث ركعات، فتتم له ظهر، كمن جاء يوم الخميس يوم الجمعة، ولا يضره إحرامه للجمعة إذا آلت ظهراً؛ لأن الجمعة ظهر وهي صلاة حضر.
قال محمد: وأحب إلى أن يأتي بسجدة وركعة تتم له جمعة، ويعيدها ظهراً أربعاً احتياطاً، ولا حجة عليه في قول واحد منهما، وقاله أصبغ.
قيل: فإن أدرك ركعة ثم ركع الثانية لنفسه، ثم شك في السجدة، فلم يدر من أي ركعة هي؟ قال: قد اختلف فيها أيضاً، فقال ابن القاسم: يأتي بسجدة، ثم بركعة، ثم يسلم، ثم يسجد لسهوه/ بعد السلام، ويعيد ظهراً أربعاً.
وقال أشهب: يأتي بركعة بلا سجدة ويسلم، ثم يسجد لسهوه ويعيد ظهراً أربعاً.
الجزء: 3 - الصفحة: 875
وقال عبد الملك وعبد الله بن عبد الحكم: لا يأتي بركعة، ويسجد سجدة، ويتشهد، ويسلم، ويسجد لسهوه، ويعيد ظهراً أربعاً.
قال ابن المواز: وهذا أحب إلينا؛ لأنه إنما/ جعله أن يسجد؛ لخوف أن تكون السجدة من الركعة الآخرة، فإن كانت فقد تمت له جمعة، فلم جعله يأتي بركعة، فتفسد عليه ما رجا أن تصح له جمعة، وإن كانت السجدة من الركعة الأولى، فلا جمعة له، وعليه الظهر أربعاً فترك الركعة أولى، وكذلك روى عيسى عن ابن القاسم في العتبية، وقاله أشهب في المجموعة.
قال أبو محمد: ((وكأنه في القول الآخر يتعرض أن تتم له ركعتان تنفلاً، إن لم تصح له جمعة.
قال ابن المواز: ولو أن الذي أدرك من الجمعة ركعةـ فأحرم فيها مع الإمام، ثم أحدث الإمام، فقدمه، فصلة بهم، وتشهد بهم، ثم أشار إليهم فثبتوا، وقام هو بقضاء الركعة التي فاتته ثم سلم، ثم ذكر مكانه أن عليه سجدة من الركعة التي استخلف فيها، فلا جمعة له على كل حال، أسقطها القوم معه أو لم يقطونها؛ لأنهم وإن أسقطوها فإنما عليهم فيها سجدة بلا ركعة، فيسجدون مكانهم حين ذكروا، ويتشهدون، ويقوم المستخلف فيقضي هذه
الجزء: 3 - الصفحة: 876
الركعة، ولا يتبعوه فيها، ويسلم بهم، ثم يسجد بهم للسهو، وتتم لهم جمعة، ويعيد صلاته أربعاً؛ لأن الركعة التي أدرك مع الإمام قد صلاها وحده، والأولى قد كانت فاتته، وصارت الثانية مكانها، فقد صلى الجمعة وحده، وهي لا تكون إلا بجماعة، كما لو استخلفه في الركعة الآخرة التي أدرك معه فهرب الناس، وبقي وحده لما كان تجزئه جمعة؛ لأنه لم يعقد ركعة مع الناس، فيصلي ثلاث ركعات أخر، وتجزئه صلاته.
قيل: فلو أن المستخلف على هذه الركعة الآخرة التي استخلف فيها، ورجع إليه الإمام، فقال: وأن أسقطت سجدة من الركعة الأولى فإنه لا تصح لهم، ولا للمستخلف جمعة؛ لأن الأولى بطلت، والثانية التي صلى بهم المستخلف حال بينه وبين تمامها ركعة القضاء، فلم تتم له، وكأنه لم يصلها بهم، ولو أدركه القوم قبل أن يركع ركعة القضاء، أو قبل أن يرفع رأسه
الجزء: 3 - الصفحة: 877
منها رأيت أن يسجد بهم سجدة للركعة التي استخلف عليها فتتم له ولهم ركعة من الجمعة، ويركع بهم أخرى، فتتم صلاة الجمعة للجميع، فإن لم يدركوه، إلا بعد رفع رأسه أو بعد فراغه منها رأيت أن يسجد القوم سجدة فتتم لهم ركعة المستحلف، ويأتون بركعة أخرى، ويسلمون، ويسجدون للسهو، ويأتي المستخلف أيضاً بركعة أخرى فتتم له ولهم ركعتان نافلة، ثم يعيدون صلاة الجمعة، وتجزيهم الخطبة، إلا أن يبعد جداً، فيعيدون الخطبة، ولو أن المستخلف فرغ من صلاته ولم يسه فرجع الأول، فقال: أسقطت سجدة، وذكر القوم ما ذكر فليسلم المستخلف، ويسجد بعد السلام، وتصح له جمعة، ويأتي القوم بعده بركعة أفذاذاً ويسجدون بعد السلام، وتمم لهم جمعة؛ لأنه قد تمتم لهم ركعة المستخلف ركعة من الجمعة، وكان يجب عليهم إتباعه في ما قضى، فلما غفلوا قضوها بعد سلامه أفذاذاً، وأجزأتهم جمعة.
وفي كتاب محمد زيادات/ من هذا، وفي ما ذكرنا من هذا كفاية، ودليل على ما يرد منه.
وبالله التوفيق.
الجزء: 3 - الصفحة: 878
فصل-10 - [في استقبال الخطيب والإنصات إليه]
ومن المدونة قال مالك: ومن أحرم في نافلة يوم الجمعة، فلم يركع حتى خرج الإمام- يريد دخل المسجد- تمادى، ولا يقطع، وإن دخل بعد ما خرج الإمام، أو دخل قبل خروج الإمام، ثم خرج الإمام قبل أن يحرم فليجلس ولا يصلي.
قال سحنون:/ فإن أحرم بعد خروج الإمام جهلاً أو سهواً فلا يقطع، وإن/ قام الإمام للخطبة، وقاله ابن وهب عن مالك.
قال مالك في العتبية: وإن دخل رجل في تشهد النافلة، فليسلم، ولا يتربص يدعو بعد قيام الإمام)).
الجزء: 3 - الصفحة: 879
قال مالك: وإذا قام الإمام يخطب فحينئذ يجب قطع الكلام، واستقباله، والإنصات إليه، فإما قبل ذلك فلا.
م لقوله عليه السلام: ((إذا قلت لصاحبك أنصا والإمام يخطب، فقد لغوت))؛ ولأن الإنصات له واجب؛ لقوله تبارك وتعالى: (وإذَا قُرِئَ القُرْآنُ فَاسْتَمِعُوا لَهُ وأَنصِتُوا) قيل: نزلت في الخطبة.
قال مالك: ولا يتكلم أحد في جلوس الإمام بين خطبتيه، ولا بأس بالكلام إذا نزل الإمام عن المنبر إلى أن يدخل في الصلاة.
وقال ثعلبة بن أبي مالك: جلوس الإمام على المنبر يقطع الصلاة، وكلامه يقطع الكلام)).
قال: وكانوا يتحدثون حين يجلس عمر بن الخطاب على المنبر حتى يسكت المؤذن، فإذا قام عمر عل المنبر لم يتكلم أحد، فإذا قضى خطبتيه كلتيهما ونزل عن المنبر تكلموا.
قال ابن القاسم: ورأيت مالكاً يحلق، ويتحدث مع أصحابه يوم الجمعة،
الجزء: 3 - الصفحة: 880
وإن دخل الإمام حتى يفرغ المؤذن، فإذا قام الإمام يخطب استقبله هو وأصحابه.
ابن وهب: وقال الرسول - صلى الله عليه وسلم -: ((إذا قعد الإمام على المنبر يوم الجمعة فاستقبلوه بوجوهكم واصغوا إليه بأسماعكم، وارمقوه بأبصاركم)).
قال مالك: ((وكان الرسول - صلى الله عليه وسلم - إذا نزل عن المنبر يكلمه الرجل في الحاجة، فيكلمه رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، ثم يتقدم إلى مصلاه)).
قيل لمالك: فالرجل يقبل على الذكر والإمام يخطب، قال: إن كان شيئاً خفيفاً سراً في نفسه فلا بأس به، وأحب إليّ أن ينصت، ويستمع.
قال في العتبية: ولا يحصب من تكلم والإمام يخطب، ولا يشرب الماء والإمام يخطب، ولا يدور على لناس يسقيهم حينئذ.
قال: وليس على الناس
الجزء: 3 - الصفحة: 881
الإنصات له إذا خطب في أمر ليس من الخطبة، ولا/ من الصلاة من أمر كتاب يقرؤه.
ابن حبيب: وكذلك إذا خرج إلى لغو وما لا يعني من لعن أحد.
وقال مالك في المجموعة: وإذا شتم الإمام الناس ولغى فعلى الناس الإنصات له، ولا يتكلمون.
وقال أشهب: ولا يقطع ذلك خطبته.
قال مالك في العتبية: وإذا صلى الإمام على النبي - صلى الله عليه وسلم -، فقال: صلوا على نبيكم فليقل ذلك الرجل في نفسه، وكذلك يؤمن على دعاء الإمام في نفسه.
ومن المدونة قال: ويجب على من لم يسمع الإمام فيها من الإنصات مثل ما يجب على من يسمعه، مثل الصلاة يجب على من لا يسمع الإمام فيها من الإنصات/ مثل ما يجب على من سمعه.
قال: ومن عطس والإمام يخطب حمد الله تعالى سراً في نفسه، ولا يشمت
الجزء: 3 - الصفحة: 882
العاطس والإمام يخطب، ونهى عنه ابن المسيب، وقال: لمن فعله لا تعد.
قال مالك في المختصر: ولا يقرأ، ولا يسبح، ولا يقول لمن لغا أنصت.
وقد قال النبي عليه الصلاة والسلام: ((إذا قلت لصاحبك أنصت، والإمام يخطب فقد لغوت)).
قال مالك: ولا بأس بالاحتباء والإمام يخطب وفعله ابن عمر وأنس بن مالك وعروة ابن الزبير وغيرهم.
فصل-11 - [في ما ورد في الخطبة]
قال مالك: والسنة أن يجلس الإمام يوم الجمعة في أول الخطبة حتى يؤذن المؤذن، ثم يقوم يخطب، ويجلس في وسطها جلسة خفيفة، ثم يقوم يخطب، ثم يستغفر الله تعالى وينزل، وكذلك فعل النبي - صلى الله عليه وسلم -، وفعله أبو بكر وعمر وعثمان بعده.
قال مالك: وكذلك سائر الخطب، في الاستسقاء، والعيدين، ويوم عرفة يجلس في أولها ووسطها.
الجزء: 3 - الصفحة: 883
قال ابن حبيب: ويْقَص الخطبتين، والثانية أقصرهما، قال: وكان النبي - صلى الله عليه وسلم - إذا دخل المسجد رقى المنبر فجلس، ثم أذن المؤذنون وكانوا ثلاثة يؤذنون على المنار واحداً بعد واحد، فإذا فرغ الثالث قام النبي - صلى الله عليه وسلم - يخطب، وكذلك في عهد أبي بكر وعمر وكان النبي - صلى الله عليه وسلم - يشير بإصبعه إذا دعا أو وعظ، وكان لا يدع أن يقرأ في خطبته (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وقُولُوا قَوْلاً سَدِيدًا- إلى قوله- فَوْزًا عَظِيمًا).
وينبغي أن يقرأ في الخطبة الأولى بسورة تامة من قصار المفصل، وكان عمر ابن عبد العزيز يقرأ تارة (أَلْهَاكُمُ التَّكَاثُرُ)، وتارة (وَالْعَصْرِ).
الجزء: 3 - الصفحة: 884
قال أشهب: فإن لم يفعل أساء، ولا شيء عليه.
قال مالك: ولا يقرأ بسورة فيها سجدة.
[فصل-12 - في هيئة الخطيب]
ومن المدونة قال مالك: ولا يسلم الإمام على الناس إذا رقى المنبر، ومن شأنه أن يقول إذا فرغ من خطبته: يغفر الله لنا/ ولكم، وإن قال: اذكروا الله يذكركم، فحسن، والأول أصوب.
قال ابن حبيب: إن كان كما دخل فليسلم إذا جلس للخطبة ويرد عليه من سمعه، ولو كان في المسجد يركع مع الناس أو لا يركع فلا يسلم إذا جلس للخطبة.
م والصواب أن لا يسلم كان كما دخل، أو كان في المسجد؛ لأنه لم يرد ذلك في شيء من الروايات الثابتة عن النبي - صلى الله عليه وسلم -، وإنما هو شيء محدث.
