الجامع لمسائل المدونةكتاب الصرف
أهل الأثرالأرشيف العلمي

بسم الله الرحمن الرحيم وصلى الله على سيدنا ومولانا محمد وآله وصحبه وسلم

[الباب الأول]

في الربا ومناجزة الصرف وكراهية التأخير فيه وما ضارعه من معاني البيوع

[الفصل 1 - في الربا وتحريم التفاضل في الجنس الواحد من الأجناس الربوية] م السبب في نزول آية الربا، كان الرجل في الجاهلية يكون له الحق على الرجل فإذا حل الأجل أتاه فقال له أتقضي أم تربي، فإن قضاه والازاده فيه وأخره عنه،

الجزء: 12 - الصفحة: 375

فنهى الله عز وجل عن ذلك في الإسلام فقال: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَاكُلُوا الرِّبَا أَضْعَافًا مُضَاعَفَةً﴾ [آل عمران: 130] وقال ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَذَرُوا مَا بَقِيَ مِنَ الرِّبَا إِنْ كُنتُمْ مُؤْمِنِينَ (278) فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا فَاذَنُوا بِحَرْبٍ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَإِنْ تُبْتُمْ فَلَكُمْ رُءُوسُ أَمْوَالِكُمْ لا تَظْلِمُونَ وَلا تُظْلَمُونَ﴾ [البقرة: 278 - 279] قال مالك رحمه الله في كتاب محمد في قوله تعالى ﴿وَذَرُوا مَا بَقِيَ مِنَ الرِّبَا إِنْ كُنتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ [البقرة: 278] يقول ﴿وَإِنْ تُبْتُمْ فَلَكُمْ رُءُوسُ أَمْوَالِكُمْ﴾ [البقرة: 279]، قال قتادة في الواضحة فيمن أسلم وبقي له دين بربا فله رأس ماله فقط.
قال ابن حبيب: هذا إن فات ولا يقدر على رده وما لم يفت فليس فيه إلا الفسخ وقاله مالك وأصحابه.
ومن في يديه ربًا لا يقدر على رده ولا يعرف مبايعه فليتصدق به عنه.
م قال بعض البغدادين: وقد ورد النص وانعقد الإجماع على أن التفاضل في الجنس الواحد من الذهب والفضة والبر والشعير والتمر والملح ربًا، والأصل فيه

الجزء: 12 - الصفحة: 376

قوله -صلى الله عليه وسلم- «الدينار بالدينار والدرهم بالدرهم [لا فضل بينهما]» وقوله -صلى الله عليه وسلم- «لا تبيعوا الدينار بالدينارين ولا الدرهم بالدرهمين» وقوله «لا تبيعوا الذهب بالذهب إلا مثلاً بمثل، ولا تشفوا بعضها على بعض ولا تبيعوا الورق بالورق إلا مثلاً بمثل ولا تشفوا بعضها على بعض، ولا تبيعوا منها شيئًا غائبًا بناجز» وقال ابن عمر -رضي الله عنه- (الدينار بالدينار والدرهم بالدرهم لا فضل بينهما، هذا عهد نبينا -صلى الله عليه وسلم- إلينا وعهدنا إليكم).
وما روى عن ابن عباس في ذلك فقد ثبت رجوعه عنه، وقال الرسول -صلى الله عليه وسلم-

الجزء: 12 - الصفحة: 377

«الذهب بالورق ربًا إلا هاء وهاء» وقال عمر بن الخطاب -رضي الله عنه- (ذروا الربا والريبة فإن استنظرك إلى أن يلج بيته فلا تنظره) وأما الأربعة المسميات، فالأصل فيها فيها حديث عبادة وغيره أن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- قال «لا تبيعوا الذهب بالذهب ولا الورق بالورق ولا البر بالبر ولا الشعير بالشعير ولا التمر بالتمر ولا الملح بالملح إلا سواء بسواء، عينًا بعين، فمن زاد أو استزاد فقد أربى».
[الفصل 2 - في مناجزة الصرف وكراهية التأخير فيه] ومن المدونة: قال مالك رحمه الله: ولا يجوز في الصرف إلا المناجزة، والحلي والتبر والمسكوك سواء، لا يجوز في شيء من ذلك تأخير ولا نظرة إلا يدًا بيد.
قال: ومن اشترى حليًا مصوغًا -يريد- بدراهم فنقد بعض ثمنه وتأخر البعض بطلت الصفقة كلها لأنه صرف.
قال مالك: وكذلك من كان له على رجل مائة دينار فباعها منه بألف درهم فقبض تسع مئة درهم وفارقه قبل قبض الباقي لم يصلح، ويرد الدراهم وتبقى له المائة دينار على حالها، ولو قبض الدراهم كلها جاز ولو كان

الجزء: 12 - الصفحة: 378

له عليه ألف درهم حالة فباعها منه بطوق ذهب ثم فارقه قبل قبضه فلا خير فيه، ويرد الطوق ويأخذ دراهمه.
ومن صرف من رجل مائة دينار بألفي درهم فنقده خمسين دينارًا وقبض ألف درهم ثم فارقه، فالجميع منتقض ولا يجوز منه حصة الخمسين النقد، ولو تقابضا الجميع ثم وجد من الدنانير خمسين دينارًا رديئة انتقض من الصرف حصة الخمسين الرديئة فقط.
قال ابن القاسم: لأن هذا صرف صحت عقدته، ولو رضي الرديئة تم جميعه، والذي لم ينقد إلا الخمسين وقعت الصفقة فاسدة كلها.
[قال] ابن المواز: قال ابن القاسم: فإن وجد الدنانير تنقص دينارًا ففارقه حتى يأتيه به قال: ينتقص صرف ذلك الدينار.
وقال محمد: بل تنتقض كلها.
قيل لابن القاسم فإن قبضت نصفها ولم يجد من المائة دينار إلا خمسين دينارًا؟.
قال: ينتقض الصرف كله إلا أن يشاء أن يأخذ ما وجد منها كمبتاع مئة قفيز قمح فلم يجد إلا خمسين.
وقال أصبغ: بل ينتقض الصرف كله وإن لم يعجز منه إلا خروبة واحدة، وليس ما ناظرة به بشيء، لأن ذلك في غير الصرف عيب بخلاف الصرف الذي لا يتأخر.

الجزء: 12 - الصفحة: 379

قال في كتاب الصلح: وإن صرفت دنانير بدراهم ثم وجدت فيها عيبًا درهمًا زائفًا انتقض صرف دينار، فإن وجدت أكثر من صرف دينار، وإن قل انتقض صرف دينارين هكذا على هذا الحساب.
م وإنما لم ينتقض صرف الجملة لأن كل دينار كأنه على حدته منفرد بنفسه إذ لا تختلف قيمته من قيمة صاحبه ولم ينتقض إلا ما يخص الزائف فقط إذ لا يجوز كسر دينار، ولا يجوز أن يشتركا في الدينار بمقدار ما وجد رديئًا؛ لأنه لا يجوز في الصرف أن يفترقا وبينهما عمل ولا تباعة، ولا يجوز بدل الدراهم فيكون صرفًا مستأخرًا، فوجب لذلك أن ينتقض صرف دينار.
قال ابن الجلاب وغيره: وهذا إذا رتبا لكل دينار شيئًا معلومًا حين العقد وأما إن صادفه جملة دنانير بجملة دراهم فلينقض الصرف كله.
م وليس ذلك بشيء؛ لأن الدنانير لا تختلف قيمتها إذا كانت سكة واحدة، وإنما يقع لكل دينار حصته من الدراهم على العدد، إن كانت خمسة وقع لكل دينار خمس الدراهم، وإن كانت ستة فسدس الدراهم، فالحكم يوجب الترتيب وإن لم يرتباه، ولأن الترتيب لا حكم له، لأن من أصلهم في البيوع إذا رتب لكل سلعة ثمنًا وبيعت في صفقه أن ذلك الترتيب لا حكم له في طريان الاستحقاق والرد بالعيب.
قال ابن أبي زمنين في أصل المسألة: وهذا إذا كانت سكة الدنانير

الجزء: 12 - الصفحة: 380

كلها واحدة فينتقض صرف دينار كما وصفنا بوجود درهم [واحد] ردئ، فأما إن كانت السكة مختلفة فقال أصبغ: ينتقض صرف أجود الدنانير.
وقال سحنون: ينتقض الصرف كله؛ لأن الدرهم الردئ له حصة من كل دينار، وقول سحنون أقيس.
م وإن كانت الدنانير سكة واحدة وهي نقص مجموعة في الوزن، فإنما ينتقض صرف أنقص الدنانير؛ لأن الدراهم إنما هي مفضوضة على وزن الدنانير، ولا حكم للعين يوجب أن ينتقض أصغر قطعة من الدنانير إلا أن يخصها أقل من درهم فينتقض الأصغر بعدها أيضًا، وكذلك في كتاب محمد وهو مذكور بعد هذا.
[فصل 3 - المبادلة في الصرف والتصديق فيه] ومن المدونة [قال] ابن وهب: وأجاز ابن شهاب البدل في الصرف إذا كان بغير شرط، وأباه مالك.
قال عطاء: ولو قال له اذهب بها فما ردوا عليك فأنا أبدله لك لم يجز.
قال ابن حارث: إذا شرط له إن كان فيها ناقص فعلى بدله فهو

الجزء: 12 - الصفحة: 381

ربًا.
قال مالك في سماع أشهب: إذا قال له إن وجدت فيها رديئًا فرده، فوجدها جيادًا قال: أصل الصرف لا يصلح، وليردها كلها، قال: ولو قال له زنها عند هذا الصراف وأراه إياها أو قاما إليه لذلك، فهو خفيف إن كان قريبًا، ونحوه من كتاب محمد.
قال مالك: وإن قال له الصراف في الدارهم هي جيادًا فأخذها بقوله وهو لا يدري جيادًا هي أم لا؟ فنهى عنه.
قيل له: فإنا لا نبصرها وأنت تكره أن يفارقه.
قال: ﴿وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجًا﴾ [الطلاق: 2].
ولا يجوز التصديق في الصرف، ولا تبادل الطعامين.
قال: ولا يجوز أن يصارفه سوارين على أن يصدقه في وزنهما.
وينقض البيع، وإن افترقا ووجدهما كذلك فلابد أن ينقض، ولو وزنهما قبل التفرق فوجد بهما نقصًا فرضيه أو زيادة فتركها الآخر فذلك جائز.

الجزء: 12 - الصفحة: 382

قال محمد: وقال أشهب: في افتراقهما على التصديق فيجد زيادة أو نقصانًا فترك الفضل من هوله، جاز ذلك.
قال: وكذلك إن كانت دراهم فوجد فيها رديئة أو دون ما قاله له من الوزن، فيترك ذلك ولا يتبعه أن ذلك جائز بينهما وقاله لي مالك.
قال محمد: وإذا وجد في الدراهم رديئًا أو نقصانًا يسيرًا فتجاوزه فلا بأس بذلك، وكذلك كلما افترقا فيه على الفراغ لا على أن يزن ولا على أن يتجاوز عنه فلم يطلبه ببدل ولا نقصان فهو جائز، وكذلك لو جاءه ليبدل عليه فأرضاه حتى لا يبدل لجاز ذلك.
وقد قال ابن القاسم وأشهب فيمن باع طوق ذهب بألف درهم فتقابضا، ثم أصاب بالطوق عيبًا بعد ذلك يرد به، فصالحه بائع الطوق على دنانير أو دراهم دفعها إليه أن ذلك جائز.
قال ابن القاسم: إذا كانت الدراهم من نوع الدراهم التي قبض منه وإن كانت من غير سكة ما قبض منه لم يجز.
وكذلك لو صالحه على نقرة.
وقال أشهب: لا بأس بذلك كله؛ لأن بيهما كان على الصحة، وإنما استوجب بها البائع الرد عليك بهذه المئة أو النقرة التي قبضت.

الجزء: 12 - الصفحة: 383

م وهذه المسألة في كتاب الصلح.
فصل [4 - من صرف دنانير بدراهم وقبض عرضًا عن بعض الدراهم] ومن المدونة: ومن صرف من رجل دينارًا بعشرين درهمًا فقبض منه عشرة دراهم، وقال له اعطني بالعشرة الباقية عشرة أرطال لحم كل يوم رطل لحم لم يجز، ولا يجوز تأخير ما مع من الدراهم من عرض أو غيره وإن تعجل ذلك جاز.
قال: ولو اشترى منه سلعة إلى أجل بنصف دينار نقدًا، فأعطاه بعد الصفقة دينارًا ليرد عليه نصفه دراهم بغير شرط فلا خير فيه؛ لأنه صرف فيه سلعة تأخرت، ولم يجز مالك اجتماع بيع وصرف في صفقة واحدة إلا أن تكون دراهم يسيرة كالعشرة ونحوها، وإن كثرت الدراهم لم يجز.
ومن اشترى ثوبًا وذهبًا يسيرًا -لا يكون صرفًا- بدراهم، فتأخر درهم منها أو تأخر الثوب بطل البيع، وإن كانت الذهب كثيرة لم يجز وإن انتقد جميع الصفقة.
فصل [5 - التأخير في صرف الفلوس والمناجزة في الصرف] قال مالك: ولا بأس بصرف دينار بدراهم وفلوس، قال: ومن اشترى فلوسًا بدرهم أو بخاتم فضة أو ذهب أو تبر ذهب أو فضة فافترقا قبل أن يتقابضا لم يجز؛ لأن الفلوس لا خير فيها بالذهب ولا بالورق نَظِرةً وليست بحرام بين، ولكني أكره التأخير فيها إذا جرت بين الناس، ولو جرت الجلود مجرى العين

الجزء: 12 - الصفحة: 384

المسكوك، لكرهنا بيعها بذهب أو ورق نَظِرةً، ولم يجز مالك بيع الفلوس فلس بفلسين نقدًا ولا مؤجلاً، وقاله ربيعه ويحي بن سعيد.
قال ابن القاسم: وإن اشتريت من رجل عشرين درهمًا بدينار وأنتما في مجلس واحد ثم استقرضت أنت من رجل إلى جانبك دينارًا أو استقرض هو الدراهم من رجل إلى جانبه فدفعت إليه الدينار وقبضت الدراهم فلا خير فيه.
قال سحنون: هذه خير من المسألة التي تحتها.
قال ابن القاسم: ولو كانت الدراهم معه واستقرضت أنت الدينار، فإن كان أمرًا قريبًا كحل الصرة ولا تقوم لذلك ولا تبعث وراءه جاز.
ولم يجزه أشهب.
قال بعض فقهائنا القرويين: إنما يصح قول ابن القاسم إذا لم يعلم صاحب الدراهم أنه لا شيء عند صاحب الدينار، فأما إن علم أنه لا دينار عنده فلا يجوز الصرف عند ابن القاسم وأشهب، ونحوه ذكر عن ابن القابسي.
وقال بعض شيوخنا من أهل بلدنا: سواء علم أو لم يعلم، وليس بصواب، والله أعلم.
ولأبي القاسم بن الكاتب في المسألة الأولى إذا لم يكن عند واحد منهما شيء، قال: هاهنا قد أقر كل واحد منهما بفساد الصرف حتى إذا كان أحدهما لم يصدقه الآخر [على] أنه ليس معه شيء فيتهم فيما أظهره أن يكون أراد فساد الصرف فمنعه.

الجزء: 12 - الصفحة: 385

ومن المدونة: قال ابن القاسم: وكره مالك للصيرفي أن يدخل الدينار تابوته أو يخلطه، ثم يخرج الدراهم ولكن يدعه حتى يزن الدراهم فيأخذ ويعطي، وكره أن يصارفه في مجلس ويناقده في آخر أو يجلسا ساعة ثم يتناقدا قبل أن يتفرقا، فإن طال المجلس بطل الصرف.
م وقال أبو حنيفة والشافعي لا يبطل العقد بترك التقابض ما لم يفترقا.
ودليلنا قوله -صلى الله عليه وسلم- «الذهب بالورق ربًا إلا هاء وهاء يدًا بيد» وهذا لم يوجد، ولأن القبض قد تراخى عن العقد فأشبه ما إذا افترقا.
ومن كتاب محمد: ومن اشترى ألف درهم بدنانير فوزن ألف درهم، فأراد أن يزن ألفًا أخرى قبل دفع دنانير الأولى فكرهه ابن القاسم إلا أن يقبضه كلما وزن له ألفًا.
ومن المدونة: قال ابن القاسم: ومن لقي رجلاً معه دراهم فواجبه عليها ثم مضى معه إلى الصيارفة ليتناقدا لم يجز، ولو قال له المبتاع اذهب بنا إلى السوق

الجزء: 12 - الصفحة: 386

بدراهمك، فإن كانت جيادا أخذتها منك كذا وكذا درهما بدينار لم يجز ولكن يسير معه على غير موعد، فإن أعجبه شيء أخذ وإلا ترك.
م وذكر عن أبي موسى بن مناس أنه كان يجيز في الصرف التعريض، كما يجوز في عدة المرأة التعريض لها دون التصريح، أو المواعدة مثل أن يقول: إني لمحتاج إلى دراهم أصرفها ونحو ذلك من القول.
وقيل إنما كرهت المواعدة لأنه نهي عن خلف الوعد فيصبر ذلك شبه عقد.
قال: وأعرف أن محمد بن عبد الحكم يجيز المواعدة في الصرف إذا لم يقطع الصرف.
ومن المدونة: وقد قال مالك فيمن اشترى حليًا من ميراث ثم قام إلى السوق ليدفع ثمنه ولم يفترقا أنه لا خير فيه ويفسخ بيعه.
قال ابن المواز: وكذلك من اشترى حليًا ثم تفرقا لليل غشيهم أو لتعذر ما يزن به فهو منتقض، وأما من اشترى سوارين من ذهب بدراهم على أن يريها لأهله فإن أعجبهم رجع إليهم فاستوجبها وإلا ردهما، فقد خففه مالك وكرهه.

الجزء: 12 - الصفحة: 387

قال ابن المواز: والكراهية من قول مالك أحب إلينا إلا أن يأخذهما على غير إيجاب ولا على أن يشتريهما.
وفي الواضحة: ومن ابتاع حليًا بدراهم فلا يقوم إلى صراف ليريه ذلك وينقده، فإن نزل ذلك فهو مردود، وليس في الصرف مشورة ولا حوالة، وإن عجل قضاه.
[قال] ابن المواز: قال ابن القاسم عن مالك عن قوم اشتروا قلادة من ذهب وفيها لؤلؤ على النقد، فلم ينقدوا حتى فصلت، وتقاوموا اللؤلؤ وباعوا الذهب، فلما وضعوا أرادوا نقض البيع لتأخير النقد.
قال: لا ينتقض ذلك.
وقال ابن القاسم؛ لأنه باع على النقد ولم يرض بتأخيرهم إنما هو رجل مغلوب وكذلك عنه في العتبية، قال سحنون جيدة.
م قال بعض أصحابنا: وقد قيل يفسخ الأمر بينهم لأنه آل إلى التأخير المحرم.
م وقد قال ابن القاسم في كتاب محمد فيمن اشترى فصيلاً فاستغلاه فاستقال منه فلم يقله، فقال: لا تركته حتى يصير حيًا، فليرفعه البائع إلى الأمام

الجزء: 12 - الصفحة: 388

حتى يأمره بقصله، فإن تراخى حتى تحبب أو تحبب وهما في الخصومة فلا بيع بينهما.
قال أصبغ: ولو قضى عليه الإمام ثم لم يقصله حتى تحبب أو تحبب وهما في الخصومة فلا بيع بينهما.
م وقوله في مسألة القلادة يفسخ الأمر بينهما جار على قوله في مسألة الزرع وعلى قوله في مسألة الصرف لا يفسخ الأمر بينهم ينبغي ألا يفسخ الأمر بينهم في مسألة الفصيل، المسألتان سواء يدخلهما القولان.
م والصواب ألا يفسخ الأمر بينهم؛ لأن أصل البيع وقع على الصحة وإنما المبتاع استغلى فأراد بالتأخير فسخ البيع فوجب أن يُحرمه، لأن ذلك ذريعة إلى حل العقود اللازمة فلا، يريد من استغلى وندم في شرائه إلا أخر ذلك ليفسخه فوجب أن يُحرم ذلك كمنع القاتل الميراث والمتزوجين في العدة أن لا يتناكحان أبدًا، وقد قالوا فيمن تصدق عليه بصدقة فقام يطلبها فمنعه المتصدق من قبضها فخاصمه في ذلك فلم يقض للمتصدق عليه حتى مات المتصدق أو فلس ثم أثبت المتصدق عليه بذلك البينة أنه يقضي له بالصدقة ولا يدخل عليه الغرماء فيها، فكذلك ينبغي أن يمضي العقد بينهم، ولا يمكن هذا من فسخه فيكون ذريعة إلى من طلب فسخ عقد لزمه أن يفسخه وبالله التوفيق ..

الجزء: 12 - الصفحة: 389

وحكي لنا عن الشيخ أبي بكر بن عبد الرحمن القروي أنه قال: معنى مسألة القلادة هذه، أن الذهب فيها يسير تابع للحجارة فلذلك قال: لا يفسخ البيع، ولو كانت الحجارة يسيرة والذهب كثير لفسخ البيع، وكذلك تأولها غيره من حذاق أصحابه.
م وما ذكرناه أبين، ولو كانت العلة ما ذكروه لبينه مالك وابن القاسم.
فصل [6 - فيمن صارف رجلاً دينارًا بعشرين درهمًا فلما قبض الدينار تسلف العشرين ممن صرف له ثم دفعها له ونحوها] قال ابن القاسم: وإن صرفت من رجل دينارًا بعشرين درهمًا، فلما قبضت الدينار، تسلفت منه عشرين درهمًا ثم رددتها عليه في صرف ديناره لم يجز؛ فكأنك أخذت منه دينارًا في عشرين درهمًا إلى أجل، فقد كره مالك ما هو أبعد من هذا، فقال فيمن راطل رجلاً دنانير ناقصة بوازنة فلا خير في أن يصرف أحدهما من الآخر دينارًا مما أُخذ منه مكانه، ولا بعد يومين حتى يبعد ذلك، فكذلك لو صرف منه دراهم بدنانير ثم ابتاع منه دراهم غير دراهمه وغير عيونها -يريد أنقص أو أوزن- قال: وكذلك إن قضاك غريمك دينًا فلا تعده إليه مكانك سلمًا في طعام أو غيره، وكذلك لو أسلمت إليه دنانير في طعام ثم قضاكما بحدثان ذلك من دين لك عليه بغير شرط لم يجز، ويكره ذلك كله بحدثانه كمسألة الصرف.

