الجامع لمسائل المدونةكتاب الشهادة الثاني
أهل الأثرالأرشيف العلمي

[الباب الأول]

جامع القول في الإيمان والنكول عنها

[الفصل 1 - فيمن تجب عليه اليمين] روى أن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال: «على المدعي البينة»، ولا خلاف في ذلك.
وقال عليه السلام: «وعلى المدعى عليه اليمين»، وقال في حديث ثالث: «بينتك أو يمينه» وروي أنه عليه السلام رد اليمين على الطالب في الحقوق، وردها شريح

الجزء: 17 - الصفحة: 470

والشعبي.
وفي حديث القسامة دليل أنه لا يقضي بالنكول دون اليمين، وقد وافقنا في هذا مخالفنا، ولا فرق بينه وبين سائر الدعاوي، ومن ذلك رد اليمين في اللعان.
وفي كتاب ابن سحنون، قال سحنون: قال مالك وأصحابه: لا يجب الحق بنكول المدعى عليه عن اليمين حتى يرد اليمين على المدعي فيحلف، ولم يختلف في ذلك أهل المدينة، وبه حكم أئمتهم.
[الفصل 2 - في اليمين مع الشاهد] ومن المدونة قال مالك: ومن أقام شاهداً على رجل أنه تكفل له بما له على فلان، حلف مع شاهده واستحق الكفالة قبله؛ لأن الكفالة بالمال إنما هي مال مثل الجرح الذي لا قصاص فيه، إنما هو مال.
قال: ويحاص من قضى له في دينه بشاهد ويمين مع من قضى له بشاهدين.
قال مالك: وإذا أقام الطالب شاهداً وأبى أن يحلف معه فله يمين المطلوب، فإن نكل المطلوب غرم ولا يرد اليمين على الطالب؛ لأنه هو ردها.
وفي كتاب الديات: إذا أقام شاهداً، وأبى أن يحلف معه، ورد اليمين على المطلوب، ثم بدا له أن يحلف، فليس ذلك له.

الجزء: 17 - الصفحة: 471

وفي كتاب ابن سحنون والمجموعة: ولو رد اليمين على المطلوب فحلف وبرئ ثم أقام الطالب شاهدين بعد ذلك قضي له بهما.
قال ابن المواز: ولو كان إنما أصاب شاهداً آخر فليؤتنف الحكم له، ولا يضم إلى الأول، وإنما له أن يحلف معه، أو يرد اليمين ثانية؛ لأن اليمين الأولى إنما أسقط بها المطلوب الشاهد الأول.
وقال أحمد بن ميسر: ولا ترد اليمين على المطلوب ثانية؛ لأنه قد حلف عليه مرة.
وقال سحنون عن ابن القاسم وابن كنانة أنه إذا وجد شاهداً آخر فلا يحلف معه؛ لأنه ترك موضع حقه بالنكول.
قال ابن المواز: ولو كان إنما أقام شاهداً واحداً فيما لا يحلف معه من عتق أو طلاق أو حد فحلف المطلوب، ثم وجد الطالب شاهداً آخر فإنه يضمه إلى الأول، ويقضي بهما؛ لأنه منع أولاً من اليمين فلم يكن له نكول يسقط به شاهده، وهو كصغير أقام شاهداً فحلف مطلوبه وأخر، ثم وجد شاهداً آخر، فإنه يحكم بهما.
قال ابن سحنون: قال ابن كنانة عن مالك: وكذا من أقام شاهداً بحق عند القاضي وكان ممن لا يرى الحكم بالشاهد واليمين، فلم يحكم له بشيء، ثم وجد بعد شاهداً آخر، فإنه يقضي له بحقه، ونحوه في كتاب الأقضية.
[الفصل 3 - في المطلوب يحلف ثم يجد الطالب بينة] ومن المدونة قال مالك: ومن كان بينه وبين رجل خلطة فادعى عليه بحق له واستحلفه فإن حلف برئ، وإن نكل لم يقض عليه الإمام للطالب حتى يرد اليمين عليه، فإن جهل المطلوب أن يسأله ردها فعليه أن يعلمه بذلك، ولا يقضي حتى يردها، فإن نكل

الجزء: 17 - الصفحة: 472

الطالب فلا شيء له، وإذا حلف المطلوب، ثم وجد الطالب بينة، فإن لم يكن علم بها قضى له بها.
قال ابن الماجشون في الواضحة: كانت يوم حلفه حاضرة أو غائبة بعد أن يحلف بالله العظيم أن ما علم بها.
ومن المدونة: وإن استحلفه عالماً ببينته تاركاً لها، وهي حاضرة أو غائبة، فلا حق له، وإن قدمت بينته.
وكذلك عن مالك في كتاب ابن سحنون.
وروى عنه ابن وهب أن عمر بن الخطاب اختصم إليه يهودي يدعي على مسلم، فدعاه بالبينة، فقال: ما تحضرني اليوم بينة، فأحلف له المطلوب، ثم جاءه المدعي بعد ذلك بالبينة، فقضى له بها.
وقال: البينة العادلة أحب إلي من اليمين الفاجرة.
وقاله شريح ومكحول والليث.
م/ واستحسن بعض فقهائنا القرويين إن كان أمر البينة يطول عند القضاة، ويشتد على الخصم ذلك، أن له أن يحلف خصمه، لعله ينكل فيستغني عن التكلف في ذلك، فإن حلف له كان له القيام ببينته، كما إذا كانت بينته غائبة بعيدة الغيبة، أن له أن يقوم بها إذا

الجزء: 17 - الصفحة: 473

قدمت بعد أن حلف خصمه.
وقال مالك فيه وفي العتبية من رواية أشهب فيمن قضى ديناً عليه، وأشهد بينة على القضاء، ثم طولب به، فقال: قد دفعته إليك بشهادة فلان، فأحلف فحلف له، وأراد أن يقيم البينة أنه قضاه، قال: ذلك له، ويسمع منه قال ابن سحنون: قال ابن نافع عن مالك: فإذا حلفه وبينته حاضرة، وهو عالم بها، فله القيام بها بعد ذلك.
وقاله أشهب في غير كتاب.
ومن كتاب ابن حبيب قال أصبغ: ولو حلف المطلوب فنكل، فردت اليمين على المدعي، فحلف وأخذ، ثم وجد المدعى عليه بينة تشهد ببراءته من ذلك الحق فليقم بها، ويبرأ ويرجع إلى ما أخذ منه فيأخذه، ولو أن المدعي حين ردت عليه اليمين نكل، فلم يقض له بشيء لنكوله، ثم وجد بينة على دعواه، فإنه يأخذ ببينته.
قال أصبغ: وهذا الذي لا أعرف غيره من قول أصحابنا.
وقال به ابن حبيب، وهو أشبه بقول عمر بن الخطاب: البينة العادلة أحب إلي من اليمين الفاجرة.
قال مطرف وابن الماجشون: ولو حلف المطلوب فحلف وبرئ، ثم وجد المدعي شاهداً فلا يحلف معه، ولا يقضي له هاهنا إلا بشاهدين؛ لأنه لا يسقط يميناً قد درئ بها حق، بيمينه مع شاهده، وقاله ابن عبد الحكم وأصبغ.

الجزء: 17 - الصفحة: 474

ومن المدونة قال مالك: وإن قال الطالب للإمام بينتي غائبة فأحلفه لي، فإذا قدمت بينتي قمت بها، نظر الإمام في ذلك، فإن كانت بينته بعيدة الغيبة، وخاف تطاول الأمر وذهاب الغريم، أحلفه له، وكان له القيام ببينته إذا قدمت، وإن كانت بينته قريبة الغيبة على مثل اليومين والثلاثة، لم يحلفه إلا على إسقاطها.

الجزء: 17 - الصفحة: 475

[الباب الثاني]

ما يوجب الإيمان من خلطة أو ظنة أو غيرها

[الفصل 1 - إيجاب اليمين بالخلطة] قال مالك: ولا يلزم المدعى عليه يمين حتى يكون بينه وبين المدعي خلطة.
وهكذا فعل عمر بن عبد العزيز، وقاله السبعة من فقهاء التابعين.
قال سحنون: حدثني ابن نافع عن حسين بن عبد الله عن أبيه عن جده عن علي بن أبي طالب أن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال: «البينة على من ادعى، واليمين على من أنكر، إذا كان بينهما خلطة».
قال سحنون: ولا تجب اليمين عندنا إلا بخلطة، أو يكون المدعي مريضاً؛ لأنه أقرب ما يكون إلى الصدق، أو يكون المدعى عليه متهماً غير مأمون فيما ادعى عليه، فإن اليمين تعلق بالمتهم، وتكون مثل الخلطة.
واحتج بقول مالك في التي ادعت أن فلاناً استكرهها، أنه إن كان ممن لا يشار إليه بذلك حدت، وإن كان ممن يشار إليه بذلك، نظر فيه الإمام؛ لأن التهمة توجب ما توجب الخلطة.
قال أصبغ: خمسة عليهم الإيمان بلا خلطة، الصانع، والمتهم بالسرقة،

الجزء: 17 - الصفحة: 476

والرجل يقول عند موته أن لي عند فلان ديناً، والرجل يمرض في الرفقة فيدعي أنه دفع ماله لرجل وإن كان المدعى عليه عدلاً، وكذلك من ادعى عليه رجل غريب نزل في مدينة أنه استودعه مالاً.
فصل [2 - في الخلطة التي توجب اليمين] ومن العتبية قال أصبغ: قيل لابن القاسم: ما الخلطة التي توجب اليمين؟ قال: يسالفه ويبايعه ويشتري منه مراراً، فإن تقابضا في ذلك الثمن والسلعة وتفاصلا قبل التفرق فهي خلطة، فأما إن اشترى منه مرة ثم يأتي فيبيعه، فليس له بذلك يمين حتى يبايعه مراراً.
وقاله سحنون.
قال: ولا تكون الخلطة إلا بالبيع والشراء بينهما، ولو ادعى أهل السوق بعضهم على بعض لم يكن ذلك خلطة حتى يقع البيع بينهما.
قال: وكذلك القوم يجتمعون في المسجد للصلاة والأنس والحديث، فليس هذا كله خلطة توجب اليمين في الدعوى.
قال يحيى بن عمر: وأما الصناع فعليهم اليمين لمن ادعى عليهم في صناعتهم، وإن لم يأت بخلطة؛ لأنهم منصوبون للناس.
قال ابن المواز: ومن ادعى على رجل بحق، فأنكر أن يكون جرت بينهما مخالطة، ولا بينة له على الخلطة.
قال: لا يمين له عليه حتى يقر بمخالطته، أو يقيم المدعى بينة بمخالطته، وكذلك إن ادعى عليه كفالة، فلا يحلفه إن لم يكن بينهما مخالطة.
قال: وإن أقام المدعي بالخطلة شاهداً حلف المدعي، وثبتت الخلطة، ثم يحلف حينئذ المدعى عليه.
وقال ابن كنانة في المجموعة: شهادة رجل واحد وامرأة واحدة توجب اليمين أنه خليطه.
وروى ابن القاسم عن مالك فيمن أقام شهوداً عدولاً على رجل بحق، فأقام

الجزء: 17 - الصفحة: 477

الرجل بينة أنهم معادون له، فسقطت شهادتهم، فهم كمن لم يشهدوا، وكأنه رأى أن لا يحلف، وكذلك عنه في العتبية.
وقال سحنون فيها: لا يحلف.
ومن سماع عيسى قال مالك: كل من شهد فردت شهادته؛ لأنه متهم أو غير عدل، فلا يمين على المشهود عليه.
قال أبو بكر بن محمد: وقد قيل يحلف.
قال ابن المواز: إذا سقطت الدعوى بسقوط البينة فلا يمين له عليه.
قال أشهب: وكذلك في سائر البينات إذا كذب بعضهم بعضاً، واستووا في العدالة، وإذا كانت بينهما خلطة فانقطعت، لم يحلف إلا بخلطة مؤتنفة.
قال ابن حبيب: تفسير الخلطة أن تشهد له بينة أنه كانت بينهما مخالطة وملابسة في حق لا يعلمون له انقضاء.
[الفصل 3 - ما يراعى فيه الخلطة] م/: واختلف فقهاؤنا المتأخرون فيما يراعى فيه الخلطة فقال بعض مشايخنا، وحكاه عن ابن مناس، وقاله غير واحد من القرويين إنما تراعى الخلطة فيما يتعلق بالذمم من الحقوق والأشياء المستهلكة، وأما الأشياء المعينة يقع التداعي فيها بينهما فاليمين واجبة في ذلك من غير خلطة، وعلى هذا جرت مسائل المدونة أنه لم يراع في الأشياء المعينة

الجزء: 17 - الصفحة: 478

خلطة، من ذلك مسألة كتاب الشفعة إذا أنكر المشتري الشراء وادعاه البائع، قال: يتحالفان.
ومن كتاب السرقة: إذا ادعى السارق شراء الشيء الذي سرقه، قال: يحلف له ربه أنه ما باع، وكذلك في كتاب القذف إذا ادعى شراء الأمة التي شهد عليه بوطئها من ربها قال يحلف له السيد، ولم يذكر في ذلك كله خلطة.
ووجه ذلك أن الحديث ورد مجملاً "على المدعى عليه اليمين" فحكم العلماء بالخلطة في الأشياء المتعلقة بالذمة استحساناً، وإبقاء ما سواه على أصله؛ لظاهر الحديث في إيجاب اليمين على المدعى عليه، والله أعلم.
قال بعض مشايخنا من أهل بلدنا: لا تجب اليمين إلا بخلطة في الأشياء المعينة وغيرها، إلا في مثل أن يعرض الرجل سلعته في السوق للبيع، فيأتي رجل فيقول له: قد بعتها مني.
فمثل هذا تجب له يمينه من غير خلطة؛ لأنه عرضها لما ادعى عليه فيه، فصارت تهمة توجب عليه اليمين.
م/: وهذا القول أشبه بالمذهب لما رواه علي بن أبي طالب -رضي الله عنه- أن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال: «البينة على من ادعى واليمين على من أنكر إذا كانت بينهما خلطة» فهو على عمومه في المعين وفي غير المعين.

الجزء: 17 - الصفحة: 479

وكذلك ما روي عن عمر بن عبد العزيز في هذا كله، والفقهاء السبعة، أنهم رأوا الخلطة بين المتداعين مجملاً من غير تفصيل.
[الفصل 4 - وجه مراعاة الخلطة] ومن طريق النظر أن الخلطة إنما جعلت للضرورة التي تلحق الناس بالإيمان؛ لأن الإقدام على اليمين يشق ويصعب على أهل المروءات والديانات، وذوي الأقدار من الرجال والنساء، وهي على النساء عندنا أشد حتى أن أكثر هؤلاء يبذل ما ادعى عليه فيه افتداء من يمينه.
وقد فعله عثمان بن عفان وعبد الله بن عمر افتديا من اليمين فيما ادعى عليهما، ولا شك في صدقهما وكذب من ادعى عليهما، فلو وجبت اليمين لمجرد الدعوى في المعينات من غير سبب يقارنها لأضر ذلك بالناس، لاسيما أهل المروءات والديانات، وتسلط عليهم بدعاويهم الدناءة.
فإذا علم أن بينهما خلطة قويت الدعوى، ووجب قبولها، ولزمت اليمين.
وعند أبي حنيفة والشافعي أن المدعي عليه يحلف على كل وجه.
واحتجوا بقوله عليه السلام: «البينة على المدعى، واليمين على المدعى عليه» فعم،

الجزء: 17 - الصفحة: 480

ولم يعتبروا مخالطة، وقالا: ولو أنا لم نقبل دعواه، ولم نوجب له اليمين إلا بعد الخلطة، لأدى ذلك إلى تضييع حقوق الناس، ولكلف كل من يريد معاملة مشقة الإشهاد.
فالجواب أن القصد منه في الحديث إبانة من تكون البينة في جانبه، واليمين في حيزه.
م/ وقد روينا نحن حديثاً مفسراً أن البينة على من ادعى، واليمين على من أنكر إذا كان بينهما خلطة، فهو يقضي على المجمل.
وقاله علي بن أبي طالب، وهو إمام صاحب لا مخالف له.
وقاله عمر بن عبد العزيز والسبعة من فقهاء التابعين.
وأما ما ذكروه من تضييع حقوق الناس، وتكليف مشقة الإشهاد، فالمشقة التي تلحق المدعى عليه أشد؛ لذهاب ماله بالافتداء من اليمين، وهو لا يستطيع التحرز من الدعوى، كما يستطيع المدعي التحرز من ذهاب ماله بالإشهاد، وترك ما ندبه الله إليه من الإشهاد فوجب أن يغلظ عليه.
م/: وبعض هذا الكلام لعبد الوهاب، وبالله التوفيق.

الجزء: 17 - الصفحة: 481

[الفصل 5 - مراعاة الخلطة في دعوى الكفالة والدين والغصب والاستكراه] ومن المدونة قال ابن القاسم: ومن ادعى قبل رجل كفالة، ولا خلطة بينهما، فلا يمين عليه.
وقد قال مالك فيمن باع سلعة من رجلين، وقبض من أحدهما حصته، ثم لقي الآخر فقال له: قد دفعت إلى صاحبي ليدفع إليك، فسأل صاحبه فأنكر، فأراد يمينه، فلم ير مالك هذه خلطة توجب اليمين.
قال بعض فقهاء القرويين: إنما لم يحلفه مالك؛ لأنه إنما قال له: إن الذي اشترى معك قال لي: إنه دفع إليك ما لي عليه لتوصله إلي؛ فهذا لا ينبغي أن يحلفه، ولو كان بينه وبينه خلطة؛ لأن ما ادعى عليه لم يثبت أن المشتري معه قاله، ولو ثبت أن المشتري قال ذلك لانبغى أن يحلفه، ولو لم تكن بينهما خلطة.
وقد وقع في كتاب محمد أن هذه خلطة، ولم يحلفه لهذا المعنى الذي ذكرنا، وفي هذا الذي ذكر نظر؛ لأنه إذا لم يكن بينه وبين المشتري خلطة إلا هذا الشراء لم يكن للبائع منهما على هذا يمين.
فقول المشتري معه أنه دفع إليه حصته من الثمن ليوصله إلى البائع منهما، كما لو ادعى عليه المشتري معه أنه دفع إليه حصته من الثمن ليوصله إلى البائع منهما؛ لأن شراءهما جميعاً هذه السلعة ليست بخلطة توجب بينهما اليمين في

الجزء: 17 - الصفحة: 482

الدعاوى فانظر.
قال: والمعتبر في دعوى الكفالة أن يكون بين مدعي الدين وبين من ادعى الكفالة خلطة، وإن لم تكن بين المدعي والمدعى عليه الدين خلطة؛ لأن الذي له الدين يقول: إنما وثقت بمبايعة من لا أعرف بكفالتك أنت فله عليه اليمين.
ومن ادعى قبل رجل ديناً أو غصباً أو استهلاكاً في متاع، فإن عرف بمخالطته في معاملة، أو علمت تهمة فيما ادعى عليه من التعدي والغصب نظر فيه الإمام.
فإما أحلفه، أو أخذ له كفيلاً حتى يأتي بالبينة، فإن لم تعلم خلطته أو تهمته فيما ذكر لم يعرض له السلطان.
وقد قال مالك في امرأة دعت أن فلاناً استكرهها، أنه إن كان ممن لا يشار إليه بذلك حدت، وإن كان ممن يشار إليه نظر فيه الإمام.