وهو مذهب الشافعي.
الجزء: 3 - الصفحة: 885
ومن المدونة قال مالك: ويستحب للغمام أن يتوكأ على عصا غير عمود المنبر إذا خطب، وفعله الرسول - صلى الله عليه وسلم - والخلفاء بعده، وهو من أمر الناس القديم، ويقال: إن فيها شغلاً مس اللحية والعبث باليد.
ابن حبيب: والقوس كالعصا.
وسواء خطب في ذلك على المنبر أو إلى جانبه.
ومن العتبية: ومن لا يرقى المنبر عندنا فجعلهم يقوم عن يساره، ومنهم من يقوم عن يمينه وكل ذلك واسع.
الجزء: 3 - الصفحة: 886
ومن المدونة قال: ولا بأس أن يتكلم الإمام في خطبته لأمر أو نهي يأمر به الناس ويعظهم فيه، ولا/ يكون لاغياً.
قال ابن القاسم: ومن كلمه الإمام فرد عليه لم يكن لاغياً.
قال مالك: وقد صعد عمر بن الخطاب على المنبر فنهى لناس ووعظهم بما شاء الله.
فصل-13 - [في صلاة الجمعة في ما قرب من المسجد]
قال مالك: وتصلي الجمعة في رحاب المسجد، وأفنيته، وأفنية ما يليه من الحوانيت، والدور التي تدخل بغير إذن، وإن لم تتصل الصفوف بتلك الأفنية، وكانت بينهم الطرق فصلاة من صلى فيها تامة إذا ضاق المسجد، ولا أحب ذلك في غير ضيقه.
قال: وكان الماس يدخلون في: حجر أزواج النبي - صلى الله عليه وسلم - بعد وفاته بلا إذن فيصلون فيها الجمعة من ضيق المسجد، لكنها شارعة إلى المسجد، ولم يزل الناس على ذلك حتى بنى المسجد.
الجزء: 3 - الصفحة: 887
قال: وأما الحوانيت والدور التي حوله ولا تدخل إلا بإذن، فلا يجوز أن تصلى فيها الجمعة، وإن أذن أهلها.
قال ابن القاسم في كتاب ابن مزين: ومن صلى فيها الجمعة أعاد أبداً.
وقال ابن نافع: أكره تعمد ذلك، وأرجو أن تجزئه صلاته.
ك وقيل: تجوز الصلاة فيها عند ضيق المسجد، وقاله إسماعيل القاضي عن ابن مسلمة.
قال ابن أبي زمنين: قول ابن القاسم أن من صلى في أفنية المسجد يوم الجمعة، أو قضى فيها ركع كانت عليه من رعاف غسله، وهو يجد موضعاً في المسجد يصلي فيه أن ذلك يجزئه، وخالفه سحنون، وقال: يعيد أبداً؛ لأن الصلاة في غير المسجد لا تجوز إلا لضيق المسجد.
قال مالك في المدونة: ومن صلى في الطريق لضيق المسجد، وفيها أرواث وأبوالها أجزأه، في الجمعة وغيرها.
قال: ومن صلى الجمعة فوق ظهر المسجد لم ينبغ ذلك؛ لأن الجمعة لا تكون إلا في المسجد الجامع.
الجزء: 3 - الصفحة: 888
قال ابن القاسم: فإن فعل أعاد أبداً أربعاً.
وفي ثمانية أبي زيد قال ابن الماجشون وغيره: إنما يكره له ذلك، فإن فعل أجزأته صلاته، وهو قول مالك.
وقال حمديس: إذا ضاق المسجد جازت الصلاة على ظهره.
قال مالك في المدونة: وإن استخلف الإمام من يصلي بالناس في الجامع وصلى هو الجمعة في ناحية العسكر فليصل الناس في الجامع.
الجزء: 3 - الصفحة: 889
قال أبو محمد: وإن ان في البلد جامعان فالجمعة لمن صلى في الأقدم، صلى فيه الإمام أو في الأحدث.
قال محمد بن عبد الحكم: إلا في الأمصار العظام، مثل: مصر، وبغداد، فلا بأس أن يجمعوا في مسجدين؛ للضرورة، وقد فعل ذلك، والناس متوافرون فلم ينكروه.
فصل-14 - [في البيع والشراء يوم الجمعة]
قال مالك: وإذا قعد الإمام على المنبر يوم الجمعة وأذن المؤذنون كره البيع حينئذ، ومنع منه من تلزمه الجمعة، ومن لا تلزمه من المسلمين، فإن تبايع حينئذ ائنان تلزمهما الجمعة أم لا، أو يلزم أحدهما فسخ البيع كان أحدهما/ عبداً أذمياً أو امرأة صبياً.
واحتج بالذمي الذي ابتاع طعاماً على كيل، فباعه من مسلم قبل أن يكتاله أن بيعه غير جائز، وخالف ذلك أبو حنيفة
الجزء: 3 - الصفحة: 890
والشافعي.
ودليلنا قوله تعالى: (وذَرُوا البَيْعَ)، والنهي يدل على فساد المنهي عنه، ولأنه عقد منع منه؛ لأجل حق/ الله فأشبه النكاح في العدة.
م وإنما منع منه من لا تلزمه الجمعة لاستبدادهم بالبيع دون الساعين، فيدخل على الساعين/ في ذلك ضرر، فمنعوا منه؛ لصلاح العامة.
ومن المدونة قال: وإن كان لا تجب الجمعة على واحد منهما لم يفسخ البيع، قال: ولا يمنع أهل الأسواق البيع يوم الجمعة إلا في الساعة المذكورة.
قال في العتبية: والنداء الذي يحرم به التبايع يوم الجمعة النداء والإمام على المنبر.
قال ابن حبيب: وينبغي للغمام أن يوكل وقت النداء من ينهى الناس عن
الجزء: 3 - الصفحة: 891
البيع والشراء حينئذ، وأن يقيمهم من الأسواق من تلزمه الجمعة ومن لا تلزمه للذريعة، ويرد البيع إذا وقع من تلزمهما الجمعة، أو تلزم أحدهما، فإن فاتت السلعة ففيها القيمة، وقت قبضها، قاله ابن القاسم.
وقال أشهب: بل قيمتها بعد الصلاة حين كان يحل بيعها، وبه أقول، وهو كما بيع من الثمر قبل أن يحل بيعه ثم يفوت ولا يعرف كيله فيلزم المبتاع قيمته يوم يجل بيعه، ولم يختلف في هذا.
م إنما يصح هذا إذا قبضه بعد أن حل بيعه، وأما لو وجده وقبضه قبل أن يحل بيعه لم يكن عليه إلا قيمته يوم قبضه، فصح أن قول ابن القاسم أبين، وحجة ابن حبيب فاسدة.
وقال سحنون في المجموعة: إذا فات البيع مضى بالثمن.
قال ابن عبدوس: إذا فات بحوالة سوق فأكثر يمضي بالثمن؛ لأن فساده في عقده لا في ثمنه، كالنكاح يفسد لعقده.
قال عي بن زيادة عن مالك: وإن باع بعد النداء بربح فبئس ما صنع
الجزء: 3 - الصفحة: 892
حين تخلف بعد ما سمع النداء، وليستغفر الله، ولا أرى الربح عليه حراماً.
م وهذا قول رابع كأنه يقول: إذا وقع مضى فات أو لم يفت.
وقال أصبغ في العتبية: من/ اشترى سلعة بعد قعود الإمام على المنبر فباعها بربح لم يجز له أن ياكل ذلك الربح وليتصدق به أحب إلي، وهو قول ابن القاسم.
وجائز أن يعقد النكاح والإمام يخطب، ولا يفسخ دخل أو لم يدخل، والصدقة والهبة جائزة في تلك الساعة.
قال أصبغ: لا يعجبني قوله في النكاح، وارى أن يفسح، وهو عندي بيع من البيع.
وقال أبو محمد عبد الوهاب: يدخل في هذا الاختلاف في الهبة والصدقة، لعلة التشاغل بذلك.
م والصواب أن لا يدخل ذلك؛ لأن أصبغ قد احتج في منع النكاح بأنه بيع من البيوع، ولأن النص إنما ورد في البيع فما ضارعه مثله، ولأنا لبيع ملازم لأكثر الناس، فلو تركوا ذلك لا استبد بعضهم بالبيع، ودخل الضرر على الساعين، وليس الهبة والصدقة كذلك.
وذكر عن أبي عمران في الذي يفطر في صلاة الظهر والعصر حتى لا يبقى
الجزء: 3 - الصفحة: 893
منه إلا قدر خمس ركعات أنه إن باع أو اشترى حينئذ فسخ بيعه، كمان باع أو اشترى يوم الجمعة في الوقت المنهي عنه، وقاله إسماعيل القاضي.
وقيل عن ابن سحنون: إنه لا يفسخ البيع إذا وقع.
قال أبو محمد: ومن انتقض وضوءه وقت النداء فلم يجد الماء إلا بثمن، فلا بأس أن يشتريه ولا/ يفسخ شراؤه.
ومن المدونة قال مالك: وكره بعض الصحابة ترك العمل يوم الجمعة، كفعل أهل الكتاب في السبت والأحد.
ابن حبيب قال أصبغ: ومن ترك من الناس، العمل يوم الجمعة استراحة فلا بأس به، وأما استناناً فلا خير فيه.
الجزء: 3 - الصفحة: 894
فصل-15 - [في خطبة المحدث]
ومن المدونة قال مالك: وإن أحدث الإمام في الخطبة فلا يتمها، وليستخلف من يتمها لهم، ويصلي بهم، وكذلك إن أحدث بعد الخطبة، أو بعد ما أحرم فليستخلف من يصلي بهم الجمعة ركعتين.
قال أبو محمد عبد الوهاب: وإن خطب بهم محدثاً كره له ذلك، وجاز، خلافاً للشافعي في أحد قوليه؛ لأنه ذكر للصلاة متقدم عليها، فلم يكن من شرطه الطهارة، كالأذان والإقامة، وقاله مالك في المختصر.
وقال ابن المواز: يعيد الخطبة.
وقال سحنون في كتاب ابنه: إذا خطب جنباً/ أعادوا الصلاة أبداً- يريد وهو ذاكر- قال: وإن ذكر في الخطبة أنه جنب نزل للغسل وانتظروه إن قرب، وبنى.
قال غيره: فإن لم يفعل وتمادى في الخطبة واستخلف للصلاة أجزأهم.
الجزء: 3 - الصفحة: 895
[فصل-16 - في الاستخلاف في صلاة الجمعة]
ومن المدونة: وكره مالك أن يستخلف من لم يشهد الخطبة.
قال ابن القاسم: فإن فعل، فأرجوا أن تجزئهم.
قال ابن القاسم: فإن خرج الإمام، وجهل أن يستخلف، أو ترك ذلك عامداً فليقدموا رجلاً ممن شهد الخطبة أحب إلي، فإن قدموا من لم يشهدها أجزأتهم صلاتهم، ولا يعجبني أن يتعمدوا ذلك، ولا يتقدم/ بهم الرجل، ولو صلوا أفذاذاً لم يجزئهم ذلك في الجمعة، وأجزأهم ذلك في غيرها.
قال مالك: ولو تقدم بهم رجل من تلقاء/ نفسه، ولم يقدموه هم، ولا إمامهم أجزأهم، والجمعة وغيرها ذي ذلك سواء.
قال: ((وإن استخلف بهم الإمام رجلاً حنباً ناسياً
الجزء: 3 - الصفحة: 896
لجنابته فصلى بهم أجزأتهم ويعيد هو وحده، وإن كان ذاكره لها فسدت صلاتهم، وإن استخلف الإمام مجنوناً في حال جنونه، أو سكراناً في صلاة الجمعة أو غيرها، فصلى بهم فسدت صلاتهم، وإن قدم من لم يدرك الإحرام معه فصلى بهم لم يجزئهم، وأعادوا كلهم؛ لأن هذا المستخلف قد صار وحده، ولا يجمع الجمعة بواحد، والقوم كأنهم أحرموا قبل إمامهم.
قال في العتبية: ((وإن قدّم مسافراً حضر الجمعة فلا يصلي بهم، فإن فعل أعادوا الخطبة والصلاة في الوقت، فإن ذهب الوقت أعادوا ظهراً)).
وقال سحنون: ((تجزئهم؛ لأنه لما حضرها صار من أهلها)).
