الجامع لمسائل المدونةكتاب السلم الأول
أهل الأثرالأرشيف العلمي

[الباب الأول]

في السلم وما يحل ويحرم من سلم الحيوان والعروض بعضها في بعض.

[الفصل 1 - في أدلة مشروعيته وفي جواز بيع العين الغائبة على الصفة] والأصل في جواز السلم قول الله عز وجل ﴿وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبَا﴾ [البقرة:275]

الجزء: 11 - الصفحة: 97

وقوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا تَدَايَنتُمْ بِدَيْنٍ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى فَاكْتُبُوهُ﴾ [البقرة:282]، قال ابن عباس: ذلك في السلم.
وقال الرسول -صلى الله عليه وسلم- حين قدم المدينة وهم يسلفون الثمار «سلفوا في كيل معلوم ووزن معلوم إلى أجل معلوم»، وهذا نص وبيان صفة.
واشترى -صلى الله عليه وسلم- عبداً بعبدين أسودين، وباع علي بن أبي طالب رضي الله عنه جملاً بعشرين بعيراً إلى أجل واشترى ابن

الجزء: 11 - الصفحة: 98

عمر راحلة بأربعة أربعة إلى أجل والإجماع على جواز السلم وبيع الشيء الحاضر.
واختلف في بيع الشيء الغالب على الصفة.
فنحن نجيزه ومنع منه الشافعي.

الجزء: 11 - الصفحة: 99

[فصل 2 - في قوله تعالى ﴿وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبَا﴾ هل هو من الألفاظ العامة أو من الألفاظ المجملة؟] قال عبد الوهاب: واختلف في كم قوله تعالى: ﴿وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبَا﴾ فقيل: هو من خير المجمل، وقيل: هو من خير العموم، واختلف الذين قالوا إنه من خير العموم، فقال بعضهم: إنه من قبيل ما يدخله التخصص فهو على ظاهره وعمومه إلا ما قام الدليل على خروجه منه كقوله تعالى ﴿فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ﴾ [التوبة:5] وسائر الظواهر، وهذا مذهب أكثر الفقهاء، وقيل بل هو من قبيل ما لا يدخله التخصيص، وقيل غير هذا، والأول أصح؛ لأنه عام محمول على ظاهره إلا ما قام الدليل على

الجزء: 11 - الصفحة: 100

خروجه منه، وإن تخصص بعضهم ليس بمانع من التعلق بظاهره، ولا موجب لإجماله، والدليل عليه أن البيع اسم معقول في اللغة وهو: نقل الملك على وجه العوض.
وقد ورد الظاهر بإباحته مطلقاً غير مقيد مقروناً باللام الداخلة للجنس أو للمعهود، فإذا لم يكن معهوداً وجب حملها على الجنس، وأمكن التعلق بظاهره.
[فصل 3 - عموم التحريم فيما جر من السلف نفعاً وفي حكم القضاء في القرض بالأفضل] قال أبو محمد: ولما قامت السنة بتحريم ما جر من السلف نفعاً كان ذلك عاماً في العين والطعام والعروض والحيوان وغيرها، إلا من رد أفضل

الجزء: 11 - الصفحة: 101

صفة أو وزناً من غير شرط ولا عقد كما استلف النبي صلى الله عليه وسلم بكراً فقضى جملاً خياراً رباعياً.
فكل من أسلف لينتفع إما بزيادة مقدار أو لجودة صفة أو ينتفع بتضمين فغير جائز له، لخروجه عن معروف القرض إلى مكايسة البيع وإنما يجوز ما يراد به نفع مستقرضه، فجرت الحيوان والعروض هذا المجرى في تحريم الزيادة في قرضها، وإذا أقرض الصنف منها في مثله لا نفع فيه إلا لأخذه جاز، وإن كان على وجه بيع شيء بأكثر منه حرم في الجنس الواحد، وليس ما سميا من البيع محللاً ما أضمرا من الزيادة في السلف في جنس واحد، حتى إذا اختلف الأصناف وتباعدت خرجت من معنى القرض إلى البيع الجائز، فجاز بعضها في بعض لرجاء نفاق صنف وكاد الآخر، ولا يرجى ذلك في الصنف الواحد بل يصير المقرض على يقين من النفع الذي شرط أو اعتقد فافترقا.