الجزء: 17 - الصفحة: 483

[الباب الثالث]

جامع دعوى النكاح والطلاق والعتق والنسب والملك وغير ذلك

[الفصل 1 - في دعوى النكاح] قال ابن القاسم: ومن ادعى نكاح امرأة وأنكرت، فلا يمين عليها، كما لو ادعت امرأة أن زوجها طلقها لم يكن عليه يمين.
ولو أقام مدعي النكاح شاهداً لم يكن على المرأة يمين، ولا تحبس له، ولا يثبت النكاح إلا بشاهدين.
قال بعض القرويين: وقد وقع في كتاب محمد أنها تحلف، ولم يذكر لو أقامت عليه شاهداً واحداً هل تحلف ويكون لها نصف الصداق؛ لأن إنكاره كالطلاق منه، وقد اختلف فيمن أقامت عليه شاهداً، أو أقام عليها شاهداً بعد الموت: فابن القاسم يقول: يحلف ويرث.
وأشهب يقول: لا يصح الميراث إلا بعد ثبات النكاح، والنكاح لا يثبت إلا بشاهدين.
قيل: إنما يحلف الزوج إذا لم يورث بقرابة أو ولاء، كالولاء إذا لم يكن له وارث بنسب أو ولاء غير هذا الذي أقام شاهداً.
[الفصل 2 - دعوى الطلاق] وأما إن ادعت المرأة أن زوجها طلقها لم يحلف الزوج، إلا أن تقيم المرأة شاهداً أو امرأتين ممن تجوز شهادتهم لها في الحقوق فليحلف الزوج.
قال مالك: ويحال بينها وبينه حتى يحلف أو يطلق، فإن نكل طلقت عليه مكانها، واعتدت من يوم الطلاق.

الجزء: 17 - الصفحة: 484

وروي عنه أنه يحبس أبداً حتى يحلف أو يطلق.
وري عنه إذا طال سجنه دين وترك والطول سنة.
وبه أخذ ابن القاسم.
[الفصل 3 - دعوى العتق] قال مالك: وإذا ادعى عبد على سيده أنه أعتقه فلا يمين له عليه، ولو جاز هذا للنساء والعبيد لم يشأ عبد إلا حلف سيده ولا امرأة إلا حلفت زوجها كل يوم.
وإن أقام العبد شاهداً أو امرأتين ممن تقبلان في الحقوق مثل ألا تكونا من الأمهات والبنات والأخوات، أو ممن هو منها بظنه، فإنه لا يحلف العبد ولا المرأة، ولكن يحلف السيد والزوج، فإن نكل السيد عق العبد ثم رجع.
فقال: يسجن أبداً حتى يحلف.
ثم قال: إن طال سجنه دين وترك، والطول سنة كما قلنا في دعوى المرأة في الطلاق.
ومن العتبية قال مالك في العبد أو الأمة يذكر أنه حر الأصل، ويذكر أن له بينة غائبة، فلا يقبل ذلك منه إلا أن يأتي بوجه يشبه الحق، مثل شاهد عدل، فليؤمر السيد أن يكف عن خدمة العبد، ووطء الأمة، إن كان مأموناً، وإلا جعلت بيد امرأة، ويضرب لها وللعبد أجل شهرين أو ثلاثة ليأتيا بمنافعهما، والنفقة على المشتري، ولا يردا على البائع بقولهما، ولا يلزمهما شيء من النفقة في استبراء ذلك.
فإن صح ما قالا رجع بالثمن فقط على البائع.

الجزء: 17 - الصفحة: 485

وسأله ابن غانم في العبد يدعي الحرية وأن له بينة بموضع كذا فطلب سيده منه حميلاً والعبد لا يجد ذلك.
قال: إن جاء بلطخ أو شبهة أمكنه من الخروج ليأتي ببينة.
قال في كتاب ابن حبيب: بعد أن يأخذ منه حميلاً لسيده، فإن لم يأت بحميل فاطرحه في السجن، ووكل من يقوم بأمره، واكتب أنت إلى الموضع الذي ذكر العبد أن فيه بينة، وهذا إذا ثبت للسيد ملكه إياه وحوز له، وإن لم يثبت ذلك حيل بينه وبينه؛ لإنكار العبد الرق.
[الفصل 4 - دعوى النسب] ومن المدونة: والأمة تدعي أن سيدها أولدها فهو كدعواها العتق لا يقبل منها إلا أن تقيم الأمة رجلين على إقرار السيد بالوطء، وامرأتين على الولادة، فتصير أم ولد، وثبت نسب ولدها إن كان هو معها، إلا أن يدعي السيد استبراء بعد الوطء.
وإن أقامت شاهدين على إقرار السيد بالوطء وامرأة على الولادة أحلفته، وكذلك لو أقامت شاهداً على إقراره بالوطء وامرأتين على الولادة أحلفته كما يحلف في العتق.
م/: قال بعض القرويين: وقيل: لا يحلف.
قال في المدونة: ولو أقامت شاهداً على إقراره بالوطء وامرأة على الولادة، فلا يمين على السيد.
وقيل: يلزمه اليمين.

الجزء: 17 - الصفحة: 486

م/: وقال بعض فقهاء القرويين: إنها إذا أتت بالولد، وأقامت على إقراره بالوطء امرأتين لم يحتج إلى إقامة امرأتين على الولادة؛ لأن البينة إذا شهدت بإقراره بالوطء صار كمن ثبت أنه وطئ، فإنه يكون القول قولها أنها ولدت هذا الولد.
ولو أقامت رجلين على إقراره بالوطء وأتت بالولد لكان بينا أن يلحق به، وأما امرأتان على إقراره بالوطء فهو كإقراره عند رجل؛ لأن هذا ليس موضع ضرورة فتقبل شهادة المرأتين بغير يمين فانظر.
قال: وإنما أحلفه مع امرأتين على الولادة لعدم الولد؛ لأنها تقول ولدته ومات.
م/: إنما أحلفه في هذا إذا لم يثبت إقراره بالوطء إلا برجل، ولو ثبت برجلين لم يحلفه مع شهادة المرأتين على الولادة.
قال: وقد وقع في ظاهر لفظ الكتاب خلاف ما تأولناه، وهو قوله: ويثبت نسب ولدها منه إن كان معها ولد، وهي قد أقامت رجلين على إقراره بالوطء وامرأتين على الولادة، وهذا أمر لا يجب عليه؛ إذ لو ثبتت الولادة لكان القول قولها.
م/: ولم يذكر قوله: ويثبت نسبه منه إن كان معه ولد على سبيل الشرط، وإنما قال: تكون بشهادة الرجلين على الإقرار بالوطء والمرأتين على الولادة أم ولد إن كان معها ولد ثبت نسبه.
وأما هي فإنها أم ولد كان معها ولد أو لم يكن.
قال: ثم قال في الكتاب: إلا أن يدعي الاستبراء فهذا لا يمكن مع إنكاره الوطء إلا أن

الجزء: 17 - الصفحة: 487

يكون معنى الكلام أنه لم ينكر الوطء دفعة، وإنما أنكر الوطء الكائن منه هذا الولد فلهذا وجه، وإذا حلف ثم وجدت المرأة شاهداً آخر ضمته إلى الشاهد الأول إن كان مقيماً على العدالة يوم شهد الثاني، وإن فسدت أحواله لم يلفق إلى الثاني؛ لأنه اليوم يقع الحكم فينظر في جرحته وعدالته.
ومن المدونة قال مالك: ومن ادعى أن فلاناً والده أو ولده فأنكر فلا يمين له عليه.
م/: معناه أن الولد كبير، ولو كان صغيراً لجاز استلحاقه إذا لم يعرف كذبه.
[الفصل 5 - دعوى الملك] قال ابن القاسم: ومن ادعى على رجل أنه عبده لم يحلفه، وإن جاء بشاهد حلف معه واسترقه.
وقد قال مالك فيمن أعتق عبده، ثم قضي على السيد بدين تقدم على العتق بشاهد أن رب الدين يحلف مع شاهده ويرد العتق، وكذلك مدعي العبد يسترقه بالشاهد مع يمينه.
قال مالك: ولو شهد رجلان على رجل أنه أمرهما أن يزوجاه أو يبتاعا له بيعاً وأنهما فعلاً وهو ينكر لم تجز شهادتهما؛ لأنهما خصمان، ولو أقر لهما بالوكالة وقال: لم تفعلا، وقالا: قد فعلنا لكان القول قولهما.
ولو شهد رجلان على رجل أنه أعتق عبده،

الجزء: 17 - الصفحة: 488

والعبد والسيد ينكران فالعبد حر، وليس له أن يرق نفسه.
ولو رد القاضي شهادتهما عليه بجرحة أو غيرها، ثم اشتراه أحدهما فإنه يعتق عليه حين اشتراه.
وجميع مسائل هذا الباب التي من المدونة قد تقدمت في كتاب العبيد، وكتاب النساء، وهناك زيادة فيها فأغنى عن إعادتها، وبالله التوفيق.

الجزء: 17 - الصفحة: 489

[الباب الرابع]

فيمن ادعى على رجل قذفاً أو عبداً قد مات أو غائباً أو حاضراً أو ما يوقف مما ادعى فيه من حيوان أو ربع أو طعام

[الفصل 1 - فيمن ادعى على رجل حداً أو قصاصاً أو دية] روي أن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال: «لو أعطي الناس بدعواهم لادعى قوم دماء قوم وأموالهم، ولكن اليمين على المدعى عليه» وقال للمدعي: «شاهداك أو يمينه».
وينبغي للحاكم أن يبدأ بالمدعي فيقول له: أنك بينة فإن قال نعم سمعت بينته وقدمت على يمين المدعى عليه، وكذلك فعل الرسول -صلى الله عليه وسلم-.
قال ابن القاسم: ومن ادعى على رجل حدا، وقدمه إلى القاضي وادعى بينة قريبة يأتي بها في يومه أو في غده أوقفه القاضي ولم يحسبه، ولو أقام الطالب شاهداً حبسه القاضي حتى يأتي بآخر، ولا يؤخذ في هذا كفيل.
ابن حبيب: فإن ثبت ذلك عليه فقال القاذف: لي بينة أنه كما قلت، فإن كانت حاضرة في السوق ونحوه حبسه عنده.
وقال له: أرسل رسولك وراء بينتك، وإن كان

الجزء: 17 - الصفحة: 490

أمداً يطول ضربه الحد ولم يؤخره، يريد إن جاء بالبينة على ما ادعى زالت عنه جرحه الحد وحد المقذوف ونحوه في المدونة.
قال ابن القاسم في المدونة: وكذلك في الجراح وما يكون في الأبدان يحبسه مع الشاهد، ولا يؤخذ به كفيل، ولكن إن ادعى بينة قريبة أوقفه القاضي وسجنه مع الشاهد.
قال في المجموعة: وإن أقام شاهداً بقتل عمد سجن القاتل، فإن زكى الشاهد أقسم معه العصبة، وإن لم يزك الشاهد لم تكن قسامة، ولا يحبس في الخطأ؛ لأن الدية على العاقلة.
قال أشهب: وهو كأحدهم لا حبس عليه ولا على غيره من عاقلته، ولا يؤخذ منه كفيل إلى تزكية الشاهد.
وقال سحنون: وكيف لا يؤخذ منه كفيل وهو يحتاج أن تقع البينة على عينه أنه فعل ذلك.
م/: إنما يصح كلام سحنون إذا طلب المدعي إثبات الشهادة عليه، وأما إلى أن يزكي الشاهد فلا معنى لحضوره؛ لأن الشاهد قد عرفه وشهد عليه.
م/: والذي أرى إذا طلب إثبات الشهادة عليه، فإن كان معروفاً مشهوراً لم يؤخذ عليه كفيل، وإلا أخذ.

الجزء: 17 - الصفحة: 491

قال أشهب: وما كان من جراح الخطأ أقل من ثلث الدية فليأخذ به كفيلاً، وما بلغ الثلث فأكثر فذلك على غيره.
[الفصل 2 - فيمن ادعى على رجل عبداً قد مات أو كان غائباً أو حاضراً] ومن المدونة: ومن أقام بينة على عبد قد مات بيد رجل أنه عبده، فلا شيء على الرجل؛ لأنه يقول اشتريت من سوق المسلمين، إلا أن يقيم المدعي بينة أنه غصبه إياه، يريد فيحكم عليه بقيمته يوم غصبه.
قال: ومن ادعى عبداً غائباً بيد رجل، فأقام المدعى عليه بينة أن ذلك العبد عبده، فإن عرفته البينة ووصفته وحلته وثبتت شهادتهم قضيت له به، وهكذا في المتاع والحيوان إذا كان بعينه.
م/: أجاز ابن القاسم أن يقيم البينة على عبد غائب أنه له، إذا وصفته الشهود وحلته أنه يقضي له به، ولم يجز ذلك ابن كنانة.
قال مالك: ومن ادعى عبداً بيد رجل، وأقام شاهداً عدلاً يشهد على القطع أنه عبده، أو أقام بينة يشهدون أنهم سمعوا أن عبداً سرق له مثل ما يدعي وإن لم تكن شهادة قاطعة، وله بينة ببلد آخر فسأل وضع قيمة العبد ليذهب به إلى بينته

الجزء: 17 - الصفحة: 492

لم يكن له ذلك.
[الفصل 3 - فيمن ادعى على رجل ما يمكن إيقاف من حيوان أو ربع أو طعام أو غيره] قال ابن القاسم: فإن قال: أوقفوا العبد حتى أتى ببينتي، لم يكن له ذلك، إلا أن يدعي بينة حاضرة على الحق، أو سماعاً يثبت له دعواه، فإن القاضي يوقف له العبد ويوكل به حتى يأتي ببينته فيما قرب من يوم ونحوه، فإن جاء بشاهد أو سماع وسأل إيقاف العبد ليأتي ببينته، فإن كانت بينة بعيدة، وفي إيقافه ضرر استحلف القاضي المدعى عليه، وسلمه إليه بغير كفيل.
قال سحنون: فإن ادعى شهوداً حضوراً على حقه رأيت أن يوقف له نحو خمسة أيام إلى الجمعة، وهذا التحديد لغير ابن القاسم.
قال أبو محمد: وهو لسحنون، ورأى ابن القاسم أن يوقف له؛ لأن الذي يأتي بشاهد وسماع له وضع القيمة عند مالك والذهاب به إلى بينته فهذا كالإيقاف.
قال مالك: ونفقة العبد في الإيقاف على من يقضي له به.
قال في العتبية: يكون الآن بينهما.
قال يحيى: يعني فإذا حكم به لأحدهما رجع عليه الآخر بما أنفق.

الجزء: 17 - الصفحة: 493

قال غير أبي محمد هو سحنون: إنما يوقف مثل ما يشهد على عينه من الرقيق والحيوان والعروض؛ لأن ذلك يحول أو تزول عينه.
قال ابن القاسم: يوقف ما لا يؤمن تغيره وزواله، وأما المأمون كالرباع مثلاً والعقار وما له الغلة فإنما يوقف وقفاً يمنع من الإحداث فيها، والغلة أبداً للذي هي بيده؛ لأن ضمانها منه حتى يقضى بها للطالب.
قال سحنون: هذا إن كان مبتاعاً أو صارت إليه من مبتاع.
قال ابن القاسم في العتبية: وإن كانت غنماً فرعيها في الإيقاف على ما تصير إليه، وغلتها للذي هي في يده.
قال عيسى: الرعي على من له الغلة.
[الفصل 4 - في إيقاف المطلوب أو أخذ كفيل عنه حتى يحضر المدعي ببينة القريبة على الخلطة] ومن المدونة قال غيره: وإن ادعى عليه ديناً أو شيئاً مستهلكاً وطلب كفيلاً سأله القاضي البينة على الخلطة والمعاملة أو الظنة، فإن ادعى على الخلطة بينة قريبة وكل بالمطلوب حتى يأتي بما يوجب اللطخ ما بينه وبين يوم وشبهه.
قال سحنون في المجموعة: لا أرى هذا، وأين يجد من يوكل بهذا؟ أبداً ولكن يأخذ

الجزء: 17 - الصفحة: 494

منه كفيلاً حتى يأتي بالبينة على الخلطة فيما قرب.
قال بعض فقهاء القرويين: وينبغي على مذهب سحنون إن لم يجد كفيلاً أن يسجن؛ إذ لا يوجد من يوقف معه، ولا يبطل حق الطالب، وقد يكون إذا ترك ذهب فلم يوجد، فلابد من تحمل أحد الضررين.
[الفصل 5 - في المدعي يحضر بينة على الخلطة ويدعي على الحق بينة بعيدة] ومن المدونة: فإن جاء بذلك وادعى على الحق بينة بعيدة استحلف المطلوب وأطلقه بغير كفيل، وإن ادعى قربها أخذه بكفيل بنفسه ليحضره فتشهد البينة على عينه كما يوقف الحيوان والعروض؛ لأنه يحتاج إلى إحضاره لتشهد البينة على عينه.
قال سحنون في المجموعة: وقد يكثر هذا عليه، وهو إذا تم الأجل نظر في أمرهما فيصير قد قدمهما على غيرهما ممن ينظر بينهم على المراتب، وإن ترك أولئك إلى أن يدعوا بهم صارت حمالة إلى غير أجل.
ومن المدونة قال غيره: وأما ما لا يحتاج إلى إحضاره لتشهد البينة عليه فلا يؤخذ فيه كفيل، وإن كانت الدعوى فيما يفسد من اللحم ورطب الفواكه، وقد أقام لطخا أو شاهداً على الحق، وأبى أن يحلف، وادعى بينة قريبة على الحق أجله القاضي لإحضار

الجزء: 17 - الصفحة: 495

شاهدين أو شاهد إن أتى بشاهد قبله، ولم يحلف معه، ما لم يخف فساد ذلك الشيء، فإن جاءه بما ينتفع به، وإلا أسلم ذلك الشيء إلى المطلوب، ونهى المدعي أن يعرض له، فإن كان الطالب قد أقام شاهدين فأوقف القاضي ذلك الشيء ليكشف عنهما، فإن خاف فساده باعه وأوقف ثمنه، فإن زكيت بينة المدعي وهو مبتاع أخذه وودى الثمن الذي قالت بينته كان أقل من ذلك أو أكثر، ويقال للبائع: إذا كان يأخذ أكثر من الثمن الموقوف أنت أعلم بالمخرج عن الزيادة، فإن لم يزكوا أخذ المدعى عليه الثمن الموقوف؛ لأنه عليه بيع نظراً.
ولو ضاع الثمن قبل القضاء أو بعده كان ممن قضى له به.
[الفصل 6 - في أخذ الكفيل على المدعى عليه في حق إذا كان بينه وبين المدعي خلطة] ومن كتاب الحمالة: قال ابن القاسم: ومن كانت بينه وبين رجل خلطة في معاملة فادعى عليه حقاً لم يجب له عليه كفيل بوجه حتى يثبت حقه.
وقال غيره: إذا ثبتت الخلطة بينهما فله عليه كفيل بنفسه ليوقع البينة على عينه.
قال سحنون: وإن لم يجد كفيلاً حبس حتى يستقصى فيه ما كان يؤخذ منه الكفيل، لذلك.
قال ابن القاسم: وإن سأله وكيلاً بالخصومة حتى يقيم البينة عند القاضي لم يلزم المطلوب ذلك إلا أن يشاء؛ لأنا نسمع البينة في غيبة المطلوب.
قال سحنون: إذا كان المشهود عليه معروفاً صنعت البينة في غيبته.