الجزء: 12 - الصفحة: 390

م واعتبار فساد هذه المسائل بين، وهو أن يجعل كل من خرج من يده شيء فعاد ليه مكانه أو بالقرب لغوًا كأنه لم يخرجه من يده، ثم ينظر إلى ما يصح من فعلهما بعد ذلك، فإن كان ذلك صوابًا أمضيته وإن كان حرامًا نقضته حماية أن يكون قصدا ذلك، فتجده في مسألة الصرف قد رد العشرين درهمًا التي تسلفها إلى مخرجها فصارت لغوًا كأنها لم تقبض، وصح من فعله أن قبض دينارًا في عشرين درهمًا إلى أجل، وكذلك تجده في مسألة الصرف الثانية قد رد إليه دنانيره فصارت لغوًا، وصح من فعله أنه ابتاع منه دراهم من غير عيون دراهمه أقل من دراهمه أو أكثر، وتجده في مسألة المراطلة قد رد بعض ما راطله به فصار لغوًا، وصح من فعله أنه دفع دنانير ودراهم في دنانير، وتجده في مسألتي السلم أن قضاءه للدين صار لغوًا لرجوعه إلى مخرجه، وصح من فعلهما أنه فسخ دينه فيما لا يتعجله.
ومن المدونة قال ابن أبي سلمة: وإذا أردت أن تبيع ذهبًا نقصًا بوازنة فلم تجد من يراطلك، فبع نقصك بورق ثم ابتع بالورق وازنة، ولا تجعل ذلك من رجل واحد فإن ذلك ذهب بذهب وزيادة.
فصل [7 - فيمن اشترى سيفًا محري بفضة نصله تبع لحليته وكذلك الخاتم والمصحف المحلي ونحوها] قال ابن القاسم: ومن اشترى سيفًا محلى بفضة، كثير الفضة، نصله تبع لفضته بعشرة دنانير فقبضه ثم باعه مكانه من رجل إلى جنبه قبل النقد ثم نقد الثمن، فكان ينبغي أن لا يبيع السيف حتى يدفع الثمن، فأما إذا وقع ذلك ونقده

الجزء: 12 - الصفحة: 391

مكانه لم ينقض البيع، ورأيته جائزًا، وأما إن قبض المبتاع السيف وفارق البائع قبل أن ينقده فسد البيع، ثم إن باعه فبيعه جائز، ويضمن المبتاع الأول لبائعه قيمة السيف من الذهب يوم قبضه كبيع فاسد يقوت بالبيع ولو لم يخرج من يده لم تفته عنده حوالة الأسواق وله رده كالصرف، ولا يفيت الذهب والفضة تغير سوق، وإن أصابه عنده عيب فانقطع أو انكسر جفنه فعليه قيمته يوم قبضه.
م قال بعض أصحابنا: أراه يريد انكسر جفنه وانكسرت حليته، وأما إذا لم تنكسر الحلية، فقدر الجفن يسير، فلا يكون ذلك فوتًا، وسحنون لا يجعل ذلك فيه فوتا.
وقال: هذا من الربا وتنقض في البياعات كلها.
م وإنما أراد ابن القاسم والله أعلم أنه لما كانت الحلية مرتبطة بيه صار شبيهًا بالعرض.
فأفاته إذا دخله عيب وزاده مزية أنه لا يفيته حوالة الأسواق لكثرة ما فيه من الفضة، وقد قال سحنون: إذا باعه نقض بيعه ورده إلى ربه، وإن فاتت عينه رد وزن الفضة وقيمة النصل، وكذلك إذا انقطع أو انكسر جفنه فإنه يرد وزن الفضة وقيمة النصل والجفن.
وقال أبو محمد: كيف يرد وزن الفضة وهي مصوغة وقد يزاد في الثمن للصياغة؟.
م وحكى بعض أصحابنا عن بعض شيوخنا القرويين أنه قال في قول سحنون: ليس هذا أصلهم، لأنهم يقولون فيمن استهلك مصوغًا، كخلخالين ونحوهما: أنه يغرم القيمة فيهما، وكيف يقول سحنون يرد الوزن.
قال: وقول ابن القاسم في مسألة السيف لا يفيته حوالة الأسواق، يوضح أن قول ابن المواز في الحلي الجزاف

الجزء: 12 - الصفحة: 392

يباع بيعًا فاسدًا أن حوالة سوقه فوت، خلاف لقول ابن القاسم؛ لأن حلية السيف المرتبطة به جزاف ولا سيما وهي مربوطة بعوض.
ومن المدونة قال ابن القاسم: والسيف المحلي أو المصحف أو الخاتم إذا كان ما فيه من الفضة تبعًا، كالثلث فأدنى جاز بيعه بفضة نقدًا، وقد روى طاووس اليماني حديثًا للنبي -صلى الله عليه وسلم- في إجازة بيع السيف المحلي، فضته تبع لنصله بفضة.
وهو مما أبيح اتخاذه وفي نزعه ضرر، وكذلك المصحف والخاتم.
قال ابن القاسم: وإن كثرت الحلية وصار النصل تبعًا لم يجز بيعه بالفضة، ولا يجوز بيعه بفضه إلى أجل قُلتِ الحلية أو كثرت، ويجوز بيعه بذهب نقدًا قلت الحلية أو كثرت، فإن بيع السيف الذي فضته تبع بذهب أو بفضه إلى أجل، فسخ ذلك إن كان قائمًا، وإن فات بتفصيل حلية أمضيته؛ لأن ربيعة كان يجيز إذا كان ما في السيف أو المصحف من الفضة تبعًا له، أن يباع بذهب إلى أجل، وإنما كرهه مالك ولم يشدد فيه الكراهية وجعله كالعروض لجواز اتخاذه، ولأن في نزعه مضرة، وأخذ سحنون بقول ربيعة.

الجزء: 12 - الصفحة: 393

م قال بعض أصحابنا: وأراه يعني والله أعلم إذا كان يؤدي في تركيب الحلية ثمنًا، فلذلك جعله فوتًا، وأما إن لم يؤد في تركيبها ثمنًا لخفته، فليس ذلك بفوت مع أن الكراهية في ذلك ليست بالقوية.
قال سحنون: ولو استحقت الحلية وهي تبع لم ينقض البيع وإن لم يرجع بشيء إذ لا حصة لها من الثمن كمال العبد.
م وأنكره بعض القرويين.
م والفرق بينه وبين مال العبد، أن مال العبد إنما هو مشترط للعبد فهو تبع له لم يقع عليه ثمن، وحلية السيف ليست بمشترطة للسيف؛ لأن السيف لا يملك شيئًا، فقد وقع عليها حصة من الثمن وأبيحت إذ لا غنى للسيف عنها، وفيها مباهاة للجهاد، وقد أجازوا الصلاة بالكيمخت في السيف بخلاف كونه في غيره م وحكي لنا عن بعض شيوخنا القرويين أنه إنما يراعى في الحلية هل هي تبع أم لا؟ [أنه إنما يراعى في الحلية] وزنها لا قيمتها، كالقطع في السرقة وفي الزكاة إنما يراعى في ذلك الوزن، فكذلك هذا، وإن كان وزن الحلية مئة وقيمة النصل مئتين فهي تبع، وإن كان قيمة الحلية أكثر من مئة، فلا يراعى ذلك، وظاهر ما في الموطأ وكتاب ابن المواز خلافه، وإنما يجب أن يراعى في الحلية القيمة.

الجزء: 12 - الصفحة: 394

م وذلك أن من أصلنا أن نحرم بالأقل، فإن كانت القيمة أو الوزن غير تبع لم يجز، وأما السرقة والزكاة ففيها نصاب مقدر، فوجب مراعاة الوزن؛ لأن به وقع التقدير، فلو راعينا القيمة، وهي كالنصاب، والوزن أقل من النصاب، لأوجبنا الزكاة في أقل من النصاب، وذلك خلاف النص، ولقطعنا في أقل من ثلاثة دراهم وخالفنا النص، وقد قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم- «ادرؤا الحدود الشبهات» فأخذنا بالأوكد في ذلك وراعينا الوزن إذا كان أقل من ثلاثة دراهم، ولم يلتفت إلى القيمة وإن كان فيها ثلاثة دراهم.

الجزء: 12 - الصفحة: 395

وفي كتاب ابن المواز: قال مالك رحمه الله: وما حلي به السيف والمصحف والخاتم من الذهب فإن كان الثلث فأقل فلك بيعه بدنانير، وما حلي بالفضة يباع بالفضة على هذا لا تأخير فيه.
فأجاز في هذا أن يحلى السيف بالذهب.
قال بعض أصحابنا: وأظن في ذلك اختلاف في جواز أن يحلى السيف بالذهب، والكراهية في ذلك قول آخر في المذهب.
ومن الواضحة: وكل مفضض من الخواتم والمناطق والمصاحف والأسلحة فهو كالسيف، فإن كانت فضته تبعًا لثمن الجميع بيع بفضة نقدًا وإن لم يكن تبعًا بيع بذهب نقدًا، ويجوز بعرض نقدًا أو مؤجلاً، وكذلك كل ما فيه الذهب مركبًا من حلي النساء من التاج والقرق والنقارس والشوادر والخواتم والأخلة يباع ما ذهب تبع بذهب نقدًا، وما ليس بتبع بيع بفضة نقدًا أو بعرض نقدًا أو

الجزء: 12 - الصفحة: 396

مؤجلاً، وما كان ذهبه مع جوهره مجتمعًا بالنظم من العقود والأقرطة والقلائد، فلا يباع بذهب كان تبعًا أو غير تبع، ويباع بالورق نقدًا.
م أراه إنما فرق بين ذلك؛ لأن العقود وما شاكلها ليس في نزع جوهرها من ذهبها مضرة، فهو كأنه مميز عنه.
وأما التاج وشبهه ففي نزع بعض ذلك عن بعض مضرة فهو كالسيف، وينبغي أن يراعى فيما ليس في نزع جوهره عن ذهبه مضرة أن يكون ذهبه يسيرًا أو جوهره يسيرًا أقل من دينار لئلا يدخله البيع والصرف والله أعلم.

الجزء: 12 - الصفحة: 397

[الباب الثاني]

في الحوالة والوكالة في الصرف، وصرفك ممن له عليك أو لك عليه دين وصرفك ممن أستقرضت منه أو صرفت منه

[الفصل 1 - الحوالة والوكالة في الصرف وصرفك ممن له عليك أو لك عليه دين] ولما لم يجز في الصرف إلا المناجزة لم تجز فيه حوالة ولا وكالة لأنهما بفترقان قبل تمام القبض.
قال مالك رحمه الله: وإن صرفت من رجل دينارًا بعشرين درهمًا، فدفعت إليه الدينار واشتريت من رجل سلعة بعشرين درهمًا، وأمرت الصراف أن يدفع الدراهم أو نصفها إلى غريمك وقبضت أنت ما بقي، وذلك كله معًا، لم ينبغ ذلك حتى تقبضها أنت منه ثم تدفعها إلى من شئت، لأنكما افترقتما قبل تمام القبض.
قال ابن المواز: قال أشهب: ولا ينبغي ذلك فإن فعلا ولم يفارقه حتى قبضها المأمور ولم يفسخ، فإن افترقا فسخ الصرف، ابتعت السلعة قبل الصرف أو بعده.

الجزء: 12 - الصفحة: 398

ومن المدونة قال مالك: وإن وكلت رجلاً يصرف لك دينارًا فلما صرفه أتيته قبل أن يقبض فأمرك بالقبض ثم قام وذهب، فلا خير في ذلك.
قال مالك: ولا يصلح للرجل أن يصرف ثم يوكل من يقبض له ولكن يوكل من يصرف له ويقبض.
ومن سماع أشهب قال مالك: ومن وكل على صرف دنانير فعرضها وصرفها من نفسه ثم علم ربها فلا خير فيه، أرأيت إن لم يرض، وكأنه صرف فيه خيار.
قال مالك: ومن لك عليه دراهم فقلت له صرفها لي بدينار وجئني به لم يجز.
قال ابن القاسم: وكأنك فسختها عليه في دينار لا يتعجله فصار صرفًا مستأخرًا أو أخرته بالدراهم إلى أن يشتريه لك فيصير سلفًا جر منفعة، وكذلك إن أمرته ببيع طعام لك عليه من بيع قبل أن تقبضه منه فباعه بدراهم، ورأس مالك في دنانير، أو باعه بدنانير ورأس مالك فيه دراهم فإنه يدخله تأخير الصرف، وإن باعه بصنف رأس المال أزيد أو أنقص دخله الربا وبيع الطعام قبل قبضه في ذلك كله.
م قال بعض أصحابنا وينبغي إذا باع له الطعام الذي في ذمته أو صرف له الدراهم التي في ذمته وثبت ذلك ببينة أن يكون له أجر المثل فيما تولى كإجارة فاسدة، وتبرأ ذمة الغريم لوضاع ما اشتراه؛ لأنه لما تصرف فيه بإذنه صار كوكيله وصار ما عليه كالمقبوض، ومثل هذا في المدونة وغيرها فيما ينتقل من ذمة إلى أمانة.
م انظر قوله وتكون له إجازة المثل فيما تولاه وهو لم يستأجره على ذلك، وإنما سأله أن يصرف له أو يبيع له الطعام، فلا شيء له في ذلك إلا أن يكون مثله ممن لا يتولى شيئًا من ذلك إلا بإجارة، ويطلب ذلك، فيكون له أجر مثله

الجزء: 12 - الصفحة: 399

إذا لم يعاقده على معلوم.
قال في باب بعد هذا: ولو كان له عليك دراهم فلا يعجبني أن تعطيه دينارًا يصرفه لك ويستوفي دراهمه، وأخاف أن يحبسه فيصير مصرفًا من نفسه.
قال ابن القاسم: وكذلك إن دفعت إليه فلوسًا ليصرفها ويستوفي حقه منها فهو مكروه.
قال ابن المواز: إذا دفع إليه دينارًا ليصرفه ويستوفي دراهمه فليرد مثل الدينار ويطلبه بمثل دراهمه إلا أن يكون له بينة، احضرهم على صرفه عن الدافع واستوفى دراهمه ولم يصرفه من نفسه فيجوز ذلك.
قال ابن القاسم عن مالك: ولو كان له عليك نصف دينار فأعطيته دينارًا فقلت له صرفه واستوف حقك وجئني بنصفه فكرهه مالك ثم أجازه، وبإجازته أخذ ابن القاسم، ولو كان له عليك دراهم لم يجز، قال: وهذا في الدينار وأما فيما كثر فلا خير فيه.
ومن المدونة: قال مالك ولو كان له عليك ألف درهم إلى أجل، فلما حل الأجل دفع إليك عرضًا أو طعامًا وقال لك بعه واستوف حقك جاز إلا أن يعطيك سلعة من صنف ما بعت منه بدينك، وهي أفضل فلا يجوز، وأما إن كانت

الجزء: 12 - الصفحة: 400

مثلها في الصفة والجودة أو أدنى جاز إذ لا تهمة في هذا.
فصل [2 - الصرف والمقاصة فيه] قال مالك رحمه الله: وإن صرف رجل منك دينارًا فلما وزنت له الدراهم وقبضها أراد مقاصتك بدينار له عليك، فإن رضيت جاز وإن لم ترض غرم لك دينار الصرف، وطالبك بديناره.
قال ابن المواز في الرابع من البيوع: وقال أشهب: للصيرفي أن يحبس هذا الدينار من ديناره على ما أحب صاحب الدراهم أو كره، وقد سمعت مالكًا يقول فيمن أخرج سلعة له ليبيعها فقال له رجل له عليه مال: يعني سلعتك، فقال: إني أخاف أن تقاصني وأنا محتاج إلى ثمنها، قال: لست مقاصك، فباعه على ذلك ثم أراد مقاصته وأبى البائع، فقال: أرى مقاصته عليه واجبة.
[قال] أصبغ وقال ابن القاسم وهذا حرام لا يحل.
قال ابن المواز: يريد ابن القاسم أنه إنما باعه على أن يؤخره بما عليه من الدين.
قال أصبغ: لا يعجبني ما قال ابن القاسم؛ لأنه لم يشترط له تأخيرًا مع البيع ولكن أرى أن يدفع له ثمنها ويقوم مكانه عليه بحقه في ذلك الثمن بعينه وفي غيره.
قال ابن المواز: إن صح أمرهما ولم يعملا على تأخير الحق جاز ذلك، وكان له أن يحبس ذلك بحقه مقاصة كما قال أشهب عن مالك إلا أن يكون لهذا

الجزء: 12 - الصفحة: 401

البائع غرماء غير هذا فيمنعوه من ذلك، فإن لم يكن له غرماء كان له حبسه؛ لأني إن كلفته دفع ذلك إليه ثم حكمت عليه بأخذه منه مكانه لم أكلفه دفعه؛ لأنه ليس في دفعه منفعة ولا حبسه بحرام ولا في ذلك شيء، ولو كان حين باعه شرط عليه أن يؤخره بدينه وعملا على ذلك، كان حرامًا كما قال ابن القاسم؛ لأنه بيع وسلف.
فصل [3 - جعل بعض الصرف قضاء عن دين] ومن المدونة قال مالك: ومن لك عليه نصف دينار دراهم فصرف منك دينارًا ثم قضاك دراهمك مكانه أو أعطاك دينارًا لتأخذ نصفه قضاء من دراهمك وتعطيه بنصفه دراهم فلا بأس به.
م يجوز عندنا في الذهب والورق اقتضاء أحدهما من الآخر لحديث ابن عمر أنه قال: كنا نبيع الإبل بالبقيع فنأخذ مكان الذهب الفضة ومكان الفضة والذهب فسألنا رسول الله -صلى الله عليه وسلم- عن ذلك فقال «لا بأس إذا كان بسعر يومه».

الجزء: 12 - الصفحة: 402

ومن كتاب محمد: ومن له عليك نصف دينار من بيع أو قرض فصرفت من آخر نصف دينار ودفعت إليهما دينارًا [بينهما] لم يجز، وكذلك لو أن لرجلين عليك ثلثا دينار لكل واحد ثلث فدفع أحدهما إليك ثلث دينار دراهم ودفعت إليهما دينارًا ليكون هذا ثلثاه ولهذا ثلثه لم يجز، لأن كل واحد صرف منك ما لم يبن به وهو حول في الصرف، وكذلك لو كان قبض الدينار مصرف الثلث لم يجز، ولو صرفت ذلك الثلث منهما لجاز، قبضا الدينار أو قبضه أحدهما.
قال ابن المواز: إذا اشتركا في دراهم بقية الدينار قبل الصرف جاز ذلك، وكذلك لو أسلف أحدهما الآخر جزءه من الدراهم قبل دفعها، فأما بعد ذلك فلا يحل.
م لأن الشريكين كرجل واحد.
قال: ولو أن لك على رجلين ثلث ثلث أو ثلث ونصف أو ربع وربع فدفعت إلى أحدهما بقية الدينار دراهم وقبضت منه أو منهما دينارًا مكانك، فهذا جائز، كما لو كان لك على رجل نصف دينار فدفع إليك رجل عن ذلك، فكذلك مسألتك.

الجزء: 12 - الصفحة: 403

قال ابن المواز: لا يعجبنا قوله في أخذ الدينار من قابض الدراهم، وتحيله على صاحبه بالثلث، وكذلك لو دفعت عرضًا إلى دافع الدينار إليك في الثلث؛ لأن دافع الثلث يمكنه أن يزيده ليضمن عن الآخر الثلث الباقي، فيدخله ضمان يجعل، ولا يجوز ضمان مع صرف ولا مع بيع، ولو ضمن دافع الدينار ما على صاحبه قبل ذلك من غير شرط لجاز أن يدفع دينارًا ويأخذ ببقيته عرضًا أو ورقًا مكانه، وإن تأخر عليه على أنه ثلث دينار كما هو جاز ذلك.
قال: ومن لك عليه نصف دينار، فأعطاك دينارًا على أن تحيله على فلان بنصف ذلك، فذلك جائز؛ لأنك لم تأخذ منه ولم تعطه.
م يريد كأنه قضاك نصفًا عن نفسه ونصفًا قضاء عن فلان وأحلته به عليه.
قال ابن المواز: كما لو جعلت له النصف الباقي في سلعة ولو كان في ذلك زيادة درهم واحد من قابض الدينار لم يجز، قال ابن القاسم: ولكن لو كان على فلان ثلث وعلى هذا نصف، فدفعت أنت إلى هذا بالسدس ورقًا أو عرضًا وأحلته على فلان بالثلث، وأخذت منه دينارًا لم يجز وهي مثل مسألتك الأولى.
م ويحتمل أن يكون إنما فرق بينهما، فلأنه في المسألة الأولى: إنما قضاك عن صاحبه، ولم تسأله أنت ذلك ولا أحلته عليه فلذلك خففه.
وفي المسألة الثانية: إنما

الجزء: 12 - الصفحة: 404

دفع إليك الدينار وأخذ بقيته على إن أحلته على صاحبه، فلذلك لم يجزه والله أعلم.
قال محمد بن المواز: ويدخله في العرض أنه لم يرض بالحوالة إلا بما زاده في العرض، وإنما يجوز إذا لم يكن بينهما زيادة شيء مثل أن يعطيكه الذي لك عليه نصف دينار دينارًا على أن يجعل له النصف الباقي في سلعة معجلة أو مؤجلة موصوفة، وإنما كره ذلك في الحول أن يكوم معه شيء.
قال ابن المواز: ولو دفع إليه أحدهما دينارًا وإنما عليه ثلث وعلى صاحبه ثلث وسكت عن الثلث الباقي [و] لم يشترط فيه شيئًا فهو خفيف إن صحت نياتهما.
قلت وكيف قد علما أنه لابد من دفع الثلث الآخر إما دراهم أو سلعة؟ قال: لأنه لم يقع بيع وضمان ولا صرف ضمان ولا سلف وضمان، وقد لزم ضمان دافع الدينار قبل أن تقع مبايعة ولا صرف [ولا ضمان] ولو زاده قابض الدينار في الصرف أو في ثمن سلعة ما ضر ذلك؛ لأنه لو شاء لم يزده ولا يخرج مما لزمه من الضمان.

الجزء: 12 - الصفحة: 405

فصل [4 - فيمن استقرض دراهم من رجل ثم صرفها منه] ومن المدونة قال ابن القاسم وإن استقرضت من رجل دينارًا أو دراهم فلا تصرفها منه مكانك فيؤل إلى الصرف نظره؛ لأن دنانيره قد رددتها إليه، ودفع إليك دراهم يأخذ بها منك دنانيره عند محل أجل القرض، إلا أنه إن أقرضكها حالة أو إلى أجل فابتعت بها منه سلعة يدًا بيد فلا بأس به، وإنما أقرضها حالة فابتعت بها منه سلعة إلى أجل جاز أيضًا.
م يريد إذا رددت إليه قرضه مكانك أو بعد يوم أو يومين وإن تطاول لم يجز؛ لأن دراهمه التي أقرضكها قد رددتها إليه فصارت لغوًا كأنك لم تقبضها منه، وصح من فعلك أنك أسلمت إليه في سلعة إلى أجل ولم تدفع إليه رأس المال، وهو حال عليك، فإذا رددت إليه السلف مكانك أو مثل ما يتأخر إليه رأس مال المسلم جاز؛ لأنك إن قدرت أن ذلك ثم السلعة أو الدراهم الأولى هي ثمن السلعة كان ذلك جائزًا.
وقد قال محمد بن أبي زمنين في هذه المسألة: قوله إلى أجل صرف سوء، وقد ذكر بعض الرواة أن سحنون أمر بطرحه.

الجزء: 12 - الصفحة: 406

م وذلك لأنه يؤول إلى تأخير رأس المال، وقد اختلف في ذلك إذا تأخر رأس المال العين إلى الأجل نفسه أو إلى أجل بعيد، وإن لم يحل الأجل فعلى ما في كتاب السلم الثالث يفسخ السلم.
وله قول في كتاب محمد أنه لا يفسخ، ومسألة كتاب الصرف أخف؛ لأنه إنما حمل ذلك عليها للتهمة وأن ذلك يؤول إلى تأخير رأس المال ولم يصرحا بتأخيره فهو أخف وبالله التوفيق.
[فصل 5 - فيمن استقرض دراهم إلى أجل ثم ابتاع بها من مقرضه سلعة إلى أجل] ومن المدونة: قال ابن القاسم: ولو أقرضكها إلى أجل فابتعت بها منه سلعة إلى أجل لم يجز؛ لأن دراهمه قد رددتها إليه فصارت لغوًا، وصار له عليك دراهم إلى أجل بسلعة ولك عليه سلعة إلى أجل فذلك الدين بالدين.
قال ابن حبيب: وإن أقرضك طعامًا حالاً ثم بعته منه بثمن نقدًا أو مؤجلاً لم يجز.
م يريد لأن طعامه قد رجع إليه، ودفع إليك ثمنًا نقدًا أو مؤجلاً في طعام حال، فذلك من بيع ما ليس عندك إلى غير أجل السلم، ومن الدين بالدين في ثمن المؤجل.
م قال بعض أصحابنا: وينبغي أن لو كان عنده مثل ذلك الطعام أو أكثر منه أن يجوز ذلك؛ لأن الذي استقرض هو ملئ به فلا يدخل ذلك بيع ما ليس عندك.

الجزء: 12 - الصفحة: 407

م وهذا في نظر؛ لأننا نزلنا المسألة أن طعامه عاد إليه فصار لغوًا، ودفع إليه دنانير نقدًا أو مؤجلاً في طعام حال في الذمة لا في معين، فلا يراعى هل عنده طعام أم لا؟ ولو لزم هذا للزم أن يجوز السلم إليه في طعام الحال عليه موصوف إذا كان عنده مثله، وكذلك إن لم يكن عنده مثله وهو ملئ؛ لأنه بقدر أن يشتريه له من السوق، وهذا خلاف قوله -صلى الله عليه وسلم- «سلفوا في كيل معلوم ووزن معلوم إلى أجل معلوم» فانظر.
قال ابن حبيب: وكذلك إن أقرضكه إلى أجل لم يجز أن تبيعه منه بثمن إلى أجل.
م يريد لأن طعامه قد رجع إليه فصار لغوًا، وصرت بعت منه طعامًا إلى أجل بثمن مؤجل، وذلك الدين بالدين.
قال ابن حبيب: ويجوز أن تبيعه منه بثمن حال.
م يريد وتنقده مكانك أو بالقرب منه ويكون أجل الطعام مثل أجل السلم.