الجزء: 11 - الصفحة: 102

فصل [4 - في سلم واحد في اثنين من جنس واحد] ولا يجوز سلم واحد في اثنين من جنس واحد إذا اتفقت المنافع، فأما إذا اختلفت فجائز.
وقال أبو حنيفة: لا يجوز بحال.
وقال الشافعي: يجوز على كل حال إذا كان مما لا ربا في نقده.
فدليلنا على أبي حنيفة قوله تعالى: ﴿وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبَا﴾ وحديث ابن عمر أن النبي -صلى الله عليه وسلم-: «أمره أن يأخذ البعير بالبعيرين إلى أجل الصدقة».

الجزء: 11 - الصفحة: 103

وروي ذلك عن علي وابن عمر ولا مخالف لهما؛ ولأن ما اختلفت منافعه وأغراضه جاز سلم الواحد منه في الاثنين، أصله الجنسان.
ودليلنا على الشافعي نهيه -صلى الله عليه وسلم- عن سلف جر منفعة، وأجارتنا سلم شيء في مثليه ذريعة إلى سلف جر نفعاً فمنع منه، كما منع من قرض الجواري لأنه ذريعة إلى إعارة الفروج، وقد وافقونا على ذلك ووجه الذريعة في ذلك كأنه

الجزء: 11 - الصفحة: 104

قال له: أقرضني ثوباً وأرد عليك ثوبين إلى شهر، فيقول له الآخر: هذا قرض جر منفعة، ولكن اجعله بيعاً أبيعك ثوباً بثوبين إلى شهر، فيحصل من القرض في الباطن ومن البيع في الظاهر فمنع منه لقوة التهمة.
م وأكثر هذا الاحتجاج للقاضي عبد الوهاب إلا ما بينت واختصرت وبالله التوفيق.
فصل [5 - السلم في الإبل والبقر والغنم] وفي المدونة قال ابن القاسم: ولا بأس أن تسلم الإبل في البقر وفي الغنم وتسلف البقر والغنم في الإبل.
وتسلف الغنم في البقر وتسلف الحمير في الإبل والبقر والغنم والخيل.

الجزء: 11 - الصفحة: 105

[فصل 6 - في سلم الحمير في البغال وسبب اختلاف قول مالك فيه] وكره مالك أن تسلف الحمير في البغال لتقارب منافعها إلا أن تكون من الحمير الأعرابية التي يجوز أن يسلم فيها الحمار الفاره النجيب، وكذلك إذا أسلفت الحمير في البغال والبغال في الحمير فاختلفت، كاختلاف الحمار الفاره النجيب بالحمار الأعرابي فجائز أن يسلف بعضها في بعض.
م فجعل في هذا الكتاب الحمير والبغال صنفاً واحداً خيفة أن يقع في سلف جر منفعة، ليسلمه شيئاً في مثليه فاحتاط من ذلك وجعلها في كتاب القسم صنفين احتياطاً أيضاً، وخيفة أن تكون مختلفة فيقع التخاطر في قسمها بالقرعة، فإذا كانت الحمير تنقسم على حيالها والبغال تنقسم على حيالها قسم كل صنف منها

الجزء: 11 - الصفحة: 106

على حده فبنى كل أمره على الاحتياط في الوجهين.
وقال ابن حبيب: الحمير والبغال صنفان يجوز التفاضل فيهما إلى أجل.
قال: ولا أحد [يقول] بقول ابن القاسم في ذلك قال: والبغال كبارها صنف مما بلغ الحمل والركوب، وصغارها صنف، والحمير كذلك صغارها مما لم يبلغ الحمل والركوب صنف وكبارها صنف.
قال: وإذا اختلفت الحمير والبغال في سيرها وجريها اختلافاً بيناً جاز منها واحد في اثنين، وأباه ابن القاسم.
وقال ابن القاسم في كتاب محمد: إن الحمير على اختلاف أجناسها وأثمانها وسرعة سيرها صنف واحد، والحمير مع البغال صنف.
قال مالك: إلا الحمير الأعرابية، فإنها صنف على حدتها تسلم في الحمير المصرية وفي البغال، قال: وصغار الحمير صنف وكبارها