الجزء: 17 - الصفحة: 496

قال ابن القاسم: وإن سأله كفيلاً بالحق حتى يقيم البينة لم يكن له ذلك، إلا أن يقيم شاهداً فله أخذ الكفيل وإلا فلا، إلا أن يدعي بينة يحضرها من السوق أو من بعض القبائل فليوقف القاضي المطلوب عنده لمجيء البينة، فإن جاء بها وإلا خلى سبيله.
ومن المجموعة: قال سحنون: قال غيره: وإن ادعى في عقار فلا يؤخذ به كفيل.
قال سحنون: بل يؤخذ به كفيل؛ لأن الطالب يحتاج إلى إيقاع البينة على خصم حاضر، ومالك يقول: لا يحكم في الرباع على غائب، وآخرون يقولون: إنما يحكم عليه بعد أن يكشف عنه، ويستبرأ أمره، ثم يكون على حجته، فكيف لا يؤخذ في هذا كفيل؟ [الفصل -7] في الرسول أو الوكيل أو الغريم يدفعون بغير إشهاد وكل من دفع إلى غير اليد التي دفعت إليه فعليه البيان.
أصله الوصي.
قال الله عز وجل: ﴿فَإِذَا دَفَعْتُمْ إِلَيْهِمْ أَمْوَالَهُمْ فَأَشْهِدُوا عَلَيْهِمْ﴾ [النساء:6].
قال ابن القاسم عن مالك: ومن بعث بمال صلة لرجل أو هبة أو صدقة مع رجل، فقال: قد دفعته إليه، ثم أنكر القابض فعلى الرسول البينة وإلا غرم، وكذلك لو أمره بصدقة على مساكين بأعيانهم، قال ابن القاسم: فإن لم يكونوا بأعيانهم فهو مصدق- يريد- فإن اتهم حلف.
قاله في غير هذا الكتاب.

الجزء: 17 - الصفحة: 497

قال: وإن أمرت غريمك بدفع دينك إلى رجل بعينه، فقال: دفعته إليه، وأنكر القابض لم يبرأ المأمور عند مالك إلا ببينة.
وإن قال القابض: قبضته ثم ضاع مني لم يبرأ الدافع إلا ببينة أنه دفع المال، وكذلك من وكلته على قبض مال بيد رجل فقال: قبضته وضاع مني فلا يبرأ الدافع إلا ببينة، وكذلك لو قال الوكيل: قبضت المال أو قال برئ إلي من المال، لم يبرأ الدافع إلا ببينة أنه دفع المال إليه، أو يأتي الوكيل بالمال إلا أن يكون الوكيل مفوضاً إليه، أو وصياً فهو مصدق، بخلاف وكيل مخصوص.

الجزء: 17 - الصفحة: 498

[الباب الخامس]

في المتداعيين يقيم كل واحد منهما بينة، والقضاء في اختلاف الشهادات والبينات

[الفصل 1 - في المتدعيين في شيء يقيم كل واحد منهما بينة أنه له] روى ابن وهب أن رجلين اختصما إلى النبي -صلى الله عليه وسلم- في بعير، فجاء كل واحد منهما بشاهدين فقسمه عليه السلام بينهما.
وقاله عدد من الصحابة، وكثير من التابعين إذا لم يكن الشيء بيد أحدهما، واتفقت بيناتهما في العدالة، إلا أن يكون بيد أحدهما فيكون أحق به لزيادة الحوز.
وقالوا في الحيوان: إن الناتج أحق من الحائز، والنسج في الثياب كالنتاج في الحيوان.
قال مالك: ومن كانت بيده دور أو عبيد أو عروض أو دراهم أو دنانير أو غير ذلك من الأشياء، وادعى ذلك رجل آخر، وأقام بينة أن ذلك له.
وأقام من ذلك بيده بينة أنه له قضى بشهادة أعدلهما، وإن كانت أقل عدداً.
فإن تكافأتا في العدالة لا في العدد سقطتا، وبقي الشيء بيد حائزه ويحلف، ولا يقضي بأكثرهما عدداً؛ لأن التكافؤ في العدالة لا في

الجزء: 17 - الصفحة: 499

العدد حتى لو كانت بينة أحدهما رجلين، أو رجلاً وامرأتين فيما تجوز فيه شهادة النساء، وبينة الآخر مائة رجل، واستووا في العدالة كلهم سقطوا، وبقي الشيء بيد حائزه ويحلف، وذلك أن كل بينة قد كذبت الأخرى وجرحتها فسقطتا.
قال غيره: ليس هذا بتجريح، ولكن لما تكافأت البينة صارت كأنهما لم يأتيا بشيء وبقوا على الدعوى.
قال سحنون: ولو كان تجريحاً لم تجز شهادتهما فيما يستقبلون.
[الفصل 2 - في تساوي البينات في العدالة والعدد والاختلاف فيهما] قال ابن حبيب: وروى مطرف وابن الماجشون عن مالك في المتداعيين في شيء يقيم كل واحد منهما بينة، فليقض بأعدل البينتين، وإن هما استويا في العدالة قضى به لأكثرهما عدداً إلا أن يكون هؤلاء كثيراً يكتفي بهم فيما يلتمس من الاستظهار، والآخرون أكثر جداً، فهاهنا لا تراعى الكثرة فإن استويا في العدالة بقي لمن هو بيده.
قال: وإن جاء أحدهما بشاهدين عدلين، والآخر بأربعة أو عشرة من العدول ملنا إلى الكثرة.
وإن أقام أحدهما شاهدين عدلين، وأقام الآخر شاهداً أعدل أهل زمانه، وأراد أن يحلف معه فليقض بالشاهدين.
وكذلك روى أصبغ عن ابن القاسم في العتبية أنه يقضي بشهادة الشاهدين.
وروى عنه أبو زيد أنه يقضي بالشاهد الأعدل مع يمين الطالب، دون شهادة

الجزء: 17 - الصفحة: 500

الشاهدين وإن كانا عدلين، وبهذا أخذ أصبغ.
وكذلك في كتاب ابن المواز إن أقام أحدهما شاهداً، وأقام الآخر أربعة، فإن كان الواحد أعدل قضيت به مع يمين صاحب الحق، وإن كان في الأربعة اثنان أعدل منه قضيت بهما، وإن كانا مثل عدالة الشاهد حلف صاحب الشاهد وأبطل الشاهدين، وإن كان ذلك الشيء بيد أحدهما بقي له بعد يمينه، ما علم للآخر فيه حقاً، وإن كان بأيديهما حلفا وبقي بأيديهما.
وقال أشهب: إذا لم يكن في أيديهما فهو لصاحب الشاهدين.
وقال أيضاً: يحلف مع الشاهد الأعدل ويكون أحق به.
وعليه أصحاب مالك، وقاله أصبغ.
ومن العتبية قال ابن القاسم: ولو أقام كل واحد منهما بينة لا يعرفهم الإمام فيعدل كل بينة معدلون، فلا يقضي ببينة أعدل المعدلين، وإنما ذلك في الشهادة خاصة، ومثله روى ابن حبيب عن ابن الماجشون.
وقال مطرف: وكان مالك يميل في الشهود والمعدلين إلى من هو أرجح بعدالة أو بكثرة عدد، فإن كان الفريق الواحد من العدلين أعرف بوجه التعديل وأبين عدالة وفضلاً أو أكثر عدداً قضيت بها لمن جاء بها.
م/: وإذا تكافأت البينتان سقطتا، وبقي الشيء بيد حائزه ويحلف، وإنما حلف لأن

الجزء: 17 - الصفحة: 501

البينتين لما سقطتا كأنها لم تكن، وبقيت الدعوى فوجب اليمين على المنكر؛ لقول النبي -صلى الله عليه وسلم-: «على المدعي البينة وعلى المنكر اليمين».
قال بعض القرويين: اختلف إذا كانت إحدى البينتين أعدل هل يحلف صاحب الأعدل؟ ففي المدونة أنه يحلف في مسألة عفو الأرض مع البينة الأعدل.
واختلف في كثرة العدد هل يرجح به مع استوائهم في العدالة؟ واختلف في شاهد ويمين أو شاهد وامرأتين إذا هم تساووا في العدالة: فابن القاسم يسقطها في التساوي، وأشهب يراه من باب الترجيح، فلم يرد شهادة الشاهدين بشاهد ويمين، ولا بشاهد وامرأتين.
[الفصل 3 - في الترجيح بالحيازة عند تكافؤ البينات] وذهب عبد الملك إلى أن الحائز لا ينتفع ببينة، مثل أن يقيم رجل شاهدين على دار في يد رجل أنها له، وأقام من بيده الدار شاهدين أنها له، أن شاهدي المدعى أولى، وذلك أن الرسول -صلى الله عليه وسلم- قال «البينة على من ادعى واليمين على من أنكر».
فالبينة في جانب المدعي، واليمين في جانب المنكر، فلا ينتفع ببينته التي يقيمها عنده، واختلف إذا كانت الدار بيد ثالث، وأقام رجلان كل واحد بينة أنها له، وتكافأت في العدالة، والذي هي في يده الدار يدعيها لنفسه، فقيل إنها تبقى للذي هي في يده؛ لأن بينة هذين سقطتا بالتكافؤ فكأنها لم تكن، وقيل: تقسم بينهما؛ لأن البينتين قد اتفقا على إسقاط ملك الحائز.

الجزء: 17 - الصفحة: 502

وكذلك اختلف لو أقر بها الحائز لأحدهما، فعلى قولهم أنها تبقى له تكون لمن أقر الحائز أنها له، وعلى القول الآخر لا يقبل إقراره لأحدهما، ولا لغيرهما، كما لا تقبل دعواه لنفسه أنها له.
[الفصل 4 - القضاء في الشيء يدعيه اثنان ولا يجوزه أي واحد منهما] ومن المدونة قال مالك: وإن تداعيا في شيء ليس هو بيد واحد منهما، وأقام كل واحد منهما بينة أنه له، قضى بأعدل الشهود وإن قلوا، وإن تكافؤا في العدالة وكان الذي شهدوا فيه مما يرى الإمام منعهما منه فعل حتى يأتيا ببينة أعدل منهما، وإن كان مما لا ينبغي للإمام أن يقره، ولا يرى أنه لأحدهما قسمة بينهما بعد إيمانهما كشيء لا شهادة لهما فيه.
قال ابن القاسم: وبلغني عن مالك في القوم يتنازعون عفواً من الأرض، فيأتي هؤلاء ببينة وهؤلاء ببينة، فإنه يقضي في ذلك بأعدل البينتين وإن كانت أقل عدداً، أو يحلف أصحابهما مع شهادتهم، وإن تكافأت البينتان سقطتا، وبقيت الأرض كغيرها من عفو بلاد المسلمين حتى تستحق بأثبت من هذا.
قال ابن القاسم: مثل أن يأتي أحدهما ببينة هي أعدل من الأولى.
وقال ابن القاسم عن مالك في باب آخر: إن كل ما تكافأت فيه البينتان، وليس هو في يد واحد منهما، وكان مما لا يخاف عليه مثل الدور والأرضين ترك حتى يأتي أحدهما

الجزء: 17 - الصفحة: 503

بأعدل مما أتى به صاحبه فيقضي له به، إلا أن يطول الزمان ولا يأتيا بشيء غير ما أتيا به أولاً فإنه يقسم بينهما.
قال ابن القاسم: لأن إبقاء ذلك يؤدي إلى ضرر.
قال مالك: وما كان يخشى تغيره مثل الحيوان والرقيق والعروض والطعام فإنه يستأني به قليلاً، لعل أحدهما يأتي بأثبت مما أتى به صاحبه فيقضي له به، فإن لم يأتيا بشيء وخيف عليه قسم بينهما.
قال ابن القاسم: وكذلك فيما ادعياه من الزرع في أرض رجل لا يدعيه، ولو ادعاه رب الأرض لكان أحق به في تكافؤ بينتهما، ولو كان الزرع في يد أحدهما كان أولى به إذا أقام البينة.
ولو كانت دار بيد رجل يدعيها لنفسه فادعاها رجلان، وأقام كل واحد منهما بينة أنها له، وتكافأت بينتهما فإن الدار تبقى بيد الذي هي في يده.
ومن أقام بينة في دار أنه ابتاعها من فلان، وأنه باعه ما ملك، وأقام من هي في يده بينة أنه يملكها، قضي بأعدلهما، فإن تكافأتا سقطتا، وبقيت الدار بيد حائزها، كما لو ادعاها الذي يزعم هذا أنه ابتاعها منه لقضي بها للحائز عند تكافؤ البينتين، وإن لم تقم للحائز بينة قضي بها للمدعي، إلا أن تكون طالت حيازة الحائز بحال ما وصفنا في الحيازة والمدعي حاضر فذلك قطع لدعواه.

الجزء: 17 - الصفحة: 504

قال أبو محمد: سئلت عمن شهد لرجل استحق ثوباً أنه له قال وأنا بعته منه، فأحبت أنها لا تجوز شهادته؛ لأن من شهد له بشيء أنه يملكه بشرائه إياه من فلان لا تتم الشهادة فيه حتى يقولوا: إن فلاناً البائع علمنا أنه يملكه أو يحوزه حيازة المالك حتى باعه من هذا، وهذا الشاهد البائع لم يثبت ملكه للثوب إلا بقوله.
[الفصل 5 - القضاء بين المدعي والحائز في الشيء يقيم كل منهما البينة عليه] ومن المدونة: وإذا أقام كل واحد من المدعي والحائز بينة على نتاج أو نسج كان ذلك لمن هو بيده عند تكافؤ البينات، ولو أن أمة ليست بيد أحدهما فأتى أحدهما ببينة أنها له لا يعلمون أنها خرجت عن ملكه حتى سرقت له، وأقام آخر بينة أنها له ولدت عنده ولا يعلمون أنها خرجت من عنده بشيء، قضي بها لصاحب الولادة.
قال غيره: وإذا كانت بينة الناتج عدولاً وإن كانت الأخرى أعدل، وليس هذا من التهاتر، ولكن لأنها لما زادت قدم الملك كانت أولى، كما لو شهدت بينة أن هذا ملكها منذ عام، وشهدت بينة الآخر أنه ملكها منذ عامين، فإني أقضي ببينة أبعد التاريخين إن عدلت، وإن كانت الأخرى أعدل.
ولا أبالي بيد من كانت الأمة منهما، إلا أن يحوزها

الجزء: 17 - الصفحة: 505

الأقرب تاريخاً بالوطء والخدمة والادعاء لها بمحضر من الآخر فهذا يقطع دعواه.
م/: ولو أقام أحدهما بينة أنه يملكها منذ ثلاث سنين، وأقام الآخر بينة أنها ولدت عنده منذ سنتين، فهذا تهاتر، ويقضي بأعدل البينتين، فإن تكافأتا سقطتا وبقيت بيد حائزها.
[الفصل 6 - الحكم بين اثنين يدعيان عبداً هو في أيديهما] ومن المجموعة وكتاب ابن سحنون قال أشهب: وإن اختصم رجلان في عبد لا يتكلم، كلاهما يدعيه وهو في أيديهما، فإن لم تكن بينة لهما أو كانت وتكافأت في العدالة، فالعبد بينهما نصفان بعد أيمانهما، وأيهما نكل قضي به لمن حلف.
قال: وإن كان العبد كبيراً يتكلم لم أسأله حتى أسألهما البينة، فإن أقامها أحدهما قضي له به، وكذلك إن أقاما جميعاً بينة وإحداهما أعدل قضي به لصاحب الأعدل، ولم أنظر لقول العبد أني لغيره، فإن تكافأت البينتان أبطلتهما، وجعلت العبد لمن أقر له بالملك، ومتى جاء صاحبه بأعدل قضيت له به، وإن لم يقيما بينة جعلته لمن أقر العبد أنه له بعد أيمانهما أو نكولهما، وأيهما نكل وحلف الآخر قضيت به للحالف، ولم أنظر إلى إقرار العبد.
وزعم النعمان أنه يكون بينهما إن لم يقيما بينة وهذا غلط.
أرأيت لو تعلق هو بهما وقال أنتما عبداي أتقبل قولهما دون أن تقبل قوله؟ [الفصل 7 - القضاء بين اثنين يدعيان شيئاً هو في يد غيرهما] وإن ادعى كل واحد منهما داراً ويقول: إنها في يدي، والدار بيد غيرهما، وأقر أنه أكراها من أحدهما أو استعارها منه، فهي للذي أقر له إلا أن يقيم الآخر بينة فهو أحق بها،

الجزء: 17 - الصفحة: 506

إلا أن يقيم الآخر بينة فيحكم بأعدل البينتين، فإن تكافأتا كانت للمقر له بعد يمينه أنها له ما لأحد فيها حق يعلمه، وإن لم يأتيا ببينة فهي للمقر له بغير يمين على المقر له، والمقر إذا رجع عن إقراره لم يصدق، وإن كان شاهداً فلا يحلف الشاهد مع الشاهد، وإن أقام أحدهما ببينة أنه أكراها من الذي هي في يده، وأقام الآخر بينة أنه أودعها إياه فإن علم أولهما أكرى أو أودع فالحق حقه، وإن لم يعلم ذلك قسمت بينهما نصفين.
قال سحنون: سمعت بعض أصحابنا من أهل الحجاز يقول في الرجلين يدعيان بشيء فيكون بيد أحدهما فيقر الذي هو بيده أنه لرجل آخر، ويبرأ به إليه مثل الدار فيقبضها المقر له بها، ثم يقيم بينة، ويقيم مدعيها بينة، أن الذي هي بيده لا يكون أولى بها؛ لأنها إنما صارت في يده بدعوى المدعي، وإنما يكون أولى بالشيء الذي تسبق حيازته إليه دعوى المدعي.
م/: وهذا خلاف ما تقدم لأشهب.
وسأل ابن حبيب سحنوناً على من حكم عليه بدين فأثبت بينة بعدمه، فأقام الطالب بينة أن له داراً هو بها ساكن وأقامت امرأة الغريم بينة أن الدار لها؟ قال: يقضي بأعدل البينتين، وإن تكافأتا بقيت الدار للزوج وتباع في دينه؛ لأن سكناه أغلب من سكني المرأة، وعليه هو أن يسكنها.