الجزء: 12 - الصفحة: 408

فصل [6 - في الرجل يصرف دنانير بدراهم من رجل ثم يصرفها منه بدنانير] ومن المدونة قال مالك رحمه الله: ولا يجوز أن تصرف دراهمك من رجل بدنانير ثم تبتاع منه بتلك الدنانير دراهم غير دراهمك وغير عيونها في الوقت أو بعد يوم أو يومين.
قال ابن القاسم: فإن طال الزمان وصح أمرهما فلا بأس به.
[قال] ابن المواز: قال أشهب: ولو كانت مثل عيون دراهمك التي دفعت سواء، لم يكن به بأس إذا لم يفترقا كانت أكثر أو أقل، فإن كانت مخالفة لعيونها فلا خير فيه على حال افترقا أو لم يفترقا إلا بعد طول الزمان الذي لا يتهمان فيه أن يكونا عملا لذلك.
م قال أبو محمد: انظر قوله إذا اختلفت العيون لم يجز.
ولعله يريد إذا اختلف الوزن أيضًا؛ لأنه أجاز ذلك مع اتفاق العين واختلاف الوزن، فكذلك يجوز مع اتفاق الوزن واختلاف العين، لارتفاع التهمة، لأنه أبدل جميعها كالمراطلة.
م قال بعض فقهائنا: إنما قال ذلك إذا رد إليه دنانيره وأخذ من خلاف عيون دراهمه أقل أو أكثر في المجلس أو بالقرب أنه لا يجوز؛ لأن دنانيره قد رجعت إليه وآل أمرهما إلى أن دفع إليه دراهم وأخذ منه دراهم خلافها أقل أو أكثر، فذلك

الجزء: 12 - الصفحة: 409

فضة بفضة غير متساوية.
ولو أخذ منه من هذه المختلفة مثل وزن دراهمه سواء قبل تفرقهما جاز كالمراطلة بها، فإن تفرقها أو كان أمرًا قريبًا كيوم أو يومين لم يجز؛ لأنه فضه بفضة غير يد بيد، فإن تباعد ذلك وطال الزمان جاز لارتفاع التهمة في ذلك وبعد ذلك بيعة حادثة.
م ويجوز عندي أن يعطيه بعد يوم أو يومين من هذه المختلفة مثل وزن دراهمه إذ لا تهمه في ذلك فبعد بيعة حادثة، فإن قيل إنها فضة بفضة غير يد بيد، قيل له يلزمك على ذلك وإن طال الزمان وأنت تجيزه في الطول لارتفاع التهمة، فكذلك بعد يوم أو يومين والله أعلم.
قال: وإن أخذ منه مثل عيون دراهمه أقل أو أكثر في المجلس جاز إذ لا يتهم أحد أن يدفع مئة ويأخذ خمسين من عيونها وإن كان ذلك بعد التفرق من المجلس أو بالقرب لم يجز أن يأخذ أكثر وهو كسلف بزيادة.
م فإذا رد إليه دنانيره بعيونها فلا بأس أن يأخذ منه بها أقل مما دفع إليه من الدراهم فيها، وإن كان بعد التفرق فلا يأخذ أكثر؛ لأنه سلف بزيادة.
وإن رد إليه مثل دنانيره بعيونها فلا يجوز أن يأخذ منه أكثر؛ لأنه سلف بزيادة وإن رد إليه مثل دنانير لا دنانيره بعينها، فهاهنا لا يأخذ منه مثل عيون دراهمه بعد التفرق لا أقل ولا أكثر؛ لأنه إن أخذ أكثر من دراهمه فقد أسلف قليلاً وأخذ كثيرًا، وإن أخذ أقل من دراهمه فقد ترك بقية دراهمه عوضًا مما أسلفه دافع الدنانير أولاً من الدنانير.

الجزء: 12 - الصفحة: 410

[الباب الثالث]

جامع مسائل مختلفة وصرف الدنانير المغتصبة أو الوديعة وتعدي المودع

[الفصل 1 - الصرف من النصارى والعبيد] قال ابن القاسم رحمه الله: ويجوز الصرف من عبدك النصراني كالأجنبي.
م قيل معناه بغير الدنانير المنقوشة كنقر الذهب والفضة فأما المنقوشة وفيها ذكر الله عز وجل فلا يصرفها من كافر كما نص عليه في غير هذا الموضع.
وكره ملك أن يكون النصارى صيارفة في أسواق المسلمين لعملهم بالربا واستحلالهم له، ورأى أن يقاموا من أسواقنا كلها.
[فصل 2 - فيمن اشترى بنصف درهم فلوسًا وبنصفه الآخر فضة ونحوها] قال: وإن اشتريت بنصف درهم فلوسًا وبنصفه الأخر فضة أو اشتريت بنصفه أو بثلثيه طعامًا وأخذت بباقيه فضه فذلك جائز، وإن أخذت بثلثه طعامًا وأخذت بباقيه فضة فمكروه وقال سحنون: لا يجوز.
م يريد سحنون: لا يجوز في الوجهين، لأنه الفضة بالفضة متفاضلاً.

الجزء: 12 - الصفحة: 411

م وإنما كرهه مالك إذا كانت الفضة أكثر، وجوزه إذا كانت أقل؛ لأن الطعام إذا كان هو الأكثر، علم أنه المقصود في الشراء، والفضة التبع، فأجازه للرفق بالناس وللضرورة التي تلحقهم إذ لا غنى لهم منه، وإذ لا يجوز كسر الدراهم، فأما إذا كانت الفضة أكثر فكأنها هي المقصودة، فتصير فضة وطعامًا بفضة.
م وهذا في بلد فيه الدراهم الكبار خاصة والخراريب الصغار أو الكبار أو الدراهم الكبار والصغار، فلا يكون عند المشتري إلا درهمًا كبيرًا يحتاج أن يشتري بنصفه طعامًا، وفي كسره ضرر فأبيح له أن يأخذ بنصفه طعامًا وبباقية فضة أو من هذه الخراريب الصغار للضرورة إلى ذلك، وأما في بلد الغالب فيه الخراريب الصغار، فلا يجوز أن يعطيه المشتري درهمًا كبيرًا ويأخذ منه بنصفه طعامًا وباقيه من الخراريب، ولو دفع درهمًا خراريب وأخذ بنصفه طعامًا وباقية خراريب لبان قبحه إذ لا ضرورة تلحقهما في ذلك.

الجزء: 12 - الصفحة: 412

قال ابن المواز: وكره مالك والليث أن يبتاع بثلث دينار قمحًا فيدفع دينارًا ويأخذ بالثلث، ويرد عليه صاحب القمح قطعة ذهب عينًا منقوشًا؛ لأنه ذهب بذهب وطعام.
فصل [3 - في الرجل يغتصب الدنانير فيصرفها قبل أن يقبضها] ومن المدونة قال ابن القاسم: ومن غصبك دنانير فجائز أن تصرفها منه بدراهم وتقبضها، ذكر أن الدنانير عنده حاضرة أو لم يذكر؛ لأنها في ذمته، ولو غصبك جارية جاز أن تبيعها منه، وهي في بلد آخر غائبة وينقدك الثمن إذا وصفها؛ لأنها في ضمانه، والدنانير في ذلك أبين.
قال سحنون لا يجوز له بيعها لأنه لا يدري ما باع، الجارية أو القيمة فإن اختار تضمينه القيمة يوم الغصب، كان له بيع تلك القيمة بما يجوز بيعها ولينتقد.
م ولأنه إذا أجاز بيع عينها وانتقد ثمنها فقد تكون هلكت قبل البيع فيلزم الغاصب قيمتها يوم الغصب ويمكن أن يكون ذلك أقل من الثمن الذي قبض فيها، فيجب عليه رد الزيادة فيصير بيعًا وسلفًا، ووجه قول ابن القاسم أنه لما كانت في ضمان الغاصب إن هلكت عند البيع جاز النقد فيها إذ لا يتقى فيها رد الثمن بهلاكها قبل العقد كما اتقى النقد في الحيوان الغائب؛ لأن ذلك إن هلك

الجزء: 12 - الصفحة: 413

قبل البيع وجب رد الثمن فيصير النقد حينئذٍ تارة ثمنًا وتارة سلفًا، وهذا لا يخشى رده؛ لأن هلاكها منه.
قال بعض فقهائنا القرويين: وإنما قال ابن القاسم والدنانير في ذلك أبين: إذ قد تكون الجارية هلكت قبل عقد البيع فلزم الغاصب قيمتها يوم الغصب، وقد تكون تلك القيمة أقل من الثمن الذي نقد فيها فيجب على ربها رد الزائد فلهذا قال: والدنانير في ذلك أبين، وأما إن كانت القيمة مثل الثمن فأكثر فلا فساد في ذلك ويطلبه ربها بزيادة القيمة والله أعلم.
قال بعض أصحابنا: قال ابن القاسم: يجوز بيعها منه إذا وصفها؛ لأنه كان ضامنًا ما أصابها بعد وجوب البيع بينهما أو قبل وجوبه؛ لأنه ضمنها بالغصب.
قال أبو القاسم بن الكاتب: قوله بعد الوجوب.
يريد لأنه بعد الوجوب مالكًا لها بالشراء فما أصابها فمنه وإن كانت غائبة؛ لأنها في يديه وليست كشراء الغائب، مذهبه فيه أن ضمانه بعد العقد من بائعه حتى يقبضه المشتري، وذكر ابن المواز أنه يجوز بيعها منه وينتقد ثمنها.
قال: ولو كانت وديعة لم يجز النقد إن بعدت، وما قاله سحنون فلا يلزم ابن القاسم؛ لأنه إنما باعها على أنها سالمة كبيع الغائب على أنه سالم وليست القيمة لازمة للغاصب إلا أن يختارها ربها، ومتى لم يخترها ورضى ببيع الجارية فذلك كاختياره ترك القيمة وطلبها، وعلى ما قاله سحنون يلزم أن لا يجوز له الرضا

الجزء: 12 - الصفحة: 414

يطلبها إلا بعد المعرفة بقيمتها؛ لأنها الواجبة له فتركها وأخذ جارية غائبة، فيصبر أيضًا كشراء الغائب بدين في ذمته، وقد اختلف في ذلك.
وقد قال ابن القاسم فيمن سرق شاة فذبحها ثم أتى ربها فصالحه على شاة حية أنه لا يجوز إن كان لحمها لم يفت؛ لأنه بيع الحيوان باللحم؛ لأنه لما كان لربها أخذ اللحم فجعله كأنه باعه بشاة وأن القيمة لا تترتب له على ذابحها ما دام اللحم قائمًا، وإنما تلزم الذابح باختيار ربها، وأن له أن يترك ويأخذ اللحم، وكأنه ابتداء بيع لهذا اللحم وعلى مذهب سحنون ينبغي له أن لا يجوز له أخذ شيء بدل تلك الشاة إلا بعد معرفتهما بقيمة تلك الشاة حية، كما قال في مسألة الجارية، بل هذه آكد لجواز أن تأتي الجارية قبل إلزام الغاصب قيمتها على حالها، فلا يكون له إلا أخذها وهذه لا تعود حية أبدًا، ويلزم على ما قال سحنون فيمن غصب جارية فباعها ثم هلكت أن لا يجوز لربها الرضى يثمنها إلا بعد المعرفة بقيمتها لأن القيمة هي التي كانت لازمة له بالغصب فليس ما أخذ من الثمن مزيلاً لتلك القيمة، وهذا لم يقله أحد.
م قال بعض القرويين: إذا باع الجارية من الغاصب وكان الذي تقوم به دنانير، فباعها منه بمثل القيمة فأقل نقدًا أو إلى أجل جاز، وإن باعها منه بخمسين ومئة لم يجز؛ لأنه متى ثبت هلاكها كلها ارتجع بعض المنقود، فيصبر ذلك تارة ثمنًا وتارة سلفًا وذكر وجوهًا من هذا.

الجزء: 12 - الصفحة: 415

م وهذا إنما يجري على قول سحنون الذي يراعي القيمة وأما على قول ابن القاسم فلا يراعي ذلك؛ لأنه إنما باعه نفس الجارية والله أعلم.
م ويحتمل أن يجري ذلك على قول ابن القاسم احتياطًا من هلاكها قبل البيع، فلا يكون له فيها إلا القيمة والله أعلم.
[فصل 4 - في صرف الدنانير المودعة أو الرهن وفي التعدي على الوديعة ببيع ونحوه] ومن المدونة قال ابن القاسم: ومن أودعته دنانير أو دراهم أو حليًا مصوغًا أو رهنته ذلك فلا يجوز أن تبيع منه شيئًا من ذلك بخلافه من ذهب أو فضة وهو في بيته؛ لأنه ذهب بفضة ليس يدًا بيد إلا أن يكون ذلك كله حاضرًا أو يقبضه فلا بأس به.
قال: ومن أودعته مئتي درهم ثم لقيته والدراهم في بيته فهضمت عنه مئة على أن أعطاك مئة من غيرها لم يجز، وإنما يجوز أن تأخذ منها بعينها مئة وتدع له مئة.
قال: وإن أودعته دنانير فصرفها بدراهم أو ابتاع بها سلعة فليس لك أن تأخذ ما ابتاع أو صرف، وإنما لك عليه مثل دنانيرك.

الجزء: 12 - الصفحة: 416

قال في كتاب ابن المواز: إلا أن يرضى المستودع بإسلافها فيجوز -يريد إن رضي ربها أيضًا-.
قال ابن المواز: ولو صرف الدنانير لربها لم يجز له الرضا بها؛ لأنها صرف فيه خيار ولكن تباع له بتلك الدراهم دنانير، فيستوفي منها دنانيره وما فضل فله؛ لأنها له بيعت، وإن كان أقل فعلى المتعدي.
قال ابن أبي زمنين: فينبغي على أصولهم أن يكون معنى مسألة الكتاب أنه صرف الدنانير لنفسه ولو كان إنما صرفها لربها لكان ربها مخيرًا في أن يضمنه مثل دنانيره أو يأخذ تلك الدراهم.
م وهذا خلاف ما تقدم لابن المواز.
قال بعض أصحابنا: والذي ذكره ابن أبي زمنين صحيح وهو مذهب المدونة، وقد قال في كتاب السلم الثاني: إذا وكل رجلاً يسلم له دنانير في طعام فصرفها بدراهم ثم أسلم ولم يفعل ذلك نظرًا ولو لوجه يوجب ذلك أنه إن قبض الطعام جاز أن يأخذه منه، فهذا يدل على خلاف ما قال ابن المواز، ولا فرق بين أخذه الدراهم التي أعتاضها من الدنانير ولا بين الذي أخذه عوضًا من الدراهم وهو الطعام؛ لأن في أخذه الطعام إجازة لما اعتاض من الدراهم ورضًا بما صنع.
وفي كتاب السلم الثاني أيضًا مسألة الذي أمره أن يبيع له سلعة أو طعامًا، فباعه بطعام أو غيره فأجاز له أن يأخذ العوض، وفي السؤال أنه طعام باعه بطعام لربه فلم يجعله طعامًا بطعام فيه خيار كما قال محمد.

الجزء: 12 - الصفحة: 417

وقد قال غير واحد من القرويين أن قول ابن المواز خلاف للمدونة بدليل ما ذكرناه فاعلم ذلك.
واعترض بعض الفقهاء قول محمد إذا صرفها لربها أن تباع الدراهم بدنانير، فما زاد فلربها، قال: لم يجز له أخذ الدراهم وأجاز له أخذ ربحها وهذا فيه نظر.
قال بعض أصحابنا: ومعنى قول ابن المواز أنه أضمر في نفسه أنه يصرفها لربها بغير إذنه، وأما لو عقد مع الصراف أنه يصرفها لربها بغير إذنه لفسخ ذلك ولم يجز على حال.
ومن المدونة قال: وإن أودعته حنطة فاشترى بها تمرًا فلك أن تجيز بيعه وتأخذ التمر، وكذلك إن أودعته عرضًا أو طعامًا فباعه بعرض أو طعام أو عين، كنت مخيرًا في أخذ ما باعه به أو المثل فيما يقضى بمثله أو القيمة فيما لا مثل له.
قال ابن المواز عن أشهب في البيوع الثاني: إن أودعته قمحًا فباعه بتمر لربه لم يجز له الرضا به؛ لأنه طعام بطعام فيه خيار.
[قال] ابن المواز: وهذا بين صواب، وأرى أن يشتري بالتمر قمحًا فإن كان أكثر من قمحه الأول فهو لصاحب القمح؛ لأنه له اشتراه لا لنفسه.

الجزء: 12 - الصفحة: 418

قال بعض أصحابنا: وهذا أيضًا خلاف للمدونة كما قدمناه، ومعناه أنه لم يعقد ذلك مع الذي ابتاع منه التمر كما ذكرنا في الصراف، ولو عقد ذلك معه لفسخ على كل حال؛ لأنه باع طعامًا بطعام على خيار ويرد الثمن لصاحبه ويرجع عليه بما دفع إليه من الطعام، وهذا بين فاعلمه.
قال أشهب: وإن باعه بتمر لنفسه، فربه بالخيار في الرضا بالتمر أو أخذه بمثل القمح.
م قال بعض أصحابنا القرويين: الفرق بين أن يودعه دنانير فيشتري بها طعامًا أو عرضًا أنه ليس لربها أن يأخذ ما ابتاع به دائمًا له مثل دنانيره وبين أن يودعه عرضًا أو طعامًا فيبيعه بدنانير أو طعام أو عرض، أن رب ذلك مخير في أخذ مثل طعامه أو قيمة عرضه أو ما باع به ذلك، أن المبتاع بالدنانير إنما ابتاع على ذمته فلا يسقط استحقاق عينها ما لزم ذمته.
م فصار ما ابتاع بها ليس بمثمون لها على الحقيقة إنما هو مثمون لها في ذمة المشتري، فلذلك لم يكن لرلها أخذ العرض المشترى بها، وأما العرض فهو مما يبتاع لعينه، ألا ترى أنه إذا استحق انتقض البيع، فصار لعين عرضه حق

الجزء: 12 - الصفحة: 419

لما ابتيع به، فلذلك كان ربه أولى بما ابتيع بعرضه.
م ولأنه إذا أخذ عرضه انتقض البيع، فله أن يبقيه فيتم له البيع، وإذا أخذ العين لم ينتقض البيع ورجع على المبتاع بمثله فلذلك كان أولى بمثمونه، والله أعلم، وبالله التوفيق.
[فصل 5] في من ابتاع سلعة بدينار إلا درهمًا أو إلا خمسًا أو ربعًا قال مالك رحمه الله: ومن اشترى سلعة بعينها بدينار إلا درهمًا، فإن كان ذلك كله نقدًا فلا بأس به، وإن تأخر الدرهم إلى أجل وتناقدا الباقي أو كانت السلعة إلى أجل والدرهم إلى أجل والدينار نقدًا لم يصلح أيضًا.
وروى ابن عبد الحكم أيضًا أن مالكًا أجازه إذا كان الدينار نقدًا، قال ابن القاسم: ثم كرهه بعد ذلك، وإنما أرخص في هذا في صكوك الجار يشتري الرجل الطعام بدينار إلا درهمًا أو بدينار إلا درهمين ينقده الدينار ويأخذ الطعام والدرهم بالجار.
ومن المدونة: قال ابن القاسم: وإن تناقدا الدينار والدرهم وتأخرت السلعة لم يصلح أيضًا عند مالك.
قال ابن المواز: إلا أن يتأخر الثوب لمثل خياطته وحتى يبعث في أخذه وهو ثوب بعينه فلا بأس به.

الجزء: 12 - الصفحة: 420

ومن المدونة: وروى أشهب عن مالك أنه جائز لأنه لم يرد به الصرف.
م يريد إذا كانت السلعة معينة ويقبضها إلى مثل يوم أو يومين، أو كانت السلعة موصوفة وتأخرة إلى مثل آجال السلم قال أشهب: وإذا كان الدرهم مع الدينار معجلاً أو مؤجلاً فهو سواء.
[وقال] ابن وهب: وقاله سالم في بيع صكوك الجار بدينار إلا درهمًا يتعجل الدينار ويدفع الدرهم نقدًا وتيأخر الصك.
قال ابن القاسم: وإن تأخر الدينار والدرهم إلى أجل وعجلت السلعة فجائز.
[قال] ابن المواز: ولم يختلف في هذا قول مالك وأصحابه.
م قال ابن الكاتب: فإذا حل الأجل لم يجز للبائع أن يدفع الدرهم ويأخذ الدينار، وإنما ينظر إلى صرف الدينار فيحط منه درهم ثم يدفع إلى البائع باقيه.
م وذكر أن بعض شيوخه قال ذلك.
م وظاهر الكتاب أنه يجوز أن يدفع الدرهم ويأخذ الدينار وعلى هذا جرت هذه المسائل والله أعلم، ويدل على ذلك إذا تناقدا الدينار والدرهم؛ لأنه كان أيضًا ينظر إلى الصرف فيحط منه درهمًا وينقده باقيه، فيصير كأنه اشترى السلعة المؤجلة بدراهم فيجوز بإجماع، وإنما وقع الاختلاف؛ لأنه يدفع الدينار ويأخذ الدرهم فكذلك هذا والله أعلم.

الجزء: 12 - الصفحة: 421

قال ابن القاسم في المدونة: وكذلك إن اشتراها بدينار إلا درهمين في جميع ما ذكرنا.
م واختصار ما في المدونة أنه إن كان أحد العينين مؤجلاً لم يجز بإجماع وإن تأخرا جاز بإجماع، واختلف إذا عجلا أو تأخرت السلعة فأجازه في رواية أشهب، ولم يجز في رواية ابن القاسم.
ووجه رواية ابن القاسم في ذلك أنه إذا تأخر أحد العينين لم يجز؛ لأنه الذهب بالورق إلى أجل، وإن تناقدا الدينار والدرهم وتأخرت السلعة لم يجز أيضًا، لأن السلعة التي مع الدرهم كبعض الدرهم، فتأخرها كتأخير بعض الدرهم، ولأنهما كأنهما قصدا إلى الصرف بتعجيلهما إياه فصار صرفًا فيه سلعة تأخرت وإن تعجلوا السلعة وتأخر الدينار والدرهم فكأنهم إنما قصدوا البيع لتعجيلهم له، ولم يقصدوا الصرف لتأخيرهم له والله أعلم.
ومن المدونة: وإن كانت بدينار إلا ثلاثة دراهم لم أحب ذلك إلا نقدًا، وجعل ربيعة الثلاثة كالدرهمين.
ولم يجز مالك الدرهم والدرهمين إلا زحفًا.

الجزء: 12 - الصفحة: 422

فأما بدينار إلا خمسة دراهم أو عشرة فيجوز ذلك كله نقدًا، ولا ينبغي التأخير في شيء منه للغرر فيما يغترق ذلك من الدينار عند الأجل إن حال الصرف.
[قال] ابن المواز: قال ابن القاسم: إنما يجوز ذلك في بيعه النقد في أقل الدينار وهو مثل أن يشتري بثلثي دينار أو ثلاثة أرباع دينار سلعة نقدًا فيدفع الدينار ويأخذ فضله ورقًا، فإن كان الورق أكثر من الدينار فقد كرهه مالك وغيره؛ لأن الصرف لا يكون مع شيء من الأشياء.
قال ابن المواز: ولو وقع البيع بدينار إلا درهمين فأخذ الثوب والدرهمين ودفع الدينار وافترقا، ثم وجد أحد الدرهمين رديئًا فقال مالك: يبدله ولا ينتقض الصرف؛ لأن الدرهمين هاهنا تبع وليس بصرف، واحتج في هذا بصكوك الجار، وقال عنه ابن وهب: أن البيع ينتقض وخالفه بعض جلساته في هذا ولم يربه بأسا.
ومن المدونة: قال مالك: وإن ابتعت سلعة بخمسة دنانير إلا درهمًا أو إلا درهمين فنقدت أربعة دنانير وتأخر الدينار الباقي والدرهم، أو نقدته الدينار وأخذت الدرهم وأخرت الأربعة لم يجز ذلك إذ للدرهم في كل دينار حصه.
قال ابن المواز: ولو كانت السلعة بعشرة دنانير إلا عشرة دراهم لم يجز إلا نقدًا كله.
وقال ابن القاسم عن مالك في المستخرجة.

الجزء: 12 - الصفحة: 423

ومن المدونة: ولو ابتعتها بخمسة دنانير إلا ربعًا أو خمسًا جاز تعجيل أربعة وتأخير الدينار الباقي حتى يأتيك بربع أو خمس وتدفع إليه الدينار، وكذلك إن تأخرت الأربعة ودفع دينارًا وأخذ أربعة أو خمسة مكانه دراهم، فلا بأس به لأن الجزء من الدينار لا يجري في سائرها والدرهم يجري في سائرها فافترقا.
وفي الدمياطية قال ابن وهب: سألت مالكًا عن الرجل يبيع الثوب بدينار إلا سدسًا فكرهه، وقال: هذا لا يدري ما يعطيه ويراه من الغرر حتى يبين ما يعطيه، قيل: فإنه يشترط عليه أن يعطيه دراهم بصرف الناس؟.
قال هذا أشد، الدراهم تزيد وتنقص، قال ابن وهب: ثم رجع مالك فأجازه.
م وحكى عن أبي محمد أنه قال: الذي يجب إذا باع السلعة بخمسة دنانير إلا سدسًا أن يقع البيع بأربعة دنانير وخمسة أسداس دينار فإذا تشاحا في الخمسة أسداس، قضي على المتباع بخمسة أسداس دينار دراهم بصرف الناس يوم القضاء.

الجزء: 12 - الصفحة: 424

قال: وعلى هذا مدار الكلام في هذا الأصل إلا ما كرهه مالك من هذا فإنه اختلاف من قوله.
[فصل 6 - فيمن ابتاع سلعة بدينار إلا فقزًا] ومن المدونة قال مالك: ومن باع السلعة بدينار إلا قفيز حنطة نقدًا، جاز كان الدينار نقدًا أو مؤجلاً، وكأنه باع السلعة وقفيز حنطة بدينار، هذا إن كان القفيز والسلعة عنده وإلا لم يجز، وكان ذلك من بيع ما ليس عندك، ومن وجه العينة المكروهة.
قال مالك: وإن ابتاع سلعة وقبضها بثلثي دينار فقال له بعد تمام البيع: هذا دينار استوف منه ثلثيك وامسك ثلثي عندك أنتفع به فلا بأس به إذا صح ذلك ولم يكن بينهما في ذلك شرط عند البيع ولا عادة ولا إضمار.
م يريد والعادة والاضمار كالشرط ويدخله في ذلك البيع والسلف كأنه ابتاع منه سلعة بثلثي دينار على أن يدفع إليه دينارًا، ثلثيه ثمنًا للسلعة، وثلثه سلفًا للبائع وهذا بين.
قال ابن المواز: ولا بأس أن يجعل باقيه في سلعة إلى أجل.
يريد محمد عندما دفعه إليه.