الجزء: 11 - الصفحة: 107

صنف، وكذلك البغال.
والحولي صغير، والربا والقارح كبير.
م وقول ابن القاسم أحوط، وقد قال النبي -صلى الله عليه وسلم- «اتقوا الربا والريبة» وقال -صلى الله عليه وسلم- «الراعي حول الحمى يوشك أن يقع فيه»، وقوق ابن حبيب أخف وأقرب للتيسير، وقد قال الله تعالى: ﴿وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ﴾ [الحج:78] أي من ضيق، فمن أخذ به لم أعبه وليس بضيق والاحتياط أحب إلينا.
[فصل 7 - السلم في الخيل] ومن المدونة: قال ابن القاسم: وتسلف كبار الخيل في صغراها، ولا تسلم كبارها في كبارها إلا أن يكون فرساً جواداً له سبق فلا بأس أن يسلم في غيره مما ليس مثله في جودته وإن كان في سنه.

الجزء: 11 - الصفحة: 108

قال في كتاب محمد: وليس الفرس الحميل السمين العربي صنفاً حتى يكون جواداً سابقاً، فيجوز أن يسلم فرسين جوادين في فرس ليسا مثله.
ولا يدخله زيادة الضمان حتى يكون من نوعه ويقرب من صفته، وأما سلم صغارها في كبارها فيجوز إن كان بمعنى البيع لا بمعنى السف لتقاربهما في الأصل، فيسلم كبير في صغيرين فأكثر أو صغيران في كبير، ولا خير في صغير في كبير ولا في كبيرين فأكثر، وهذا من الزيادة في السلف، قال: والحولي صغير والجذع كبير.
[فصل 8 - في سلم الصغار في الكبار من البهائم] وقال عيسى عن ابن القاسم في العتبية: لا خير في صغير في كبير من جنسه من البهائم كلها؛ لأنه من الزيادة في السلف، ولا كبير في صغير، لأنه زيادة على ضمان الأدنى، والذي يشبه التبايع سلم كبير في صغيرين في كبير، وكذلك صغيرين في كبيرين أو كبيرين في صغيرين.
م جعل صغيرين في كبيرين بمعنى البيع، وصغيراً في كبير بمعنى السلف، وأجاز في موضع آخر من كتاب محمد أن يسلم حولي في قارحين، إذ ليس

الجزء: 11 - الصفحة: 109

في الحولي منفعة ركوب ولا حمل.
م وهذا عندي وفاق لما في المدونة وهو قول ابن حبيب وهو القياس إذ لا يخلو أن تكون الكبار والصغار صنفاً واحداً أو صنفين مختلفين، فإن كانت صنفاً واحداً فينبغي أن لا يجوز كبير في صغيرين، لأنه زيادة في السلف وقد جوزوه باتفاق.
وإن كانت صنفين فينبغي أن يجوز صغير في كبيرين وكبير في صغيرين كما جوزوا فرسين جوادين في فرس ليس مثلهما، وجاريتين طباختين في جارية لا عمل بيدها.
[فصل 9 - في سلم كبار الحيوان في صغارها] ومن المدونة: وتسلم كبار الإبل في صغارها -يريد صغارها التي لا محمل فيها ولا ركوب-، ولا يسلم كبارها في كبارها إلا ما عرف فبان في النجابة والحمولة، فلا بأس أن يسلم في حواشي الإبل وإن كانت في سنة، كما باع علي بن أبي طالب -رضي الله عنه- جملاً له يدعى (عصيفيرا) بعشرين بعيراً إلى أجل، واشترى ابن عمر راحلة بأربعة أبعرة مضمونة عليه، يوفيها صاحبها بالزبدة.
وروى الحديثين مالك في الموطأ.
قال ابن القاسم: وتسلم البقرة القوية على العمل الفارهة في الحرث [وما أشبهه] في حواشي البقر إن كانت مثل أسنانها.