الجزء: 17 - الصفحة: 507

[الفصل 8 - القضاء بين اثنين يدعيان ولاء مولى موت] ابن حبيب قال مطرف وابن الماجشون في مولى مات فادعى ولاءه رجلان كل واحد يدعيه لنفسه، فإن لم يقيما بينة فلا يحلفان ولا يقسمان ماله؛ لأن السلطان يلي الدفع عن هذا المال، والمسلمون وارثوه، وإن أقاما بينة وتكافأتا حلفاً وقسماه بينهما.
قال مطرف: وإن أقام أحدهما بعد ذلك بينة أعدل من بينة الآخر لم يرجع على صاحبه بشيء؛ لأنه حكم مضى.
وقال ابن الماجشون وأصبغ: بل يرجع على صاحبه بما أخذ، وبه أقول.
[الفصل 9 - القضاء بين اثنين يدعيان شيئاً بعضه بيد أحدهما والبعض الآخر بيد خصمه] ابن سحنون: قال أشهب وسحنون في شاة مسلوخة بيد رجل، ورأسها وسقطها بيد رجل آخر، وأقام من هي بيده بينة أن الشاة وسقطها له، وأقام الآخر بينة بمثل ذلك، فليقض بجميع ذلك لأعدلهما بينة، فإن تكافأتا تحالفا، وإن حلفا أو نكلا قضيت لكل واحد منهما بما في يديه، وأيهما نكل قضيت للحالف بالجميع، ولو أقام كل واحد البينة أن الشاة له نتجت عنده فذبحها وسلخها، وإن هذا الجلد والسقط منها، وأن ذلك كله له فالجواب سواء.
[الفصل 10 - القضاء بين أحرار وعبيد يدعون شيئاً هو بأيديهم جميعاً] قال محمد بن عبد الحكم: وإذا كانت دار في يد رجلين وفي يد عبد لأحدهما، وكل

الجزء: 17 - الصفحة: 508

يدعيها فإن كان هذا العبد تاجراً وعليه دين فهي بينهم أثلاثاً، وإن لم يكن تاجراً فهي بين الرجلين نصفان؛ لأن العبد في يد مولاه.
ولو كانت في يد حر وعبدين تاجرين أو غير تاجرين، ثم ادعاها العبدان لسيدهما والحر لنفسه، أو ادعاها كل واحد منهم لنفسه فإنها تقسم بينهم أثلاثاً، ولو كان السيد معهم في الدار وهم غير مأذونين لقسمت بين السيد وبين المدعي لنفسه نصفين، ولم يكن للعبدين يد مع السيد.
[الفصل 11 - القضاء في الشيء يدعيه اثنان ويختلفان في وقت تملكه] ابن سحنون قيل: ولو أن عبداً أقام رجل بينة أن أباه مات وتركه ميراثاً لا يعلمون له وارثاً غيره، وأقام آخر بينة أنه له، قال: يقضي به بينهما نصفين إلا أن يكون في شهادة واحد منهما توقيت فيقضي له به، قيل: فإن أقام الآخر بينة أنه اشتراه من أبي هذا المدعي بكذا وكذا ونقده الثمن، قال: يقضى به للمشتري؛ لأن أباه لو كان حياً قضيت عليه، وكذلك لو كان الآخر أقام بينة أن أبا هذا أصدق هذا العبد أم الآخر، وأن أمه ماتت وتركته ميراثاً له، لا يعلمون لها وارثاً غيره لقضيت له به كالشراء، ولو كان إنما شهدوا له أن أبا الأول تصدق به على الآخر أو وهبه إياه، قال: إن شهد شهود ابن الميت أنه لم يزل في يده حتى مات نظر إلى أعدل البينتين فيقضي بهم، فإن تكافأتا بطلت بينة المتصدق عليه.
وقال أشهب في عبد بيد رجل أقام آخر بينة أنه له قضى له به القاضي، وأقام من هو بيده بينة أنه عبده ولد في ملكه قضى به لصاحب الولادة؛ إذ لو وجدته بيد المقضي له به

الجزء: 17 - الصفحة: 509

لقضيت به لهذا إلا أن يكون في شهادة المقضي له به أن القاضي قضى به لهذا؛ لأنه اشتراه من هذا أو ممن باعه له فأقضي له به.
وسئل سحنون في المتداعبين بداية أقام أحدهما بينة أنها له، وفي يده منذ خمس عشرة سنة، وأقام الآخر بينة أنها له وفي يده، حكم له بها قاض منذ ثلاث عشرة سنة؟ فقال: إن شهدت بينة المحكموم له أن الحكم كان على هذا المدعي قضيت للمحكوم له، وإن كان على غير هذا قضيت لصاحب الوقت الأول إن كانوا عدولاً كلهم، وإن كانت بينة صاحب الحكم أعدل.
ابن سحنون: وقال أشهب في عبد بيد رجل أقام آخر بينة أنه عبده منذ عامين، وأقام حائزه بينة أنه له منذ سنة قضي به لصاحب السنتين، إلا أن يحوزه الآخر على وجه الملك بحضرة هذا وعلمه فأقضي له به.
قال: ولو أقام رجل بينة أنه له منذ سنة، وأقام الحائز بينة أنه في يده منذ سنتين ولم يشهدوا أنه له، قال: أراه لمن شهدوا له أنه منذ سنة، إلا أن تكون للآخر بينة بالحوز على الآخر بوجه الملك على ما ذكرنا.
[الفصل 12 - في الرجلين يقيم أحدهما البينة على النتاج والآخر بينة على الشراء أو يقيم كل منهما بينة على النتاج] وقال ابن القاسم في دابة ادعاها رجلان وليست بيد أحدهما، فأقام أحدهما بينة أنها

الجزء: 17 - الصفحة: 510

نتجت عنده، وأقام الآخر بينة أنه اشتراها من المقاسم، فهي لمن اشتراها من المقاسم، بخلاف من شهدت له بينته أنه اشتراها من سوق المسلمين؛ لأن هذه تسرق وتغصب ولا تحاز على الناتج إلا بأمر يثبت، وأمر المغنم قد استوقن أنها خرجت من ملكه بحيازة المشركين، ولو وجدت في يد من نتجت عنده، وأقام هذا بينة أنه اشتراها من المغانم أخذها منه أيضاً وكان أولى بها إلا أن يشاء أن يدفع إليه ما اشتراها به من المغنم ويأخذها، وقاله سحنون.
قال أشهب في عبد بيد رجل ادعاه رجلان، وأقام كل واحد منهما بينة أه له ولد عنده قضيت به لأعدلهما، فإن تكافأت البينتان قضيت به لمن هو بيده بعد يمينه أن ذلك له لا يعلم لهما فيه حقاً، فإن نكل حلفا وكان بينهما، وأيهما نكل قضي به للحالف، وإن نكلا قضيت به للذي هو في يده.
وقال في باب آخر في شاة بيد رجل أقام آخر بينة أنها له ولدت عنده في ملكه فقضي له بها ثم جاء آخر ببينة بمثل ذلك.
قال: يقضي بها لأعدل البينتين، فإن تكافأت بينتاهما لم أردها للأول، وتقسم بين هذين بعد أيمانهما، وأيهما نكل قضي بها للحالف عليه، فإن نكلا قضيت بها للذي انتزعت منه؛ لأن نكولهما كإقرارهما.
م/: وإنما فرق بينهما؛ لأن الشاة قضي بها للثاني وحيزت عن الأول.
والعبد في

الجزء: 17 - الصفحة: 511

المسألة الأولى لم يقض به لأحد فيبقى عند تكافؤ البينة بيد حائزه الأول.
قال أشهب: ولو اقتسما الشاة في تكافؤ البينتين، ثم أقام أحدهما بينة غير التي شهدت له أولاً بمثل شهادة الأولى، فإن كانت هذه الآخرة أعدل من بينة صاحبه التي طرحتها بالتكافؤ قضيت بجميع الشاة لهذا، وإن كانت مثل الأولى أو دونها أقررت الشاة بينهما.
[الفصل 13 - في الرجل يصف لقطة فتدفع إليه ثم يأتي من يصفها كوصف الأول] قال في المجموعة: ومن التقط لقطة ثم أتى من وصفها فدفعها إليه، ثم جاء آخر فوصفها كوصف الأول، فهي للأول القابض لها بالصفة، وكذلك لو قال ملتقطتها: هي لي، كان أحق بها.
وإن جاء من يدعيها ووصفها فلا تكون له إلا ببينة، وإن كان الأول إنما أخذها ببينة بأمر السلطان أو بغير أمره ثم ادعاها ثان وأقام بينة قضيت بها لأولهما تاريخاً، فإن لم يؤرخا قضيت بها لأعدلهما، وإن تكافأتا بقيت لمن هي بيده بعد يمينه ما علم لهذا فيها حقاً، فإن نكل حلف صاحبه وأخذها، فإن نكل بقيت بيد من دفعت إليه أولاً.
قال: ولو جاءا جميعاً يدعيان ذلك، وتكافأت بيناتهما، كان ذلك بينهما شرطين بعد أيمانهما.
م/: قال في مسألة الشاة إذا قضى بها لمدعيها بالبينة، ثم أتى ثان فأقام بينة أنها له مثل الأولى، فإنها تقسم بينهما عند تكافؤ البينتين.
وقال في مسألة اللقطة: إذا قبضها الأول ببينة تبقى للأول عند تكافؤ البينتين فما الفرق؟ قال: فكان بعض شيوخنا يقول في مسألة اللقطة: إذا قبضها الأول ببينة ثم أتى ثان

الجزء: 17 - الصفحة: 512

فأقام فيها بينة أنها له، ولم يؤرخا فإنها تقسم بينهما عند تكافؤ البينتين.
قال: لأنه مال عرف أصله.
واحتج رحمه الله بمسألة من ورث رجلاً بولاء يدعيه، ثم أقام آخر بينة أنه مولاه وتكافأت بيناتهما أن المال يقسم بينهما بعد أيمانهما.
قال: فكذلك مسألة اللقظة.
م/: وقوله في مسألة اللقطة موافق لقول أشهب في مسألة الشاة.
وقول أشهب في اللقطة موافق لقول الغير في مسألة الولاء، فقد صار هذا الأصل يجري على القولين والله أعلم.
[الفصل 14 - فيمن يرث الرجل يموت ويترك ولدين مسلماً ونصرانياً وكل منهما يدعي أن أباه مات على دينه] ومن المدونة قال ابن القاسم: ومن مات وترك ولدين مسلماً ونصرانياً كلاهما يدعي أن الأب مات على دينه فأقاما على ذلك بينة مسلمين وتكافأت في العدالة أو لم يكن لهما بينة فالميراث يقسم بينهما نصفين كمال يدعيانه وإن كان قد صلى المسلم على أبيه ودفنه في مقبرة المسلمين فليست الصلاة شهادة ولو لم يأتيا ببينة، وقد كان يعرف بالنصرانية فهو على ذلك؛ وابنه النصراني أحق بميراثه حتى يقيم المسلم بينة على ما ذكره.
وقال غيره: إذا تكافأت البينة قضي بالمال للمسلم بعد أن يحلف على دعوى النصراني لأن بينته زادت حين علمت أنه مسلم.
قال بعض فقهاء القرويين: وقول ابن القاسم أصوب لأن معناه أن الرجل جهل أصله وإذا جهل أصله فليس هاهنا زيادة ولا أمر يرد إليه فوجب قسمة المال بينهما وإذا كانت بينة المسلم زادت على تأويل غير ابن القاسم لم يحتج إلى تكافؤ البينة لأن من زاد

الجزء: 17 - الصفحة: 513

قضي بزيادته وإن كانت الأخرى أعدل منها.
قال إسماعيل القاضي: يشبه أن يكون ابن القاسم أراد بتكافؤ البينة أن تشهد بينة المسلم أن أباه لم يزل مسلماً حتى توفي وتشهد بينة النصراني أنه لم يزل نصرانياً حتى توفي وكان الأب لا يعرف حاله فإن الشهادتين تسقط وأما إن شهدت بينة المسلم أن أباه كان نصرانياً فأسلم وشهدت بينة النصراني أنه لم يزل نصرانياً حتى مات قضي ببينة المسلم لأنها زادت حدوث الإسلام.
وقد اختلف إذا كان معهما ولد صغير.
فقال أصبغ: يأخذ النصف لأن كل واحد منهما مقر أن له النصف فيعطيه نصف ما في يديه فيصير له وحده النصف ولهما النصف.
وفي كتاب ابن سحنون: يحلفان ويوقف ثلث ما بيد كل واحد منهما حتى يكبر الصغير فيدعي مثل دعوى أحدهما فيأخذ ما وقف له من سهمه فإن مات قبل أن يبلغ حلفاً واقتسما ميراثه وإن مات أحدهما قبل بلوغه وله ورثة يعرفون كانوا أحق بميراثه ولا يرد وإذا كبر الصبي فادعاه كان له وتقدمت في كتاب الولاء.

الجزء: 17 - الصفحة: 514

[الباب السابع]

في الشهادة على الحيازة وما يقطع الدعوى من طولها

[الفصل 1 - مدة الحيازة التي تقطع دعوى المدعي] ومن حاز على أخيه شيئه حوز المالك سنين ذوات عدد، قال غير ابن القاسم: العشر سنين ونحوها لا يدعيه فذلك يقطع دعواه، وفي ذلك أحاديث مروية.
قال سحنون: ولما أمر الله نبيه عليه السلام بالقتال بعد عشر سنين كانت أبلغ شيء في الإعذار والله أعلم.
وذكر ابن المسيب وزيد بن أسلم أن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال: «من حاز شيئاً عشر سنين فهو له» ومن طريق النظر أن كل دعوى ينفيها العرف، وتكذبها العادة، فإنها غير مقبولة لقوله تعالى: ﴿وَامُرْ بِالْعُرْفِ﴾ [الأعراف:199] فوجب الرجوع إليه في اختلاف الدعوى.
ولما كان الإنسان في غالب الأحوال لا يحاز عنه شيئه، ويرى الحائز يتصرف فيه تصرف المالك بالهدم والبناء والإجارة والرهن وغير ذلك وهو حاضر معه، ولا مانع يمنعه من مطالبته ومن مرافعته دل من حيث العادة المألوفة كما قررناه أن ذلك لو بقي في ملكه لما سكت وتركه، فإذا قام بعد سنين يطالبه ويقيم البينة أن ذلك على ملكه صار مدعياً لغير العرف فلم يقبل قوله، ولا ينظر إلى بينته، والقول قول الحائز أنه صار ذلك له ببيع أو صداقة أو هبة.
وقد اختلف قوله في أن ذلك صار إليه بهبة أو صدقة، والصواب أن لا فرق بين ذلك وبين البيع.

الجزء: 17 - الصفحة: 515

ومن المدونة قال مالك: ومن قامت بيده دار سنين ذوات عدد يحوزها ويمنعها ويكريها ويهدم ويبني، فأقام رجل بينة أن الدار داره، وأنها لأبيه أو جده، وثبتت المواريث، فإن كان هذا المدعي حاضراً يراه يبني ويهدم ويكري فلا حجة له، وذلك يقطع دعواه، وإن كان غائباً ثم قدم فادعاها وثبت الأصل له، فإن أتى الذي بيده الدار ببينة أو سماع أن أباه أو جده ابتاع هذه الدار من القادم أو من أحد آبائه، أو ممن ورثها القادم عنه، أو ممن ابتاعها من أحد ممن ذكرنا، فذلك يقطع حق القادم منها، وإن لم يأت الحائز ببينة يشهدون على الشراء في قريب الزمان، أو على السماع في بعيده، قضي بها للقادم الذي استحقها.
وقد تقدم هذا.
قال ابن القاسم: وكذلك من حاز على حاضر عروضاً أو حيواناً أو رقيقاً، فذلك مثل الحيازة في الربع إذا كانت الثياب تلبس وتمتهن، والدواب تركب وتكرى، والأمة توطأ، ولم يحد مالك في الرباع عشر سنين ولا غير ذلك، ولكن على قدر ما يرى أن هذا حازها دون الآخر فيها يهدم ويبني ويكري ويسكن.
وقال ربيعة: حوز عشر سنين يقطع دعوى الحاضر، إلا أن يقيم بينة أنه إنما أكرى أو أسكن أو أعار ونحو ذلك، ولا حيازة على غائب.
وذكر ابن المسيب وزيد بن أسلم أن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال: «من حاز شيئاً عشر سنين فهو له».
ابن حبيب وبهذا أخذ ابن القاسم وابن وهب وابن عبد الحكم وأصبغ في توقيع عشر سنين.
قال ابن القاسم: والتسع والثمان وما قارب العشرة مثل العشرة.

الجزء: 17 - الصفحة: 516

قال: وما يغتل من ذلك أقصر مدة في الحيازة مما يحاز بالسكنى والحرث.
قال في العتبية: إذا سكن الدار أو زرع الأرض وشبه ذلك فعشر سنين ونحوها تبطل دعوى الأجنبي، وأبين من ذلك أن يغرس وبيني.
ابن حبيب: قال أصبغ: إذا كان الحاضر يرى حيازة الحائز بسكنى الربع أو هدم أو بناء أو زرع للأرض فعشر سنين في ذلك وما قارها قطع لدعواه كما الرهن والستر كالشاهد، وأما غير الدور والأرضين من ثياب أو حيوان أو عبيد أو غير ذلك فذلك أقصر مدة، وكل شيء بقدره، فالثياب السنة والسنتان فيها حيازة إذا لبست، والدابة السنتان والثلاثة إذا ركبها أو اغتله على وجه املك، والأمة مثل ذلك إلا أن يطأها بعلم القائم ولا ينكر فلا حجة له بعد ذلك، وإن لم يطل ذلك قبل الوطء.
والعبيد والعروض فوق ذلك قليلاً إذا حازها بالملك.
ولا يراعى عشر سنين بين الأجنبيين إلا في الرباع.
وقال مطرف: من حاز من الأجنبيين في الأشياء كلها عشر سنين على وجه الملك فهو له، والعشر سنين غاية في الربع وغيره، وقد يكون من هذا الوجه الخمس سنين والست والسبع والثمان تقطع حجة المدعي باجتهاد الإمام عند نزوله.
وأما ما أحدث فيه حائزه بيعاً أو عتقاً أو تدبيراً أو كتابة أو صدقة أو أصدق الأمة أو وطئها فذلك يقطع حجة المدعي إذا لم يغيرها عند علمه بها قام بحدثانه أو بغير حدثانه.
قال ابن سحنون عن أبيه فيمن أثبت بينة في أرض أنها له، وأثبت الذي هي في يده أنه حازها عشر سنين بمحضر الطالب، فأقام الطالب بينة أنه طلبها أو نازع فيها هذا،

الجزء: 17 - الصفحة: 517

قال: إن قالوا لم يزل يخاصم ويطلب، وليس أن يخاصم يوماً أو يومين ثم يمسك نفعه ذلك، وإلا لم ينفعه.
وسئل فيمن أقام بينة أن قناة له تجري على فلان منذ سنة لا يدرون بحق أو بغير حق، ولا يغير الذي تجري عليه ولا ينكر، هل يلزم الذي جرت عليه إثباتها؟ قال: سنة قليل، وقد يتغافل الجار عن مثل هذا.
قيل: فإن جرت عليه أربع سنين أو خمس؟ قال: هذه حيازة واستحقاق.
وعن دارين بينهما زقاق مسلوك، في إحداهما كوة يرى منها ما في دار الآخر، فبنى جاره قبالته غرفة وفتح كوة قبالتها، فقام صاحب القديمة يطلب سدها، فطلب الآخر سد القديمة، والقديمة منذ أربع سنين أو خمس.
قال: يحلف صاحب الحديثة أنه ما تركها إلا على معنى الجوار، وتسد الكوتان.
فصل [2 - في الحائز يدعي أن المالك باعه أو وهبه أو تصدق عليه ما يحوزه وليس له بينة إلا أنه حائز له] ومن العتبية قال عيسى عن ابن القاسم فيمن بيده أرض أو مسكن يحوزه فيقيم آخر البينة أنه يملكه، ويقر له بذلك الحائز، ويدعي أنه ابتاعها منه أو وهبها له أو تصدق بها عليه، ولا يأتي ببينة على ذلك إلا أنه حائز لها، فالقول قول من بيده الدار في البيع مع يمينه إذا حازها الزمان الذي يعلم فيه أن قد هلكت فيه البينات على البيع، وأما الهبة والصدقة فيحلف المستحق ما خرجت من ملكه ويأخذها بعد أن يدفع قيمة ما بنى هذا فيها نقضاً، وإن كان الحائز ورثها فالقول قوله مع يمينه، إلا أن يكون المستحق غائباً فيكون أولى بها، إلا أن يقيم هذا بينة بالسماع على الشراء فيما طال زمانه.

