الجامع لمسائل المدونةكتاب السلم الثاني
أهل الأثرالأرشيف العلمي

من الجامع لمسائل المدونة والمختلطة

[الباب الأول]

في فساد السلم والحكم فيه إن نزل بعد ذلك

[فصل 1 - ما يجب للمسلم في السلم الفاسد بدل رأس ماله] ومما يبين الرسول عليه السلام في السلف قوله «سلفوا في كيل معلوم ووزن معلوم إلى أجل معلوم» (ونهى عن الكالئ بالكالئ) وهو الدين بالدين فوجب تعجيل النقد في المضمون، فكل من أسلم في غير كيل معلوم أو أسلم إلى أجل غير معلوم أو أخر النقد فيه بشرط فالسلم فاسد.
قال ابن القاسم: ومن أسلم في حنطة سلماً فاسداً فله أن يأخذ برأس ماله تمراً أو طعاماً غير الحنطة إذا قبض ذلك كله ولم يؤخره.
وقال مالك فيمن أسلم في طعام أو غيره سلماً فاسداً فإنما له رأس ماله.
قال ابن القاسم: ويجوز له أن يأخذ به من البائع ما شاء من طعام أو غيره سوى الصنف الذي أسلم في إذا لم يؤخره.

الجزء: 11 - الصفحة: 235

م: واختلف هل يأخذ برأس ماله شعيراً أو سلتاً والسلم في الحنطة؟ فحكى عن أبي العباس الإبياني: أن ذلك لا يجوز؛ لأن ذلك كله صنف واحد في الزكاة والبيوع.
وقال ابن أبي زمنين: أن ذلك جائز.
قال: وكذلك لو أخذ سمراء من محمولة.
م والأول أحوط، وهذا أقيس لأنه لم يأخذ نفس ما عاقده عليه وهو غيره لا ش فيه، وإنما لا ينبغي أن يأخذ سمراء من سمراء أو محمولة من محمولة، ويحملان على أنهما لا يتفاسخا وبقيا على العقد الأول.
م وظاهر الكتاب يدل أن له أن يأخذ شعيراً أو سلتاً؛ لأنه شرط أن له أن يأخذ منه غير الحنطة التي أسلم فيها، وكذلك لو أخذ سمراء من محمولة؛ لأنها غير ما أسلم فيه، ولا يجبر على أخذها في السلم الصحيح؛ لأن له شرطه.
قال بعض القرويين: وإن أخذ من حنطة فولاً أو عدماً، فإن كان السلم حراماً جاز وإن كان مختلفاً فيه لم يجز إلا بعد فسخه بحكم أو بإشهاد خوفاً أن يكون من باب بيع الطعام بالطعام قبل قبضه لمذهب من أجاز ذلك.

الجزء: 11 - الصفحة: 236

م وقد اختلف هل يجزئ الفسخ بالتراضي والإشهاد عليه دون حاكم يحكم بذلك؟ والصواب أن لا يجزئ إلا بحكم فيحكم بما رآه صواباً من فسخ أو إجازة؛ لئلا يدخلا في بيع الطعام قبل قبضه، فأخذ غير ما أسلم فيه.
قال ابن المواز: وإن كان رأس المال ذهباً فلا يأخذ به فضة ولا يأخذ برأس ماله إلا ما يجوز له أن يسلمه فيه إلى أجل.
ووقع في المستخرجة ما يدل أنه يجوز أن يأخذ دراهم من دنانير واختلف في ذلك القرويون، فذكر عن ابن الكاتب أنه أجاز ذلك، قال: وهو كالدين يصارفه به.
واحتج بمسألة كتاب الصلح إذا باع عبداً بدنانير ففات بعد قبض الثمن، واطلع المبتاع على عيب به، أنه إن شاء أن يأخذ بقيمة العيب ورقاً.

الجزء: 11 - الصفحة: 237

وقال غيره: لا تشبه هذه المسألة مسألة العيب؛ لأن سبب العيب من واحد، فلا يتهمان أن يعقدا على هذا، وإنما التهمة فيما يفعلانه جميعاً كالإقالة أو البيع الفاسد والرد بالعيب يشبه انهدام الدار.
قال ابن حبيب: ولو فسخه السلطان بينهما جاز أن يأخذ برأس ماله مثل ما أسلم فيه نقداً.
م ويجوز حينئذ أن يأخذ دراهم من دنانير لارتفاع التهمة بفسخ السلطان، فصار رأس المال ديناً على الذي عليه السلم فجاز أن يأخذ به المشتري ما تراضيا عليه مما يجوز له شراؤه بالنقد.
ومن المدونة: قال ابن القاسم: ويجوز [أن يصالحه على] أن يؤخره برأس المال أو يأخذ نصفه ويحط ما بقي.
م يريد وذلك بعد أن يثبت الفسخ بحكم أو يتراضيا به وهو مما لا اختلاف في فسخ، وأما المختلف فيه فلا يجوز ذلك إلا أن يفسخ بحكم لئلا يدخله بيع الطعام قبل قبضه.

الجزء: 11 - الصفحة: 238

فصل [2 - اشتراط الأجل المعلوم في البيع والسلم] ومن المدونة: قال ابن القاسم: وكلما اشتريت من الثياب والحيوان أو غير ذلك موصوفاً فلا يجوز لك موصوفاً فلا يجوز لك أن تجعله مضموناً إلى غير أجل، كما أمر الرسول صلى الله عليه وسلم، وسواء كان رأس المال عيناً أو عرضاً.
قال: ومن أسلم في طعام ولم يضرب لرأس المال أجلاً، فافترقا قبل أن يقبضه البائع، فهو حرام إلا أن يكون على النقد فلا بأس به.
م: حمل أمرهما أنهما أرادا التأخير لما ظهر من فعلهما ففسخه حماية، وكذلك أصله في المبهمات أنه يحملهم فيها على الفساد، حتى يشترطون الحلال.
قال في الأكرية فيمن اكترى داراً بثوب بعينه ولم يشترط نقده فتشاحا في ذلك، وسنة البلد عندهم في الكراء ليس على النقد، أن الكراء لا يجوز

الجزء: 11 - الصفحة: 239

وإن عجل الثوب إلا أن يشترطا النقد في العقد.
وقال ابن حبيب: الكراء جائز وهو على النقد حتى يشترطا تأخيره تصريحاً، فكذلك مسألتنا.
م ينبغي على أصل ابن حبيب أن يكون السلم جائزاً ويقضى عليه بالنقد حتى يشترطا تأخيره تصريحاً.
م وقال بعض أصحابنا: وينبغي على أصل ابن القاسم أن لا يفسد السلم بإبهام النقد، وإنما أفسده لأنهما قصدا التأخير وهذا بخلاف عقد الكراء؛ لأن عقد السلم يوجب النقد وعقد الكراء لا يوجبه، فإذا أبهم الأمر حمل كل واحد منهما على موجبه.
[فصل 3 - تأخير النقد المشترط في العقد إلى يوم أو يومين ونحوهما] ومن المدونة قال: ابن القاسم: وإذا وقع البيع على النقد فقبض رأس المال بعد يوم أو يومين ونحو ذلك جاز.
قال في كتاب الخيار: أو ثلاثة أيام، فذلك جائز، ولا يجوز أكثر من ذلك إلا أن يتأخر من غير شرط فيجوز ما لم يحل الأجل فإذا حل فلا يجوز.

الجزء: 11 - الصفحة: 240

[قال] ابن المواز: ثم رجع ابن القاسم فأجازه؛ إذ ليس بشرط وقاله أشهب.
قال ابن حبيب عن ابن الماجشون: إن تأخر رأس المال كثيراً أو حتى حل الأجل -يريد في العين- فإن كان ذلك بامتناع من المشتري أو التواني، فالذي عليه السلم بالخيار في أخذ ثمنه ودفع ما عليه أو فسخ السلم، وإن كان بترك من الذي عليه السالم لأخذه أو توان منه، فالسلم ثابت؛ لأن نفع تعجيل الثمن للبائع ولذلك زاد في السعر.
وقال أشهب: سواء كان ذلك بهرب أو غير هرب فهو جائز ما لم يكن بشرط.
[فصل 4 - تأخير رأس مال السلم إذا كان غير نقد يوماً أو يومين ونحوهما] وفي المدونة: قال ابن القاسم: وإن أسلمت عبداً بعينه في طعام إلى أجل سنة فلم يقبضه إلا بعد شهر أو شهرين أو إلى الأجل فالبيع نافذ ما لم يكن بشرط.
قال مالك: وإن كان رأس مال السلم عرضاً أو طعاماً أو حيواناً بعينه فتأخر قبضه يوماً أو يومين ثم قبضه بعد ذلك فلا بأس به، وإن تأخر

الجزء: 11 - الصفحة: 241

قبضه الأيام الكثيرة أو الشهر أو إلى الأجل فإن كان بشرط فسد البيع، وإن لم يكن بشرط أو كان هرباً من أحدهما بالبيع نافذ مع كراهية مالك لهما في ذلك التأخير البعيد بغير شرط.
م قال بعض أصحابنا: هذه المسألة على ثلاثة أوجه: [1] إن كان رأس المال رقيقاً أو حيواناً فتأخر قبضه الأيام الكثيرة أو إلى الأجل فالبيع نافذ بغير كراهية؛ لأن ضمانه لو هلك من مشتريه، لأنه مما لا يغاب عليه.
[2] وإن كان عيناً فتأخر كثيراً أو إلى الأجل فسد البيع؛ لأنه لا يتعين، فأشبه ما في الذمة فضارع الدين بالدين.
قال بعض القرويين: وهذا إذا كان الثوب غائباً فإن كان حاضراً حين العقد لا نبغي أن يكون كالعبد، لا كراهية في تأخيره، والطعام أثقل منه، إذ لا يعرف بعينه والعين أشد من الطعام؛ لأن الطعام يشترى لعينه والعين لا يراد لعينه فهو كغير العين فتأخيره يكون ديناً بدين.

الجزء: 11 - الصفحة: 242

قال ابن القاسم في باب اختلاف المتبايعين: وإذا ادعى المسلم إليه أن رأس المال تأخر شهراً أو قال: شرطنا أن يدفعه بعد شهر أو شهرين، وقال الآخر: بل نقدتك عند عقد البيع فالقول قول مدعي الصحة.
قال ابن أبي زمنين: كان بعض مشايخنا يقول: إذا كان رأس المال عيناً فتأخر من غير شرط فالسلم مفسوخ ويحتج لقوله في هذه المسألة إذا قال لم أقبض رأس المال إلا بعد شهر أو شهرين وقوله هذا جيد؛ لأن العين في الذمم، ويدخله الدين بالدين ويحتج أيضاً بقوله في السلم الثالث: إذا أخر النقد حتى حل الأجل أن ذلك لا يجوز لأنه الدين بالدين.
وقال بعض أصحابنا: وينبغي على قوله في غير المدونة أن السلم يجوز إلى ثلاثة أيام ونحو ذلك أن لا يجوز تأخير رأس مال المسلم اليومين والثلاثة لأنه يحصل ديناً بدين وبينا القول في تأخير رأس مال السلم على اختلاف

الجزء: 11 - الصفحة: 243

قوله في أجل السلم، ومثله لأبي القاسم بن الكاتب وهو بين.
قال في كتاب كراء الرواحل والدواب: وإن اكترى بهذه المعينات من عروض ونحوه وشرط عليه ألا ينقده إلا بعد يومين أو ثلاثة لم يعجبني ذلك إلا لعذر من ركوب دابة أو لبس ثوب أو توثق حتى يُشهد، وفذلك جائز، وإن لم يكن لشيء من ذلك كرهته ولا أفسخ به البيع، فكذلك هذا.
ومن السلم الثاني قال: وإن أسلمت إلى رجل مائة درهم في طعام، نقدته منها خمسين درهماً، وأخرك بخمسين إلى أجل، أو كان لك عنده خمسون، ونقدته خمسين لم يجز وفسخ البيع؛ لأنه الدين بالدين وفسخ الدين في الدين، ولا يجوز من ذلك حصة النقد؛ لأن الصفقة إذا بطل بعضها بطلت كلها.
قال مالك: ومن أسلم عبداً في طعام بعينه إلى أجل بعيد لم يجز وبطل البيع إذ قد يهلك الطعام قبل الأجل، فيرد العبد بعد النفع به باطلاً إلا

الجزء: 11 - الصفحة: 244

أن يكون الأجل إلى يومين فلا بأس به، وإن كان الطعام مضموناً فلا خير فيه إلا أن يتباعد الأجل مثل خمسة عشر يوماً ونحوها فلا بأس به.
وقد تقدم في كتاب السلم الأول أن من أسلم في حنطة ونقد وضرب الأجل ولم يذكر جيدة ولا رديئة أنه فاسد.

الجزء: 11 - الصفحة: 245

[الباب الثاني]

في مجهلة رأس المال ومجهلة المكيال في البيع وبيع الجزاف

[فصل 1 - في مجهلة رأس المال] ونهى الرسول عليه السلام عن الغرر في البيع وقال -صلى الله عليه وسلم-: «من استأجر أجيراً فليعلمه أجره».
قال مالك: ومن اشترى داراً على أن ينفق على البائع حياته لم يجز.
م: لأن أجل حياته مجهول فهو غرر.
قال مالك: فإن نزل وقبضها المبتاع واستغلها كانت الغلة له بضمانه وترد الدار إلى البائع ويرجع عليه بقيمة من أنفق.
قال ابن القاسم: إلا أن تفوت الدار بهدم أو بناء فيغرم قيمتها يوم قبضها.

الجزء: 11 - الصفحة: 246

م يريد ويرجع عليه المبتاع بقيمة ما أنفق فيتقاصان فمن كان له فضل قبل صاحبه أخذه، وأجاز ذلك أشهب.
قال أبو إسحاق: ومعنى ذلك عنده أنه التزم نفقة عمره بعد أن علم ما مضى من عمره وما بقي على التعمير الذي علماه، فصار كأنها نفقة سنين معلومة عاش أو مات، وهي مأخوذة على كل حال، ولو كان هذا المعنى هو الذي أراده المتعاقدان ما منع من ذلك مالك، وإنما تكلم مالك على أنه إن مات سقطت النفقة، فإذا كان هكذا وأنفق، استرجع ما أنفق عليه، وانظر لو أنفق عليه أكثر من النفقة التي تشبه، مثل أن يسرف في النفقة لا نبغي ألا يرجع عليه إلا بالقدر الذي كان يلزمه في تعاقدهما أن ينفقه؛ لأن الزائد معروف طاع به.
فإن قيل: إنما دفعه لمكان البيع فأشبه ما لو قال له هذا لمكان البيع، فاستحق المبيع أنه يرجع فيما دفع.
قيل: ما أنكرت أن يرجع فيه إذا كان قائماً، فإن أكله أو ضاع لم

الجزء: 11 - الصفحة: 247

يرجع به كمن أثاب من صدقة ظناً أن ذلك يلزمه، فلا يرجع إلا في قيامها مع يمينه أنه ظن أن ذلك يلزمه لما أكلها الذي أكلها على غير معاوضة، لتمكين دافعها وهو المالك، ومع أنه في ذلك السؤال أنه بيّن له.
فقال: هذا لمكان ما بعتني، فيلزمه على ذلك، وفي هذا السؤال إنما أنفق عليه وأكل ولم يقل له شيئاً.
واختلف في المفلس هو يكون أحق بالدار من الغرماء حتى يستوفي ما أنفق أم لا، لأنه لم يرض أن ينفق إلا على أن تكون الدار له؟ قال: ولو كان إنما أسكنه إياها على أن ينفق عليه حياته فهو كراء فاسد، فيرجع عليه بقيمة ما أنفق عليه، وعليه كراء ما سكن ويتقاصان في ذلك أيضاً.

الجزء: 11 - الصفحة: 248

قال بعض أصحابنا: وإنما يرجع عليه بقيمة ما أنفق إذا كان لا يحصي النفقة أو كان في جملة عياله، وأما لو دفع إليه مكيله معلومة من الطعام أو دنانير أو دراهم معلومة لرجع عليه بمثل ذلك.
م واختلف إن أنفق عليه سرفاً هل يرجع عليه بالسرف؟ فقال بعض أصحابنا: يرجع عليه؛ لأن الزائد على النفقة الوسط كهبة من أجل البيع إذا انتقض البيع وجب الرجوع فيها، وقال غيره: لا يرجع إلا بنفقة وسط، كمن أنفق على يتيم وله مال؛ فإنما يرجع عليه بالوسط، فكذلك هذا.
م والأول أقيس واولى لما قدمنا.
فصل [2 - في مجهلة المكيال في السلم] ومن المدونة: قال ابن القاسم: ومن أسلم في طعام موصوف إلى أجل معلوم ونقد وشرط قبضه بمكيال عنده أو عند رجل أو بقصعة أو بقدح أو بقصعة، ليس بمكيال الناس أن ذلك لا يجوز، فكذلك السلم فيه [بتلك المنزلة] أو أشد.
قال مالك: وإنما يجوز هذا بموضع ليس فيه مكيال معروف كالأعراف يشتري منهم العلف والتبن والخبط.

الجزء: 11 - الصفحة: 249

وقد قال أشهب مثله في الكراهة إلا أنه يقول إن نزل لم أفسخه.
وقال غيره: إنما يجوز أن يشترط قبض ذلك في السلم وفي الشراء بالمكيال الذي جعله الوالي للناس في الأسواق، وهو الجاري بينهم يوم السلم ويوم الشراء، فأما مكيال قد ترك ولا يعرف قدره من المكيال الجاري في الناس فلا يجوز ويفسخ.
فصل [3 - في بيع الجزاف] وبيع الجزاف جائز فيما يباع على الوزن أو الكيل، خلا المسكوكة من ذهب أو فضة أو فلوس في بلد تجوز فيه، فأما ذهب وفضة غير مسكوكين نقداً أو مصوغاً أو آلية منهما أو من نحاس، فالجزاف جائز فيه.
قال في المختصر: ولا خير في أن تباع الدراهم المعدودة جزافاً.

الجزء: 11 - الصفحة: 250

م والأصل في هذا أن كل شيء عُدل به عن بابه الذي عرف فيه إلى أمر لم يعرف فيه دخله الخطر.
قال ابن القاسم: ومن أسلم نقار فضة أو تبراً مكسوراً جزافاً لا يعلم وزنه في سلعة موصوفة إلى أجل، جاز ذلك؛ لأن التبر هاهنا بمنزلة السلعة، ولا يجوز أن يسلم فيها دنانير أو دراهم جزافاً، عفا عددها أم لا، إذا لم يعرفا وزنها، وذلك قمار ومخاطرة.
يريد إلا ببلد يجوز فيها عدداً، فليس في بيعها عدداً مخاطرة لأنه أمر قد عرفوه.
قال: ولا بأس يبيع التبر المكسور من الذهب والفضة جزافاً، والحلي من الذهب والفضة جزافاً، إن كان ذهباً بيع بفضة وبجميع السلع، وإن كان فضة بيع بذهب وبجميع السلع.
قال: ومن أسلم في حنطة دراهم يعرفان وزنها مع دنانير لا يعرفان وزنها لم يجز، لا حصة الدراهم ولا غير ذلك وفسخ ويرد البائع الثمن وهو مصدق في وزن ما قبض مع يمينه إن اختلفا فيه، فإن نكل حلف المبتاع وأخذ ما ادعى.

