الجامع لمسائل المدونةكتاب الشفعة الثاني
أهل الأثرالأرشيف العلمي

[الباب الأول]

فيمن ابتاع أرضا فزرعها أو نخلا فأثمرت عنده أو كان ذلك فيها ثم قام شفيع أو مستحق وحكم الغلة في ذلك

[فصل 1 - الشفعة في الأرض بعد زراعتها وفي النخيل بعد طلعها] قال مالك رحمه الله: ومن اشترى شقصاً من أرض فزرعها فللشفيع أخذها بالشفعة ولا كراء له والزرع للزارع، ولو غرسها المبتاع شجرا أو نخلا فإما أدى الشفيع قيمة ذلك قائما مع ثمن الأرض وإلا فلا شفعة له.
قال: ومن ابتاع أرضاً فزرعها ثم استحقها رجل فلا شيء له من الزرع ولا كراء له إلا أن يقوم في إبان الزراعة فيكون له كراء مثلها، وإن استحق نصف الأرض خاصة واستشفع فله كراء ما استحق إن قام في إبان الزراعة على ما وصفنا، ولا كراء له فيما استشفع.

الجزء: 20 - الصفحة: 152

م: يريد لأن نصف الأرض المستحق قد كان في ملكه قبل أن يزرع، والذي أخذ بالشفعة لم تجب له إلا بعد أخذه وقد زرعها المشتري وهي في ملكه فافترقا.
[قال] ابن المواز: فإن كان حين استحق نصف الأرض خاصة واستشفع ولم يبرز الزرع من الأرض فهو كالطلع، وللشفيع أخذه مع الأرض بالثمن وبقيمة ما أنفق في البذر والعلاج، وكذلك النخل إذا اشتراها فأنفق وسقى حتى صار فيها طلع ولم تؤبر، فعلى الشفيع مع الثمن قيمة ما أنفق.
[قال] ابن المواز: ولا يأخذ الشفيع الأرض إلا بزرعها ولا النخل إلا بما فيها من الطلع؛ لأن الشفعة يبع من البيوع، فلا يحل لمن باع ذلك أن يستثني حبسه لنفسه.
[قال] ابن المواز: وقال أشهب: إذا أراد الشفيع أن يأخذ بالشفعة فليأخذها بما فيها من البذر بالثمن الذي وقع على الشقص وبقيمة الزرع على الرجاء والخوف وإلا فلا شفعة له، فإن كان قد بدأ الزرع من الأرض فلا شفعة فيه ولا يحل.
قال ابن المواز: بل يأخذها الشفيع إذا لم يبرز زرعها بالثمن، وبقيمة ما أنفق في البذر والعلاج.
ولقد كلم أشهب في جوابه حتى قال: لو قال قائل في ذلك ليس له أن يأخذ إلا بالثمن وبقيمة ما أنفق لم يكن به بأس، وهو أقيس القولين، وإنما استحسنت ما

الجزء: 20 - الصفحة: 153

قلت لك؛ لأنه ربما كان الذي أنفق عينا.
قال ابن عبدوس: قال سحنون: والزرع مخالف لطلع النخل؛ لأن من زرع أرضا ثم استحقت قبل ظهوره فالزرع لزارعه.
يريد: ولو استحقت النخل وفيها طلع فهو للمستحق.
قال: وابن القاسم يرى الأخذ بالشفعة كالاستحقاق؛ لأنه جعل الثمرة وإن أبرزت للشفيع كالاستحقاق، وإذا أخذ الأرض بالشفعة فلا شيء له في البذر كالمستحق.
وأشهب يرى الأخذ بالشفعة كالبيع، فالبذر للشفيع؛ لأنه لا يستثني في البيع.
[فصل 2 - الشفعة لمن استحق نصف الأرض بعد بيعها بزرعها الأخضر] ومن المدونة قال مالك: ومن ابتاع أرضا بزرعها الاخضر فاستحق رجل نصف الأرض خاصة واستشفع، فالبيع في النصف المستحق باطل، في نصف الزرع؛ لانفراده بلا أرض، ويرد البائع مصف الثمن ويصير له نصف الزرع، وللمستحق نصف الأرض ثم أبدي الشفيع بالخيار في نصف الأرض الباقي، فإن أحب أخذه بالشفعة ولم يكن له في نصف الزرع شفعة فذلك له، فإذا أخذ رجع الزرع كله إلى بائعه.
[قال] ابن المواز: ويأخذ نصف الأرض.
بما قابله من الثمن بقيمتها من قيمة نصف الزرع على غرره يوم الصفقة، فإن أخذ نصف الأرض بالشفعة كما وصفنا رجع

الجزء: 20 - الصفحة: 154

الزرع كله للبائع الذي زرعه؛ لأنه صغير لا يحل بيعه بلا أرض، ويرد البائع الثمن كله إلى المشتري إلا ما أخذ المشتري من الشفيع في نصف الأرض، وعلى البائع للمستحق كراء نصف الأرض المستحق دونا ما أخذ بالشفعة إذا استحق في إبان الزراعة.
م: وأنكر بعض الفقهاء القرويين قوله: ورجع الزرع كله للبائع.
وقال: للمشتري أن يتماسك بنصف الزرع الذي قابل النصف المأخوذ منه بالشفعة؛ لأنه لم ينتقض فيه البيع؛ لأن الأخذ بالشفعة كبيع مبتدأ.
م: وهو صواب.
م: والذي قال ابن المواز من أن الزرع كله يرجع للبائع مثبت في كتاب الشفعة من المختلطة، ووجه هذا القول أن الأخذ بالشفعة فيه ضرب من الاستحقاق إذ تؤخذ وإن كره المبتاع، فاحتاط للتحريم وجعله كالاستحقاق، ألا ترى أن ابن القاسم جعل الثمرة وإن أبرت للشفيع كالاستحقاق.
وأما أشهب فيرى الثمرة المأبورة للمبتاع دون الشفيع كالبيع، وكذلك يكون له الزرع في مسألتنا على مذهبه وبالله التوفيق.

الجزء: 20 - الصفحة: 155

[فصل 3 - في تخيير المبتاع بين الرد أو التماسك بنصف الأرض والزرع] ومن المدونة: قال ابن القاسم: وإن لم يستشفع خير المبتاع بين رد ما بقي في يديه من الصفقة وأخذ جميع الثمن؛ لأنه قد استحق من صفقته ما له بال، وعليه قيمة الضرر، وبين أن يتماسك بنصف الأرض ونصف الزرع ويرجع بنصف الثمن.
[قال] ابن المواز: وقال أشهب: المشتري يبدأ بالتخيير، فإن تماسك ففيه الشفعة.
وحجة ابن القاسم أنه ليس بيع خيار بل هو بيع بتل وجبت فيه الشفعة، وهو كعيب يرضى به الشفيع فهو المبدأ.
[قال] أبو محمد: وقال سحنون: ينتقص البيع كله؛ لأنه لما ثبت الاستحقاق كان كمبتاع الأرض من رجل ومن آخر زرعا لم يبد صلاحه في صفقة واحدة ففسدت كلها.

الجزء: 20 - الصفحة: 156

قال ابن المواز: فإن لم يستحق نصف الأرض إلا بعد يبس الزرع فهذا لا يفسخ بيع الزرع لا فيما استحق ولا فيما استشفع، ويكون الزرع كله للمشتري؛ لأنه يحل بيعه لو انفرد.
قال ابن المواز: وإن استحق نصف الأرض ونصف الزرع الأخضر فله الشفعة في الأرض والزرع بل ليس له أن يأخذها إلا بزرعها.
وقال أشهب: وهو كآلة الحائط ورقيقه وبئره لو بيع مفردا لم تكن فيه شفعة، وإذا بيع مع الحائط ففيه الشفعة، وكذلك الزرع.
قال: وليس لمن قال غير هذا صواب، ورواه عن مالك.
قال ابن المواز: ولم يختلف ابن القاسم وأشهب في هذا إذا كان اشتراؤه الأرض بعد أن برز الزرع من الأرض وبعد إبان الثمرة أن الشفعة في الجميع ولم يختلف أيضا إذا كان اشتراؤه قبل أن يبرز الزرع وقبل أن تؤبر الثمرة أن ذلك للشفيع، ويغرم الثمن والنفقة.
قال ابن المواز: فإن كره المشتري ببقية الصفقة لكثرة ما استحق.
قال ابن القاسم: يبدأ بتخيير الشفيع، فإن لم يستشفع فالخيار للمشتري.
وأشهب يبدأ بتخيير المشتري، فإن تماسك ففيه الشفعة.

الجزء: 20 - الصفحة: 157

قال ابن عبدوس: وأنكر سحنون قول أشهب أن في الزرع الشفعة، كآلة الحائط وهي لو انفردت لم تكن فيها شفعة.
وقال: يقول ابن القاسم: أنه لا شفعة في الزرع.
قال سحنون: والزرع بخلاف آلة الحائط؛ لأن آلة الحائط ورقيقه وبئره من مصالحه وما به يقوم، وليس الزرع مما تقوم به الأرض، وأما الثمرة إذا بيعت مع الرقاب وقد أبر ثمرها أو أزهى فالشفعة في الجميع؛ إذ لو بيعت الثمرة وحدها كان فيها الشفعة؛ وليس الشفعة فيها مع النخل؛ لأن فيها منفعة للنخل كما ذكرنا، وأيضاً فيها غذاء للنخل؛ لأن فيها منفعة للنخل لكن لما ذكرنا، وهي أيضا فيها غداء للنخل ونفع لها فكأنها منها، فإذا يبست زال ذلك منها وزالت عنها الشفعة.
قال ابن المواز: فإن كان الزرع يوم الشراء لم يبرز من الأرض فلم يأت الشفيع حتى بدأ وبرز كله إلا أنه اخضر لم يبس بعد.
قال: قد اختلف في هذا الأصل ابن القاسم وأشهب وقاساه جميعا بثمرة النخل إذا اشتريت قبل الإبار فلم يأت الشفيع حتى أبرت أو أزهت.
فقال ابن القاسم: الشفعة في الثمرة مع الأصل بالثمن والنفقة وكذلك الزرع.
وقال أشهب: لا شفعة في الثمرة ولا في الزرع؛ لأن الشفعة بيع من البيوع وقد جعلها الرسول عليه السلام للبائع إلا أت يشترطها المبتاع.

الجزء: 20 - الصفحة: 158

[فصل 4 - الشفعة فيمن ابتاع أرضا دون زرعها ثم ابتاع الزرع بعد ذلك] ومن المدونة قال: ومن ابتاع أرضا ذات زرع أخضر دون زرعها ثم ابتاع الزرع في صفقة أخرى، أو ابتاع الجميع في صفقة ثم استحق رجل جميع الأرض خاصة بطل البيع في الزرع؛ لانفراده، وإنما أجيز بيعه أخضر مع أرضه في صفقة أو بيعه بعد ابتياعه الأرض فيبقيه فيها ويحل محل البائع ثم له بيع الأرض دون الزرع ولا يبطل البيع في الزرع؛ لأن شراءه للأرض لم ينتقض، وفي الاستحقاق قد انتقض.
[الشفعة في الثمرة فصل 5 - حكم المزهية قبل قسمتها] وإذا كان بين قوم ثمر في شجرة قد أزهى فباع أحدهم حصته منه قبل قسمته والأصل لهم أو بأيديهم في مساقاة أو حبس.
فاستحسن مالك لشركائه فيه الشفعة ما لم ييبس قبل قيام الشفيع أو تباع وهي يابسة، وقال: ما علمت أن أحدا قاله قبلي.
[قال] ابن المواز: وقاله ابن القاسم وأشهب، ورواه عبد الملك عن مالك ولم يأخذ به.
قال محمد: والصواب عندنا أن الشفعة في الثمرة ما لم تيبس ما كان الأصل مشاعا،

الجزء: 20 - الصفحة: 159

كبئر الحائط وحديده وآلته ورقيقه ودوابه ففي ذلك الشفعة إذا بيع وحده، وإن بقي في الحائط ما يستغني به مادام الحائط مشاعا لم يقسم.
م: ووجه قول عبد الملك قوله عليه السلام "فإذا وقعت الحدود فلا شفعة" فعلقها بما ينقسم من الأراضي؛ ولأن الشفعة فيما يدوم فيه الضرر وذلك معدوم في الثمار، فكانت كالعروض اعتبارا بما يبس منها.
م: والفرق عند ابن القاسم بين ما يبس من الثمار وبين بئر النخل وحديده وآلته أن ذلك مما يدوم فيه الضرر، والثمار إذا يبست أن جذاذها انتفاء ضررها، فكانت كالعروض وهو الفرق بينها وبين ما لم ييبس منها؛ لأن ضرر ما لم ييبس دائم، والضرر هو الأصل في الشفعة.
قال أشهب: ولو باعا حائطهما وبقيت الثمرة لهما فباع أحدهما مصابه من الثمرة فلا شفعة لشريكه فيها؛ لأنه لا شركة بينهما في الأصل.
[قال] ابن المواز: ولو لم يبيعا الأصل وباعا الثمرة من رجلين فباع أحدهما نصيبه من الثمرة ففيها الشفعة.
قال ابن القاسم وأشهب: لأنهما يقومان مقام صاحبي الأصل، وكذلك لو أن الأصل لرجل وباع الثمرة من رجلين لكانت الشفعة بين المشتريين في الثمرة دون صاحب الأصل.