الجزء: 11 - الصفحة: 110

[فصل 10 - السلم في الغنم والضأن] قال مالك: والغنم لا تسلم صغارها في كبارها ولا معزاها في شأنها ولا شأنها في معزاها؛ لأنها كلها لا منفعة فيها إلا للحم لا للحمولة إلا أن تكون غنماً غزيرة اللبن موصوفة بالكرم فلا بأس أن تسلف في حواشي الغنم.
وإنما ينظر مالك في الحيوان إذا اختلفت المنافع فيها جاز أن يسلف بعضها في بعض، اتفقت أسنانها أو اختلفت.
م وكذلك ذكر ابن حبيب قال: وإنما تختلف في غزر لن المعز خاصة فيجوز بيعها بحواشي المعز وبالعدة من الضأن إلى أجل؛ لأنه لا يعرف من غزر لبن الضأن ما يعرف في المعز، وقاله مالك وأصحابه، وقال بعض الفقهاء: وهو تفسير لما في المدونة.
م وظاهر المدونة أن الضأن والمعز سواء ما عرف من ذلك بغزر اللبن والكرم جاز أن يسلم في غيره.

الجزء: 11 - الصفحة: 111

وقد قال يحيى بن سعيد أن الشاة الكريمة ذات اللبن تباع بالأعنق من الشاء إلى أجل.
م وإن كانت المعز أغزر لبناً، فالضأن أفضل لبناً وأزكى في قطعه للجبن والزبد، وهو مقدم عند أهل المعرفة ببلدنا، المثل من الضأن بالمثلين من المعز في عمل الجبن والزبد هذا بصقلية عندنا، وأما بمصر والمشرق فيحكى أن معزاها كثيرة اللبن جداً، ومع ذلك يحتمل أن يكون بعضها أفضل من بعض في اللبن وإن كانت أفضل من معزنا، وكذلك الغنم يحتمل أن يكون بعضها أفضل من بعض في اللبن، فإذا جاز ذلك جاز أن يسلم بعضها في بعض، وعلى مثل هذا تكلم مالك والله أعلم .. فصل 11 - في السلم في الطير] ومن العتبية من سماع عيسى عن ابن القاسم قال: والطير كله ليس في الجنس الواحد منه من الاختلاف ما يجوز بعضه

الجزء: 11 - الصفحة: 112

ببعض إلى أجل، فلا يجوز دجاجه بيوض في اثنتين ليستا مثلها في كثرة البيض، وكذلك الأوز.
[قال] ابن المواز: قال ابن القاسم: والديكة والدجاج صنف، قال أصبغ: فلا يسلم بعضها في بعض إلا الدجاجة ذات البيض فإنها صنف، فتسلم البيوض أو التي فيها بيض في ديكين أو ديك في دجاجتين منها.
فصل 12 - السلم في الرقيق وبم يكون الاختلاف بينهم] ومن المدونة: قال مالك: والعبيد صنف إلا ذو النفاذ والتجارة فيسلم في الأشبانيين لا تجارة لهما، وكذلك الصقلي الكاتب التاجر بالنوبيين غير التاجرين، وكذلك البربري الفصيح التاجر الكاتب

الجزء: 11 - الصفحة: 113

بالنوبيين غير التاجرين، وكذلك الكاتب -بالنوبيين الأعجميين لا بأس به.
قال ابن القاسم: ولا يلتفت إلى الأسنان في ذلك.
وقال يحيى بن سعيد: إذا كان ما يأخذ مخالفاً لما يعطي جاز في الإبل والغنم والرقيق وغيرهما فتباع الناقة بالكريمة بالقلائص إلى أجل، والعبد الفاره بالوصفاء إلى أجل.
وكذلك غلاماً جسيماً حاسباً كاتباً بوصفاء يسميهم من البربر والسودان لا بأس به.
وقال ابن القاسم في المستخرجة ونحوه في كتاب ابن المواز: إن الرقيق على اختلاف أجناسها وأثمانها، ذكرانها وإناثها، صغارها وكبارها، جميلها وقبيحها، صنف واحد لا يجوز فيها التفاضل إلى أجل إلا أن يختلف بغير ذلك، فالاختلاف في الذكور: التجارة، والنفاذ في الأمور وإن لم يكن فصيحاً كاتباً، ومن تمام نفاذه أن يكون فصيحاً تاجراً