الجزء: 17 - الصفحة: 518

قال ابن حبيب: قال مطرف: وإذا علم أن أصل ما بيد الحائز الأجنبي أو الصهر أو المولى إنما أرفق به أو أكرى منه، فالحق لصاحب الأصل وإن طالت الحيازة، حتى يقيم هذا بينة على هبة أو شراء، أو يحدث في ذلك بحضرة هذا ما لا يحدثه إلا في ملكه ولا ينكر عليه، فيكون أحق به.
وولد الحائز وولد ولده في كل ما ذكرنا مثل آبائهم.
فصل [3 - في الحيازة على الغائب] ومن العتبية قال عيسى عن ابن القاسم: ولا حيازة على غائب وإن تداولتها الأملاك، إلا أن يقيم الحائز بينة على شراء أو صدقة منه، وكذلك لو كان الغائب على مسيرة ثمانية أيام أو أربعة أو نحوها فيحوزها الحاضر عشر سنين أو عشرين سنة، ثم يموت وتورث عنه، وهو يبلغه ذلك، فلا يطلب ولا يوكل، فإن له القيام، ولا يقطع ذلك عنه الأمر القريب، وليس كل الناس يتيسر لهم ذلك من ضعف وغيره وللناس أعذار.
قيل وإن لم يكن به ضعف ولا عذر؟ قال: كممن لا يتبين عذره وهو معذور، إلا أن يكون علم بذلك وطال زمانه لا يخرج إلى ذلك، ويترك فلا شيء له.
وقال عنه يحيى: إن كان بعيداً مثل الأندلس من مصر كلف من هو بيده البينة على ما يستحق به، وإلا لم تنفعهم الحيازة، وإن كانت الغيبة قريبة ومنزلهم يتوارث هكذا بعلمهم، ولا يقومون ولا يوكلون حتى طال الزمان، وقد ورث أو لم يورث فذلك قطع لحقهم كالحاضرين، إلا أن يتبين للسلطان عذرهم لضعفهم أو عجزهم.

الجزء: 17 - الصفحة: 519

قال ابن حبيب عن مطرف: إذا حيزت على رجل أرضه أو داره وهو غائب، فإن لم يعلم فهو على حقه إذا قدم وإن طالت الحيازة، قربت غيبته أو بعدت، وهو على أنه لم يعلم حتى تقوم البينة بعلمه، فتنقطع حجته إن كان قريب الغيبة كالخمسة الأيام وشبهها، إلا أن يأتي بوجه يعذر فيه مثله، والسبعة من الأيام والثمانية طول من الغيبة وعذر يترك به القدوم، وإن علم بما حيز عليه لم يضره، ولكن استحب له أن يشهد بأنه على حقه، وإن لم يشهد لم يضره، وذكر عن مالك.
فصل [4 - في الحيازة بين القرابة] ومن المدونة: قيل لابن القاسم: أرأيت لو أن داراً في يدي ورثتها من أبي فأقام ابن عمي بينة أنها دار جده وثبت موروثه؟ قال: هذه من وجه الحيازة التي أخبرتك.
م/: قال بعض فقهائنا: جعل في هذا القول الحيازة بين القرابة وبين الأجانب سواء بخلاف ماله في غير المدونة.
قال غيره: ما كان في الحيازة من تأثير هدم أو بناء أو نحوه، فيستوي في ذلك القرابة والورثة والأجانب، وما كان ليس فيه تأثير وإنما هي حيازة بسكنى ونحوها، فيفرق بين الأقارب والأجانب في طول ذلك.
وكذلك روى يحيى بن يحيى عن ابن القاسم في العتبية.
م/: قال بعض الفقهاء: اختلف في الحيازة على القرابة، فإن كانوا يتسامحون في حيازة بعضهم على بعض فيما يرثونه العشرين سنة والثلاثين لم يكن ذلك حيازة، ثم ينتظر أيضاً ما الغالب أنهم يسكنون إليه فيكون حينئذ حيازة، وإن كانوا كالأجانب، ويقع بينهم التشاح فهم في الحيازة كالأجانب، ولو حاز بعضهم على بعض العشر سين والثمانية وما قارب ذلك فهو حوز عليه.

الجزء: 17 - الصفحة: 520

وأما الهدم والبناء في الأجانب فذلك حوز، وإن قرب الأمد.
واختلف هل ذلك بين القرابة حوز فينبغي أن ينظر أيضاً فإن كانوا لا يفعلون الهدم والبناء إلا بعد المقاسمة فذلك حوز، وإن كانوا يتسامحون في هذا فليس بحوز إلا أن يطول الزمان كالخمسين سنة ونحوها.
[فصل 5 - في الحيازة بين الورثة والشركاء] وأما حيازة الوارث بالوطء والبيع والتدبير والكتابة والعطية فذلك يقطع حق باقي الورثة بلا اختلاف فيه.
ومن غير المدونة: وقد اختلف قوله فيما حازه الورثة ببناء أو هدم أو غرس أو كراء باسمه.
فقال مرة هم في هذا كالأجانب إذا حازها بمثل هذا عشر سنين فهو أولى بها، ثم رجع فقال: لا يقطع بذلك حق الورثة، وثبت فيما حازه الوارث بالوطء والبيع والتدبير والكتابة والعطية أن ذلك يقطع حق باقي الورثة بمثل هذا.
وقال في الغرس والبناء: إلا أن يطول الزمان جداً، ولم ير الأربعين سنة طوشً بين الورثة خاصة، وسواء مات أحد الوارثين أو كلاهما أو لم يموتا لا يقطعه إلا طول الزمان جداً.
قال: وكذلك المرأة مع ولد زوجها تقوم هي أو ولدها من زوج بعده على ولد الأول، وقد حازوا بالزرع والسكنى، وإن بعد عشرين سنة، فلا يقطع ذلك حقها ولا حق ولدها، إلا أن يقسموا أو يبيعوا أو يعتقوا بعلمها أو علم من يرثها فذلك يقطع حقهم.
قيل: فإن فعلوا ذلك في بعض الرقيق؟ قال: إن كان ذلك في يسير منهم أخذت حقها فيما أعتقوا وبعوا؛ لأنها تعذر

الجزء: 17 - الصفحة: 521

بالسكوت عن اليسير في جنب كثير الميراث، وإن أحدثوا ذلك في جل الميراث فإن حقها يبطل من الجميع.
ومن كتاب ابن حبيب قال مطرف: ولا حيازة بين الورثة والشركاء فيما يزرع أو يسكن بغير عمارة طال الزمان أو قصر، في بعض ذلك أو كله، حضروا أو غابوا، إلا أن يطول الزمان جداً خمسين سنة أو أكثر، أو يحدث فيما لم يطل بيع أو هبة أو قسم أو إصداق النساء، والباقون حضور لا ينكرون ولا يغيرون ذلك، فلا حق لهم إلا أن يقوموا بحدثان ذلك، وإلا فلا شيء لهم لا في ثمن ولا في غيره.
قال: وما حيز منه بالهدم والبناء والغرس والإحياء فهم فيه كالأجنبيين، هذا إذا مضت عشر سنين وشركاؤه حضور عالمون لا يغيرون، فهو أحق به إذا ادعاه ملكاً لنفسه بأمر لا يريد أن يظهره واحتج بحيازته، فإن حاز هذا جميع ذلك فهو له، وإن كان إنما حاز بعضاً ولم يحز البعض وكان ما حاز مثل سهمه فهو له بسهمه، ولا شيء عليه فيما بقي، وإن ادعى أنه إنما عمر له دونهم، وأن حقه ثابت فيما بقي إذا ادعى أشراكه أنهم إنما تركوه يحدث ذلك ليكون له بسهمه وسهامهم فيما بقي، وحلفوا على ذلك.
وإن عمر أقل من سهمه أتم له بقية سهمه فيما بقي، وإن كان أكثر من سهمه فهو له كله قدر سهمه بسهمه، وما زاد على سهمه بالحيازة.
قال: والحيازة بقبض الغلات والثمار، وإن قبض غلة ذلك كله كالحيازة بالسكنى والزرع، وإن زعم شركاؤه أنه إنما قبض ذلك له ولهم بتوكيلهم أو التقديم له حلفوا، وهم على حقهم من الأصل والغلة الماضية.
وإن قالوا: تجافيا له عن ذلك فهم على أصلهم خاصة، وما حاز بعضهم من العبيد والإماء والحيوان والدواب وجميع العروض تختدم وتركب وتجلب وتمتهن العروض فلا يقطع ذلك حق الباقين ما لم يطل، والطول في ذلك دون الطول بينهم في حيازة الدور والأرضين بالسكنى، والازدراع، وفوق حيازة الأجنبي على الأجنبي، ما لم يحدث الحائز عتقاً أو تدبيراً أو بيعاً أو هبة أو صدقة أو يطأ الأمة أو يقطع الثياب والباقون لا يغيرون

الجزء: 17 - الصفحة: 522

ولا يقومون بحدثانه، فإن أحدث ذلك فيها كلها قضي له بها كلها.
وإن كان في بعضها فله ذلك خاصة، والباقي بينهم بعد يمين الباقين أنه ما خرج من أيديهم، ولو قاموا عند هذا الإحداث وحلفوا أنهم ما سوغوا له ذلك، فلهم قيمة نصيبهم فيما أعتق وفيما وطئ، وما باع أو تصدق أو وهب أو أصدق فهو مردود وهم فيه على حقهم.
فإن طال ذلك قبل قيامهم فلا شيء لهم لا في ثمن المبيع ولا في غيره، وما طال حيازته له بالامتهان والاستخدام حتى طال الزمان فذلك لحائزه دون الباقين، والطول فيه فوق عشر سنين بقدر الاجتهاد.
وأما في غير الورثة والشركاء فالحيازة فيه أقل من عشر سنين.
قال: والورثة والشركاء وآباؤهم بمنزلة أبنائهم لا يستحقون شيئاً بموت من مات وقال أصبغ مثله.
وقال أيضاً: وما حاز بعضهم بهدم أو بناء يشبه الإصلاح والزيادة فالسكنى لا يضر معه طول زمان ولا موت بعضهم إلا في طول الزمان جداً كخمسين سنة أو ستين سنة، فذلك يقطع حق من بقي، وما دون الخمسين وما قاربها فليس بحوز في الشركاء والورثة، وأما البناء والهدم الذي لا يشبه الزيادة فذكر فيه ما تقدم لمطرف.
فصل [6 - في حيازة الابن على أبيه وحيازة الورثة والأصهار والموالي] وبلغني عن محمد بن إبراهيم بن دينار أنه قال: ما حاز الابن من أرض أبيه في حياته بالغرس والبناء والإحياء، ولم ينقله الأب منه حتى مات، وطال الزمان فهو للولد بحيازته إياه إذا ادعاه ملكاً لنفسه.

الجزء: 17 - الصفحة: 523

قال: وإن كان أبوه ينقله من موضع إلى موضع، ويعمل في كل موضع، فلا شيء له بحيازته، وإن مات أبوه على ذلك، وقاله مطرف.
وروى أصبغ عن ابن القاسم أن ليس بين الولد ووالده في مثل ذلك حوز وإن طالت عمارته؛ لأنهم كالخول لآبائهم إلا ما نسبوه لأنفسهم بشراء أو هبة أو صدقة أو إصداق امرأة أو بنوا أو غرسوا في موضع واحد.
وقاله أصبغ وابن حبيب.
ومن العتبية قال عيسى عن ابن القاسم في الذي يعمر ابنه أومواليه أو أختانه حتى هلك ولا بينة لهم على عطية أو هبة أو صدقة، فأما الولد فلا شيء له إلا أن يقيم بينة على عطية أو صدقة أو هبة.
وأما المولى والختن فكالأجنبي إن عمروا أو غرسوا بمحضر رب الأرض، ولا يغير ولا ينكر، ولا يشهد بعارية ولا يغيرها فذلك لهم إذا عمروا زماناً طويلاً، أو بنوا بناءاً معروفاً بعلم رب الأرض عشر سنين أو تسع أو ثماني، وأما حيازة الابن على أبيه فيما ثبت أصله لأبيه من حيوان أو دابة أو رأس رقيق، فلا ينتفع بتقادم ذلك في يديه إلا أن يأتي ببينة على صدقة أو هبة.
وقال ابن حبيب: قال مطرف: ما عدا الشركاء والورثة من جميع القرابات، الإخوة وبنوهم، والأعمام وبنوهم، والأخوال والأصهار والموالي، فهم كالأجانب فيما حازوه.
قال أصبغ: إلا موالي الخدمة المدبرين لماله.
يريد مثل الخول والقوام وشبههم من

الجزء: 17 - الصفحة: 524

الخاصة، فلا يجرون مجرى الأجانب، وكذلك الموالي والأصهار يكونون خولاً ووكلاء لصاحب الأصل أو مختلطين به جداً، إلا أن يكونوا منقطعين عنه فيكونون كالأجانب، ولا حيازة للابن على أبيه وإن كان منقطعاً عنه.
واختلف قول ابن القاسم في ذلك: فمرة قال بقول مطرف وأصبغ، ومرة قال بخلافه.
قال أشهب وابن وهب: إن الورثة والأصهار كالأجانب فيما يحاز إذا حازوه عشر سنين، وكذلك عن أشهب في المجموعة أن الورثة كالأجانب.
وقال سحنون في العتبية في الصهر كزوج الأخت أو العمة يعمر قريتي بمحضري، قال: هو كالغريب في الحيازة، ولا يستحقها بعمارة عشر سنين بخلا الأجنبي.
وقد اختلف فيه أصحابنا وهذا أحسن.
وكذلك الموالي من فوق ومن أسفل كالقرابة في ذلك أيضاً.
واختصار ذلك كله على ثلاثة أقوال، قول أن الورثة والشركاء صنف لا يقضى لهم إلا أن تطول الحيازة كالخمسين سنة مثلاً أو ستين، وأن الأجنبي والقرابة غير الورثة.
والأصهار والموالي صنف يقضي لهم بحيازة عشر سنين وما قاربها، ويستوون كلهم في بيع الشيء المحاز وصدقته وهبته ووطئه وكتابته وتدبيره أن ذلك حوز وإن قرب، واختلف في حوز الورثة بالبناء والهدم فقيل: هم فيه كالأجانب، وقيل: بل ذلك كالزرع والسكنى.
وقال سحنون: إن الورثة وغيرهم من القرابة والأصهار والموالي من فوق أو من أسفل لا يقضي لهم إلا بعد طول الحيازة بخلاف الأجانب.
وقال أشهب: الورثة والأصهار والموالي كالأجانب يقضي لهم بحيازة عشر سنين وما قاربها.

الجزء: 17 - الصفحة: 525

[مسألة: حيازة الأزقة والطرق] وسئل سحنون عمن يدخل في داره من زقاق المسلمين النافذ فلم يرفع ذلك إلى الحاكم إلا بعد عشر سنين؟ قال: يهدم ويرد إلى الزقاق، ولا تملك الأزقة ولا تحاز.
وعما يحدث في طرق المسلمين من الكنيف والحمامات، ولا يرفع ذلك إلى الحاكم إلا بعد عشر سنين أو عشرين سنة؟ قال: لا تحاز طرق المسلمين بخلاف الأملاك بين الناس، إلا أن يأتي من ذلك أمر قديم مثل الستين سنة ونحوها فيترك ذلك؛ لأنه لا يعلم بأي وجه وضع ذلك، وأما عشر سنين ونحوها فلا.

الجزء: 17 - الصفحة: 526

[الباب الثامن]

في الشهادة في المواريث وبيع ما فيه مناظرة

[الفصل 1 - الشهادة في المواريث] قال ابن القاسم: ومن قامت له بينة أنه ابن فلان الميت لم يستحق ميراثه حتى يقولوا: لا نعلم له وارثاً غيره، وكذلك إن شهدوا مع ذلك بأن هذه الدار لأبيه أو جده فلا تتم الشهادة حتى يقولوا: لا نعلم أنها خرجت عن ملكه إلى أن مات وتركها ميراثاً، وأنا لا نعلم له وارثاً غير هذا، فإن شهدوا أن هذا وارث أبيه أو جده مع ورثة آخرين، يريد يعرفونهم وهم غيب سمعت البينة، وقضيت للحاضر بقدر حظه منها، ولم أنزع باقيها من يد المقضي عليه؛ إذ لعل الغيب يقرون له بها، فإن قدموا وادعوا كدعوى الحاضر كان ذلك القضاء لهم نافذاً، وإن قدموا قبل القضاء أو بعد أن عجز الأول عن منافعه فهم على حجتهم.
وروى أشهب وابن نافع عن مالك: أنه إذا قضى للحاضر بحظه نزع باقيها من يد المقضي عليه ووقف للغائب.
وقال ابن القاسم مرة هكذا، نقلها في كتاب الولاء وهم أتم.
[الفصل 2 - بيع ما فيه دعوى قائمة] م/: قال بعض أصحابنا عن بعض شيوخنا القرويين: وينبغي على قول ابن القاسم إذا قام غرماء بدين على الغائب أن يباع له حظه الموقوف بيد المدعى عليه؛ لأن الغائب لو كان حاضراً ونكل عن اليمين لكان للغرماء أخذها وبيعها في دينهم.
م/ يريد بعد يمينهم لتي كان يحلفها الغائب.
قال: أخذها الغرماء ثم قدم الغائب

الجزء: 17 - الصفحة: 527

فحلف فقد مضى ذلك، وإن نكل غرم للمدعى عليه ما أخذه الغرماء، ويتبع بذلك في عدمه، ولا شيء له على الغرماء.
قال بعض أصحابنا: وقول ابن القاسم في بقاء نصيب الغائب بيد المدعى عليه أولى؛ لأن الغائب عليه اليمين أنه ما باع ولا وهب، ولا علم أن أباه باع ولا وهب، فكأن الحكم لم يتم ولم يجب له شيء حتى يحلف؛ فلذلك أوقفه ابن القاسم بيد المدعى عليه.
ومن المدونة قال ابن القاسم: وإذا قالت البينة لا نعلم كم الورثة لم يقض لهذا بشيء من الدار، ولا ينظر إلى تسمية المدعي للورثة، وتبقى الدار للذي هي بيده حتى يثبت عدد الورثة ببينة.
قال مالك: ومن ادعى أرضاً وتبين لدعواه وجه، والذي هي بيده يحفر فيها عيناً، فإنه يمنع ويوقف، وليس له أن يقول: دعوني أعمل فإن ثبت له هدمت ذلك.
ومن أقام بينة غير قاطعة في ربع فللذي هو بيده أن يبيع ويصنع ما شاء، ولا يبطل بذلك دعوى هذا.
م/: وطرح سحنون هذا، وقال ليس للذي هو بيده أن يبيع؛ لأن البيع حينئذ غرر.
وهذا نقل أبي محمد، وهو لابن القاسم في غير المدونة.
وسئل عنها ابن القاسم في الأم فقال: لم أسمع من مالك فيه شيئاً، إلا أن له أن يبيع ويصنع ما شاء ما لم يقض لهذا بها.
وقال غيره مثل قول سحنون، والله الموفق للصواب.

الجزء: 17 - الصفحة: 528

[الباب التاسع] جامع القول في الدعوى والإيمان وعلى من تجب وأين تجب قال النبي -صلى الله عليه وسلم: «من اقتطع حق امرئ مسلم بيمينه حرم الله عليه الجنة» وقال: «من حلف على منبري بيمين كاذبة فليتبوأ مقعده من النار».
وقال عليه السلام: «اليمين على المدعى ع ليه».
[الفصل 1 - من ادعى عيناً قائمة وأتى ببينة على ذلك فمن تمام الشهادة أن يقولوا ما علمناه باع ولا وهب ولا خرج عن ملكه بوجه من الوجوه] قال مالك: ومن ادعى عيناً قائمة من رقيق أو من حيوان أو طعام أو عروض أو ناض أو غير ذلك بيد رجل، فأتى ببينة على ملكه لذلك، فمن تمام الشهادة أن يقولوا: ما علمناه باع ولا وهب ولا خرج من ملكه، ثم لا يقضي له به حتى يحلف على البت أنه ما باع ولا وهب ولا خرج عن ملكه بوجه من الوجوه، فإن قال: أعرتها أو استودعتها لم يكن ذلك خروجاً عن ملكه.
وفي كتاب العارية: فإن شهدوا أن الدار له، ولم يقولوا لا نعلم أنه باع ولا وهب، فإنه يحلف أنه ما باع ولا وهب ولا تصدق، ويقضي له به.
وقال أشهب مثله إن لم يقدر على كشف البينة، فيسألون، وإن وجدوا سئلوا.