الجزء: 20 - الصفحة: 160

[فصل 6 - الشفعة في الزرع بعد يبسه] ومن الشفعة قال مالك: وأما الزرع يبيع أحدهم حصته منه بعد يبسه فلا شفعة فيه، وهو لا يباع حتى ييبس، وكل ما بيع من سائر الثمار مما فيه الشفعة قبل يبسه مثل التين والعنب وما ييبس في شجره فبيع بعد اليبس في شجره فلا شفعة فيه، كالزرع كما لا جائحة فيه حينئذ ولا في الزرع.
[فصل 7 - في استحقاق من ابتاع نخلا] ومن ابتاع نخلا لا ثمر فيها، أو فيها ثمر لم يؤبر، ثم استحق رجل نصفها واستشفع، فإن قام يوم البيع أخذ النصف بملكه والنصف الآخر بشفعته بنصف الثمن، ويرجع المبتاع على بائعه بنصف الثمن، وإن لم يقم حتى عمل وأبرت وفيها الآن بلح أو فيها ثمر قد أزهت ولم تيبس فكما ذكرنا، ويأخذ الأصل بثمره، وعليه للمبتاع قيمة ما سقى وعالج فيما استحق واستشفع، وإن لم يستشفع فذلك عليه فيما استحق فقط، فإن أبى أن يغرم ذلك فيما استحق فليس له أن يأخذه وليرجع إن شاء بالثمن على البائع ويجيز البيع، فإن قام بعد اليبس في الثمرة أو جدادها لم يكن له في الثمرة شفعة، كما لو بيعت الثمرة حينئذ، ويأخذ نصف الأصول بالشفعة بنصف الثمن، ولا

الجزء: 20 - الصفحة: 161

يحط عنه للثمن شيء إذ لم يقع لها يوم البيع من الثمن حصة.
[قال] ابن المواز: وإذا أخذ نصف النخل باستحقاقه لم يكن له من الثمرة التي فيها أيضا شيء؛ لأنها لم يبست صارت غلة حدثت عند المبتاع، ولا شيء عليه مما أنفقه المبتاع في السقي وغيره؛ لأنه لم يصر للمستحق من الثمرة شيء، وقال ابن القاسم.
وقال أشهب مثله فيما استحق خاصة.
ومن المدونة: وقال بعض المدنيين: إذا قام الشفيع وقد أبرت الثمرة فهي للمبتاع دونه، وأباه مالك.
[قال] ابن المواز: وقال أشهب مثله: أنها للمبتاع دونه، وقد بلغني ذلك عن مالك.
قال أشهب: وهو عندي صواب، وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم: "من باع نخلا وفيها ثمرة قد أبرت فثمرها للبائع"، وإنما الشفعة بيع جديد، وإن قال الشفيع: أنا أشترطها للحديث إلا أن يشترطها المبتاع قيل له: إنما ذلك بطوع البائع.

الجزء: 20 - الصفحة: 162

[فصل 8 - في شفعة من اشترط الثمرة] ومن المدونة: قال ابن القاسم: وإذا ابتاع النخل والثمرة مأبورة أو مزهية فاشترطها المبتاع ثم استحق رجل نصفها واستشفع، فله نصف النخل ونصف الثمرة باستحقاقه.
قال ابن المواز: جدت أو لم تجد يبست أو لم تيبس.
وإن بيعت فله نصف الثمن إلا أن تكون قائمة بيد مشتريها فيكون مخيراً بين أخذ نصفها أو أخذ ثمنه من البائع، وإن باعها مشتريها أو أكلها فهو مخير إن شاء أخذ الثمن الذي باعها به مشتري الرقاب أو الثمن الذي باعها به مشتريها، أو أغرمه مثلها إن أكلها، فإن لم يعرف كيلها أغرمه قيمتها ورجع مشتريها على بائعها منه بما دفع إليه من الثمن ورجع مشتري الرقاب على المستحق بالنفقة في السقي والعلاج وهو النصف من ذلك كله، فإن كانت أكثر من قيمة الثمرة أو من ثمنها لم يأخذ شيئاً من ذلك إلا بغرم النفقة، أو يسلم ويأخذ ثمن شقصه من بائعه.
قال ابن القاسم وأشهب: والقول قول المشتري فيما ادعى من النفقة في السقي والعلاج مع يمينه ما لم يتبين كذبه.

الجزء: 20 - الصفحة: 163

[فصل 9 - فيمن أخذ النصف باستحقاقه] ومن المدونة: قال ابن القاسم: وإن أخذ النصف باستحقاقه كما وصفنا رجع المبتاع بنصف الثمن على بائعه، فإن شاء المستحق الشفعة في النصف الثاني فذلك له ويكون له أخذ الثمرة بالشفعة مع الأصل ما لم تجد أو تيبس، ويغرم قيمة العلاج أيضا، وإن قام بعد اليبس أو الجداد فلا شفعة له في الثمرة، كما لو بيعت حينئذ ويأخذ الأصل بشفعته بحصته من الثمن بقيمته من قيمة الثمرة يوم الصفقة؛ لأن الثمرة وقع لها حصة من الثمن.
قال ابن المواز: اختلف قول ابن القاسم في ذلك، فقال مرة: له الشفعة في الثمرة ما لم تجد أو تيبس، فإن جدت صغيرة أو كبيرة أو يبست ولم تجد فلا حق للشفيع فيها مثل ما قال في المدونة.
[قال] ابن المواز: ورواه عن مالك، وقاله عبد الملك إلا أن عبد الملك لم ير على الشفيع فيما سقى المبتاع وعالج نفقة.
وقال ابن القاسم مرة أخرى: له الشفعة في الثمرة وإن يبست وجدت، وإن فاتت رد مثلها إن عرف كيلها.
قال ابن المواز: وإن لم يعرف كيلها، أو جدها وهي صغيرة ولم تطب لم يرد قيمتها ولا ثمنها؛ إذ لا شفعة في الأثمان، ولكن يأخذ الأصل بالشفعة بحصته من الثمن بفض الثمن على قيمة الأصل وقيمة الثمرة ناب الأصل أخذه به، ورواه أيضا عن مالك.

الجزء: 20 - الصفحة: 164

[قال] ابن المواز: وهذا أحب قولي ابن القاسم إلينا.
[قال] ابن المواز: وقال أشهب: في هذا له الثمرة وإن فاتت بالجداد يابسة أو رطبة أو ثمنها إن باعها أو قيمتها إن أكلها مشتري الرقاب، كما قال في الاستحقاق لم يفرق بينهما.
قال محمد: وإنما قال يأخذ فيما استحق نصف الثمرة يبست أو جدت، إنما معنى ذلك إذا أبرت الثمرة والأصل بيد المستحق أو بيد المغصوب، وأما إذا كان التعدي عليه بالبيع قبل الإبار فلا حق له في الثمرة إذا جدت أو يبست.
[فصل 10 - فيمن ابتاع نخلا ثم فلس] ومن المدونة قال ابن القاسم: فأما من ابتاع نخلا لا ثمر فيها أو فيها ثمر قد أبر أو لم يؤبر، ثم فلس وفي النخل ثمر حل بيعها، فالبائع أحق بالأصل والثمرة ما لم تجد إلا أن يعطيه الغرماء الثمن بخلاف الشفيع.

الجزء: 20 - الصفحة: 165

[فصل 11 - فيمن ابتاع نخلا بزرعها الأخضر واستحقت بعد طيبه] ومن ابتاع أرضا بزرعها الأخضر ثم قام شفيعه بهد طيبه، فإنما له الشفعة في الأرض دون الزرع بما ينوبها من الثمن بقيمتها من قيمة الزرع على غرره يوم الصفقة؛ لأن الزرع وقع له حصة من الثمن في الصفقة، وليس كنخل بيعت وفيها ثمر لم يؤبر ثم قام شفيع بعد يبس الثمرة، هذا لا شيء له في الثمرة ولا ينقص لذلك من الثمن شيء؛ لأن الثمرة لم يقع لها حصة من الثمن في الصفقة؛ لأن النخل إذا بيعت وفيها طلع لم يؤبر فاستثناه البائع لم يجز استثناؤه، والأرض إذا بيعت وفيها زرع لم يبد صلاحه كان الزرع للبائع فافترقا ولو كانت الثمرة يوم البيع مأبورة وقام بعد يبسها لسقط عنه حصاصها من الثمن، فظهور الزرع من الأرض كإبار الثمرة في النخل في هذا، وفي أن ذلك للبائع إلا أن يشترطه المبتاع فيصير له بالإشتراط حصة من الثمن ولم يكن للشفيع في الزرع شفعة؛ لأنه غير ولادة وليس له منه شيء، والثمرة ولادة، وللشفيع نصفها، فإذا قام قبل يبسها كانت له الشفعة.
[فصل 12 - حكم الشفعة في النخل إذا اغتلت سنين] ومن ابتاع نخلا لا ثمر فيها فاغتلها سنين، فلا شيء للشفيع إن قام من الغلة.

الجزء: 20 - الصفحة: 166

قال: ولا يبيعها مرابحة حتى يبين، كقول مالك في الثياب والحيوان إذا حالت أسواقها عنده لم يبعها مرابحة حتى يبين.
[فصل 13 - فيمن ابتاع وديا صغارا بعد أن صارت بواسق] ومن ابتاع وديا صغارا ثم قام شفيع بعد أن صارت بواسق، فإنه يأخذها ويدفع إلى المبتاع قيمة ما عمل.
يريد: بأنه كان غائبا.
قال سحنون: لا شيء عليه إذ ليس بعين قائمة كالصغير يكبر ثم يستحق.
قال ابن المواز: وله الثمرة إن لم تيبس وعليه قيمة السقي والعلاج، وإن استغلها سنين فإنما على الشفيع السقي في السنة التي قدم فيها إن لم تيبس الثمرة ووجبت له شفعته وبالله التوفيق.

الجزء: 20 - الصفحة: 167

[الباب الثاني]

في الشفعة في الرحاء والحمام والأنذر والماء ومن اشترى أرضا: هل يدخل في البيع ما فيها من زرع أو نخل؟

[فصل 1 - الشفعة في الرحاء] قال مالك: ولا شفعة في الأرحية.
قال ابن القاسم: وليست من البناء، وهي كحجر ملقى، ولو بيعت معها الأرض أو البيت الذي نصب فيها، ففيها الشفعة دون الرحى بحصة ذلك، وسواء أجراها الماء أو الدواب.
[قال] ابن المواز: وقال أشهب وعبد الملك: إن نصبوها في أرضهم ففيها الشفعة وإن نصبوها في غير أرضهم فلا شفعة فيها، باع أحدهم حصته من الرحى أو حصته منها ومن البيت.
قال أشهب ورحى الماء والدواب سواء إذا نصباها فيما يملكان، وإن باع أحدهما مصابته فلشريكه الشفعة وإن شاء فسخ بيعه، إلا أن يدعوه البائع إلى المقاسمة

الجزء: 20 - الصفحة: 168

فلا يفسخ حتى يقاسمه، فإن صار موضع الرحى للبائع جاز بيعه وإن صار لشريكه انتقض بيعه.
قال: ولم يصب من قال: لا شفعة في الرحى ولم يجعله كالبنيان، ولهي عندنا في البنيان أثبت من الأبواب التي إذا شاء قلعها بغير هدم وإن شاء ردها بغير مؤنة، ثم فيها الشفعة إن بيعت مع الدار أو وحدها، وأن الشفعة لتكون في حديد الحائط ورقيقه فكيف لا تكون في الرحى.
قال ابن المواز: وبه أقول.
[فصل 2 - الشفعة في الحمام] ومن المدونة: قال مالك: في الحمام الشفعة.
قال ابن المواز: ولهو أحق أن تكون فيه الشفعة من الدور والأرضين لما في قسم ذلك من الضرر، وقاله مالك وأصحابه أجمع.
قال ابن الماجشون في غير كتاب محمد: أبى مالك من الشفعة في الحمام من قبل أنه لا ينقسم إلا بتحويله عن أن يكون حماما، وأنا أرى فيه الشفعة.
قال عبد الوهاب: اختلف قوله في الحمام وفي العقار الذي لا ينقسم، فقال: لا

الجزء: 20 - الصفحة: 169

شفعة في ذلك، وقال: فيه الشفعة، فوجه المنع قوله صلى الله عليه وسلم: "الشفعة فيما لم يقسم فإذا وقعت الحدود فلا شفعة فيه" فأحال على اعتبار المقسوم؛ ولأن كل مبيع لا ينقسم لا تدخله الشفعة كالثوب والعبد، ووجه إثباتها فلأنها مما تقع فيها الحدود، ويجب فيها القسم؛ لقوله تعالى: ﴿مِمَّا قَلَّ مِنْهُ أَوْ كَثُرَ نَصِيبًا مَفْرُوضًا﴾ فذلك مبني على وجوب القسمة؛ لأن الشفعة تبع للقسمة في الإثبات والمنع.
[فصل 3 - الشفعة في الأندر]: ومن العتبية قال سحنون: ولا شفعة في الأندر وهو كالأفنية لا شفعة فيها.
وروى عبد الملك بن الحسن عن ابن وهب أنه قال: إذا كانت نفقة الأندر بينهما ففيها الشفعة لا شك، كغيره من البقاع.

الجزء: 20 - الصفحة: 170

قال أشهب: الشفعة فيه كان أندرا أو غير أندر، كان قليلاً أو كثيراً إذا كان ملكاً لهما.
[فصل 4 - الشفعة في البئر والنهر والعين] ومن المدونة: قال مالك: ولا شفعة في بئر لا بياض لها ولا نخل لها وإن سقى بها زرع أو نخل، والنهر والعين مثله.
قال ابن القاسم ولم يختلف في هذا قول مالك في هذا قط.
قال مالك: ولو كان لهذه البئر أرض أو نخل لم تقسم، فباع أحدهما حصته من البئر أو العين خاصة ففيه الشفعة، بخلاف بيعه لمشاع البئر بعد قسم الأرض، ولا بأس بشراء شرب يوم أو يومين أو شهر أو شهرين يسقي زرعه به في أرضه دون شراء أصل العين.
قال مالك: فإن غار الماء أو نقص قدر ثلث الشرب الذي ابتاع وضع عنه

الجزء: 20 - الصفحة: 171

كحوائج الثمار.
قال ابن القاسم: وأنا أرى أنه مثل ما أصاب الثمرة من قبل الماء، فإنه يوضع عنه إن نقص شربه ما عليه فيه ضرر بين وإن كان أقل من الثلث، إلا ما قل مما لا خطب له فلا يوضع لذلك شيء، وقاله سحنون.
[فصل 5 - فيمن اشترى أرضاً فيها زرع لمن يكون الزرع؟] قال ابن القاسم: ومن ابتاع أرضاً فيها زرع، فهو للبائع إلا أن يشترطه المبتاع، وأما من ابتاع أرضاً ولم يذكر شجرها فهي داخلة في البيع كبناء الدار إلا أن يقول البائع: أبيعك الأرض بلا شجر.
[فصل 6 - فيمن تصدق بأرض فيها شجر ولم يذكرها] وقد قال مالك فيمن تصدق بالأرض ولم يذكر الشجر أو تصدق بالشجر ولم يذكر الأرض أن الأرض داخلة مع الشجر في الصدقة، وكذلك البيع.