قال ابن القاسم: ((وإن صلى المسافر الظهر في سفره، ثم قدم بلده فدخل مع الإمام فاستخلفه؛ لحدث أصابه، فصلى بهم، فإنها تجزئهم؛ لأنه إذا قدم قبل صلاة الإمام فعليه أن يأتيها، فإن لم يفعل حتى فاتت أعاد ظهراً، حتى تكون صلاته بعد الإمام)).
الجزء: 3 - الصفحة: 897
قال ابن المواز عن أصبغ: ولو بطلت الجمعة التي صلى؛ لوضوء نسيه، أو غيره فعليه أن يعيد الظهر.
[فصل-17 - في الرجل يصلي الظهر في بيته قبل الإمام وهو ممن تلزمه الجمعة]
ومن المدونة قال مالك: ومن صلى الظهر في بيته قبل صلاة الإمام يوم الجمعة/ وهو ممن/ تلزمه الجمعة لم تجزئه، إنما يصلي الظهر من فاتته الجمعة.
[فصل-18 - في من أحدث والإمام يخطب]
وقال مالك: ومن أحدث يوم الجمعة والإمام يخطب خرج بغير إذن، وإنما كان الإذن الذي يروى في قوله تعالى (إنَّمَا المُؤْمِنُونَ الَذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ ورَسُولِهِ وإذَا كَانُوا مَعَهُ عَلَى أَمْرٍ جَامِعٍ لَّمْ يَذْهَبُوا حَتَّى يَسْتَاذِنُوهُ) إنما كان ذلك في حرب النبي - صلى الله عليه وسلم - يوم الخندق.
قال مالك: ولم يبلغني أن أحداً ذكر شيئاً من هذا في يوم الجمعة.
الجزء: 3 - الصفحة: 898
فصل-19 - [في خطبة الإمام المعزول]
وإذا خطب الإمام يوم الجمعة، ثم قدم والٍ غيره ابتدأ الخطبة.
قال عيسى عن ابن القاسم: إذا قدم والٍ بعزل الأول، فتمادى الأول، فصلة بهم عالماً فليعيدوا، وإن ذهب الوقت، ولو صلى بهم بإذن القادم أجزأتهم، إذا أعاد بهم الخطبة، ولا ينفع إذنه بعد الصلاة، وليعيدوا، ولا يصلي بهم القادم بخطبة الأول، وليبتد بها، ولو قدمه القادم لأمر بإعادتها.
قال سحنون في كتاب ابنه: فإن صلة بهما لقادم بخطبة الأول أعادوا أبداً، وكذلك إن أذن للأول، فصلة بهم ولم يعد الخطبة.
م قال بعض أصحابنا: وإنما كان ذلك؛ لأن الثاني إذا قدم قبل الصلاة، أو قبل انقضائها وجبت عيه، كالمسافر يقدم قبل انقضائها، فإذا وجبت عليه وهو إمام لم يجز لغيره أن يؤم فيها من غير استخلافه.
قال يحيى بن يحيى عن ابن القاسم: وإذا ضعف الإمام عن الخطبة فلا يصلي بهم هو ويخطب غيره، وليصل الذي أمره بالخطبة ويصلي الأمير خلفه، وكذلك الأعياد.
وقال أشهب عن مالك في الذي يخطب يوم الجمعة: ثم يقدم رجلاً يصلي
الجزء: 3 - الصفحة: 899
بالناس أنه لا بأس به، كما لو أصابه مرض أو حدث أو رعاف.
ابن حبيب: ولا بأس أن يصلي الجمعة بالناس غير الذي يخطب، مثل: أن يقدمه الإمام؛ لرعاف، أو حدث، أو مرض، أو يقدم والٍ بعزل الذي خطب، وقد قدم أبو عبيدة على خالد بن الوليد بعزله، فألفاه يخطب، فلما فرغ تقدم أبو عبيدة للصلاة.
فصل-20 - [في ما تنعقد به الخطبة]
ومن المدونة قال مالك: وإذا قصر الإمام في الخطبة فلم يتكلم إلا بمثل: الحمد لله، ونحوه/ أعادوا الخطبة والصلاة، وإن كان شيء له بال أجزأ.
ابن وهب قال ابن شهاب: لا جمعة إلا بخطبه، فمن لم يخطب/ صلى ظهراً أربعاً.
وكيع وقال سعيد بن جبير: كانت الجمعة أربعاً، فحطت ركعتان للخطبة.
قال ابن القاسم في غير المدونة: وإن سبح أو هلل لم يجزئه عن الخطبة،
الجزء: 3 - الصفحة: 900
إلا أن يأتي، بكلام يكون عند العرب خطبة.
وقال ابن أبن الحكم: تجزئه؛ لأنه لفظ فيه تعظيم وتكبير لله كما لو أطاله ووصله بأمثاله.
[فصل- 21 - جهل الإمام فصلى بهم قبل الخطبة أو صلى بهم أربعا [
ومن المدونة قال مالك: وإن جهل الإمام فصلى بهم قبل الخطبة أعاد الصلاة وحدها.
قال مالك: وإذا خطب وصلى بهم الجمعة أربعاً عامداً أو جاهلاً أعاد بهم ركعتين، وأجزأتهم الخطبة.
[فصل-22 - لا جمعة على الإمام المسافر [
قال مالك: ولا جمعة على الإمام المسافر إلا أن يمر بمدينة في عمله، أو بقرية يجمع فيها فيجمع بأهلها، ومن معه من غيرهم، لأن الإمام إذا وافق الجمعة لم ينبغ له أن يصليها خلف عامله وقد جمع عمر/ أبن الخطاب رضي الله عنه بأهل مكة الجمعة وهو مسافر.
قال مالك: "وإن جهل الإمام المسافر فجمع بأهل قرية، لا يجمع فيها
الجزء: 3 - الصفحة: 901
الجمعة، لصغرها لم تجزئهم، ولم تجزئه.
أبو محمد قال ابن نافع: تجزئه.
هو يريد ابن نافع؛ لأنه مسافر.
وحجة ابن القاسم أنه جهر في صلاته متعمداً، وقد اختلف فيه.
قال ابن نافع عن مالك: إن أتم أهل القرية صلاتهم بعد سلام الإمام أجزأتهم، ولم يكن على أحد إعادة، وكذلك عنه في كتاب ابن مزين.
فصل - 23 -] في هروب الناس عن الخطبة [
قال ابن القاسم: وإذا هرب الناس عن الإمام في الخطبة، أو بعد فراغها، فلم يبق معه إلا واحد أو اثنان، ومن لا عدد له، فإن لم يرجعوا إليه، فيجمع بهم، صلى أربعاً.
قال ابن القاسم قال سحنون: إذا أيس منهم صلى مكانه أربعاً ظهراً، ولو كان قد أحرم أو عقد ركعة بني على إحرامه ظهراً أربعاً، ولو لم ييأس منهم جعل ما أحرم فيه نافلة ركعتين وسلم، وانتظرهم حتى لا يبقى من النهار إلا ما صلى فيه الجمعة- يريد ويخطب- ويبقى ركعة للعصر.
الجزء: 3 - الصفحة: 902
أشهب: إذا تفرقوا عنه بعد عقد ركعة فإنه يصلي ثانية/ وتصح له جمعة؛ لقول النبي صلى الله عليه وسلم "من أدرك من الصلاة ركعة فقد أدركها"
قال سحنون: وهو القياس
وقال سحنون: لا تصح له جمعة، ولو أمرته بذلك، ثم رجع الناس إليه مكانه فأمرتهم بإعادة الصلاة استحال إقامة الجمعة في المصر مرتين، وإن أمرتهم بترك الجمعة كنت قد أمرت بإبطال الجمعة، والوقت قائم والجماعة حضور، والإمام قائم، وكذلك لو صلى ركعتين - ما لم يسلم عند سحنون- فلا تصح له جمعة
أشهب: ولو لم يبقى معه إلا عبيد ونساء لا رجال معهم فليصل بهم الجمعة ركعتين.
قال سحنون: لا تقوم الجمعة بهؤلاء؛ لأنها ليست عليهم.
م هذا يرد قوله: إذا احدث الإمام فقدم مسافراً حضر الجمعة فصلى بهم
الجزء: 3 - الصفحة: 903
أنها تجزئهم؛ لأنه لما حضرها صار من أهلها.
ومن المدونة قال ابن القاسم: وإذا أتى من تأخير الأئمة ما يستنكر جمع الناس لأنفسهم إن قدروا وإلا صلوا ظهراً أربعاً، وتنفلوا معهم بصلاتهم، وفعله القاسم بن محمد، وقال: لأن أصلي مرتين أحب إلي من أن لا أصلي شيئاً، وروي أن النبي صلى الله عليه وسلم قال لأبي ذر: "صل الصلاة لوقتها، فإن أدركك فصل معهم، ولا تقل إني قد صليت، فلا أصلي
فصل-24 - [في موضع صلاة السنة بعد الجمعة]
قال مالك: وينبغي للإمام اليوم إذا سلم من صلاة الجمعة أن يدخل منزله، ويركع ركعتين، ولا يركع في المسجد، وكذلك بلغني أن النبي صلى الله عليه وسلم فعل ذلك، ومن كان خلف الإمام فأحب إلي إذا سلموا أن ينصرفوا، ولا يركعوا في المسجد، وإن ركعوا فذلك واسع.
الجزء: 3 - الصفحة: 904
فصل - 25 - [في القراءة في صلاة الجمعة]
ومن المدونة قال ابن القاسم وأحب إلي أن يقرأ في صلاة الجمعة بسورة الجمعة ثم بـ (هَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ الغَاشِيَةِ) وكذلك فعل النبي صلى الله عليه وسلم.
فصل - 26 -] في الجمعة تفوت من وجبت عليه]
وإذا فاتت الجمعة من تجب عليهم فلا يجمعونها ظهراً / أربعاً في غير مسجد الجماعة، ولكن يصلون أفذاذًا، وقاله الحسن.
وقال ابن كنانة: لهم أن يجمعوا ظهراً أربعاً في غير مسجد الجماعة.
وروى/ أشهب عن مالك نحوه.
قال/ مالك: "وأما من لا تجب عليهم الجمعة مثل: المرضى والمسافرين وأهل السجن فجائز أن يجمعوا، فيصلي بهم إمامهم ظهراً أربعاً.
الجزء: 3 - الصفحة: 905
[فصل -27 - في حكم التخطي يوم الجمعة]
قال/ مالك: وإنما يكره التخطي إذا قعد الإمام على المنبر ولا يكره قبل ذلك إلى فرج بين.
يديه، وليرفق.
وروى ابن وهب عن بشر بن سعيد "أن رجلاً دخل يوم الجمعة لرسول الله صلى الله عليه وسلم على المنبر فأقبل يتخطى رقاب الناس حتى دنا فسلم على رسول الله صلى الله عليه وسلم فلما قضى رسول الله صلى الله عليه وسلم الصلاة التفت إليه فقال له: "أشهدت الصلاة] معنا [؟ فقال: نعم! أو لم ترني حين سلمت عليك، فقال: رأيتك تتخطى رقاب الناس"، وقال لأخر صنع مثل ذلك: "ما صليت ولكنك أتيت وأذيت" وكان أبو هريرة يقول: لأن يصلي أحدكم بظهر الحرة خير له من
الجزء: 3 - الصفحة: 906
أن يقعد حتى إذا قام الإمام يخطب قام يتخطى رقاب الناس".
فصل -28 -] في حكم الجمعة للحاج بالمشاعر]
قال مالك: ولا جمعة في أيام منى كلها بمنى ولا يوم التروية بمنى، ولا يوم عرفة بعرفة.
م يريد لا جمعة على غير أهل عرفة، وغير أهل منى، وأما من كان من سكان عرفة أو منى وفيهم جماعة يجمع بهم الجمعة فذلك عليهم، كانوا حجاجا أم لا، وقاله جماعة عن أصحابنا.
دليله في الإمام المسافر يمر بقرية في عمله يجمع فيها الجمعة، فإنه يجمع بأهلها، ومن معه من غيرهم.
] فصل-29 - في المسافر يقيم أربعة أيام هل عليه جمعة]
قال مالك: ومن دخل مكة فأقام بها أربعة أيام، ثم حبسه كريه يوم التروية، حتى صلى الناس الجمعة، فعليه أن يصلي الجمعة؛ لأنه كالمقيم، وإن لم يقم أربعة أيام، فلا جمعة عليه؛ لأنه مسافر، وقد قال ابن عمر وابن الزبير
الجزء: 3 - الصفحة: 907
وعمر بن عبد العزيز وغيرهم: لا جمعة على المسافر.
قال في المجموعة: ولا أحب السفر يوم الجمعة حتى يشهدها، فإن لم يفعل فهو في سعة، وهذا ما لم تزغ الشمس، فإذا زاغت فلا يخرج حتى يشهدها، وذلك واجب عليه.