الجزء: 11 - الصفحة: 251

ومن كتاب محمد: وما عرف البائع كيلَة مما بيع جزافاً فالمبتاع مخير في حبسه أو رده.
قال مالك: ولو قال البائع: إني أعرف كيله، فيقول المبتاع: رضيت أخذه جزافاً بكذا وكذا، فلا يجوز ذلك.
قال عبد الوهاب: لأنهما قصدا بهذا العقد الخطر والغرر؛ لأن بيع الجزاف ضرب من الغرر أجيز للرفق ولخوف المشقة، فإذا كان البائع يعرف قدر المبيع فقد صار للمشتري طريق إلى معرفة ذلك من غير مشقة، فإذا رضي بأن لا يعلمه فكأنه قد رضي بالتغرير، وأن يعاوض على ما لا يعلمه مع القدرة على علمه بغير مشقة.
قال: وكأن القاضي رحمه الله قال لي أن هذا الممتنع في المذهب؛ لأنه قال: إذا باعه ولم يعلمه كان ذلك عيباً يكون للمشتري معه الخيار، ثم قال: إذا رضي المشتري بأن لا يعلمه فإن البيع لا يصح بهذا، فهذا يناقض ما قاله من أنه يكون عيباً، لأن البائع لو أوقف المشتري على العيب فرضيه لجاز.
قال عبد الوهاب: وهذا الذي قاله فيه نظر، والمسألة صحيحة غير ممتنعو، ووجه ذلك أن يقال: أنه ليس ممتنعاً أن يقع العقد على صفة يكون للمشتري

الجزء: 11 - الصفحة: 252

الخيار إذا لم يعلم بها، ثم لو علم بها في حال العقد لم يجز أن يعقد على اشتراطه، لافتراق الحال في الأمرين؛ لأنه يكون إذا رضي غرراً أو مؤدياً إلى وجه يوجب المنع، ولا يكون كلك إلا لم يعلم به، يشهد لذلك ما قاله سحنون أنه لو باع أمة فخرجت مغنية لكان له الخيار، والبيع صحيح، وإن اشترط في بعض العقد أنها مغنية لم يجز، وكذلك لا باع سلعة لا يملكها تعدياً، ولم يبين ذلك للمشتري، فإن البيع موقوف على إجازة المالك، ولو أعلمه أنه غاصب فدخل المشتري على ذلك لم يجز.
فعلم بهذا أن البيع لا يمتنع أن يصح العقد على صفة لو شرطها المشتري لم يصح ويثبت الخيار له، والله أعلم.

الجزء: 11 - الصفحة: 253

[الباب الثالث]

ذكر موضع القضاء في السلم والقضاء قبل الأجل وتصديق البائع فيه في الكيل وتوكيله على قبضه فيدعي ضياعه

[فصل 1 - ذكر موضع القضاء في السلم] قال ابن القاسم: ومن أسلم في طعام على أن يقبضه بمصر لم يجز حتى يسمي أي موضع من مصل، لأن مصر ما بين البحر إلى أسوان.
م بخلاف أن يكترى دابة من موضع إلى مصر، فذلك جائز ومنزله بالفسطاط؛ لأنه العرف عندهم ولا عرف لهم في القضاء.
قال ابن القاسم: ولو قال على أن تقبضه في الفسطاط جاز، وإن تشاحا في موضع يُقبضه الطعام من الفسطاط، قال مالك: فليقبضه ذلك في سوق الطعام.
قال ابن القاسم: وكذلك جميع السلع إذا كان لها سوق معروف فاختلفا، فإنما يوفيه ذلك في سوقها، فإن لم يكن لها سوق فحيث ما أعطاه

الجزء: 11 - الصفحة: 254

بالفسطاط لزم المشتري قبضها فيه.
وقال سحنون: يوفيه بداره كان لها سوق أو لم يكن.
قال أبو إسحاق: وهذا المحكوم به اليوم؛ لأن الناس اعتادوا ذلك.
قال ابن المواز: ولا يفسد السلم إذا لم يذكر موضع القضاء، ويلزمه أن يقضيه السلم بموضع التبايع في السوق تلك السلعة.
ومن المدونة: قال مالك: وإن أسلمت في طعام على أن تقبضه في الفسطاط لم يجز أن تقبضه بغيرها، وتأخذ كراء المسافة؛ لأن البلدان بمنزلة الآجال.
قال ابن القاسم: وكأنك بعته قبل قبضه أو أسقطت عنه الضمان على مال تعجلته، فإن فعلت ذلك رددت الكراء عليه، ومثل الطعام بموضع قبضته إن فات وابتعته بطعامك بالفسطاط.
قال مالك: وإن أسلمت إليه على أن يوفيكه بالفسطاط وعلى أن

الجزء: 11 - الصفحة: 255

يحمله إلى القلزم جاز: قال مالك: وإذا كان لك على رجل طعام من سلم وأتاك به قبل الأجل لم تجبر على أخذه، وإن كان من قرض جبرت على أخذه.
فصل [2 - تصديق البائع في قدر سلعته كيلاً أو وزناً أو عدداً] ومن الواضحة: وقد استثقل القاسم بن محمد وغيره بيع الطعام على التصديق، وأجازه كثير من التابعين قال مالك: وإنما كرهوه إذا بيع بالتأخير، والذريعة فيه أبين.
م يريد كأنه أخذه على أن عليه نقصانه، والكيل له نقصان وزيادة، فكره ذلك للذريعة إلى الربا أن يدان على هذا، قاله مالك.

الجزء: 11 - الصفحة: 256

قال: ولا يجوز بيع الطعام كيلاً أو جزافاً بشيء من الطعام على التصديق مما يجوز فيه التفاضل أو لا يجوز؛ لأنه طعام بطعام غير ناجز؛ لأنه يختبر كيله بعد التفرق.
قال مالك وسحنون: لا يجوم التصديق في تبادل الطعامين أو الذهبين أو الفضتين، ولا في الصرف.
والعلة في ذلك كما ذكره ابن حبيب أنهم لم يتناجزوا، ولأنه يختبر ذلك بعد التفرق.
قال ابن حبيب ومن ابتاع طعاماً على التصديق فلا يبعه على الكيل ولا على التصديق قبل أن يكيله هو أو يغيب عليه، ويدخله بيعه قبل قبضه، إذ لا يتم فيه البيع الا بكيله أو الغيبة عليه، وقاله مالك وابن كنانة وأجازه ابن القاسم وابن الماجشون.

الجزء: 11 - الصفحة: 257

وكره مالك في العتبية لمن ابتاع زقاً فيه سمن بقمح جزافاً وزعم أن الزق فيه عشرة أقساط، أن يأخذه بقول صاحبه، وقاله المخزومي، وبه أخذ سحنون وأجازه ابن القاسم.
م وذكر لنا عن بعض فقهائنا القرويين أنه سمع أبا محمد وأب الحسن رحمهما الله يقولان: لا بأس أن يسلف ديناراً في طعام ويصدقه المسلم إليه في وزنه بخلاف التصديق على الوزن في الصرف، والتصديق في كيل الطعام إذا بيع بثمن مؤجل أو كان قرضاً، قالا: لأن السلم وقع بوزن معلوم بخلاف ما لو أسلمه ولا يعلمان وزنه؛ لأن هذا قد تخاطر فيه، والأول لا مخاطرة فيه.
قال بعض أصحابنا: وكره ذلك بعض أصحابنا القرويين؛ لأنه يدخله علة منع جواز التصديق في البيع بثمن إلى أجل، لأنه قد يجد نقصاً فيغتفره لما يرجو من التأخير بالسلم.

الجزء: 11 - الصفحة: 258

ولأبي القاسم بين الكاتب في الذي أخذ من غريمه الطعام على التصديق: يحتمل الا يجوز تصديقه قبل حلول الأجل لما يدخل ذلك من أنه إنما صدقه من أجل تعجيله له قبل أجله، فيدخله سلف جر منفعة وهو بمعنى ضع وتعجل.
ومن المدونة: قال مالك رحمه الله: إذا قبضت من رجل طعاماً من بيع، أو سلم وصدقته في كيله جاز ذلك، وليس لك رجوع بما تدعي من نقص إن كذبك إلا أن تقيم بينة أنها لم تفارقك من حين قبضته حتى وجدت فيه النقص، فإن كان الذي وجدت فيه بمحضرهم نقصاً أو زيادة، كنقص الليل أو زيادته فذلك لك أو عليك، وإن زاد على المتعارف رجع البائع بما زاد ورجعت عليه أنت بما نقص [طعاماً] إن كان عليه مضموناً، وإن كان بعينه فإنك ترجع بحصة النقصان من الثمن، وإن لم تكن بينه حلف البائع لقد أوفاه جميع ما سمى له إن كان اكتاله هو، ولقد باعه على ما كان فيه من الكيل الذي يذكر فيه، ولا شيء عليه.

الجزء: 11 - الصفحة: 259

وإن بعث به إليه فليقل في يمينه: لقد بعته على ما كتب به إلي أو قيل لي فيه من الكيل الذي يذكر فيه ولا شيء عليه، وإن نكل حلفت أنت ورجعت عليه بما ذكرنا فإن نكلت فلا شيء لك.
م قال بعض أصحابنا: إنما يحلف المبعوث به إليه إذا بين للمشتري أنه بعث به إليه وإلا فالمشتري يقول إنما رضيت بأمانتك أنت، ولم أظن أنك لم تقف على كيله، فإذا لم يعلمه أنه بعث به إليه حلف المشتري أنه وجده على ما ذكره ورجع على البائع بما يجب له.
من العتبية وكتاب محمد قال ابن القاسم: ومن لقي رجلاً في سفر فابتاع منه دهناً معه، ونقده الثمن وقبض منه الدهن وقال له وزنه كذا وكذا، فإن صدقه فذلك جائز، وإن قال له ربه زنه وأنت مصدق، وما نقص فعليّ، فإن كان يزنه إلى قريب من موضع عقد البيع

الجزء: 11 - الصفحة: 260

مثل الميل ونحوه كان ما يزيده من عصير الدهن الذي باعه.
قال أبو محمد: يرد وهو عنده فجائز، وإن كان يتأخر وزنه أياماً إلى بلد يبلغها أو إلى غاية سفره لم يجز؛ لأنه ضمنه له وضمن له نقصاً لا يدري مبلغه، نقده الثمن أو لم ينقده، قال: فإن كان ما يتم له من الدهن ليس من عصيره ولا من صفته لم يجز وإن وزنه بحضرته وقربه، لأنه التزم نقصاً لا يعلم مبلغه يوفيه من صنف غيره.
وقال في كتاب محمد، وإن لم يقل فما نقص فعلي ولكن قال يحط عنك حسابه، وكان يزنه عن قريب فذلك جائز غير أنه لا ينقده إلا إلى قدر ما لا يشكان فيه.

الجزء: 11 - الصفحة: 261

فصل [3 - في التوكيل على القبض وادعاء الوكيل الضياع] ومن المدونة قال: وإن أسلمت إلى رجل في مدي حنطة فلما حل أجله قلت له: كله لي في غرائرك أو في ناحية بيتك أو في غرائر دفعتها إليه، فقال بعد ذلك: قلد كلته وضاع عندي، قال مالك: ما يعجبني هذا.
-يريد مالك ولا يبيعه بذلك القبض- قال ابن القاسم: وأنا أراه ضامناً للطعام إلا أن تقوم [له] بينة على كيله أو تصدقه أنت في الكيل، فيقبل قوله في الضياع؛ لأنه لما اكتاله صرت أنت قابضاً له.
قال غير واحد من أصحابنا: وإذا قامت بينة على كيله جاز أن يبيعه بذلك القبض، وأما إن صدقه على كيله فلا يبعه بذلك القبض؛ لأنه مهتم فيه فيحتاج في بيعه، وإن كان الضمان يرتفع عنه.

الجزء: 11 - الصفحة: 262

[الباب الرابع]

في القضاء في اختلاف المتبايعين في السلم وغيره

[الفصل 1 - في الاختلاف عند الأجل أو قبله في الكيل أو الوزن] روي أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «إذا اختلف المتبايعان استحلف البائع» وفي حديث آخر «فالقول ما قال البائع أو يترادّان» فاحتمل ذلك فيما لم يفت، لأن ما فات بيد المبتاع لا سبيل إلى رده.
وقوله عليه السلام (ليترادان) إشارة إلى رد الأعيان فإذا ذهبت العين أو تغيرت خرجت عن ظاهر الحديث والله أعلم، وصار المبتاع مقراً

الجزء: 11 - الصفحة: 263

بثمن يدعي عليه البائع أكثر منه، وكذلك في السلم في المثمون يدعي عليه أكثر منه، فدخل في باب الحديث الآخر أن اليمين على المدعى عليه.
قال مالك: وإذا أسلم رجل إلى جل في طعام مضمون إلى أجل فاختلفا عند الأجل في الكيل والوزن واتفقا في النوع فقال البائع: بعتك ثلاثة أرادب بدينار، وقال المبتاع: بل أربعة أرادب بدينار، فالقول ما قال البائع إن ادعى ما يشبه مع يمينه.
قال ابن القاسم: وإن ادعى ما لا يشبه فالقول قول المشتري فيما يشبه.
م لأن كل مدع ما يشبه فالقول قوله لأنه مدع للعرف،

الجزء: 11 - الصفحة: 264

قال الله تعالى: ﴿خُذِ الْعَفْوَ وَامُرْ بِالْعُرْفِ﴾ [الأعراف:199] فكل من ادعى العرف كان القول قوله وإن كان العرف فاسداً.
قال ابن المواز عن ابن القاسم: فإن أتيا بما لا يشبه حملا على الوسط من سلم الناس يوم أسلم إليه.
قال ابن المواز: ولو اختلفا في ذلك بقرب مبايعتهما تحالفا وتفاسخا.
م جعل اختلافهما بقرب البيع كاختلافهما في بيع النقد والسلعة قائمة، وبعد حلول الأجل كفوت السلعة.
وقال: إن أتيا ما لا يشبه، حملا على سلم الناس، كقول بائع الجارية بعتكها بحنطة، وقال المبتاع: بل بشعير، أنهما يتحالفان ويتفاسخان إن لم تفت الجارية، فإن فاتت كان على المبتاع قيمتها، فحمله على سلم الناس يشبه إلزامه قيمة الجارية.

الجزء: 11 - الصفحة: 265

م وقال بعض شيوخنا: الذي يجري على قول ابن القاسم إذا أتيا بما لا يشبه أن يتحالفا ويتفاسخا.
م كقوله في اختلافهم في موضع القضاء فقد قال: إذا ادعيا غير موضع التبايع وتباعدت المواضع حتى لا يشبه قول واحد منهما تحالفا وتفاسخا، وكذلك قالوا في اختلافهم في الآجال.
وقد اختلف في ذلك قول ابن القاسم في الأسدية فقال مرة: يحملان على الوسط من سلم الناس يومئذ، ثم رجع إلى أنهما يتحالفان ويتفاسخان.
وقول ابن المواز: وإن اختلفا في ذلك بقرب مبايعتهما تحالفا وتفاسخا، إنما يجري ذلك على قول الذي أخذ به ابن القاسم إذا اختلفا والسلعة قائمة وقد قبضها المبتاع أنهما يتحالفان ويتفاسخان، وأما عل رواية ابن وهب فالقول في ذلك قول المسلم إليه إذا قبض النقد وغاب عليه وكذلك إن كان قبل

الجزء: 11 - الصفحة: 266

حلول الأجل بمدة طويلة، كقبضة السلعة المعيبة وهو فوت عنده كفوت السلعة في رواية ابن القاسم.
وقال ابن حبيب: إذا اختلفا قبل الأجل في كيل الطعام صدق البائع إلا أن يأتي بما لا يشبه، فصدق المبتاع فيما يشبه، فإن لم يأت بما يشبه حملا على الوسط من سلم الناس إلى الأجل الذي تقاررا به.
م وظاهر هذا خلاف قول محمد إذ قد يكون اختلافهما بقرب مبايعتهما، وابن حبيب لم يفصل، وأبو محمد بن أبي زيد حمله على أنه وفاق والله أعلم.
[فصل 2 - في اختلاف المتبايعين في صفة المبيع ونوعه] ومن المدونة: قال ابن القاسم: وكذلك كلما تقاررا أن السلم كان فيه من بغل أو حمار أو رقيق أو عرض أو حيوان فاختلفا في الصفة واتفقا في التسمية أن القول قول البائع إذا أتى بما يشبه ويحلف والمبتاع مدع.
قال مالك: وإن اختلفا في النوع فقال هذا: أسلفتك في حنطة وقال هذا: في شعير، أو قال هذا: في فرس أو قال هذا: في حمار، تحالفا وتفاسخا وإن بعد محل الأجل، ورد إلى المبتاع /رأس ماله.

الجزء: 11 - الصفحة: 267

قال ابن القاسم: ومثل اختلافهما في الكيل إذا تصادقا في النوع المسلم فيه، بمنزلة من ابتاع جارية ففاتت عند المبتاع، فقال البائع بعتها بمئة دينار، وقال المبتاع بل بخمسين ديناراً.
قال مالك: المبتاع مصدق مع يمينه إذا أتى بما يشبه أن يكون ثمناً للجارية يوم ابتاعها، فإن تبين كذبه حلف البائع إن ادعى ما يشبه، وإن أتى بما لا يشبه كان على المبتاع قيمتها يوم اشتراها.
قال ابن القاسم: واختلافهما في السلم في الجنس كقول بائع الجارية بعتها بحنطة، وقال المبتاع بل بشعير، فإنهما يتحالفان ويترادان إن لم تفت، فإن فاتت عند المبتاع ودى قيمتها يوم قبضها، لأنه لو باعها أو أعورت أو نقصت ضمنها، فله نماؤها وعليه نقصانها.
م قال أبو محمد: قوله في هذه المسألة يوم قبضها يعني يوم باعها؛ لأنه بيع صحيح.

الجزء: 11 - الصفحة: 268

وقال ابن شبلون: القيمة في اختلافهما في النوع يوم القبض وجعله فاسداً، والصواب قول أبي محمد.
وقال أبو بكر بن عبد الرحمن: إنما قال يوم القبض؛ لأنها جارية فيحتاج فيها إلى المواضعة، فلذلك لم يقل يوم العقد، وقد تكون أيضاً في أول دمها فيكون يوم القبض يوم العقد.
قال أبو محمد: ولا يفسد البيع الدعوى، ولأن كل واحد يدعي أن البيع صحيح.
وإنما صحيح خالفه في قوله.
م وروي عن أبي الحسن القابسي إذا قال بائع الجارية: أسلفتها في مئة إردب حنطة، وقال المبتاع في خمسين وقد فاتت الجارية ولم يشبه ما قال واحد منهما، قال يلزم المبتاع قيمتها -ولا يقال فيها يحملان على سلم الناس يوم التبايع- كما قال: إذا كان رأس المال عيناً؛ لأن الجاري في الناس والغالب في أمورهم أنهم يتبايعون بالأثمان.

الجزء: 11 - الصفحة: 269

[قال] ابن المواز: وقال أشهب: إذا لم يعرف كذب واحد منهما في السلم -يريد أتيا بما يشبه- تحالفا وتفاسخا، اختلفا في الجنس أو في القلة والكثرة أوفي الصفة والنوع واحد، وإن عرف كذب أحدهما صدق الآخر مع يمينه أو يحملان على الوسط من سلم الناس.
قال أبو محمد: قوله: أو يحملان على الوسط: أراه أراد إذا أتيا بما لا يشبه، وقوله: يتحالفان في القلة والكثرة على أصله في اختلافهما في الثمن أنهما يتحالفان وإن فاتت السلعة.
وقال ابن حبيب: إذا اختلفا في الصفة في جيد ووسط أو في سمراء أو بيضاء وقد انتقد البائع وتفرقا، صدق البائع بيمينه ولم يجعل ذلك كاختلافهما في الجنسين.
وقال فضل بن سلمه: إنهما يتحالفان ويتفاسخان وجعل ذلك كاختلافهما في الجنسين.
م قال بعض أصحابنا: وإذا اختلفا في جنسين فوجب أن يتحالفا ويتفاسخا، فحلف البائع ونكل المشتري ورضي أن يأخذ ما كان حلف عليه البائع وهو غير مصدق له.

الجزء: 11 - الصفحة: 270

قال بعض الناس: إن كان اختلافهما عند حلول الأجل جاز، لأنه كالمبادلة وإن كان قبل حلول الأجل لم يجز.
م: وإذا لم يجز فينتظر الأجل، فإذا كان عند حلول الأجل، فيؤخذ من البائع ما أقربه، فيشتري منه للمشتري مثل دعواه، فإن نقص لم يكن له غيره، وإن فضل منه شيء تصدق به إذ لا يدعيه واحد منهما.
قال بعض أصحابنا: وإذا كان اختلافهما عند حلول الأجل وكان مما لا يجوز أن يبدل بعضه ببعض مثل حنطة وتمر قال: فيؤخذ من البائع ما حلف عليه، ويشتري منه للمشتري ما ادعاه، فإن كان [فيه] فضل أوقف، فإن ادعاه البائع أخذه، وإلا تصدق به عن من هو له، وإن نكل البائع وحلف المشتري أغرم البائع ما قال المشتري، سواء كان هاهنا من صنف ما قال البائع أو من غير صنفه، لأنه محكوم عليه لنكوله بما قال المشتري لأنه لا قدرة له على الامتناع من دفع ذلك لنكوله.