الجزء: 20 - الصفحة: 172

ومسألة من اشترى أرضاً بعبد فاستحق نصف الأرض قد تقدمت في باب قبل هذا.

الجزء: 20 - الصفحة: 173

[الباب الثالث]

فيمن اشترى نخلاً أو نقضاً على القلع وكيف إن ابتاع الأرض قبل ذلك أو بعده

[فصل 1 - فيمن اشترى نخلاً على القلع ثم استحق آخر نصف جميع ذلك] قال ابن القاسم: ومن ابتاع نخلاً ليقلعها ثم ابتاع الأرض فأقر النخل فيها ثم استحق رجل نصف جميع ذلك، فله أخذ نصف النخل والأرض بالشفعة بنصف ثمنها لا بالقيمة في أحدهما، وليس للمبتاع حجة في النخل أنه ابتاعها للقلع؛ لأن المستحق قد صار شريكاً له في جميع النخل، فإن لم يستشفع خير المبتاع بين التماسك بما بقي أو رده.
[قال] ابن المواز: وقال أشهب: له الشفعة في الأرض وحدها دون النخل؛ لأنها اشتريت على القلع.
قال ابن عبدوس: قال سحنون: إنما يقال أولاً للمستحق: أنت بخير في أن تجيز بيع نصيبك أو تأخذ الثمن من شريكك ثم لا حجة للمبتاع؛ لأن صفقته سلمت له، فإن لم يجز بيع نصيبه أخذه، ورجع المبتاع على البائع بنصف الثمن، ثم ينظر إلى النخل فإن تفاضل جنسها من صيحاني وبرني أو صغير أو كبير وشبهه

الجزء: 20 - الصفحة: 174

فالبيع يفسخ في نصف البائع؛ لأنه لما باع النخل على القلع صار بيعاً مجهولاً لا يعرف ماذا يقع له في القسم؛ لأن الأرض تقسم مع النخل فيقع في نصيبه كثير من النخل مع قليل من الأرض أو قليل من النخل مع كثير من الأرض للكرم والدناءة، فأما إن كانت النخل والأرض لا تختلف حتى تقسم قسماً معتدلاً فالبيع جائز في نصيب البائع، ثم يبدأ المشتري بالخيار في قول أشهب في رد ما بقي في يديه أو حبسه، فإن أمسكه فللشفيع الشفعة في الأرض والنخل بنصف الثمن.
كما قال مالك في الشفعة في الشقص وإن كانت الأرض لغيرهما.
وقال ابن القاسم: يبدأ الشفيع في التخيير في أن يأخذ أو يسلم.
[فصل 2 - فيمن اشترى عرصة شقص على نقض البنيان] ومن المدونة: قال ابن القاسم فيمن اشترى عرصة شقص من دار وفيها بنيان على أن النقض لرب الدار، ثم اشترى بعد ذلك النقض، أو اشترى النقض أولاً ثم

الجزء: 20 - الصفحة: 175

اشترى العرصة بعد ذلك، فقام شفيع يعني: استحق النصف واستشفع قال: فله أخذ العرصة والنقض جميعاً بشفعته، يأخذ العرصة بالثمن والنقض بقيمته قائماً.
وقال في كتاب محمد: إذا اشترى نخلاً أو نقضاً على القلع ثم اشترى الأرض فأقر ذلك فيها، ثم استحق رجل نصف الجميع فله الشفعة فيها بنصف ثمن الجميع.
قال أصبغ: وإلى هذا رجع ابن القاسم وعليه ثبت.
وكان أشهب يرى له الشفعة في الأرض ولا يراها في النخل ولا في البناء.
قال ابن المواز: وقول ابن القاسم هو الصواب وعليه أصحابنا؛ لأن المشتري قد صار كأنه اشترى ذلك جملة واحدة ولولا ذلك لفسخ.
[فصل 3 - في شفعة شقص شائع أو حصة من نخل على القلع] ومن المدونة: قال ابن القاسم: ومن ابتاع نقض شقص شائع من رجل أو حصته من نخل على أن يقلع ذلك المبتاع وشريك البائع غائب لم يجز؛ إذ لا يقدر هو ولا البائع على القلع إلا بعد القسم؛ وإذ لو شاء البائع أن يقاسم شريكه النخل خاصة ليقلعها لم يكن له ذلك إلا مع الأرض.

الجزء: 20 - الصفحة: 176

[قال] ابن المواز: ووجه آخر أنه اشترى جذوعاً لا يدري ما يصير له منها؛ إذ لا تقسم إلا بأرضها، فقد يقل عدد ما يصير له لكرم محترثها وموضعها من الأرض وكرمه أو يكثر لرداءة موضعها.
[قال] محمد: ولو كانت النخل تستوي في قسمها لتشابهها في الصفة وتشابه الأرض حتى تقع القسم على عدد واحد لأجزته، وقاله أشهب، ورآه كالغنم والثياب والدواب يبيع أحدهما مصابته.
قال أشهب: ثم لا شفعة في النخل؛ لأنها بيعت على القلع، والقلع لا يكون إلا بعد القسمة، وكأنه وقع بيعها بعد المقاسمة، والقسمة لابد منها، وعليها وقع البيع، ولو أخذها بالشفعة لوجب عليه قلعها كما وجب على مشتريها.
قال أشهب: وكذلك لو اشترى مصابة بائع النخل من الأرض بعد شراء مصابته من النخل لم يجز أيضاً.
[قال] ابن المواز: ويفسخ بيع الأرض والنخل إن كانت غير متشابهة.
[قال] ابن المواز: ولو لم يشتر إلا مصابته من الأرض وحدها لفسخ؛ لأنها لا تقسم إلا مع غيرها، وكل من اشترى شركاً مما يقسم مع غيره لم يجز؛ لأنه يقل مرة

الجزء: 20 - الصفحة: 177

لسبب ما يقسم معه ويكثر مرة إلا أن يشتري جميع حصته من النخل والأرض صفقة واحدة فلا بأس به، وأما صفقة بعد صفقة فكلاهما مفسوخ لأنه غرر.
قال أشهب: إلا أن يكون ذلك متشابهاً في صفتها وقدرها وموضعها فلا بأس به كيف ما كان، فإن اشترى الجميع صفقة بعد صفقة فللشفيع أخذ الأرض بالشفعة فقط وكلف المشتري قسم النخل وقلعها.
قال ابن المواز: لا يعجبني، وأنا أرى إذا اشترى مصابته من النخل قبل الأرض أن له الشفعة في الأرض والنخل وما إن اشترى الأرض دون النخل فله الشفعة في الأرض دون النخل من قبل أن الشفعة في النخل إنما وجبت لشركتهما في الأرض، وإذا باع النخل أولاً فله فيها الشفعة؛ لأنهما بعد شريكان في الأرض أولاً فقد انقطعت شركتهما في الأرض وبقيت النخل بلا أصل فلا شفعة له فيها، وهذا كمن باع مصابته من الحائط والثمرة وبقي البئر والرقيق مشاعاً فلا شفعة له في البئر والرقيق إن بيع بعد ذلك، ولو باع البئر والرقيق قبل ذلك لكانت فيه الشفعة.

الجزء: 20 - الصفحة: 178

قال ابن المواز: وإذا باع مصابته من النخل وهي صفقة واحدة ثم باع مصابته من الأرض وهي- أيضاً- صفة واحدة من مشتري النخل أو غيرة فللشفيع أخذ النخل وحدها ويسلم الأرض أو يأخذ الأرض ويسلم النخل أو يأخذهما جميعاً، فإن أخذ إحداهما فلابد من المقاسمة، وإن أخذ النخل قاسم شريكه النخل والأرض جميعاً، فما صار له بنصفه الذي يملكه أخذه بنخله، وما صار لشريكه قلع عنه نخله وسلم للشريك أرضه، وإن كان إنما أخذ الأرض قسموا النخل وحدها؛ لأنها صفو واحدة، ولولا ذلك لم يجز بيعها بلا أرض فما صار لشريكه كلف قلعه.
وكثير من هذا في كتاب محمد.
[فصل 4 - الشفعة في نقض دار قائم على القلع] ومن المدونة: قال ابن القاسم: ومن ابتاع نقض دار على أن يقلعه ثم استحق رجل نصف الدار فللمبتاع رد بقية النقض ولا شفعة فيه للمستحق؛ لأنه بيع على القلع ولم يبع الأرض دون النخل، وأما إن استحق جميع الأرض دون النقض أو كانت نخلاً بيعت على القلع فاستحق رجل الأرض دون النخل كان البيع

الجزء: 20 - الصفحة: 179

تاماً في النقض والنخل وكان للمستحق أخذ ذلك من المبتاع بقيمته مقلوعاً لا بالثمن وليس بمعنى الشفعة ولكن للضرر، وليس للمبتاع أن يمتنع من ذلك؛ لأنه في امتناعه مضار، وإن أبى المستحق من أخذ ذلك بقيمته مقلوعاً قيل للمبتاع: اقلعه.
وأنكر هذا سحنون، وقال: إن كان البائع غصب الأرض حاكمه المستحق للأرض، فإن شاء للمشتري بنقضه، وإن كان بائع الأنقاض مشترياً للأرض أعطاه قيمة الأنقاض قائمة وانتقض البيع فيها وليس لمشتري الأنقاض أن يقول: أنا آخذ بهذه القيمة التي أخذها البائع مني، كمن باع سلعة بمائة دينار ثم باعها من آخر بتسعين فأراد المبتاع الأول أن يأخذها بتسعين فليس له ذلك، وإن قال مستحق الأرض: لا أعطيه قيمة البناء، قيل لبائع النقض: أعطه قيمة أرضه فيحوز بيعه في الأنقاض، فإن أبى كانا شريكين، وينقض بيع المشتري فيما

الجزء: 20 - الصفحة: 180

صار له نصف الأنقاض لمستحق الأرض، ويجوز بيعه فيما صار لبائع الأنقاض إذا صار لمشتري الأنقاض نصف ما اشترى فأكثر، كعروض اشتراها فاستحق بعضها؛ لأن ما أخذه مستحق الأرض بسبب كأنه استحق من المشتري.
[قال [ابن المواز: وقال أشهب: استحقاق المستحق للنصف فسخ لبيع البناء والنخل.
قال: وذلك يرجع إلى ما وصفت لك فيمن اشترى مصابة أحد الشريكين من بناء أو نخل على القلع أن ذلك لا يجوز إذا كانت غير متشابهة.
قال: إلا أن يجيز المستحق البيع فيجوز.
[قال] ابن المواز: لأن الصفقة وقعت بين المتبايعين صحيحة.
قال: ولو كانت النخل متشابهة مما يجوز بيع نصفها على القلع، لزم المشتري ما لم يستحق منها؛ لأن النخل قلعها مأمون ليس فيها من الجهالة فيما يأتي عليه من القلع مثل ما يأتي في هدم البناء.
[فصل 5 - فيمن اكترى أرضاً سنين وغرسها شجراً فانقضت مدتها] ومن المدونة: قال ابن القاسم: وقد قال مالك فيمن اكترى أرضاً سنين فغرسها شجراً فانقضت المدة، أن لرب الأرض أن يعطيه قيمة الشجر مقلوعاً أو يأمره بقلعها.
[فصل 6 - فيمن بنى أو غرس في أرض يظنها له] وقال وأما من بنى أو غرس في أرض يظنها له ثم استحقت، فعلى المستحق في هذه قيمة ذلك قائماً للشبهة، فإن أبى دفع إليه الذي عمر قيمة أرضه بغير عمارة

الجزء: 20 - الصفحة: 181

فإن أبيا كانا شريكين هذا بقيمة أرضه وهذا بقيمة شجره، بخلاف المكتري؛ لأنه غرس إلى مدة.

الجزء: 20 - الصفحة: 182

[الباب الرابع]

في الشفعة في الهبة والقضاء فيها

[فصل 1 - لا شفعة في هبة الثواب] قال مالك: ولا شفعة في هبة الثواب إلا بعد العوض.
[قال] ابن المواز: وقاله مالك وأصحابه.
قال ابن المواز: فإن فاتت الهبة فوتاً تجب فيها القيمة؟ فقال ابن القاسم وعبد الملك: لا شفعة فيها أيضاً حتى يدفع الثواب، أو يقضي به ويعرف.
قال عبد الملك: إذ لعله يقول: لم أرد ثواباً وإن أرى الناس أني أردته فلا ثواب له ولا شفعة في ذلك إلا بعد قبض الثواب والحكم به، ولا قول للشفيع: إنك أردت إبطال شفعتي.
قال: وإذا رأى أن الثواب قبض وكتم، أحلف من بيده الشقص.
وقد قال مالك في رجب تصدق على رجل بشقص، فقال الشفيع: أخاف أن يكون باعه أو أثابه في السر وأظهر الصدقة لقطع شفعتي؟ فقال مالك: إن كان المتصدق عليه ممن لا يتهم لم يحلف، وإن كان ممن يتهم أحلف.