] فصل-30 - في تأخير الجمعة إلى دخول وقت العصر [
ومن المدونة قال ابن/ القاسم: وإذا أخر الإمام صلاة الجمعة حتى دخل وقت العصر فليصل بهم الجمعة، ما لم تغب الشمس، وإن كان لا يدرك بعض العصر إلا بعد الغروب
فصل-31 - [في ما جاء في الساعة التي في يوم الجمعة]
وروى مالك رضي الله عنه في الموطأ عن أبي هريرة أن الرسول صلى الله عليه وسلم ذكر يوم الجمعة، فقال: "فيه ساعة لا يوافقها عبد مسلم، وهو قائم يصلي، يسأل الله شيئاً إلا أعطاه إياه" قال أبو هريرة فخرجت إلى الطور فلقبت كعب الأحبار، فجلست معه، فحدثني عن التوراة وحدثته عن رسول الله صلى الله عليه وسلم فكان فيما حدثته أن قلت: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم خير يوم طلعت عليه الشمس يوم
الجزء: 3 - الصفحة: 908
الجمعة، فيه خلق آدم، وفيه أهبط] من الجنة]، وفيه تيب عليه، وفيه مات، وفيه تقوم الساعة، وما من دابة إلا وهي مصيخة يوم الجمعة، من حين تصبح حتى تطلع الشمس شفقاً من الساعة إلا الجن والإنس/ وفيه ساعة لا يصادفها عبد مسلم وهو يصلي يسأل الله شيئاً إلا أعطاه إياه، قال كعب: ذلك في كل يوم، فقلت: بل هي في كل جمعة، فقرأ كعب التوراة، فقال صدق رسول الله صلى الله عليه وسلم قال أبو هريرة فلقيت بصرة بن أبي بصرة الغفاري، فقال: من أين أقبلت؟ فقلت: من الطور، وقال: لو أدركتك قبل أن تخرج إليه ما خرجت، سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: "لا تعمل المطي إلا إلى ثلاثة مساجد: إلى المسجد الحرام، وإلى مسجدي هذا، وإلى مسجد إيلياء أو بيت المقدس يشك قال أبو هريرة ثم لقيت عبد الله ابن سلام فحدثته بمجلسي مع كعب، وما حدثته به في يوم الجمعة، فقلت: قال كعب ذلك في كل سنة يوم، قال عبد الله بن سلام: كذب كعب، فقلت: [ثم [قرأ كعب التوراة، فقال: بل هي في كل جمعة، فقال: صدق كعب، ثم قال عبد الله بن سلام: قد علمت أية ساعة هي، قال أبو هريرة: فقلت له: أخيرني بها ولا تضن علي، فقال عبد الله بن سلام: هي آخر ساعة في يوم الجمعة، قال أبو هريرة، وكيف تكون آخر
الجزء: 3 - الصفحة: 909
ساعة في يوم الجمعة، وقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: لا يصادفها عبد مسلم وهو يصلي وتلك الساعة ساعة لا يصلى فيها؟ فقال ابن سلام: ألم يقل رسول الله صلى الله عليه وسلم: "من جلس مجلساً ينتظر الصلاة فهو في صلاة حتى يصلي قال أبو هريرة: فقلت: بلى، قال: فهو ذلك، ويقال: الصلاة في اللغة الدعاء.
الجزء: 3 - الصفحة: 910
[باب-14 -] جامع ما جاء في صلاة الخوف
] فصل-1 - في أدلة صلاة الخوف]
قال الله تعالى: (وإذَا ضَرَبْتُمْ فِي الأَرْضِ فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَن تَقْصُرُوا مِنَ الصَّلاةِ إنْ خِفْتُمْ أَن يَفْتِنَكُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا).
قال ابن حبيب: معنى هذه الآية إقصارها في الخوف في الترتيب، وتخفيف الركوع والسجود والقراءة، وقد كانت مقصورة في السفر من غير خوف من غير هذه الآية، وقاله غير واحد من أصحابنا البغداديين.
وقال الله تعالى: (وإذَا كُنتَ فِيهِمْ فَأَقَمْتَ لَهُمُ الصَّلاةَ) إلى آخر الآية.
وقال: (فَإنْ خِفْتُمْ فَرِجَالاً أَوْ رُكْبَانًا) وصلاها الرسول صلى الله عليه وسلم في السفر بكل طائفة ركعة.
قال في الواضحة: وصلى النبي صلى الله عليه وسلم صلاة الخوف في غزوة ذات الرقاع سنة خمس من الهجرة.
والرقاع جبل في طريقه فيه سواد وبياض يقال له:
الجزء: 3 - الصفحة: 911
الرقاع.
قال ابن القصار: وذكر أن النبي صلى الله عليه وسلم صلى صلاة الخوف في عشرة مواضع، والذي استقر عند الفقهاء ثلاثة مواضع: ببطن النخيل، وبعسفان، وبذات الرقاع.
وقد روي أن عليا رضي الله عنه صلاها بالمسلمين لما اشتد القتال، وقال: أصلي بكم صلاة رسول الله صلى الله عليه وسلم فصلاها بهم، ولم ينكر ذلك عليه أحد من
الجزء: 3 - الصفحة: 912
الصحابة، فدل بذلك أنها غير منسوخة.
قال ابن حبيب: وما صلى النبي صلى الله عليه وسلم يوم الخندق الظهر والعصر إلا بعد الغروب، وذلك قيل نزول صلاة الخوف.
وإذا كانوا في القتال فليؤخروا إلي آخر الوقت، ثم يصلوا حينئذ على خيولهم يومئون، مقبلين ومدبرين، وإن احتاجوا/ إلى الكلام في ذلك لم يقطع ذلك عليهم صلاتهم.
قال غير واحد: وتصلى بأذان وإقامة؛ لأنها صلاة فرض.
] فصل-2 - صفة صلاة الخوف]
وروى أشهب حديث ابن عمر، وفيه; "أن الطائفة الأولى صلت ركعة، ثم تأخرت إلى جهة العدو من غير تسليم، ثم أتت الأخرى فصلى بهم الركعة الثانية وسلم، ثم قامت كل طائفة فأتمت، فإذا اشتعلت الطائفتان بالقضاء
الجزء: 3 - الصفحة: 913
صار الإمام وحده فئة لهما، وبهذا أخذ أشهب، وحديث القاسم، أشبه بظاهر القرآن وهو أن يصلي الإمام بالطائفة الأولى ركعة، ثم تتم لأنفسها، ويثبت الإمام قائماً فإن شاء سكت، وإن شاء دعا، أو أخذ قي القراءة حتى تأتيه الطائفة الأخرى، فإذا أتمت الطائفة الأولى سلمت، وذهبت وجاه العدو/ ثم أتت الطائفة الأخرى فصلى بهم ركعة، ثم يتشهد ويسلم، ويقضوا هم بعد سلامه وإلى الأخذ بهذا رجع مالك بعد أن قال: بحديث يزيد بن رومان، وهو أنه يثبت حتى تقضي، الطائفة الثانية، ويسلم بهم.
وقال أبو حنيفة رضي الله عنه: إن الإمام يصلي بالطائفة الأولى ركعة
الجزء: 3 - الصفحة: 914
بسجدتيها، ثم تنصرف هذه الطائفة فتقف بإزاء العدو، ثم تأتي الطائفة الأخرى فيصلي بهم الركعة الثانية، ويتشهد ويسلم، ثم تنصرف هذه الطائفة بإزاء العدو، وتعود الطائفة الأخرى فيقضون لأنفسهم ركعة وسجدتين وحدانا ويتشهدون وتسلم، ثم تنصرف وتقف بإزاء العدو، ثم تأتي الأخرى فتقضي كذلك، فالكلام بيننا وبينه في ترجيح الأخبار، فالمصير إلى ما رويناه أولى؛ لأنها عن ثلاثة من الصحابة، وما رووه عن واحد، إلا حديث ابن مسعود، وهو مختلف عليه فيه.
قال احمد بن المعذل: ولأن ما قلناه أخصر وأحوط؛ لأن انصراف الطائفة
الجزء: 3 - الصفحة: 915
الأولى التي صلت مع الإمام ركعة إلى مكان العدو إنما هو للحف والحراسة، فوقوفها غير مصليه أمكن في التحرز، فهو أولى.
م ولأن فعل الصلاة متصلا إذا أمكن ذلك أولى من المشي بين الركعتين والوقوف بإزاء العدو من غير حاجه إلى ذلك.
[فصل-3 - في صلاة الخوف تصلى في الحضر حضرية.
وفي السفر سفريه]
ومن المدونة قال مالك: وتصلى في الحضر حضرية ركعتين بكل طائفة، وفي السفر سفريه ركعة بكل طائفة.
قال ابن القاسم: ولا يصلها مسافر بحضريين؛ لأنه وحده، فإن جهل فصلى بهم صلى بكل/ طائفة ركعة، ويتمون؛ لأنفسهم صلاة حضر، وإن كان في القوم مسافرون وحضريون فإن صلى بهم مسافر صلى بالطائفة الأولى ركعة، ثم يثبت قائمًا، ثم يأتي المسافرون بركعة، ويسلمون، ويأتي الحضريون بثلاث ركعات، ثم يصلى بالثانية ركعة ثم يقضى المسافرون ركعة، والحضريون ثلاثًا، يريد منها ركعتان بناء ثم ركعة قضاء يبدؤون بالبناء قبل القضاء، وتصير صلاتهم جلوسًا كلها في قول ابن المواز/.
قال ابن القاسم: وإن صلى بهم حضري صلى بكل طائفة ركعتين وأتم كل من خلفه من حضري أو مسافر، يريد تبني الأولى وتقضي الثانية.
الجزء: 3 - الصفحة: 916
قال: ولا يصليها أهل السواحل والرباط مثل: الإسكندرية وعسقلان/ وتونس إلا حضرية.
[فصل-4 - صلاة الخوف جائزة في كل زمان]
م وصلاة الخوف جائزة في كل زمان خلافًا لأبى يوسف في قوله: ما أجيزت إلا للنبي صلى الله عليه وسلم.
ودليلنا: قوله تعالى: ﴿وَإِذَا ضَرَبْتُمْ فِي الأَرْضِ فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَقْصُرُوا مِنَ الصَّلاةِ﴾.
وقوله: ﴿وَإِذَا كُنتَ فِيهِمْ فَأَقَمْتَ لَهُمُ الصَّلاةَ﴾ والأصل إنا مساوون له في الأحكام إلا ما قام الدليل على خصوصه، وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم: ((صلوا كما رأيتموني أصلى)) فهو على عمومه؛ ولأن الصحابة صلوها بعده، وأفتوا بجوازها.
الجزء: 3 - الصفحة: 917
[فصل-5 - يراعى في صلاة الخوف شدة الخوف وقلتها]
ومن المدونة قال مالك: وإذا اشتد الخوف صلوا على قدر طاقتهم ركبانًا ومشاة، ويركضون، ويسعون إيماء، وغير إيماء للقبة أو لغيرها، ويقرؤون، وقاله ابن عمر، قال مالك: ولا إعادة عليهم إذا أمنوا في الوقت.
قال ابن عبد الحكم: وإذا كانوا طالبين وعدوهم منهزم وطلبهم أثخن لقتلهم فليصلوا بالأرض.
وقال الأوزاعي: أما الطالب فينزل، وأما المطلوب فعلى دابته.
قال ابن حبيب: وهو في سعة أن لا ينزل وإن كان طالبًا.
[فصل-6 - صلاة الخوف في البحر]
قال ابن المواز: وإن قوتلوا في البحر صلوا الخوف في سفينة أو سفن، ولا يقطع صلاتهم رميهم بالنبل إن انهزموا.
[فصل-7 - في كيفية صلاة المغرب في الخوف]
ومن المدونة قال مالك: ويصلى الإمام في المغرب بالطائفة الأولى ركعتين،
الجزء: 3 - الصفحة: 918
ثم يثبت قائمًا حتى يصلى من خلفه ركعة يقرؤون فيها بأم القرآن، ويسلموا وينصرفوا وجاه العدو، ثم تأتى الطائفة الثانية فيصلى بهم ركعة يقرأ فيها هو وهم بأم القرآن ويسلم، ويقضوا هم بعد سلامه ركعتين بأم القرآن وسورة في كل ركعة.
قال ابن حبيب: ولا يقرأ هو في قيامه في المغرب حتى تبنى الطائفة الأولى؛ لأنه لا يقرأ بغير أم القرآن فخالفت غيرها، وقال ابن القاسم، ومطرف وابن الماجشون.