الجزء: 11 - الصفحة: 271

[فصل 3 - في اختلاف المتبايعين في مقدار المبيع] ومن المدونة: قال ابن القاسم: وإن كان رأس مال الطعام عرضاً فاختلفا في كثرة الطعام وقلته واتفقا في جنسه وكان اختلافهما بقرب مبايعتهما أو عند حلول الأجل، فإن لم يحل سوق الثوب ولا تغير، تحالفا وتفاسخا لقوله عليه السلام: «إذا اختلف المتبايعان فالقول ما قال البائع أو يترادان» قال: وإن تغير سوق الثوب أو حال فالقول قول الذي عليه السلم؛ لأنه ثمن الثوب صار ديناً عليه.
[فصل 3 - مسائل من اختلاف المتبايعين في السلم وغيره] قال مالك: وإذا اختلف المتبايعان والسلعة قائمة تحالفا وتفاسخا.
م: واختلف إن قبضها المبتاع وبان بها فقال ابن القاسم في كتاب المكاتب: إن أول قولي مالك في المبتاع مصدق مع يمينه، وإن لم يفت السلعة ولم تتغير ف يسوق أو بدن، ورواه عنه ابن وهب.
وقال ابن القاسم: في هذا الكتاب وغيره: إن البائع مصدق بعد أن يتحالفا ويتفاسخ.
وقال أشهب: إنهما يتحالفان ويترادان، وإن فاتت السلعة بيد المبتاع، إلا أنها إذا لم تفت السلعة بحوالة سوق فأعلى ردت السلعة إلى ربها،

الجزء: 11 - الصفحة: 272

وإن فاتت بذلك ردت إلى القيمة يوم قبضها بعد إيمانهما.
قال ابن القاسم: وبلغني عن مالك نحوه، قال: ويلزم المشتري قيمته يوم بيع إذا فات بعد إيمانهما.
م فوجه قول مالك الأول أن المبتاع إذا أسلمت إليه السلعة فقبضها وصارت ملكاً له، وإنما للبائع عليه ثمن، فهو الغارم، فالقول قوله فيه؛ ولأن الأصول موضوعة أن اليمين في جهة أقوى المتداعين سبباً، والمشتري بعد القبض أقوى سبباً، لأنه حائز، ألا ترى أنه إذا تساوت الدعوى في الشيء وتكافأت البينة فيه أن القول قول الحائز.
ووجه قوله يتحالفان ويترادان إذا لم تفت وهو قول أبي حنيفة أنه لما قال في الحديث القول قول البائع أو يترادان فمتى وجدنا إلى رد السلعة سبيلاً ولم يدخلها فوت، وجب ردها بعد التحالف لظاهر الحديث.

الجزء: 11 - الصفحة: 273

قال عبد الوهاب: وقد رُوي أنه عليه السلام قال: «إذا اختلف المتبايعان فالقول ما قال البائع، فإن استهلكت فالقول قول المشتري»، ورُوي: «إن كانت السلعة قائمة تحالفا وتفاسخا وترادا».
ولأنا لو أوجبنا التحالف بعد الفوت لأوجبنا على المشتري القيمة وربما كانت أضعاف ما يدعيه البائع من الثمن فنكون قد ألزمناه ما لم يدع عليه خصمه.
ووجه قول أشهب وهو قول الشافعي أنا لما وجدناها إذا كانت قائمة ترد بعد التحالف.
وجب رد قيمتها في الفوت بعد التحالف كالبيع الفاسد ترد عين السلعة فيه إذا لم تفت، وقيمتها إن فاتت ويتبع في ذلك ظاهر الحديث أن القول قول البائع أو يترادان، ولم يفصل فاتت أو لم تفت.
قال ابن القاسم في كتاب تضمين الصناع: إذا اختلف المتبايعان في قلة الثمن وكثرته، والسعلة بيد البائع، أُحلف البائع أولاً أنه ما باع إلا بكذا، فإن حلف، خير المبتاع في أخذها بذلك أو يحلف أنه ما ابتاع إلا بكذا، فإن حلف ردت.

الجزء: 11 - الصفحة: 274

[قال] ابن المواز: وذلك أن كل واحد منهما يدعي على صاحبه وهذا قول مالك وأصحابه، وعليه مان مضى من علماء أهل المدينة.
م فإن قيل من أين قالوا يتحالفان ويتفاسخان وإنما قال النبي -صلى الله عليه وسلم- في الحديث «استحلف البائعٍ» وفي آخره «القول قوله أو يترادان».
قيل لولا ما قال النبي -صلى الله عليه وسلم- أو يترادان لزم المبتاع الثمن الذي حلف عليه البائع.
فلما قال ذلك دلت الأصول أن يمين البائع أوجبت على المبتاع ثمناً، فلا يكون له رد السلعة إلا بيمينه كاللعان أن يمين الزوج أوجبت على الزوجة حداً إلا أن يسقطه ما وجب عليها بيمينها.
وقد روي في حدي آخر «يتحالفان ويتفاسخان».
قال ابن القاسم: إلا أن يرضى المبتاع قبل الفسخ بالحكم أخذها بما قال البائع، فذلك له.
وقال سحنون: بل بتمام التحالف ينفسخ البيع كاللعان وقال ابن عبد الحكم: إذا تحالفا ثم أراد البائع أن يرزمها المشتري بما ادعى المشتري فذلك له.
م: وهذا على قول ابن القاسم.

الجزء: 11 - الصفحة: 275

قال أبو إسحاق: وكأن ابن القاسم أراد أن المشتري إنما حلف ليحقق صدقه فيما ادعى، ثم يقول بعد ذلك أنا أرضى أن آخذها بما قال البائع، وإذا فسخ البيع بعد إيمانهما، جاز للبائع أن يطأها إن كانت جارية مع أنه يقر إنها ملك للمشتري وأنه ظلمه في امتناعه من دفع ما ادعى عليه من الثمن؛ لأن الحديث قد أوجب رد البيع، ورد البيع يقتضي انتقاضه وبقاء السلعة ملكاً للبائع.
قال سحنون: قال شريح: إن حلفا يترادا وإن نكلا ترادا وإن حلف أحدهما ونكل الآخر ترك البيع على قول الحالف، وقاله ابن القاسم في كتاب محمد.
وقال ابن حبيب: إذا حلفا فسخ البيع وإن نكلا كان القول قول البائع وذكره عن مالك.
م فوجه قوله إذا نكلا ترادا، فلأنهما قد استويا في الحال، كما لو حلفا؛ لأنه ليس أحدهما أرجح من الآخر.

الجزء: 11 - الصفحة: 276

ووجه قول ابن حبيب أن القول قول البائع إذا نكلا، فلأن البائع أقوى سبباً؛ لأنه المبدأ باليمين والأصل في كل من كان القول قوله فنكل عن اليمين أن يحلف الآخر ويكون الأمر على ما ادعى، فإن نكل كل القول على ما ادعاه الأول.
م وهذا على رواية ابن القاسم في قيامها فأما على رواية ابن وهب الذي يرى القبض كالفوت فإذا قبضت فالقول قول المشتري ويحلف وحده ويأخذها بما ادعى، فإن نكل حلف البائع ولزم المبتاع الثمن الذي ادعاه البائع، فإن كل بقيت بيد المشتري.
ورأيت لعبد الوهاب أنهما إذا نكلا يدخله الاختلاف: قول أنهما يترادان، وقول أن القول قول المشتري لأنه المبدأ باليمين.
م: وقله يترادان غلط.
ومن المدونة: قال ابن القاسم: وكذلك إن قبضها المبتاع ولم تفت فإنهما يتحالفان ويتفاسخان، فأما إن قبضها وفاتت بيده بحوالة سوق أو نماء أو نقص أو بيع أو كتابة أو عتق أو هبة أو هلاك أو تقطيع في الثياب فالقول قول المبتاع مع يمينه فيما يشبه فإن أتى بما لا يشبه فالقول قول البائع فيما يشبه فإن أتى بما لا يشبه أيضاً كان له قيمتها.

الجزء: 11 - الصفحة: 277

وقال محمد بن أبي زمنين: إذا فاتت السلعة وأتيا بما لا يشبه وجب على المشتري قيمتها يوم اشتراها بعد أيمانهما، فإن نكل أحدهما وحلف الآخر فالقول قوله، أشبه أو لم يشبه، وكذلك روى أصبغ عن ابن القاسم عن مالك، وذكره ابن مزين.
قال ابن ابي زمنين: فإن نكلا جميعاً فينبغي على أصل قول ابن القاسم أن تكون على المشتري قيمة السلعة، وعلى [أصل] قول ابن حبيب أن يلزم البائع ما قاله المشتري.
قال ابن المواز: وإنما يراعى ما يشبه إذا فاتت السلعة بيد المبتاع، فأما إن كانت قائمة بيد المبتاع لم تفت فلا بد من التحالف والتفاسخ، وإن أتى أحدهما بما يشبه والآخر بما لا يشبه.
قال: وسواء كانت هذه السلعة حيواناً أو طعاماً يكال أو يوزن أو عرضاً وسواء نقد ثمنها أو لم ينقده، فإنهما يتحالفان ويتفاسخان إن لم تقبض، فإن قبضها المبتاع كان القول قوله.
يريد على قول مالك الأول.

الجزء: 11 - الصفحة: 278

م وقيل أنهما يتحالفان ويتفاسخان إذا أتيا جميعاً بما يشبه أو بما لا يشبه، وأما إذا أتى أحدهما بما يشبه والآخر بما لا يشبه فالقول قول من أتى بما يشبه، وقاله ابن الماجشون.
وقد تقدم لأشهب في كتاب محمد ما يؤيد هذا، قال: إذا اختلفا في السلم، فإن لم يعرف كذب واحد منهما -يريد ابتاعا بما يشبه- تحالفا وتفاسخا، اختلفا في الجنس أو في القلة والكثرة أو في الصفة والنوع واحد، وإن عرف كذب أحدهما صدق الآخر مع يمينه.
فهذا من قوله يدل أن كل موضع يتحالفان فيه ويتفاسخان يراعى فيه من أتى بما يشبه.
فصل [4 - اختلاف المتبايعين في الأجل] ومن المدونة: قال مالك: ومن أسلم في سلعة إلى أجل فادعى حلوله، وقال البائع لم يحل، فالقول قول البائع قيما يشبه -يريد مع يمينه-.
قال ابن القاسم: فإن لم يأت بما يشبه صدق المبتاع فيما يشبه، وقد قال مالك فيمن ابتاع سلعة وفاتت عنده وادعى أن الثمن إلى أجل كذا، وقال البائع إلى أجل دونه.
أن القول قول المبتاع، والبائع كمقر بأجل يدعي حلوله.
قال ابن القاسم: وهذا إذا أتى بما يشبه وإلا صدق البائع.

الجزء: 11 - الصفحة: 279

قال في كتاب تضمين الصناع: وإن لم تفت تحالفا وردت السلعة.
ولو قال البائع بعتها حالة، وقال المبتاع بل إلى شهر فإن لم تفت حلفا وردت، فإن فاتت فالقول قول البائع، والمبتاع مدع للأجل.
ومن رواية يحيى بن يحيى: وقال أيضاً إن فاتت بيد المبتاع باختلاف سوق أو غيره فالقول قوله.
وروى البن وهب فيها وفي الأولى أن المبتاع مصدق مع يمينه إن قبضها، وإن لم تفت اختلافهما في قلة الثمن وكثرته.
وقد قال مالك في كتاب الوكالات في قول البائع بعتها حالة وقال المبتاع إلى أجل وقد فاتت: إن ادعى المبتاع أجلاً يقرب لا يتهم فيه، صدق مع يمينه وإلا صدق البائع.
وكذلك قال في كتاب الرهن.
وقال فيه ابن القاسم لا يصدق المبتاع في الأجل ويؤخذ بما أقر به من المال حالاً إلا أن يقر بأكثر مما ادعاه البائع، فلا يكون للبائع إلا ما ادعى.

الجزء: 11 - الصفحة: 280

م والأصل في هذا وهو قول مالك أن القول قول الغارم في جميع هذه المسائل إذا أتى بما يشبه، فإنه أتى بما لا يشبه كان القول قول الآخر فيما يشبه إلا ما ذكرنا من اختلاف قول ابن القاسم في قول البائع بعتها حالة، والصواب قوله أن القول قول المشتري؛ لأنه جار على الأصل فاعرفه وابن عليه وبالله التوفيق .. فصل [5 - في اختلاف المتبايعين في دفع الثمن أو قبض المبيع] ومن المدونة: قال مالك: وإذا اختلفا في دفع الثمن في الربع والحيوان والرقيق والعروض وقد قبضه المبتاع وبان به، فالبائع مصدق مع يمينه إلا أن تقوم بينة إلا في مثل ما يبتاع الناس على النقد كالصرف، وما بيع في الأسواق من اللحم والفواكه والخضر والحنطة والزيت ونحوه -وقد انقلب به المبتاع- فالقول قوله أنه دفع الثمن مع يمينه واختلف فيه إن لم يفارقه.
قال ابن حبيب: أما الرقيق والدواب والربع والعقار فالبائع مصدق وإن تفرقا ما لم يطل، فإن مضى عام أو عامان فالقول قول المبتاع ويحلف، وليس يباع مثل هذا على التقاضي فأما البر وشبهة من التجارات مما يباع على التقاضي وعلى الآجال، فإن قام البائع على المبتاع ما لم يطل جداً فزعم أنه لم

الجزء: 11 - الصفحة: 281

يقبض الثمن حلف وصدق، وإن قام بعد طول مثل عشر سنين أو أقل منها مما لا يباع ذلك إلى مثله صدق المبتاع ويحلف، وقال ذلك مطرف وابن الماجشون عن مالك وقالا به.
وساوى ابن القاسم بين البر والربع وغيره ما عدا الزيت والحنطة ونحوه، وجعل القول قول البائع في ذلك كله وإن بعد عشرين سنة حتى يجاوز الوقت الذي يجوز البيع إليه.
وبالأول أقول.
وذكر ابن أبي زمنين فيما يباع على النقد مثل ما تقدم، ثم قال: وسواء عند ابن القاسم كان ذلك قليلاً أو كثيراً وأنكر ذلك يحيى بن عمر فيما كثر، وقال ذلك مثل السلع والقول فيه قول البائع.

الجزء: 11 - الصفحة: 282

م والأصل في ذلك كله أن يحمل على العرف في تلك السلعة فيقضى به.
ومن العتبية: قال ابن القاسم: وإذا طلب البائع الثمن فقال المشتري لم أقبض السلعة، وقال البائع قد قبضتها، فإن كان قد أشهد له بالثمن فليؤده ولا يصدق أنه لم يقبضها.
قال أصبغ: ويحلف له البائع إن كان بحرارة البيع والإشهاد، فأما أن يكف حتى يحل الأجل وشبهه فلا قول له ولا يمين له على البائع.
وقال ابن أبي ليلى على البائع البينة بدفع السلع، وخالفه سحنون وقال: إذا أشهد المبتاع على نفسه بالثمن، فلا يصدق أنه لم يقبض السلعة.
وقال محمد بن عبد الحكيم: إذا شهد شاهدان على رجل أن لفلان عليه مئة دينار من ثمن سلعة اشتراها منه لم أقبل ذلك، ولم ألزمه إياها حتى يقولا: إنه قبض السلعة، وكذلك لو قال: باعه سلعة بمئة دينار، لم يقبض بذلك عليه؛ لأنه ليس في شهادتهما ما يوجب أنه قبض السلعة.
قتل أبو إسحاق: والأشبه أنه إذا أشهد على نفسه بالثمن أن البائع مصدق في دفع السلعة إذ الغالب أن أحداً لا يشهد على نفسه بالثمن إلا وقد قبض العوض عنه.

الجزء: 11 - الصفحة: 283

ومن الواضحة: وإذا أشهد على البيع وقبض الثمن ثم قال البائع: أشهدت لك بقبضه ثقة مني بك، ولم توفني جميعه فاحلف، فقال المشتري: أوفيتكه ولا أحلف ولي بينه، فقال مالك وأصحابه: لا يمين عليه، وقال ابن حبيب: إلا أن يأتي بسبب يدل على ما ادعاه أو يتهم فيحلف.
وفي كتاب محمد: أنه يحلف، ولم يراع ذلك.
ومن المدونة قال: وإذا ادعى أحدهما في السلم أنه لم يضربا له أجلاً وأن رأس المال تأخر شهراً بشرط، وأكذبه الآخر، فالقول قول مدعي الحلال منهما مع يمينه؛ لأنه ادعى بيع الناس الجائز بينهم إلا أن تقوم بينة بخلاف ذلك.
وإن تناقضا السلم واختلفا في مبلغ رأس المال، فالقول قول الذي عليه السلم، لأنه غارم.

الجزء: 11 - الصفحة: 284

قال سحنون في كتاب ابنه: إذا سلم في طعام أو عرض ثم تقايلا واختلفا في رأس المال أن الإقالة منفسخة، ولا يتحالفان قال: وهو قول أصحابنا، قال: ومسألة المدونة تناقضا السلم، يريد بفساد.
قال أبو محمد: انظر مسألة ابن سحنون في البائع يقول بعتك بخمر ويقول المبتاع بل بدنانير، أنهما يتحالفان ويتفاسخان بخلاف أن يدعي أحدهما حلالاً والآخر حراماً.
م وحكي لنا عن بعض شيوخ أفريقية في دعوى أحدهما الحلال والآخر الحرام أنه قال: إن كان الفساد المدعى فيه فساداً في العقد كبيع يوم الجمعة أو بيع غرر، فالقول قول مدعي الصحة، وإن كان اختلافاً في الثمن أو فيما يؤدي إليه كالاختلاف في الأجل ونحوه؛ -لأنه يريع إلى الاختلاف في الثمن- فإنهما يتحالفان ويتفاسخان.
قال غيره: والذي يبدأها هاهنا مدعي الفساد باليمين، فإن حلف، نقضت البيع؛ لأني لو بدأت مدعي الحلال فحلف، لحلف مدعي الحرام

الجزء: 11 - الصفحة: 285

وفسخ البيع فصارت يمين مدعي الحلال لا تفيد شيئاً، وإن نكل مدعي الحرام أو لا حلف مدعي الحلال ويصح البيع.
م وهذا كله على قول من لا يراعي ما يشبه إذا كانت السلعة قائمة، وأما على قول من يراعي ما يشبه، فالقول قول مدعي الحلال، كان الاختلاف في الثمن أو في العقد؛ لأن مدعي الحلال ادعى ما يشبه من بيوع الناس الجارية بينهم وبالله التوفيق.
قال بعض أصحابنا: ونحا الشيخ أبو بكر بن عبد الرحمن إلى أنه إنما يكون القول قول مدعي الصحة إذا فاتت السلعة، وأما إذا كانت قائمة فيتحالفان ويتفاسخان.
وذهب إليه بعض حذاق أصحابه.
وذكر أن مسألة الكتاب إذا قال أحدهما شرطنا تأخير رأس مال السلم، وقال الآخر بل شرطنا النقد، إنما ذلك إذا حل الأجل، وأما إذا كان بقرب عقد السلم فإنهما يتحالفان ويتفاسخان.
قال: وقال بعض شيوخنا من القرويين: إذا ادعى أحدهما صحة والآخر فساداً أن القول قول مدعي الصحة فاتت السلعة أو لم تفت.
م وهذا على ما قلانه في مراعاة ما يشبه أم لا.
وفي كتاب محمد: إذا اختلفا في ذلك في اليمن أنهما يتحالفان ويتفاسخان.
وقاله بعض شيوخنا ولا يقال هاهنا القول قول مدعي الصحة؛ لأن اختلافهما في الثمن يوجب التحالف، فكيف إذا ادعى أحدهما مع ذلك فساداً، قال: وترتيب

الجزء: 11 - الصفحة: 286

تحالفهما في قيام السلعة أن يحلف مدعي الصحة، فإذا حلف قيل لمدعي الفساد، إن نكلت لزمك ما قال وإن حلفت فسخ البيع وإن نكل مدعي الصحة فلا معنى ليمين مدعي الفساد؛ لأنه سواء حلف أو نكل، البيع يفسخ.
ومن المدونة: ومن قال لرجل أسلمت إليك هذا الثوب في مئة إردب حنطة، وقال الآخر بل هذين الثوبين سواء في مئة إردب حنطة، وأقاما جميعاً البينة على ذلك، لزمه أخذ الثلاثة الأثواب في مئتي إردب حنطة لأنهما صفقتان.
م يريد وسواء كانا في مجلس أو مجلسين؛ لأن ل بينة أثبتت حكماً غير ما أثبتت صاحبتها ولا وق لمن نفى ما أثبت غيره، وفي كتاب ابن حبيب اختلاف في هذا الأصل ولو لم يقيما بينة لتحالفا وتفاسخا.
قال ابن القاسم ولو قال المسلم إليه: أسلمت إليّ الثوب الذي ذكرت مع هذا العبد فيما سميت، وأقاما البينة، فهذا سلم واحد إلا أني أقضي بالبينة الزائدة، فيأخذ الثوب والعبد وتلزمه المئة إردب كشاهد له على خمسين وآخر على مئة، فإن شاء حلف وأخذ المئة، يريد أو أخذ الخمسين بغير يمين ورد اليمين في الخمسين الباقية على المشهود عليه، فإن حلف برئ، وإن نكل غرمها.