الجزء: 11 - الصفحة: 114

كاتباً نحريراً حاسباً، وليس الفصاحة وحدها فيهم اختلاف، والأصل في ذلك التجارة كان فصيحاً أو غير فصيح، والاختلاف في الجواري الخبز والطبخ والرقم، وليس الغزل وعمل الطيب صنعة توجب أن تكون صنفاً واحداً؛ لأن عمل الطيب ليس بشيء وجميع الجواري يغزلن.
م قال أبو إسحاق: ولعله يريد بعمل الطيب علم ذلك لا عمل اليد الذي يحتاج إلى عمل ومعرفة كالخبز والرقم فهذا يجب أن يكون صنعة.
قال ابن القاسم: ولأن عمل الطيب ليس بشيء، وجميع الجواري يغزلن،

الجزء: 11 - الصفحة: 115

وكذلك القراءة والكتابة والحسن والفصاحة ليس ذلك كله اختلافاً يبيح التفاضل فيهن، فلا يجوز جارية نوبية ليس في يديها صنعة وإن بلغ من حسنها ما يكون ثمنها ألف دينار بجاريتين صقليتين أو بربريتين ليس في أيديهما أيضاً صنعة، ويجوز أيضاً جاريتين أو ثلاث إذا كانت طباخات أو خبازات بجارية ليس في يديها عمل، ولا خير في الطباخة بالخبازتين لتقارب ذلك إلا أن تكون الطباخة صباغة أو رقامة، ولا بأس بالعبد التاجر بالطباختين إلى أجل لاختلاف صنائعهم.
[قال] ابن المواز: قال أصبغ: أرى إن كانت جارية قارئة كاتبة نحريرة أن تسلم في غيرها من الإماء، وكذلك في الجارية الجميلة للحاف تسلم في جاريتين من سائر الإماء.

الجزء: 11 - الصفحة: 116

وفي رواية ابن وهب أن الجمال في الجواري صنف يجوز سلمهن فيما كان للخدمة.
قال أبو إسحاق: وهذا أشبه في القياس، لأن الغرض في الوطء غير الغرض في لخدمة وذلك تباعد كثير.
[قال] ابن المواز: وهذا استحسان والقول ما قاله ابن القاسم وهو القياس وهو أحب إلينا، ولو أخذت به فيما تقارب نفعه لدخل في غيره.
م والصواب ما قاله أصبغ؛ لأن الجمال يتفاوت النساء فيه حتى إن الفائقة في الجمال تساوي عشر طباخات وعشرين طباخة وأكثر، ولا تساوي طباخة جليلة الطبخ أو خبازة جليلة الخبز قبيحة المنظر جارية فائقة في الجمال، وأكثر أغراض الناس في الجواري الجمال، كما أن أكثر أغراضهم في الخيل الجري والفراهة، وفي الإبل الحمولة لا الجمال،

الجزء: 11 - الصفحة: 117

وكذلك في العبيد النفاذ والتجارة، وكذلك الصنعة الجليلة باليد عندي صنف يبيح التفاضل، خلاف ما قاله ابن القاسم وإنما ينظر في هذا إلى أغراض الناس وتنافسهم في الأثمان لما تجره إليهم من المنافع ويشتهونه غالباً ويتباين من غيره تبايناً متباعداً فيكون ذلك صنفين والله أعلم .. وقد ذكر ابن حبيب هذا الذي قال أصبغ في القارئة والفارهة أنه قاله بعض أصحاب مالك إلا أنه قال: الفائقة الجمال.
وقال ابن حبيب: والقراءة والكتابة والصنعة باليد في الذكور -إذا كان في ذلك نافذاً- صنف، يجوز الواحد منه في اثنين مما ليس ذلك فيه، إلا أجل.
وكذلك الخياط والبناء والصائغ والخراز بهذه المنزلة.
م وبه أقول، وقد قال يحيى بن سعيد: لا بأس بغلام حاسب كاتب بوصفاء يسميهم من البربر أو السودان.
وقد روى ابن وهب أن الرسول -صلى الله عليه وسلم- (اشترى عبداً بعبدين أسودين) وإن كان ليس في الرواية إلى أجل، ولكن يستأنس به، إذ قد يحتمل أن ذلك كان إلى أجل.