وقال ابن وهب وابن كنانة وابن عبد الحكم: بل يثبت جالسًا في انتظار الطائفة الثانية، وهو قول مالك الأول.
ابن حبيب: ولو جهل الإمام في المغرب فصلى بثلاث طوائف بكل طائفة ركعة فصلاة الثانية والثالثة جائزة، وتفسد على الأولى.
وقال مطرف، وابن الماجشون، وأصبغ.
م فوجه ذلك أن السنة أن يصلى بالطائفة الأولى ركعتين، فلما صلى بهم ركعة فقد خالف السنة، فوجب أن لا تجزئهم، وأيضا فقد صاروا يصلون الركعة الثانية أفذاذًا، وقد كان وجب أن يصلوها مأمومين فبطلت لهذا.
وأما
الجزء: 3 - الصفحة: 919
الطائفة الثانية فهم كمن فاتته ركعة من الطائفة الأولى، وأدرك الثانية فوجب أن يصلى ركعة البناء وركعة القضاء فذًا، وكذلك فعلوا.
وأما الطائفة الثالثة وافق بها سنة صلاة الخوف في المغرب فأجزأتهم/.
وقال سحنون في المجموعة: وصلاته وصلاتهم كلهم فاسدة؛ لأنه ترك سنتها، وكذلك إن صلى بالأولى ركعة، وبالثانية ركعتين لوقوفه في غير موضع قيام ومن كتاب ابن سحنون، قال: قلت: وزعم بعض أصحابنا في من صلى صلاة الخوف في الحضر بأربع طوائف في الظهر بكل طائفة ركعة أن صلاته وصلاة الثانية والرابعة تامة، وتفسد على الباقين/.
قال سحنون: بل تفسد عليه وعليهم أجمعين.
فوجه قول الأولين على نحو ما فسرنا في المغرب من مخالفة السنة، وأن الطائفة الأولى يجب أن تصلى الركعة الثانية بإمام فصلوها، أفذاذًا، وكذلك الطائفة الثالثة يجب عليهم أن يصلوا الركعة الثانية بإمام فصلوها أفذاذًا، ففسدت عليهم، وأما الطائفة الثانية فهي كمن فاتته من
الجزء: 3 - الصفحة: 920
الطائفة الأولى ركعة وأدرك الثانية وكذلك الرابعة، هم كمن فاتته ركعة من الطائفة الثانية.
وعلله سحنون: أنه خالف بها سنتها ووقف في غير موضع قيام، وهو الصواب.
قال سحنون: ومن أدرك الركعة الثانية من المغرب من الطائفة الأولى وقف الإمام في الثالثة/ ليتم القوم فلا يتم هو وليقف مع الإمام حتى تأتى الطائفة الثانية فيصلى معهم ركعة ثم يقضى الأولى بعد سلام الإمام، ولا ينبغي له أن يقضى قبل سلام الإمام؛ لأن الطائفة الأولى تبنى ولا تقضى وإلى هذا رجع)) سحنون في المجموعة بعد أن قال: يصلى ركعتين قبل سلام الإمام.
[فصل-8 - في أحكام السهو في صلاة الخوف]
ومن المدونة قال ابن القاسم: وإذا سها الإمام مع الطائفة الأولى سجدوا للسهو بعد بنائهم، كان قبل أو بعد، ثم إذا صلى بالثانية فعلى حديث يزيد بن رومان، الذي كان مالك يأخذ به يثبت الإمام جالسًا فإذا أتموا الصلاة سجد بهم للسهو، إن كان قبل فقبل، وإن كان بعد فبعد، وأما على حديث القاسم، الذي رجع إليه مالك: إنما يقضون بعد سلامه، فإن كانتا قبل السلام سجدوا
الجزء: 3 - الصفحة: 921
معه، ثم سلم هو، وإن كانتا بعد السلام سلم هو وسجد ولا يسجدوا هم إلا بعد القضاء.
فصل-9 - [في استخلاف الإمام في صلاة الخوف]
ومن المجموعة قال سحنون: وإذا صلى ركعة من صلاة الخوف في السفر، ثم أحدث قبل قيامه إلى الثانية فليقدم من يقوم بهم، ثم يثبت المستخلف، ويتم من خلفه، ثم تأتى الطائفة الأخرى فيصلى بهم ركعة ويسلم، ولو أحدث بعد قيامه إلى الثانية فلا يستخلف؛ لأن من معه قد خرجوا من إمامته حتى لو تعمد الحدث أو الكلام لم تفسد عليهم، فإذا أتم هؤلاء وذهبوا أتت الطائفة الأخرى فصلوا بإمام يقدموه، وإذا أحدث بعد ركعة من المغرب فليستخلف رجلًا يصلى بهم الركعة الثانية، ثم يثبت قائمًا، ويقضون، ثم تأتى الطائفة الأخرى فيصلى بهم الركعة الثالثة، وإذا أحدث فيها أو في صلاة العيدين، او الاستسقاء استخلف من يتم بهم.
[فصل-10 - في الإمام في صلاة الخوف يذكر سجدة]
قال سحنون، عن ابن القاسم في العتبية: وإذا صلى بالطائفة الأولى ركعة في السفر، ثم ثبت قائمًا، وأتم القوم لأنفسهم، ثم أتت الطائفة الأخرى
الجزء: 3 - الصفحة: 922
فصلى بهم الركعة الثانية، فلما جلس ذكر سجدة لا يدرى من الأولى أو من الثانية فليسجد سجدة، وتسجد معه الطائفة الثانية، ثم يثبت قائمًا، وتصلى الطائفة/ الثانية ركعة بقية صلاتهم أفذاذًا ويسجد بعد السلام، وتأتى الطائفة الأولى فيصلى بهم الإمام هذه الركعة التي احتاط بها ويسجد في الأولى بعد السلام، وتقوم الطائفة الأولى فتتم ركعة لأنفسها، فإن كانت هذه السجد التي/ نسى الإمام من الركعة الأولى فقد كانت صلاتهم باطله، وهذه التي صلوا مع الإمام أو صلاتهم، وهي فريضة وإن كانت السجدة من الركعة الثانية فقد كانت صلاتهم الأولى تامة، وهذه الثانية نافلة.
[فصل-11 - في انكشاف الخوف حال الصلاة]
قال: وإذا صلى بالطائفة الأولى ركعة، ثم انكشف الخوف فليتم الصلاة بمن معه، وتصلى الأخرى بإمام غيره، ولا يدخلون معه، ثم رجع، فقال:
الجزء: 3 - الصفحة: 923
ولا بأس أن يدخلوا معه، وهو أحب إلي.
[فصل-12 - الصلاة بالطائفتين في الخوف رخصة]
قال ابن المواز: ليست إقامة صلاة الخوف بطائفتين فريضة، ولكن توسعة ورخصة إذا نزل الخوف، ولو فعل ذلك بمن ليس مضطر بالخوف لم تجزئه صلاته.
الجزء: 3 - الصفحة: 924
[باب-15 -] جامع ما جاء في صلاة الخسوف
[فصل-1 - في معنى الخسوف والكسوف]
قال بعض العلماء الخسوف والكسوف معناهما واحد، غير أن الكسوف تغير لون الشمس، والخسوف أن تغور فيما تغيب فيه.
[فصل-2 - في حكم صلاة الخسوف.
وأدلة ثبوتها]
قال الرسول صلى الله عليه وسلم في خسوف الشمس والقمر: ((فإذا رأيتم ذلك فافزعوا إلى الصلاة)) فصلاة خسوف الشمس سنة مؤكدة؛ لأنه صلى الله عليه وسلم صلاها بالناس في المسجد، وجمع لها، وأمر بها، وحض عليها، وأسر بالقراءة فيهما ولم يؤذن لها، ولا أقام.
وروى مالك رحمه الله عن ابن عباس، انه قال: خسفت الشمس فصلى رسول الله صلى الله عليه وسلم والناس معه، فقام قيامًا طويلًا نحوًا من سورة البقرة، ثم ركع ركوعًا طويلًا، ثم رفع فقام قيامًا طويلًا، وهو دون القيام الأول، ثم ركع ركوعًا طويلًا، وهو دون الركوع الأول، ثم سجد سجدتين ثم قام قيامًا طويلًا، وهو دون القيام الأول، ثم ركع ركوعًا طويلًا، وهو دون الركوع الأول، ثم رفع
الجزء: 3 - الصفحة: 925
رأسه، فقام قيامًا/ طويلًا وهو دون القيام الأول، ثم ركع ركوعًا كويلًا وهو دون الركوع الأول ثم رفع رأسه، فسجد، ثم انصرف، وقد تجلت الشمس، فقال: ((إن الشمس والقمر آيتان من آيات الله عز وجل لا يخسفان لموت أحد ولا لحياته فإذا رأيتم ذلك فاذكروا الله)).
قالوا: يا رسول الله رأيناك تناولت شيئًا في مقامك هذا، ثم رأيناك تكعكعت، فقال: ((إني رأيت الجنة-أو رأيت الجنة- فتناولت منها عنقودًا ولو أخذته لأكلتم منه ما بقيت الدنيا، ورأيت أهل النار فلم أر كاليوم منظرًا قط [أفظع]، ورأيت أكثر أهلها النساء، قالوا: لم يا رسول الله؟ قال: لكفرهن، قيل: أيكفرن بالله؟ قال: ويكفرن العشير، ويكفر الإحسان، لو أحسنت إلى إحداهن الدهر كله، ثم رأت منك شيئًا قال: ما رأيت منك خيرًا قط)).
[فصل-3 - : في القرائة في صلاة الخسوف]
قال مالك: فصلاة خسوف الشمس سنة لا تترك، كصلاة العيدين، ولا يجهر بالقراءة فيها، لأن النبي صلى الله عليه وسلم لم يجهر، ولو جهر لعلم ما قرأ،
الجزء: 3 - الصفحة: 926
ويستفتح في كل ركعة من الأربع بالحمد لله رب العالمين.
وقال محمد بن مسلمة: ولا يقرأ أم القرآن إلا في الأولى من الركعة الأولى، وفي الأولى من الركعة الثانية.
فوجه قول مالك: أنها قراءة يتعقبها ركوع، فوجب أن تكون/ فيها أم القرآن كسائر الصلوات.
ووجه قول ابن مسلمة: أنها ركعتان، لكل ركعة ركوعان وقراءتان، في حكم ركوع واحد وقراءة واحدة، والركعة الواحدة لا يقرأ فيها بأم القرآن مرتين.
[فصل-4 - وقت صلاة الخسوف]
ومن المدونة قال مالك: وإنما سنتها أن تصلى ضحوة إلى زوال الشمس ولا يصليها بعد الزوال إمام غيره.
وروى ابن وهب عن مالك: أنها تصلى في وقت الصلاة، وإن بعد الزوال.
قال أبو محمد عبد الوهاب: وقيل: إنها تصلى في كل الأوقات.
فوجه الأولى: فلأنه عليه السلام إنما صلاها في ذلك الوقت؛ ولأنها صلاة يتعقبها ذكر ووعظ فكان وقتها ما لم تزل الشمس، أصله صلاة العيدين والاستسقاء.
الجزء: 3 - الصفحة: 927
ووجه الثانية: أنها تصلى في وقت كل صلاة، إذ ليست بفرض، كسائر صلوات النوافل، ولا تصلى بعد العصر؛ لنهيه عليه السلام عن الصلاة في ذلك الحين.
ووجه الثالثة: قوله عليه السلام: ((فإذا رأيتم ذلك بهما فافزعوا إلى الصلاة))، فمتى رأينا ذلك بهما وجب علينا صلاتهما.
[فصل-5 - في صفة السجود في صلاة الخسوف]
ومن المدونة قال ابن القاسم: وأحب إلى أن يطيل السجود، ويوالى بين السجدتين، ولا يقعد بينهما، ولو كان بينهما قعود لذكر في الحديث يعنى لا يقعد بينهما قعودًا طويلًا، لكنه يقعد بين السجدتين كما يقعد في سائر الصلوات.
وفي المختصر أنه يسجد سجدتين تامتين.
م فوجه أنه يطيل السجود: أن حق السجود أن يكون بمثابة الركوع اعتبارًا بسائر الصلوات.
ووجه أن لا يطيله: أنها صلاة مخصوصة فوجب أن يقتصر فيها على ما ورد به الخبر، وليس في الأخبار إلا تطويل القراءة والركوع، دون/ السجود.
الجزء: 3 - الصفحة: 928
قال أصبغ: وتصلى صلاة خسوف الشمس في المسجد، ولا يكون لها بروز كما يكون للعيدين والاستسقاء.