الجزء: 11 - الصفحة: 287

م وقد اختلف القول في المدونة في مثل هذا النوع هل هو تهاتر أو يقضي بالزيادة، والصواب أن يقضي بالزيادة.
ومن المدونة: ولو قال أسلمت إليّ الثوب مع العبد في مئة إردب شعير، وكذلك قالت بينته.
قُضي بأعدل البينتين، فإن تكافأتا كانا كمن لا بينة لهما، فيتحالفان ويتفاسخان لاختلافهما في الجنس.
قال: وإن ادعى الذي له السلم أنه اشترط الوفاء بالفسطاط، وقال الآخر: بل بالإسكندرية، فالقول قول من ادعى موضع التبايع مع يمينه، فإن لم يدعياه فالقول قول البائع لأن المواضع كالآجال.
وإن تباعدت المواضع حتى لا يشبه قول واحد منهما تحالفا وتفاسخا وترادا.
وقال سحنون: القول قول البائع، وإن ادعى على المبتاع القضاء بحيث دفع الثمن.
م لأنه غارم.

الجزء: 11 - الصفحة: 288

[الباب الخامس]

في الوكالة في السلم والبيع والتعدي فيه

[الفصل 1 - في السلم والبيع والشراء عن الغير بإذنه وبغير إذنه] وقد قامت السنة بإجازة الوكالة، وأن من تعد على مال غيره فقد ضمنه، قال مالك: ومن أخذ لرجل سلماً بأمره لزمه.
قال: وإن شرط عليك المبتاع، أنه إن لم يرض الرجل فالسلم عليك، جاز.
قال: وكذلك إن

الجزء: 11 - الصفحة: 289

ابتعت لرجل سلعة بأمره من رجل يعرفه، فاشترط عليك البائع أن الرجل إن أقر له بالثمن وإلا فهو عليك نقداً أو إلى أجل فلا بأس بذلك.
وقال سحنون: لا يجوز ذلك، وقاله أشهب.
م وهو القياس؛ لأن البائع في حين البيع لم تتقرر له ذمة يطلبها.
ووجه قول مالك: كأنه حمل الوكيل على الصدق، وأن ذمة الآخر هي المبتوعة إلا أن يطرأ منه إنكار فيتبع الوكيل، فكأن الوكيل تكفل له بذلك إن أنكر الآمر، فهو كقول الرجل: بع من فلان سلعتك وأنا به كفيل، فالثمن متقرر في ذمة المبتاع إلا أن يطرأ عدم أو غيبة فتبع الكفيل، فطريان إنكار الآمر كطريان عدم المبتاع.
قال بعض القرويين: إنما ينبغي أن يجوز هذا إذا استوت الذمتان، وأما أن اختلفتا لم يجز.
قال: ووقع له في كتاب الاستحقاق في الذي أكرى داراً سنة ثم استحقها رجل بعد ستة أشهر، فأراد أن يجيز الكراء ويأخذ كراء بقية الشهور وقد كان نقد الكراء، أنه إن كان ثقة أو أتى بحميل فذلك له.
وقال في

الجزء: 11 - الصفحة: 290

المغصوب منه إذا جاز البيع في سلعته فلا خيار للمشتري في ذلك، فيحتمل أن تكون ذمة المستحق مثل ذمة البائع أو خيراً منها، فلذلك لم يجعل له خياراً.
وفي كتاب محمد: إذا باع من رجل سلعة ثم أقر بعد البيع أنها لغيره، فإن ثبت ذلك، فالمشتري بالخيار إن شاء أخذ على أن تكون عهدتها على صاحبها وإن شاء رد، إلا أن يكتب له هذه العهدة على صاحبها، قال: وهذه بخلاف من أراد شراء سلعة من رجل فقال له: إني حلفت أن لا أبيعها من فلان، فقال له: إنما أبتاعها لنفسي ثم ثبت أنه ابتاعها لفلان فقد حنثه في اليمين ولم يجعل له خياراً في نقض البيع.
والفرق بين ذلك أن هذا إنما باع بدراهم، والدراهم لا تستحق في أغلب العادة؛ فكأنه بخلاف السلع فافترقا.
م وقول ابن القاسم في مسألة الكتاب فيه ضعف وما قدمت له من التوجيه أبين في ذلك والله أعلم.

الجزء: 11 - الصفحة: 291

[فصل 2 - فيمن وكل من يشتري له جارية أو ثوباً أو نحوهما ولم يصف ذلك] ومن المدونة قال مالك: ومن أمر رجلاً يشتري له جارية أو ثوباً ولم يصف له ذلك، فإن اشترى له ما يصلح أن يكون من ثياب الآمر أو خدمة جاز ولزم الآمر، وإن ابتاع له ما لا يشبه أن يكون من خدمة ولا من ثيابه، فذلك لازم للمأمور ولا يلزم الآمر إلا أن يشاء، قال: ومن أبضع مع رجل أربعين ديناراً في شراء جارية ووصفها له فاشتراها له بأقل من الثمن أو بنصفه أو بزيادة دينار أو دينارين أو ما يشبه أن يزاد على الثمن لزمت الآمر إن كانت على الصفة وكانت مصيبتها منه إن ماتت قبل أن يقبضها، ويغرم الزيادة للمأمور في الوجهين؛ لأنها جاريته لا خيار له فيها.

الجزء: 11 - الصفحة: 292

قال أبو إسحاق: وإذا قال إني زدت الدينار والدينارين في السلعة التي أشتري على الأربعين ولم يعلم ذلك إلا من قوله، لحلف وكان له الرجوع بذلك على الآمر؛ لأنه كالمأذون له في ذلك، فأشبه ما لو قال له: اشتر لي سلعة من عندك وأسلفني ثمنها، فقال: اشتريتها وضاعت، يحلف وكان له الرجوع بذلك على الآمر وإن لم يظهر شراؤه.
وهذا أبين لظهور الشراء، إلا أن فيه إشكالاً؛ لأن الشراء هاهنا قد يكون بأربعين خاصة، فليس ظهور الشراء يحقق أنه أسلف، وأما ظهور الشراء فيما قال له أسلفني واشتر لي فيسقط عنه اليمين، ويرجع عليه بالثمن إلا أن يكون من أهل التهم فيحلف على الضياع الذي ادعاه.
قال: وإن كانت زيادة كثيرة لا يزاد مثلها على الثمن، خير الآمر في دفع تلك الزيادة وأخذ الجارية، فإن أبى لزمت المأمور وغرم للآخر ما أبضع معه، وإن هلكت قبل أن يختار الآمر فمصيبتها من الأمور، ويغرم للآمر ماله، وتمام هذا في كتاب الوكالات.
قال بعض القرويين: هذه المسألة على أربعة أوجه: أما أن يسمى له الثمن والصفة أو لا يسميها، أو يسمي له أحدهما، فأما إن لم يسم له ثمناً ولا صفة فما اشترى له مما يشبه من ثيابه أو خدمة لزمه، وإن سماها فاشترى بالثمن أو فوقه بيسير أو دونه بقليل أو كثير فإنه يلزمه، وإن وصف له ولم يسم الثمن فلا يبالي بما اشترى له من الثمن، وإن سمى الثمن خاصة ولم يصف فلا يبالي بما اشترى له كان مما يشبه

الجزء: 11 - الصفحة: 293

أو لا يشبه؛ لأنه قد أبان له قدر ذلك.
قال بعض أصحابنا: ينبغي أن لا يلزمه إلا إذا اشترى له ما يشبه، وإن سمى الثمن خاصة.
فصل [3 - فيمن وكل رجلاً ليسلم لك في طعام فأسلم إلى نفسه أو إلى من يتهم بالمحاباة معه] قال ابن القاسم: وإن دفعت إلى رجل مالاً وأمرته أن يسلمه لك في طعام، فأسلمه إلى نفسه، أو إلى ولده، أو ولد ولده، أو شريك له مفاوض، أو شركة عنان أو إلى زوجته أو أحد أبويه أو جده أو جدته أو مكاتبه أو مدبره أو أم ولده -يريد المأذون لهم في التجارة- أو عبده المأذون له في التجارة أو عبد ولده الصغار أو عبد أحد ممن ذكرنا أو إلى ذمي، فذلك كله جائز إن صح بغير محاباة ما خلا نفسه أو من يلي عليه من ولد أو يتيم أو سفيه وشبهه أو شريكه المفاوض، إذ كأنه أسلمه إلى نفسه.

الجزء: 11 - الصفحة: 294

قال سحنون: إلا أن يكون في غير المال الذي فاوضه فيه، قال: ويجوز إلى ابنه الصغير أو يتيمه، لأن العهدة في أموالهما.
قال يحيى بن عمر: ولا يجوز عندي إلى عبده أو مدبره وأم ولده أو من هو في ولايته من الأحرار.
م قال بعض شيوخنا: وإنما لم يجز أن يسلم ذلك إلى نفسه أو من يلي عليه وإن أحضر الثمن في وقت العقد؛ لأن العرف في هذا يقتضي أن من أمر أن يسلم في شيء أو يشتري ويبيع شيئاً إنما يقتضي أن يفعل ذلك مع غيره لا مع نفسه، وإذا فعل ذلك صار كالمتعدي الذي لم يؤذن له فيه.
وصار الثمن ديناً عليه في ذمته فرضاه بذلك فسخ دين في دين.
قال أبو إسحاق: لو لم يفطن لذلك حتى حل الأجل لجازم له أن يجيز ذلك ويأخذ الطعام إن شاء أو يأخذ رأس المال.

الجزء: 11 - الصفحة: 295

[فصل 4 - في توكيل النصراني واستئجاره وهل لسيده المسلم منعه من المحرمات] قال مالك: ولا يجوز لمسلم أن يستأجر نصرانياً إلا للخدمة فأما البيع أو شراء أو تقاض أو ليبضع معه فلا يجوز، فعلمهم بالربا واستحلالهم له.
قال بعض شيوخنا من القرويين: ولأنه في وكالته على الاقتضاء يتسلط على المسلمين.
قال: ولا يمنع المسلم عبده النصراني أن يأتي إلى الكنيسة ولا من شرب الخمر أو أكل الخنزير أو يبيعها أو يشتريها؛ لأن ذلك من دينهم.
قال بعض أصحابنا: يريد وذلك في الشيء اليسير الذي يبتاعه لقوته وإلا فهو يمنعه فيما يحل له تملكه من بيعه وشرائه، فكيف بالخمر والخنزير.
قال ابن القاسم: ولا يشارك المسلم ذمياً إلا أن يغيب على بيع أو شراء بحضرة المسلم، قال: ولا بأس أن يساقيه إذا كان الذمي لا يعصر خمراً، قال: ولا أحب لمسلم أن يدفع لذمي قراضاً لعمله بالربا ولا يأخذ منه قراضاً لئلا يذل نفسه -يريد وإن وقع لم يفسخ-.

الجزء: 11 - الصفحة: 296

قال: ومن وكل عبداً مأذوناً له في التجارة أو محجوراً عليه يسلم له في طعام، ففعل فذلك جائز.
فصل [5 - في الوكيل يوكل غيره] قال مالك: ومن وكل رجلاً يسلم له في طعام ففعل فوكل الوكيل غيره لم يجز.
يريد: لا يجوز للآمر أن يرضى بفعله، إذ بتعديه صار الثمن ديناً في ذمته ففسخه فيما لا يتعجله، فذلك فسخ الدين في الدين وقد نُهي عنه إلا أن يكون أجل السلم قد حل وقبض ما أسلم له فيه فلا بأس أن يأخذه منه؛ لأنه سلم من الدين في الدين ومن بيع الطعام قبل قبضه.
وقال سحنون: لا يجوز للآمر أن يرضى بفعل المأمور إلا أن يكون مثله لا يتولى السلم بنفسه، فيجوز للآمر أن يرضى بفعل المأمور.
م يريد لأنه فعل ما يجوز له فلم يتخلد في ذمته دين فيكون رضاه بفعله، ففسخ الدين في الدين.

الجزء: 11 - الصفحة: 297

قال بعض أصحابنا: ويعلم الآمر بذلك، وأما إن لم يعلم فيضمن هذا إلا أن يوكل الرجل الشريف الحال الذي يعلم الناس أنه يوكل غيره ولا يمكن أن يباشر ذلك بنفسه، فلا يصدق الآمر أنه ما علم بذلك؛ لأنه ادعى ما لا يخفى علمه عليه ولا عليه غيره في أغلب العادة، والله أعلم.
قال أبو إسحاق: انظر لو لم يعلم ذلك رب المال بأن مثله لا يلي هذه الأمور، لجهله بحاله، وكان الوكيل مشهوراً فإنه لا يتولى مثل هذا، فيقول الوكيل: ليس جهل من وكلني -مع اشتهار حالي- بالذي يوجب عليّ لا يضمن ولا يصدق الدافع أن ذلك خفي عليه من أمره، وأما غير المشهور فرضاه بالوكالة يدل على أنه هو المتولي حتى يعلم رب المال أنه لا يتولى.
وذكر ابن حبيب أن ابن القاسم روى عن مالك أنه إذا وكل الوكيل الأول غيره أن للآمر أن يجيز ذلك ويكون الطعام له أو يأخذ رأس ماله

الجزء: 11 - الصفحة: 298

من الوكيل الأول، قال: وأنكر ذلك أصبغ ومن لقيت من أصحاب مالك، وقالوا: إن أسلف المأمور الآخر إلى أهل الثقة، وتوثق وصنع ما ينبغي له، لزم ذلك الآمر ولا خيار له، وإن لم يكن على ذلك غرم الوكيل الأول الثمن للآمر، وبقي له الطعام ولم يكن للآمر الخيار في أخذه.
وبه أقول.
[فصل 6 - في الوكيل يُدفع له مال لسلم أو لشراء فيخالف ما أمر به] ومن المدونة: قال ابن القاسم: وإن دفعت إليه دراهم ليسلمها في ثوب هروب فأسلمها في بساط شعر، أو ليشتري لك بها ثوباً فأسلمها في طعام أو في غير ما أمرته به أو زاد الثمن ما لا يزاد على مثله، فليس لك أن تجيز فعله وتطالب ما أسلم فيه من عرض أو طعام وتدفع إليه ما زاد، لأن الدراهم لما تعدى عليها المأمور وجبت عليه ديناً ففسخها فيما لا يتعجله وذلك دين بدين، ويدخل في أخذك للطعام الذي أسلم فيه مع ما ذكرنا بيعه قبل قبضه، لا شك فيه؛ لأن الطعام قد وجب للمأمور بتعديه، وليس له بيعه حتى يقبضه، وسلم المأمور لازم له، ليس له ولا لك فسخه، ولا شيء لك أنت على البائع وإنما لك أنت على المأمور ما دفعت إليه من الثمن.

الجزء: 11 - الصفحة: 299

م يريد إلا أن يكون في البساط إن بيع بنقد فضل، فله بيعه وأخذ جميع الفضل؛ لأن كل مأذون له في حركة المال لا يجوز له أن يستبد بشيء من الفضل، والآمر مقدم عليه، هذا أصلهم وقاله غير واحد من أصحابنا.
وقال أشهب في غير المدونة في الدنانير يأمره فيها بشراء شيء فيسلم ذلك في عرض أو حيوان أو غيره، فإنه يؤخذ منه الدنانير الآن ويستأنى بالدين، فإذا قُبض بِيعَ، فإن كان فيه فضل أخذه وإن كان نقص فعلى المأمور، واستحسن ذلك يحيى بن عمر.
[فصل 7 - في الوكيل يؤمر بسلم أو بشراء ولم يدفع له مال فيخالف ما أمر به] ومن المدونة: قال ابن القاسم: ولو لم تدفع إليه ثمناً وأمرته أن يسلم لك من عنده في قمح أو جارية أو ثوب، فأسلم في غير ما أمرته به من طعام أو عرض أو فيما لا يشتري لمثلك من جارية أو ثوب، فلك أن تترك ذلك ولا يلزمك من الثمن بشيء، أو ترضى به وتدفع إليه الثمن؛ لأنه لم يجب لك عليه دين ففسخته، وكأنه ولاك ذلك ولا يجوز هاهنا أن يؤخرك بالثمن يوماً أو ساعة، وإن تراضيتما بذلك، لأنه لا يلزمك ما أسلم فيه إلا برضاك فكأنه يبيع مؤتنف لدين له وتولية، فتأخير الثمن فيه دين بدين.

الجزء: 11 - الصفحة: 300

م قال بعض أصحابنا: لم يذكر هاهنا حضور الذي عليه الطعام، والطعام لا تجوز فيه التولية إلا أن يكون الذي عليه الطعام حاضراً مقراً، فتحمل هذه المسألة على الأصل ويكون معناها والذي عليه الطعام حاضراً مقراً.
[فصل 8 - فيمن وكل يبيع سلعة بنقد فباعها نسيئة] قال مالك: وإن أمرته ببيع سلعة فأسلمها في عرض مؤجل أو باعها بدنانير مؤجلة لم يجز بيعه، فإن أدرك البيع فسخ، وإن لم يدرك بيع العرض بعين نقداً أو بيعت الدنانير بعرض نقداً ثم بيع العرض بعين نقداً، فإذا كان ذلك مثل القيمة أو التسمية إن سميت فأكثر كان ذلك لك، وما نقص من ذلك ضمنه المأمور.
ولو أسلمها في طعام أغرمته الآن التسمية أو القيمة إن لم تسم له ثمناً، ثم استئوني بالطعام، فإذا حل أجله استوفى ثم بيع، فكانت الزيادة لك والنقص عليه.
م قال بعض أصحابنا: وإنما يكون على المأمور أن يبيع من الطعام بمقدار القيمة أو التسمية التي لزمته، والزائد ليس عليه بيعه إلا أن يشاء؛ لأن باقي الطعام للآمر فاعلمه.

الجزء: 11 - الصفحة: 301

ومن كتاب أبي إسحاق التونسي رحمه الله: ولو أمره أن يبيع بعشرة أقفزة إلى أجل فباعها بعشرة نقداً فلا كلام لربها؛ لأن الدراهم لو عجلت له لم يكن له كلام، ولو أمره ببيعها بعشرة أقفزة نقداً لكان له فسخ البيع إن كانت قائمة أغو إغرامه القيمة إن كانت فائتة إذ لا يقدر من عليه الطعام أن يعجله فيقول إنما أردت أن يكون لي طعام في ذمته ولم أرد أن يكون نقداً.
ومن العتبية: قال عيسى عن ابن القاسم: وإن أمره أن يبيعها بعشرة نقداً فباعها بخمسة أن عليه تمام العشرة لإتمام القيمة، وإن باعها بخمسة عشر إلى أجل قال: يباع الدين بعرض نقداً، فذكر مثل ما في المدونة.
قال: ولو قال المأمور للآمر: أنا أعطيك عشرة نقداً وأقبضها من الخمسة عشر إذا حلت وتقبض أنت خمسة، فإن كانت الخمسة عشر لو بيعت بيعت بعشرة فأقل جاز ذلك إذا عجل العشرة.