الجزء: 17 - الصفحة: 529

قال ابن القاسم: فإن أبوا أن يقولوا ما علمناه باع ولا وهب ولا تصدق فشهادتهم باطلة.
وقال مالك: وليس عليه أن يأتي ببينة يشهدون على البت أنه ما باع ولا وهب، ولو شهدوا بذلك كانت زوراً وإن أقام بما ذكرنا شاهداً واحداً حلف معه وقضي له.
م/ يريد أن يحلف مع شهادة الشاهد على أصل الملك، وأنا ما باع ولا وهب ولا خرج ذلك عن ملكه بوجه من الوجوه.
[الفصل 2 - من أقام شاهدين على حق فليس عليه أن يحلف مع شاهديه] قال مالك: ومن أقام شاهدين على حق له فليس عليه أن يحلف مع شاهديه إلا أن يدعي عليه المديان أنه قضاه ذلك الحق فيما بينه وبينه، فإنه يحلف، فإن نكل حلف المطلوب وبرئ، فإن نكل غرم.
ولو كان الحق على ميت أو غائب لم يقض به للطالب حتى يحلف مع شاهديه أنه ما قبض ذلك منه ولا سقط عنه.
قال مالك: وإذا قامت بينة لميت بدين، وادعى المطلوب أنه قد قضاه للميت لم ينفعه ذلك، وله اليمين على من يظن به علم ذلك من بالغي ورثته على العلم، ولا يمين على من لا يظن به علم ذلك ولا على صغير، ومن نكل ممن تلزمه اليمين منهم سقط من الدين حصته فقط.

الجزء: 17 - الصفحة: 530

[فصل 3 - التورية في اليمين وفي إنكار المدعى عليه] وقال في رواية يحيى بعد يمين الذي عليه الحق: ومن اشترى منك ثوباً ونقدك الثمن فقبضته منه ثم جحدته الاقتضاء، وطلبت يمينه، فأراد هو أن يحلف أنه لا حق لك قبله، فليس له ذلك.
قال مالك: ولك أن تحلفه أنه ما اشترى منك سلعة كذا بكذا؛ لأن هذا يريد أن يورك في اليمين.
قال ابن القاسم: يعني بقوله يورك الألغاز.
قال ابن حبيب: قال ابن الماجشون: إذا حلف مالك على من كل ما تدعيه قليل ولا كثير فقد برئ.
وبه أخذ ابن حبيب إن كان المدعى عليه ممن لا يتهم، والمدعي من أهل الظنة والطلب بالشبه.
قال ابن سحنون: وكان سحنون إذا قال الخصم: لا أقر ولا أنكر، وقال: مالك عندي حق، والآخر يدعي دعوى مفسرة يقول: أسلفته أو بعته أو أودعته فكان لا يقبل قول المدعى عليه: ما له عندي شيء، حتى يقر بالدعوى نفسها أو ينكرها فيقول: ما باعني ولا أسلفني ولا أودعني، فإن تمادى على اللدد سجنه، وإن تمادى أدبه وكذلك إذا تمادى على ألا يقر ولا ينكر، فأما قوله ماله عندي حق فكان ربما قبل ذلك منه، وأمر فكتب دعوى المدعى وإنكار الآخر، وربما لم يقبل منه حتى يقر بالشيء نفسه أو ينكر، ورجع إلى هذا في آخر أيامه.

الجزء: 17 - الصفحة: 531

[مسألة: دعوى أحد المتفاوضين على رجل ديناً من شركتهما] ومن المدونة: وإن ادعى أحد المتفاوضين على رجل ديناً من شركتهما وجحده فليس للمطلوب أن يقول لهذا المفاوض: لا أحلف إلا على حصتك، وليحلف على حصته وحصة شريكه؛ لأنه في حصة شريكه مفوض إليه؛ ولأن فعل أحدهما كفعلهما فإن حلف لهذا ثم أتى صاحب لم يكن له أن يحلفه؛ لأنه قد حلف لشريكه.
م/ لأنه وكيل لصاحبه على أن يحلف من أنكرهما، فيمينه لهذا يمين لهما جميعاً.
وقال بعض القرويين: لا يلزمه يمين في الجامع إذا ادعى عليه ثلاثة دراهم؛ لأن كل واحد منهما إنما له عليه درهم ونصف درهم، وليس ما كان موكلاً عليه من حصة صاحبه يجب أن يكون كماله، وكذلك لو نكل هو ما لزمهما يمين في الجامع؛ لأن كل واحد إنما يجب له مما حلف عليه درهم ونصف، ولو كان ما ادعاه هو عليهما ثلاثة دراهم لحلفهما في الجامع؛ لأن كل واحد عليه النصف وهو حميل بالنصف فكأن الثلاثة دراهم على كل واحد منهما.
ومن المدونة: وكذلك لو وكلت رجلاً لقبض مالك على فلان فجحده فحلفه الوكيل، ثم لقيته أنت لم يكن لك أن تحلفه ثانية؛ لأن يمينه لوكيلك يمين لك.
فصل [5 - في صيغة اليمين وتغليظها بالمكان والزمان] قال مالك: ويحلف المدعى عليه أو من حلف مع شاهده بالله الذي لا إله إلا هو، لا يزيد على هذا.

الجزء: 17 - الصفحة: 532

وكذلك فعل الرسول عليه السلام.
ابن المواز: قال ابن القاسم: ورأيت المدنيين يزيدون في اليمين عند المنبر الرحمن الرحيم، وأبى ذلك مالك.
قال ابن القاسم وأشهب: ولا يؤخذون بأن يقولوا مع ذلك عالم الغيب والشهادة، ولا الطالب المدرك.
قال مالك: هذه أيمان الأعراب.
قال أشهب: وإن حلف فقال: والذي لا إله إلا هو لم يقبل منه، وكذلك لو قال والله فقط.
فلا يجزئه حتى يقول والله الذي لا إله إلا هو.
[مسألة: فيمن توجهت إليه اليمين يحلف قائماً] ابن سحنون: قيل لمالك: أيحلف قائماً أو قاعداً؟ قال: قائماً أبين.
قال عنه ابن القاسم: يحلف قائماً إلا من به علة.
وقال ابن كنانة عن مالك: يحلفون في القسمة واللعان وفيما بلغ من الحقوق ربع دينار فأكثر عند المنبر بالله الذي لا إله إلا هو عالم الغيب والشهادة الرحمن الرحيم، فيما يحلف فيه يميناً واحدة حلف هكذا وما تردد رددت هكذا قال: ويحلفون في مدائنهم وأمصارهم في مساجد جماعتهم جلوساً لا قياماً، ويتحرى في أيمانهم في المال العظيم، وفي الدماء واللعان الساعات التي يحضر الناس فيها المساجد ويجتمعون للصلاة، وما سوى ذلك من حق أو مال ففي كل حين.

الجزء: 17 - الصفحة: 533

وذكر ابن حبيب عن مطرف وابن الماجشون الأيمان في الحقوق والدماء واللعان بالله الذي لا إله إلا هو، وفي كل ما فيه اليمين على المسلمين والنصارى واليهود والمجوس.
ومن المدونة قال: وكل شيء له بال فإنه يحلف فيه في جامع بلده في أعظم مواضعه، وليس عليه أن يستقبل به القبلة.
ولا يعرف مالك اليمين عند المنبر إلا منبر الرسول -صلى الله عليه وسلم- في ربع دينار فأكثر.
ابن حبيب: قال مطرف وابن الماجشون: يستحلف الرجال والنساء قائمين مستقبلي القبلة في ربع دينار فأكثر في المدينة عند منبر الرسول -صلى الله عليه وسلم-، وبغيرها في مسجدهم الأعظم حيث يعظمون منه عند منبرهم، وتلقاء قبلتهم، فإن لم يبلغ الحق ربع دينار حلفوا جلوساً إن أحبوا، ويحلف الرجل في أقل من ربع دينار في مكانه الذي قضي عليه فيه، والمرأة في بيتها، ولا تخرج في ذلك.
ومن كلف فيما له بال أن يحلف في المسجد عند المنبر وما أشبهه من المواضع فقال: إنما أحلف في مكاني فهو كنكوله عن اليمين إن لم يحلف في مقاطع الحقوق غرم ما ادعى عليه.
م/: يريد بعد يمين المدعي في تلك المواضع.
قال ابن حبيب: إن كان مدعياً بطل حقه، وكذلك قضى مروان على زيد بن ثابت.
قال أبو محمد: قال مالك: ومن أبى أن يحلف عند المنبر فهو كالناكل عن اليمين.
وأما القسامة فإنه يحلف عليها أهل مكة في مسجدها، ويحلف أهل المدينة وبيت المقدس في مسجديهما.
قيل: فلو كانوا على عشرة أيام؟ قال: لم أوقف مالكاً عليه، ولا أشك أن عمل أهل مكة يحلفون إلى مسجدها حيث كانوا.

الجزء: 17 - الصفحة: 534

وكذلك أهل المدينة وبيت المقدس، ولا يجلبون إلى سائر البلدان إلا مثل عشرة أميال ونحوه.
قال عبد الوهاب: اعلم أن التغليظ في الإيمان عندنا في الموضع والزمان، وبه قال الشافعي، وقال أبو حنيفة: لا يغلظ بالمكان.
واحتج من نصره بقول النبي -صلى الله عليه وسلم- «البينة على المدعي واليمين على المدعى عليه»، فأطلق ولم يقل في مكان دون مكان.
وقوله عليه الصلاة والسلام للأنصار: «تحلفون وتستحقون دم صاحبكم» ولم يخص؛ ولأن الحجة حجتان حجة للمدعي وهي البينة، وحجة للمدعى عليه وهي اليمين.
وقد ثبت أنه ليس من شرط إحدى الحجتين التغليظ بالمكان فكذلك الأخرى؛ لأنه استحلاف في حق فوجب أن لا يختص بمكان دون مكان.
أصله ما دون الربع دينار.
قال عبد الوهاب: ودليلنا قوله عليه السلام: «من حلف عند منبري هذا يميناً كاذبة فليتبوأ مقعده من النار».
م/: وأبين من هذا ما رواه ابن وهب في التلاعن أن النبي -عليه السلام- أمر الزوج والزوجة فحلفا بعد العصر عند المنبر، فهذا حديث مفسر فهو يقضي عليه المجمل.
قال عبد الوهاب: فدل ذلك أن في شرعه عليه السلام يميناً تختص بمنبره، وذلك

الجزء: 17 - الصفحة: 535

للتغليظ بالمكان.
ومن الدليل أيضاً إجماع الصحابة، لما روى أن أبا بكر وعمر استحلفا عند المنبر، وأن عثمان طولب بذلك في يمين توجهت عليه فافتدى من يمينه.
وقال أخاف أن أوافق قدراً.
م/: وفي المدونة أن الذي فعل ذلك عبد الله بن عمر.
قال عبد الوهاب: وروي عن علي بن أبي طالب.
م/: وفي المدونة عن عمر أنه قال لرجل قال لامرأته: حبلك على غاربك، فقال له: تحلف عند المنبر بالله الذي لا إله إلا هو ما أردت الطلاق.
ونحوه عن ابن العباس فثبت بذلك أنه إجماع الصحابة.
وأما ما روي عن زيد بن ثابت أنه كان بينه وبين رجل خصومة، فترافعا إلى مروان فتوجهت اليمين على زيد فقال له مروان: تحلف على المنبر.
فقال: أحلف في موضعي.
فقال له: بل على المنبر.
فرد المال ولم يحلف.
فإنه شاهد لنا أنه فعل ذلك افتداء ليمينه؛ وذلك اعتراف منه بلزومه له إذا طالبه؛ لأنه لو كان لا يلزمه لكان يمتنع منه،

الجزء: 17 - الصفحة: 536

وأيضاً فإن اليمين تراد للزجر والردع فغلظ فيها؛ ليتحرج الحالف ويمتنع من الإقدام عليها إن كان مبطلاً.
ولهذا المعنى قلنا نحن وأبو حنيفة ومن تبعه: إن القسامة يغلظ فيها بكثرة العدد، فإذا ثبت ذلك وكان الحلف عند المنبر أردع وأبلغ في الزجر وجب أن يكون أولى.
م/ وأكثر هذا الاحتجاج في المدونة وبالله التوفيق.
[مسألة: تخويف المطلوب باليمين قبل اليمين] قال محمد بن عبد الحكم: ويستحب للإمام تخويف المطلوب باليمين قبل اليمين، وقد كتب به ابن عباس إلى ابن أبي مليكة" ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَشْتَرُونَ بِعَهْدِ اللَّهِ وَأَيْمَانِهِمْ ثَمَنًا قَلِيلًا﴾ [آل عمران:77] فاعرف.
[الفصل 6 - خروج المرأة فيما له بال من الحقوق لتحلف في المسجد] ومن المدونة: وتخرج المرأة فيما له بال من الحقوق فتحلف في المسجد.
قال ابن الماجشون في الواضحة: وذلك في ربع دينار فأكثر.
قال مالك في المدونة: وإن كانت ممن لا تخرج نهاراً فلتخرج ليلاً فتحلف في المسجد.
قيل لابن المواز: فإن كانت ممن لا تخرج نهاراً هل تخرج ليلاً في ربع دينار؟ فقال: لا.

الجزء: 17 - الصفحة: 537

إلا في الشيء الكثير الذي له بال.
وفي كتاب ابن حبيب جعلها تخرج في ربع دينار كالرجل.
ومن المدونة قال مالك: إذا كان الحق يسيراً لا بال له حلفت في بيتها إن كانت ممن لا تخرج، فيبعث إليها القاضي من يحلفها لصاحب الحق، ويجزئه رجل واحد.
وأم الولد مثل الحرة فيمن تخرج أو لا تخرج.
وأما المدبرة وكذلك المكاتبة فهي كالحرة في اليمين.
ولا يحلف الصبيان إذا ادعى عليهم حتى يبلغوا، وكذلك لو ثبت لهم حق بشاهد واحد فلا يمين عليهم حتى يبلغوا.
[الفعل 7 - في أيمان أهل الكتاب] ولا يحلف النصارى واليهود في حق أو لعان أو غيره إلا بالله، ولا يزاد عليهم الذي أنزل التوراة والإنجيل، ويحلفون في كنائسهم حيث يعظمون، ويحلف المجوس في بيت نارهم، وحيث يعظمون.
قال في رواية يحيى: ويحلفون بالله.
ابن وهب: وأن عمر بن عبد العزيز نهى أن يستحلف النصارى بغير الله، وأخبرني رجال من أهل العلم عن رجال من أهل العلم بذلك.
وذكر عن الشيخ أبي الحسن القابسي قال: إذا وجبت يمين على يهودي أو نصراني

الجزء: 17 - الصفحة: 538

فأحب الطالب أن يحلفه يوم السبت أو يوم الأحد أن ذلك له، وإن طلب الذمي التأخير إلى ذهاب يوم السبت أو الأحد وأبى المسلم لم يمكن الذمي من مراده.
وقال: أرأيت لو قتل يوم السبت أو سرق أما يحكم عليه؟ فكما يحلفون في موضع يكرهون أو يعظمون فكذلك في يوم يعظمونه.
م/ وأما النصارى فكما ذكرنا؛ لأنه ليس من دينهم الامتناع عن اليمين في يوم الأحد ولا في غيره.
وأما اليهود فمن شريعتهم فيما يزعمون أنهم يسبتون يوم السبت، فلا يبيعون ولا يشترون ولا يطلبون ولا يطالبون ولا يستحلفون، فإذا ثبت أن ذلك من شريعتهم ونهم إنما بذلوا الجزية على أن يقروا على شرائعهم، فيجب أن يوفى لهم بذلك، ويؤخرون إلى زوال السبت إذ لا ضرر على الطالب في ذلك.
وأما استحلافهم حيث يعظمون فليس من شريعتهم الامتناع من ذلك، بل هو مذهبهم.
وأما ما يجب عليهم من قطع أو قتل أو حد فبخلاف يمينهم؛ لأن ذلك شيء يفعل به، واليمين هي شيء يفعلها.
والله أعلم بالصواب.
فصل [8 - مقدار المال الذي يستحلف فيه عند المنبر] قال ابن القاسم عن مالك في كتاب ابن سحنون وابن المواز والعتبية: من باع ثوباً فرد عليه بعيب فادعى عليه بعيب فادعى أنه بينه له وأنكره وأراد يمينه عند المنبر.
قال: إنا لنقول: لا يستحلف عند المنبر إلا في ربع دينار.
قال ابن المواز: قال أصبغ: فإن كان نقصان الحق أكثر من ربع دينار لميحلف إلا في الجوامع.

الجزء: 17 - الصفحة: 539

م/: وأنكره بعض القرويين.
وقال: إن كان الثوب قائماً فإنه يطلب جميع ثمنه، فيجب ألا ينظر فيه إلا إلى قيمة العيب، فإن نظر إلى قيمة العيب فإن كان ربع دينار حلفه في الجامع، ولا يحتاج إلى أن يكون أكثر من ربع دينار.
قال في كتاب ابن المواز: إذا كان لرجل ربع دينار على رجال أو لرجلين على رجل لم يحلف في المسجد الجامع ولا عند المنبر، ولا يحلف في مساجد القبائل في ربع دينار ولا أقل ولا أكثر.
ومن العتبية وكتاب ابن سحنون قال ابن القاسم عن مالك: إذا كان على جماعة ذكر حق بربع دينار لم أر أن يحلفوا عند المنبر.

الجزء: 17 - الصفحة: 540

[الباب العاشر]

في تعديل البينة وتجريحهم وعقوبة شاهد الزور

[الفصل 1 - شهادة العبد والخصم والظنين والجار لنفسه] قال الله سبحانه وتعالى: ﴿وَأَشْهِدُوا ذَوَي عَدْلٍ مِنْكُمْ﴾ [الطلاق:2] فكان ظاهر الخطاب للأحرار كما قاله سبحانه في قوله: ﴿وَأَنكِحُوا الأَيَامَى مِنْكُمْ﴾ إلى قوله ﴿وَإِمَائِكُمْ﴾ [النور:32].
والعبد يمنعه سيده أن يشهد أو يؤدي فكان ممن لم تكمل فيه شروط الشهادة في حق الذين لا يأبون إذا ما دعوا، وقال عز وجل ﴿مِمَّنْ تَرْضَوْنَ مِنَ الشُّهَدَاءِ﴾ [البقرة:282]. وقال عليه الصلاة والسلام: «لا تجوز شهادة خصم ولا ظنين ولا جار لنفسه».
وقد تقدم هذا.
[الفصل 2 - في تزكية البينة قبل الحكم] قال ابن القاسم: فينبغي للقاضي ألا يقضي ببينة حتى تزكى عنده، وإن لم يطعن فيهم الخصم، وإن علمهم القاضي بجرحة أو عدالة أجزأه علمه، فإن لم يخبرهم كشف عنهم في السر، فإن زكوا عنده في السر أو في العلانية أجزأه ذلك، ولا يقبل في سر أو علانية إلا تزكية رجلين عدلي، ولا أبالي فيما كانت الشهادة ي حق أو حد، ولا يجزئ في التعديل إلا القول بأنهم عدول مرضيون.