الجزء: 20 - الصفحة: 183

[قال] ابن المواز: وقال أشهب: إذا فاتت فوتاً يمنع بع من اعتصارها وردها فقد وجبت القيمة والشفعة.
قال ابن القاسم: وحوالة الأسواق في الهبة والبيع الفاسد فوت، إلا في الربع قائماً يفيته البناء والهدم والغرس.
وقال أشهب: حوالة الأسواق في الربع فوت في الهبة والبيع الفاسد، وقاله ابن عبد الحكم.
[فصل 2 - في شفعة من وهب أو تصدق على عوض] ومن المدونة: قال مالك: ومن وهب شقصاً من دار للثواب أو تصدق به على عوض أو أوصى به على عوض فهو بيع وفيه الشفعة، فإن سمى العرض فالشفعة بقيمة العوض إن كان مما له قيمة من العروض أو بمثله في المقدار والصفة إن كان عيناً أو طعاماً أو إداماً كانت الهبة بيد الواهب أو قد دفعها، فإن وهب على عوض يرجوه لم يسمه فلا قيام للشفيع إلا بعد العوض، ولا يجير الموهوب على ثواب إذا لم تتغير الهبة في بدن وللواهب ردها إن لم يثبه الموهوب، فإن أثابه بمثل القيمة لزم الواهب، وإن أثابه أقل لم يلزمه إلا أن يشاء وله أخذ هبته إلا أن تتغير في البدن فلا يأخذها ويقضى على الموهوب بقيمتها يوم قبضها، ويقال للشفيع: خذ الآن أو دع إذا قضى على الموهوب بالقيمة، وإذا تغيرت الهبة في بدن ثم أثاب الواهب

الجزء: 20 - الصفحة: 184

أضعاف قيمتها قبل قيام الشفيع، ثم قام لم يأخذها الشفيع إلا بذلك كالثمن الغالي، وإنما يهب الناس ليعتاضوا أكثر.
[قال] ابن المواز: وقاله عبد الملك.
وقال أشهب: إذا أثابه بعد فوات الهبة أخذها بالأقل من قيمة ذلك أو من قيمة الهبة، وإن أثابه قبل فوتها فلا يأخذها الشفيع إلا بجميع العوض كان أكثر من قيمة الهبة أو أقل.
[قال] ابن المواز: وهو قول جماعتهم في هذا.
م: وقول ابن القاسم أبين؛ لأنه إذا كان له أن يعوضه قبل الفوات فبقيمة الشقص.
واتفقوا إذا عوضه أضعاف القيمة لم يأخذها الشفيع إلا بذلك فكذلك إذا عوضه بعد الفوات أكثر من القيمة، وإن كان له أن يعوضه القيمة فلا فرق بين أن يعوضه قبل الفوات ولا بعده؛ إذ له أن يعوضه القيمة في الوجهين إلا على قول من رأى الهبة في الوجهين إذا لم تفت لم يلزم الواهب أن يأخذ قيمتها وأنه على

الجزء: 20 - الصفحة: 185

هبته ما لم يرض منها، فعلى هذا يجب أن لا يأخذ الشفيع إلا بجميع ما أثابه قبل الفوات؛ لأن الموهوب غير قادر على أخذها إلا بما رضي الواهب، وإذا فاتت أخذها بالأقل لوجوب القيمة.
[فصل 3 - فيمن وهب بغير ثواب فعوض فيه] ومن المدونة: ومن وهب شقصاً بغير ثواب فعوض فيه.
فقيل: فإن رأى أن الهبة كانت لصدقة أو لصلة رحم فلا شفعة فيها.
[قال] ابن المواز: ولو أثابه- أيضاً- شقصاً له في دار لم يكن في الثواب أيضاً شفعة؛ لأن المثيب دفع شقصه فيما لم يكن يلزمه.
[فصل 4 - فيمن تصدق على رجل بصداقة فأثابه، ثم رجع في صدقته] قال في كتاب الشفعة وفي كتاب محمد: وقد قال مالك في رجل تصدق على رجل بصدقة فأثابه المتصدق عليه ثم بدى له فرجع في ثوابه وقال: ظننت أنه يلزمني، فليرجع في العوض إن كان قائماً فإن فات فلا شيء له.
[قال] ابن المواز: وكذلك هذا العوض لو كان شقصاً لم تكن فيه شفعة؛ لأن لصاحبه فيه الرجعة ولو بتله لم يرجع فيه بشيء على علم منه أن له الرجعة ما

الجزء: 20 - الصفحة: 186

كانت عليه فيه شفعته.
قال ابن عبد الحكم في المختصر: اختلف قول مالك في الشفعة في الشقص يوهب لغير ثواب؟ فقال مرة: فيه الشفعة، وقال مرة: لا شفعة فيه، ولم يختلف قوله ألا شفعة في الميراث.
م: فوجه قوله أن لا شفعة في الهبة والصدقة اعتباراً بالميراث؛ لأنه انتقال ملك بغير عوض.
ووجه إيجاب الشفعة فيه اعتباراً بالبيع؛ لأنه انتقال ملك باختيار المتعاقدين؛ لأن الضرر يدخل على صاحبه والضرر أصل الشفعة.
م: والأول أصح؛ لأن الحديث إنما ورد في البيع لقوله: "الشفعة في كل شرك في ربع أو حائط لا يحل له أن يبيعه حتى يعرضه على شريكه، فإن باعه فالشريك أحق به بالثمن.
[فصل 5 - الشفعة في الوصية] ومن المدونة: ومن أوصى أن يباع شقصه من فلان بكذا فلم يقبل، فليس للشفيع أخذه بذلك.
قال سحنون في العتبية: فيمن أوصى ببيع ثلث داره في وصاياه، فباع الوصي ثلثها، فلا شفعة لورثته؛ لأنه كان الميت باع ذلك.

الجزء: 20 - الصفحة: 187

[فصل 6 - في الشفعة المعلقة] ومن المدونة: قال: ومن قال: اشهدوا أني بعت شقصى من فلان بكذا وكذا إن قبل، فلم يقبل فلا شفعة للشفيع.
[فصل 7 - فيمن وهب شقصاً لابنه الصغير على عوض] ومن وهب شقصاً من دار هو لابنه الصغير على عوض جاز وفيه الشفعة.
يريد: بعد أن يثاب، ولا تجوز محاباته في قبول الثواب ولا ما وهب أو تصدق به من مال ابنه الصغير، ويرد ذلك كله وإن كان الأب موسراً، بخلاف عتقه في ملاله فإنه يجوز ذلك على الأب ويضمن قيمته في ماله.
قال مالك: وإنما يجوز بيع الأب مال ابنه على وجه النظر.
[فصل 8 - الشفعة في هبة ما اليتيم] وهبة الوصي لشقص اليتيم كالبيع لربعه لا يجوز ذلك إلا بالنظر لمن يرغب فيه

الجزء: 20 - الصفحة: 188

بثمن كثير مثل ملك يجاوره أو مليء مصاقب، أو ليس في غلته ما يكفيه، أو لوجه نظر فيجوز وفيه الشفعة، وما كان على غير هذا الوجه لم يجز.
[فصل 9 - الشفعة في هبة مال المكاتب والعبد المأذون] وهبة المكاتب والمأذون على عوض تجوز بلا محاباة وفي ذلك الشفع.
ومن اشترى عبداً فوهبه لرجل ثم استحق، قيل للمستحق: إن شئت فاتبع البائع بالثمن وإلا فاطلب العبد، فإن وجدته أخذته وإلا فلا شيء لك على الواهب.

الجزء: 20 - الصفحة: 189

[الباب الخامس]

في الشفعة بيع الخيار ومن وجبت له شفعة فلم يقم بها حتى باع شقصه أو باع بعض شقصه هل يستشفع فيه بما بقي له؟

[فصل 1 - الشفعة في بيع الخيار] والقضاء أن الشفعة إنما تجب للشفيع بعد تمام البيع ومعرفة الثمن، فإذا تم عقد البيع وعرف الثمن وجبت الشفعة، نقد الثمن أو لم ينقده، قبض الشقص أو لم يقبضه.
قال مالك: ومن ابتاع شقصاً على أن المشتري أو البائع بالخيار فلا شفعة فيه حتى يتم البيع.
ومن ابتاع شقصاً على خيار له فانهدم، فله رده ولا شيء عليه كما كان له رده وهو قائم ولا شفعة فيه حتى يتم البيع.
ومن ابتاع شقصاً بخيار وله شفيع فباع الشفيع شقصه قبل تمام الخيار بيع بتل فإن تم بيع الخيار فالشفعة لمبتاعه، وإن رده فهو لبائعه.
[قال] ابن حبيب: وقاله مطرف.

الجزء: 20 - الصفحة: 190

م: ووجه هذا أن بيع الخيار لما أمضى فكأنه لم يزل ماضياً لمشتريه من يوم عقد فكانت له الشفعة على مشتري البتل.
فإن قيل: فيجب على هذا الإعتلال أن تكون الشفعة على مشتري الخيار لبائع البتل، لأن بائع البتل يقول: إذا أمضيتم بيع الخيار من يوم عقد، فقد بعت أنا شقصي بعد أن وجبت لي الشفعة.
قيل: ينبغي أن يكون ذلك له على مذهب من رأى أن من باع بعد وجوب الشفعة له أن له الشفعة.
وإنما لم يجعل له ذلك ابن القاسم؛ لأنه يرى أن من باع شقصاً له فلا شفعة له.
فإن قيل: فإذا أسقطت شفعته بنفس بيعه، فلم لا جعلت مشتريه يقوم مقام بائعه فتكون له الشفعة فيما بيع بالخيار.
قيل: لا يلزم ذلك؛ لأنا تقدر أن بائع البتل إذا باع لم يزل مسلماً لشفعة، فصار مشتري الخيار شريكاً لبائع البتل وقد سلم شفعته ببيعه فوجب أن تكون الشفعة لمشتري الخيار على مشتري البتل.

الجزء: 20 - الصفحة: 191

وأما على مذهب أشهب: فإنه جعل في بيع الخيار كأنه مضى يوم اختار المشتري إنفاذه، فصار بائع الخيار قد وجبت له الشفعة في بيع البتل قبل أن يبيع؛ لأنه يرى أن من وجبت له شفعة قبل أن يبيع أن بيعه لا يسقط شفعته، وهو مذهب ابن الماجشون.
قال ابن الماجشون: إن اختار المشتري- وله الخيار- تنفيذ البيع كانت الشفعة لبائع الخيار في بيع البتل؛ لأنه كأنه باع بعد أن وجبت له الشفعة، فإن ترك البائع بالخيار الأخذ بالشفعة، فالشفعة لمشتري البتل فيما بيع بالخيار؛ لأن بيع الخيار إنما يثبت يوم الخيار، وقال مثله أشهب.
وفي غير كتاب ابن حبيب قال أشهب: الشفعة لمبتاع البتل في البيع بالخيار.
قال ابن المواز: والذي هو أحب إلينا أن تكون الشفعة للبائع الأول الذي باع على الخيار نفذ بيع شقصه أو رده؛ لأنه لم يزل شريكاً في أيام الخيار حتى باع صاحبه ووجبت له الشفعة قبل وجوب بيع الخيار، وقاله أصبغ ولم يعجبه قول ابن القاسم.
قال ابن المواز: وكذلك لو باع أحد الشريكين بيع بتل فلم يأخذ شريكه بالشفعة حتى باع هو أيضاً نصيبه من الذي اشترى من شريكه أو من غيره ولم يبق له في

الجزء: 20 - الصفحة: 192

الدار شركة ولا حق فالشفعة له ثابتة، ولا يبطلها بيعه لمصابته كان بذلك عالماً أو جاهلاً؛ لأن الشفعة قضاء من رسول الله صلى الله عليه وسلم وحق وجب له.
[فصل 2 - الشفعة فيمن باع شقصه وهو لا يعلم] قال ابن القاسم: وإن باع شقصه وهو لا يعلم فالشفعة له ويكتب عهدته على المبتاع.
وقال أشهب في المجموعة: اختلف فيه قول مالك رحمه الله، وأحب إلي أن لا شفعة له بعد بيعه.
قال ابن ميسر: لا شفعة له إلا أن تبقى له بقية أخرى؛ لأن الشفعة إنما تدخل عليه من الضرر من تضييق الواسع وخراب العامر فهذا ليس له شيء يدخل فيه الضرر.
قال غيره: ولو باع السلطان على غائب بعض شقصه في دين عليه ثم قدم فلا شفعة له فيه، كما لو باعه هو نفسه.

الجزء: 20 - الصفحة: 193

قال أبو محمد: ويتبين لي لو أن رجلاً باع شقصاً له في دار، ثم أن المشتري منه باع ذلك الشقص من رجل آخر أن لبائعه الأول فيه الشفعة ولا حجة عليه فيه، وليس له أخذه بالشفعة من المشتري منه؛ لأنه ولي بيعه.
م: والذي قاله أبو محمد قد قاله محمد وهو بين.