الجزء: 11 - الصفحة: 302

م لأن الذي يصح للآمر لو بيعت الخمسة عشر حينئذ عشرة نقداً، فإذا دفعها المأمور إليه وزاده خمسة مؤجلة فقد أحسن ولا نفع له في ذلك، ولأن للمأمور شراءها إذا بيعت كالأجنبي، فلا يغرم إلا عشرة، فإذا دفع إليه العشرة الآن والخمسة الزائدة عند الأجل فقد أحسن.
قال ابن القاسم: وإن كانت الخمسة عشر تساوي أحد عشر أو اثني عشر لم يجز؛ لأنه كأنه فسخ دينارين في خمسة إلى أجل.
م يريد لأنه وجبت له الآن الإثنا عشر ثمن الخمسة عشر، فقبض منها عشرة وفسخ الاثنين في الخمسة التي يقبضها عند الأجل.
قال عيسى: وقال أشهب: لا يجوز ذلك إن سويت الخمسة عشرة أقل من عشرة؛ لأنه سلف جر منفعة.
م يريد وإن سويت عشرة سواء جاز، لأنه إذا سويت أقل من عشرة غرم المأمور تمام العشرة، فكأنه قال له: لا تبعها فتغرمني تمام العشرة وأنا أسلفك الآن عشرة وأقبضها من الخمسة عشر إذا حلت، ويكون لك الخمسة الباقية.
قال ابن المواز: قال مالك: ولو رضي الآمر أن يجيز فعله ويأخذ الخمسة عشر المؤجلة كلها لم يجز؛ لأن المأمور قد ضمن العشرة التي سمي له فدفع فيها

الجزء: 11 - الصفحة: 303

الخمسة عشر المؤجلة قيل: فإن رضي الآمر أن يأخذ من المأمور العشرة التي أمره بها نقداً ويسلم إليه الخمسة عشر قال: لا يجوز أيضاً لأنه باع الخمسة عشر ثمن سلعته التي هو أملك بها العشرة النقد التي قبض منه.
قال ابن المواز في كتاب آخر: وإن لم يسم له ثمناً فباعها بثمن مؤجل فري به الأمر، فإن كانت السلعة قائمة بيد المشتري لم تفت فرضاه جائز.
م يريد لأنه لما كان قادراً على ردها فكأنه هو اليوم باعها.
قال: وإن فاتت لم يجز.
م يريد وهذا إذا كانت قيمة السلعة أقل مما باعها به؛ لأنه قد وجبت له القيمة نقداً ففسخها في أكثر منها، وكذلك في العتبية من رواية يحيى بن يحيى عن ابن القاسم قال فيها: وإن كان باعها بمثل القيمة فأقل جاز أن يرضى به؛ لأنه مرفق منه بالمتعدي إذا فسخ ما وجب له عليه في مثله أو أقل.
قال: وإن باعها بأكثر من القيمة فرضي المعتدي أن تعجل له القيمة ويقبض ذلك لنفسه عند الأجل ويدفع ما زاد على القيمة إلى الآمر، أجبر الأمر على ذلك، ولم يكن من بيع الدين بالدين.
م وهذا خلاف ما تقدم في صدر المسألة من رواية عيسى عن ابن القاسم وأشهب في إذا سمى له ثمناً، لأنهما إنما راعوا فيه قيمة الخمسة عشر المؤجلة، هل ذلك أقل من التسمية أو أكثر؟ فعلى قياس هذا ينبغي أن ينظر كم قيمة الثمن

الجزء: 11 - الصفحة: 304

المؤجل الذي باعها به، هل هو أكثر من قيمة السلعة أو أقل؟ والمسألتان سواء، يدخلهما القولان فيما إذا سمى له ثمناً أو لم يسمه فاعرفه.
[فصل 9 - فيمن وكل ببيع سلعة بعين فباعها بغير ما أمر به] ومن المدونة قال مالك: وإن باعها المأمور بغير العين من عرض أو غيره وانتقد، فأحب إليّ أن يضمن المأمور إلا أن يجيز الآمر فعله ويأخذ ما باع به.
فإن باعها من نفسه ووجدها في يديه لم تفت أخذها، وإن فاتت بنماء أو نقصان أو اختلاف أسواق كان مخيراً بين أن يأخذ منه ما أمره أن يبيعها به وبين أن يأخذ قيمتها إذا كان أمره أن يبيعها بالعين، وإن كان أمره أن يبيع بالعرض لم يكن له عليه إلا القيمة ولم يجبر، وإن ابتاعها لنفسه بمثل العرض كان ربها بالخيار إن شاء أخذ العرض وإن شاء أخذ قيمة السلعة.
وروى يحيى بن يحيى عن ابن القاسم أنه لا يكون الفوت هاهنا حوالة الأسواق ولا الصبغ ولا الخياطة إنما الفوت هاهنا ذهاب السلعة.

الجزء: 11 - الصفحة: 305

[ومن العتبية] قال في كتاب محمد: الآمر مخير في أن يجيز ذلك أو تباع له السلعة المأخوذة، فإن كان فيها زيادة أخذها، وإن نقصت عن القيمة غرم المأمور تمامها، وذلك إذا كانت سلعة الآمر لم تتغير بسعر ولا بدن.
وقال غير ابن القاسم في كتاب الوكالات من المدونة: فإن باعها بطعام ولم تفت فليس له تضمينه وليأخذ سلعته أو يجيز البيع، وإن فاتت فله إن شاء القيمة أو ما بيعت به.
م وهذا أجود، وإنما يصح ما ذكر ابن المواز من تضمين المأمور وإن كانت السلعة قائمة إذا لم يعلم أنها للآمر إلا بقول المأمور، فلم يكن له سبيل إلى نقض صفقة المشتري وضمن المأمور لإقراره بالتعدي، وأما إن علم بالبينة أنها للآمر لم يكن له سبيل إلى تضمين المأمور، وليس له إلا أن يجيز فعله أو يرد، وعلى هذا التأويل يتفق ما في كتاب محمد وما في كتاب الوكالات، فاعلم.
[فصل 10 - فيمن وكل ببيع سلعة إلى أجل فباعها بنقد أو بغير ما أمر به] ومن كان السلم قال مالك: ولو أمرته أن يبيع لك سلعة إلى أجل فباعها فنقد فعليه الأكثر مما باعها به أو القيمة لما تعدى، قال ابن القاسم: وسواء سميت له ثمناً أم لا.
قال في العتبية: إذا أمره أن يبيعها بعشرة إلى شهر فباعها بسلعة إلى شهر، فإن السلعة المؤخرة تباع بعين ثم للآمر الأكثر من ذلك أو من قيمة سلعته ما لم

الجزء: 11 - الصفحة: 306

تكن قيمة سلعته أكثر من العشرة التي أمره أن يبيع بها، فلا يكون له إلا عشرة لأنه قد رضي أن يبيع بعشرة إلى أجل، فإذا أعطيها نقداً لم يظلم.
م وهذا خلاف قوله في المدونة.
قال في العتبية: وإنما تباع السلعة إذا قال: لي فيها فضل، وإن قال لا أريد الفضل وأريد القيمة، كان ذلك له إلا أن تكون أكثر من عشرة، وقد قيل لا يلتفت إلى عدد ما سمي له من الثمن وإنما إلى قيمة سلعته.
م يريد أو ثمن ما باعها به، وهذا مثل ما في المدونة، ووجه ذلك: أن الآمر يقول جهلت قيمة سلعتي فسميت له ثمناً لئلا ينقص منه، فإذ قد تعدى علي، في أن أطالبه بالتعدي وألزمه قيمة سلعتي، وقد تقدم وجه القول الآخر أنه رضي أن يبيع بعشرة إلى شهر، فإذا أعطيتها نقداً لم يظلم ولو أمره أن يبيعها بعشرة نقداً فباعها بذلك وقيمتها أكثر، فلا كلام للآمر في ذلك؛ لأنه فعل ما أُذن له فيه، وهي في كتاب البضائع لابن المواز، وإنما الاختلاف إذا أمره أن يبيعها بعشرة إلى أجل فباعها بعشرة نقداً وقيمتها أكثر، لأن هذا تعدى أمره.

الجزء: 11 - الصفحة: 307

[فصل 11 - فيمن وكل بشراء سلعة فاشتراها بغير العين] ومن المدونة: قال مالك: ولو أمره بشراء سلعة فاشتراها بغير العين فلك ترك ما اشترى أو الرضا به وتدفع إليه مثل ما ودى، ولو اشترى لك أو باع بفلوس فهي كالعروض إلا أن تكون سلعة خفيفة الثمن إنما تباع بالفلوس وما أشبه ذلك، فالفلوس فيها بمنزلة العين.
م لأنه إنما اشتراها بالعرف من ثمنها فلم يتعد.
م قال هاهنا: إذا أمرته أن يشتري لك بعين فاشتراها بغيره، فلك ترك ما اشترى أو الرضا به، وتدفع إليه مثل ما ودى، وقال بعد هذا: إذا صالح عنك الكفيل الغريم عن مئة دينار بشيء يرجع فيه إلى القيمة جاز، ورجع عليك الكفيل بالأقل من الدين أو قيمة ما صالح به.
م فيحتمل أن يكون ذلك منه اختلاف قول، ويحتمل أن يكون الفرق أن الآمر إنما أمره أن يسلفه دنانير ويشتري له بها سلعة كذا، فأسلفه هذا عرضاً

الجزء: 11 - الصفحة: 308

فاشترى له به ما أمره به فإن رضي بالسلعة دفع إليه ما ودى عنه أو أسلم إليه ما اشترى والكفيل لم يأمره أن يسلفه ويقضي عنه، وإنما هو تطوع، واشترى له ما عليه من الدين بسلعته ليأخذ هو ذلك الدين، فقد صار بائعاً لسلعته لا مسلفاً لها، فإذا أعطى قيمتها لم يظلم وإذا أعطاه الغريم ما عليه لم يظلمه ولو كان إنما سأله الغريم أن يقضي عنه الدين، فدفع فيه هو عرضاً لأشهب مسألة الآمر، ويكون الغريم على الكفيل مخيراً، إما دفع إليه مثل ما ودى عنه من العرض؛ لأنه أسلفه إياه أو أدى عنه ما عليه من الدين الذي أمره أن يقضيه عنه، ويدخله من الاختلاف الذي دخل إذا أدى عنه ما يقضى بمثله والله أعلم.
وقد قيل إن معنى قوله في مسألة الآمر إذا رضي ما اشترى له أن يدفع إليه مثل ما ودى يعني إن كان المدفوع مكيلاً أو موزوناً، وإن كان عرضاً دفع إليه قيمته كالحميل يصالح عن الغريم بعرض وكمن ابتاع شقصاً بعرض أن للشفيع أن يأخذه بقيمة العرض لا بمثله، وكل محتمل والله أعلم.

الجزء: 11 - الصفحة: 309

[فصل 12 - فيمن دفع له دنانير ليسلمها في طعام فلم يسلمها حتى صرفها دراهم] ومن المدونة: قال: وإذا دفعت إليه دنانير يسلمها لك في طعام أو غيره فلم يسلمها حتى صرفها بدراهم، فإن كان هو الشأن في تلك السلعة؛ لأنه يسلم الثلث دينار درهم ونصف ونحوه، أو كان ذلك نظراً لأن الدراهم فيما تسلم فيه أفضل، فذلك جائز، وإلا كان متعدياً وضمن الدنانير ولزمه الطعام، ولا يجوز أن تتراضيا على أن يكون الطعام لك إلا أن يكون قد قبضه الوكيل، فأنت مخير في أخذه أو أخذ دنانيرك منه.
[فصل 13 - فيمن وكل ببيع سلعة بعشرة وقال الآمر بل باثني عشر] قال مالك: وإذا باع الوكيل السلعة بعشرة، وقال بذلك أمرني ربها أو فوض فيها إلي، وقال الآمر: بل أمرتك باثني عشر، فإن لم تفت حلف الآمر من شاء وأخذها.
قال ابن المواز: فإن نكل فله عشرة بغير يمين، وقال ابن ميسر إذا نكر حلف المأمور ومضى البيع بعشرة.
م يريد فإن نكل غرم دينارين تمام الاثنى عشر التي قال الآمر.

الجزء: 11 - الصفحة: 310

ومن المدونة: قال مالك: وإن فاتت حلف المأمور وبرئ لأنه مدعى عليه الضمان.
م يريد فإن نكل حلف الآمر وغرم له المأمور دينارين فإن نكل فلا شيء له.
م وفواتها في هذا ذهاب عينها؛ لأن الآمر بيمينه يستحقها فلا يفيتها عتق ولا كتابة ولا هبة ولا صدقة كالاستحقاق.
[فصل 14 - في قبض ما أسلف فيه الوكيل بغير حضرته] قال مالك: ولك قبض ما أسلم لك فيه وكيلك بغير حضرته ويبرأ دافعه إليك إن كانت لك بينة أنه أسلمه لك، وإن لم تكن لك بينة أنه أسلمه لك فالمأمور أولى بقبضه منك.
م حكي عن الشيخ أبي الحسن بن القابسي أنه قال: ولو أقر الذي عليه الطعام بأن المأمور أقر عنده أن الطعام المسلم فيه لفلان الآمر ولا بينة له بذلك فلا يجبر المقر أن يدفع الطعام للمقر له ولا يكون شاهداً لأن في شهادته منفعة لنفسه؛ لأنه يجب أن يفرغ ذمته، قال: وقد رأى بعض أصحابنا أنه يؤمر بالدفع إلى المقر له، فإن جاء المأمور فصدقه برئ وإلا غرم له ثانية.

الجزء: 11 - الصفحة: 311

م قال بعض أصحابنا عن بعض شيوخه القرويين: إن الذي قال الشيخ أو الحسن نحوه في كتاب ابن سحنون عن أبيه قال: إن من عليه الحق لا يكون شاهداً.
م قال بعض أصحابنا: قال بعض شيوخنا القرويين: شهادته في هذا جائزة إذا كان عدلاً ويحلف المقر له معه ويستحق ولا تهمه له في ذلك، لأنه إذا كان الأجل قد حل لو شاء أن يدفع الطعام للسلطان لكان ذلك له، فلا يتهم لما كان له دفعه وزواله عن ذمته بخلاف شهادته في مال الغائب لبقاء ذلك في يديه فاعلم ذلك، والله أعلم.

الجزء: 11 - الصفحة: 312

[الباب السادس]

في الرهن في السلف والمقاصة فيه إن تلف

[الفصل 1 - إذا كان السلف في عرض وأخذ عليه رهناً فهلك] ودل الكتاب على إباحة الرهان بقوله تعالى ﴿فَرِهَانٌ مَقْبُوضَةٌ﴾ [البقرة: 283]. قال ابن القاسم: وإن أسلمت إلى رجل في عرض، وأخذت به رهناً، فهلك بيدك بل محل الأجل وهو مما لا يغاب عليه فضمانه من الراهن لقوله عليه السلام «الرهن من الراهن له غنمه وعليه غرمه»

الجزء: 11 - الصفحة: 313

فكل ما له غنم أي غلة فهو من الراهن وهذا في الغالب فيما لا يغال بعليه.
قال ابن القاسم: وإن كان مما يغاب عليه فهو منك إذا ادعيت هلاكه بغير بينة.
م: قياساً على العارية، قال الرسول -صلى الله عليه وسلم- «العارية مؤداة».
قال ابن القاسم: والسلم إلى أجله في الوجهين.
قال فإن أردت أن تقاص الراهن من سلمك بالذي صار له عليك من قيمة الرهن جاز ذلك ما لم يكن الرهن دنانيراً أو دراهم فلا خير فيه إلا أن يكون المال غير الذهب والورق.

الجزء: 11 - الصفحة: 314

قال أبو محمد: إنما يعني في أصل المسألة أن رأس المال كان دنانير والرهن عرض يخالف العرض المسلم فيه، فمتى ادعى المرتهن ضياعه وأراد أن يقاص الراهن قبل الأجل من سلمه بما لزمه من قيمة الرهن جازم ذلك؛ لأنه صار قد أخرج دنانير ورجع إليه الرهن الذي أخذ وادعى ضياعه، ودنانيره التي أخرج يجوز سلمها فيه، فلذلك جازت المقاصة، والرهن الذي أخذه إنما هو من غير جنس ما أسلم فيه فكان ذلك أجوز في المقاصة به، فأما إن كان الرهن من جنس ما أسلم فيه وهو أرفع مما شرطه أو أدنى لم تجز المقاصة به قبل الأجل، ويدخله حط عني الضمان وأزيدك في الأرفع، وفي الأدنى ضع وتعجل، وإن كان الرهن مثل ما شرطه سواء، لم يكن به بأس.
وقوله: إذا كان الرهن دنانير أو دراهم فلا خير فيه، يعني إذا كان رأس المال دنانير وكان الرهن دنانير أكثر منها ولا بينة له على ضياعه فلا يجوز أن يجعل هذا الرهن عوضاً مما أسلم فيه، فيصير قد أخرج دنانير ورجع إليه أكثر منها، وكذلك إن كان الرهن منها دراهم لم يجز له أن يقاصه بها؛ لأنه يصير أخرج دنانير ورجع إليه دراهم.
فأما إن كان الرهن دنانير مثل دنانير رأس ماله أو أقل منها فلا بأس أن يتقاصا بها إذ لا تهمة فيه.

الجزء: 11 - الصفحة: 315

قوله إلا أن يكون رأس المال غير الذهب والورق، فهذا بين أن رأس المال إذا كان عرضاً والرهن عيناً فلا بأس بالمقاصة فيه؛ لأنه يصير آخر أمره أنه أخرج عرضاً ورجع غليه عيناً، فلا بأس بهذا والله أعلم.
م وإنما يعرف فساد المقاصة من صحتها بأن يعتبر هل يحسن أن يؤخذ الرهن عوضاً في رأس المال، وهل يحسن أيضاً أن يؤخذ عوضاً من السلم، فإن كان ذلك يصلح أجزت المقاصة، وإن كانت الوجهان لا تصلح أو في أحدهما لم تجز المقاصة كما بين أبو محمد.
وما لم تجز فيه المقاصة لما شرحنا، أو كان السلم في طعام فإنه يقال للمرتهن أخرج قيمة الرهن أو مثله إن كان مما له مثل، فإذا أخرج ذلك قيل

الجزء: 11 - الصفحة: 316

للراهن: أعطه رهناً وثيقة من حقه وخذ أنت هذه القيمة، فإن لم يفعل طبع على القيمة وكانت رهناً بالحق إلى أجله، وقاله يحيى بن عمر، ونحوه في كتاب الرهن.
قال بعض الفقهاء بالقيروان: فإن قيل: فإن كان رأس المال دنانير والرهن دنانير مثل رأس المال فهلا كان هذا إقالة ولا يكون بيع الطعام قبل قبضه.
فالجواب: أن هذا السلم لا يصح إذا كان الأمر على هذا وكان الرهن في أصل عقد البيع، لأنه يصير كإيقاف رأس المال في السلم، ولو كان ذلك بعد عقد البيع لجازت المقاصة وتصير كالإقالة.
[فصل 2 - إذا كان السلم في طعام وأخذ عليه رهناً فهلك] ومن المدونة: قال مالك ولو كان سلمك في طعام لم يصلح أن تقاصه بالذي صار له عليك من قيمة الرهن على حال وإن حل الأجل؛ لأنه بيع الطعام قبل قبضه، وليس هذا بإقالة ولا شركة ولا تولية.
قال أبو محمد: ولو كان الطعام من قرض جاز لهما أن يتقاصا في ذلك لجواز بيعه قبل قبضه.
قال ابن المواز: إذا كان السلم في طعام فلا خير في مقاصته كائناً ما كان الرهن وكائناً ما كان رأس المال، وإن كان الذي يلزمك من قيمة الرهن مثل رأس المال سواء فلا يجوز؛ لأنه لو علم أن الرهن تلف يقيناً ببينة لم يكن له عليك شيء في الرهن وكان طعامك ثابتاً عليه على حالته لا يحل له حبسه، وإن

الجزء: 11 - الصفحة: 317

كان رهنه لم يتلف فهو إذاً عندك فلا يحل أن يقال لغريمك أحبس ما عليك من الطعام بسلعة هي لك، وإنما يحكم لك بقيمة الرهن حين لم يظهر تلفه تهمة على أنه لم يتلف.
قال ابن المواز: ولو كان للذي عليه الطعام عشرة دنانير على رجل، ولذلك الرجل على الذي له الطعام مثلها، فأحال ذلك الرجل بها للذي عليه الطعام على الذي له الطعام جاز أن يتقايلا بها إن كانت مثل رأس المال.
ومن الدونة: قال مالك: ولو كان سلمك في طعام فأخذت به رهناً طعاماً من صنفه أو من غير صنفه أو دنانير أو دراهم فإنما يجوز ذلك إذا قبضته مطبوعاً عليه خوفاً أن تنتفع به وترد مثله فيصير بيعاً وسلفاً أو تضعان ذلك على يدي عدل وما أخذت به رهناً في طعام أسلفت فيه أو في غيره، وذلك الرهن حيوان أو دور أو رضوان أو تمر في رؤوس النخل أو زرع لم يحصد أو ثمر أو زرع لم يبد صلاحه، فلا بأس بذلك، ولا تضمن ما هلك من ذلك أن أصابته جائحة من زرع أو تمر؛ لأنه مما يغاب عليه وهلاكه ظاهر، وسواء هلك قبل قبضه أو بعده، وما أخذته رهناً مما يغاب عليه من عرض أو عين فهلك بيدك ضمنته ولا تضمن ما قامت بينة بهلاكه مما يغاب عليه، ولا ما كان بيد أمين والسلم بحاله.
ولا بأس برهن أو كفيل أو بهما معاً في السلم، فإن مات المسلم إليه قيل الأجل، حل الأجل بموته، وأنت أحق بالرهن من غرمائه حتى تقبض حقك.
م لأنه إذا مات وجب فسخ ما له بالميراث، ولا ميراث قبل قضاء دين، فوجب لذلك أن كل من مات حلت ديونه.
قال: ولا يحل الأجل بموتك وتكون ورثتك مكانك.