[فصل-6 - في صفة صلاة الخسوف]
قال مالك في المختصر: إذا خسفت الشمس خرج الإمام إلى المسجد، والناس معه فدخل المسجد بغير أذان ولا إقامة، ثم يكبر تكبيرة واحدة، ثم يقرأ سرًا بأم القرآن، ثم يقرأ بعدها قراءة طويلة بنحو سورة البقرة، ثم يركع ركوعًا طويلًا نحو قراءته، ثم يرفع، فيقول: سمع الله لمن حمده، ثم يقرأ بأم القرآن، ثم يقرأ قراءة طويلة/ نحو سورة آل عمران، ثم يركع نحو قراءته، ثم يرفع، فيقول: سمع الله لمن حمده، ثم يسجد سجدتين تامتين، لا تطويل فيهما، ثم يقوم، فيقرأ فيفعل كفعله الأولى، إلا أن القراءة دون ما قبلها، يقرأ الأولى بنحو سورة النساء، وبعد رفع رأسه بنحو المائدة مع أم القرآن قبل كل سورة، ثم يسجد، ويتشهد، ويسلم، ويستقبل الناس فيذكرهم، ويخوفهم، ويأمرهم أن يدعوا الله، ويكبروا ويتصدقوا.
م ولا خطبة مرتبه فيها، خلافًا لأبى حنيفة والشافعي؛ لأنه لم يرو أنه عليه السلام خطب لها؛ ولأن سنة كل صلاة بخطبة أن يجهر بالقراءة فيها، وصلاة الخسوف يسر فيها بالقراءة فدل أنه/ لا خطبة لها.
الجزء: 3 - الصفحة: 929
[فصل-7 - تسن صلاة الخسوف لجميع الناس]
ومن المدونة قال ابن القاسم/: ويصليها أهل القرى والعمود في قول مالك.
قال مالك: ويصليها المسافرون، ويجمعون إلا أن يعجل المسافرين السير، ويصليها المسافر وحده، وتصليها المرأة في بيتها، ولا بأس أن تخرج المتجالة إليها.
ابن حبيب: ويصليها العبيد.
م وإنما قال: يصليها كل واحد؛ لقوله عليه السلام: ((فإذا رأيتم ذلك بهما فافزعوا إلى الصلاة)).
فعم.
[فصل-8 - في ماذا انتهت الصلاة والشمس خاسفة]
قال مالك: وإن أتموا الصلاة والشمس بحالها لم يعيدوا الصلاة ولكن يدعون ومن شاء تنفل.
قال ابن حارث: واتفقوا إذا صلى الإمام بالناس صلاة الخسوف فأتم ركعتين وسجدتين ثم تجلت الشمس أنه لا يقطع الصلاة، ويتمادى، واختلفوا كيف يصلى ما بقى؟
فقال أصبغ: يصلى ما بقى عليه على سنتها حتى يفرغ منها، وقال سحنون: يصلى ركعتين وسجدتين، ثم ينصرف، ولا يصلى ذلك على سنة صلاة الخسوف.
الجزء: 3 - الصفحة: 930
[فصل-9 - في صلاة المسبوق تفوته بعض صلاة الإمام]
قال مالك: ومن أدرك الركعة الثانية من الركعة الأولى لم يقض شيئًا، وأجزأته، كمن فاتته القراءة في الصلاة، وأدرك الركوع.
قال ابن القاسم: ومن أدرك الركعة الثانية من الركعة الثانية، فإنما يقضى ركعة فيها ركعتان، وتجزئه، وإذا سها فيها الإمام سجد لسهوه.
وأنكر مالك السجود في الزلازل.
[فصل-10 - هل يصلى جماعة لخسوف القمر]؟
قال مالك: ولم يبلغنا أنه عليه السلام صلى بالناس إلا في خسوف الشمس، ولم أسمع أنه يجمع لخسوف القمر، ولكن يصلون أفذاذًا ركعتين ركعتين، كسائر النوافل، ويدعون، ولا يجمعون.
قال عنه على: ويفزعون إلى الجامع فيصلون أفذاذًا، ويكبرون، ويدعون.
وقال عبد العزيز بن أبى سلمه: ونحن إذا كنا فرادى نصلى هذه الصلاة في خسوف القمر؛ لقول النبي صلى الله عليه وسلم: ((فإذا رأيتم ذلك بهما فافزعوا إلى
الجزء: 3 - الصفحة: 931
الصلاة))
وقال الشافعي: يجمع في خسوف القمر.
قال ابن حبيب: قال ابن عباس: ((خسف القمر على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم فلم يجمعنا إلى الصلاة معه كما فعل في خسوف الشمس، ورأيته صلى ركعتين فأطالهما، وما رأيته صلى نافلة بطولهما؛ ولأن خسوف القمر لا يكون إلا ليلًا فتلحق الناس المشقة في الاجتماع لها ففارقت خسوف الشمس.
قال ابن المواز: التنفل في خسوف القمر ليس بسنة، وإنما هو ترغيب وترهيب.
[فصل-11 - الصلاة لريح شديدة أو ظلمة]
قال أشهب في المجموعة: والصلاة-أيضا- حسنة في غير ذلك من ريح شديدة أو ظلمة فرادى وجماعة إذا لم يجمعهم الإمام، ويحملهم عليه.
وروى نحوه للنبي صلى الله عليه وسلم.
الجزء: 3 - الصفحة: 932
[باب-16 -] جامع ما جاء في صلاة الاستسقاء
[فصل-1 - في حكم صلاة الاستسقاء]
وسن الرسول صلى الله عليه وسلم صلاة الاستسقاء، وصلاها في جماعة، وجهر فيها بالقراءة وخطب لها بعد الصلاة، ولم يؤذن لها، ولا أقام.
وقال أبو حنيفة: إنها بدعه.
ودليلنا عليه: ما تقدم من صلاة النبي صلى الله عليه وسلم، ورواه أبو هريرة، وابن عباس،
الجزء: 3 - الصفحة: 933
وأنس وجابر/.
[فصل-2 - وقت صلاة الاستسقاء]
قال مالك: وسنتها أن تصلى ضحوة لا في غير ذلك الحين.
وقال في العتبية: لا بأس بالاستسقاء بعد المغرب والصبح، وقد فعل عندنا، وما هو بالأمر القديم.
[فصل-3 - صفة صلاة الاستسقاء]
قال في المختصر: يخرج الإمام إليها ماشيًا متواضعًا غير مظهر لفخر، ولا زينة، راجيًا لما عند الله تعالى، لا يكبر في ممشاه حتى يأتي مصلاه.
ابن حبيب: ويخرج الناس أيضا مشاه في بذلتهم، لا يلبسون ثياب الجمعة.
قال في المدونة: فإذا بلغ المصلى صلى بالناس ركعتين، يجهر فيهما
الجزء: 3 - الصفحة: 934
بالقراءة، ويقرأ بسبح، والشمس وضحاها، ونحوهما، فإذا سلم استقبل الناس بوجهه فجلس جلسه، فإذا اطمأن قام متوكئًا على عصا أو قوس قائمًا على الأرض، فيخطب خطبتين، يفصل بينهما بجلسة خفيفة فإذا فرغ من خطبته استقبل القبلة قائمًا، والناس جلوس، وحول رداءه مكانه يرد ما على عاتقه الأيمن على الأيسر، وما على الأيسر على الأيمن، ولا يقلب رداءه فيجعل الأعلى على الأسفل، والأسفل على الأعلى، ويحول الناس أرديتهم كذلك، وهم جلوس، ثم يدعو الإمام قائمًا، ويدعو الناس، وهم جلوس، ولا حد في طول ذلك، إلا أنه وسط، وينصرفون.
قال أصبغ: إذا أشرف على فرغ خطبته الثانية استقبل القبلة، ثم حول رداءه، وقلب ما يلي بدنه فجعله يلي السماء، ثم يكثر من الاستغفار والدعاء، ثم يحول وجهه إلى الناس فيتم بقية خطبته، وينصرف.
م فوجه قول مالك: فلأن ذلك قطع للخطبة، وتشاغل بغيرها قبل تمامها، وذلك مكروه.
ووجه قول أصبغ: أن المسنون في الاستسقاء خطبتان لا زيادة عليهما، فإذا أتى بالدعاء في خلالهما لم يكن ذلك زيادة، وإذا أتى به بعد الفراغ
الجزء: 3 - الصفحة: 935
منهما كان ذلك زيادة مستأنفة.
وقاله أبو محمد عبد الوهاب.
وقال الليث: يحول الإمام رداءه دون الناس.
قال ابن الماجشون: ولا يحول الناس أرديتهن؛ لأنهن ينكشفن.
قال مالك: وليس على الناس صيام قبل الاستسقاء فمن تطوع بخير فهو خير له.
وقال ابن الماجشون: يؤمرون بصيام اليوم واليومين والثلاثة.
ابن حبيب: وليأمرهم الإمام أن يصبحوا يوم الاستسقاء صياماً, ولو أمرهم بالصدقة وصيام ثلاثة أيام, ثم يستسقون بإثر ذلك كان أحب إلى, وقد فعله موسى ابن نصير بإفريقية حين رجع إليها من الأندلس وخرج بالناس فجعل الصبيان على حدة, والنساء على حدة, والإبل والبقر والغنم على حدة, وأهل الذمة على حدة, وخطب, ولم يدع فى خطبته لأمير المؤمنين, فقيل له فى ذلك, فقال: ليس هو يوم ذلك, ودعا الناس إلى نصف النهار, واستحسن ذلك بعض علماء المدينة.
وقال: أراد استجلاب رقة القلوب بما فعل, وليس
الجزء: 3 - الصفحة: 936
بلازم.
قال مالك: وكان النبى (صلى الله عليه وسلم) يقول: «اللهم اسق عبادتك وبهيمتك وانشر رحمتك واحى بلدك الميت» , كان يردد هؤلاء الكلمات فى دعائه.
ومن المدونة قال مالك: ولا بأس أن يتنفل قبل صلاة الاستسقاء, وبعدها فى المصلى.
ابن حبيب: وكرهه ابن وهب, وبه أقول.
قال مالك: ولا يخرج فى / صلاتها بالمنبر, / ولم يكن للنبى (صلى الله عليه وسلم) منبر يخرج به إلى صلاة العيدين, ولا لأبى بكر, ولا لعمر, وأول من أحدث له منبر فى العيدين عثمان بن عفان رضى الله عنه بناه له كثير بن الصلت من طين.
الجزء: 3 - الصفحة: 937
قال مالك: ولا يكبر فى خطبته, ولا / صلاتها, إلا تكبير الخفض والرفع, وإن أحدث الإمام فى خطبتها تمادى, ولا يؤمر النساء والصبيان بالخروج إليها, وإن خرجوا لم يمنعوا, ولا تخرج الحيض على حال, ولا صبى لا يعقل الصلاة, ولا يمنع أهل الكتاب من الاستسقاء.
ابن حبيب: ولا من التطوق بصلبهم وشركهم, ويتنحون عن الجماعة, ويمنعون من إظهار ذلك فى أسواق المسلمين فى الاستسقاء وغيره, كما يمنعون من إظهار الزنا وشرب الخمر.
ومن المدونة قال مالك: وجائز الاستسقاء فى السنة مراراً.
ابن حبيب: ولا بأس بالاستسقاء أياما متوالية, ولا بأس بالاستسقاء فى إبطاء النيل.
قال أصبغ: وقد فعل ذلك عندنا بمصر خمسة وعشرين يوماً متوالية يستسقون على سنة الاستسقاء, وحضر ذلك ابن القاسم وابن وهب ورجال صالحون فلم ينكروه.
ومن الموطأ قال مالك: «جاء رجل إلى رسول (صلى الله عليه وسلم) فقال: يا رسول
الجزء: 3 - الصفحة: 938
الله هلكت المواشى وتقطعت السبل, فادع الله, فدعا رسول الله (صلى الله عليه وسلم) , فمطرنا من الجمعة إلى الجمعة, قال: فجاء رجل إلى النبى (صلى الله عليه وسلم) فقال: يا رسول الله تهدمت البيوت وانقطعت السبل, وهلكت المواشى, فقال رسول الله (صلى الله عليه وسلم): «اللهم ظهور الجبال, والآكام, وبطون الأودية, ومنابت الشجر» , قال: فانجبت عن المدينة - أى تقطعت - انجياب الثوب».