الجزء: 12 - الصفحة: 425

م لأنه إن جعله في سلعة بعد أن أبقاه عنده فذلك فسخ دين في دين، وإذا كان ذلك في حين الدفع، فهو إنما دفع ثمن الأولى، واشترى بالبقية سلعة إلى أجل فذلك جائز، فإن أبقى البقية دينًا فلا يأخذ به إلا ما يتعجله.
قال ابن المواز: عن ابن القاسم: ما لم يكن النصف أو الثلثان دينار دراهم أسلفه إياها أو كان نصف دينار ذهبًا مضروبًا.
م فيصير المسلف دفع ثلثي دينار دراهم أو نصف دينار ذهبًا وسلعة مؤجلة في دينار مؤجلاً، فلا يجوز.
قال ابن المواز: وأما من ثمن سلعة فلا بأس به إن حل الأجل أو كان حالاً وإن لم يحل لم يجز، وكان بيعًا وسلفًا وضع وتعجل.
م فوجه البيع والسلف أنه باع منه السلعة الآخرة على أن عجل له ثمن السلعة الأولى فذلك سلف يقبضه المبتاع من نفسه إذا حل الأجل.
ووجه ضع وتعجل أن تكون السلعة الآخرة تسوى أكثر مما نقد فيها، فقد حطه بعض ثمنها على أن عجل له ثمن الأخرى.
قال ابن المواز: قال ابن القاسم عن مالك: ومن لك عليه نصف دينار لم يحل، فلا تأخذ به دراهم، ولا يجوز أن تعطيه نصفًا آخر وتأخذ دينارًا، وإن دفعت إليه عرضًا فجائز وكرهه ابن القاسم، وهو أحب إليّ؛ لأن تعجيل الحق سلف قارنه بيع، وأرى مالكًا إنما استخفه لقلة ثمنه.

الجزء: 12 - الصفحة: 426

قال مالك: ومن له على رجل إردب حنطة إلى أجل من قرض فباعه منه قبل الأجل بدينار إلا درهمًا، فقبض الدينار ودفع إليه الدرهم مكانه فلا يعجبني.
وقال ابن القاسم: لا بأس به وإن كثرت الدراهم، [قال] محمد: وقول مالك أقيس.
قال مالك: وإن حل الأجل فجائز.
[قال] محمد: وهذه كمسألة من ابتاع سلعة مؤجلة بدينار إلا درهمًا نقدًا فلم يجزه ابن القاسم وأجازه اشهب.
[فصل 7 - فيمن يشتري ببعض دينار شيئًا لا يقبضه ويأخذ باقيه ورقًا وحكم النقد المعيب في الصرف] ومن المدونة قال يحي بن سعيد: لم أزل أسمع أنه يكره أن يبتاع الرجل ببعض دينار شيئًا، ويأخذ بفضله ورقًا، ويترك ما ابتاع حتى يعود في يوم آخر فيأخذه؛ لأن ذلك يراه صرفًا.
م قال ابن المواز: قال مالك: ولو ابتاع بنصف دينار قمحًا فدفع دينارًا وقبض نصف دينار دراهم مكانه، ومضى ليأتي بحمال فلا خير فيه، عقدا على الصرف أو كان ذلك بعد التواجب، وكذلك إن كان ثوبًا فتأخر قبض الثوب لم يجز، ولو دفع الدينار وتعجل الثوب والنصف دينار الدراهم جاز.

الجزء: 12 - الصفحة: 427

قال مالك: ثم إن وجد بالثوب عيبًا أو درهمًا زائفًا انتفض كل ما بينهما من بيع وصرف إن أحب الرد.
م لأن الدراهم في هذه المسألة ليست بتبع فهي بخلاف من ابتاع سلعة بدينار إلا درهمين، فيجد بأحد الدرهمين عيبًا فهذا قد أجاز البدل فيه على قول؛ لأن الدرهمين تبع.
م [قال]: ابن المواز: قال مالك: وكذلك إن وجد قابض الدينار به عيبًا فرده.
م قال ابن المواز: إن وجد في الدراهم درهمًا رديئًا لم ينتقض إلا صرف الدراهم وحدها إلا أن يكون اشترى الدراهم والثوب في صفقة واحدة، فينتقض الجميع، وعلى هذا كان الجواب الأول إن شاء الله والله أعلم.
م يريد محمد؛ لأن البيع أولاً إنما وقع بنصف دينار ثم بعد ذلك تصارفا فهي صفقة ثانية، فإذا انتقض الصرف بوجود الزائف بقى البيع الأول بحاله؛ لأنه لم يكن بينهما فيه صرف، ولو كان إنما باعه الثوب وعشرة دراهم بدينار في صفقة واحدة لانتقض الجميع بوجود درهم زائف.

الجزء: 12 - الصفحة: 428

م قال ابن المواز: ولو أخذ الثوب بأقل من دينار فدفع دينارين وأخذ الثوب ودراهم معه ثم وجد درهمًا رديئًا فليرد من الدراهم تمام صرف دينار ويرتجع دينارًا.
م كما لو صرف الدينارين بدراهم فوجد درهمًا زائفا لانتقض صرف دينار.
قال: وإن كان العيب بالثوب رده ورد معه تمام صرف دينار وأخذ دينارًا.
م لأن برده للثوب وجب رد ما يخصه من الدينار وكأن بعض الدينار استحق، فوجب نقض الصرف فيه.
قال: وإن كان الثوب بأكثر من دينار وإن بخروبة واحدة انتقض الجميع، وإن فات الثوب فلا يأخذ قيمة عيبه ولكن يرد قيمته ويرد معه تمام صرف دينار واحد ويأخذ دينارًا واحدًا وإن كان قيمته أكثر من دينار انتفض الجميع ورد قيمته مع الدراهم وأخذ ديناريه، وهذا في قوته بقطع أو تلف ولا يفيته حوالة سوق وليرده.
م يريد لأن العيب لا يفيت رده حوالة الأسواق.
قاب ابن المواز: فإن وجد درهمًا زائفًا وقد تغير سوق الثوب، وقيمته أكثر من دينار، فهذا يرد قيمته مع الدراهم ويأخذ ديناريه.

الجزء: 12 - الصفحة: 429

م وإنما انتفض البيع؛ لأن دينار الصرف قد وجب رده لانتقاض الصرف بوجود الدرهم الزائف، وبعض الدينار ثمن لبعض الثوب فوجب أن ينتقض من الثوب ما قابل ذلك البعض، فكان بعض ثمن الثوب استحق، فوجب رد جميع الثوب إن كان قائمًا لضرر الشركة فيه، فإن فات بحوالة سوق فأعلى رد قيمته كما لو بيع بعرض فاستحق العرض.
م قال ابن المواز: فإن كان أحد الدينارين رديئًا فليردهما ويأخذ ثوبه كان أقل من دينار أو أكثر ويأخذ دراهمه، فإن فات الثوب هاهنا بتغير سوق رد قيمته مع الدراهم.
وذكر ابن حبيب [في] هذه المسألة من أولها مثل ما ذكر محمد إلا أنه قال: إذا وجد درهمًا رديئًا وقد ابتاع سلعة ودراهمًا بدينارين، فليرد مع الدرهم الرديء تمام صرف دينار من الدراهم قال: وإن كان فيها أكثر من صرف دينار على قول من يجيز الصرف والبيع، فليرد جميعها مع العرض ويأخذ ديناريه.
م وهذا خلاف ما تقدم لمحمد.
قال: وإن كانت الدراهم أقل من صرف دينار ردها مع تمام دينار من العرض أن تبعض، وإن كان لا يتبعض رد جميعه وانتقض البيع كله.

الجزء: 12 - الصفحة: 430

م انظر قول ابن حبيب على قول من يجيز البيع والصرف وقد أصل من لا يجيز البيع والصرف أن السلعة التي مع الدراهم أو الدنانير إن كانت تبعًا -يريد أقل من دينار- جاز البيع والصرف، وفي مسألتنا هذه إن كانت الدراهم أكثر من صرف دينار، فالسلعة تبع وهي أقل من دينار، فيجب أن يجوز، وإن كانت الدراهم أقل من صرف دينار فذلك أيضًا جائز وإن كثرت السلعة، هذا وهو يُحكى عنه أنه يجيز في البيع والصرف أن تكون الدراهم صرف دينار فأقل.
م فيفهم من قول ابن حبيب هذا أن من لا يجيز البيع والصرف، يراعى أن تكون السلعة التي مع الورق والذهب تبعًا، تكون الثلث، ويكون مع ذلك قيمتها أقل من صرف دينار، خلاف ما يحكى عن ابن مناس في هذا.
قال ابن المواز: [قال مالك]: ومن أكترى دابة بنصف دينار فلا بأس أن يدفع دينارًا ويأخذ من المكري نصفًا دراهم، أو يدفع الراكب النصف دراهم إن كان الكراء على النقد أو شرطاه، وإلا لم يجز.
قال: وإن اكترى الدابة بدينارين إلا ثلثًا، فنقد الدينارين وأخذ الثلث دراهم من المكري في العقد فكرهه مالك ثم أجازه وأجازته أحب إلينا وأجازه ابن القاسم في العتبية.

الجزء: 12 - الصفحة: 431

قال مالك: ولو هلكت الدابة ببعض الطريق فليرد المكري الدينارين ويأخذ دراهمه ثم يحاسبه بحصة ما ركب من حساب ما أكرى منه، كعبد بيع بعشرة دنانير إلا ثلثًا فنقد العشرة وأخذ منه الثلث دراهم ثم رد العبد بعيب.

الجزء: 12 - الصفحة: 432

[الباب الرابع]

جامع بقية البيع والصرف وشرح مسألة ابن المسيب

[الفصل 1 - ما لا يجوز أن يقارن الصرف من بيع وغيره] ونهى أهل العلم عن البيع والصرف ورأوه من الذرائع إلا ما استخفوه مما يبعد عن الصرف لقلته.
قال ربيعة: ومن كروهه أنه إن وجد عيبًا بالسلعة انتقض الصرف.
قال ابن الكاتب: فصار كأنه اصطرف، على أن له نقض الصرف متى وجد بالسلعة التي معه عيبًا، فدخل في ذلك نقض الصرف من أجل غيره لا من أجل نفسه وهو مخصوص بحكم المنع من التأخير.
قال: وانظر لو اشترى قمحًا وسلعة بتمر هل يجوز؟ ومعنى انتقاض الصرف بوجود عيب في السلعة التي معه، يدخل في وجود عيب في السلعة التي مع أحد الطعامين.
قال أبو بكر الأبهري: معنى ذلك والله أعلم أنه يؤدي إلى الصرف بنسيئه من قِبَل أن الاستحقاق إذا وقع في السلعة المقرونة إلى الصرف فقط الثمن على المبيع من السلعة والصرف وكان ما يصيب الصرف مجهولاً في حال العقد والصرف وكان ما يصيب الصرف مجهولاً في حال العقد، وإنما يعلم في حال ثاني فلذلك لم يجز.

الجزء: 12 - الصفحة: 433

قال مالك: ولا يجوز مع البيع صرف ولا نكاح أو إقراض أو شركة أو جعل أو مساقاة.
قال عيسى بن دينار؛ فإن وقع البيع والصرف في شيء كثير فإن لم تفت السلعة رد ذلك كله، وإن فاتت بنماء أو نقصان أو اختلاف الأسواق لزمت المشتري بقيمتها يوم قبضها، ويترادان العين على وزنه.
[الفصل 2 - في بيع الفضة والعروض بالذهب صفقة واحدة] ومن المدونة: قال مالك: ومن قدم تاجرًا ومعه ألوف دراهم ورقيق ومتاع ونقار فضة، فاشترى ذلك كله منه رجل واحد صفقة واحدة بألف دينار وتناقدا لم يجز، وكذلك لا يجوز بيع سلعة ودراهم كثيرة بذهب؛ لأنه بيع وصرف.
وإن كانت دراهم يسيرة أقل من صرف دينار مثل عشرة دراهم ونحوها جاز ذلك كله نقدًا.

الجزء: 12 - الصفحة: 434

وإن نقدك من الذهب حصة الدراهم وتأخر ما قابل السلعة لم يجز، وأصل قول مالك في بيع ذهب بفضة ومع أحدهما سلعة أو مع كل واحد منهما سلعة فإن كانت سلعة يسيرة تكون تبعًا جاز.
م وحكى عن أبي موسى بن مناس أن معنى قوله في السلعة تكون تبعًا أن تكون قيمتها أقل من دينار، ولا فرق بينهما وبين الذهب والورق الذي حدوا فيه أقل من دينار.
ومن المدونة: قال ابن القاسم: وإن كثرت السلعة لم يجز إلا أن يقل ما معها من ذهب أو فضة وهذا كله نقدًا.
قال: وإن كان الذهب والورق والعروض كثيرًا فلا خير فيه، وإن تناقدا.
قال أبو محمد: وإن كانت الدراهم مثل صرف دينار لم يجز وإن تناقدا.
[قال] ابن المواز: قال ابن القاسم: إنما جوزه مالك في أقل الدينار يبتاع ثوبًا بثلثي دينار أو ثلاثة أرباع دينار، فيدفع دينارًا ويأخذ بقيته دراهم، فإن كان الورق أكثر الدينار فلا خير فيه.
وقال ابن حبيب: ذلك جائز في الدينار الواحد، قلت الدراهم أو كثرت، وذلك كله نقدًا.

الجزء: 12 - الصفحة: 435

قال ابن حبيب: وأما من ابتاع عرضًا ودراهم بدينارين أو ثلاثة، فإن كانت الدراهم أقل من صرف دينار جاز، وإن بلغت صرف دينار فصاعدًا فهو مكروه وهو بيع وصرف، وقد كره اجتماعها ربيعة ومالك وأكثر أصحابه، واستخفه بعضهم والكراهية فيه أحب إلينا.
م وقول ابن حبيب هذا كله صواب ووفاق لما في المدونة إلا قوله في الدينارين والثلاثة (وإن بلغت الدراهم صرف دينار فصاعدًا فهو مكروه وهو بيع وصرف) فلعله يريد إذا كان في قيمة السلعة صرف دينار فأكثر، وأما إن كانت السلعة تبعًا وأقل من صرف دينار فهو جائز عند مالك وغيره، وأما في الدينار الواحد فجائز كله، والذي يدل عليه كلام ابن حبيب إذا كان في الدراهم صرف دينار فأكثر أنه بيع وصرف فلا تراعي السلعة وإن قل ثمنها، وقد تقدم له نحو هذا؛ لأنه إذا كان دينارًا بسلعة ودراهم، فإن كثرت الدراهم كانت السلعة تبعًا، فيجب أن يجوز على أصل مالك، وإن قلت الدراهم فيجوز بإجماع.
م وكان غير واحد من أصحابنا يحكي عن ابن حبيب أنه يجيز في البيع والصرف أن تكون الدراهم كصرف دينار فأقل، وأراهم تعلقوا بقوله في صدر

الجزء: 12 - الصفحة: 436

هذه المسألة ذلك جائز في الدينار الواحد، قلت الدراهم أو كثرت ليس لهم في ذلك حجة لما قد بينا إلا أن يكون له قول غير هذا والله أعلم.
[فصل 3 - في بيع سلعة ودراهم بدراهم وشرح مسألة ابن المسيب] ومن المدونة: قال: ولا يجوز بيع سلعة ودراهم بدراهم نقدًا ولا إلى أجل، ولا يجوز بيع ثوب ودراهم بعبد ودراهم وإن تناقدا قبل التفرق، وأصل قول مالك رحمه الله أن الفضة بالفضة مع أحد الفضتين أو مع كل واحد منهما سلعة، لا يجوز كانت الفضة يسيرة أو كثيرة.
م وهذا في أكثر من درهم؛ لأنه أجاز قبل هذا أن يبتاع الرجل بنصف درهم أو بثلثيه طعامًا ثم يأخذ باقيه فضة، وكذلك عنه في المستخرجة إذا ابتاع بثلثي درهم سلعة فدفع درهمًا ورد عليه البائع ثلث درهم أنه جائز.
قال: ولو كان إنما أسلفه ثلثي درهم فرد عليه درهمًا ودفع إليه المسلف ثلث درهم لم يجز.
ومن المدونة: قال مالك: وقال ابن المسيب فيمن باع من رجل طعامًا بدينار ونصف درهم فلا يأخذ من المبتاع بالنصف درهم طعامًا، ولكن يأخذ منه درهمًا ويعطيه ببقيته طعامًا.
قال مالك: إنما كرهه سعيد لأنه يصير دينارًا وطعامًا بطعام.
قال مالك: ولو كان نصف الدرهم ورقًا أو فلوسًا أو غير الطعام جاز.

الجزء: 12 - الصفحة: 437

قال يحي بن مزين: إنما كرهه لأنه أعطاه حنطة من غير الحنطة التي ابتاع منه، فصارت حنطة ودينارًا بحنطة وفضة.
م يريد لأن النصف درهم قد وجب لبائع الحنطة أولاً فدفعه في الحنطة التي أخذ من المشتري فصار قد دفع فضة وحنطة في دينار وحنطة.
قال ابن مزين: فصار الفضل بين الطعامين.
قال: وإن كانت الحنطة التي يعطيه من الحنطة التي ابتاع منه قبل أن يقضيها، دخل بيع الطعام قبل قبضه.
م وحكى عن أبي محمد أنه قال: كان ابن القاسم يجيز الإقالة من بعض الطعام قبل أن يفترقا ولكن العلة في النهي عن ذلك في هذه المسألة، أنه لما أقاله من الطعام حصة من الذهب والفضة فأعطاه لما قابل الذهب فضة قبل قبض الطعام.
وشيء آخر أن إقالته إياه فيما قابل النصف درهم لا يعرف إلا بالقيمة.
م وأصح الإعتلال في منع جواز هذه المسألة عندي أن إقالته إياه فيما قابل النصف درهم من الطعام لا يعرف إلا بعد معرفتهما ما للنصف درهم من دينار ونصف درهم، فإذا عرف جاز؛ لأنا نعلم لا محالة إذا كان صرف الدينار سبعة درهم أن النصف درهم من دينار ونصف ودرهم ثلث خمس، فيقع له ثلث

الجزء: 12 - الصفحة: 438

خمس الطعام، وإن كان الصرف عشرة دراهم فيقع له ثلث سبع الطعام، فإنما يمنع من جواز المسألة أن يعطيه حنطة من غير الطعام الذي باع منه كما قال ابن مزين أو يعطيه من جنس طعامه بعد التفرق، فيدخله البيع والسلف والطعام بالطعام إلى أجل أو يعطيه من طعامه بعينه قبل قبضه وقبل معرفته ما يخص النصف درهم من الطعام، فيدخله بيع الطعام قبل قبضه، وأما إذا علموا ما يخص النصف درهم من الطعام فيجوز كما بينا.
وقد قال ابن القاسم في المستخرجة فيمن باع ثوبين بعشرة أرادب إلى شهر فلما حل الأجل قال له: أقلني من أحد ثوبيك بنصف الطعام، قال: لا بأس به إذا كان الثوبان معتدلين، وإن كان أحدهما أرفع لم يصلح أن يقيله منه.
م يريد بنصف الطعام، وإنما اشترط اعتدال الثوبين؛ لأنه أقاله من نصف الطعام، ولو أقاله مما يخص أحد الثوبين بعينه بعد معرفتهما بقيمته لجاز وإ، اختلفا.
دليله: أن اعتدال الثوبين لا يعرف إلا بالتقويم، فإذا جاز أن يقيله منه بنصف الطعام جاز إذا كان قيمة المقال منه الثلث -أن يقيله منه بثلث الطعام، ولم يجز سحنون الإقالة من أحد الثوبين وإن اعتدلا، وعلته في ذلك: إذ قد يخطئا في التقويم فيصير قد رد إليه أقل من رأس مال الطعام أو أكثر، فيدخله بيع

الجزء: 12 - الصفحة: 439

الطعام قبل قبضه، واحتج على ابن القاسم بمسألة المرابحة إذا ابتاع ثوبين بثمن، فلا بيع أحدهما مرابحة بحصته من الثمن حتى يبين، إذ قد يخطئ في التوظيف.
م وهذا التعليل لا يدخل علينا في مسألة النصف درهم لأن حصة النصف درهم من دينار ونصف درهم إذا علم الصرف معلومة، لا اختلاف فيها، فيجب أن تجوز الإقالة مما يخص النصف درهم، إذا علما الصرف بالاختلاف.
وأما اعتلال أبي محمد أن لما أقاله من الطعام حصته من الذهب والفضة، فهذا لا يلزم؛ لأنه لم يقله من جزء من الطعام مثل ثلثه أو ربعه فيقع له حصة من الذهب والفضة وإنما أقاله مما يخص النصف درهم من الطعام، وحصته بعد معرفة الصرف معلومة، ولو لزم ما اعتل به أبو محمد للزم في مسألة الثوبين أن لا يقيله من أحدهما بنصف الطعام؛ لأن نصف الطعام ثمنه نصف كل ثوب، فأعطاه فيه أحد الثوبين، فيدخله على هذا بيع الطعام قبل قبضه، ولكن لما أقاله مما يخص الثوب، وهو نصف الطعام جاز، ولكن يلزم أيضًا لمن ابتاع مد قمح ومد شعير بدينارين وقيمتهما متساوية أن لا يقيله من الشعير بدينار؛ لأن حصة الدينار من الطعام المبيع نصف مد قمح ونصف مد شعير، فأعطاه في ذلك مد شعير، فصار نصف مد قمح ونصف مد شعير، بمد شعير، وهذا لا يجوز، هذا وزان تعليل أبي محمد

الجزء: 12 - الصفحة: 440

وعكسه عليه ولكن المسألة جائزة؛ لأنه إنما أقاله مما يخص الشعير من الذهب، وهذا جائز إذا علمت قيمة الشعير من قيمة القمح، وكذلك إذا أقاله مما يخص النصف درهم من الطعام بعد معرفة ما يخص الدينار ونصف درهم، وهذا بين وبالله التوفيق.
وقد فسر هذه المسألة أيضًا بعض القرويين: فقال إن أعطاه بالنصف درهم من ذلك الطعام الذي اشتراه منه قبل أن يقبضه لم يجز، وهو بيع الطعام قبل قبضه وأما إن أعطاه المشتري قبل القبض شعيرًا أو سلتًا فذلك بيع حنطة بدينار وشعير فلا يجوز، وإن أعطاه تمرًا أو زبيبًا أو ما يجوز فيه التفاصيل مع الحنطة فذلك جائز؛ لأنه بيع حنطة بتمر أو زبيب ودينار، فإن كان المبتاع قد قبض الطعام الذي اشترى ولم يغب عليه، فإن دفع إليه بالنصف درهم من الطعام بعينه فذلك جائز، إذ قد سلما من بيعه قبل قبضه، وإن أعطاه شعيرًا أو سلتًا أو تمرًا أو زبيبًا، فذلك مفترق، وإن كان لم يغب على الطعام جاز كما بينا، وإذا لم يقبضه.
وإن كان قد غاب على الطعام الذي اشترى فلا يجوز أن يعطيه المتباع طعامًا منه ولا من غيره من جنسه أو من غير جنسه.
م يريد لأنه يصير بيع حنطة بدينار نقدًا وبطعام غير يد بيد.
ومن العتبية: قال مالك فيمن ابتاع حنطة بدينار وازن فأعطاه دينارًا ناقصًا، ورد عليه من الحنطة فلا ينبغي ذلك إذا ثبت البيع بوازن، فلو

الجزء: 12 - الصفحة: 441

ثبت بناقص فلا يعطيه وازنًا ويأخذ فضل شيء من الأشياء، فأما إن لم يثبت البيع إلا مراوضة فلا بأس به.
م ووجه قوله إذا ثبت البيع بوازن أن البائع وجب له دينار وازن، فباعه بهذا الناقص الذي أخذ وبطعام معه، فصار دينارًا وطعامًا بدينار، وكذلك إذا ثبت البيع بناقص وقد دفع هذا الناقص وشيئًا معه في دينار وازن فيدخله الفضل بين الذهبين في الوجهين.
م وقال قيل هذا في الباب نفسه فيمن ابتاع بدرهم كيلاً شيئًا فيدفع الدرهم فيجده بنقص حبتين، فقال للبائع أعطني بما فيه وحاسبني بقدر نقصه.
قال مالك: لا بأس بذلك، إنما هو بمنزلة رجل اشترى بدرهمين، حنطة، ثم قال له بعد ذلك أعطني بدرهم وأقلني من درهم، قلت له بعد الوجوب قال نعم، كأنه حمله على المساومة، وفيه تفسير من البيع.
م انظر هل العلة أنهم إذا قصدوا الإقالة جاز؛ لأنها معروف، وإذا قصدوا التبايع لم يجز؛ لأنها مكايسة، فيجب على هذا إذا ابتاع حنطة بوازن، فأعطاه ناقصًا ورد عليه من الحنطة، إن قصدوا التبايع لم يجز، ولو قصدوا الإقالة فقال له المشتري -وقد وجد ديناره ينقص سدسًا- أقلني بهذا النقص من سدس

الجزء: 12 - الصفحة: 442

الطعام، وخذ الدينار الناقص لجاز فإن قلت: إنه باع منه الوازن بالناقص وسدس الطعام، قيل يلزمك أن لو اشترى أربع ويبات بأربعة دنانير قائمة، فقال له: أقلني من ويبتين بدينارين وخذ مني دينارين لا يجوز؛ لأنه قد وجب له أربعة دراهم، فباعها بدينارين، وأنت تجيز هذا ولا فرق بين هذا وبين أن يبيعه طعامًا بوازن، فنقول له أقلني من نصف الطعام، وخذ مني نصف دينار فانظر، فإن صح هذا فيصح أن يحمل على مسألة ابن المسيب أنهم لم يجيزوها؛ لأنهم قصدوا التبايع، ولو قصدوا الإقالة فقال: أقلني مما يخص النصف درهم من الطعام بعد معرفتهما بما يخصه لجاز ذلك والله أعلم.
[فصل 4 -] فيمن صرف دنانير وأخذ بالدراهم سلعة فوجد بها عيبًا قال مالك رحمه الله: وإن صرفت من رجل دينارًا بدراهم فلم تقبضها حتى أخذت بها منه سلعة أو قبضت نصفها وأخذت بنصفها سلعة مكانك، فذلك جائز، وإن رددت السلعة بعيب رجعت بدينارك.
م ولا يجوز أن ترجع بالدراهم؛ لأنك تصير قد دفعت دينارًا وأخذت دراهم إلى أجل، فلما آل أمرك إلى الصرف نَظِرةٌ ألغو قولكما، ونظروا إلى ما صح من فعلكما.