الجزء: 11 - الصفحة: 118

ومن المدونة: قال يحيى بن سعيد: ومن باع غلاماً معجلاً بعشرة أفراس إلى أجل وعشرة دنانير نقداً فلا بأس به، ومن سلف في غلام أمرد، جسيم صبيح، فلما حل الأجل لم يجد عنده أمرد، فأخذ مكانه وصيفين أو حيواناً أو رقيقاً أو عروضاً، وبريء أحدهما من صاحبه في مقعد واحد فلا بأس به.
[فصل 13 - السلم في الخشب] قال ابن القاسم: والخشب لا يسلم منها جذع في جذعين مثله حتى يتبين اختلافهما، كجذع نخل طويل كبير غلظه كذا، وطوله كذا في جذوع صغار لا تقاربه فيجوز؛ لأن هذين نوعان مختلفان.
م قال بعض أصحابنا: غمز بعض الناس هذه المسألة وقال: لأنه يمكن أن يقطع الجذع الكبير جذوعاً صغاراً، فكأنه أعطاه إياه على أن يضمن له ما نقص وله ما زاد.
قال بعض فقهائنا: وإنما محمل المسألة عندي على أن

الجزء: 11 - الصفحة: 119

الكبير لا يصلح أن يجعل على معنى ما يصلح من الصغار فلذلك أجازه، ولو كان الكبير يمكن فيه ذلك لكان الأمر على ما قال فيه هذا القائل والله أعلم.
وإن أسلمته في مثله صفة وجنساً فهو قرض، فإن ابتغيت به نفع الذي أقرضته جاز ذلك إلى أجله، وإن ابتغيت به نفع نفسك لم يجز، ورد السلف، قال: ولا يسلم جذع نخل في نصف جذع من جنسه، وكأنه أخذ جذاعاً فيمن أسلم ثوباً في ثوب دونه أن رأساً في رأس دونه إلى أجل: أنه لا خير فيه.
م يريد إذا كانا من صنف واحد، وأما لو كانا من صنفين لجاز سلم الجيد في الدنيء في الجيد، وقد أجاز في باب بعد هذا أن يسلم ثوباً من غليظ الكتان مثل الزيقة وشبه في ثوب قصبي مؤجل وقرقبي

الجزء: 11 - الصفحة: 120

معجل، وكلاهما من رقيق الكتان، وكجوازهم طباخين في غير طباخة.
فأما إذا اختلفت الأصناف جاز ذلك كله، قال ابن أبي زمنين: وقوله لا يصلح أن يسلم جذعاً في نصف جذع من جنسه ولو كان الجذع من نوع من الخشب مثل الصنوبر، ويكون النصف جذع من النخل، أو نوع آخر غير الصنوبر لم يكن به بأس على اصل قول ابن القاسم.
وقال في الواضحة: والخشب صنف وإن اختلفت أصوله إلا أن تختلف المنافع والمصارف، ومثل الألواح والخشب الجوائز وشبهها.
م وهذا كأنه يريد ما قال ابن أبي زمنين إذ القصد في الخشب المنافع لا الجنس إلا أن يكون من جنس لا يدخل فيما يدخل فيه الأول فيجوز والله أعلم.