الجزء: 20 - الصفحة: 194

[الباب السادس]

في الشفعة في الكراء وفي المساقاة

[فصل 1 - الشفعة في الكراء] ومن كتاب كراء الدور قال ابن القاسم: وإن أكرى رجلان دارا بينهما فلأحدهما أن يكري حصته منها.
قال مالك: ولا شفعة فيه لشريكه بخلاف البيع.
قال ابن المواز: اختلف قول مالك في الشفعة في الكراء واختلف فيه أصحابه.
فروى ابن القاسم القولين.
وروى ابن وهب: أن لا شفعة في الكراء وإنما الشفعة في البيع، وقاله المغيرة وعبد الملك.
وقال أشهب: إن في ذلك الشفعة، وقد بلغني ذلك عن مالك ابن حبيب.
وقاله مطرف وابن الماجشون وابن القاسم وأصبغ، وبه أقول.
قال ابن المواز: وهو أحب إلى؛ لأنه مما يخرج إلى القسمة التي معها تضييق الواسع وتغيير البناء، ولمثل هذا وجبت الشفعة.
وقال أشهب: فإن أحب أن يسلم الشريك شفعته ويقاسمه السكنى فذلك له،

الجزء: 20 - الصفحة: 195

فإن طلب قسمة الدار مع شريكه في الأصل فذلك له، فإن وقع نصيب المكري على غير استوى، فالمكتري مخير في التماسك أو الرد، وذلك إذا وقع له أقل من نصف الدار في الانتفاع لا في القيمة، وإن لم يقع له أقل فلا حجة له.
قال: وكذلك رجلان اكتريا داراً فأكرى أحدهما نصيبه فلصاحبه الشفعة وعهدته على المكتري من صاحبه، ثم عهدتهما على رب الدار.
قال: وإن اكتريا داراً ثم استقال أحدهما رب الدار فأقاله، فلشريكه الشفعة على رب الدار المستقيل.
[قال] ابن المواز: بل يأخذ من المكتري الذي أقال؛ كالإقالة في الشراء.
[فصل 2 - الشفعة في المساقاة] قال: وإذا أكرى رجلان أرضهما أو ساقيا نخلهما من رجلين، فأكرى أحدهما أو كلاهما الأرض من رجل أو ساقيهما أو أحدهما النخل من سواهما، فليس لصاحبي الأصل أو أحدهما شفعة في كراء ولا سقى؛ إذ لا شركة بينهما وبين المتكاريين في بئر ولا في كراء وقد سلما ذلك إليهما، وإنما لهما رقبة ذلك فهو كالمقسوم بينهما.

الجزء: 20 - الصفحة: 196

ولو أن أحد المكتريين أو المساقيين ساقاً أو أكرى حصته فلشريكه الشفعة دون صاحبي الأصل، فإن سلم شفعته فصاحب الأصل أحق بالمساقاة لشركتهما في الثمرة ولا شركة لهما في الكراء.
قال: ولو لم يكري صاحبا الأصل جميعاً ولكن أكرى أحدهما أو ساقا فلشريكه الشفعة في الكراء والمساقاة، فإن سلم ذلك ثم ساقا المساقي غيره أو غيره أو أكرى المكتري من غيره فإن له أيضاً الشفعة.
قال: ولو كان الأصل لواحد فأكرى النصف مشاعاً أو ساقا النصف مشاعاً، ثم أكرى المكتري من غيره أو ساقا المساقي من غيره، فلرب الأرض الشفعة مثل ما لو باع ذلك مشاعاً ثم باعه مشتريه من آخر مشاعاً.
قال: ولو أكراه شيئاً بعينه منها مقسوماً أو ساقاه كذلك، فلا شفعة لرب الأصل فيما أكرى وله الشفعة فيما ساقا لشركته في الثمرة.
قال: ولو أكرى من رجلين نصف أرضه أو ساقهما نصف نخله فساقا أحدهما صاحبه أو أكرى مصابته من رجل فشريكه أولى بالشفعة من صاحب الأصل، فإن سلم فذلك لصاحب الأصل؛ كما لو باعها ذلك مشاعاً ثم باع أحدهما حصته فشريكه المبتاع معه أشفع، فإن سلم فصاحب الأصل الشريك لهما شفيع في ذلك، وهذا على أصل أشهب الذي جعل المشتريين كورثة الوارث.

الجزء: 20 - الصفحة: 197

وأما ابن القاسم فيرى للبائع منهم أن يدخل مع الشريك الذي لم يبع.
وقد بينا ذلك في أول الكتاب.
قال ابن المواز في باب آخر: ولو أن نخلاً بين شريكين فساقا أحدهما حصته.
فقال أشهب: لا شفعة في ذلك لشريكه.
قال ابن المواز: وأظن ابن القاسم يرى في ذلك الشفعة، وجدته في كتبي ولا أدري ممن سمعته.

الجزء: 20 - الصفحة: 198

[الباب السابع]

في الشقص ينكح به أو يخالع به أو يصالح به عن دم عمد أو خطأ أو قذف

[فصل 1 - الشفعة في النكاح والمخالعة] قال ابن القاسم: ومن نكح أو خالع أو صالح من دم عمد على شقص ففيه الشفعة بقيمته يوم العقد؛ إذ لا ثمن معلوم لعوضه.
يريد: ولا يجوز الاستشفاع في ذلك إلا بعد المعرفة بقيمته.
وقال الشافعي: فيه الشفعة بمهر المثل.
ودليلنا أن النكاح لما كان طريقة المكارم والمواصلة دون محض المعاوضة فيتزوج الإنسان بعشرة أمثال مهر المثل لرغبته في الزوجة، ويتزوج آخر بعشر مهر المثل للرغية في الزوج، فلم يصح للبضع قيمة متقررة، فكان الرجوع إلى قيمة الشقص الذي تراضوا به أولى، وقد يكون مهر المثل ألفاً فسامحته الزوجة فأخذت منه شقصاً قيمته مائة، فلو ألزمنا الشفيع أن يأخذ الشقص بألف كنا قد حفنا عليه وأعطينا للمرأة أكثر مما عاوضته به وقد يكون أيضاً قيمة الشقص ألفاً ومهر مثلها مائة، فلو

الجزء: 20 - الصفحة: 199

جعلنا للشفيع أخذ الشقص بمائة وهو يساوي ألفاً كنا قد حفنا على المرأة وأذهبنا بفضل الزوج عليها، فكان الأعدل في ذلك قيمة الشقص.
وكذلك الحجة في الخلع وفي الصلح عن دم العمد؛ إذ لا قيمة معلومة لذلك، فكان الأعدل أن يرجع إلى قيمة الشقص، وبالله التوفيق.
[فصل 2 - بم تؤخذ الشفعة فيمن أجذ الشقص من دم الخطأ] ومن المدونة: قال ابن القاسم: وإن أخذ الشقص عن دم خطأ ففيه الشفعة بالدية، فإن كانت العاقلة أهل إبل أخذه بقيمة الإبل، وإن كانت أهل ذهب أو ورق أخذه بذهب أو ورق، ينحم ذلك على الشفيع كالتنحيم على العاقلة، الدية في ثلاثة أعوام وثلثها في عام وثلثاها في عامين.

الجزء: 20 - الصفحة: 200

والنصف قال مالك مرة: يؤخذ في سنتين، وقال- أيضاً- يجتهد فيه الإمام على قدر ما يرى، إن رأى أن يجعله في سنتين أو في سنة ونصف فعل.
قال ابن القاسم: وفي سنتين أحب إلي؛ لما جاء أن الدية تقطع في ثلاث سنين أو أربع.
[قال] ابن المواز: وأما أشهب فقال: يؤخذ في أول سنة ثلث الدية وفي السنة الثانية السدس.
قال ابن المواز: قال ابن عبدوس: قال سحنون: لا يجوز أن يأخذ في الدية شقصاً ولا غيره حتى يمضي فيه قضية من حاكم يقطعها على العاقلة في سنتين أو غير ذلك؛ لأن ذلك إلى اجتهاد الحاكم فهو مجهول، فلا يباع بشيء حتى يعرف بالحكم في قول ابن القاسم.
وقال في المصالح عن جميع الدية على شقص: إن كان أعطى ذلك والعاقلة أهل ذهب أو ورق فالصلح جائز، ويرجعه ابن القاسم عليهم بالأقل من قيمته أو الدية إن كان صلحه عليهم وإن كانوا أهل إبل.

الجزء: 20 - الصفحة: 201

فإن كان القاتل يعطي الشقص ولا يرجع بذلك على العاقلة فهو جائز، وإن كان إنما صالح عنهم ليرجع عليهم لم يجز الصلح؛ لأنهم مخيرون، ويرجع هذا إلى مسألة ابن القاسم في الكفيل يصالح عن الغريم.
وقد كان سحنون يقول في هذا الأصل بقول عبد الملك: إن الدين له حكم العرض، فإذا اشترى الشقص بالدية وهي ديته، فإن كانت دنانير أو دراهم قومت بالعرض على أن تؤخذ في ثلاث سنين، ثم يقوم العرض بعين.
وقال عبد الملك: يؤخذ ذلك بالعرض الذي قوم به الدين.
قال سحنون: وإن كانت الدية إبلاً قومت بالنقد على أن تؤخذ في ثلاث سنين ثم يأخذ الشفيع بذلك أو يدع، يريد: وينقد.

الجزء: 20 - الصفحة: 202

م: وكذلك ظاهر المدونة أن يأخذ بقيمة الإبل نقداً ولم يجعل ذلك مثل الدين إذا أخذ منه شقصاً أنه يأخذه يمثل الدين إلى الأجل فكان يجب أن يأخذ بمثل الإبل إلى الأجل؛ لأنها ثمن الشقص وهي موصوفة.
وأراه: إنما فرق بين ذلك؛ لأن صفات الإنسان غير محصلة، فهي بخلاف أن لو كانت ثمناً للشقص؛ إذ لا يصح بيع الشقص إلا بأن تكون الإبل موصوفة معلومة الصفة.
فإن قيل: فقد، قال: يأخذ بقيمة الإبل.
وهل يقوم إلى ما يوصف؟ قيل: لعله رأى أن الغرر في الصفة أخف من أخذ عين الإبل.
[فصل 3 - فيمن صالح من موضحة عمد وموضحة خطأ على شقص] ومن كتاب الصلح وكتاب الشفعة: قال ابن القاسم: ومن صالح من موضحة عمد وموضحة خطأ على شقص جاز، وفيه الشفعة بدية موضحة الخطأ وبنصف قيمة الشقص؛ لأنا قسمنا الشقص على الموضحتين فإحداهما معقولة والأخرى مجهولة.
[قال] ابن عبدوس: وهو قول أشهب.
وقال المخزومي: الصلح جائز وتحمل دية الخطأ وهي خمسون على قيمة الشقص فإن يكن قيمة الخمسون ثلث الجميع استشفع بخمسين دينار وبثلثي قيمة الشقص، فهكذا يحسب فيما قل أو كثر من الأجزاء.

الجزء: 20 - الصفحة: 203

قال ابن عبدوس: ونحوه عن ابن الماجشون.
وقاله سحنون في مسألة من خالعت على آبق وزادها الزوج دنانير.
م: وقد شرحتها في كتاب الخلع.
[قال] ابن المواز: قال ابن نافع: لا يكون لموضحة العمد إلا ما فضل عن قيمة الشقص، فيأخذ بقيمة الشقص أبداً إلا أن ينقص عن خمسين فلا ينقص منها، وبهذا أخذ ابن المواز، وأعاب قول ابن القاسم.
م: فوجه قول ابن القاسم أنا علمنا أن المصالح بالشقص إنما دفعه عوضاً من الموضحتين، فكان أعدل الأشياء أن يجعل لكل موضحة نصف الشقص، ولو جعلنا لموضحة الخطأ ما قابلها من قيمة الشقص وما فضل للعمد أمكن أن تستغرق موضحة الخطأ الشقص أو تزيد، فتبقى موضحة العمد لا عوض لها وهو إنما دفع الشقص عنهما، وهذا كمن باع سلعة بسلعتين أن قيمة السلعة مفضوضة على قدر قيمة السلعتين، وإن كانت قيمة كل واحدة من السلعتين أكثر من قيمة المنفردة فكذلك الموضحتان.
ووجه قول المخزومي: أن الشقص لو صالح به من موضحة عمد فقط كان للشفيع الأخذ بقيمة الشقص، فصارت قيمة الشقص كأنها ديية موضحة العمد ولو دفعه أيضاً

الجزء: 20 - الصفحة: 204

عن موضحة الخطأ كان قيمة الشفعة بخمسين دية موضحة الخطأ، فلما دفعه عنهما ضرب في قيمته بموضحة الخطأ بديتها خمسين وبموضحة العمد بقيمة الشقص؛ لأن كل واحدة لو انفردت كان كذلك يضرب لها.
وهذا- أيضاً- كمن أوصى بمعلوم ومجهول فإن جميع ذلك في الثلث يضرب فيه للمعلوم بقدره وللمجهول بالثلث.
ولو قلنا في الشقص المصالح به عن الموضحتين: أن نصفه للخطأ ونصفه للعمد لوجب أن يقول فيمن أوصى بمائة دينار وبوقيد مسجد: أن نصف الثلث لصاحب المائة ونصفه للمسجد متى كان أقل من مائتين.
ووجه قول ابن نافع: أنه لما كان عوض الشقص معلوماً ومجهولاً، والمجهول لا دية له إلا ما اصطلحوا عليه، جعلنا ما قابل المعلوم من قيمة الشقص ثمناً للمعلوم وذلك خمسون وما فضل عن ذلك ثمناً للمجهول إذا لم نجد للمجهول مقداراً نرده.

الجزء: 20 - الصفحة: 205

إليه فلم يجز أن ينقص المعلوم من مقداره لمقدار غير متحقق، فإن نقصت قيمة الشقص عن خمسين لم ينقص منها كالمشتري بالثمن الغالي.
والفرق بين هذا وبين الوصايا أن موضحة العمد لما لم يجعل لها عوضاً معلوماً علمنا أنه إنما أراد أن يجعل لها ما فضل عن دية الخطأ المعلومة، فإن لم يكن فضل علمنا أنه أراد إسقاطها والعفو عنها إذ له ذلك، والموصي قد أمر بتنفيذ وصاياه، وأن يعطي كل ذي حق ما يجب له، فوجب علينا النظر فيما يصير للمعلوم والمجهول.
والفرق- أيضاً- بينها وبين من اشترى سلعة بسلعتين أن السلعتين معلومتنا القيمة وموضحة العمد مجهولة، فلا يقاس مجهول على معلوم.
وإن كان إنما صالح من موضحة عمد وموضحة خطأ على شقص؟ فعلى قول عبد الملك: أن المجهولات في الوصايا يضرب لها كلها بالثلث، فالجواب على ما قدمناه في جميع الأقوال لا يختلف.
وعلى قول من قال في الوصايا يضرب لكل مجهول بالثلث، فينبغي على قياس قول ابن القاسم في هذه أن يأخذ الشفيع بخمسين دينار وبثلثي قيمة الشقص؛ لأنه قسم الشقص على المواضح، فوقع لكل موضحة ثلث الشقص.