الجزء: 11 - الصفحة: 318

[الباب السابع]

في الكفالة في السلم وصلح الكفيل وإقالته وقبضه وغرمه لما تكفل به ومطالبته

[الفصل 1 - في صلح الكفيل وشرائه للدين الذي على الغريم] ودل الكتاب على إباحة الحمالة بقوله تعالى: ﴿وَأَنَا بِهِ زَعِيمٌ﴾ [يوسف:72] والزعيم الكفيل، وقامت السنة بإجازة الصلح بين المسلمين إلا ما حرم حلالاً أو أحل حراماً.
قال ابن القاسم: فإن أسلمت مئة دينار في عروض موصوفة إلى أجل وأخذت بها كفيلاً، فصالحك الكفيل منها قبل الأجل على طعام أو عروض

الجزء: 11 - الصفحة: 319

يخالفها أو عين نقداً اشتراه لنفسه جاز ذلك إن كان الغريم حاضراً مقراً حتى لا يكون للكفيل عليه إلا ما لك عليه.
قال ابن المواز: وكذلك إن كان غائباً قريب الغيبة حتى يعرف ملاؤه من عدمه.
وكذلك لو كان الدين طعاماً من قرض وسائر الديون إلا الطعام من بيع.
إن وليته رجلاً لم يجز حتى تجمع بينه وبين الغريم وتحيله عليه.
[قال] ابن المواز: ومن لم يكن عليه بينة لم يجز شراء ما عليه من الدين حتى يحضر ويقر، ولو كانت عليه بينة وهو حاضر منكر لم يجز شراء ما عليه من الدين؛ لأنه خطر.
م وقال بعض أصحابنا القرويين: إنما اشترط ابن القاسم حضور الغريم وإقراره في شراء الكفيل لنفسه؛ لأن أجل الدين لم يحل وأما إن كان أجل الدين قد حل فيجوز له شراؤه، وإن كان الغريم غائباً؛ لأن الكفيل مطلوب عند الأجل بما تحمل به، وقبل الأجل لا يتوجه عليه الطلب فهو كأجنبي اشترى ديناً فلا يجوز له شراء ما على غائب حتى يحضر ويقر والله أعلم.

الجزء: 11 - الصفحة: 320

[فصل 2 - شراء الحميل للدين الذي على الغريم] قال في كتاب محمد: ولا يجوز للحميل أن يشتري الدين بأكثر من رأس ماله كالذي عليه الدين؛ لأن الحميل مطلوب الدين مع يسر الغريم في أحد أقاويل مالك، فهو بخلاف الأجنبي.
قال بعض القرويين: وينبغي في القياس أن يجوز في الكفير كالأجنبي؛ لأن الذي له الدين إنما أخذ دنانير أكثر من دنانيره من غير الذي دفع إليه كالأجنبي.
وقال غيره في المدونة، يدل على ما قاله محمد، فذكر مسألة من أسلم إلى رجلين في طعام على أن كل واحد منهما حميل بصاحبه فقد قال فيها: لا يجوز أن يقيل أحدهما مما عليه إذا كان الحق كله على واد فأقاله من بعضه، فهذا يدل على أن الكفيل إذا اشترى ما على الغريم بأكثر من رأس المال أو بورق ورأس المال ذهب أن ذلك لا يجوز، ويصير بمنزلة الغريم يشتري ما عليه بأكثر من رأس ماله، أو دفع ورقاً ورأس المال ذهب والله أعلم.

الجزء: 11 - الصفحة: 321

ومن المدونة قال ابن القاسم: وإن صالحك الكفيل بأمر يكون الغريم عليه فيه بالخيار إن شاء أجاز صلحه أو أعطاه ما له عليه، فلا خير فيه.
م يريد صالحك عن الغريم، لا شراءً لنفسه وسواء كان صلحه عن الغريم في هذه المسألة بما يقضى بمثله أو بما يرجع إلى القيمة؛ لأن السلم في عروض إلا أن يصالحك على عروض مثل مالك على الغريم سواء فيجوز.
[فصل 3 - صلح الكفيل قبل محل الأجل] قال ابن القاسم: وإن صالحك الكفير لنفسه أو عن الغريم قبل محل الأجل على ثياب في صفتها وعددها جاز، وإن كانت أقل أو أكثر أو أجوز رقاعاً أو اشر فلا خير فيه، ويدخله في الأدنى الزيادة في السلف، وفي الأرفع زيادة على ضمان الأدنى، وكذلك إن قضى عن الغريم يدخل في الأرفع حط عني الضمان وأزيدك، وفي الأدنى ضع وتعجل.
قال ابن المواز: إلا أن يأخذ الغريم من الكفيل من صنف الدين بعد محله قضاء أقل أو أكثر فيجوز، ولا يرجع الكفيل بالزيادة لأنه تطوع بها.
قال: ولو كان ذلك عن نفسه لم يجز بأرفع أو أدنى، وإن حل الأجل؛ لأنه دفع عرضاً في أدنى منه أو أجود [منه] غير يد بيد، ولا يجوز إلا بمثل الصفة سواء كما قال إذا لم يحل الأجل.
ومن المدونة قال: وإن كان دينك مئة دينار من قرض فصالحك الكفيل منها قبل الأجل أو بعده بشيء يرجع إلى القيمة.

الجزء: 11 - الصفحة: 322

[قال] ابن المواز: أو بجزاف ما يوزن أو يكال، لأن ما يقضي به من القيمة كالعين -فيجوز ويرجع الكفيل على الغريم بالأقل من الدين أو قيمة ما صالح به.
قال بعض القرويين: يرد إذا كان هذا العرض يباع بالدنانير، وفي هذا اعتراض، وذلك أن الكفيل بائع لهذا العرض بثمن لا يدري ما هو ولا يدري هل تصح له القيمة أو الدين، فكان ينبغي ألا يجوز؛ لأنه غرر مثل إذا كان الدين عرضاً فصالح عنه بدنانير أنه لا يجوز؛ لأن الحميل لا يدري بما يرجع إما بالدنانير أو بالعرض فإذا فسد هذا فكذلك إذا دفع عرضاً عن دنانير.
وقال غيره: إنما جاز ذلك لأن رب السلعة في أغلب العادة يعرف قدر قيمة سلعته على التقريب، فإن كانت القيمة أكثر علم أنه متطوع بما زادت قيمة سلعته وإن كانت أقل علم أنه لا يربح في الكفالة والله أعلم.
وقال غيره: إنما جاز ذلك لأن أصل الكفالة معروف لا مكايسة كالهبة للثواب لما كان طريقها المكارمة خرجت عن البيع المجهول بخلاف من باع سلعة بقيمتها أو بثمن مجهول والله أعلم.
وإن صالحك الكفيل بطعام أو بما يقضى بمثله لم يجز لأن الغريم عليه بالخيار إن شاء أعطاه مثله أو الدين، وأجازه في كتاب الحمالة، وإن كان الغريم عليه بالخيار فوجه قوله أنه لا يجوز؛ لأن ذلك غرر لا يدري الدافع بما يرجع.

الجزء: 11 - الصفحة: 323

ووجه إجازته: أن أصل الحمالة المعروف لا المكايسة فهي كهبة الثواب لما كان طريقها المعروف خرجت عن بيع المجهول وفارقت حكم من باع سلعة بقيمتها، وإذا نزل الأمر على ما لا يجوز رجع الكفيل على الطالب بما دفع إليه ويكون للطالب أصل دينه على الغريم، والحميل به حميل.
[فصل 4 - من تكفل بمئة درهم هل يجوز صلح الكفيل أو الغريم على أقل منها أو على عروض ونحوها قبل الأجل أو بعده] ومن المدونة: قال ابن القاسم ولو تكفل لك بمئة درهم لم يجز صلحك الكفيل أو الغريم على عشرة دراهم من المئة قبل الأجل، لأنك وضعت على إن تعجلت، وذلك جائز منهما بعد الأجل، ويرجع الكفيل بما ودى، وكذلك لو تطوع أجنبي بعد الأجل فدفع إليك عشرة دراهم بغير أمر الغريم على أن هضمت على الغريم ما بقي جاز، ويرجع الأجنبي على الغريم بما ودى.
قال: وإن دفع الكفيل العشرة ثمناً للمئة لنفسه لم يجز وليرجع فيأخذ عشرته وليس لك حبسها من المئة إلا في عدم الغريم أو في غيبته.
قال بعض أصحابنا: ولو فلس الكفيل -وهو دافع العشرة- لم تكن للقابض خاصة دون الغرماء، ونحو هذا في كتاب محمد.

الجزء: 11 - الصفحة: 324

قال: ويحتمل عندي أن يجري على الاختلاف فيمن ابتاع بيعاً فاسداً فوجب نقضه وأن يرجع بما دفع من الثمن، فكان المدفوع إليه مغترق الذمة بدين وفلس.
فقد اختلف، هل يكون أولى بالسلعة من سائر الغرماء أم لا؟ م والقياس أنها مثلها لا فرق بينهما.
قال بعض أصحابنا: ويحتمل أن يفرق بينهما لشبهة البيع الفاسد، وأنها لو قالت لملكها المشتري، فهي أقوى في إمساكه إياها وأنه أولى بها من الغرماء والله أعلم.
وإن صالحك الكفيل عن الغريم على خمسة دنانير نقداً بعد محل الأجل لم يجز؛ لأن الغريم مخير إن شاء دفع الخمسة دنانير أو المئة درهم ويدخله تأخير الصرف.
واختلف فيه قوله في كتاب الحمالة فقال مرة مثل ما هاهنا، وقال أيضاً: ذلك جائز ويكون عليه الغريم بالخيار، إن شاء دفع ما عليه أو ما دفع هذا عنه.

الجزء: 11 - الصفحة: 325

قال بعض أصحابنا: فإن أبى الغريم أن يدفع إلا ما عليه من الدراهم، قبضت منه واشترى للحميل بها مثل ما ودى من الدنانير، وكذلك لو غاب الغريم فحكم على الحميل بالدراهم فدفع فيها دنانير جاز ويرجع على الغريم بالدراهم التي كانت قبله إن أبى أن يدفع إليه دنانير ثم يشتري بالدراهم للكفيل مثل ما دفع.
م وينبغي إن كان في الدراهم فضل أن تكون للغريم؛ لأن الكفيل إذا أخذ مثل ما ودى لم يظلم، ولو أخذ الزيادة لربح في السلف وإن كان فيها نقصان فعلى الكفيل؛ لأن الغريم ليس عليه أن يغرم أكثر مما عليه والله أعلم.
م ولو طلب الكفيل في غيبة الغريم بالدراهم فلم يكن عنده فكلف أن يشتريها له فاشتراها بدنانير لرجع هاهنا على الغريم بالدنانير كقول ابن المواز إذا تحمل له بطعام، فكلف أن يشتريه لغيبة الغريم، فإنه يرجع على الغريم بالثمن الذي اشترى فكذلك هذا.
ومن المدونة قال ابن القاسم: ولا بأس بصلحه عن الغريم منها على عروض أو حيوان ويرجع الكفيل [على الغريم] بالأقل من المائة أو من قيمة ما أعطاه بالدراهم.

الجزء: 11 - الصفحة: 326

[قال] أبو محمد: قال يحيى هذا إذا كان العرض مما يباع بالدراهم أو في بلد بيعهم بالدراهم.
قال ابن القاسم: وإن ابتاعها الكفيل لنفسه بهذا العرض جاز ويرجع على الغريم بالمئة كلها.
قال أبو محمد: يريد إن كانت المئة قرضاً، فأما إن كانت من ثمن سلعة فصالحه الغريم بعرض لا يجوز أن تسلم السلعة فيه لم يجز، وإن كانت مما تسلم فيه فجائز.
ولو صالحه لنفسه الغريم جاز ذلك كله بعرض نقداً، أي عرض كان.
م قال إذا ابتاعها الكفيل لنفسه بهذا العرض جاز.
م قال بعض شيوخنا: واختلف أبو محمد وأصحابه هل يحتاج في ذلك إلى حضور الغريم، فقال أبو محمد: لا يجوز شراء الكفيل بهذه الدراهم حتى يكون الغريم حاضراً مقراً كالمسألة الأولى في شرائه عروضاً.
وقال ابن أخي هشام: ترد مسألة العروض إلى هذه ولا يحتاج إلى حضور الغريم؛ لأن الحميل غريم بخلاف الأجنبي.

الجزء: 11 - الصفحة: 327

وقال ابن شبلون: كل مسألة على حيالها، لأن العروض تختلف في صفاتها فتنتفي فيها الخصومة بخلاف الدراهم.
م ويحتمل إنما لم يشترط حضور الغريم في هذه المسألة؛ لأن الأجل قد أحل وصار الكفيل مطلوباً بالغرم، وفي المسألة الأولى الأجل لم يحل، والكفيل حينئذٍ غير مطلوب، فصار كالأجنبي إذا اشترى ديناً.
كذلك وجه بعض القرويين المسألة الأولى، وهو قول حسن إن شاء الله.
وقال بعض أصحابنا: وينبغي أن يزاد في ذلك، ويكون الغريم معدماً ليتوجه الطلب على الكفيل وأما لو كان الغريم مليئاً فلم يتوجه الطلب على الكفيل فلا يجوز إلا بحضور الغريم، وهذا على اختيار ابن القاسم من قولي مالك، وأما على قوله له طلب الحميل وإن كان الغريم مليئاً مقراً فيجوز وإن لم يحضر الغريم؛ لأن الكفيل مطلوب في الوجهين، فلو بنيت المسألة الأولى على هذا في الوجهين لكان صواباً.
قال ابن حبيب: وإن تحمل بطعام من قرض جاز للحميل شراؤه لنفسه، وإن صالح منه عن الغريم بعرض أو بطعام مخالف لما عليه أو بدراهم فذلك جائز والغريم مخير إن شاء دفع إليه ما عليه أو دفع ما ودى عنه من دراهم أو طعام مخالف له أو قيمة العرض، ولا يدخله طعام بطعام مؤخر؛ لأنه إنما صار بيعاً.

الجزء: 11 - الصفحة: 328

يوم رضي به المطلوب، فحينئذٍ لا يتأخر كحميل بدنانير، دفع دراهم فالمطلوب مخير ولا يكون صرفاً مؤخراً، وقال كله ابن كنانة وابن القاسم ثم رجع ابن القاسم فقال لا يصالح عنه بما يكون فيه مخيراً عليه إلا أن يؤدي عرضاً يرجع إلى القيمة عن مال تحمل به، فيأخذه بالأقل.
[م] والأول أبين لأنه لم يعامل المتحمل له على شيء وهو كمن ودى عن غريمه شيئاً، فإن شاء رضي وودى مثل ما وُدي عنه، وإلا ودى ما عليه، ثم لا رجوع للحميل فيما عمل به مع الطالب إذ ليس في ذلك فساد، ولو اشتراه لنفسه حمل على ما يحل ويحرم في البيع، لأن الطالب حينئذٍ بائع غير مقتضي.
[فصل 5 - مصالحة الكفيل لنفسه قبل الأجل لا تصح إلا بمثل رأس المال إذا كان المكفول طعاماً من سلم] ومن المدونة قال ابن القاسم: ومن تكفل له بطعام من سلم لم يجز للكفيل أن يصالحك لنفسه قبل الأجل إلا بمثل رأس مالك.
[قال] ابن المواز: قال ابن القاسم وأشهب: ويجمع بينه وبين الغريم ويحيله عليه.
قال فيه وفي المدونة: فتكون توليته [له] كأجنبي أو على أن ذلك إقالة للذي عليه السلم برضاه، فيصير الكفيل أسلفه الثمن، كما يجوز لأجنبي أن يعطيك ذهبك على أن تقييل البائع برضاه وتتبعه بما ودى.

الجزء: 11 - الصفحة: 329

م والصحيح عندي أن ذلك تولية؛ لأنه دفع رأس المال ليكون له الطعام، وذلك معروف من الذي له السلم.
وقوله إقاله: إنما أراد أن ذلك يجوز، كما يجوز للكفيل أن يعطيك رأس مالك على أن تقيله برضاه؛ لأن ذلك معروف صنعه مع الذي عليه السلم، تحمل عنه ثم أسلفه، فهو معروف في الوجهين، فلم يعد ذلك سلفاً جر منفعة كما لم يعد في التولية أن يكون بيع الطعام قبل قبضه.
م قال بعض أصحابنا: ولو حكم على الكفيل بالطعام ثم رضي الذي له السلم بعد ذلك أن يأخذ منه فيه مثل رأس المال لانبغى أن لا يجوز؛ لأن الكفيل يرجع بما ودى، فيدخله بيع الطعام قبل قبضه.
م وهذا والأول عندي سواء وهو جائز؛ لأنها تولية وإقالة كما يجوز ذلك مع الذي عليه السلم إذا أخذ بغرم الطعام ثم بعد ذلك أقاله وأخذ منه رأس المال فيجوز في الوجهين.
[فصل 6 - إقالة الكفيل والأجنبي دون الغريم] قال: ولا تجوز الإقالة لكفيل أو أجنبي بغير إذن الذي عليه السلم إذ له الخيار، ولا نقد فيما فيه خيار، فكأنه أسلف البائع الثمن على أن يرضى بذلك فليرد مثله أو يغرم له طعاماً فقبحت الإقالة، ويصير إن رضي بها بيع الطعام قبل قبضه.

الجزء: 11 - الصفحة: 330

ولا بأس أن تأخذ من الكفيل قبل الأجل أو بعده مثل طعامك صفة وكيلا، ولا يجوز لك أن تأخذ ذلك من أجنبي وتحيله على غريمك حل أجلك أم لا؛ لأن ذلك منه بيع، ومن الكفيل قضاء.
ولو استقرض الذي عليه السلام مثل طعامك من أجنبي وسأله أن يوفيكه وأحالك به ولم تسأل أنت الأجنبي ذلك، جاز قبل الأجل وبعده، ولا يجوز أن تستقرض أنت من أجنبي مثل طعامك وتحيله به على الذي عليه السلم أو يوفيكه على ذلك حل الأجل أم لا.
وقال أشهب في غير المدونة: لا بأس أن يعطيكه رجل وتحيله عليه.
قال ابن القاسم في المدونة: ولا تأخذ من الغريم قبل الأجل إلا مثل طعامك في كيله وصفته لا أقل ولا أكثر ولا أجود ولا أدنى ولا تأخذ منه إلا مثل رأس مالك لا أفضل منه ولا تأخذ منه ولا من الكفيل قبل الأجل سمراء من محمولة أو محمولة من سمرا أو سلتاً أو شعيراً من قمح فيدخله بيع الطعام قبل قبضه مع ضع وتعجيل في تعجيل الأدنى، وفي الأرفع حط عني

الجزء: 11 - الصفحة: 331

الضمان وأزيدك، وذلك جائز من الغريم إذا حل الأجل، لأنه بدل، وتبرأ ذمته ولا يجوز ذلك من الكفيل، إذ لا يجرع بما ودى، ويدخله بيع الطعام قبل قبضه؛ لأن المطلوب عليه بالخيار إن شاء أعطاه مثل ما ودى أو ما كان عليه، وأما في القرض فجائز أن يأخذ من الكفيل بعد الأجل مثل المكيلة أجود صفة أو أردى.
قال ابن المواز: ومن تحمل لك بقمح من سلم فكلف أن يشتريه لك فاشتراه فيرجع الكفيل بالثمن الذي اشتراه به على الغريم، قال محمد: ولو أخذ الكفيل بالطعام فيغرمه، فلا بأس أن يأخذ فيه من الغريم ثمناً إذا رضيا.
قال: ولو دفع الغريم إلى الحميل دنانير ليبتاع به طعاماً ويقضيه عنه، فطلب أن يعطيه طعاماً من عنده، وأعلم بذلك الغريم فرضي لم يجز حتى يقبضه منه الغريم أو يوكل من يقضبه منه ثم يقضيه عنه.
[قال] محمد: وللكفيل شراؤه من غيره وقضاؤه بغير محضر الغريم.
ولو دفع الكفيل الطعام من عنده بغير أمر الغريم وحبس الثمن فأجاز ذلك الغريم لما علم، فذلك جائز لأنه سلف من الكفيل باعه منه الآن بذلك الثمن، وكذلك لو لم يكن قبض الثمن من الغريم جاز أن يأخذ منه الثمن؛ لأنه بيع الطعام من قرض.