الجزء: 11 - الصفحة: 121

[الباب الثاني]

في السلم في حائط بعينه أو نسل حيوان بعينها أو في لبنها أو صوفها

[فصل 1 - في النهي عن بيع الثمار حتى تزهي وعن بيع الغرر والأجنة] (ونهى الرسول -صلى الله عليه وسلم- عن بيع الثمار حتى تزهي وعن بيع الحب حتى يبيض)، قال مالك: وذلك إن ييبس وينقطع عنه شربه الماء حتى لا ينفعه الشرب (ونهى -صلى الله عليه وسلم- عن بيع الغرر) (وعن بيع الأجنة).
[فصل 2 - في النهي عن بيع حائط بعينه قبل زهوه ومتى يجوز السلم فيه أو بيعه] قال مالك: ولا يجوز السلم في حائط بعينه قبل زهوه بحال وهو طلع أو بلح

الجزء: 11 - الصفحة: 122

إذا اشترط أخذه بسراً أو رطباً أو تمراً، وإنما يصلح السلم فيه إذا أزهى وصار بسراً وشرط أخذه بسراً أو رطباً، ويضرب لأخذه أجلاً، ويذكر ما يأخذ كل يوم، وسواء قدم النقد أو ضرب له أجلاً لأنه يشرع في أخذه حين اشتراه أو إلى أيام يسيره وهذه عند مالك محمل البيع لا محمل السلف.
قيل لمالك: فإن كان أخذه يتأخر عشرة أيام وخمسة عشرة يوماً في الحائط قال: هذا قريب.
قال بعض القرويين: إذا اشترط ما يأخذ كل يوم أنه إما من وقت عقد البيع أو من بعد أجل ضربه، فذلك جائز.
وإن لم يضرب أجلاً ولا ذكر ما يأخذ كل يوم من وقت العيد ولا متى يأخذه، فالبيع فاسد لأنه لما سماه

الجزء: 11 - الصفحة: 123

سلماً وكان لفظ السلم يقتضي التراخي، علم أنهما قصدا التأخير ففسد ذلك.
وأما إن سمياه بيعاً، فقال له: بع مني من حائط كذا ولم يذكر أجلاً لما يأخذ فهذا على الفور، وبعقد البيع يجب له قبض جميع ذلك وهو جائز لا فساد فيه.
قال: وإن أسلم فيه بعد زهوه وشرط أخذ ذلك ثمراً، لم يجز لبعد ذلك وقلة أمن الحوائج فيه، فصار يشبه المخاطرة ولا يدري كيف تكون الثمرة.
م وذكر عن ابن شبلون أنه إن نزل فسخ، وليس كالذي يسلم فيه وقد أرطب وشرط أخذ ذلك ثمراً؛ لأن التمر من الزهو بعيد والرطب قريب.
وقال أبو محمد: إنما يكره ذلك بدياً، فإن نزل

الجزء: 11 - الصفحة: 124

وفات مضى ولم يرد، وكذلك في كتاب ابن المواز.
قال مالك: فإن نزل وفات لم يرد.
م وهو الصواب كقوله إذا أسلم في الزرع وقد أفرك وشرط أخذه حباً فقد جعله إذا فات مضى، فكذلك هذا.
[فصل 3 - في شراء الثمرة جزافاً بعد طيبها وهل يشترط قطعها حالاً] قال فيه وفي المدونة في كتاب القسم: ولو اشترى الثمرة جزافاً بعد أن طابت جاز تركها حتى تيبس، والسقي على البائع بخلاف ما اشترى على الكيل.
م والفرق بينهما أن مشتري الثمرة جزافاً بطيابها، وإمكان جذاذها ترتفع الحاجة منها، ويصير المشتري حينئذ قابضاً لها فهو كالذي يشتريها على الكيل ويشترط أخذها رطباً وأما إن اشتراها على الكيل واشترط أخذها تمراً فالجائحة فيها أبدا من البائع حتى يقبضها المبتاع بعد الإثمار والجذاذ فهو أشد