الجزء: 17 - الصفحة: 541

قال بعض القرويين: قال سحنون: فإن قالوا: هم عندنا عدول ولم يزيدوا على ذلك قال: هذه تزكية.
قال ابن القاسم: وتجوز تزكية الشاهد وهو غائب.
قال سحنون: وذلك إذا كان مشهوراً بالبلد.
وإن ارتضى القاضي رجلاً للكشف جاز أن يقبل منه ما نقل إليه من التزكية عن رجلين لا عن أقل من ذلك، وكذلك في استحلاف المرأة.
وأما في قيم السلع والعيوب وقيمة السرقة ونحوه فرجلان.
وقد اختلف في ذلك كله: فقيل: يجزئ واحد، وقيل: لابد من اثنين، وكذلك في القافة قيل: يجزئ واحد، وقيل: لابد من اثنين.
[الفصل 3 - في تجريح البينة] ومن المدونة: وإذا زكيت البينة والمدعى عليه يجهل وجه التجريح من جهلة الناس أو من ضعفة النساء، فليخبره الإمام أو القاضي بما له من ذلك ويبينه له، فلعل بينه وبين الشاهد عداوة أو ظنة أو شركة.
وإن كان مثله لا يجهل التجريح لم يدعه إليه، وليس كرد اليمين؛ لأن الحكم لا يتم إلا بردها.
ومما يجرح به الشاهد أن تشهد عليه بينة أنه شارب خمر أو آكل ربا أو صاحب قيان أو كذاب في غير شيء واحد.
ابن المواز: والذي يعصر الخمر ويبيعها مجرح وإن لم يشربها.
قال في العتبية: أو يكري بيته من الخمارين.
ومن المدونة: ولا يجرحه إلا اثنان عدلان.

الجزء: 17 - الصفحة: 542

وقد تقدم أكثر هذا في كتاب الأقضية.
وفي كتاب القطع والسرقة وفي كتاب الرجم شيء من هذا.
قال ابن وهب: قال ربيعة: ترد شهادة الخصم الذي يجر إلى نفسه والظنين المغموص عليه في خلائقه وشكله ومخالفته للعدول في سيرته، وإن لم يظهر منه قبيح عمل، وترد شهادة العدو الذي لا يؤمن على ما شهد عليه.
فصل [4 - عقوبة شاهد الزور] قال مالك: وإذا ظهر الإمام على شاهد الزور ضربه على قدر ما يرى، وطاف به في المجالس.
قال ابن القاسم: يريد المسجد الجامع.
قال مالك: ولا تقبل شهادته أبدأً، وإن تاب وحسنت حالته.
قال ابن وهب: وقد كتب عمر بن الخطاب إلى عامله بالشام (وإذا أخذتم شاهد الزور فاجلدوه أربعين جلدة وسخموا وجهه وطوفوا به حتى يعرفه الناس).
ويقال: يسجنه ويحلق رأسه.

الجزء: 17 - الصفحة: 543

[الباب الحادي عشر]

جامع في مسائل التعديل والتجريح من غير المدونة

[الفصل 1 - مسائل في تعديل البينة] ومن المجموعة والواضحة قال ابن الماجشون: الشهداء ثلاثة عدل بين العدالة معروف بذلك فامضه، أو بين جرحته فاردده، أو مشكل عليك فاسأل عنه وأكثر حتى يتواطأ لك منه سر وعلانية ما هو عليه، وإن أشكل على من سألته عنه دعوته بالتعديل.
قال محمد بن عبد الحكم: ولا يقبل إلا شهادة العدل المأمون على ما يقول، وقد يكون عدلاً ولا يؤمن أن يغتفل ويضرب على خطه، ويشهد على الرجل ولا يعرفه، ويتسمى بغير اسمه، فمن كانت هذه حالته فلا تقبل شهادته.
قال ابن القاسم في العتبية في الشاهد لا يعرفه القاضي بعدالة منقطعة ولا بفساد ظاهر، ولكنه ممن يشهد الصلوات الخمس في المساجد ولا يعرف بأمر قبيح.
قال: لا ينبغي له أن يقبل شهادته إلا بتزكية تامة وعدالة بينة، وينبغي للقاضي أن ينظر فيمن يعرفه الناس ولا يعرفه هو، ومن يجوز له الوقوف في أمره حتى يعدل عنده، فإذا كان الرجل ممن يعرفه لو لم يكن قاضياً لزمه أن يعدله عند غيره فهو الذي ييسعه قبول شهادته، ومن عرفه بجرحه رد شهادته.
قال في المجموعة: وإن لم يعرف القاضي الشاهد فعرفه به بعض من يعرفه بالعدالة أرأيت أن يجيز شهادته بمعرفة ذلك العدل له، ولا يجوز في التعديل إلا معدلان، ولو سأل عنه بعض من جعله القاضي يكشف له في القبائل فيعرفه بعدالته فليقبل ذلك منه.
قال مالك في العتبية ولا أحب أن يسأل في السر أقل من اثنين، ولا يقبل في التعديل أقل من اثنين.

الجزء: 17 - الصفحة: 544

قال ابن سحنون عن أبيه: ومن عدل رجلاً لم يعرف اسمه فليقبل تعديله.
وقال ابن كنانة.
قال: ولا يقبل تزكية الأبله من الناس، ولا يقبل تزكية من يرى تعديل كل مسلم.
وقاله ابن كنانة.
قال سحنون: وليس كل من تجوز شهادته يجوز تعديله، ولا يجوز في التزكية إلا المبرز الناقد الفطن الذي لا يخدع في عقله ولا يستزل في رأيه.
ولا تطلب التزكية من الشاهد، وذلك على المشهود له لا على الشاهد، وإنما عليه أن يخبر المشهود له بمن يعرفه وبمن يعدله.
[الفصل 2 - في تعديل مستور الحال ومن أتى شيئاً من المعاصي والشبهات] قال في العتبية: ولا يعدل إلا من يعرف باطنه كما يعرف ظاهره؛ لأنك قد تعرفه بظاهر جميل من أهل المساجد والجهاد فلا ينبغي لك أن تزكيه بذلك، إلا بالصبحة الطويلة والمعاملة والأخذ والعطاء فحينئذ تزكيه.
قال مالك: كان يقال لمن مدح رجلاً أصحبته في سفر؟ أخالطته في مال؟ قيل: فمن تقارف بعض الذنوب؟ قال: لم يسلم من ذلك أحد، ولكن إن كان الأمر الخفيف من الزلة والفلتة لم يضره ذلك في عدالته.
قال مالك: ومن الرجال رجال لا تذكر عيوبهم، يقول يكون عيباً حفيفا، والأمر كله حسن، فلا يذكر اليسير الذي ليس يعصم منه أحد في الصلاح الكثير.
وقد قال مالك في اللاعب بالشطرنج: إذا لم يكن مدمناً فإنه تقبل شهادته.
ولو كان لا يقبل إلا من لا يقارف شيئاً من العيوب ما قبلت لأحد شهادة.
وقد قال الله تعالى لنبيه عليه السلام: «ليغفر لك الله ما تقدم من ذنبك وما تأخر».

الجزء: 17 - الصفحة: 545

وقد كان يقال ليس المتحري حدود الإسلام كاللاعب فيه.
وقد كان يقال اتقوا زلة العالم، وهذا يعني به البدعة وهو يسقط شهادته.
أما من قبل جوائز العمال المضروب على أيديهم فهو ساقط الشهادة، وأما الأكل عندهم فكذلك، وأما من كان ذلك منه المرة والفلتة فغير مردود الشهادة، وهو مثل صغار الذنوب، وأما المدمن على ذلك فساقط الشهادة.
وأما جوائز الخلفاء فمجمع على قبول جوائزهم من يرضى منهم ومن لا يرضى، وجل ما يدخل بيوت الأموال فهو على الأمر المستقيم، والذي يظلمون فيه قليل في كثير.
ولم يعلم من العلماء من أنكر أخذ العطاء من زمان معاوية إلى اليوم.
وقد قبلها ابن شهاب ومالك، يعني الجوائز.
وأنكر أن يكون ابن عمر قبلها من الحجاج.
[الفصل 3 - في الرجل ينازل الرجل شهراً ولا يعلم منه إلا خيراً فيزكيه بهذا] وقال مالك في الرجل ينازل الرجل شهراً، ولا يعلم منه إلا خيراً قال: لا يزكيه بهذا، أنت ليس ل كبه علم، وهو كبعض من يجالسك هكذا.
قال ابن سحنون عن أبيه: لا تزك إلا من خالطته في الأخذ والعطاء وطالت صحبته إياك في الحضر والسفر.
قال مالك: وأما التجريح بالصحبة اليسيرة وباللقاء وبأيسر ما يكون من أمره يطلع عليه أنه من غير أهل الورع أو يسمع منه أو يطلع منه على ما لا تجوز به شهادته أو يقع ذلك في قلبه فلا يزكيه.

الجزء: 17 - الصفحة: 546

[الفصل 4 - في الرجل يشهد ثم يعدل ثم يشهد ثانية فهل يكتفي بالتعديل الأول] ومن المجموعة قال أشهب عن مالك في الذي يشهد ثم يعدل ثم يشهد ثانية قال: تقبل شهادته بالتعديل الأول.
وليس الناس كلهم سواء منهم المشهور بالعدالة، ومنهم من يغمض فيه بعض الناس.
قال ابن كنانة: أم الذي ليس بمعروف فليؤتنف فيه تعديل ثان، وأما المعروف بالعدالة في بلده فالتعديل الأول يجزئ فيه حتى يجرح بأمر بين.
وقال أشهب: إذا شهد فعدل ثم شهد ثانية فإن كان بعد زمان نحو خمس سنين فليسأل عنه المعدول الأول، فإن مات فليسأل عنه معدلاً ثانياً، وإلا لم تقبل شهادته.
قال ابن القاسم في العتبية: إن شهد قريباً من الشهادة الأولى مثل شهر وشبه ذلك ولم يطل جداً فلا يكلفه تزكيته، وإن كان قد طال فليكشف عنه ثانية طلب ذلك المشهود عليه أو لم يطلبه، والسنة فيه كثيرة.
قال أشهب: المشهور المعروف بالخير فلا يؤتنف فيه سؤال.
وقال سحنون: إذا شهد بعد شهرين فأكثر فليسأله التعديل كما شهد، حتى يكثر تعديله وتشتهر شهادته وتزكيته وبتأكيد فلا يسأله تزكية بعد.
[مسألة: في الشاهد يعدله غير أهل مكانه ومسجده وسوقه] قال ابن حبيب: قال مطرف وابن الماجشون في الشاهد يعدله غير أهل مكانه ومسجده وسوقه، وفيهم من يقبل تعديله، فإن كان الشاهد غير مشهور بالعدالة فلا يعدل بذلك، وترك أولئك تعديله ريبة.

الجزء: 17 - الصفحة: 547

[الفصل 5 - صيغة التعديل والتجريح] ابن سحنون: وقال ابن كنانة: التعديل أن يقول: أعرفه وأعلمه عدلاً رضا جائز الشهادة، ولا يقبل منه أن يقول: لا أعلمه إلا عدلاً رضا.
وذكر نحوه عن مالك.
قال: ويقبل منه في التجريح إذا قال: لا أراه عدلاً، ولا أعلمه عدلاً.
قال العتبي عن سحنون: فإن قالوا: هو عندنا عدل، ولم يزيدوا على هذا فهي تزكية.
قال عنه ابنه: ولا يقبل منه أن يقول هو صالح.
وسئل مالك عن من شهد شهادة فسألك أن تعدله، وأنت تعلم أنه عدل واجب عليك أن تعدله؟ قال: لا أدري ما واجب ولكن حسن أن تعدله.
قال سحنون في المجموعة: ولا يقبل من المعدلين أو المجرحين أن يقولوا: سمعنا فلاناً وفلاناً يقولون إن فلاناً عدل أو غير عدل؛ لأن هذه شهادة على السماع إلا أن يكون المشهود على شهادته قد أشهدهم على التزكية أو التجريح.
قال سحنون: وإذا عدل الشاهد ثم جاء شاهدان يشهدان أن القاضي رد شهادته لأمر تبين له منه، والقاضي لا يحفظ ذلك فإن شهادتهما بذلك تقبل.
فصل [6 - في تزكية الشهود بعضهم بعضاً] قال ابن كنانة وابن القاسم في المجموعة: وإذا شهد رجلان في حق فلا يجوز تزكية من عرفت عدالته منهما للآخر.

الجزء: 17 - الصفحة: 548

قال عبد الملك: ويصير الحق قد حيي به وحده.
وقاله سحنون في كتاب ابنه.
وقال سحنون في شاهدين شهدا لرجل بحق على رجل، ثم جاء الطالب بآخرين فشهدا بمثل ذلك، وزكت كل طائفة منهما الأخرى.
قال: تتم الشهادة والتزكية ويثبت الحق؛ لأن شاهدين ثبتا لا محالة.
ثم قال: أرأيت إن شهد كل فريق بحق غير الحق الآخر لرجلين مختلفين، وزكى كل فريق الآخر فلا تجوز تزكية بعضهم لبعض؛ لأن بعضهم يشهد لبعض، ويقال للطالب: زكى بينتك بغيرهم، وقد كان يقول شهادتهم وتزكيتهم جائزة.
م/: والصواب أن لا تجوز شهادتهم؛ لأنه إذا كان لا تجوز شهادتهم إلا بتزكية بعضهم لبعض فكيف يزكي من يحتاج أن يزكي! وقد قال في العتبية في شاهدين شهدا بحق، فزكى أحدهما صاحبه، فلا تجوز تزكيته إياه إلا أن يكون مع المزكي غيره من عدول الناس، فليحلف صاحب الحق مع المزكي؛ لأنه لم يثبت له إلا واحد، وهو الذي زكاه صاحبه والأجنبي.
قال: ولو شهد شاهدان على حقين مختلفين وزكى أحدهما الآخر لم يجز ذلك.
وقال: ولو زكى الواحد رجل آخر مع الشاهد الآخر، وزكى الشاهد الآخر رجل آخر مع الشاهد الذي زكاه أولاً فشهادتهما جائزة، ويحلف مع شهادته ويستحق.
قال ابن الماجشون في المجموعة: وفي كتاب محمد: وإذا شهد رجلان في حق وعدلا رجلاً شهد في ذلك الحق فتزكيتهما إياه جائزة.
قال بعض القرويين: لأنه غير محتاج إليه، وقد أغنت شهادتهما عنه، فإن شهدا على شهادة رجل في حق، وعدلاه فذلك جائز.

الجزء: 17 - الصفحة: 549

ابن المواز: وليس نقلهما الشهادة عنه بتعديل.
وقد قال أشهب: إن عدله غيرهما فذلك جائز.
وقاله سحنون في المجموعة.
وقال في العتبية: ويجوز للذين شهدوا لرجل في حق أن يجرحوا من شهد عليه في ذلك الحق قال في كتاب ابنه: وإذا نقلا عن شاهد وعدلا شاهدا معهما في ذلك الحق فذلك جائز، وقاله عبد الملك.
م/: لأن نقلهما عن الشاهد إثبات لشهادته، وكذلك تزكيتهما الشاهد إثبات لشهادته، فهو كما لو زكياهما جميعاً، أو نقلا عنهما جميعاً، وإذا نقلا عن شاهد فلا يعدل أحدهما من نقل معه عن الرجل.
م/: كما لا يعدل الشاهد من شهد معه؛ لأنه يصير الحق حيي بالمزكي وحده.
قال ابن القاسم: ولا يجوز أن يشهد في حق على علمه، وينقل مع رجل آخر عن شاهد آخر؛ لأن واحداً أحيا الشهادة، ونحوه في العتبية.
فصل [7 - في تجريح البينة] قال أشهب عن مالك في العتبية في البينة تعدل عند الحاكم، فلا يقول للمطلوب دونك فجرح، وذلك توهين للشهادة.
قال ابن نافع: أرى أن يقول له ذلك، وقد يكون المعدل عدواً للمشهود عليه.
وقد فرق في المدونة بين من يجهل وجه التجريح وبين من لا يجهل.
قيل لسحنون: أيمكن

الجزء: 17 - الصفحة: 550

الخصم من تجريح الرجل البين الفضل المبرز إذا طعن فيه؟ قال: نعم يمكنه من ذلك.
قال ابن حبيب عن أصبغ: لا يمكن الخصم من تجريح المعدلين المبرزين في العدالة بجرحة الإسفاه إن ادعى ذلك، إلا جرحه عداوة أو هجرة فقد يكون ذلك في الصالح والبارز.
وقال مطرف: يجرح الشاهد بمن هو مثله وفوقه ودونه بالإسفاه والعداوة إذا كان المجرح عدلاً عارفاً بوجه التجريح.
وقال ابن الماجشون: يجرح بمن هو فوقه ومثله، ولا يجرح بمن هو دونه، إلا بالعداوة والهجرة وأما بالإسفاه فلا.
وقال أصبغ وابن حبيب كقول مطرف.
قال محمد بن الحكم: وإذا قال عدلان ممن يعرفان العدالة والجرحة: فلان غير عدل عندنا اجتزأ بذلك المكشف والقاضي.
قال ابن كنانة: وإن جرحه غير مبرزين بالعدالة، فليسألا فإن تبين للإمام ما يرد شهادته به ردها، وإلا لم يقبل ذلك.
ومن المجموعة والعتبية: قال ابن نافع عن مالك في الشاهد يعدله رجلان ويأتي المطلوب بشاهدين يجرحانه.
قال: ينظر إلى الأعدل من الشهود فيؤخذ به.
قيل: ألا ترى أن المجرحين أولى؛ لأنهما زادا؟ قال: لا، ولكن يقال لهما: بماذا تجرحانه فينظر في ذلك أمعروف أو مشهور، ولعله أمر قديم.
وقال ابن نافع: إذا كان المجرحان عدلين فقيهين فهما أولى، ويسقط التعديل.

الجزء: 17 - الصفحة: 551

وقال سحنون في العتبية مثله.
وقال ابن أبي حازم في المجموعة: قيل لسحنون: فإن عدله أربعة وجرحه اثنان، وهم متكافئون في العدالة، أو الأربعة أعدل؟ قال آخذ بشهادة المجرحين؛ لأنهما علماً ما لم يعلم الآخرون.
وقال سحنون في كتاب الرجوع عن الشهادة: إذا شهد أربعة على رجل بالزني، فأتى المشهود عليه بأربعة قبل الحكم فقالوا: نشهد أن هؤلاء شهدوا في هذه الشهادة بزور، فلا يكون هذا تجريحاً لهم، حكم بشهادتهم أو لم يحكم، وإنما التجريح أن ينسبوا إليهم فعلاً يجرحهم من كذب أو شرب خمر أو غير ذلك مما يجرح به، أو يقولون إن أحد البينة مولى عليه، فهذا تجرح به قبل الحكم، وإن جرحهم بعد الحكم لم ينقض إلا المولى عليه.
قال أبو محمد: وقد اختلف في شهادة المولى عليه.
قال ابن سحنون: إذا جرح الشاهد رجلان كل واحد بمعنى غير الآخر، قال هي جرحه لاجتماعهما أنه ليس من أهل الشهادة وأنه رجل سوء.
وقد قال أيضاً: لا يجرح حتى يجتمع عدلان على معنى واحد من التجريح، إما كذب أو شرب خمر أو أكل حرام أو نحوه، وأما أن يقول أحدهما كذاب ويقول الآخر أكل ربا فلا.
قيل: وإذا قال الواحد خائن، وقال الآخر يأكل أموال اليتامى، قال هذا معنى واحد، وهو تجريح.
وقال أيضاً: إذا جرحته بينة بأمر لم يسموه، وقالوا لا نسمي غير أنه رجل سوء غير مقبول الشهادة، قال: هي جرحة، ولا يكشفون عن أكثر من هذا.