الجزء: 12 - الصفحة: 443

قال مالك: وكذلك لو صرفت دنانير بدراهم على أن تأخذ بها سمنًا أو زيتًا نقدًا أو مؤجلاً أو على أن تقبضها ثم تشتري بها منه هذه السلعة فذلك جائز.
قال ابن القاسم: فإن رددت السلعة بعيب رجعت بدنانيرك؛ لأن البيع في هذا، إنما وقع بالسلعة، واللفظ لغو، وإنما ينظر مالك إلى فعلهما لا إلى قولهما، فإذا صح الفعل، لم يضرهم القول، وليس هذا من بيعتين في بيعة، وإنما البيعتان في بيعة، أن يقول الرجل للرجل أبيع منك سلعتي بدينار نقدًا أو بدينارين إلى أجل قد لزمه أحدهما، فهذا حرام لا يحل؛ لأنه ملك أحدهما بأحد الثمنين ففسخه في الآخر، وفي كتاب الآجال بيان هذا.
[فصل 5 -] في بيع الحلي أو ما فيه حلية من سيف أو غيره قال مالك: ولا خير في أن يبتاع وارث من الميراث حلي ذهب أو فضة أو ما فيه من ذلك حلية أقل من الثلث، مثل السيف وشبهه، ويكتب على نفسه، ويتأخر الوزن إلى المحاسبة، أو ليقوموا إلى السوق فينتقد فلا ينبغي ذلك،

الجزء: 12 - الصفحة: 444

وأراه صرفًا منتقضًا إلا أن يتناقدا حين البيع.
قال ابن المواز: ويحسب حصته من ثمن ذلك خاصة، وينقد ما بقى.
قال مالك في المدونة: وإن تأخر ذلك لم يجز، ألا ترى أن لو تلف بقية المال أنه يرجع عليه فيما صار عليهم، فيقتسمونه فلا يجوز إلا بالنقد، والوارث في بيع الحلى والأجنبي سواء، وقد تقدم في الباب الأول إيعاب القول في بيع السيف المحلي، وأنه إن كان نصله تبعًا لفضته، بيع بدنانير نقدًا، وإن لم ينقد ثمنه حتى فارق البائع ثم باعه مضى البيع الثاني، وغرم للبائع الأول قيمته، وكذلك إن انقطع غمده أو انكسر جفنه فعليه قيمته وإن كان إنما حال سوقه فقط، فليرده، وإن كانت فضته تبعًا لنصله بيع بذهب أو بفضة، نقدًا كانت الفضة التي يعطي في ثمنه أقل مما فيه أو أكثر ولا يجوز بيعه بفضة أو بذهب إلى أجل، ويفسخ ذلك كله إن كان قائمًا، فإن فات بتفصيل حليته أمضيته؛ لأن ربيعة كان يجيز بيعه بذهب إلى أجل.
قال ابن المواز: عن ابن القاسم وإن نقضت حليته وهي تبع فلا تباع معه بفضه.

الجزء: 12 - الصفحة: 445

فصل [6 - في بيع فضة وذهب بذهب] ومن المدونة: قال مالك: ولا يجوز بيع فضة وذهب بذهب، ولا يباع إناء مصوغ من ذهب بذهب وفضة.
قال مالك: ولا يباع حلى فيه ذهب وفضة بذهب ولا فضة، نقدًا كانت الفضة الأقل أو الذهب كالثلث أو أدنى، ولا يباع بالعروض نقدًا أو إلى أجل ويباع بالفلوس نقدًا، ولا يجوز إلى أجل، وأجاز على بن زياد وأشهب أن يباع بأقلهما فيه إن كان أقلهما الثلث فأدنى، إن كان الذهب الأقل اشترى به، وإن كانت الفضة الأقل اشترى بها ورواه على عن مالك.
م والفرق عند ابن القاسم بين هذا الحلى وبين السيف الذي فضته تبع لنصله، أن الأصل كان ألا يجوز أن يباع عرض وفضة بفضة، ولا ذهب وفضة بذهب ولا بفضة، فخصت السنة جواز بيع السيف إذا كانت فضته تبعًا لنصله بالفضة، ورواه طاووس اليماني، وقد جعله جماعة من أهل العلم كالعروض،

الجزء: 12 - الصفحة: 446

وبقي ما سواه على الأصل المنع والله أعلم.
ولأن الذهب والفضة في مسألة الحلي وإن كان أحدهما تبعًا فكل واحد مقصوده بعينه فيدخله التفاضل بين الذهبين أو الفضتين وذلك ربًا، والفضة التبع للنصل المقصود غيرها، فهي كمال العبد، فإن قيل فيلزم على هذا أن من أكترى دارًا أو أرضًا وفيها ثمرة لم يبد صلاحها وهي تبع أن لا يجوز؛ لأنهما مقصودان؟ قيل بل المقصود السكنى والزرع في الأرض ولو التزمنا ذلك لكان الفرق بينهما بينا، وهو أن بيع الثمر قبل أن يبدو صلاحه، إنما فيه الغرر، والغرر عندنا إذا انضاف إلى أصل يكون تبعًا له جاز، وفي مسألة الحلي يدخله الربا وذلك لا يجوز منه قليل ولا كثير وبالله التوفيق.
فصل [7 - بيع ما تكره حليته] قال مالك رحمه الله: وما حلي بفضة من قدح أو سرج أو مسكين أو لجام أو ركاب مموه أو مخروز عليه أو جرز مموه عليه وشبه ذلك فلا يجوز بيعه بفضة

الجزء: 12 - الصفحة: 447

وإن قلت الحلية؛ لأن اتخاذ هذه الأشياء من الرف، بخلاف ما أبيح اتخاذه من السيف المحلى والمصحف والخاتم وكان مالك لا يرى بأسًا أن يحلى السيف والمصحف.
قال ابن القاسم: ورأيت لمالك مصحفًا محلى بفضة، وكان مالك يكره هذه الأشياء التي تصاغ من الفضة مثل الأباريق ومداهن الذهب والفضة والأقداح واللجم والسكاكين المفضضة وإن كانت تبعًا، وكره ان تُشترى.
قال ابن حبيب: إلا ما لا بال له كحلقة في قدح أو صحفة أو يسير من الفضة في أطراف السرج واللجم، وقد استخف لمتخذه وخفف بيعه.
[قال] ابن المواز: وكره مالك بيع السكين في نصابها فضة يسيرة بفضة.
قال في العتبية: ويكره أن يجعل في فضة خاتمه مسمار ذهب أو يخلط بفضته حبة أو حبتين ذهب لئلا تصدأ.

الجزء: 12 - الصفحة: 448

[الباب الخامس]

جامع ما يقع في الصرف من استحقاق أو اختلاف في عين أو تبعيض أو طلب زيادة أو بيع دين أو رد بعيب أو نقص

[الفصل 1 - ما يقع في الصرف من استحقاق] قال ابن القاسم: ومن اشترى إبريق فضة بدنانير أو دراهم فاستحقت الدنانير أو الدراهم انتقض البيع لأنه صرف.
م وذكر عن الشيخ أبي الحسن في مسألة الإبريق الفضة، إنما يجوز شراؤه على أن يكسر.
وقال غيره بل ذلك جائز وإن كان على أن لا يكسر، ولو كنا نكسره على المبتاع، لجبرنا البائع على كسره؛ ولأنه يجوز بيعه من أهل الذمة وغيرهم من الكفار.
م وإنما انتقض الصرف في الاستحقاق ولم يكن عليه مثل الدنانير أو الدراهم؛ لأنه اليوم، كان يتم البيع فبصير بيع ذهب بفضة إلى أجل ففارق غيره من البياعات ففسخوا البيع فيه وإن كان قريباً.
قال ابن القاسم: وإذا صرفت ديناراً في دراهم وقبضتها فاستحقت الدراهم انتقض الصرف.

الجزء: 12 - الصفحة: 449

وقال أشهب: لا ينتقض إلا أن تكون دراهم معينة يريه إياها وإن لم تكن معينة يريه إياها، وإنما باعه من دراهم عنده فعليه [أن يأتيه] من كيسه أو من تابوته مثلها مالم يفترقا.
قال ابن القاسم: ولو أنه إذا استحقت ساعة صارفه، قال له: خذ مثلها مكانه قبل التفرق جاز.
م إذا تراضيا وكذلك في كتاب محمد وقال فيه: ولو طال/ أو تفرق لم يجز.
م يريد وإن تراضيا إلا بعد فسخ الأول ثم استقبلا صرفاً جديداً إن أحبا.
م وذكر لنا أن أبا بكر بن عبد الرحمن غمز قوله إذا تراضيا.
وقال لو كان ذلك بالتراضي لجاز، وإن لم يكن ساعة صارفه.
وقال أبو القاسم بن الكاتب: إنما اختلف قول ابن القاسم وأشهب مالم يفترقا أو يتطاول مجلسهما، فعند ابن القاسم سواء كانت دراهم بأعيانها أو بغي أعيانها، وكانت عند دراهم أخرى، لزمه في الحكم إعطاؤه غيرها من تلك الدراهم التي معه، إذ لا تتعين الدراهم عند ابن القاسم، وإن لرب الدراهم المعينة إعطاؤه مثلها وحبسها، فلما كان له ذلك كان عليه إذا استحقت بدلها، إذا

الجزء: 12 - الصفحة: 450

كان العوض بحضرتهما، وعند أشهب وسحنون أن اشتراط تعيين الدراهم يلزم وليس لربها دفع غيرها، وكذلك إذا استحقت لا يلزم بائعها دفع مثلها إذا كان عليه في الأصل أن يدفعها بعينها، فإذا تفرقا أو طال المجلس فقد اجتمعا على بطلان الصرف [بينهما] ن كانت معينة أو غير معينة، ويدل على أنه إذا كان بالقرب ... لا ينتقض الصرف قوله: إذا تطاول ذلك أو تفرقا انتقض الصرف.
ومن المدونة: قال ابن القاسم: ومن اشترى خلخالين من رجل بدنانير فنقده ثم استحقهما رجل بعد التفرق، فأراد إجازة البيع، واتباع البائع بالثمن لم يجز، وإن استحقهما رجل قبل تفرق المتبايعين فاختار أخذ الثمن فلا بأس به إن حضر الخلخالان وأخذ الثمن مكانه، ولو كان المبتاع قد بعث بهما إلى بيته لم يجز، ولو افترقا لم انظر إلى ذلك الافتراق، ولكن إذا حضر الخلخالان وأخذ المستحق الثمن من البائع أو من المبتاع مكانه فذلك جائز، وإن غاب الخلخالان لم يجز.
م يريد لأن رب الخلخالين قد ملك فسخ البيع، فرضاه بتمامه بيع مبتدأ، فلا يجوز حتى يحضر الخلخالان.
وقال أشهب: هذا استحسان، والقياس الفسخ؛ لأنه صرف فيه خيار.

الجزء: 12 - الصفحة: 451

قال سحنون: الذي استحسن أشهب هو جوانب ابن القاسم وهو القياس وقوله أنه مفسوخ ليس بشيء، فإن غاب البائع فالمستحق مخير في إجازة البيع وأخذ الثمن ثانية إن رضي له المبتاع بغرمه ثانية، وإلا أخذ المستحق الخلخالين وفسخ البيع.
قال أبو القاسم بن الكاتب فيمن استودع قمحا فباعه بتمر: أن لك أن تجيز بيعه ويأخذ التمر، ولم يشترط حضور القمح.
وقال في مسألة الخلخالين: لا يجوز أن يأخذ ثمنهما إلا أن يكونا حاضرين؛ فهل ذلك لأن الحنطة ضمنها بالتعدي وكأنه أخذ ثمن ما هو في ذمته كالدين، القمح يؤخذ به تمر والخلخالين لم يضمنهما بائعهما إذا لم يتعد في بيعهما، والمستحق قد استحق أعيانهما فصار بائعاً لتلك العين، ولو استهلكها المبتاع لجاز لمستحقهما أخذ ثمنهما.
فصل [2 - في الرجل يبتاع الدراهم بدينار ونقد دنانير البلد مختلف] قال مالك: ومن اشترى من رجل دراهم بين يديه كل عشرين درهماً بدينار، فلما نقده الدنانير قال له: لا أرضاها، فله نقد البلد، فإن كان نقد البلد في الدنانير مختلفاً فلا صرف بينهما إلا أن يسميا الدنانير قبل الصرف.

الجزء: 12 - الصفحة: 452

فصل [3 - في الرجل يصرف بعض الدينار أو يصرفه من رجلين] قال مالك: ولا يجوز أن تصرف من رجل نصف دينارك أو ثلثه أو ربعه، وإن قبض جميعه، لأنه لا يبين بحصته منه.
قال أشهب: وقد بقي بينهما عمل الشركة، ولو اقتسماه فإنما يقتسماه دراهم، فيأخذ دراهم من دراهم فهذا لا يصلح.
/م وكذلك الحلي مثل الدنانير، إذ لا يبين بحصته منه.
قال مالك: وإن صرف رجل ديناراً من رجلين فقبضه أحدهما بأمر صاحبه وهو حاضر جاز، ولو صرف رجلان ديناراً من رجل فدفعاه إليه جاز ذلك، وكذلك لو كان موضع الدينار نفرة ذهب أو فضة، كان مسلكه مسلك الدينار في بيعه.
قال أشهب عن مالك في العتبية: لابأس يصرف دينار أو نقرة من رجلين، ولو غاب أحدهما قبل قبض الآخر فلا بأس به.
قال ابن القاسم: وكذلك الحلي، بخلاف بيع نصف دينار ونصف نقره.
م والفرق بينهما، أن المشتري في هذه المسألة فارق البائع ولا تباعه بينهما ولا شركة، وفي مسألة بيع نصف دينار أو نصف نقرة، المشتري لم يبن بحصته عن البائع، وقد بقي بينهما عمل الشركة، فبان افتراقهما.

الجزء: 12 - الصفحة: 453

[فصل 4 - في الرجلين يصرفان ديناراً أو نقره من رجل أو باع أحدهما حصته من النقرة من شريكه] ومن المدونة: قال مالك: ومن كان بينه وبين رجل نقرة فباع منه نصيبه منها جاز ذلك إذا انتقد.
قال أشهب: فإن باع نصيبه من غير شريكه وقبض المشتري جميع النقرة جاز، وإن لم يقبض فلا خير فيه.
وقال يحي: لا يعجبني وإن قبض المشتري جميع النقرة كالدينار يصرف نصفه.
م والفرق عند أشهب بين الدينار وبين النقرة، أنه في الدينار البائع لم يبن من المبتاع وبقي بينهما شركة فيما باع منه، وفي مسألة النقرة قد افترق المتبايعان ولا تباعة بينهما.
ومن كتاب ابن المواز قال مالك: ولابأس بصرف نقرة من شريكه فيها.
قال ابن المواز: إن حضرت النقرة وإن لم يجز، وإن كانت عند المبتاع.
قال مالك: ولا يجوز من غير شريكه وإن حضرت إلا بعرض.
م لأن المشتري لم يبن بحصته منها، وقد بقي بينه وبين شريك البائع الشركة فيها.
قال مالك: ومن وهب نصف نقرة له - فضة - لرجل، وباع نصفها من آخر فلا يجوز، وإن كانت الهبة والبيع بينهما معاً.

الجزء: 12 - الصفحة: 454

ومن المدونة: قال مالك: وإذا كان بين رجلين حلي وزناه فباع أحدهما صاحبه حصته من شريكه بمثل نصف وزنه يداً بيد فلا بأس به وكذلك نقرة بينهما.
وروى أشهب أن مالكاً لم يجزه في النقرة إذ لا ضرر في قسمتها، ولو جاز هذا في النقرة لجاز في كيس بينهما مطبوع عليه أن يقول أحدهما لصاحبه لا تكسر الطابع وخذ مني مثل نصفه دراهم، فتكون فضه بفضة، ليس كفة بكفة وإنما جاز في الحلي لما يدخله من الفساد، وإنه لموضع استحسان.
قال أبو محمد: انظر فقد أجازوا المراطلة بالمثاقيل.
م والمراطلة بالمثاقيل أصح من المراطلة بالذهبين إذ قد يكون في الميزان عين فيدخله الرجحان في المراطلة، وهو حرام؛ ولا يدخل ذلك المراطلة بالمثاقيل، إذا جعلت ذهبك في الكفة التي كان فيها ذهب صاحبك، فهي مثلها لاشك فيها.

الجزء: 12 - الصفحة: 455

كان في الميزان عين أم لم يكن، فإذا صح أن المراطلة بالمثاقيل أصح جاز أن يعطيه مثل نصف النقرة ومثل نصف الكيس المطبوع، إذا علما ما فيه على الصحة، مع ما في قسمة النقرة من الضرر، إذ قد لا يجدان من يقطعها للقسم أو لا يقطعها إلا بأجرة.
فصل [5 - فيمن زاد بعد الصرف أو في رأس مال السلم]

ومن المدونة قال ابن القاسم: وإن صرفت من رجل ديناراً ثم لقيته بعد أيام فقلت له قد استرخصت الدينار فزدني، فزادك درهماً نقداً أو إلى أجل فجائز ولا ينتقض الصرف، فليس لك رد الزيادة بعيب تجده فيها؛ لأن تلك الزيادة لم يقع عليها الصرف.
م إذ لو شاء لم يزدكن وهي هبة تطوع فلا/ يلزمه بدلها.
قال ابن القاسم: وإن كان الدينار رديئاً فيرد برده، وكذلك الهبة بعد البيع للبيع إن رد السلعة بعيب أخذها.

الجزء: 12 - الصفحة: 456

قال ابن المواز وقال أشهب عن مالك: إن صرف منه ديناراً ثم رجع إليه فقال له: نقصتني من صرف الناس فزاده درهماً فوجده زائفاً بعد ذلك أبدله وحده ولا ينتقض الصرف، وإن وجد في الدرهم الأول زائفاً فرده انتقض الصرف.
م وجه قول أشهب: كأنه قال له أعطني كصرف الناس فنقصه منه، فاتاه بعد ذلك فقال له: نقصتني من صرف الناس، فواجب له عليه أن يلحقه بصرف الناس، فإذا وجد ما زاده رديئاً لزمه بدله؛ لنها لم تكن هبه تطوع بها ونحوه.
قال أبو محمد وأبو الحسن في قوله: نقصتني من صرف الناس: أي فألحقني بالصرف فكأنه شيء أوجبه على نفسه.
قال أبو الحسن: فكأنه قصد أن يوجب له ذلك على نفسه فلذلك لزمه بدل الدرهم.
وفي المبسوط لإسماعيل القاضي قال: فإن كان الذي زاده بعد المصارفة إنما هو لإصلاح ما مضى ولمخافة أن ينتقض ما بينهما لمعنى من المعاني فإن الزيادة تبطل الصرف.
وقد قال عبد الملك في رجلين اشتريا شيئاً من رجل ثم إن البائع وضع لأحدهما شيئاً من الثمن، فإن كان ذلك شيئاً يشبه إصلاح ذلك البيع فهو بين الشريكين وإن كان لا يشبه إصلاح ما مضى مثل أن يحط عنه الثمن كله أو أكثره،

الجزء: 12 - الصفحة: 457

فإنما هي وليست من البيع.
ومن المدونة قال ابن القاسم ولابأس بزيادة دراهم في رأس مال السلم بعد شهر أو شهرين.
فصل [6 - في الرجل يكون له على الرجل دراهم دينا إلى أجل فيريد أن يصرفها منه بدينار نقداً] قال مالك: ومن لك عليه دراهم إلى أجل من بيع أو قرض، فأخذت بها منه دنانير نقداً لم يجز ولو كانت الدراهم حالة جاز.
م وقد قال الرسول صلى الله عليه وسلم: لا بأس أن تأخذ مكان الذهب الفضة ومكان الفضة الذهب بسعر يومه.
قال مالك: وإن صارفته قبل الأجل على دنانير وشرطت قبضتها عند محا أجل الدراهم فذلك حرام، وإن اشتريت بها منه قبل الأجل عرضاً بعينه أو مضموناً إلى ذلك الأجل لم يجز؛ إذ لا يجوز أن تأخذ في دينك إلا ما تتعجله، وإن تعجلت العرض جاز مالم يكن العرض الذي تأخذ من صنف عرضك الذي بعت منه ويكون أجود منه أو أكثر، فلا يجوز حل أجل الدين أم لا.
م ويدخله سلف جر منفعة.
قال مالك: ومن كان له على رجل ذهب حاله فأعطاه بها دراهم، فقال: لا أقبل إلا كذا وكذا زيادة على صرف الناس فذلك جائز.

الجزء: 12 - الصفحة: 458

فصل [7 - فيمن صرف ديناراً بدراهم فوجد بعضها رديئة] قال مال: وإن صرفت من رجل دنانير بدراهم ثم أصبتها بعد التفرق زيوفاً أو ناقصة فرضيتها جاز ذلك، وإن لم ترضها انتقض الصرف.
قال: وإن تأخر من العدد درهم واحد لم يجز أن ترض بذلك، لوقوع الصرف فاسداً.
وقال أشهب في الزائفة -يريد الناقصة- مثل قول ابن القاسم.
قال ابن القاسم في المستخرجة: وليس له أن يتجاوز النفص وإن كان يسيراً ليجيز الصرف.
وقال قبل ذلك: إن كان الشيء اليسير مثل الدانق ونصف الدانق فلا بأس أن يتجاوزه، ولا ينقض الصرف.
م وقال عبد الوهاب: إذا وجد ف] أحد الثمنين بالصرف نقصاناً، فإن رضي به جاز؛ لأن الثمن يكون بقدر ما حصل منه، وإن طلب التمام التقض الصرف؛ لأن القبض يكون/ متأخراً عن العقد، وكذلك إن وجد فيها زائفاً أو رديئاً، فإن رضي به وإلا بطل الصرف.
م وهذا في النقصان اليسير، وإلا كان خلافاً لما في المدونة وغيرها وهو القياس.

الجزء: 12 - الصفحة: 459

وقد روى ابن وهب عن وهب بن مالك في كتاب محمد فيمن صرف دراهم بدنانير قائمة، فوجدها بعد الصرف تنقص، فتجاوزها كراهية أن ترجع إليه فينتقض الصرف، قال: لا بأس بذلك، وكذلك روى عنه ابن الحكم إذا صرف ديناراً بدراهم فوجدها نقصاً فتجاوزها أنه لا بأس به، ولم يذكر هل ذلك نقص يسير أو كثير.
ولأبي القاسم بن الكاتب أنه أختلف قول مالك إذا وجد الدراهم نقصاً فقال: ينتقض الصرف، وقال: لا ينتقض، وقال: إن كان النقص كثيراً انتقض وإن كان يسيراً لم ينتقض.
مجمل رواية ابن وهب وابن عبد الحكم أنه في الكثير.
قال عبد الوهاب: ثم ينظر فإن سمى لكل دينار سعراً معلوماً انتقض صرف دينار واحد؛ لأن كل دينار معقود عليه بنفسه عقداً يستغني به عن ضم غيره إليهن وإن كان سمى للجملة ثمناً انتقض الصرف كله؛ لأن العقد واحد للجميع.
م وهذا أيضاً خلاف المدونة، وقد بينا وجه فساده قبل هذا.
ومن العتبية: ومن صارفته فلم يكن عنده تمام الدراهم فتركت له عجز له ما عجز عنه قبل التفرق أو حططته ما شئت فذلك جائز، أو تأخذ بما عجز ما شئت، قاله ابن القاسم عن مالك.

الجزء: 12 - الصفحة: 460

ومن المدونة: قال ابن القاسم: وإن اشتريت فلوساً بدراهم ثم أصبت بعد التفرق بعضها رديئة لا تجوز، فأرجو أن يكون البدل في ذلك خفيفاً للاختلاف فيه، وقد كان ابن شهاب يجيز البدل في صرف الدنانير بغير شرط وإن كان مالك يأباه، فكيف بالفلوس.
وقد روى عبد الرحيم في كتاب القراض أن مالكاً كان يجيز شراءها بالدنانير والدراهم نظرة ثم رجع عنه.
قال مالك: وإن صرفت ديناراً بدراهم فوجدت فيها درهماً مردوداً لعيبه، وهو طيب الفضة، أو كان لا يجوز بجواز الدراهم عند الناس أو زائفاً، فذلك كله عند مالك سواء، ولك رده ونقض الصرف إلا أن ترضاه، قال: فإذا رددت إليه دراهمه وقد وجدت بها عيباً فجائز أن تؤخره بدينارك إذا ثبت الفسخ بينكما، وإن لم يثبت الفسخ كرهته، ورأيته صرفاً مستقبلاً، فلا يجوز تأخير الدينار.
م قال بعض شيوخ القرويين في قوله: إذا ثبت الفسخ، قال: يريد بحكم أو بإشهاد.