الجزء: 11 - الصفحة: 332

ومن المدونة: قال ابن القاسم: وإذا ودى، الكفيل ما تكفل به من الطعام قبل الأجل لم يرجع به على الغريم حتى يحل الأجل.
[فصل 3 - في ما يضمنه الكفيل وما لا يضمنه في القبض من الغريم] قال ابن القاسم: وليس للكفيل أخذ الطعام من الغريم بعد الأجل ليوصله إلى ربه، وله طلبه حتى يوصله هو إلى ربه، ويبرأ الحميل من حمالته، وإذا حل الأجل والغريم مليء حاضر فليس على الكفيل أن يقضيك، ولا أن يطالبه بذلك لك، وإن كان الغريم غائباً أو عديماً أو عليه دين كثير خفت المحاصة في قيامك أو أن يأتي غرماء آخرون، فحينئذٍ لك أخذ الكفيل.
فإذا قبض الكفيل الطعام بعد الأجل من الغريم ليؤديه إلى المشتري فتلف عنده، فإن كان أخذه على الاقتضاء ضمنه قامت بهلاكه بينة أو لم تقم، كان مما يغاب عليه أم لا؛ لأنه متعدٍ، وسواء قضاه ذلك الغريم متبرعاً أو باقتضاء من الكفيل بقضاء سلطان أو غيره.

الجزء: 11 - الصفحة: 333

قال ابن المواز عن ابن القاسم: لأن ذلك من السلطان إن قضى به خطأ.
م ومعنى قوله: قضى ذلك الغريم متبرعاً: أنه اقتضاه، فدفع ذلك إليه متبرعاً ولم يكلفه إلى أن يقضي به عليه السلطان، وأما لو لم يقتضه فتبرع الغريم فدفعه إليه ليوصله فظاهر هذا أنه على الرسالة.
ومن المدونة: وأما إن قبضه الكفيل بمعنى الرسالة فضاع فإنه لا يضمنه وهو من الغريم حتى يصل إلى الطلب.
قال ابن المواز: والقول قول الحميل في ضياعه بلا بينة، لأنه مؤتن، فإن اتهم حلف.
وقال يحيى بن عمر: ليس للطالب ها هنا أخذ الكفيل بذلك الطعام إن كان الغريم حاضراً مقراً مليئاً.
ومن المدونة: قال ابن القاسم: ولو قبض الكفيل الطعام فباعه لم يكن لك أن تجيز بيعه لأنك لم توكله على قبضه، ويدخله بيع الطعام قبل قبضه

الجزء: 11 - الصفحة: 334

قال أبو محمد: يعني هاهنا قبضه الوكيل على الاقتضاء أو الرسالة.
قال ابن المواز: ولو وكله بقبضه ولم يأمره ببيعه فقبضه وتعدى فباعه، فللطالب أن يرضى ببيعه.
ومن المدونة قال ابن القاسم: وإذا لم يوكله فله أن يتبع بطعامه الغريم أو الكفيل إذا قبضه على غير اقتضاء ولا ضمان عليه.
وحكي عن أبي عمران الفاسي أنه قال: إنما أبان ابن القاسم موضع الإشكال فقال: يضمن إذا قبضه على الرسالة وأما لو قبضه على الاقتضاء فهو أبين في الضمان، والأمر سواء إذا تعدى فباعه أنه يضمن قبضه على الاقتضاء أو الرسالة، وقاله يحيى بن عمر.

الجزء: 11 - الصفحة: 335

قال أبو محمد: وللطالب هاهنا أن يغرم الكفيل، والغريم حاضر مليء لتعديه في بيعه، فيقول أنا أرضى بقبضه وأتبعه به ديناً لأنه كغريم غريمه، والذي قبض بمعنى الرسالة فهلك الطعام بيده خالي الذمة فليس للطالب اتباعه إلا في عدم الغريم قاله يحيى بن عمر.
ومن المدونة قال ابن القاسم: وإذا قبض الكفيل الطعام على الرسالة فباعه، فقلنا إن للطالب أن يأخذ بطعامه الكفيل أو الغريم، فإن أخذ به الغريم، فللغريم أن يأخذ الثمن من الكفيل بالقضاء.
-يريد لأنه مأذون له في قبضه كالمأذون له في حركة المال، فليس له أن يستبد بشيء من ربحه- قال: وإن أحب أخذه بمثل طعامه.
قال ابن المواز: وإن أخذ به الكفيل فللغريم أن يغرمه الثمن الذي أخذ فيه أو يدفع إليه مثل الطعام.
ومن المدونة: قال ابن القاسم: وإن قبضه على الاقتضاء لم يكن للغريم أخذ الثمن من الكفيل ويدفع غليه مثل الطعام، لأنه ضمنه قبل البيع فساغ له الثمن.
قال: ومن أسلم دراهم في طعام وأخذ برأس المال كفيلاً لم يجز البيع.
قال سحنون: لأنه في أصل العقد.
م يريد فهو غرر إذ لا يدري الذي له السلم ما يحصل له، رأس ماله أو ما أسلم فيه من طعام أو غيره.

الجزء: 11 - الصفحة: 336

قال سحنون: ولو كانت الحمالة بعد العقد لم يفسخ البيع وفسخت الحمالة إلا أن على الحميل مثل رأس المال يُشترى به للطاب طعام، فإن لم يكن فيه وفاء لم يلزمه غير ذلك.
م وإنما فسدت الحمالة؛ لأنه كأنه قال له إن لم يوفك غريمك الطعام في الأجل لأنه أعطيك رأس مالك، إقالة له، فهذه إقالة، ويلزم الحميل ما تطوع به من مثل رأس المال، فيشترى به طعاماً، فإن لم يعلم لم يكن على الحميل غير ما تحمل به، ويرجع بمثل ذلك على الذي عليه السلم، ويرجع عليه المبتاع أيضاً بما بقي له من الطعام، ولو تحمل له في العقد أو بعده على أنه إن لم يوفه الغريم طعامه، كان على الحميل مثل رأس المال يشتري به طعاماً، فإن لم يف لم يكن على الحميل شيء، ويتبع المبتاع البائع ببقية طعامه، لجاز في الوجهين جميعاً والله أعلم.
م قال بعض القرويين: إنما قال إذا أخذ برأس المال حميلاً أنه حرام، لأنه فهم عنه أنه إنما يأخذ رأس المال ولا يشتري له به طعاماً فهو إذاً بيع

الجزء: 11 - الصفحة: 337

فاسد؛ لأنه تارة بيع وتارة سلف ولا يلزم الحميل شيء عند ابن القاسم، ولو فهم عنه أن يشتري له برأس المال طعاماً لجاز.
وينبغي على قياس قول ابن القاسم إذا فهم أن لا يأخذ من الكفيل إلا رأس المال أن لا تلزمه الحمالة؛ لأن مذهبه إذا وقعت الحمالة في أصل بيع فاسد لا تلزم، وعلى مذهب غيره تلزمه الحمالة؛ لأنه لم يدفع رأس المال إلا لمكان حمالة هذا، وسواء كان السلم في طعام أو غيره.
ومن كتاب ابن المواز: وإذا قال الحميل لا أضمن قميحاً ولكن أدفع مئة درهم إن لم يأت بوجهه غداً، قال: ذلك لازم له إن لم يأت بوجهه غداً، غرم المائة فاشترى له بها قمحاً فإن فضل من المئة شيء رد على الحميل، وإن عجزت لم يكن عليه غير المئة درهم.
قيل لابن القاسم: فإن ضاعت المئة قبل أن يشتري بها [طعاماً].
قال: فهي من الغريم الذي عليه القميح يتبعه بها الكفيل ويتبعه أيضاً صاحب القمح بقمحه، ولا يكون لصاحب القمح على الحميل شيء من المئة درهم؛ لأنه قد أداها مرة.

الجزء: 11 - الصفحة: 338

[الباب الثامن]

في الزيادة في السلف والصفة فيه والإقالة في السلم أو في الصرف وهو عرض أو طعام منه أو من بعضه ورأس المال قائم أو فائت والحكم فيه ذلك

[الفصل 1 - في الزيادة في السلم أو الصفة فيه بعد العقد] وقد نهى رسول الله -صلى الله عليه وسلم- عن (بيع السلف) (وعن الدين بالدين) ومما يعد من أبواب الربا التأخير بدين على نفع أو زيادة أو الوضع منه على أن يتعجله أو يتعجل أزيد منه على أن تسقط عن غريمك ضمانه، أو تقيل من المضمون على أن تأخذ من صنف رأس مالك أفضل منه، فما جرى من هذا وشبهه بين المتعاملين حرم.
قال مالك: وإن أسلمت إلى رجل في ثوب موصوف، فزدته بعد الأجل دراهم على أن يعطيك ثوباً أطول منه من صنفه أو من غير صنفه جاز إذا تعجلت ذلك.

الجزء: 11 - الصفحة: 339

م وكأنك أعطيت فيه الدراهم التي زدت والثوب الذي أسلمت فيه فلا بأس بذلك، يريد وإن تأخر ذلك كان ذلك بيعاً وسلفاً، وتأخيره بما كان عليه سلفاً، والزيادة بيعاً بالدراهم، ولو أعطاه من غير صنفه مؤخراً كان الدين بالدين.
قال مالك: وإن زاده قبل الأجل دراهم نقداً على أن زاده في طول ثوبه جاز، لأنهما صفقتان، ولو كانت صفقة واحدة ما جاز.
م يريد وإنما يجوز ذلك إذا كان قد بقي للأجل مثل أجل السلم فأكثر، لأنها صفقة ثانية، ولو زادة على أن أعطاه خلاف الصفة لم يجز، ويدخله فسخ الدين في الدين؛ لأنه نقله عما أسلم إليه فيه إلى ما لا يتعجله، وفي الأول لم يخرجه عن الصفة؛ لأنه أبقى الأذرع المشترطة وإنما زاده في الطول، فالزيادة صفقة ثانية.
فإن قيل: فلم قال في المسألة التي حل الأجل فيها: إذا أخره لم يجز أو جعله بيعاً وسلفاً، وثوباً ودراهم بثوب أطول منه من صنفه، وذلك الحق فيه،

الجزء: 11 - الصفحة: 340

وأجازه في هذه المسألة قبل الأجل، ولم يجعله ثوباً مؤجلاً، ودراهم نقداً بثوب مؤجل أطول منه، فيكون ديناً بدين كما قال سحنون؟ قيل الفرق بينهما عنده والله أعلم أنه في المسألة الأولى ملك تعجيل ثوبه، فتأخيره به سلف، والزيادة بيع بالدراهم التي يعطيه، وفي هذه المسألة لم يملك استعجال ثوبه ولكنه أبقاه على حاله، وقال له زدني في طوله بدراهم دفعها إليه فهي كصفقة ثانية كما لو أسلم إليه في ثوب آخر فكذلك زيادة الطول والله أعلم.
ومن المدونة: قال مالك: وكذلك إن دفعت إليه غزلاً ينسجه ثوباً ستة أذرع في ثلاثة أذرع ثم زدته دراهم وغزلاً على أن يزيدك في طول أو عرض، فلا بأس بذلك؛ لأنهما صفقتان.
قال ابن القاسم: والإجارة بيع من البيوع يفسدها ما يفسد البيع.
قال سحنون ولا يجوز في السلم، وأخاف أن يكون ديناً بدين، ويجوز في الإجارة، لأنه شيء بعينه والسلم مضمون.
قال ابن القاسم: وإن أسلمت إلى رجل مئة درهم في مئة إردب حنطة ثم استردته بعد تمام البيع أرادب معجلة أو مؤجلة إلى الأجل أو أبعد منه جاز

الجزء: 11 - الصفحة: 341

ذلك، وكأنه في العقد، وإنما هذا رجل استغلى شراءه، فاستزاد بائعه فزاده وهو قول مالك.
قال سحنون في غير المدونة: كان يموج فيها -يترجح- مرة يجيزها ومرة يبطلها، وإبطالها خير.
قال ابن أبي زمنين: وينبغي على أصولهم أنه إن مات البائع قبل أن يقبض منه الزيادة أنها تبطل؛ لأنها هبة لم تقبض.
قال بعض أصحابنا: المسألة فيها نظر، وكيف تجوز هذه الزيادة بعد العقد، وهي كهدية مديان، وقد يزيده لما يخشى من طلبه عند الأجل، فيرجو بذلك أن يؤخره ويصبر عليه، وقد يقال أيضاً لا تهمة في هذا لكثرة الزيادة، فيخرج عن باب الهدية.
وقال بعض الناس: هدية المديان ما ابتدأه بغير سؤال، وهذا إنما استزاده في السلم، فصار سؤاله مسترخصاً لما أسلم فيخرج هذا عن هدية المديان، وهذا يقتضي أن الزيادة سواء كانت يسيرة أو كثيرة إذا كان إنما فعل

الجزء: 11 - الصفحة: 342

ذلك لسؤاله إياه، وقد قال عبد الملك في الزيادة بعد العقد إنها لاحقه بالعقد ولها حكمه، وكالزيادة في الصرف بعده فيه وهذا كله يجري على قولين، هل يلحق بالعقد أم لا؟ فلذلك ترجح فيها.
[فصل 2 - فيمن أسلم في ثياب موصوفة بذراع رجل بعينه ونحو ذلك] ومن المدونة: قال ابن القاسم: ومن أسلم في ثياب موصوفة بذراع رجل بعينه سماه إلى أجل جاز ذلك إذا كان أراه الذراع، وليأخذ قياس الذراع عندهما، فإذا حل الأجل أخذه بذلك، وقد أجاز مالك شراء ويبة وحفنة بدراهم إن أره الحفنة؛ لأنها تختلف وكذلك الذراع.
قال بعض شيوخنا: ولو اشترى ويبات واشترط لكل ويبة حفنة لم يجز ذلك، بخلاف شرائه ويبة واحدة وحفنة لأن هذا غرر يسير، إنصاف إلى جائز كثير فاستحق.

الجزء: 11 - الصفحة: 343

وإذا كثرت الويبات والحفنات اتسع الغرر فلا يجوز.
وقال في الكتاب في شراء ويبة وحفنة يجوز إذا أراه الحفنة.
قال محمد ابن أبي زمنين: ولابن القاسم في غير المدونة وإن لم يره الحفنة لم يفسخ وله حفنة بحفنة العامة.
م قال بعض أصحابنا: وإذا أسلم في ثياب بذراع رجل فمات ودفن قبل أن يأخذ قياس ذراعه واختلفا في مقدار ذراعه فينبغي أن يكون ذلك مثل ما إذا اختلفا في مقدار كيل الطعام المسلم فيه فإن كان بقرب العقد تحالفا وتفاسخا، وإن كان بعد حلول الأجل فالقول قول الذي عليه السلام، وإذا أتيا بما لا يشبه فله ذراع وسط على ما ذكر محمد في ذلك، أنهما يحملان على الوسط من سلم الناس، ويجري الاختلاف في هذه على قدمنا.
ومن العتبية: روى أصبغ عن ابن القاسم فيمن أسلم في قراطيس طولها عشرون ذراعاً واختلفا في ذلك عند الأجل أيأخذ بذراع البائع أو بذراع المشتري؟ قال: يحملان على ذراع وسط ولا ينظر إلى قولهما.
قال أصبغ: وهذا قول حسن، والقياس الفسخ، وكذلك ذكر عنه ابن المواز.
م قال بعض أصحابنا: وهذه بخلاف المسألة المتقدمة لأن في هذه تصادقا أنهما لم يذكرا تقدير الذراع وأن الأمر نزل مبهماً.

الجزء: 11 - الصفحة: 344

وفي المسألة التي قبلها كل واحد منهما يدعى أنه نص على تقدير وخالفه فيه صاحبه.
[ومن المدونة] وإن أسلم في ثوب حرير واشترط طوله وعرضه ولم يشترط وزنه جاز ذلك إذا وصفه ووصف صفاقته وخفته.
وأنكر ذلك سحنون.
قال ابن القاسم: وإن اشترط صفة ثوب أراه إياه فحسن، وإن لم يره ذلك أجزأته الصفة.
قال ابن القاسم: ولا أعرف من قول مالك في صفة الثوب جيداً، ولا فارهاً في الحيوان وإنما السلف في الثياب والحيوان على الصفة ويلزم المشتري أخذه إن كان على الصفة.
فصل [3 - الإقالة في الصرف قبل القبض] قال: وإن صارفت رجلاً ثم لقيته بعد ذلك فأقلته ودفعت إليه دنانيره وفارقته قبل أن تقبض دراهمك منه لم يجز، وكذلك إن ابتعت منه سيفاً محلى

الجزء: 11 - الصفحة: 345

نصله تبع لفضته بدنانير ثم أقلته منه بعد ذلك ودفته إليه وفارقته قبل أن يقبض الدنانير لم يجز الإقالة، وهي هاهنا بيع حادث.
قال سحنون: اختلف قوله في ذلك، فمرة كان يجيزها ومرة كان يبطلها، وإبطالها خير، وفي الإقالة في الطعام نحوه.
فصل [4 - السلم في الثياب] قال مالك: وإن أسلمت إلى رجل في ثبات موصوفة، فلا يجوز لك قبل الأجل أو بعده أن تأخذ منه أدنى من ثيابك أو بعض ثيابك وتسترجع بعض الثمن إن كان الثمن عيناً أو ما يعرف بعينه وقد غاب عليه ويدخله بيع وسلف منك له، ما أمضيت من الثمن فهو بيع، وما استرجعت سلف، وإن لم يفترقا جازت الإقالة وكأن البيع إنما وقع على ما بقي، فأما بعد التفرق فلا تأخذ منه شيئاً إلا ما أسلفت فيه أو رأس مالك.
قال: وكذلك إن كان رأس مالك عروضاً واسترجعت عروضاً مثلها من صنفها مثل رأس مالك أو أقل أو أخذت دون ثيابك أو بعضها لم يجز، ويدخله -إن كانت مثل عدد رأس مالك- سلف جر منفعة، وإن كانت أقل دخله بيع وسلف.