الجزء: 17 - الصفحة: 552

قال ابن حبيب: وهذا إذا كانا عارفين بوجه التجريح.
ومن المجموعة قيل لابن القاسم: أيقبل التجريح سراً؟ قال: نعم، إذا كانوا أهل عدالة.
قال سحنون: وأما الجرحة فإنها تكون سراً، وأما التزكية ففي العلانية أولى، ولا آمرهم أن يشتموا الناس في العلانية.
قال أشهب عن مالك: ولا يجرح بشهادة واحد.
وقال ابن حبيب: قال مطرف وابن الماجشون: يجرح بالواحد كما يعدل به إذا كان عدلاً.
قال ابن المواز: ويجب على الرجل أن يزكي الرجل إذا كان عنده عدلاً؛ لأن ذلك إحياء للحق، فلا يسعه ترك تزكيته، وكذلك في تجريح من هو عنده غير عدل إذا شهد فخاف إن لم يؤد علمه فيه أن يحيى بشهادته باطل أو يموت بها حق.
وقد قال مالك فيمن سأله رجل أن يعدل له شاهداً وهو ممن يعرف بالعدالة.
قال: حسن أن يعدله، والله الموفق.

الجزء: 17 - الصفحة: 553

[الباب الثاني عشر]

جامع مسائل مختلفة مما ليس في المدونة

[الفصل 1 - في المشهود له ينفق على الشهود] ابن سحنون: قال سحنون في الشهود يدعون إلى الشهادة في غير البلد فيقولون: يشق علينا النهوض إلى الحاضرة.
فيعطيهم المشهود له دواباً أو ينفق عليهم قال: إن كانوا على مثل البريد أو البريدين وهم يجدون النفقة والدواب فلا يأخذوا ذلك منه، فإن فعلوا سقطت شهادتهم.
وإن كانوا لا يجدون جاز ذلك وقبلوا، ولو أخبر بذلك القاضي لكان أحسن.
وإن كان على مثل ما تقصر فيه الصلاة فأكثر لم يشخص الشهود من مثل ذلك، ويشهدون عند من يأمرهم القاضي في تلك البلاد، ويكتب بما شهدوا به عنده إلى القاضي.
فصل [2 - في الرجل يشهد لمن شهد له]

ومن العتبية قال ابن القاسم فيمن شهد لرجل بعشرة دنانير، وشهد له الرجل بدين له على آخر فذلك جائز إن كانا عدلين.
وقال مطرف وابن الماجشون: إن كانت الشهادتان على رجل واحد في مجلس واحد لم تجز، وإن كان شيئاً بعد شيء جاز ذلك، وإن تقارب ما بين الشهادتين.
وإن كان ذلك على رجلين مفترقين جاز ذلك، وإن كان ذلك في مجلس واحد أو مجالس مفترقة.
وقاله أصبغ.

الجزء: 17 - الصفحة: 554

فصل [3 - في الرجل يشهد على من شهد عليه في الزمن القريب] قال ابن سحنون: وكتب إلى سحنون فيمن شهد عليك بشهادة ثم شهدت أنت عليه بحدثان ذلك بعد الشهرين ونحوهما والأول في خصومته بعد؟ قال أرى في ذلك ظنة قائمة، ولا تجوز شهادته عليه.
فصل [4 - في شهادة الشهداء لأنفسهم] ومن العتبية قال ابن القاسم في المسلوبين يشهدون أن هؤلاء سلبونا هذا المتاع وهذه الدواب، وذلك بيد اللصوص، قال: يقام عليهم حد الحرابة.
ولا يستحقون تلك الأموال بشهادة هؤلاء إلا بشهادة غيرهم من شهيدين، أو بشاهد يحلفون معه.
قال ابن حبيب: قال ابن الماجشون في القوم يقطع عليهم اللصوص فيشهد عليهم منهم عدلان.
قال المغيرة وابن دينار: وأنا أقول أنه لا يجوز في ذلك أقل من أربعة، وإنما يجوز ذلك في القطع وأموال الرفقة غير الشهداء، ولا تجوز شهادة الشهداء لأنفسهم.
وقال مطرف: شهادة عدلين منهم جائزة في القطع وفي أموالهم وأموال غيرهم، ولو لم تجز في المال لم تجز في القطع.
وقال مالك: لا يقبل بعض الشهادة ويرد بعضها.
قال أصبغ عن ابن القاسم: تجوز شهادة عدلين منهم في القطع وفي أموال الرفقة عدا أموالهما، إلا أن يكون مالهما يسيراً فتجوز لهم ولغيرهم، كقول مالك في الوصية لهما فيها اليسير.
قال أصبغ: وإن كان الذي لهما كثيراً سقطت كلها.
قال سحنون في المتكاربين لسفينة وقد نقدوا الكراء، فعطبت قبل البلاغ فأنكر

الجزء: 17 - الصفحة: 555

صاحبها قبض الكراء.
قال: شهادة بعضهم لبعض جائزة ويرجعون عليه، ثم رجع فقال: لا تجوز؛ إذ ليس بموضع ضرورة، وقد كانوا يجدون من يشهدون سواهم إذا أرادوا نقد الكراء.
فصل [5 - في الرجل يشهد عند القاضي ثم يأتي معصية أو ظنة قبل الحكم أو قبل تنفيذه] ومن المدونة والمجموعة: قال عبد الملك: إذا كتب القاضي شهادة رجل فلم يحكم بها حتى قتل قتيلاً على فائرة أو قذف رجلاً أو قاتل من شهد عليه، فلا تسقط بهذا شهادته التي وقعت عند الحاكم إلا أن يحدث ما يستره الناس من الزنى والسرقة وشرب الخمر فتسقط شهادته تلك.
قال ابن المواز: لأنه مما يظن أنه فعله قديماً.
قال: ولو حكم بشهادة بينة في حد وأمر به ولم يقم حتى ظهر منهم شرب خمر أو فسق أو ارتداد فالحكم نافذ ولا يرد، وإن لم يحكم بها بطلت شهادتهم.
وقاله أشهب، وهو مثل الرجوع قبل الحكم أو بعده.
ابن حبيب: وقال أصبغ أما في حق العباد فكذلك أقول، وأما الحدود التي هي لله عز وجل لا لغيره فلا تنفذ، ويفارق عندي حقوق الآدميين، وقاله مطرف، وبه أخذ ابن حبيب.
وقال أشهب: ولو قاتل المشهود عليه البينة قبل الحكم وبعد الشهادة لم يبطل ذلك شهادتهم.
وقاله ابن القاسم في العتبية.
قال أصبغ فيها: ومن شهد لامرأة بشهادة فلم يحكم بها حتى تزوجها أن شهادته

الجزء: 17 - الصفحة: 556

ماضية، بخلاف من أوصى لرجل بوصية وليس بوارثه ثم يكون وارثه بعد ذلك فلا تجوز تلك الوصية.
والفرق بينهما: أن الشهادة إنما ترد بالظنة، والظنة في الزوجة إنما حدثت بعد تمام الشهادة، كما لو شهد عليه فلم يحكم به حتى صار بينه وبينه خصومة فإن شهادته ماضية.
م/ والوصية إنما ينظر فيها يوم تجب وذلك بعد الموت فلم تجب حتى صارت لوارث فوجب ردها.
فصل [6 - في الشاهدين يشهدان على ما يؤدي إلى ما لا تجوز معه شهادتهما من رقهما أو حد يلزمهما أو نحو ذلك] ومن المجموعة والموازية قال ابن الماجشون: وإذا شهد رجلان أن فلاناً طلق امرأته البتة، أو أعتق جاريته، ثم قالا رأيناه يزني بهما، فلا تقبل شهادتهما في الطلاق والعتق؛ لأن ذلك يوجب عليهما حد القذف، ولا حد عليهما إذا لم يثبت الطلاق والعتق.
وكذلك قال ابن سحنون: إذا شهدا بالطلاق وبأنهما رأياه يطأها بعد الطلاق بطلت شهادتهما في الطلاق والحد.
وقال أصبغ في العتبية: يجدان ولا تجوز شهادتهما؛ لأنهما يقولون إن هذا زان.
قال هو وابن الماجشون: ولو شهدا عليه بطلاقهما، ثم شهدا أنهما رأياه على بطنها أو في لحاف عريانين فالطلاق لازم ويؤدبان.
م/ يريد الرجل والمرأة.
قال ابن المواز: في المسألة الأولى اختلاف؛ لأن ابن القاسم يقول شهادة القاذف لا ترد أبداً حتى يحد، وأرى جواب عبد الملك أن لو صدقهما الرجل في الطلاق والعتق

الجزء: 17 - الصفحة: 557

وأكذبهما في الوطء لكان عليهما حد القذف.
وقال أشهب.
ومن العتبية قال سحنون في كتاب ابنه: لا تجوز في المائة، ولا في أنفسهما.
فصل [7 - فيمن شهد بشهادة عند حاكم فردها لوجه ثم شهد بعد ذلك هل تقبل؟] قال سحنون في كتاب ابنه: أجمع أصحابنا أن كل من شهد بشهادة عند قاض فردها بجرحة أو بظنة أو لوجه لا تجوز معه، ثم شهد بها بعد ذلك عند ذلك القاضي أو غيره بعد أن زالت الجرحة أو الظنة أو المانع الذي لم تجز من أجله فإن تلك الشهادة لا تقبل؛ لأن قاضياً حكم بردها.
وقاله أهل العراق في الجرحة والظنة وشبهها.
قالوا: وأما إن شهد عبد أو نصراني أو صبي فردت شهادته، ثم شهد الصبي بعد الحلم والعبد بعد العتق والنصراني بعد الإسلام فإنها تقبل؛ لأن العلة التي ردت من أجلها زالت.
قال سحنون: لا فرق بين ذلك.

الجزء: 17 - الصفحة: 558

قلت لسحنون: فهؤلاء أهل العراق قد قامت حجتك عليهم بالمناقضة، وأهل البصرة ساووا بين الجميع وقالوا: إذا زالت العلة من الجرحة والظنة، وعتق العبد واحتلم الصبي وأسلم النصراني فإن الشهادة تجوز، وإن ردت في الحال الأول.
فقال: لا تناظر هؤلاء إذ لا سلف لقولهم من صدر الأمة لا من صاحب ولا تابع ولا تابع تابع، ولولا الحكم بن عيينة ما كان لأهل الكوفة سلف فيما خالفونا فيه.
فصل [8 - في الشاهد ينكر أو ينسى شهادة عنده ثم يشهد بها] ومن المجموعة والعتبية وكتاب محمد: قال ابن القاسم عن مالك في مريض سئل عن شهادة فأنكرها، وقال كل شهادة أشهد بينكما فهي باطل ثم شهد بعد ذلك فإنه يسأل عن عذره، فإن قال: كنت مريضاً فخفت ألا أثبت ما أشهد به، أو جاء بعذر يعرف وجهه فهي جائزة.
قال ابن وهب في المجموعة: وإن أبا بكر بن حزم سأل القاسم بن محمد عن شهادة عنده فلم يذكرها، وخرج عنه فلما كان في الطريق ذكرها، فرجع فأداها فقبلها أبو بكر، وقال: لو كان غيرك ما أجزنا شهادته.
قال سحنون: وكان القاسم فقيهاً، ولولا علمه أن شهادته جائزة ما شهد بها، والشاهد في شهادته كالحاكم إن رأى أنها تجوز رفعها وإلا لم يرفعها، وقد رفع بعضهم شهادته وأخبر أن بينهم عداوة.
قال مالك فيمن دعى إلى شهادة فلم يذكرها ثم ذكرها فإنها تقبل منه إن كان مبرزاً لا يتهم، ولم يمر من طول الزمان ما يستنكر.
ابن وهب: وقال الليث: إنما يقبل هذا من البين الفضل الذي لا يتهم.
وقاله ابن القاسم.
قال سحنون: إذا كان مبرزاً جازت شهادته إذا قال: أخروني لأنظر وأتفكر، فإن

الجزء: 17 - الصفحة: 559

قال: ما عندي علم، ثم رجع فأخبر بعلمه فقد اختلف فيه قول مالك.
قال ابن القاسم: ومن شهد بثلاثين ديناراً ثم جاء فذكر أنها كانت خمسين فإنه تقبل شهادته في ذلك كله.
ابن حبيب: وذلك إذا كان بين العدالة، وكذلك إذا زاد أو نقص في شهادته.
فصل [9 - فيمن قال: رضيت بشهادة فلان ثم بدا له غير ذلك] ومن المجموعة: قال ابن كنانة: وإذا تنازعا في أرض أو دين فادعى أحدهما شهادة فلان فيرضى به الآخر ثم ينزع.
قال ابن كنانة: فإن كان نازع خصمه فيما لا علم عنده منه مثل حدود أرض أو دين على أبيه أو رأس أو دابة أو غير ذلك مما لا يعلم به الراضي فهذا يلزمه شهادة من رضي به كان عند إمام أو غيره ولا له نزوع عنه.
قال: وإن قال: رضيت بشهادته في فعل فعله أو قول قاله أو سلف أسلفه أو نحو ذلك، فذكر أن فلاناً علم بذلك، يقول: إنه ممن يقول الحق ثقة يعدله فأتى فلان بخلاف ما يقول هذا أنه كان منه فلا يلزمه ذلك.
وقال سحنون نحوه، وكذلك قال ابن دينار وفسره.
[رجوع الشاهد عن شهادته] ومن كتاب ابن سحنون: وقال فيمن شهد شهادة فقال المشهود عليه: شهدت علي بكذا.
فقال: إن شهدت عليك بها فأنا مبطل، وقد شهد به، قال: فشهادته باطلة ساقطة، وهذا رجوع إن كان على قوله بينة.
[شهادة مردود الشهادة إذا رضي الخصمان] ومن المجموعة: قال ابن الماجشون في الخصمين عند الحاكم أو عند من حكماه فسألاه أن يقضي بينهما بشهادة من لا يقبله الحاكم فلا ينبغي ذلك، وقد يقتدي به، وقد

الجزء: 17 - الصفحة: 560

يعدل بذلك الشاهد، وليقل لهما مما علمه من شهادته فاجعلاه إقراراً منكما فأحكم به بينكما.
فصل [10 - في البينة تتم ما شهدت به بينة قبلها] ومن العتبية: قال مالك فيمن يقيم بينة أن هذه أرضه ولم يحددها، وآخرون يشهدون على الحدود ولم يشهدوا بالملك، فذلك جائز، ويقضي له بها وتتم الشهادة.
ابن حبيب: قال مطرف فيمن غصب أرضاً فشهدت له بينة بذلك، ولم يعرفوا الحدود فإن حدها غيرهم تمت الشهادة، وإلا قيل للغاصب: ادفع إليه ما غصبته ويحده ويحلف عليه.
فصل [11 - في البينة تشهد بحق نسوا عدده أو بحق في دار لا يعرفون موضعه] ابن حبيب: قال مالك في البينة تشهد بحق لرجل ثم يقولون: لا نعرف عدده إلا أنا نعلم أنه بقي له عليه حق، وليقل للمطلوب أقر له بحقه فما أقر به حلف عليه ولا شيء عليه غيره، وإن جحد قيل للطالب إن عرفته فاحلف عليه وخذه، فإن قال: لا أعرفه وضاعت كتب محاسبتي أو أعرفه ولا أحلف فليسجن المطلوب حتى يقر بشيء ويحلف عليه، فإن أقر بشيء ولم يحلف عليه أخذ منه وحبس حتى يحلف.
ولو ذلك كان حقاً في دار حلت بينه وبينها حتى يحلف، ولا أحبسه؛ لأن الحق في شيء بعينه.
[الفصل 12 - في المريض يدعي قبل رجل مالا ولا خلطة بينهما] م/: واختلف أصحابنا في المريض يدعي قبل رجل مالاً، ولا خلطة بينهما، هل يحلفه في مرضه ذلك؟ فقال جماعة من أصحابنا: لا يحلفه إلا بعد الموت فيحلف لورثته، وقلت أنا: بل له أن يحلفه الآن؛ لأنه في حال لا يتهم أن يدعي بباطل.
وكذلك عندي لو لم يحلفه حتى صح من مرضه لحلفه بدعواه عليه في المرض؛ لأنهما يمين وجبت فلا يرفعها

الجزء: 17 - الصفحة: 561

صحته، كما لو كانت بينه وبينه خلطة فادعى عليه حقاً فلم يحلفه حتى سافر وطار ذلك وانقطعت تلك الخلطة أن له أن يحلفه بتلك الدعوى التي كانت في حين الخلطة.
وكذلك لو ادعى على متهم بسرقة أنه سرق له شيئاً فلم يحلفه حتى مات المتهم أن له أن يحلفه بتلك الدعوى، وخالفني في ذلك جماعة من أصحابنا والله أعلم بالصواب.
تم كتاب الشهادات الثاني من الكتاب الجامع والحمد لله رب العالمين وصل الله على سيدنا محمد وآله وسلم

الجزء: 17 - الصفحة: 562

فصول الكتاب · 78 فصل
فصول الجامع لمسائل المدونة
المقدمةالمقدمةكتاب الصلاة الأولكتاب الصلاة الثانيكتاب الجنائز من الجامعكتاب الصوم من الجامعكتاب الاعتكافكتاب الزكاة الأولكتاب الزكاة الثاني من الجامعكتاب الحج الأول من الجامعكتاب الحج الثاني من الجامعكتاب الحج الثالث من الجامعكتاب الصيد من الجامعكتاب الذبائح من الجامعكتاب الضحايا من الجامعكتاب العتق الأول من الجامعكتاب المكاتب الأولكتاب السلم الأولكتاب السلم الثانيكتاب السلم الثالثكتاب الصرفكتاب الرهنكتاب بيوع الآجالكتاب البيوع الفاسدةكتاب بيع الخياركتاب المرابحةكتاب اشتراء الغائبكتاب الوكالاتكتاب التجارة إلى أرض الحربكتاب جامع لأبواب متفرقةكتاب العراياكتاب العيوب والتدليسكتاب الصلحكتاب الجوائحكتاب الجعل والإجارةكتاب المساقاةكتاب القراضكتاب الأقضيةكتاب كراء الرواحل والدوابكتاب كراء الدور والأرضينكتاب الشركةكتاب الشهادة الأولىكتاب الشهادة الثانيكتاب الرجوع عن الشهاداتكتاب المديانكتاب الرجوع عن الشهاداتكتاب التفليسكتاب الحمالةكتاب المأذون له في التجارةكتاب اللقطةكتاب الضوالكتاب الإباقكتاب حريم الآبار وإحياء المواتكتاب الغصبكتاب الوديعةكتاب العاريةكتاب العدةكتاب الاستحقاقكتاب الحبسكتاب الصدقةكتاب الهبة والهباتكتاب الهباتكتاب الوصايا الأولكتاب الوصايا الثانيكتابً الوصايا الثالثكتاب الشفعة الأولىكتاب الشفعة الثانيكتاب القسم الأولكتاب القسم الثانيكتاب الفرائض الثانيكتابكتاب المحاربين والمرتدينكتاب القذفكتاب الأشربةكتاب الجراحكتاب الجناياتكتاب الدِّياتكتاب الجامع
جارٍ التحميل