الجزء: 20 - الصفحة: 206

وعلى قياس المخزومي يحمل الخمسين دية موضحة على قيمة الشقص مرتين، فإن كانت الخمسون خمس الجميع استشفع بخمسين ديناراً وبأربعة أخماس قيمة الشقص.
وأما على قول ابن نافع: فلا يتغير في كلا المذهبين.
وقيل أن قول ابن القاسم لا يختلف أيضاً.
والأصح ما قدمناه، وبالله التوفيق.
قال يحيى بن عمر: ولو صالحه منهما بشقص وبعشرة دنانير، فالعشرة مأخوذة من موضحة الخطأ خاصة ويأخذ الشقص بأربعين دينار وبخمسة أتساع قيمة الشقص.
يريد: في قول ابن القاسم.
قال: ولو صالح منهما على شقص وعرض قيمته عشرون ديناراً فالعرض مقسوم على الموضحتين؛ إذ ليس من جنس ما يجب في الخطأ فلم يختص بإحداهما دون الأخرى وليأخذ الشفيع الشقص بأربعين ديناراً وبنصف قيمة الشقص.
قال أبو محمد: ولو قيل: إن مجرى كلام ابن القاسم أن يقسم أيضاً ما أخذ من عين مع الشقص على الموضحتين كما فعل في العرض لكان صواباً، وذلك أن يقسم الشقص والعشرة على الموضحتين فيقع لكل موضحة نصف الشقص وخمسة دنانير

الجزء: 20 - الصفحة: 207

فيأخذ الشقص بخمسة وأربعين بقية الدية موضحة الخطأ وبنصف قيمة الشقص عن موضحة العمد؛ لأنه أخذ من موضحة العمد خمسة دنانير ونصف شقص وقيمتها مجهولة، فوجب أن يأخذ النصف الآخر بنصف قيمة الشقص.
م: وفي هذا القول نظر؛ إذ لو دفع ثمانية وتسعين ديناراً مع الشقص لقلت: يأخذ بدينار بقية دية من موضحة الخطأ وبنصف قيمة الشقص، ولو دفع مائة دينار مع الشقص فيجب على هذا أن يقول: يأخذ بنصف قيمة الشقص فيكون ذلك ليس بمستقيم.
ويظهر لي أن كلام يحيى بجعل العين كله للخطأ أصوب، ويضرب للعمد بخمسين مع ما بقى من دية الخطأ ويأخذ بخمسين العمد حصتها من قيمة الشقص، فيأخذ بذلك مع ما بقي من دية الخطأ، فإن استغرق العين دية الخطأ أخذ الشقص بقيمته، وكذلك إذا زاد العين على دية الخطأ أخذ الشقص بقيمته.
م: وقول أصبغ في العرض المأخوذ مع الشقص أصوب من قول يحيى.

الجزء: 20 - الصفحة: 208

قال أصبغ: إذا صالح منهما على شقص وعبد، وقيمة العبد كقيمة الشقص فقد أخذ العبد بنصف الموضحتين وبقي للشقص نصفهما، فيأخذه بنصف موضحة الخطأ وبنصف قيمة الشقص ما بلغ، وإن كان العبد من ذلك الثلث أو الربع أو الثلثين فما بقي للشقص فهو للموضحتين.
قال أصبغ: ولو كان المجروح أعطى عبداً وأخذ شقصاً؟ فقال: تقوم موضحة العمد بالإجتهاد وينظر ما قيمة العبد وإلى عقل موضحة الخطأ فيأخذ بذلك كله.
قال أبو محمد: يريد أصبغ إن كانت قيمة العبد بالإجتهاد قدر الثلث من الجميع أخذ الشقص بخمسين للخطأ وبقيمة العبد وبثلث قيمة الشقص.
م: ويحتمل أن يكون إنما أراد أصبغ أن تقوم موضحة الخطأ فيصير ذلك عيناً كله، فيأخذ بذلك الشفيع أو يترك.
والذي يجري على قياس قول ابن القاسم أن تعلم قيمة العبد، فإن قيل: خمسون أضافها إلى دية موضحة الخطأ فتصير مائة فيأخذ بها وبنصف قيمة

الجزء: 20 - الصفحة: 209

الشقص؛ لأنه دفع الشقص عن معلوم، وذلك قيمة العبد ودية موضحة الخطأ، وعن مجهول وهي دية موضحة العمد فقسم ذلك بينهما.
م: ويحتمل- أيضاً- أن تجعل دية موضحة العمد كأنها خمسون ودية موضحة الخطأ خمسون، وينظر إلى قيمة العبد فإن كانت خمسين استشفع بمائة وبثلث قيمة الشقص، وإن كانت قيمة العبد مائة استشفع بمائة وخمسين ويربع قيمة الشقص، كما فعل ابن القاسم إذا لم يدفع المجروح شيئاً جعل دية موضحة العمد والخطأ سواء؛ لأنه جعل للعمد نصف قيمة الشقص.
قال ابن المواز: ولو دفع الجارح في الموضحتين عبداً وأخذ من المجروح شقصاً، فإن زادت قيمة العبد على قيمة الشقص ودية موضحة الخطأ شيئاً فالزيادة للعمد، وإن لم تزد لم يكن للعمد شيء.
م: مثل أن تكون قيمة العبد مائة وخمسة وعشرين وقيمة الشقص خمسين، فصار خمس العبد للعمد وخمساه للخطأ وخمساه للشقص، فيأخذ الشفيع بخمسي قيمة العبد.

الجزء: 20 - الصفحة: 210

قال: وإن كان قيمة العبد مائة أو أقل، علم أن العمد لم يؤخذ له شيء ولم يأخذ الشفيع إلا بنصف قيمة الشقص خمسين، وإن كانت قيمته مائة أخذه بثلثي قيمة العبد.
م: وهذا على قياس قول ابن نافع، وأما على قياس قول ابن القاسم فينظر إلى قيمة الشقص، فإن كانت خمسين صار المجروح دفع دية موضحة الخطأ خمسين وموضحة عمد بمثل ذلك لتساويهما عنده وشقصاً بخمسين، وأخذ في جملة ذلك عبداً فيجب أن يؤخذ الشقص بثلث قيمة العبد لا تبالي ما يسوى العبد.
وعلى مذهب المخزومي: ينظر إلى قيمة العبد فإن كانت مائة كان مدفوعاً عن موضحة العمد خاصة، ثم تحمل عليه موضحة الخطأ وقيمة الشقص وهي خمسون، فيصير الجميع مائتين، والذي ناب الشقص ربع قيمة العبد، فيأخذه الشفيع بذلك.
قال ابن المواز: ولو أخذ من موضحة خطأ شقصاً ودفع خمسين ديناراً فليأخذ

الجزء: 20 - الصفحة: 211

الشفيع بمائة، وإن كانت موضحة عمد فقط فأدى المجروح عشرة دنانير وأخذ شقصاً فلينظر إلى قيمته فإن كانت خمسين فعلى الشفيع عشرة وأربعة أخماس قيمة الشقص، وإن كانت قيمته ستين فعشرة وخمسة أسداس قيمة الشقص.
م: وذلك راجع إلى أن يأخذ بقيمة الشقص ما لم ينقص عن عشرة فلا ينقص منهل وهو على قياس قول ابن نافع.
قال ابن المواز: ولو نكح بشقص ومعه عرض أو مال فالشفعة فيه بقيمة الشقص ما بلغ، ولو كانت قيمته ربع ما دفع معه أو ثمنه لم يأخذ الشفيع إلا بقيمته.
وكذلك لو خالعت به امرأة زوجها أو صالحت به من دم عمد ومع الشقص غيره من عرض أو عين لم يأخذ الشفيع إلا بقيمته، وقاله عبد الملك.
وفي كتاب محمد زيادات كثيرة من هذا الصنف يطول ذكرها.
[فصل 4 - فيمن صالح من قذف على شقص أو مال] ومن المدونة قال ابن القاسم: ومن صالح من قذف على شقص أو مال لم يجز، ورد ولا شفعة فيه؛ لأن الحدود التي هي لله لا عفو فيها إذا بلغت الإمام، فلا يجوز الصلح فيها على مال قبل أن تبلغ الإمام، وإنما للمقذوف العفو ما لم يبلغ الإمام، فإذا بلغه أقيم الحد.

الجزء: 20 - الصفحة: 212

قال أبو محمد: قال أبو بكر: الذي أقول به أنه يجوز العفو عنه وإن بلغ الإمام وإن لم يرد ستراً، وهو قول مالك الأول؛ لأنه إذا كان له أن يقوم به كان له تركه والعفو عنه، وإن يصالح عليه بما أحب فيجوز ذلك.
ومن المدونة: قال ابن القاسم: وكذلك من قتل قتيلاً في حرابة فأخذ قبل أن يتوب لم يجز فيه عفو الأولياء وإن بلغوا الإمام ولا صلحهم على مال وذلك مردود.

الجزء: 20 - الصفحة: 213

[الباب الثامن]

في الشفعة في الشقص يؤخذ من كراء أو إجارة أو صلح

[فصل 1 - الشفعة في الشقص يؤخذ كراء أو إجارة] قال مالك: ومن اكترى إبلاً إلى مكة بشقص ففيه الشفعة بمثل كراء الإبل إلى مكة، ولو اكترى به داراً فبقيمة كرائها، ولو أجر فبقيمة الإجارة.
وقال أشهب في المجموعة: يأخذ بمثل كراء الإبل إلى مكة من مثل صاحبها إن كان مضموناً فمضمون وإن كانت بأعيانها فبأعيانها.
وقاله عبد الملك في الإجارة بمثل أجرة من استؤجر بها.
قال ابن المواز عن ابن القاسم: وإن أخذ الشفيع بذلك ثم مات الأجير وانهدم المسكن، أو هلكت الدابة بعد أن مضى نصف العمل ونصف السكنى والركوب فليرجع بنصف قيمة شقصه؛ لأن أخذ الشفيع فوت.
وقال أشهب في المجموعة: إذا ماتت الإبل في نصف الطريق فيرجع عليه المتكاري بنصف قيمة الشقص رجع المكري على الشفيع بما رجع به رب الشقص عليه ويقاصه من نصف ما أخذ منه من قيمة كراء إبله، إلا أن تكون قيمة

الجزء: 20 - الصفحة: 214

كرائها أكثر من قيمة الشقص فيكون الشفيع هو الراجع عليه بنصف كراء إبله ويدع له من ذلك نصف الشقص، ونحوه عن عبد الملك.
م: وهذا على أصل عبد الملك فيمن اشترى شقصاً بعبد فأخذ الشفيع بقيمته ثم استحق العبد، وقد تقدم القول فيه.
[فصل 2 - فيمن تكفل بنفس رجل فغاب فصالح الطالب الكفيل على شقص] ومن المدونة: قال ابن القاسم: ومن تكفل بنفس رجل فغاب فصالح الطالب الكفيل على شقص، فجائز إن عرفا مبلغ الدين وفيه الشفعة بمثل الدين ويرجع الكفيل على المطلوب بالأقل من المال الذي عليه أو من قيمة الشقص، وإن لم يعرف كم الدين فلا يصلح الصلح فيه.
قال أشهب في المجموعة: وإن صالحت وأنت لا تدري ما يثبت الذي تكلفت له إلا أنه قد سماه لك، فللشفيع أن يحلفه أن دينه كذا وكذا، ثم يأخذ الشفيع بذلك إن شاء، فإن أخذ به ثم جاء الغريم فلم يستحق قبله من دعواه شيئاً لم يرجع الكفيل عليه بشيء ورجع على المتحمل له بالثمن الذي أخذ من الشفيع؛ لأنه الذي رضي أن يبيع به شقصه، وهذا إن كان صلحاً بغير إقرار، وإن كان بإقرار منك لم ترجع عليه بشيء، والشفعة في جميع ذلك إنما أخذها به، ثبت الحق أو لم يثبت أو

الجزء: 20 - الصفحة: 215

ثبت بعضه، وإن كان إنما تحمل بالوجه وليس من المال في شيء فصالحه على شقص فللشفيع الشفعة بالأقل من قيمة الشقص أو مما على الغريم.
قال ابن حبيب: قال أصبغ في الطالب يصالح المدعي عليه من دعواه وهو منكر على شقص من دار: أنه لا شفعة فيه؛ لأنه كالهبة.
[فصل 3 - فيمن تكفل بنفس رجل ولم يذكر ما عليه] ومن المدونة: قال ابن القاسم: ومن تكفل بنفس رجل ولم يذكر ما عليه جاز، فإن غاب المطلوب قيل للطالب: اثبت حقك ببينة وخذ من الكفيل، فإن لم يقم بينة وادعى أن له على المطلوب ألف درهم فله أن يحلف الكفيل على علمه، فإن نكل حلف الطالب واستحق.
يريد: ولا يرجع الكفيل على المطلوب بما غرم من سبب نكوله، إلا أن يقر له المطلوب وللكفيل أن يحلفه، فإن نكل غرم.
[فصل 4 - فيمن ابتاع داراً فاستحق رجل منها شقصاً] قال ابن القاسم: ومن ابتاع داراً فاستحق رجل منها شقصاً فاصطلحوا على أن يأخذ المستحق بالشفعة بيتاً من الدار يصيبه من الثمن بعد تقويم جميع الدار فذلك جائز.