الجزء: 12 - الصفحة: 461

وفي كتاب ابن المواز قال أشهب عن مالك: إذا وجد في الدراهم رديئاً فرد الدراهم كلها، ووخر الدينار عند الصراف حتى رجع إليه فأخذ به بعد ذلك قمحاً فلا بأس بذلك؛ لأنه صار له عليه دينار، وانتقض الصرف، ولو كان الدينار في منزل الصيرفي فقال له: أنا أبدل الآن لك الدراهم أو أعطيك بدينارك نقرة فلا بأس بذلك.
م وظاهر هذا أنه إذا فاسخه جاز بإشهاد أو بغير إشهاد.
وفي كتاب السلم الثاني إذا كان السم فاسداً فلا بأس أن يؤخره برأس ماله، ولم يشترط إذا ثبت الفسخ، فهذا أيضاً يؤيد إذا تفاسخا جاز أن يؤخره ولا يحتاج في ذلك إلى إشهاد والله أعلم.
وقد تقدم في الباب الأول أن من صرف دنانير بدراهم ثم وجد درهماً زائفاً، إنما ينتقض صرف دينار، وإن وجد أكثر من صرف دينار واحد انتقض صرف دينارين، وعلى هذا يحسب.
قال ابن المواز عن مالك: وما فات من دراهم الدينار المنتقض/ الجياد أو انفقها رد مثلها، قال فيه ابن القاسم: ومن لك عليه ثمانية قراريط من ذهب حالة

الجزء: 12 - الصفحة: 462

فصارفته فيها بثمانية دراهم، ثم وجدت منها درهماً رديئاً فرددته، فإنك ترجع بقيراط ذهب فقط وتأخذ فيه أقل من درهم أو أكثر ما بلغ يوم ترجع به عليه، وكذلك في درهمين لا ينتقض غير قراطين.
قال: وإن كان لك عليه عشرة دراهم، فأخذت بها عشرة خراريب ذهب قراضة، فوجدت منها قراضة رديئة' فلينتقض صرف درهم.
قال: ومن صرف نقرة فضة وزنها منه درهم بعشرة دنانير، سمى لكل دينار شيئاً أو لم يسم، أو اشتراها جزافاً لا يعرف وزنها، ثم وجد في النقرة مسمار نحاس أقل من صرف دينار فإنما ينتقض من النقرة صرف دينار من أصغر ما دفع إليه من الدنانير مجموعة.
قال: وكذلك إن كانت مقطعة انتقض صرف أصغر قطعة، فإن كان قيمة أصغر قطعة فيها أكثر من حصة المسمار، زيد من النقرة الفضة إلى تمام ذلك، فإن كانت حصة المسمار أكثر من دينار انتقض صرف دينارين، وإن كانت قطعاً فأصغر ما قدرت عليه، مالم ينقص المسمار حتى لا يكون شريكاً له في ديناره.
م ونحوه في العتبية، قال فيها: إن كانت الدنانير قائمة انتقض صرف دينار منها.

الجزء: 12 - الصفحة: 463

[قال] ابن المواز: وإن ابتاع خلخالين أو سوارين من ذهب، أو حلياً كثيراً من ذهب بدراهم، فوجد في أحد الخلخالين أو السوارين عيباً بأحدهما شقلً أو كسراً أو رؤوسهما نحاس، فليرد الخلخالين جميعاً، بخلاف النقرة التي لا يرد منها إلا بقدر ما وجد رديئاً، ولو وجد درهماً زائفاً من ثمن الحلى فرده، انتقض بيع الحلي كله، وإن كانت أسورة كثيرة أو خلاخل، ولو كان الذهب سبيكة أو قراضة لم ينتقض إلا حصة الدراهم من ذلك.
ومن العتبية قال عيسى عن ابن القاسم: وإن اشترى أزواج أسورة من ذهب بدراهم، فوجد في زوج منها نحاساً فليرد الأسورة كلها، ولو كانت مئة زوج.
وروى عنه أبو زيد: لا ينتقض إلا صرف زوج منها إذا وجد بأحدهما عيباً، وذكر أنه اشتراها جزافاً.
قال في رواية عيسى: فإن فات بعضها رد ما بقي بالقيمة.
م ورواية عيسى أصوب.
م والفرق بين الحلي وبين الدنانير في هذا أن الدنانير لا تراد لأعيانها، ولا تختلف قيمتها، وإنما يقع لكل دينار حصة من الفضة وقتا ثمناً أم لا، والحلي تراد

الجزء: 12 - الصفحة: 464

لأعيانها، فأشبهت العروض والثياب ونحوها التي يقع لكل ثوب حصة على العدد، وإن وقت له ثمناً، وإنما جملة الثمن بجملتها، فإن وقع في بعضها عيب أو استحقاق جعله له حصته من الثمن بالتقويم لا على العدد، فإذا صح أن جملة الثمن بجملتها أشبهت الدينار الواحد الذي ينتقض فيه البيع بوجود العيب به أو بشيء من ثمنه، وفي باب المراطلة شيء من هذا وبالله التوفيق.

الجزء: 12 - الصفحة: 465

[الباب السادس]

جامع مسائل مختلفة وبيع الدراهم والحلي جزافاً

[فصل 1 - في قليل الصرف وكثيره بالدنانير] قال مالك رحمه الله: ومن اشترى بدينار مئة درهم أو ديناراً بدرهمين، جاز ذلك كله، ولقد قال مالك فيمن كان يسأل رجلاً ذهباً فحلت فقال له: خذ بها دراهم.
فقال: لا آخذ بها إلا كذا وكذا درهماً زيادة على صرف الناس فلا بأس به، قال: وإن بعث من رجل سلعة بنصف دينار فأتاك بنصف/ دينار دراهم جبرت على أخذها وليس لك غيرها.
قال ابن القاسم: وكذلك إن أقرضت رجلً ديناراً فوهبته نصفه، فله قضاؤك باقية دراهم، وتجبر على أخذها إن كانت كصرف الناس.
يريد يوم القضاء.
م بخلاف من كان يسأل رجلً ديناراً فقال له خذ به دراهم، فقال له: لا آخذ إلا كذا وكذا زيادة على صرف الناس، هذا له ذلك أو يعطيه ديناره إذ لا يحكم فيه بدراهم، وفي النصف يحكم عليه فيه بدراهم، إذ لا يجوز كسر الدينار.

الجزء: 12 - الصفحة: 466

[فصل 2 - في بيع الفضة بالذهب جزافاً] قال مالك: ولا بأس ببيع سوار ذهب لا يعلم وزنه بفضة لا يعلم وزنها، ولا بأس ببيع الذهب بالفضة جزافاً، ولا يصلح بيع الدراهم بالدنانير جزافاً، لأن شأنها الوزن، وبيعها جزافاً قمار ومخاطرة فلا يجوز.
قال في المختصر: ولا خير في أن تباع الدراهم المعدودة جزافاً، لأن الغرر يدخلها من وجهين: أحدهما: لأن السكة الخفيفة أنفق عند الناس من الثقيلة، والآخر من جهة المبلغ، فلم يجز ذلك لكثرة الغرر فيه، وليس كذلك الحلي؛ لأن الغرر يدخل فيه من جهة المبلغ خاصة، وذلك يدرك بالحرز.

الجزء: 12 - الصفحة: 467

[الباب السابع]

جامع ما جاء في اقتضاء الذهب والورق والطعام بعضه من بعض

[الفصل 1 - فيمن أسلف دراهم فقضاه مثل وزنها أو أنقص أو أوزن أو أكثر عدداً أو أبدل الناقصة بالوازنة] قال مال رحمه الله: وإن أسلفت رجلاً مئة درهم عدداً، وزنها نصف درهم، فقضاك مئة درهم وازنة على غير شرط جاز وقال النبي صلي الله عليه وسلم (إن خير الناس أحسنهم قضاء).قال مالك: وإن قضاك تسعين درهماً وازنة فلا خير فيه.
م لأنه ترك زيادة العدد عنده مئة أنصافاً فابتاعها منه بتسعين وازنة، فذلك ربا، لأنه الذهب بالذهب متفاضلاً، وهذا ببلد تجوز فيه الدراهم عدداً، وأما ببلد لا تجوز فيه إلا وزناً، فلا يجوز بيعها ولا قرضها إلا وزناً، فيجوز حينئذ أن يقضيك من مئة أنصافاً وزنها خمسين درهما عدداً مثل وزنها.

الجزء: 12 - الصفحة: 468

قال ابن القاسم: وكذلك إن أقرضته عشرة دنانير ينقص كل دينار منها سدساً أو ربعاً، فقضاك عشرة دنانير قائمة جاز إن لم يكن في ذلك رأي ولا عادة؛ لأنه معروف، وإن قضاك تسعة لم يجز، وإن كانت أكثر من وزنها، ولا يصلح إذا كانت عدداً بغير كيل إلا أن يستوي العدد فيكون الفضل في أحدهما فيجوز.
قال مالك: وإن أقرضك مئة درهم وازنة عدداً فقضيته خمسين درهماً أنصافاً جاز.
م لأن ذلك كله معروف فعله مع صاحبه، أقرضه وحطه في الوزن والعدد.
قال مالك: ولو قضيته مئة درهم أنصافاً ونصف درهم واحد لم يجز وإن كانت أقل وزناً م لأنك تركت زيادة الوزن لفضل العدد.
[قال] ابن القاسم: وأصل قول مالك في هذا أنك إن استقرضت دراهم عدداً فجائز أن تقضيه مثل عددها، كانت مثل وزنها أو أقل أو أكثر، ويجوز أن تقضيه أقل من عددها في مثل وزنها أو أقل إذا اتفقت العيون.

الجزء: 12 - الصفحة: 469

م يريد بقوله في مثل وزنها أن وزن كل درهم من دراهم القضاء مثل وزن كل درهم من دراهم القرض أو أقل، فلا يجوز/ أن تقضيه أقل عدداً، ووزن كل درهم من دراهم القضاء أكثر من وزن دراهم القرض، وقاله أبو القاسم بن الكاتب.
قال: وكذلك قال أبو القاسم بن شبلون وهو قول صحيح؛ لأن زياده وزن الوازنة أنفق لعيونها، فصارت كاقتضاء قائمة من فرادى، والقائمة أقل عدداً من الفرادى، فلم يجز؛ لأنه باع فضل عين بزيادة العدد.
[ومن المدونة]: ,غن قضيته أقل من عددها في أكثر من وزنها أو قضيته أكثر من عددها في أقل من وزنها لم يجز، ولو أقرضته المائة كيلاً، جاز أن يقضيك أزيد عدداً أو أقل في مثل وزنها، وتفاضل الوزن معروف مع اتفاق العدد فهو جائز، واختلاف العدد مع تفاضل الوزن مكايسة فلا يجوز.

الجزء: 12 - الصفحة: 470

فصل [2 - فيمن قضى محمدية من يزيدية أو عتقاً من هاشمية أو يزيدية من محمدية] قال مالك رحمه الله: ومن أقرضته دراهم يزيدية فقضاك محمدية وهي أفضل من اليزيدية، أو قضاك دنانير عتقاً من دنانير هاشمية أو سمراء من محمولة أو من شعير لم تجبر على أخذها، حل الأجل أو لم يحل.
م لأنه لا يلزمك قبول معروفه.
[قال] ابن القاسم: وإن قبلتها جاز ذلك في العين من بيع أو قرض قبل الأجل أو بعده، ولا يجوز في الطعام حتى يحل الأجل، كان من بيع أو قرض، لأن الطعام يرجى تغير أسواقه، وليس العين كذلك.
ولابن القاسم قبول في إجازته من قرض قبل الأجل إن لم يكن في ذلك رأي ولا عادة.
قال سحنون: حسن إن شاء الله.
م كل ماله تعجيله لك قبل الأجل- وإن كرهت إذا كان مثل الصفة- فقيل الأجل فيه كحلول الأجل فجائز تعجيله لك قبل الأجل وله تعجيل أفضل إذا رضيت مثل لو حل الأجل.
قال ابن القاسم: ولا تأخذ قبل الأجل يزيدية من محمدية، ولا محمولة من سمراء، ويدخله ضع وتعجل؛ لأنه دفع أدنى مما عليه قبل الأجل، وقد قال مالك في الدين يكون على الرجل فيقول لصاحبه ضع عني أعجله لك، أنه لا يجوز.

الجزء: 12 - الصفحة: 471

قال: وإن أقرضته دراهم مجموعة محمدية فقضاك بعد الأجل يزيدية مجموعة أكثر من وزنها لم يجز ذلك؛ لأنه بيع فضل عين بزيادة وزن، ولو قضاك يزيدية مثل وزنها فأقل جاز، ولو أقرضته يزيدية مجموعة فقضاك محمدية مجموعة أقل من وزنها لم يجز؛ وذلك زيادة وزن بفضل عين، ولو قضاك محمدية مجموعة مثل وزن يزيدتك فأكثر جاز، مالم تكن عادة، وكذلك إن قضاك يزيدية مجموعة أكثر من وزن يزيد يتك، وهذا في الدنانير والدراهم سواء.
قال مالك: وإن أقرضته مئة درهم يزيدية كيلاً فقضاك مئة وعشرين يزيدية كيلاً لم يعجبني ذلك.
قال أبو محمد: وهو كزيادة العدد، ولم تأت الرخصة في زيادة العدد.
قال مالك: وكذلك إن أقرضته طعاماً فلا تأخذ فيه فضل العدد مثل عشرين ومئة إردب من مئة، فلو زادك في العدد بعد مجلس القضاء والتفرق، جاز في العين والطعام ما لم تكن عادة، ولو قضاك أرجح في الوزن بشيء يسير أو أنقص بكثير، وكانت العيون والجودة واحدة فلا بأس به.

الجزء: 12 - الصفحة: 472

قال أبو محمد: ,غن كثر الرجحان صار كزيادة العدد؛ لأنه كيل فكره في القرض.
قال مالك: وإنما تجوز من ذلك مثل ما فعل ابن عمر، قضاه مثل العدد، وزاد في الوزن الدراهم التي قضاه، ولم يعطه عشرين ومئة بمئة ولا عشرة ومئة بمئة.
[قال] ابن المواز: وإنما يجوز مثل رجحان الميزان، وأجاز أشهب زيادة درهم أو درهمين، وفي الكيل إردباً وإردبين على غير موعد.
وقاله ابن حبيب في كل شيء إن كانا من أهل الصحة/ وكان عند القضاء أو بعد، فأما قبل فلا يجوز.
قال ابن أبي زمنين: قول مالك لا يعجبني أن يعطيه فضل العدد لا في عين ولا في طعام، معناه: إذا كان ما عليه من قرض، وأما إن كان من بيع فيجوز، ويدل على ذلك قول ابن القاسم فيمن سلف إلى رجل في مئة إردب إلى أجل ثم شكا إليه الغلاء بعد ذلك، فزاده مئة أخرى إلى ذلك الأجل أو قبله أو بعده إن ذلك جائز.
م لأنه اتقى في القرض أن يكون سلفاً جر منفعة ولا يدخل ذلك في البيع.

فصل [3 - في قضاء المجموعة من القائمة

الجزء: 12 - الصفحة: 473

وقضاء الكيل من العدد والفرادى من الكيل] ومن المدونة: قال ابن القاسم: والدنانير المجموعة هي المقطوعة في الوزن الناقصة، والأنصاف والأرباع تجمع في الكيل وهو حكمها، والقائمة هي الميالة الجياد، إذا جمعت مئة عددًا زادت في الوزن مثل الدينار، والفرادى: إذا جمعت في الوزن نقصت في المئة مثل الدينار.
قال مالك فيمن لك عليه مئة دينار قائمة من بيع أو قرض فلا تأخذ منها مئة مجموعة كيلاً؛ لأنها أزيد عددًا، فقد تركت فضل عين ووزن لفضل العدد إلا أن تسلفه بمعيار عندك قد عرفت وزنه أو شرطت في البيع الكيل مع العدد، فيجوز أخذك مجموعة وإن كانت أكثر عددًا، وأما إن أسلفته مئة عددًا فقضاك مثل عددها كيلاً أو أنقص منها في الوزن فجائز.
قال مالك: وإن كان لك عليه مئة دينار مجموعة من بيع أو قرض فقضاك منه قائمة بغير وزن فذلك جائز؛ لأنها أكثر وزنًا وأفضل عيونًا.
قال أبو محمد: والفرق بين أخذ القائمة من المجموعة وبين المجموعة من القائمة أن الذي له مئة مجموعة لم يترتب له فيها عدد معلوم فتركه لفضل عيون القائمة، وإنما كان له وزن، فسواء أخذها قائمة أو مجموعة؛ لأنه لا يدع عددًا معلومًا لفضل شيء،

الجزء: 12 - الصفحة: 474

والذي كان له مئة قامة قد ترتب له عددها، فإذا أخذها مجموعة أكثر عددًا، علمنا أنه إنما ترك ما وجب له من عدد القائمة وفضل عيونها ووزنها لفضل عدد المجموعة والله أعلم.
قال عيسى عن ابن القاسم: ولو كان له عليه ألف دينار مجموعة فلا بأس أن يأخذ منه ألف دينار قائمة إلا دينارًا، وكذلك كل ما لا يشك أن وزنه من القائمة أكثر من كيل المجموعة وإن نقص العدد.
فصل [4 - في الأخذ من المجموعة فرادى] ومن المدونة: قال مالك رحمه الله: ولا يجوز أن تأخذ من المجموعة فرادى؛ لأنك تجاوزت نقصها لفضل عيونها على المجموعة، قال: وكذلك كلما بعت بفرادى فلا تأخذ منه مجموعة كيلاً؛ لأنك تركت فضل عيون الفرادى لوزن المجموعة.
قال: وما بعت بفرادى واشترطت كيله مع العدد فجائز أن تأخذ فيه كيلاً أقل عددًا أو أكثر، ومن ذلك أن تبيع سلعة بمئة درهم كيلاً وتشترط عددها، داخل المئة خمسة فجائز أن تأخذ أقل من ذلك العدد أو أكثر في مثل الوزن.
م يريد إذا رضي أن يأخذ أقل عددًا مما شرط، وإن لم يرض فله شرطه.
قال أبو محمد: ويجوز عندي أن تقضى القائمة من الفرادى أو الفرادى من

الجزء: 12 - الصفحة: 475

القائمة ما لم تكن الفرادى أفضل في عيونها من القائمة.
[قال] ابن المواز: ومن لك عليه دينار من قرض أو بيع فلا تأخذ به ثلاثة أثلاث ولا نصفين ولا دينارًا ناقصًا، ومعه قراضة، وكذلك من لك عليه درهم، ويجوز هذا في المراطلة، وأما في المبادلة على غير وزن فلا.
قال ابن القاسم: ويصير كمن دفع مثاقيل ناقصة أكثر عددًا من فرادى والأفراد في العدد كالدينار الواحد.
قال عن مالك: ومن أسلف/ دينارين بحبة حبة فأخذ وازنًا وناقصًا حبتين فهو مكروه.
فصل [5 - فيمن أخذ من الفرادى فضة مكسورة ومجموع الفضة من مجموعها وتبر الفضة من المجموع] ومن المدونة: قال مالك: ومن لك عليه درهمان فرادى قد عرف وزن كل واحد منهما إلا أنهما لم يجمعا في الوزن، فلا تأخذ منه بوزنهما تبر فضة مكسورة، كانا في الجودة مثل الفضة أو أدنى؛ لأنك إذا أخذت وزن الفرادى مجموعة، لابد أن تزيد وزن المجموعة على الفرادى الحبة والحبتين، أو تنقص فلا يكون ذلك مثلاً بمثل.

الجزء: 12 - الصفحة: 476

قال في كتاب محمد: وله أن يعطيه من الفضة وزن كل درهم على حده، قال: ولو كان إنما له عليه درهمان مجموعان جاز أن يأخذ وزن درهمين فضة إن لم تكن الفضة أجود.
وقال أشهب: إذا عرف وزن كل درهم على حده فهي مجموعة وفرادى، فإن قضاة مجموعة تبرًا جاز، وإن قضاه فرادى جاز، وسواء كانت من بيع أو قرض أو استهلاك.
م قال بعض القرويين في الدرهمين الفرادى معناه: أنه عرف وزن كل واحد منهما على التحري، وأما لو عرف وزن كل واحد منهما على الإنفراد لجاز، كما لو عرف وزن كل واحد على الاجتماع، وإنما يتقى ذلك فيما كثر والله أعلم.
ومن المدونة: قال مالك رحمه الله: ولا يباع القمح وزنًا بوزن وليس ما كرهنا من أخذ مجموعة من فرادى مثل ما أجزنا من أخذ السمراء من المحمولة، والمحمولة من السمراء بعد تمام الأجل؛ لأن الطعام مكيل لا تفترق أقداره، وهذا مختلف.
قال: ويجوز أخذ مجموع الفضة من مجموعها؛ لأنه أخذ مثل وزن فضته أجود من فضته أو دونها في الجودة.

الجزء: 12 - الصفحة: 477

م يريد فهو كقضاء القمح بعضه من بعض؛ لأن الجميع مكيل لا تفترق أقداره.
قال مالك: ومن لك عليه درهمان مجموعان فلا تأخذ منه بوزنهما أو أقل تبر فضة أجود من فضتهما؛ لأنه بيع لسكتهما بجودة وليس هذا كقضاء سمراء من محمولة؛ لأن السكة غير الدراهم، وجودة الطعام ليست غيره.
قال: ويجوز تبر الفضة بفضة قضاء من بعض أجود صفة أو أردى عند الأجل في مثل الوزن، ما لم تكن سكة ولا فضل في وزن.
م كقضاء الطعام بعضه من بعض.
قال: ومن لك عليه تبر فضة أو ذهب مكسور فلا تأخذ منه إذا حل الأجل تبرًا أجود من الذي لك عليه أقل وزنًا، ويجوز أن تأخذ أدنى من تبرك أقل وزنًا، ولا يجوز في الاقتضاء في الطعام إلا ما يجوز في البدل، فلا يجوز أن تأخذ منه بعد الأجل محمولة أقل كيلاً من سمراء لك عليه قضاء من جميع الحق.
قال في كتاب محمد: سواء كان ذلك من بيع أو قرض، وأجازه أشهب في القرض.
[فصل 6 - في اقتضاء الدقيق من القمح] ومن المدونة: قال أشهب: إنه جائز كالفضة، وكذلك لو اقتضاه دقيقًا من قمح، والدقيق أقل كيلاً، فلا بأس به إلا أن يكون الدقيق أجود من القمح الدين، فلا يجوز.
م لأنه ترك فضل ريع القمح لجودة الدقيق.

الجزء: 12 - الصفحة: 478

قال ابن القاسم: والفرق بين الفضة والتبر وبين الطعام أن الفضة التبر كلها نوع واحد عند الناس، وأمر قريب بعضه من بعض، والسمراء والمحمولة مختلفة السوق متباعد ما بينهما، ولو جاز ذلك لجاز أن تأخذ شعيرًا أو دقيقًا أو سلتًا أثل، ويدخله أيضًا في الطعام من قرض أو استهلاك التفاضل في بيعه، ويدخله أيضًا في البيع قبل قبضه.
قال: ومما يبين ذلك لو أتاك رجل بأردب سمراء فقال لك: أعطني بها خمس ويبات محمولة أو شعيرًا أو سلتًا على وجه التطاول منه إليك لم يجز، ودخله بيع الطعام بالطعام متفاضلاً، وكذلك إن أتاك بطعام جيد فأبد له منك بأردى منه، لم يجز بأكثر من كيله، ويجوز في الذهب بدلها بأنقص منها وزنًا وأشر عيونًا على المعروف فافترقا.
م وبدله خمس ويبات بإردب كبدله خمسة دنانير بستة، فلا يجوز في الوجهين، وليس الرجحان كزيادة العدد، فلا تلزم هذه الحجة أشهب، والاقتضاء أيضًا بخلاف البدل، ألا ترى أنه يجوز له أن يأخذ من مئة إردب سمراء خمسين إردبًا سمراء؛ ولا يجوز أن يبادله خمسين بمائة على وجه التطاول.
م فبان أن قول أشهب في هذا أصح والله أعلم.
[فصل 7 - في اقتضاء الصيحاني من العجوة والزبيب الأحمر من الأسود] ومن المدونة: قال: ولا خير في اقتضاء صيحاني من عجوة قبل الأجل من قرض أو بيع، ولا زبيب أحمر من أسود وإن كان أجود منه.
وما جاز في الاقتضاء من القرض جاز في الاستهلاك.