الجزء: 11 - الصفحة: 346

قال وإن استرجعت عرضاً من غير صنف رأس مالك جاز، وعد الجميع بيعاً مما دفعت.
قال: وإن كان رأس مالك عروضاً تعرف بعينها.
فأقلته من نصف ما أسلفت فيه على أن تأخذ نصف رأس مالك بعينه بعد أن تفرقتما أو قبل جاز، حل الأجل أم لا، وكذلك إن أخذت بعض رأس مالك بعينه وجميع ما أسلفت فيه بعد الأجل لا بأس به، لأن هذا إنما ارتجع بعض رأس ماله بعينه فلم يعد سلفاً ويكون ما بقي ثمناً لجميع ما أسلف فيه.
يريد ولو تعجل سلمه هاهنا قبل أجله لم يجز ودخله حط عني الضمان وأزيدك.
فصل [5 - الإقالة من السلم في الطعام وغيره وأثر الفوات في ذلك] قال ابن القاسم: ومن أسلم في طعام فلا يجوز له أن يأخذ منه إلا راس ماله إقالة أو الطعام الذي أسلم فيه.
قال: وإن أسلمت إلى رجل ثياباً في طعام فأقلته من نصف الطعام قبل الأجل أو بعده على أن يردع عليك نصف ثيابك التي دفعت إليه بعينها وقد حال سوقها أم لا فلا بأس بذلك، بخلاف أن يكون رأس المال دراهم أو ما لا يعرف بعينه.
وروى عنه أبو زيد في العتبية فيمن رباع ثوبين بعشرة أرادب

الجزء: 11 - الصفحة: 347

قمح إلى شهر ثم أقاله بعد الشهر من خمسة، ورد أحد الثوبين، فإن استوت قيمة الثوبين جاز وإلا لم يجز.
وقال سحنون في المجموعة: أخاف أن يكون بيع طعام قبل استيفائه؛ لأنه قد يدخله الغلط في التقويم، وقد كره ابن القاسم بيع أحد الثوبين مرابحة بنصف الثمن وقد ابتاعها في صفقة واحدة، وصفتهما واحدة حتى يبين.
ومن المدونة: قال ابن القاسم: وإن أسلمت عروضاً أو حيواناً في طعام فأقلته منه على أن تأخذ رأس مالك وقد تغير في سوقه جاز، ولا ينظر إلى ذلك وقد أجاز مالك لمن أسلم دابة في طعام أن يقيل منه بعد شهرين ويأخذها، والدواب تحول أسواقها في شهرين أو ثلاثة، فلا يفيت الإقالة حوالة سوق رأس المال إلا أن يحول رأس المال في عينه بنماء أو نقصان بين، مثل عور أو عيب يكبر، وذهاب بياض العين، وزوال صمم به، فهذا يفيت الإقالة.

الجزء: 11 - الصفحة: 348

ولو كان رأس المال جارية فتغيرت في بدنها بهزال أو سمن لم تفت الإقالة، ولو كانت دابة كان الهزال والسمن مفيتاً للإقالة؛ لأن الدواب تشترى لشحمها، والرقيق ليسوا كذلك.
وقال يحيى ذلك في الأمة والدابة سواء ولا يجوز.
م وهذا هو الصواب.
قال ابن القاسم: وإن أسلمت ثوباً في طعام فهلك الثوب بيد البائع لم تجز الإقالة لا على قيمته ولا على ثوب مثله.
قال: ولو لم يهلك الثوب جازت الإقالة إن قبضت الثوب مكانك ولم يتأخر.
قال ولو هلك بعد الإقالة انفسخت الإقالة، وبقي السلم بحاله، ولا يجوز أخذ ثوب مثله قبل أن يفترقا.
قال بعض أصحابنا: ولو قامت بهلاك الثوب بينة لانفسخت الإقالة؛ لأن الإقالة في هذا تفتقر إلى المناجزة، فإذا لم يناجزه حتى هلك وجب فسخها بخلاف البيع الحادث؛ لأن ما في الذمة لا تصح الإقالة فيه إلا بالقبض، ولو تراخى القبض فيه لبطلت بخلاف البيوع في المعينات، وهذا حكم الدين إذا باعه بثوب أو حيوان فهلك قبل أن يقبضه الذي اشتراه فمصيبته من الذي باعه وهو الذي عليه الدين، وقاله الشيخ أبو عمران.

الجزء: 11 - الصفحة: 349

وذهب بعض القرويين إلى خلاف هذا وقال إنما معنى المسألة إذا هلك الثوب ولا بينة له على هلاكه فأما لو ثبت أنه هلك بأمر من الله لكان ضمانه من الذي له السلم كما يستعمل في البيوع؛ لأن الإقالة بيع من البيوع.
قال بعض أصحابنا: هذا القول ليس بصواب لما قدمنا.
قال ابن القاسم: لو قبضت الطعام بعد محله ثم أقلت منه فتلف الطعام عندك بعد الإقالة قبل أن تدفعه فهو منك وتنفسخ الإقالة.
م وهكذا في الأمهات فتلف الطعام عندك بعد الإقالة وهو الصواب، ونقلها أبو محمد ولو قبضت الطعام ثم أقلت منه، وتلف الثوب عندك قبل قبض البائع إياه، فلا إقالة بينكما.
يريد: ولا بيع، وعليك رد الطعام إلى ربه.
وإنما يصلح هذا إذا ابتاع طعاماً نقداً بثوب نقداً، فقبض الطعام قيل دفع الثوب، ثم أقاله ثم وجد الثوب قد تلف فلا إقالة بينهما ولا بيع، وأما في السلم فلا يصح تأخير الثوب إلى الأجل.
قال ابن القاسم: وأصل قول مالك، أن من أسلم حيواناً أو رقيقاً أو عروضاً لا تؤكل ولا تشرب، وهي مما يكال أو يوزن أم لا، في طعام إلى أجل ثم تقايلا، وقد حالت أسواقها فالإقالة جائزة إلا أن تهلك أو يدخلها نقص في

الجزء: 11 - الصفحة: 350

أبدانها فلا تجوز الإقالة حينئذٍ، وإن دفع إليه مثلها وهي مما يقضى بمثله، قبل أن يفترقا لم يجز.
وقال أشهب في المجموعة: إذا كان رأس مال الطعام عرضاً يكال أو يوزن فهلك العرض، فالإقالة بعد هلاكه جائزة إذا كان المثل حاضراً عندك، ولا يجوز أخذك أرفع منه أو أدنى في وزن أو صفة ولا تؤخره به، ولم يجز ابن القاسم الإقالة بعد هلاك ذلك، وإنما أجازه في الإقالة من طعام قبضه ثم أقال منه بعد هلاكه.
يريد: والمثل حاضر عنده.
فصل [6 - الإقالة في بيع العبيد وسلم الطعام بعد وجود عيب فيها] قال ابن القاسم: ومن باع جارية بعبد فتقابضا ثم مات العبد فتقايلا لم يجز الإقالة إلا أن يكونا حيين سالمين.
وكذلك إن حدث بالعبد عيب لم تجز الإقالة إلا أن يعلم دافع العبد ينقصه فتجوز.
وإن أسلمت إليه دراهم في طعام أو غيره ثم أقالك قبل التفرق ودراهمك بيده، فأراد أن يعطيك غيرها مثلها، فذلك له، وإن كرهت، شرطت استرجاعها بعينها أم لا.
م لأنه لما قبضها صارت في ذمته، فإذا أعطاك مثلها لم يظلمك.

الجزء: 11 - الصفحة: 351

يريد: وكذلك في البيع الناجز.
ومن غير المدونة، أن ابن القاسم رجع وقال: له أخذ دراهمه.
م وهذا أحسن لقوله -صلى الله عليه وسلم «المسلمون عند شروطهم»، وإذ قد يكره مال البائع ويرغب في دراهمه لحله فله شرطه.
ومن المدونة: ولو كان رأس المال عرضاً يكال أو يوزن أو يعد، أو طعاماً أسلمه إليك في عرض فأقالك لم يكن له أن يعطيك إلا ذلك بعينه، لأن ذلك يباع لعينه، والدراهم لا تباع لعينها.
قال: وكل ما ابتعته مما يكال أو يوزن من طعام أو عرض فقبضته فأتلفته فجائز أن تقيل منه وترد مثله بعد علم البائع بهلاكه وبعد أن يكون المثل حاضراً عندك وتدفعه إليه بموضع قبضته [منه] وإن حالت الأسواق، وكذلك لو اغتصبته فأتلفته فإنما عليك مثله لا قيمته، وإن حال سوقه، وتدفعه إليه بموضع غصبته منه.

الجزء: 11 - الصفحة: 352

م قيل: وهذا إذا كان الموضع الذي نقله إليه قريباً، وأما إن كان الموضع بعيداً صارت إقالة على تأخير فلا يجوز ذلك.
وذكر عن الإبياني فيما كان بالقرب، وكان لنقله ثمن فإن كان الذي له الطعام هو السائل في الإقالة فعليه أن يرده إلى الموضع الذي أخذه منه، وإن كان هو البائع فعليه أن يأخذه في الموضع الذي وجده، واستحسن ذلك أبو محمد وأبو الحسن.
م وإن كان الطعام بغير البلد لم تجز الإقالة، لأنه يحتاج إلى أن يأتي به وهو في ضمانه إلى أن يصل.
قال بعض أصحابنا وقال بعض القويين: إذا اشترى سلعة وحملها بثمن ثم ظهر على عيب فهو مخير بين أن يرد أو يرجع بقيمة العيب؛ لأن ما ودى في الحمل أوجب له التخيير، فيصير كعيب حدث عنده.
ولو اشترى سلعة فحملها ثم ظهر أن البائع دلس فليس على المشتري أن يردها إلى الموضع الذي اشتراها فيه، لتدليسه عليه، وقيل إن كراء ردها على المشتري في ماله؛ لأن البائع يقول له أعطني سلعتي وخذ ثمنك كالإقالة.

الجزء: 11 - الصفحة: 353

فصل [7 - في الرجلين إذا أسلما إلى رجل في طعام ونحوه فأقاله أحدهما] قال ابن القاسم: وإن أسلم رجلان إلى رجل في طعام أو عرض فأقاله أحدهما جاز ذلك وإن لم يرض شريكه، إلا أن يكونا متفاوضين فيما أسلما فيه من عرض أو طعام خاصة أو في جميع أموالها فلا تجوم الإقالة حينئذٍ؛ لأن ما أقاله منه أو أبقاه فبينهما، وكذلك إن ولى حصته، ولا حجة لشريكه عليه في إقالة أو تولية إن لم يفاوضه، وإنما حجته على البائع -أي طلبه على البائع- ولا يرجع فيما أخذ شريكه، ولا يتهم البائع أن يبيع من أحدهما على أن يسلمه الآخر.
قال أبو إسحاق: وقد يشبه على ما هاهنا أن أحد الشريكين إذا باع نصيبه من دين بينهما أن شريكه لا دخول له عليه كعبد بينهما باع أحدهما حصته -نصيبه- فلا كلام لصاحبه، وقد قال ذلك غير ابن القاسم في أحد الوليين في الدم أن أحدهما إن صالح على عبد لنفسه أنه يكون له، ولا يدخل عليه فيه شريكه، وليس هذا ببعيد في القياس؛ لأنه إنما باع القدر الذي يخصه من الذي عليه الدين فأشبه بيعه ذلك من غيره.

الجزء: 11 - الصفحة: 354

وكذلك إن كان رأس المال في الطعام ثوباً ولم يتغير في عينه فأقاله أحدهما جاز، ويكونان شريكين فيه.
قال سحنون: أما التولية فنعم ولا تجوز إقالته إلا بإذن الآخر، كما لا يقتضي إلا بإذنه.
قال غيره: لعله يعني أنه أقاله من حصته أو ولاها بعد إن اقتسما ما على الغريم، فإن لم يكن هكذا خلاف ما قال في كتاب الصلح، في صلح أحد الشريكين من حصته عن دين بينهما أن لشريكه أن يدخل معه فيه.
قال بعض أصحابنا: وقال الشيخ أبو عمران: إنما أجاز ابن القاسم إقالة أحد الشريكين بغير إذن شريكه ولم يجعل له الرجوع في ما أخذ كالاقتضاء كما قال سحنون؛ قال: لأنا لو خيرنا الشريك في ذلك آلت الإقالة إلى فساد؛ لأن الإقالة على خيار لا تجوز لخروجها عن حدها، فيصير بيع الطعام قبل قبضه، فلما كان ترقب إجازة الشريك يؤدي إلى هذا الفساد، وكان أصلها المعروف سامح فيها ابن القاسم فأنفذها، وأجاز فعل الشريك والله أعلم.
وقال فضل بن سلمة إنما أجاز مالك إقالة أحدهما من جميع نصيبه؛ لأن شريكه لو أراد الدخول على صاحبه فيما أخذ من البائع منهما لم يجز ذلك؛ لأنه يرجع إلى أن يقيل من بعض حقه ويبقى بعضه فيصير بيعاً وسلفاً، وبيع

الجزء: 11 - الصفحة: 355

الطعام قبل قبضه، فلما لم يجز هذا لم يوجب له مالك الدخول على شريكه فيما تقاضى من رأس المال، وصحت إقالة شريكه.
فقول مالك أبين من قول سحنون والله أعلم.
وذكر عن الشيخ أبي الحسن أنه قال: رأي مالك رحمه الله عندي في هذه المسألة إقالة أحد الشريكين؛ البائع كأنه ولى نصيبه رجلاً، صار شريكاً مع الآخر، وبقي الدين على حاله على البائع، والبائع في الإقالة شريك فيما على نفسه للشريك الذي لم يول.
وهو وجه صحيح حسن مفارق لتقاضي الشريك وصلحه؛ لأن الصلح كالاقتضاء، والتولية والإقالة كالبيع، ولو أن أحد الشريكين باع مصابته فيما يجوز بيعه قبل استيفائه من أجنبي، ما كان للشريك على شريكه حجة؛ لأن الدين بقي على حاله.
وقال نحو هذا أبو القاسم ابن الكاتب، قال: وإنما لم يكن للشريك على شريكه حجة؛ لأنه لم يقبض من دينه الذي حصل بينهما شيئاً ولو قبض شيئاً منه لكان له الدخول معه فيه، وأيضاً فلم يجز ما قبض منه على معنى الصلح فيشاركه فيه؛ لأن الصلح منه بيع له، وإنما إقالته في ذلك تولية منه لما عليه فحصل البائع فيما تولى شريكاً مع الشريك الآخر الذي لم يول،

الجزء: 11 - الصفحة: 356

وصار ذلك كما لو ولى ذلك أجنبياً، فليس لشريكه الدخول معه فيما أخذ، لأن الذي كانا فيه شريكين باق كما كان في ذمة الغريم ولم يقبض منه أحد شيئاً، ولأن الشركة إنما حصلت فيما على الغريم، فلو قبض منه شيئاً أو ما يكون عوضاً منه، لدخل في ذلك الشريك، والإقالة ليست عوضاً من الدين ولا بيعاً له ممن هو عليه، إذ لو كان كذلك ما جازت الإقالة فيه؛ لأنه من بيع الطعام قبل استيفائه، وإنما هي إسقاط لما تعاقدا، وإبراء لذمة البائع من الدين، ألا ترى أن المبتاع إنما أخذ مثل رأس ماله فلم يكن لصاحبه فيه شركه، وإنما له الكلام فيما كانت له فيه شركة، والمقال قد قام مقام المقيل.
م وهذه كلها وجوه صحيحة، واحتجاج بين، وقد اعترض ذلك بعض اصحابنا باعتراض ضعيف، ومالك وابن القاسم أعلم ممن اعترض في ذلك وبالله التوفيق .. [فصل 8 - في الرجل يسلم إلى الرجلين في طعام أو غيره فأقاله أحدهما] ومن المدونة قال ابن القاسم: وإن أسلم رجل إلى رجلين في طعام أو غيره فأقاله أحدهما فإن لم يكن شرط حمالة أحدهما بالآخر أيهما شاء أخذ بحقه فذلك جائز؛ لأنه لا يتبع كل واحد منهما إلا بحصته، ولو شرط ضمانهما لم تجز الإقالة إذ الحق كله كأنه على واحد أقاله من بعضه.

الجزء: 11 - الصفحة: 357

وذكر عن الشيخ أبي القاسم ابن الكاتب أنه إن اشترط الحمالة لم يشترط أيهما شاء، أخذه بحقه، فالذي يظهر لي أن الإقالة لأحدهما جائزة إلا أن يكون الذي لم يقل عديماً، ويحل أجل ما عليه، فلا تجوز إقالة الآخر، لأن لرب السلم هاهنا أن يأخذه بجميع السلم، كما لم يجز إذا شرط أن يأخذ أيهما شاء لاجتماعهما في العلة التي من أجلها لم يجزه إلا أن يكون على أحد قولي مالك في أن لرب الدين أن يأخذ الحميل أو الذي عليه الدين وإن كان الذي عليه الدين حاضراً مليئاً.
قال بعض أصحابنا: وذهب بعض شيوخنا إلى أنه إذا اشترط أن بعضهما حميل ببعض لم تجز الإقالة لأحدهما، وسواء اشترط أيهما شاء أخذ بحقه أم لا، فقد يفلس أحدهما عند الأجل فيصير حقه على واحد، فكأنه أقاله من البعض.
م قال بعض أصحابنا والأول أصوب.

الجزء: 11 - الصفحة: 358

وقال بعض شيوخنا من القرويين: ولا يجوز أن يقيل أحدهما وإن لم يغيبا على رأس المال، لأن كل واحد حميل بما على الآخر، فلا يقبله على أن يبقى حميلاً بما على صاحبه أو على أن يسقط الحمالة، فتحول الإقالة عن حالها ويصير بيع الطعام قبل قبضه، ويصير بيعاً على طرح الضمان فتفسخ الإقالة، قال: وكذلك ذكر لي أبو محمد وأبو الحسن فاعلم ذلك.
م يريد ولو لم يقله، جاز أن يشترط حمالة أحدهما بالآخر ولم يجعل ذلك كسلعتين باعهما رجلان في صفقة؛ لأن السلم المنعقد عليهما متساو، فهو كسلعة بينهما باعها على أن أحدهما بالآخر حميل، ولا غرر في ذلك ولا فساد، ولو زاد أحدهما في ثمن سلعته على أن تحمل له بالآخر، وأعيان الغرضين في البيع الناجز لا تكاد تتساوى أو تتفق قيمتها، فهو مختلف، وكأنه في البيع الناجز ابتاع عبداً لمليء على إن تحمل له بالمعدم فزاده في ثمن سلعته على أن تحمل له بالمعدم فذلك حمالة بجعل فلا يجوز، ولأنه غرر وأكل المال بالباطل، ولو كانا شريكين في السلعتين جميعاً أو في سلعة واحدة جاز بيعهما على أن أحدهما بالآخر حميل.
م لأن السلعة بينهما نصفان والثمن كذلك، فلم يزد أحدهما على أن تحمل له بالآخر.
فسلما من الحمالة بجعل، وهذا بين وبالله التوفيق.
تم كتاب السلم الثاني من الجامع وبالله التوفيق.

الجزء: 11 - الصفحة: 359

كتاب السلم الثالث

الجزء: 11 - الصفحة: 360

فصول الكتاب · 78 فصل
فصول الجامع لمسائل المدونة
المقدمةالمقدمةكتاب الصلاة الأولكتاب الصلاة الثانيكتاب الجنائز من الجامعكتاب الصوم من الجامعكتاب الاعتكافكتاب الزكاة الأولكتاب الزكاة الثاني من الجامعكتاب الحج الأول من الجامعكتاب الحج الثاني من الجامعكتاب الحج الثالث من الجامعكتاب الصيد من الجامعكتاب الذبائح من الجامعكتاب الضحايا من الجامعكتاب العتق الأول من الجامعكتاب المكاتب الأولكتاب السلم الأولكتاب السلم الثانيكتاب السلم الثالثكتاب الصرفكتاب الرهنكتاب بيوع الآجالكتاب البيوع الفاسدةكتاب بيع الخياركتاب المرابحةكتاب اشتراء الغائبكتاب الوكالاتكتاب التجارة إلى أرض الحربكتاب جامع لأبواب متفرقةكتاب العراياكتاب العيوب والتدليسكتاب الصلحكتاب الجوائحكتاب الجعل والإجارةكتاب المساقاةكتاب القراضكتاب الأقضيةكتاب كراء الرواحل والدوابكتاب كراء الدور والأرضينكتاب الشركةكتاب الشهادة الأولىكتاب الشهادة الثانيكتاب الرجوع عن الشهاداتكتاب المديانكتاب الرجوع عن الشهاداتكتاب التفليسكتاب الحمالةكتاب المأذون له في التجارةكتاب اللقطةكتاب الضوالكتاب الإباقكتاب حريم الآبار وإحياء المواتكتاب الغصبكتاب الوديعةكتاب العاريةكتاب العدةكتاب الاستحقاقكتاب الحبسكتاب الصدقةكتاب الهبة والهباتكتاب الهباتكتاب الوصايا الأولكتاب الوصايا الثانيكتابً الوصايا الثالثكتاب الشفعة الأولىكتاب الشفعة الثانيكتاب القسم الأولكتاب القسم الثانيكتاب الفرائض الثانيكتابكتاب المحاربين والمرتدينكتاب القذفكتاب الأشربةكتاب الجراحكتاب الجناياتكتاب الدِّياتكتاب الجامع
جارٍ التحميل