الجزء: 20 - الصفحة: 216

[فصل 5 - فيمن ادعى شقصاً بيد رجل فصالحه منه على مال] قال في باب بعد هذا: ومن ادعى شقصاً في دار بيد رجل فصالحه منه على مال، فإن جهلاه جميعاً، قال سحنون: أو عرفاه جميعاً جاز ذلك، وإن عرف المدعي دعواه منها وحده فليسمه، وإن لم يسمه بطل الصلح ولا شفعة فيه.
وقد قال مالك في الزوجة إذا صالحت الورثة على ميراثها: فإن عرفت هي وجميع الورثة مبلغ التركة جاز الصلح وإن لم يعرفوه لم يجز.
قال ابن المواز: ومن ادعى حقاً في دار رجل غابت عنه معرفته والمدعى عليه ينكر فصالحه منه بدنانير فلا شفعة في ذلك.
[فصل 6 - فيمن ادعى جزء دار بيد رجل فأنكر] ومن المدونة: وإن ادعيت سدس بيد رجل فأنكر، فصالحك منه على شقص دفعه إليك من دار له أخرى، فالشفعة في الشقص الذي لا دعوى فيه بقيمة المدعى فيه؛ لأن قابضه مقر أنه إنما اشتراه ودفع في ثمنه السدس المدعى فيه ولا

الجزء: 20 - الصفحة: 217

شفعة في السدس المدعى فيه الشقص؛ لأن قابضه يقول: إنما أخذت حقي وافتديته بما دفعت فيه ولم أشتره.
قال أبو محمد: ولو كان الصلح على إقرار كانت الشفعة في الشقص ولو صالحه منه على عرض أو دراهم فإن كان على إقرار ففيه الشفعة بقيمة العرض أو مثل الدراهم، وإن كان على إنكار فلا شفعة فيه.
ومن ادعيت عليه أنه قتل دابتك فصالحك على شقص، ففيه الشفعة بقيمة الدابة والقول قولك في قيمتها ولا تكلف صفتها.
وإن ادعيت ما لا يشبه صدق الشفيع فيما يشبه، كقول مالك فيمن اشترى شقصاً بعرض وفات العرض ثم قام الشفيع: أن القول فيه قول المشتري.
والصلح من القذف والحدود على شقص لا يجوز بلغت السلطان أو لم تبلغه.
قال بعض الفقهاء: إذا لم تبلغ السلطان لا يجوز العفو فيها على مال، وذلك حق له إن شاء قام به وإن شاء تركه، وإذا عفا عنه لزمه ذلك، فأشبه الجراح إلا أن يكون على مذهب أشهب الذي يقول: إن العافي في القذف له أن يقوم بعد أن عفا، وأنه على هذا حق لله تعالى كالزنى والسرقة الذي لا يجوز في ذلك العفو، وأما بعد بلوغه السلطان فلا عفو فيه، فيصير حينئذ كالزنى والسرقة.

الجزء: 20 - الصفحة: 218

ومسألة من اشترى داراً فهدمها وبناها ثم استحق رجل نصفها واستشفع، قد تقدمت في باب ما يحدث بالشقص من هدم أو بناء.

الجزء: 20 - الصفحة: 219

[الباب التاسع]

في شفعة المفاوض والمقارض والعبد ومن فيه علقة رق وشفعة ذات الزوج وميراث الشفعة

[فصل 1 - في شفعة المفاوض والمقارض] قال مالك: وليس لأحد المتفاوضين فيما باع الآخر شفعة؛ لأن بيع أحدهما يلزم صاحبه.
قيل: فإن تفاوضا في الدور؟ قال: ما أعرف المفاوضة في الدور، فإن نزل فلا شفعة للآخر.
قال: وإذا اشترى المفاوض من المال شقصاً هو شفيعه وفيه فضل فله الشفعة ولا يمنعه رب المال، ولو كان رب المال هو الشفيع فله القيام أيضاً؛ لأن مالكاً قال فيمن اشترى شقصاً هو شفيعه مع آخر: أن المبتاع يضرب فيه بالشفعة بقدر نصيبه قبل الشراء، ولا يضرب بما اشترى.
قال أشهب في المجموعة: وعهدة كل واحد من المفاوض أو رب المال على البائع.
قال مالك: وليس لرب المال أن يبع شيئاً مما في يد العامل بغير أمره.

الجزء: 20 - الصفحة: 220

[فصل 2 - في شفعة العبد ومن فيه علقة رق] قال: ولأم الولد والمكاتب الشفعة، وللعبد المأذون، فإن لم يكن مأذونا فذلك لسيده إن أحب أخذ العبد أو ترك، وإن سلمها المكاتب لزمه ولا أخذ للسيد، وإن سلمها المأذون فلا قيام لسيده، ولو أراد المأذون أخذها وسلمها السيد، فإن لم يكن العبد مديانا جاز تسليم السيد، وإن كان مديانا وله فيه فضل فلا تسليم للسيد.
قال ابن المواز: وإن سبق المأذون فأخذ أو سلم قبل أن يعلم سيده لزمه ولا قول للسيد بعد ذلك، وكذلك إن سبق السيد من سبق منها فلا كلام للآخر إلا أن يكون على المأذون دين فلا يلزم تسليم سيده.
قال: وإن أخذ المأذون وفيها غبن شديد أو في تسليمها وعلم أن فيه محاباة بينة فليس له ذلك.
قال: وأم الولد والمدبر والمعتق إلى أجل وكل من لسيده انتزاع ماله، مثل العبد المأذون من سبق منهم أو من سيدهم بإسلام أو بأخذ، فذلك نافذ لازم رضي الآخر أو كره.

الجزء: 20 - الصفحة: 221

قال مالك: وأما المكاتب فذلك له دون السيد وله أن ينقض تسليم سيده أو أخذه.
قال أشهب: إلا أن يتبين من المكاتب في أخذه أو تركه محاباة بينة.
يريد: فلسيده نقضه، وإلا فما فعل من ذلك على وجه النظر فجائز.
قال ابن المواز: والمكاتب والمعتق بعضه وأم الولد والمدبر والمعتق إلى أجل والعبد إذا لم يكن لواحد منهم مال يأخذ به الشفعة وطلبوا الأخذ فليس للسيد أخذ ذلك لنفسه؛ لأن الشفعة لغيره وجبت، فأما أن يأخذ ذلك لمن وجبت له بسلف أو هبة فذلك جائز في عبده ومدبره وأم ولده ومعتقه إلى سنين على ما أحبوا أو كرهوا، ولا حجة للمشتري، وليس له ذلك في المكاتب والمعتق بعضه إلا برضاهما.
م: إذ لا يقدر على انتزاع أموالهما.
[فصل 3 - في شفعة الزوجة] ومن المدونة: قال مالك: ولذات الزوج تسليم شفعتها وإن كان فيه فضل كثير، أو أخذها وإن كان فيها غبن كثير إلا أن يكون الغبن أكثر من ثلثها فلزوجها رده.

الجزء: 20 - الصفحة: 222

قال: ولها الشراء والبيع ولا يمنعها من ذلك زوجها ولا من أن تتجر، وإن حابت في الشراء والبيع فذلك في ثلثها، فإن جاوزه بطل جميعه إن لم يجزه الزوج.
والمغيرة يجيز منه الثلث كوصيتها.
قال مالك: وليس لأحد رد محاباتها إذا لم تكن سفيهة في عقلها ولم يول عليها إلا الزوج.
وفي كتاب الكفالة من هذا.
[فصل 4 - في توريث الشفعة] قال مالك: وتورث الشفعة عن الميت.

الجزء: 20 - الصفحة: 223

[الباب العاشر]

فيمن أعمر عمرى على عوض أو تصدق بدار على أن ينفق عليه حياته ومسائل من الهبة

[فصل 1 - الشفعة فيمن أعمر عمرى على عوض] قال مالك: ومن أعمر عمرى على عوض لم يجز، ورد ولا شفعة فيه؛ لأنه كراء فاسد، ويرد المعمر الدار، وإن استغلها رد غلتها وعليه إجازة ما سكن؛ لأن ضمانها من ربها ويأخذ عوضه.
قال ابن المواز: والصواب أن تكون الغلة التي استغلها له، وعليه كراء مثلها في السنين التي سكنها، ويفسخ ما بقي من عمره؛ لأنه كراء إلى أجل مجهول.
وكل من اكترى كراءا فاسدا فسكن فعليه كراء مثله وإن كان ضمانه من ربه.
[فصل 2 - فيمن تصدق بدار على أن ينفق عليه حياته] ومن المدونة قال مالك: ومن تصدق على رجل بدار على أن ينفق عليه حياته، فهذا بيع فاسد والغلة للمتصدق عليه؛ لأنها في ضمانه ويرجع بما أنفق ويرد الدار، ولو هلكت الدار بيده بغرق أو غيره ضمن قيمتها يوم قبضها.

الجزء: 20 - الصفحة: 224

[فصل 3 - مسائل من الهبة] وتجوز الهبة غير مقسومة.
قيل: فما وهب للقيط أو تصدق به عليه أيكون الذي هو في حجره قابضا له، ولم يجعله السلطان ناظرا ولا وصيا؟ قال: نعم؛ لأن مالكا قال: من تصدق على غائب بصدقة ودفعها إلى أجنبي ليقبضها للغائب ويجوزها له والغائب غير عالم بالصدقة أن ذلك جائز، والموهوب له الشقص والمتصدق به عليه يقول له الشفيع: أخاف أنك ابتعته منه أو عاوضته فيه سرا وأردتما قطع الشفعة بما أظهرتما فاحلف، فإن كان ممن يتهم أحلفه وإلا لم يحلف.

الجزء: 20 - الصفحة: 225

[الباب الحادي عشر]

جامع مسائل مختلفة مما فيه الشفعة أم لا

[فصل 1 - حكم الشفعة في دور القرى] قال ابن القاسم: والشفعة في دور القرى كهي في دور المدائن.
وإذا كان حائط بين رجلين فباع أحدهما حظه منه فالشفعة فيه لشريكه، وإن ملكه أحدهما وللآخر فيه حمل خشب فلا شفعة لمن له الحمل.
ومن له علو دار ولآخر سفلها فلا شفعة لأحدهما فيما باع الآخر منها.
[فصل 2 - الشفعة في أرض العنوة وأرض الصلح] قال مالك: ولا شفعة في أرض العنوة ولا يجوز بيعها.
وأما أرض الصلح تباع فإن كان على أن خراج الأرض باقي على الذمي البائع فجائز والشفعة فيها إن كان شريكه مسلم، فإن اشترط الخراج على المبتاع المسلم لم يجز؛ إذ بإسلام الذمي ينقطع الخراج عنه وعن الأرض وهذا مجهول وغرر.

الجزء: 20 - الصفحة: 226

قال سحنون: قال أشهب: بيعها جائز وعلى المسلم الجزية إذا شرطها عليه الذمي.
وروى ابن نافع عن مالك: أنه لا يجوز لأهل الذمة بيع أرضهم من نصراني ولا من مسلم إذا كان عليها جزية، وإن كانت الجزية على جماجمهم ولم تكن على أرضهم جزية جاز بيعها من المسلمين والنصارى.
وهذا في كتاب التجارة بأرض الحرب مذكور.
[فصل 3 - فيمن باع أرضا على أن يدفع له المشتري شيئا كل عام] قال في كتاب الشفعة: ولا ينبغي لرجل أن يبيع من رجل أرضا على أن على المبتاع كل عام شيئا يدفعه.
[فصل 4 - الشفعة فيمن غصب عبدا فابتاع به شقصا] ومن غصب عبدا فابتاع به شقصا فلا قيام للشفيع ما دام العبد لم يفت، فإن فات فوتا تجب به على الغاصب قيمته، فللشفيع الأخذ بقيمة العبد يوم اشترى به الدار.
[قال] ابن المواز: لأنه لو أعوز عند الغاصب لزمه قيمته صحيحا ولا يكون على الشفيع إلا قيمته على حالة ما كان يسوى يوم اشترى به الشقص.

الجزء: 20 - الصفحة: 227

قال محمد: ولا يأخذ الشفيع حتى يفوت العبد بموت، ولا تفيته العيوب هاهنا؛ لأن رب العبد بالخيار إن شاء أخذ عبده ناقصا إذا لم يفت بموت وينقض بيع الشقص، وإن شاء أجاز ذلك وأخذ ثمنه من بائعه.
قيل: فإن مات العبد، أيجب على الشفيع أن يأخذ بالشفعة قبل أن يعرف قيمة العبد؟ قال: نعم إذا كانا قد عرفا العبد قبل أن يموت، كما لو اشترى رجل شقصا بعبد أو حمار لوجب للشفيع الشفعة قبل معرفة قيمة العبد أو الحمار، وإنما مثل ذلك كما لو اشترى رجل عبدا أو حمارا قبل أن يعرف قيمة ذلك أنه جائز، فأما إذا احتيج إلى أن يعرف قيمة الشقص ليأخذ بها فلا شفعة إلا بعد معرفة قيمته.
م: والقياس أن ذلك سواء، ولا فرق بين أن يأخذ الشقص بقيمته أو بقيمة غيره.
وأما احتجاجه بقوله: كما لو اشترى عبدا أو حمارا قبل أن يعرف قيمته، فذلك غير معتدل؛ لأنه إنما اشترى معلوما بثمن معلوم فلا ينظر إلى قيمته وإنما تشتبه المسألتان أن لو جاز أن يشتري العبد أو الحمار بقيمته، فلما كان ذلك لا يجوز فكذلك لا يجوز

الجزء: 20 - الصفحة: 228

أن يأخذ الشقص بشفعته حتى يعرف قيمته، والله أعلم.
قال سحنون: ليس جواب ابن القاسم في العبد الغصب جوابا، وإنما ينظر فإن كان مشتري العبد عالما بالغصب فاشتراه على ذلك فإنه ينتظر ربه فإن جاء فأجاز البيع وجبت الشفعة، وإن أخذ عبده انفسخ البيع.
وإن لم يعلم مشتريه بالغصب، أو علم بذلك في قيام الشفيع، فإن كان رب العبد قريب الغيبة انتظر حتى يقدم فيجيز أو يفسخ، وإن بعدت غيبته فللمبتاع فسخ البيع ويرجع إليه الشقص.
وإن لم يعلم حتى أخذ الشفيع بالشفعة فقد مضت الشفعة، ويرجع إلى مسألة ابن القاسم إذا أخذ بالشفعة ثم استحق العبد.
[فصل 5 - الشفعة فيمن غصب ألف درهم فابتاع بها شقصا] ومن المدونة: ولو غصب ألف درهم فابتاع بها شقصا، فالشراء جائز وللشفيع الشفعة مكانه وعلى الغاصب مثلها، وإن وجدها المغصوب منه بعينها بيد البائع

الجزء: 20 - الصفحة: 229

وأقام عليها البينة أخذها ورجع البائع على المبتاع بمثلها والبيع تام.
وإذا ادعى المبتاع أنه بنى وأكذبه الشفيع فالمبتاع مدع، وبالله التوفيق.