الجزء: 12 - الصفحة: 479

م وله قول آخر في إجازته وهو أحسن.
[قال] ابن المواز: قال ابن القاسم: ولك أن تأخذ في القرض قبل الأجل سمراء من سمراء أجود جودة، ومحمولة من محمولة أجود جودة، ولا تأخذ أدنى ولا تأخذ أحد الصنفين من الآخر حتى يحل الأجل.
م ويدخله في الأدنى ضع وتعجل في الأرفع بيع الطعام بالطعام إلى أجل، وذلك كاقتضاء دنانير من دراهم أو دراهم من دنانير قبل الأجل.
[فصل 8 - في اقتضاء الدقيق من القمح وفي بيع مصوغ الذهب بتبر أو مسكوك] ومن المدونة: قال مالك رحمه الله: ومن أقرضته قمحًا فقضاك دقيقًا مثل كيله جاز، وإن كان أقل من كيله لم يجز.
وإن أقرضت رجلاً ذهبًا مصوغًا أو مسكوكًا فقضاك تبرًا مكسورًا أجود عينًا، أو قضاك حليًا أو دنانير من تبر ذهب أقرضته [إياه] والتبر أجود ذهبًا، والوزن في ذلك كله واحد لم يجز؛ لأنه بيع لسكة أو صياغة بجودة ذهب،

الجزء: 12 - الصفحة: 480

والصياغة بمنزلة السكة؛ لأنه كان لا يلزمك أن تأخذ تبرًا من حلي أقرضته، فلما أخذته علمنا أنك إنما رضيته لفضل عينه، وذلك بحضورهما في المراطلة جائز، وتلغى السكة والصياغة وتزول التهمة.
قال أبو محمد: ويجوز أن يقضيك حليًا أو سكيًا من تبر بعد أن يكون ذهب الكل واحد، أو يكون ذهب الحلي أجود.
فصل [9 - فيمن اقتضى دنانير مجموعة فرجحت] ومن المدونة قال مالك: وإذا اقتضيت عشرة دنانير مجموعة من بيع فرجحت جاز أن تعطيه برجحانها عرضًا أو ورقًا بخلاف المراطلة.
م لعله يريد أن يعطيه برجحانها عرضًا أو ورقًا كالدرهم والدرهمين فيكون إن قدرت أنه سلعة نقدًا أو فضة مؤجلة بذهب مؤجل جاز، كقولهم في بيع سلعة بدينار إلا درهمًا أو إلا درهمين، يتناقدا السلعة ويتأخر الدينار والدرهم، وإن قدرت أنه بيع للرجحان بهذا الورق فهو أجوز، وأما إن كثر الرجحان فيدخله ما دخل بيع سلعة بدينار إلا درهمًا، والله أعلم إذا كان البيع إلى أجل.

الجزء: 12 - الصفحة: 481

ولكن رأيت في المستخرجة ما يرد هذا قال فيها: إذا قضاه دنانير فزاد ثلثًا فلا بأس أن يأخذ بذلك الثلث ورقًا، وأراهم إنما أجازوا ذلك؛ لأن المجموعة أسقطوا فيها حكم السكة، وإنما هي الأثلاث والأرباع، فهي كالقراضة، فإذا صح ذلك فكأنه زاده في القضاء دينارًا، وقال له: أعطني به ورقًا كما لو كان يسأله عشرة دنانير قائمة فقضاه أحد عشر دينارًا وقال له أعطني بالدينار الزائد ورقًا، فهذا جائز.
قال في كتاب/ محمد وابن حبيب: وكذلك إن كانت العشرة من قرض، واختلف فيه قول مالك إذا رد عليه ورقًا.
[قال] ابن المواز: وأجازه ابن القاسم وأصحابه إلا في أخذه الرجحان ذهبًا.
م قول مالك لا يعطيه في الرجحان ورقًا في القرض أحسن، وكذلك إن اعطاه الآخر في النقصان ورقًا في مجلس القضاء؛ لأنه ذهب وورق بذهب في الوجهين، وابن القاسم حمل أمرهما على الصحة، وإنما وقع البيع الآن في الرجحان والنقص، ولا تهمة في ذلك.
قال ابن المواز: قال مالك وابن القاسم: وإن أعطاه برجحانها ذهبًا لم يجز، كانت من بيع أو قرض؛ لأنه يصير عرضًا وذهبًا بذهب في البيع، وفي القرض ذهب نقدًا وذهب مؤجلة بذهب مؤجلة.
[قال] ابن المواز: وأجازه أشهب في القرض خاصة وهو أخف من البيع.
م لأنه إنما دفع ذهبًا فأخذ مثلها فلا تهمة في هذا.

الجزء: 12 - الصفحة: 482

[قال] ابن المواز: وإن وجد الدنانير ناقصة فلا بأس أن يأخذ بنقصها ورقًا أو ما شاء مكانه.
[قال] ابن المواز: واختلف قول مالك في أخذه النقصان في مجلس القضاء.
قال ابن المواز: وأراه خوفًا أن يزيده في الصرف لأن يتجوز عنه.
م يريد بالتجوز عنه أخذ الناقصة، فصار الفضل بين الذهبين.
قال ابن المواز: وهذا خفيف لا تهمة فيه؛ لأنه إنما يأخذ بقية حقه فله أن يشتري به دراهم أو غيرها إلا أن يكون في الدنانير شيء تجاوزه عنه في عينه مما لا يحكم عليه بأخذه، فها هنا يكره أن يأخذ مع ذلك شيئًا من الأشياء، وأما بعد مجلس القضاء فجائز أن يأخذ منه ما شاء، ما لم يأخذه على إضمار أو طمع.
وكذلك من لك عليه نصف دينار أو ثلثا دينار أو ثلاثة أرباع أو دينار وكسر، من بيع أو قرض، فهو كالمجموع، وإن قضاك أكثر وزنًا، فرددت عليه لذلك ورقًا أو عرضًا فهو جائز، ولا ترد عليه ذهبًا، ويجوز أن تأخذ أنقص، وتأخذ ببقيته ما شئتما.
وكذلك الدراهم في هذا، لو ابتعت منه بنصف درهم مبهم، ولم تشترط فرادى فلك أن تعطي أكثر، وتأخذ فضله أو أقل، وتوفيه بقيته،

الجزء: 12 - الصفحة: 483

وكذلك ثلثين في ثلاثة أرباع أو درهمًا أو ربعًا أو سدسًا.
ولو أقرضك درهمًا فردًا فيه نصف درهم أو دينارًا فردًا، فيه نصف لم يجز أن تقضيه درهمًا أو دينارًا، نصفه قضاء وتأخذ بنصفه شيئًا، وكذلك الدينار الواحد، لو باع منه بدينار ناقص قيراطًا فوجد عنده وازنًا فأعطاه بفضله دراهم أو طعامًا لم يجز، وكذلك إن باع بوازن فيريد أن يعطيه ناقصًا ويزيده، ولو لم يقع بيع، وإنما إن كانت مراوضة لجاز، وكذلك في كتاب محمد والعتبية، وقال في موضع آخر في العتبية أنه جائز، قلت: بعد الوجوب قال: نعم، كأنه حمله على المساومة، ورد ذلك محمد إلى المعنى الظاهر في المسألة أنه لا يجوز بعد التواجب.
م ووجه فساده كأنه وجب له عليه دينار وازن فباعه منه بهذا الناقص ورقًا أو عرضًا، وكذلك إن باعه بناقص فدفع إليه وازنًا وأخذه منه شيئًا فلا يجوز، وكأنه باع منه الناقص وما زاده معه هذا الوزان، فهو ذهب وعرض بذهب، أو ذهب وورق بذهب، فيدخله التفاضل بين الذهبين وذلك ربًا.

الجزء: 12 - الصفحة: 484

قال ابن المواز: والمثاقيل الكثيرة والفرادى بمنزلة الواحد، وإنما أجازوها في المجموعة خاصة؛ لأنهم أسقطوا فيه السكة.
قال أبو محمد: أخبرني بعض أصحابنا عن يحيى بن عمر أنه قال في رجل كان له على رجل دينار وازن، فأعطاه دينارًا ناقصًا، وأعطاه بنقصه فضة.
قال: أما في الدينار الواحد فلا يصلح ذلك، وأما/ إن كانت دنانير فلا بأس أن يأخذ بنقصها فضة.
وقال ابن عبد الحكم: لا بأس بذلك في الدينار الواحد أيضًا إذا قبض الفضة مكانه، وإنما أجاز يحيى بن عمر ذلك في الدنانير الجماعة؛ لأنها كالمجموعة، ولا يكون الواحد مجموعًا.
[فصل 10 - فيمن اقتضى لحمًا فوجد فضلاً عن وزنه وفيما يحل ويحرم في اقتضاء الطعام] ومن المدونة: قال ابن القاسم: وكذلك إن كان لك عليه لحم أو حيتان فاقتصيته منه فوجدت فيه فضلاً عن وزنك، فجائز شراؤك تلك الزيادة بثمن نقدًا أو إلى أجل، إن كان أجل الطعام قد حل وإن لم يحل فلا خير فيه.
م يريد ويدخله بيع وسلف منه لك.
قال ابن القاسم: وإن حل الأجل واختلفت الصفات والجنس واحد، فلا بأس أن تأخذ مثل وزنك أو كيلك أجود صفة أو أردى، ولا تغرم لجودته أو تأخذ

الجزء: 12 - الصفحة: 485

لرداءته شيئًا، ولا تأخذ أجود وأكثر كيلاً وتؤدي شيئًا أو أردى أو أقل كيلاً وتأخذ شيئًَا، ولا تأخذ أجود وأقل كيلاً ولا أردى وأكثر كيلاً، وإن لم تغرم لذلك شيئًَا ولا رجعت بشيء، ويدخل ذلك كله بيع الطعام قبل قبضه إن كان من بيع، ولو كان هذا من العروض التي تكال أو توزن أو غيرها من الثياب والحيوان عدا الطعام فلا بأٍس به.
ويدخل في القرض التفاضل في بيع الطعام إلا أنه لا يأخذ في القرض أزيد كيلاً وإن لم تغرم لذلك شيئًا، اتفقت الصفة أو اختلفت وكذلك هذا في العروض القرض، وإن كانت العروض من بيع جاز ذلك وكذلك الحيوان من بيع.
م لأنه في البيع معروف صنعه إذا أعطى أزيد مما عليه، وفي القرض يدخله سلف جر منفعة إلا أن يزيده بعد مجلس القضاء من غير وعد ولا أي ولا عادة فيجوز.
فصل [11 - فيمن له دراهم عددًا فاقتضى مثل عددها أو أكثر وزنًا أو أقل عددًا] ومن المدونة: قال: ومن لك عليه دراهم يزيدية عددًا فقضاك محمدية أو يزيدية عددًا أو أرجح لك في الوزن في كل درهم، فلا بأس به ما لم تكن عادة، ولا يجوز أن تأخذ محمدية أقل من وزن اليزيدية؛ لأنك تركت [فضل] وزن يزيديتك لفضل عيون المحمدية، وكذلك إن قضاك تبرًا مكسورًا أجود من تبرك وأقل وزنًا لم يجز،

الجزء: 12 - الصفحة: 486

سواء كان ما ذكرنا من بيع أو قرض، وإن أقرضته فضة بيضاء فقضاك بعد الأجل فضة سوادء مثل الوزن فأقل جاز، ولا يجوز أرجح؛ لأنك تركت جودة فضتك البيضاء في زيادة وزن فضته السوداء، وكذلك إن قضاك فضة بيضاء من فضة سوداء مثل الوزن فأكثر جاز، ولا يجوز أن يقضيك أقل من الوزن، وهذا كله ما لم يكن بينهما عادة.
قال مالك: ومن أقرضته دينارًا قائمًا فلا بأس أن تأخذ بسدسه أو بما شئت من أجزائه دراهم إذا حل الأجل أو كان حالاً، ويجوز أن تأخذ منه بثلثه عرضًا نقدًا ثم لا تأخذ منه ببقيته في الوجهين ذهبًا؛ لأنه يصير ذهبًا وورقًا بذهب، أو ذهبًا وعرضًا بذهب.
[قال] ابن أبي زمنين: هذا إن كان الدينار قائمًا صحيحًا، فأما إن كان مقطعًا مجموعًا فلا بأس بذلك.
وكذلك قال سحنون، وإنما قاله لأن الدينار المجموع هو بمنزلة الجملة من الدنانير، ولا بأس بأن يأخذ بعضها دنانير وبعضها دراهم.
ومن المدونة قال مالك رحمه الله: ويجوز أن تأخذ ببقيته عرضًا وإن أخذت ببقيته دراهم وحدها أو مع عرض جاز ذلك إن حل الأجل، وإن لم يحل لم يجز.
م ويدخله التأخير في الصرف.
[قال] ابن المواز: وأجاز أشهب أن يأخذ الجزء الباقي ذهبًا مثل ذهبه ووزنه لا أقل ولا أكثر؛ لأنه الباقي له عليه.

الجزء: 12 - الصفحة: 487

[قال] ابن المواز: ولو كان ما/ أبقيت شيئًا غير الذهب ما جاز أخذ ما أخذت أولاً، ولو اختلفا فيما بقي لم يحكم له إلا بالورق.
قال ابن المواز: وقول أشهب أحب إلينا؛ لأن من باع بنصف دينار إلى أجل، فإنما له ذهب ولا يقضى له إلا بالورق، ولا يجوز أخذه ورقًا قبل الأجل.
قال ابن القاسم في مسألة الدينار: وأكره أن يأخذ الجزء الأول ذهبًا وإن أخذ بعده ورقًا أو ذهبًا، وإنما يأخذ أولاً عرضًا أو ورقًا.
قال ابن المواز: ومن لك عليه دينار من بيع أو قرض فعسر به فنجمته عليه ثلاثة أنجم على أن يتعجل ثلث ما ذكر فلا يجوز ذلك؛ لأنك تعجلت دراهمًا أو ذهبًا أو عرضًا.
[قال] ابن المواز: إن تعجل عرضًا فهو بيع وسلف، وفي الدراهم صرف وسلف، وفي الذهب الزيادة في العدد، ولو عجل له ثلاثة أثلاث لم يجز، وكذلك إلى الأجل؛ لأن الأثلاث كالمجموعة، فهو بمنزلة أن لو دفع عن دنانير قائمة مجموعة أكثر من عدد القائمة، فلا يجوز، وإنما يجوز ذلك في قضاء المجموعة.
وروى أشهب عن مالك فيمن له على رجل دينار من بيع أو قرض فنجمه عليه في كل شهر نجمًا، أنه أجازه، وروي عنه أيضًا أنه كرهه.
وقال ابن عبد الحكم:

الجزء: 12 - الصفحة: 488

أكرهه، فإن نزل لم أفسخه، وقال ابن المواز: بل يفسخ وإنما أجازه مالك وابن القاسم لو وقع به أصل البيع أن يعطي ثلثًا كل شهر.
قال ابن القاسم: ومن لك عليه ثلثا دينار لم يجز أن تنجمه عليه أنجما وكذلك من لك عليه قيراطان من ذهب.
قال أصبغ: وقد خفف غيره التنجيم.
قال مالك: ومن لك عليه نصف دينار من شيء ونصف دينار من شيء آخر، وجب له في الحكم أخذ دينار.
قال في العتبية: ومن عليه ثلاثة أثلاث دينار منجمة في كل شهر ثلث فلا بأس أن يعطيه بذلك دينارًا قبل الأجل، يريد دينارًا قائمًا.
م ومن أقرضك دراهم فأسقطت وضرب غيرها، فليس له عليك إلا مثلها.
قال بعض القرويين: إذا أقرضه دراهم فلم يجدها بالموضع الذي هو به الآن أصلاً فعليه قيمتها بموضع أقرضه إياها يوم الحكم لا يوم كان دفعها إليه.

الجزء: 12 - الصفحة: 489

[الباب الثامن]

في الذهب بالذهب والفضة بالفضة في المبادلة والمراطلة

[الفصل 1 - في تحريم الربا والتحذير من المشتبهات] قال أبو محمد: إن الله سبحانه أجمل تحريم الربا في كتابه فقال جل وعز في ذلك: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَالُوا إِنَّمَا الْبَيْعُ مِثْلُ الرِّبَا وَأَحَلَّ اللهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبَا﴾ [البقرة: 275] وبين كثيرًا من ذلك على لسان نبيه محمد صلى الله عليه وسلم، فمن ذلك ما قال صلى الله عليه وسلم: (لا تبيعوا الذهب بالذهب إلا مثلاً بمثل، ولا تشفوا بعضها على بعض، ولا تبيعوا الورق بالورق إلا مثلاً بمثل ولا تشفوا بعضها على بعض، ولا تبيعوا غائبًا منها بناجز) وفي حديث آخر (ومن زاد واستزاد فقد أربى) وقد حذر رسول الله صلى الله عليه وسلم من الشبهات فقال (الحلال بين والحرام بين وبينهما أمور متشبهات فمن اتقى الشبهات فقد استبرأ لدينه وعرضه، ومن وقع في المشتبهات وقع في الحرام كالراعي يرعى حول الحمى يوشك أن يقع فيه، ألا وإن لكل ملك حمى، ألا وأن حمى الله محارمه، ألا وإن في الجسد مضغة إذا صلحت صلح الجسد كله وإذا فسدت فسد الجسد كله ألا وهي القلب).

الجزء: 12 - الصفحة: 490

وقال عمر بن الخطاب رضي الله عنه: آخر ما أنزل الله عز وجل على رسوله صلى الله عليه وسلم آية الربا، فتوفى رسول الله صلى الله عليه وسلم ولم يفسرها ألا فدعوا الربا والريبة.
[فصل 2 - في بيع الذهب بالذهب أو الفضة بالفضة مراطلة أو مبادلة] قال ابن القاسم: قال مالك رحمه الله: ولا يجوز ذهب بذهب أو فضة بفضة في المراطلة إلا مثلاً بمثل، وأما في بدل دينار أو درهم بأوزن منه فجائز ذلك فيما قل، مثل الدينارين والثلاثة بخلاف المراطلة وفعله ابن عمر وغيره.
وابذل من المعروف عددًا لا كيلاً كما جاز في القضاء أخذك أرجح أو أنقص، ولم يجز ذلك في المراطلة لأن ذلك تكايس، والأول معروف، وقد استسلف النبي صلى الله عليه وسلم بكرًا فقضى جملاً خيارًا رباعيًا فقال: إن خير الناس أحسنهم قضاء.

الجزء: 12 - الصفحة: 491

قال مالك: ولا يجوز في المبادلة ولا في القضاء أن يكون الناقص أجود عينًا، فيخرج من باب المعروف إلى باب التكايس فيحرم.
قال مالك رحمه الله: ومن أبدل لك دراهم كيلاً فقلت له زدني في الكيل فذلك ربًا، وقاله أبو بكر الصديق رضي الله عنه.
قال مالك: وأما إن أبدل لك دينارًا أو درهمًا بأوزن منه بغير مراطلة فذلك جائز فيما قل مثل الدينارين والثلاثة لا أكثر؛ لأن هذا معروف والأول مكايسة.
قال ابن القاسم: وكذلك إن أبدل لك رجل ثلاثة دنانير تنقص سدسًا سدسًا بثلاثة دنانير وازنه على المعروف جاز، وإن أعطاك بها دينارين قائمة لم يحل.

الجزء: 12 - الصفحة: 492

قال: ومن أتى إلى رجل بدينار ينقص خروبة فقال له: أبدل لي بدينار وازن، ففعل فلا بأس بذلك عند مالك إذا كان عيون الدينارين وسكتهما واحدة.
قلت: فإن كانت سكة الوازن أفضل فقال: سألت مالكًا عن ذلك فيمن أبدل هاشميًا ينقص خروبة بدينار عتيق وازن، فقال: لا خير فيه، فتعجبت من قوله، فقال لي طليب بن كامل يتعجب: فإن ربيعة كان يقول قوله ولا أدري من أين أخذه ولا بأس به عندي.
م حكي عن الشيخ أبي الحسن بن القابسي رحمه الله أنه قال: وجه قول مالك أن الشرع منع جواز التفاضل بين الذهبين فخص الإجماع جواز بدل الناقص بالوازن من سكة واحدة، وبقي ما سواه على أصله.
م وقد علل أيضًا قول مالك بأن الناقص قد يكون يومًا أفضل من الوازن لسكته مثل أن يكون هو الجائز في غير هذا البلد، فينفق حين السفر إليها فيكون حينئذ أفضل من الوازن، فاتقى مالك هذا والله أعلم.

الجزء: 12 - الصفحة: 493

[فصل 2 - في بيع الدنانير الهاشمية بمثلها] ومن المدونة قال ابن القاسم: وإن كان الديناران هاشميين إلا أن أحدهما ضرب بمصر والآخر ضرب بدمشق، فإن كان الناقص أفضل في عينه ونفاقه لم يجز، وإن اتفقا في الجودة والنفاق فلا بأس به.
وإن كان الوازن أفضل في عينه ونفاقه فقد كرهه مالك بحال ما أخبرتك، ولا بأس به عندي وهذا كله فيما قل مثل الدينارين والثلاثة، وأجاز في موضع آخر أن يبدل له ستة تنقص سدسًا سدسًا بستة وازنه على المعروف.
وقال في كتاب ابن المواز: إنما يجوز مثل الدينار والدينارين وأما العشرة فأكثر فلا يجوز.
فصل [4 - في المراطلة] ووجه المراطلة اعتدال الكفتين، ولا يجوز أن يتجاوز أحدهما لصاحبه رجحان/ شيء وقد راطل أبو بكر الصديق رضي الله عنه أبا رافع خلخالين بدراهم، فرجحت دراهم أبي رافع، فقال هو لك حلال، فقال أبو بكر: إن أحللته أنت فإن الله لا يحله، سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: (الذهب بالذهب والورق بالورق وزنًا بوزن، الزائد والمزاد في النار).

الجزء: 12 - الصفحة: 494

قال مالك: وسواء تراطلا بذهبين أو فضتين مسكوكة أو تبرًا، ولا بأس باختلاف أوزان المسكوكة في الإنفراد إذا اعتدلت الكفتان في المراطلة، ولا بأس أن يكون ذهب أحدهما تبرًا أو حليًا أو مسكوكًا أجود من ذهب صاحبه أو أردى وذهب الآخر حلي أو مسكوك أو تبر وكذلك الفضتان، وكذلك دنانير بدناير لأحدهما فضل عيون وللأخرى فضل وزن، فذلك جائز إذا اعتدلت الكفتان.
ووجوه المراطلة كلها جائز إلا في وجهين: أحدهما أن يرجح ذهب أحدهما فيزيده الآخر لذلك عرضًا أو فضة أو يزيده في الفضتين ذهبًا أو عرضًا، أو يتجاوز له ذلك الرجحان وإن لم يأخذ له عوضًا، والآخر: أن يخرج أحدهما ذهبه، ويخرج الآخر ذهبين، أحدهما أجود من المنفردة في عين أو نفاق، والأخرى أردى منها فلا يجوز ذلك، وإن كانت المنفردة أجود منهما أو أردى أو مثل أحدهما وأجود من الأخرى فذلك جائز.
[قال] ابن المواز: كانت المنفرة سكية أو تبرًا والذهبان سكتين أو تبرًا [أو أحدهما تبرًا] والآخر مسكوك، وكذكل الفضتان فيما ذكرنا.

الجزء: 12 - الصفحة: 495

م يريد وينظر فيما يساوي من الذهبين في عينه، فإن الارتفاع بالسكة في أحدهما كالارتفاع بجودة عينه فيما يحل ويحرم، فقد قال ابن القاسم في كتاب محمد: إذا راطله تبرًا بتبر ودنانير، فإن كان التبران سواء، أو كان التبر الذي مع الدنانير أجود فلا بأس به، وإن كان التبر الذي مع الدنانير أدنى التبرين فلا يجوز.
م لأنه رأى أن الدنانير أفضل من التبر المنفردة بالسكة- والتبر الذي مع الدنانير أدنى من المنفرد، فصار المنفرد متوسطًا فلم يجز.
ورأى بعض القرويين أن ذلك خلاف للمدونة، واحتج بمسألة إذا تراطلا بسكتين مع أحدهما تبر، فقال فيه: لو كان التبر والسكي دون المنفرد لجاز.
م فليس بذلك حجة؛ أن المنفردة أرفع منهما، فصار الفضل في أحد الناحيتين، ولم يقل إن ذهب السكي الذي مع التبر أرفع من المنفردة، حتى تصير المنفردة متوسطة أدنى من إحدى الذهبين وأرفع من الأخرى، فهذا الذي لا يجوز، فاعتبر ذلك تجده صحيحًا، وليس بين المسألتين اختلاف، وقول محمد أصوب والله أعلم.