الجزء: 3 - الصفحة: 939
[باب -17 -] ما جاء في صلاة العيدين
[فصل -1 - فى حكم صلاة العيدين] وسن الرسول (صلى الله عليه وسلم) صلاة العيدين, وصلاها ضحوة ركعتين, وقرأ فيها جهراً, وكبر قبل القراءة فى الأولى سبعاً وفى الثانية خمساً فى الفطر والأضحى, وخطب بعد الصلاة, وانصرف ولم يتنفل فلى المصلى / قبلها ولا
الجزء: 3 - الصفحة: 940
بعدها, وكذلك روت عائشة رضى الله عنها وجماعة من الصحابة عن النبى (صلى الله عليه وسلم) , وليس فى الفطر والأضحى أذان ولا إقامة.
قال مالك: وتلك السنة التى لا اختلاف فيها عندنا.
م وذهب غيرنا إلى أن صلاة العيدين فرض على الكفاية.
ودليلنا أنها صلاة / تشتمل على ركوع وسجود وليست بفرض على الأعيان فلم تكن فرضاً على الكفاية, كالنوافل؛ ولأنها ليس من سنتها الأذان كالاستسقاء.
[فصل -2 - فى الغسل.
والتجمل يوم العيد]
ومن المدونة قال مالك: والغسل لليدين حسن, وليس كوجوبه فى الجمعة؛ لأن الجمعة فريضة والعيدين سنة, فما كان بسبب الفريضة آكد مما كان بسبب السنة.
قال على وابن عباس وابن الزبير: غسل العيدين قبل الغدو إلى المصلى حسن.
وأن ابن عمر كان يغتسل ويتطيب.
وقال قال الرسول (صلى الله عليه وسلم): «يا معشر المسلمين إن هذا يوم عيد جعله الله للمسلمين فاغتسلوا, ومن كان
الجزء: 3 - الصفحة: 941
له طيب فليمس منه, فندب إلى ذلك فى الجمعة, وعلله بأنه عيد, فكان كل عيد كذلك.
م وقال معاذ: كان رسول الله (صلى الله عليه وسلم) يأمرنا إذا غدونا إلى المصلى أن نلبس أجود ما نقدر عليه من الثياب؛ ولأن ذلك زينة للإسلام وجمال للشرع, وإعظام للدين, وإرهاب للعدو.
قال مالك فى المختصر: يستحب الغسل والزينة والطيب فى كل عيد, والغسل قبل الفجر فيهما واسع.
ابن حبيب: وأفضل أوقات الغسل لهما بعد صلاة الصبح, وينزل إليهما من ثلاثة أميال كالجمعة, ويستحب المشى إليهما, ولا أذان ولا إقامة فيهما, روى ذلك عن النبي (صلى الله عليه وسلم).
الجزء: 3 - الصفحة: 942
[فصل -3 - فى صفة الخروج لصلاة العيد]
ومن المدونة قال مالك: ويستحب أن يخرج الإمام فيهما بقدر ما إذا بلغ المصلى حلت الصلاة, ويخرج الناس عند طلوع الشمس, وعليه أدركت الناس وأهل العلم / ببلدنا.
قيل لابن القاسم: أمن المسجد أو من داره؟ قال: كل ذلك سواء.
قال مالك: ويكبر فى الطريق فى العيدين إذا خرج عند طلوع الشمس تكبيراً / يسمع نفسه ومن يليه, وفى المصلى حتى يخرج الإمام للصلاة, فإذا خرج الإمام قطع يريد خروجه فى المصلى, لا حين خروجه من داره, قاله سحنون.
قال فى المدونة: ولا يكبر إذا رجع, وكان ابن عمر يجهر بالتكبير.
قال فى المجموعة: ومن غدا إليها قبل طلوع الشمس, فلا بأس به, ولكن لا يكبر حتى تطلع الشمس.
قال عنه أشهب: ويكبر الرجل من حيث يغدو إلى المصلى إلى أن يرقى الإمام المنبر, ثم إذا كبر الإمام فى خطبته كبر معه.
الجزء: 3 - الصفحة: 943
قال ابن حبيب: ومن السنة أن يجهر بالتكبير فى طريقه, والتهليل, والتحميد جهراً يسمع من ليله, وفوق ذلك قليلاً حتى يأتى الإمام فيكبر, ويكبروا بتكبيره.
وأحب إلى من التكبير الله أكبر, الله أكبر, لا إله إلا الله, والله أكبر, الله أكبر ولله الحمد على ما هدانا, اللهم اجعلنا من الشاكرين؛ لقول الله تعالى: ﴿وَلِتُكْمِلُوا الْعِدَّةَ وَلِتُكَبِّرُوا اللَّهَ عَلَى مَا هَدَاكُمْ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾.
وكان أصبغ يزيد الله أكبر كبيراً, والحمد لله كثيراً, وسبحان الله بكرة وأصيلاً, ولا حول ولا قوة إلا بالله العلى العظيم.
وما زدت, أو نقصت, أو قلت غيره فى حرج.
ومن المدونة قال مالك: بلغنى / أن النبى (صلى الله عليه وسلم) كان يخرج إلى صلاة العيدين من طريق, ويرجع من أخرى.
الجزء: 3 - الصفحة: 944
قال ابن القصار: واختلف فى تأويل ذلك, فقيل: إنما كان ذلك؛ لأنه كان يسأل فى طريقه عن أمور الدين, فيرجع من طريق أخرى؛ ليسأله أهل هذه الطريق أيضاً, ويحتمل أن يرجع من طريق أخرى؛ لينال أهل هذه الطريق الثانية من النظر إليه, والتبرك به, والسلام عليه ما نال أهل الطريق الأولى.
وقيل: إنما ذلك لتكثر خطاه, فيكثر ثوابه, وقيل: وجوه غير هذه, والله أعلم بما أراد.
قال مالك: واستحسن ذلك, ولا أراه لازماً للناس.
[فصل -4 - يخطب للعيدين بعد الصلاة]
قال: والخطبة بعد الصلاة فى العيدين والاستسقاء, وكذلك / فعل الرسول (صلى الله عليه وسلم) وأصحابه بعده.
وقد ذكر فيه اختلاف انقطع لتقرر الإجماع بعده.
قال مالك: وأما فى الجمعة وعرفة فالخطبة قبل الصلاة, وروى ابن وهب عن ابن عباس, وجابر بن عبد الله وابن عمر, وأنس بن مالك أن رسول الله (صلى الله عليه وسلم) كان يصلى فى العيدين قبل الخطبة.
الجزء: 3 - الصفحة: 945
قال مالك: وجبذ أبو سعيد الخدرى مروان بن الحكم حين أراد أن يخطب قبل الصلاة, فقال له: الصلاة قبل الخطبة, فقال له مروان: قد ترك ذلك, فقال له أبو سعيد: أما ورب المشارق لا تأتون بخير منها.
قال ابن الحبيب: أحدث مروان الخطبة قبل الصلاة, وأحدث هشام بن عبد الملك الأذان والإقامة لهما.
قال أشهب: ومن بدأ بالخطبة قبل الصلاة أعادها بعد الصلاة فإن لم يفعل أجزأه, وقد أساء.
[فصل -5 - فى التكبير والقراءة فى صلاة العيدين]
ومن المدونة قال مالك: وتكبير العيدين سواء يكبر فى الركعة الأولى سبعاً بتكبيره الإحرام, وفى الثانية خمساً غير تكبيرة القيام, وذلك كله قبل القراءة, ولا
الجزء: 3 - الصفحة: 946
يرفع يديه إلا فى التكبيرة الأولى.
ابن المواز قال: قال أشهب: وإذا كبر الإمام فى الأولى أكثر من سبع, وفى الثانية أكثر من خمس فلا يتبع.
قال فى المدونة: ويقرأ فى العيدين بسبح والشمس وضحاها ونحوهما, وكذلك الاستسقاء.
[فصل -6 - لا يصلى العيدين فى المسجد ولا يخرج لها بمنبر]
ولا تصلى فى المسجد, وليخرج إليها كما خرج النبى (صلى الله عليه وسلم).
قال مالك: إلا أهل مكة فالسنة أن يصلوها فى المسجد.
قال مالك: ولا يخرج فيها بمنبر, ولم يكن للنبى (صلى الله عليه وسلم) ولا لأبى بكر / ولا لعمر رضى الله عنهما منبر, وكثير بن الصلت بناه لعثمان رضى الله عنه.
[فصل -7 - فى أحكام تتعلق بالخطبة]
ويجلس الإمام فى خطبة العيدين فى أولها وفى وسطها.
وفى كتاب أبى الفرج: لا يجلس فى أولها.
قال مالك: ويكبر فى خلال خطبته, ولا حد فى ذلك.
وقال فى الواضحة: من السنة أن يفتتح خطبته الأولى والثانية بالتكبير
الجزء: 3 - الصفحة: 947
وليس فى ذلك حد.
وقال مطرف وابن الماجشون: اشهر / العمل عندنا أن يكبر فى مبتدأ الخطبة الأولى وقبل التحميد تسع تكبيرات, وفى مبتدأ الثانية سبع تكبيرات, ويوالى بينهما ثم يمضى فى خطبته فكلما انقضت الكلمات كبر ثلاث تكبيرات حتى تنقضى خطبتاه.
[فصل -8 - فى من فاتته صلاة العيد هل يصليها وحده؟]
ومن المدونة قال مالك: ومن فاتته صلاة العيد مع الإمام فإن شاء صلى أو ترك, واستحب له مالك: أن يصليها كصلاة الإمام.
[فصل -9 - فى أحكام المسبوق فى صلاة العيد]
ومن أدرك منها الجلوس / كبر وجلس, ثم يقضى بعد سلام الإمام باقى التكبير والصلاة.
قال ابن القاسم فى العتبية: ومن سبقه الإمام بالتكبير فليدخل معه ويكبر سبعاً, يريد والإمام يقرأ.
قال: وإن وجده راكعاً دخل معه وكبر تكبيرة واحدة وركع, ولا شئ عليه, وإن وجده قد رفع رأسه أو قائماً في الثانية
الجزء: 3 - الصفحة: 948
فليقض ركعة يكبر فيها سبعاً, وإن وجده فى الجلوس أحرم وجلس معه فإذا سلم الإمام قام فصلى ركعتين يكبر فى الأولى سبعاً وفى الثانية خمساً.
قال عيسى: وقد قال أيضاً: يكبر فى الأولى ما بقى عليه ستاً.
قال ابن القاسم: وإن وجده قائماً فى الثانية فليكبر خمساً.
وقال ابن وهب: لا يكبر إلا واحدة.
ابن المواز: وقال أشهب: وإذا كبر الإمام فى الأولى أكثر من سبع, وفى الثانية أكثر من خمس لا يتبع, وكذلك لو كبر فى صلاة الجنازة خمساً فليسكتوا حتى يسلم فيسلموا بسلامه, وقال ابن القاسم: يقطعون فى الخامسة.
قال فى المجموعة: وإن وجد الإمام فى الخطبة فليجلس ولا يصلي.
قال
الجزء: 3 - الصفحة: 949
في المختصر: فإن أراد الصلاة فى المصلى فليصبر إلى فراغ الخطبة.
[فصب -10 - فى حكم التنفل قبل صلاة العيد أو بعدها]
ومن المدونة قال مالك: وإذا صلوا جماعة العيد فى مسجد لعلة أو صلوها جماعة فى مسجد بساحل من السواحل فلا بأس بالتنفل فيه قبلها أو بعدها.
قال ابن الحبيب عن مالك: لا يتنفل فيه إلا بعدها.
قال مالك: وإنما كره التنفل فيه قبل صلاة العيدين وبعدها فى المصلى.
قال ابن شهاب /: ولم يبلغنى أن أحداً من الصحابة فعل ذلك, وأن عبد الله بن عمر لم يكن يصلى قبل صلاة العيد ولا بعدها.
فأما فى غير المصلى فى بأس به.
وإذا رجع من المصلى تنفل فى بيته ما أحب ولا تصلى صلاة العيد في موضعين.
الجزء: 3 - الصفحة: 950
[فصل -11 - فى الإمام ينسى التكبير فى صلاة العيدين ثم يذكر]
قال مالك: وإذا نسى الإمام التكبير فى الركعة الأولى حتى قرأ فذكر قبل أن يرجع رجع فكبر وقرأ وسجد بعد السلام, وإن لم يذكر حتى ركع تمادى ولم يكبر لما فاته وسجد قبل السلام, وإن أحدث الإمام بعد السلام وقبل الخطبة خطب ولم يستخلف.
[فصل -12 - فى صلاة العيدين لأهل القرى]
قال مالك: وأحب إلى أن يصلى أهل القرى صلاة العيدين كصلاة الإمام, ويكبروا مثل تكبيره, ويقوم إمامهم فيخطب بهم خطبتين.