الجزء: 20 - الصفحة: 230

[الباب الثاني عشر]

جامع مسائل مختلفة من الشهادات والأقضية والاستحقاق وغيره

[فصل 1 - شهادة القربى] قال ابن القاسم: ومن لا تجوز شهادته من القرابة لقريبه، فلا يجوز أن يشهد له أن فلانا وكله على شيء، ويجوز أن يشهد عليه أنه وكل غيره.
[فصل 2 - فيم تصح شهادة النساء وتزكيتهن؟] قال مالك: وما لا تجوز فيه شهادة النساء من عتق أو طلاق أو قتل فلا تجوز شهادتهن على الوكالة فيه.
قال: وتجوز شهادتهن في الأموال وفي الوكالة عليها، وتجوز شهادتهن في الوكالة على أخذ الشفعة أو تسليمها أو على أنه شفيع، أو يشهدن على المبتاع أنه أقر أن فلانا شفيع هذه الدار فذلك جائز؛ لأنه مال، وكل ما جازت فيه شهادتهن جاز أن يشهدن على الوكالة فيه.
قال مالك: ولا تجوز تزكيتهن على كل حال لا للرجال ولا للنساء في شهادة مال ولا غيره.

الجزء: 20 - الصفحة: 231

[فصل 3 - في شفعة الخصم] قال ابن القاسم: وللحاضر أن يوكل كم يطلب شفعته أو يخاصم عنه خصما له.
يريد: وإن لم يرض بذلك الخصم إلا أن يوكل عليه عدوا له فلا يجوز.
وقد قال مالك فيمن ابتاع دينا على رجل أراد بذلك إعناته لعداوة بينهما: إنه لا يمكن من ذلك.
قيل لمالك: فرجلان اختصما عند قاض ونظر في أمرهما وتحاجا فحلف أحدهما أن لا يخاصم صاحبه، وأراد أن يوكل عليه؟ قال: ليس ذلك له إلا لعذر، مثل أن يشتمه أو يتسرع عليه.
قال ابن القاسم: أو أراد سفرا أو حجا أو غزوا أو مرض ولم يكن ذلك منه لددا بصاحبه ولا قطعا له في خصومته، فله أن يستخلف ويكون المستخلف على حجة الأول لو يحدث من الحجة ما شاء وما كان أقام الذي لم يوكل من حجته أو بينة قبل وكالة صاحبه فهي جائزة على الوكيل.

الجزء: 20 - الصفحة: 232

[فصل 4 - حكم بيع الصدقة والوقف] ومن بنى مسجدا على ظهر بيته أو في أرضه على وجه الصدقة والإباحة أو حبس عرصة أو بيتا في المساكين أو على المسلمين لم يجز له بيع ذلك.
[فصل 5 - الإسلام وأثره في الرق والنكاح] وإذا أسلم عبد النصراني ومولاه غائب فإن بعدت غيبته باعه السلطان عليه ولم ينتظره، وإن قربت غيبته نظر في ذلك وكتب إليه.
وكذلك إسلام الزوجة قبل البناء يفسخ في البعيد بغير طلاق ولا عدة عليها، وينتظر في القريب خوفا أن يكون قد أسلم قبلها، وإن بنى وغيبته بعيدة أمرها الإمام بالعدة فإن قدم بعد العدة وقد أسلم بعدها أو بعد إسلام التي لم يبن بها فلا سبيل له إليها، وإن أسلم في الوجهين قبلها أو في التي بنى بها في العدة فهو أحق بها ما لم تنكح ويدخل بها الثاني كالمفقود.

الجزء: 20 - الصفحة: 233

[فصل 6 - فيمن اشترى أرضا ونخلا في صفقة فاستحق بعضه] ومن اشترى أرضا ونخلا في صفقة والأرض أرض النخل فاستحق من النخل شيء يسير وضع عنه حصته من الثمن ولزمه البيع في الباقي، وإن استحق من النخل كثير، يعني: على الأجزاء، فله رد جميع ذلك أو يتماسك بما بقي في يديه ويأخذ من الثمن بقدر ما استحق من النخل، وإن كانت الأرض على حدة والنخل على حدة فابتاعها في صفقة فاستحق بعض النخل، فإن كان ما استحق منها وجه الصفقة وفيه رجاء الفضل فله رد جميع ذلك، وإن لم يكن وجه الصفقة فله رد جميع النخل خاصة إن كان للمستحق منها أكثرها.
قال سحنون: لا يرد جميعها ولكن ما استحق منها خاصة.
قال ابن القاسم: وإن كان ما استحق منها تافها فإنما ينتقض من الصفقة حصة ذلك، ويرجع بما يصيبه من الثمن وتصح بقية الصفقة.

الجزء: 20 - الصفحة: 234

[فصل 7 - فيمن ابتاع دارين صفقة واحدة فاستحق شيئا من أحدهما] وإن ابتاع دارين في صفقة فاستحق بعض واحدة وهي ليست بوجه ما اشترى، فإن كان ما اتحق من هذه الدار تافها رجع بحصته من الثمن فقط، وإن كان أكثر تلك الدار وهو ضرر رد تلك الدار فقط بحصتها من الثمن ولا يرد الأخرى.
قال سحنون: إذا كان المستحق أكثرها ليست بوجه الصفقة لم يرد إلا ما استحق منها فقط.
قال ابن القاسم: وإن كانت وجه الدارين فاستحق جلها أو ما فيه ضرر رد الدارين لذلك، وإن استحق ما فيه منها لا ضرر فيه رجع بحصته من الثمن من الدارين فقط.
[فصل 8 - فيما إذا كان عرضا بين رجلين نصفين فباع أحدهما نصفا منها] وإذا كانت دار بين رجلين نصفين فباع أحدهما نصفا منها بعينه قبل القسم بغير أمر شريكه ثم قدم الشريك فله نصف المبيع، فإما أجاز بيعه وأخذ نصف ثمن

الجزء: 20 - الصفحة: 235

المبيع، وإلا أخذ منه حصته وأخذ باقيه بشفعته إن شاء ودفع نصف الثمن للمشتري ويرجع المشتري بنصف الثمن الباقي على البائع ثم يقاسم الشفيع شريكه النصف الباقي إن شاء.
قيل: أفلا يقاسم هذا الذي لم يبع شريكه الذي باع، فإن وقع النصف المبيع في حصة بائعه مضى عليه؟ قال: لا ولكن يفعل ما وصفنا.
[قال] ابن المواز: قال مالك: وإن شاء لم يجز بيع حصته وأخذها وسلم الشفعة وقاسم شريكه بقية الدار، ويكون المبتاع مخيرا في التماسك به أو رده، فترجع الدار بين الشريكين كما كانت، وإن شاء جعل بيع شريكه قسمة وأمضى ذلك ثم لا شفعة له في المبيع وإن شاء فسخ بيع الشريك كله وقاسم شريكه الدار كلها؛ لأنه يقول: أدخل البائع على مقاسمة بعض الدار دون بعض إذا لم آخذ بالشفعة ولم أرض بشركة من باع منه.
م: ومن حجته أيضا أن يقول: أقاسم هذا ثم أقاسمك أيها الشريك بقية الدار إن كان ذلك ينقسم فأؤدي حق القاسم مرتين فذلك ضرر، ولكني أفسخ

الجزء: 20 - الصفحة: 236

وأقاسمك مرة واحدة، وقد يكون - أيضا - ينقسم على اثنين ولا ينقسم على أربعة إلا بضرر فأفسخ لذلك.
ثم ذكر محمد بعد ذلك قول أشهب، وذكره ابن عبدوس عن سحنون: أنه إن لم يجز البيع في نصيبه ولا أجاز بيع نصيب شريكه ولا أخذ بالشفعة فليس له فسخ البيع حتى يقاسم شريكه البائع الدار نصفين، فإن وقع ما باع في سهم البائع نفذ فيه البيع، وإن لم يقع في سهمه انتقض البيع.
[قال] ابن المواز: وكذلك قال أشهب في بيع أحدهما بيتا من الدار بعينه أو بيع حصته من فحل النخل فإن لم يأخذ بالشفعة ولا أجاز بيع حظه ولا سلم بيع نصف شريكه مما باع فلا يفسخ ذلك حتى يقاسم شريكه الدار أو النخل.
قال: لأن فحل النخل يقسم معها فقد يقع في القسم لأحدهما.
قال أشهب: وأما من باع نصيبه من عرصة الدار فله إذا أبى مما ذكرنا الفسخ قبل المقاسمة في العرصة؛ لأن العرصة لا تقسم إلا بتراض الشركاء، وبيع الشريك

الجزء: 20 - الصفحة: 237

مصابته من العرصة قسمة لها، فإن رضي شريكه أنفذه له وإن شاء أخذه بالشفعة وإن شاء فسخ بيعه.
قال أشهب: وأما بيعه لنصيبه من بئر الأرض أو عينها فليس للآخر فيه فسخ، إنما له الأخذ بالشفعة أو تسليمه لمشتريه وبيعها جائز؛ لأنها لا تنقسم مع الحائط ولا تصير في أحد النصيبين، وإنما تترك بعد المقاسمة يقتسمان ماءها بالأيام وبالأقلاد.
قال في موضع آخر: وأما إن باع أحدهما منها شرب يوم أو أقل فلصاحبه فيه الشفعة، وإن شاء أجاز بيعه وإن شاء رده إذا كانت الأرض تحتاج إلى البئر؛ لأنه ليس في يومين أو ثلاثة مما يقتسمون فيه الأرض فيبقى في ذلك شرب من ماء هذا خاصة.

الجزء: 20 - الصفحة: 238

[فصل 9 - في شفعة من أوقف داره لرجل آخر] ومن المدونة: قال مالك في دار بين رجلين حبس أحدهما نصيبه على رجل وولده وولد ولده فباع شريكه في الدار نصيبه: فليس للذي حبس ولا للمحبس عليهم أخذه بالشفعة إلا أن يأخذه المحبس فيجعله في مثل ما جعل نصيبه الأول.
[فصل 10 - في الطلاق المعلق] ومن تزوج امرأة على امرأة له أخرى فحلف للأولى بطلاق الثانية إن آثر الثانية عليها ثم طلق الأولى.
قال: فإن الثانية تطلق عليه؛ لأنه لما طلق الأولى فقد آثر الثانية عليها، وبالله التوفيق.
تم كتاب الشفعة الثاني بحمد الله وحسن عونه

الجزء: 20 - الصفحة: 239

كتاب القسم الأول

الجزء: 20 - الصفحة: 240

بسم الله الرحمن الرحيم صلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم

فصول الكتاب · 78 فصل
فصول الجامع لمسائل المدونة
المقدمةالمقدمةكتاب الصلاة الأولكتاب الصلاة الثانيكتاب الجنائز من الجامعكتاب الصوم من الجامعكتاب الاعتكافكتاب الزكاة الأولكتاب الزكاة الثاني من الجامعكتاب الحج الأول من الجامعكتاب الحج الثاني من الجامعكتاب الحج الثالث من الجامعكتاب الصيد من الجامعكتاب الذبائح من الجامعكتاب الضحايا من الجامعكتاب العتق الأول من الجامعكتاب المكاتب الأولكتاب السلم الأولكتاب السلم الثانيكتاب السلم الثالثكتاب الصرفكتاب الرهنكتاب بيوع الآجالكتاب البيوع الفاسدةكتاب بيع الخياركتاب المرابحةكتاب اشتراء الغائبكتاب الوكالاتكتاب التجارة إلى أرض الحربكتاب جامع لأبواب متفرقةكتاب العراياكتاب العيوب والتدليسكتاب الصلحكتاب الجوائحكتاب الجعل والإجارةكتاب المساقاةكتاب القراضكتاب الأقضيةكتاب كراء الرواحل والدوابكتاب كراء الدور والأرضينكتاب الشركةكتاب الشهادة الأولىكتاب الشهادة الثانيكتاب الرجوع عن الشهاداتكتاب المديانكتاب الرجوع عن الشهاداتكتاب التفليسكتاب الحمالةكتاب المأذون له في التجارةكتاب اللقطةكتاب الضوالكتاب الإباقكتاب حريم الآبار وإحياء المواتكتاب الغصبكتاب الوديعةكتاب العاريةكتاب العدةكتاب الاستحقاقكتاب الحبسكتاب الصدقةكتاب الهبة والهباتكتاب الهباتكتاب الوصايا الأولكتاب الوصايا الثانيكتابً الوصايا الثالثكتاب الشفعة الأولىكتاب الشفعة الثانيكتاب القسم الأولكتاب القسم الثانيكتاب الفرائض الثانيكتابكتاب المحاربين والمرتدينكتاب القذفكتاب الأشربةكتاب الجراحكتاب الجناياتكتاب الدِّياتكتاب الجامع
جارٍ التحميل