الجزء: 12 - الصفحة: 496

قال بعض أصحابنا: وذكر أبو بكر بن عبد الرحمن أن الشيخ أبا الحسن منع أن يراطل سكيًا بحلي قبل معرفة وزن السكي، إذ لا يجوز بيع السكي جزافًا، وأجاز ذلك ابن عبد الرحمن؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم إنما منع من التفاضل بين الذهبين، وهذا متفق الوزن، وقيل عن أبي الحسن أنه كره أن يتراطلا دراهم بدراهم أو دنانير بدنانير مثلها قبل أن يعلم كل واحد منهما وزن دراهمه أو ذهبه وليزن ذهبه أو فضته قبل أن يراطل بها؛ لأن المسكوك لا يجوز فيه الجزاف، فإذا تراطلا قبل معرفة الوزن صار ذلك جزافًا.
م والصواب جواز ذلك إذ لا غرر فيه؛ لأنه إنما يأخذ مثل دراهمه أو مثل وزن ذهبه.
وقال أبو الحسن: لا يجوز أن يتراطلا بخلخالين من ذهب أو فضة بمثلهما من ذهب وفضة مسكوكًا إلا أن يستوي جودة ذهب الحلي مع جودة الدنانير فيجوز

الجزء: 12 - الصفحة: 497

ولا/ يراعي هل يستوي نفاق الصياغة والسكة عند الناس؛ لأن السكة عين والصياغة زيادة، فزيادة الجودة بخلاف العين، وقد قيل: يراعي ذلك والأول أحسن.
م وظاهر النصوص أن لا مراعاة في شيء من ذلك إلا اعتدال الكفتين.
وذكر عن أبي الحسن أنه وقف في اقتضاء الحلي من الدنانير.
وقال أبو بكر أبن عبد الرحمن وأرى أنه لا يجوز، قال غيره أراه يريد إذ لا يتحصل أن يكون أحدهما خيرًا من الآخر لاختلاف أغراض الناس فيها والله أعلم.
[فصل 5 - في هبة زيادة الوزن في المراطلة وبيع المصوغ بالتبر فيها] ومن المدونة: قال مالك رحمه الله: وإن بعت من رجل دراهم بدراهم أو فضة بفضة، فلما توازنتما رجحت كفتك فوهبته ذلك لم يجز، ويجوز في المراطلة بيع مصوغ الذهب بتبر ذهب أو بدنانير أجود من ذهب المصوغ أو أرادا [كيلاً] يدًا بيد، بخلاف الاقتضاء.

الجزء: 12 - الصفحة: 498

لأنه في المراطلة لم يجب لأحدهما قبل الآخر شيء فيتهم فيما ترك له لفضل ما أخذ منه، وفي الاقتضاء قد وجب له ذهب مسكوك أو مصوغ؛ فإن أخذ تبرًا أجود منه، أتهم أن يكون ترك السكة والصياغة لفضل الذهب الذي أخذ، وقد تقدم في باب الاقتضاء أن من أخذ بعد الأجل تبرًا أردى من تبره وأقل من وزنه أنه جائز، ولا يأخذ بعد الأجل بيضاء أقل كيلاً من سمراء، وأجازه أشهب، وفي باب الاستحقاق وغيره مسألة الحلي أو النقرة بين الرجلين، يبيع أحدهما حصته من شريكه بمثل نصف وزنها أنه جائز، ورواية أشهب أنه لا يجوز.
[فصل 6 - في بيع التبر الأحمر بالذهب الأصفر] قال مالك: ولا يجوز التبر الأحمر الإبريز الهرقلي بالذهب الأصفر- ذهب العمل- إلا مثلاً بمثل.
وكذلك إن كان لرجل تبر ذهب أصفر وللآخر تبر أبريز أحمر، فتصارفا وزنًا بوزن أنه جائز.
قال مالك: وإن اشتريت دنانير منقوشة مضروبة ذهبًا إبريزًا أحمر بتر ذهب أصفر وزنًا بوزن جاز ذلك.
قال ابن القاسم: فإن أصاب في الدنانير ما لا يجوز عينه في السوق وذهبه أحمر جيد لم ينتقض الصرف بينهما، ولم يكن له رده؛ لأنه إنما يرجع بمثل ما يرد أو أردى، وأشهب يرى له الرد.
م فوجه قول أشهب؛ فلأنه إنما باعه على أن يأخذ منه ما يجوز له، فإذا أعطاه ما لا يجوز له فله رده، وينتقض من التبر بوزنه اعتبارًا بغير المراطلة.

الجزء: 12 - الصفحة: 499

ووجه قول ابن القاسم؛ فلأنه لو رده عليه فكسره هذا ثم أعطاه إياه مكسورًا، لم يكن له رده؛ لأنه مثل تبره أو أجود، فلا معنى لرده.
قال ابن القاسم: وإن كان الدينار مغشوشًا انتقض من التبر يمثل وزنه خاصة، وأما من اشترى حليًا من فضة بوزنه من الدراهم، فوجد بالحلي كسرًا أو شقًا فله رده، كما لو اشتراه بدنانير أو بعرض فله رده كالسلعة تشترى، وإنما ابتاعه لصياغته، فلا يجوز فيه التدليس؛ ولأنه إذا حبسه لم يبق بيده مثل ما أعطاه من فضل سكته لفضل صياغته، كمن ابتاع دقيقًا بقمح، فقد ترك ريع القمح لما كفاه من مؤنة الطحين، فلو وجد بالدقيق أو بالقمح عيبًا لرده؛ لأن دقيق القمح المعيب ليس كدقيق الصحيح، فهذا بخلاف الدنانير المعينة بالتبر؛ لأنها إذا لم تكن مغشوشة فهي مثل ما أعطى أو أفضل.
وكذلك لو ابتاع الخلخالين وهما من ذهب أو فضة بتبر ذهب أو فضة فوجد في الخلخالين عيبًا يردان منه، وذهبهما أو فضتهما مثل تبره أو أجود، فلا يردهما؛ لأن ما في يديه مثل تبره أو أفضل، وعلى هذا يحمل جميع ما يشبه هذه الوجوه.

الجزء: 12 - الصفحة: 500

فصل [6 - في مراطلة دنانير ذهب صفر مع مثلها وتبر ذهب أحمر] / قال ابن القاسم: وإذا كان لرجل دنانير ذهب أصفر، ولآخر مثلها دنانير ذهب أصفر مع تبر ذهب أحمر، فراطله بها فإن اتفق المسكوكان في النفاق جاز، كان التبر رفع من المنفردة أو أدنى، وإن كانت الدنانير التي مع التبر دون المنفردة، والتبر أرفع منها في نفاقها لم يجز ذلك؛ لأن صاحب الدنانير المنفردة أخذ فضل عيون دنانيره على دنانير صاحبه في جودة التبر الإبريز.
وإن كانت المنفردة دون الدنانير التي مع التبر ودون التبر أو أرفع منهما في نفاقهما جاز ذلك.
وإن كانت إحدى الذهبين كلها أنفق جاز ذلك؛ لأنه معروف، وإن كانت أحدى الذهبين نصفها مثل الذهب المنفردة، ونصفها الآخر أنفق منها جاز، وإن كان نصفها أنفق من المنفردة ونصفها دون المنفردة لم يجز.
م وتحصيل ذلك أن ينظر، فإن كانت المنفردة متوسطة تكون أجود من إحدى الذهبين وأدنى من الأخرى لم يجز، وما سوى ذلك فجائز، وقد تقدم بعض هذا.
[فصل 8 - في مراطلة الهاشمية القائمة بالعتق]

الجزء: 12 - الصفحة: 501

قال مالك: وإن راطله هاشمية قائمة بعتق أكثر عددًا أو أنقص وزنًا فلا بأس به، فإن جعل مع الهاشمية ذهبًا أخرى أشر عيونًا من العتق، كالناقصة ثلاث خروبات ونحوه لم يجز.
م جعل الهاشمية ها هنا خيرًا من العتق، وإنما ذلك لنقص العتق.
[قال] ابن المواز: قال مالك: وتفسير ما كره من ذلك أن صاحب الذهبين الجياد والرديئة قد أخذ كل واحد بجودة ذهبه الجيدة، فضلاً من ذهب صاحبه بما أدخل معها من ذهبه الرديئة، وكذلك لو جعل أحدهما ثلاثة آصع عجوة، وجعل الآخر صاعين في تمر كبيس مرتفع وصاعًا من حشف التمر، لم يجز؛ لأن صاحب العجوة لم يكن يدفع صاعًا منها بصاع من حشف التمر لولا فضل الكبيس.
قال مالك: فكل ما لا ينبغي التفاضل فيه من جنس واحد من عين أو طعام فلا ينبغي وإن كثر أن يجعل مع الصنف الجيد منه شيئًا دنيئًا يستحل به التفاضل بين الذهبين والورقين والطعامين من صنف واحد.
وقد خفف مالك في القطعة من الذهب تجعل مع الجيد من المالين ليعتدل الميزان، يكون فيها ثمن أو سدس أو ثلث إذا لم يغتز بها فضل عيون التي معها.

الجزء: 12 - الصفحة: 502

[قال] ابن المواز: ما لم تكن القطعة رديئة.
قال مالك: وإن كان فيها قدر الدينار لم يجز إلا أن تكون مثل المنفردة فأجود.
قال: وإذا كانت دراهم بيض في كفة ودراهم سوداء أفضل منها في كفة ومعها فضة كفضة البيض لم يجز لنقص السكة.
يريد: فصارت بذلك أردى من المنفرد، والسوداء أفضل منها فوجب الفسخ، فيرجع كل واحد منهما بما دفع.
قال مالك: ولا بأس أن يراطله بالمثاقيل فيجعلها في كفة والذهب في كفة، فإذا اعتدلا أخذها صاحب الذهب الأخرى، وجعل ذهبه في تلك الكفة حتى يعتدل بالمثاقيل فيأخذها الآخر وإنما يتحرى بذلك العدل لئلا يكون غبن في الميزان.
فصل [9 - في مبادلة الصائغ وأهل بيت الضرب] قال ابن المواز: قال مالك فيمن يأتي بفضته إلى أهل بيت الصرف فيراطلهم بها بدراهم مضروبة، ويعطيهم أجرتهم فأرجو أن يكون خفيفًا، وقد عمل به فيما مضى بدمشق وتركه أحب إلي، وما يفعله أهل الورع.
ثم قال: وقد ذكر لي أنهم يحبون عليها ويخافون مع ذلك ذهابها، وذلك أن الرجل يأتي بمال العظيم فتشتد عليه الإقامة حتى تضرب، فيراطلهم بدنانيره إلى دنانيرهم الوزانة الجياد المنقوشة، ثم يأخذون منه لكل مئة عمل أيديهم، فلا أرى به بأسًا إن شاء الله تعالى.

الجزء: 12 - الصفحة: 503

قال عنه أشهب: قد كان في زمن بني أمية يفعلون ذلك، فلو كان الناس يخصلون الذهب كذلك ولا يغشونها لم أر بذلك بأسًا، وإنما كانت تجاز يومئذ لأنها سكة واحدة، والتجارة كثيرة فلو حبس الرجل حتى يضرب له ذهبه فاتته الأسوق وأضر بهم ذلك.
قال ابن المواز: فلما اتسع الضرب وكثرت السكك زالت الضرورة فلا يجوز ذلك.
وقال ابن حبيب: لا يجوز لمسافر ولا لمضطر أو غيره إذا وجد دنانير عند السكاك مضروبة أن يأخذها بوزنها ذهبًا ويعطيه أجرة وفي الدراهم مثل ذلك، قاله من لقيت من أصحاب مالك المدنيين والمصريين.
قال: ولا ينبغي أن يعمل [لك] سكاك أو صائغ إلا فضتك أو ذهبك وحده، وأما عمل أهل السكة في جمعهم ذهوب الناس، فإذا فرغت أعطوا لكل واحد بقدر وزن ذهبه، وقد عرفوا ما يخرج من ذلك فلا يجوز هذا أيضًا، قاله من لقيت من أصحاب مالك.
والأول أشر.

الجزء: 12 - الصفحة: 504

م والصواب جواز جمع الذهوب لأهل السكة للرفق بالناس لأنهم لو عملوا ذهب كل إنسان على حدته لاشتد ذلك عليهم وطال وكثر نقص الذهب وكثرت لذلك أجرة عمله، وأضر ذلك بالناس في الانتظار وكثرة الأجرة، وفي جمع ذلك رفق بالناس، فوجب أن يجوز لذلك كما أجاز مالك رحمه الله في أن يدفع إلى السكاك أجرة عمله ويعطيه السكاك دنانير مثل وزن ذهبه لضرورة الصبر، وهذا أشد من جمع الذهوب ولكن أجازوه للضرورة وبالله التوفيق .. فصل [10 - في مراطلة الصائغ] قال ابن المواز قال مالك: ومن أتى إلى صائغ بورقة ليعمل له خلخالين فوجد عنده خلخالاً معمولاً فراطله فيه بورقة وأعطاه أجرة عمل يده فلا خير فيه، ولم يره مثل بيت الضرب.
قال مالك: ولا يصلح أن يعطيه فصًا ويقول له اعمل لي عليه خاتمًا بفضة من عندك حتى أعطيكها مع أجرتك وأخاف أن يكون فضة بفضة وزيادة.
قال: فإن استقرضت من صائغ دنانير وقبضتها منه ثم رددتها إليه، وقال له صغها لي سوارين، ولك جعل درهمين فلا خير فيه إلا أن يفترقا بعد قبض السلف، ويصح أنهما لم يعملا على ذلك.
وفي الواضحة: ولا يجوز أن تراطل الصائغ دراهم بفضة على أن يصوغها لك بأجر، وهو كالذي وجدها مصوغة فراطله بها وأعطاه أجره، وكذلك لو بادله بها، ولم يذكر صياغة ثم دفعها إليه في المجلس لم يجز إلا بعد التفرق وتباعد ذلك وصحته.

الجزء: 12 - الصفحة: 505

قال ابن المواز: وإن أعطيته خمسين على أن يخرج من عنده خمسين ويعمل خلخالين ويأخذ أجرة لم يجز، والخلخالان بينكما، وعليك نصف قيمة عمله لا نصف ما سميت، وكذلك قال في كتاب الإجارة إذا أعطاه خمسين وقال له صغ لي خلخالين بمئة درهم حتى آتيك بالخمسين الأخرى، فذكر مثل هذا الجواب سواء.
قال في الكتابين: وأما لو قال له موه لي هذا اللجام أو هذا السيف بعشرين درهمًا من عندك، وأجرتك عشرة دراهم أقضيكها جميعًا فلا خير فيه أيضًا ولكن لا يكون هذا شريكًا وإنما له العشرون السلف، وأجرة مثله لأنها إجارة وسلف.
قال أبو محمد: والفرق/ عندي بينهما أن الدراهم التي سلف في الخلخالين لم يقبضها متسلفها، ولا أمر الصائغ أن يجعلها له في عرض مثل لجام أو سيف فيصير هذا كالقبض ويصير عليه رد ما أسلفه ولم يحصل له في الدراهم قبض ولا ما يشبه القبض فمن أجل ذلك كانا شريكين.
والله الموفق للصواب.
[فصل 11 - في بيع الدراهم الرديئة] قال ابن القاسم: ولا يعجبني أن يباع الدراهم الستوق الردئ- وهو الذي عليه النحاس- بدرهم فضة وزنًا بوزن ولا بعرض؛ لأن ذلك داعية إلى إدخال

الجزء: 12 - الصفحة: 506

الغش وإفساد أسواق المسلمين، وقد طرح عمر رضي الله عنه في الأرض لبنًا غش أدبًا لصاحبة، ولكن يقطعه، فإذا قطعه جاز بيعه إلا أن يخاف أن يسبك فيعاد فينبغي أن تميز فضته بالسبك.
وقال أشهب: إن رد لغش فيه لم أر أن يباع بعرض ولا بفضة حتى يكسر خوفًا أن يغش به غيره، قال: ويجوز بدله على وجه الصرف بدراهم جياد، مراطلة وزنًا بوزن؛ لأنهما لم يريدا بهذا فضلاً بين الفضتين.
قال بعض أصحابنا: يريد بعد أن يكسر فيجوز بدله بدراهم، هذا معنى قول أشهب.
قال أشهب: وإذا كسر الستوق جاز بيعه إن لم يخف أن يسبك فيجعل دراهم أو يسيل فيباع على وجه الفضة، فإن خاف ذلك فليصفه حتى تباع فضته على حده ونحاسه على حده.
م قوله: وقد طرح عمر رضي الله عنه لبنًا في الأرض غش أدبًا لصاحبه ولمالك رحمه الله في كتاب ابن المواز فيما غش من لبن أو غيره لا يهراق وليتصدق به، وكذلك

الجزء: 12 - الصفحة: 507

الزعفران والمسك إن كان هو غشه وأما ان ابتاعه مغشوشًا فلا.
قال ابن القاسم: وهذا في اليسير وأما في الكثير فلا يتصدق به على من غشه، وليوجع أدبًاز قال ابن القاسم: والدرهم الزائف الذي فيه نحاس لا ينبغي أن يُشترى به شيء حتى يقطع فيباع به إذا لم يغربه أحد.
قال في كتاب الصلح: وكره مالك أن يصالح الرجل من درهم له جياد على زيوف وهي المحمول عليها النحاس أو بدرهم مبهرجة، قال: وأكره البيع بها وإن بين، وأرى أن تقطع، قال ابن القاسم: وذلك للصيارفة فيما أرى، ولا أدري أكره بيعها لجميع الناس أم لا؟ وأرى الصلح بها جائزًا إذا لم يغر بها أحدًا أو كان يقطعها.

الجزء: 12 - الصفحة: 508

[الباب التاسع]

فيمن أقرض دينارًا أو بعض دينار درهم أو باعه به سلعة أو ببعض درهم أو بدانق وشبه ذلك

[الفصل 1 - فيمن أقرض دينارًا أو بعض دينار دراهم] قال ابن القاسم: ومن استقرضك دينارًا دراهم أو ثلث دينار دراهم أو نصف دينار دراهم فأعطيته دراهم، فليس يقضي عليه إلا بدراهم كما قبض مثل وزنها غلت أو رخصت.
قال يحيى بن سعيد: وإن استقرضك نصف دينار، فدفعت إليه دينارًا، فانطلق به فكسره وأخذ نصفه ورد عليك النصف الباقي فعليه أن يعطيك دينارًا فتكسره فتأخذ نصفه وترد إليه نصفه.
قال مالك: إن أعطيته دينارًا فصرفه المستلف فأخذ نصفه ورد عليك نصفه كان عليه نصف دينار غلا الصرف أو رخص.
وقال ابن المواز عن ابن القاسم: إذا دفع إليه دينارًا فقال له صرفه وخذ نصفه وجئني بنصفه لم يكن عليه إلا ما أخذ من الدراهم، ولو أعطاه دينارًا فقال له خذ نصفه وجئني بنصفه كان عليه نصف دينار يريد ويعطيه به دراهم بصرف يوم القضاء.

الجزء: 12 - الصفحة: 509

م وإذا قال له صرفه وخذ نصفه وجئني بنصفه، فإذا ضاع قبل الصرف لم يضمن شيئًا؛ لأنه أمين ولا يصير له منه شيء حتى يصرفه فإن ضاع بعد الصرف ضمن نصفه؛ لأنه قد وجب له بالصرف وهو في النصف الباقي أمين، وإن كان إنما قال خذ نصفه وجئني بنصفه ولم يقل صرفه، فها هنا يضمن نصفه ضاع قبل الصرف أو بعده؛ لأنه بقبضه صار النصف الذي استقرضه في ذمته.
[قال] ابن المواز: قال مالك: ومن باع من رجل بنصف دينار إلى أجل ثم باع منه بنصف دينار آخر إلى ذلك الأجل قضي عليه بدينار، ولا يجوز أن يشترط ذلك عليه في البيعة الثانية.
فصل [2 - فيمن ابتاع سلعة ببعض درهم أو بدانق وشبه ذلك] قال ابن القاسم: وإن ابتعت سلعة بدانق أو بدانقين أو بنصف درهم أو بربع درهم فقد وقع البيع على الفضة، وتعطيه بالفضة ما تراضيتما عليه، فإن تشاححتما أعطيته بذلك فلوسًا في الموضع الذي تحوز فيه الفلوس بصرف يوم القضاء لا يوم التبايع.
وإن ابتعت شيئًا بدانق فلوسًا نقدًا أو مؤجلاً، فإن سميتما ما للدانق من الفلوس أو كنتما عارفين بعدد الفلوس فلا بأس به، والبيع إنما وقع على الفلوس فإن كانت مجهولة العدد لا يعرفان ما للدانق منها ولم يسميا له شيئًا لم يجز؛ لأنه غرر.

الجزء: 12 - الصفحة: 510

قال مالك: وإن ابتعت سلعة بنصف دينار أو بثلث أو بربع وقع البيع على الذهب، وتدفع به إليه ما تراضيتما عليه، فإن تشاححتما قضى عليك في جزء الدينار بدراهم بصرف يوم القضاء.
قال: ومن باع سلعة بنصف دينار واشترط أن يأخذ به دراهم نقدًا يدًا بيد، فإن كان الصرف معروفًا يعرفانه جميعًا فلا بأس بذلك إذا اشترطاكم للدراهم من الدينار.
م قال في مسألة الفلوس إذا كنتما عارفين بما للدانق من الفلوس جاز، وقال ها هنا: إذا كان الصرف معروفًا جاز إذا اشترطاكم للدراهم من الدينار.
م حكي عن الشيخ أبي الحسن أنه قال: معنى ذلك عندي إذا كانت بالبلد سكك مختلفة، فهذا وإن عرفا الصرف فلابد أن يسميا كم للدراهم من الدينار، فيعرف بذلك على أي سكة وقع البيع ولو لم يكن في البلد إلا سكة واحدة لكانت كمسألة الدانق بالفلوس.
م ويحتمل أن يكون معنى قوله إذا اشترطا أو اشترطا كأنه قال: فإن كان الصرف معروفًا أو اشترطا ما للدراهم من الدينار كما قال في مسألة الفلوس إذا سميا ما للدانق من الفلوس والمسألتان سواء والله أعلم.

الجزء: 12 - الصفحة: 511

قيل: ويحتمل أن يكون معناه أن صرف الجزء من الدينار أبخس من صرف الدينار الكامل، فلذلك احتيج إلى معرفة كم الدراهم من الدينار، ولا يلزم هذا إذا باع بجزء من دينار، لأن البيع ها هنا وقع على الذهب، ثم الحكم يوجب دراهم بصرف يوم القضاء، قيل: ويحتمل أن يكون شرط ذلك خيفة أن يظن أحدهما أن العمل في ذلك على صرف يوم القضاء، وكأن مسألة الفلوس فُهِمَ فيها أنهما يعرفان مبلغها من الدانق، فقد دخلا على معلوم فهذه وجوه مختلفة.
ومن المدونة: قال ابن القاسم: وإن باع السلعة بنصف دينار إلى أجر وشرط أن يأخذ به دراهم عند الأجل لم يجز، ولو لم يشترط ذلك، لكان له إذا تشاحا عند الأجل أن يأخذ منه دراهم بصرف يوم القضاء، ولكنه لما اشترط [ذلك] وقع البيع على ما يكون من صرف نصف دينار بدراهم يوم يحل الأجل فهذا مجهول.
قال أشهب: وإن كان إنما وجب له ذهب، وشرط أن يأخذ بها دراهم فذلك أحرم له؛ لأنه ذهب بورق إلى أجل، وورق أيضًا لا يعرف عددها.
قال أشهب: ولو شرط أن يأخذ بالنصف دينار إذا حل الأجل ثمانية دراهم، كان بيعًا جائزًا، وكانت الثمانية لازمة لكما وذكر النصف لغو.

الجزء: 12 - الصفحة: 512

قال مالك: ومن باع سلعته أو أكرى منزله بدينار، أو بنصف دينار أو بثلث إلى أجل، فلا يأخذ في ذلك قبل الأجل دراهم لأنه صرف مستأخر، وليأخذ عرضًا إن أحب، فإذا حل الأجل فليأخذ ما أحب.
تم كتاب الصرف [من] الجامع بحمد الله وحسن عونه وتوفيقه.

الجزء: 12 - الصفحة: 513

فصول الكتاب · 78 فصل
فصول الجامع لمسائل المدونة
المقدمةالمقدمةكتاب الصلاة الأولكتاب الصلاة الثانيكتاب الجنائز من الجامعكتاب الصوم من الجامعكتاب الاعتكافكتاب الزكاة الأولكتاب الزكاة الثاني من الجامعكتاب الحج الأول من الجامعكتاب الحج الثاني من الجامعكتاب الحج الثالث من الجامعكتاب الصيد من الجامعكتاب الذبائح من الجامعكتاب الضحايا من الجامعكتاب العتق الأول من الجامعكتاب المكاتب الأولكتاب السلم الأولكتاب السلم الثانيكتاب السلم الثالثكتاب الصرفكتاب الرهنكتاب بيوع الآجالكتاب البيوع الفاسدةكتاب بيع الخياركتاب المرابحةكتاب اشتراء الغائبكتاب الوكالاتكتاب التجارة إلى أرض الحربكتاب جامع لأبواب متفرقةكتاب العراياكتاب العيوب والتدليسكتاب الصلحكتاب الجوائحكتاب الجعل والإجارةكتاب المساقاةكتاب القراضكتاب الأقضيةكتاب كراء الرواحل والدوابكتاب كراء الدور والأرضينكتاب الشركةكتاب الشهادة الأولىكتاب الشهادة الثانيكتاب الرجوع عن الشهاداتكتاب المديانكتاب الرجوع عن الشهاداتكتاب التفليسكتاب الحمالةكتاب المأذون له في التجارةكتاب اللقطةكتاب الضوالكتاب الإباقكتاب حريم الآبار وإحياء المواتكتاب الغصبكتاب الوديعةكتاب العاريةكتاب العدةكتاب الاستحقاقكتاب الحبسكتاب الصدقةكتاب الهبة والهباتكتاب الهباتكتاب الوصايا الأولكتاب الوصايا الثانيكتابً الوصايا الثالثكتاب الشفعة الأولىكتاب الشفعة الثانيكتاب القسم الأولكتاب القسم الثانيكتاب الفرائض الثانيكتابكتاب المحاربين والمرتدينكتاب القذفكتاب الأشربةكتاب الجراحكتاب الجناياتكتاب الدِّياتكتاب الجامع
جارٍ التحميل