[فضل -13 - فى من تجب عليهم صلاة العيدين]
قال فى الضحايا: وكل من تجب عليهم الجمعة فعليهم أن يجمعوا فى العيدين, وليس على الحاج بمنى جمعة, ولا صلاة عيد.
ومن المجموعة قال ابن القاسم عن مالك: فى قرية فيها عشرون رجلاً أرى أن يصلوا العيدين.
وقال عنه ابن نافع: ليس ذلك إلا على من عليه الجمعة.
وقال أشهب: استحب ذلك لهم, وإن لم تلزمهم الجمعة, والجمعة لا تستحب؛ لأنها فرض لا تجزئ من لا تجب عليه.
ومن المدونة قال مالك: ولا تجب صلاة العيدين على النساء والعبيد, ولا
الجزء: 3 - الصفحة: 951
يؤمروا بالخروج إليها, ومن حضرها منهم صلاها, ولم ينصرف إلا بانصراف الإمام, وإذا لم تخرج النساء فما عليهن بواجب أن يصلين / ويستحب لهن أن يصلين أفذاذاً على سنة صلاة الإمام, ولا يؤمهن أحد.
وروى البخارى عن أم عطية قالت: أمرنا رسول الله (صلى الله عليه وسلم) أن تخرج الحيض يوم العيدين وذوات الخدور فيشهدن / جماعة المسلمين ودعوتهم ويعتزل الحيض عن مصلاهم.
قال امرأة: يا رسول الله! إحدانا ليس لها جلباب؟ قال: لتلبسها صاحبتها من جلبابها.
م وفى سماع ابن وهب قال مالك: ليس على المسافرين صلاة عيد ولا جمعة, / وقال ابن حبيب: صلاة العيد تلزم كل مسلم وتجب على النساء
الجزء: 3 - الصفحة: 952
والعبيد والمسافرين ومن يؤمر بالصلاة من الصبيان يؤمر بها, وإن لم يشهدوها فى جماعة صلوها ركعتين حيث كانوا على سنتها فى التكبير والقراءة, وهو قول مالك وجماعة من أصحابه.
قال أبو محمد عبد الوهاب: وإذا ثبتت الشهادة فى آخر يوم من رمضان أنهم رأوا الهلال عشية أمه فليفطر الناس لوقتهم.
فإن كان قبل زوال فليصلوا العيد, وإن كان بعده لم يصلوا فى بقية ذلك اليوم, ولا من الغد, وإنما قلنا إنها تصلى قبل الزوال؛ لأن وقتها باق؛ لأنه ما بين ضحوة إلى الزوال, ولا تصلى بعد الزوال للإجماع على ذلك؛ ولأن النبى (صلى الله عليه وسلم) لم يصلها ولا أحد من الأئمة بعد الزوال, وإذا كانت لا تصلى بعد الزوال وهى إلى وقتها أقرب كانت بأن لا تصلى من الغد أولى؛ ولأنها صلاة مسنونة فخروج وقتها مسقط لها, كالوتر والكسوف.
ومن المدونة: واستحب مالك للإمام أن يخرج أضحيته فيذبحها أو ينحرها فى المصلى يبرزها للناس إذا فرغ من خطبته, واستحب للرجل أن يطعم يوم الفطر قبل الغدو إلى المصلى, وليس ذلك فى الأضحى.
قال ابن
الجزء: 3 - الصفحة: 953
المسيب: من سنة الفطر المشى والأكل والغسل قبل الغدو.
ابن حبيب: وسئل مالك عن قول الرجل لأخيه فى العيد تقبل الله منا ومنك وغفر لنا ذلك, فقال: ما أعرفه, ولا أنكره.
قال ابن حبيب: لم يعرفه سنة, ولا ينكره؛ لأنه قول حسن.
ورأيت من أدركت من أصحابه لا يبدؤون به ولا ينكرونه على من قاله لهم, ويردونه عليه مثله.
ولا بأس عندى أن يبتدأ به.
وروى غير ابن حبيب: أن واثلة بن الأسقع رد مثله على من قال له, وأن مكحولاَ كرهه, وروى عن عبادة عن النبى (صلى الله عليه وسلم) أنه فعل اليهود.
الجزء: 3 - الصفحة: 954
باب -18 -] جامع ما جاء فى تكبير أيام التشريق /
قال الله تعالى: ﴿وَيَذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ فِي أَيَّامٍ مَعْلُومَاتٍ عَلَى مَا رَزَقَهُمْ مِنْ بَهِيمَةِ الأَنْعَامِ﴾.
وهى أيام النحر الثلاثة.
وقال الله تعالى: ﴿وَاذْكُرُوا اللَّهَ فِي أَيَّامٍ مَعْدُودَاتٍ﴾ فهذه أيام الرمى, وهى ثلاثة بعد يوم النحر.
[فصل -1 - فى صفة التكبير فى أيام التشريق]
قال ابن القاسم: ولم يحد مالك فى تكبير أيام التشريق حداً, وبلغنى عنه أنه كان يقول: الله أكبر الله أكبر الله أكبر ثلاثاً, ورواه على عن مالك, وروى / عنه أشهب وابن عبد الحكم: الله أكبر الله أكبر لا إله إلا الله والله أكبر الله أكبر ولله الحمد, وأخذ به.
الجزء: 3 - الصفحة: 955
[فصل -2 - في زمن ابتداء تكبير أيام التشريق وزمن انتهائه]
قال مالك: ويكبر الناس في أيام التشريق في دبر الصلوات من صلاة الظهر من يوم النحر إلى صلاة الصبح من آخر أيام التشريق، يكبر في الصبح ويقطع في الظهر، وهي خمس عشرة صلاة.
قال مالك: والناس يكبرون في غير دبر الصلوات.
فأما الذين أدركت، وأقتدي بهم فلم يكونوا يكبرون إلا في دبر الصلوات، وقاله بكير وأبو بكر بن محمد وغيرهم.
قال ابن حبيب: وينبغي لأهل منى الإمام وغيره أن يكبروا أول النهار إذا أرتفع، ثم إذا زاغت الشمس، ثم بالعشي، وكذلك فعل عمر، وأما أهل الآفاق ففي خروجهم إلى المصلى، ثم في دبر الصلوات، ويكبرون في خلال ذلك، ولا يجهرون، والحجاج يجهرون به في كل الساعات إلى الزوال من اليوم الرابع، فيرمون ثم ينصرفون بالتكبير والتهليل حتى يصلوا الظهر والعصر بالمحصب، ثم ينقطع التكبير.
م وهذا كله خلاف لما في/ المدونة وذكر عن ابن سحنون: اختلاف في
الجزء: 3 - الصفحة: 956
التكبير أيام التشريق، وأنا أذكر بعضه، فروي عن ابن عمر وغيره مثل ما في المدونة.
وروي عن زيد بن ثابت: أنه يبدأ بالظهر من يوم النحر فيكبر إلى صلاة العصر من اليوم الرابع.
وروي عن عمر وعلي رضي الله عنهم: أنهما كانا يكبران من صلاة الصبح يوم عرفة إلى العصر من اليوم الرابع.
قال محمد بن الجهم: ليس في ذلك حديث عن النبي صلى الله عليه وسلم يعتمد عليه، ووجدنا الله تعالى يقول: ﴿فَإذَا قَضَيْتُم مَّنَاسِكَكُمْ فَاذْكُرُوا اللَّهَ﴾ وكان قضاء النسك الذي يخرج به من الحج طواف الإفاضة يوم النحر فأول صلاة تؤدى بعد ذلك صلاة الظهر، وقاله غير واحد من الصحابة والتابعين.
وأما من بدأ من صلاة الفجر يوم عرفة فلا دليل له من كتاب ولا سنة ولا قياس، وأجمعوا
الجزء: 3 - الصفحة: 957
على أن التكبير في صلاة الظهر من يوم النحر واجب، فلا يزول عن ذلك، إلا بدليل فإن قيل: فلم قلتم يكبر أيام التشريق؟ قلنا: ﴿واذْكُرُوا اللَّهَ فِي أَيَّامٍ مَّعْدُودَاتٍ﴾.
فإن قيل: فلم قطعتم في اليوم الرابع في الظهر، ولم يقطع في العصر.
قلنا: لأن الناس بمنى آخر صلاتهم بها الصبح، فإذا زالت الشمس رموا وينفرون.
ودليل آخر أيضاً أنه عمل أهل المدينة، وهو أثبت من الروايات، وقال مالك: إنه الأمر المجتمع عليه عندنا.
ومن المدونة قال مالك: ويكبر في أيام التشريق الرجال والنساء والعبيد والصبيان وأهل البادية والمسافرين، وكل مسلم صلى في جماعة أو وحده.
قال: ومن نسي التكبير فإن كان بالقرب رجع فكبر، وإن بعد فلا شئ عليه، وكذلك الإمام، وإن سها عنه الإمام والقوم جلوس فليكبروا.
ومن فاته بعض صلاة الإمام فلا يكبر حتى يقضي.
ابن سحنون: ومن قضى صلاة نسيها من أيام التشريق بعد زوالها فلا تكبير عليه.
قال غيره: وإن ذكرها في أيام التشريق صلاها وكبر
الجزء: 3 - الصفحة: 958
بعقبها.
وذكر عن أبي عمران أنه لا يكبر لها؛ لأن وقت التكبير لها قد فات، وإن كانت أيام التشريق لم تخرج بعد.
قال ابن أبي زمنين: التشريق صلاة العيد، وانما سميت بذلك؛ لأن وقتها في حين شروق الشمس، ومنه قول النبي صلى الله عليه وسلم "من ذبح قبل التشريق أعاد، فسميت الأيام كلها أيام التشريق؛ لأنها تبع ليوم النحر، وكذلك قال أبو عبيد.
الجزء: 3 - الصفحة: 959
[باب -19 -] جامع ما جاء في جمع الصلاتين بعرفة والمزدلفة
وجمع الرسول صلى الله عليه وسلم بين الظهر والعصر حين زالت الشمس بعرفة ولم يسبح بينهما، وجمع بين المغرب والعشاء بالمزدلفة ولم يسبح بينهما، وفعله أبو بكر وعمر رضي الله عنهما، وصلى عليه السلام بمكة ركعتين ثم قال: إنا قوم سفر فأتموا الصلاة، ولم يقل ذلك بمنى ولا عرفة، وكذلك فعل عمر بن الخطاب رضي الله عنه، وصلى عليه السلام وأبو بكر وعمر ركعتين.
قال مالك: والسنة في الجمع بين الظهر والعصر بعرفة بعد الزوال يبدأ الإمام بالخطبة، فإذا فرغ منها جلس على المنبر وأذن المؤذن، وأقام ثم نزل فصلى
الجزء: 3 - الصفحة: 960
بالناس الظهر ركعتين، ثم أذن وأقام فصلى بهم العصر ركعتين.
قال ابن حبيب: يؤذن المؤذن إذا جلس الإمام بين خطبتيه فإذا فرغ منهما أقام ثم نزل فصلى.
قال مالك: ولا يجهر بالقراءة فيهما وإن وافق ذلك يوم الجمعة، وإن كان لهما خطبة، وكل صلاة فيها خطبة يجهر فيها بالقراءة خلا هذه الصلاة؛ لأن خطبتها تعليم للمناسك للحاج، وليس هي للصلاة.
قال مالك: ويقطع الإمام والناس التلبية إذا زالت الشمس وراح -يريد للصلاة- ولا يلبي الإمام إذا خطب ويكبر بين ظهراني خطبته، ولا حد في ذلك ويجلس في أولها ووسطها.
ابن المواز: ولا يجلس في غيرها من خطب الحج.
وخطب الحج ثلاث: الأولى قبل يوم التروية بيوم في المسجد الحرام بعد الظهر ولا يجلس فيها، والثانية بعرفة يجلس/ في وسطها، والثالثة بمنى أول يوم من أيام التشريق بعد الظهر لا يجلس فيها.
وكلها تعليم للمناسك ولا يجهر بالقراءة في شئ من صلواتها.
الجزء: 3 - الصفحة: 961
م وتحصيلها أن أولها قبل يوم التروية بيوم، وبين كل خطبتين يوم، ويجلس في الوسطى.
قال مالك: ويتم أهل عرفة بعرفة وأهل منى بمنى، ومن لم يكن من أهلها فليقصر الصلاة وإن كان مكياً.
ابن القاسم: قال مالك: ولا أحب أن يكون/ الإمام من أهل عرفة، فإن كان من أهل عرفة أتم الصلاة بها.
والله المستعان.
كمل كتاب الصلاة الثاني من الجامع لابن يونس بحمد لله وحسن عونه وصلى الله على سيدنا محمد وآله.
الجزء: 3 - الصفحة: 962
بسم الله الرحمن الرحيم