الجزء: 11 - الصفحة: 125

غرراً لطول أمره ويبقى حينئذ أن يكون النقد في ذلك تارة سلفاً إن أجيحت الثمرة وتارة بيعاً إن سلمت الثمرة.
وقال محمد ابن أبي زمنين: وإن اشترى الثمرة ولم يذكر جذاذها فهي على التعجيل حتى يشترط التأخير.
كذلك قال ابن حبيب.
وفي كتاب ابن القصار وإن ذلك عندنا وعند الشافعي على التبقية، وعند أبي حنيفة هي على القطع في الحال.
قال: وأما بيع الثمار قبل بدو صلاحها ولم يشترط القطع فلا يجوز عندنا ولا عند الشافعي، وعند أبي حنيفة البيع جائز ويطالب

الجزء: 11 - الصفحة: 126

المشتري بالقطع في الحال.
[فصل 4 - سبب جواز اشتراط أخذ الثمرة بعد أزهائها بسراً ورطباً] ومن المدونة: قال ابن القاسم وإنما وسع مالك أن يشترط أخذه بسراً أو رطباً لقرب ذلك وقلة الخوف فيه؛ لأن أكثر الحيطان إذا أزهت فقد صارت بسراً، فليس بين زهوها وبين أن ترطب إلا يسير.
[فصل 5 - في انقطاع الثمرة بعد قبض المسلم بعضها وكيفية المحاسبة في ذلك] قال ابن القاسم: وإذا اشترط أن يأخذ رطباً وقبض بعض ثمره ثم انقطع ثمر ذلك الحائط، لزمه ما أخذ بحصته من الثمن ورجع بحصة ما بقي من الثمن معجلاً بالقضاء.
م وقد وجبت المحاسبة بلا اختلاف من قول مالك في ذلك، وهو بخلاف

الجزء: 11 - الصفحة: 127

الثمر المضمون، ينقطع بعدما أخذ بعض سلمه فهذا قد اختلف قول مالك فيه وسيأتي شرحه إن شاء الله.
قال: وله أن يأخذ بتلك الحصة ما شاء من طعام أو غيره معجلاً.
قال ابن المواز: وكذلك صبرة يشتري منها طعاماً كيلاً فلا يجد فيها تمامه، والمسكن ينهدم قبل تمام المدة في الكراء وشبهه.
قال ابن أبي زمنين: وذكر بعض الرواة عن ابن القاسم أنه قال: له أن يأخذ منه ما شاء من السلع معجلاً إلا ما كان من صنف الثمرة التي أسلم إليه فيها فلا يجوز له أن يأخذ منه إلا مثل ما بقي له من الكيل؛ لأنهما يتهمان أن يكونا عملاً على التأخير ليأخذ منه أكثر من كيله.
قال ابن أبي زمنين: قال بعض القرويين: ويجب على هذا ألا يأخذ بما بقي له من رأس المال ذهباً عن ورث أو ورقاً عن ذهب؛ ويخشى أن يتعاملا على الصرف المستأخر والله أعلم.

الجزء: 11 - الصفحة: 128

م قال بعض أصحابنا القرويين: أما إن ذهبت ثمرة الحائط بجائحة بأمر من الله عز وجل فالتهمة تبعد فيما ذكرنا.
قال ابن القاسم: فإن تأخذ قبض ما يأخذ بحصة ما بقي له لم يجز، وكان فسخ الدين في الدين وقد نهى عنه، ولو أجيح بعض الحائط، كان جميع سلمه في بقيته؛ لأنها مكيلة معلومة، وكذلك السلم في لبن غنم معينة.
وفي كتاب ابن مزين: قلت كيف يتحاسبان إذا انقطع اللبن والثمرة،

الجزء: 11 - الصفحة: 129

أعلى قيمة ما قبض وما بقى أم على الكيل الذي قبض والذي بقي؟ قال: بل على كيل ما قبض وما بقي، ولا ينظر في هذا إلا القيمة وإنما ينظر إلى القيمة في الذي يبتاع لبن الغنم جزافاً أياماً معدودة فيحلبها أياماً ثم تموت أو يموت بعضها.
وحكى عن ابن القابسي أنه قال: بل إنما يحسب ذلك على القيمة لأن الكيل؛ لأنه إنما كان يأخذه شيئاً فشيئاً إلا أن يشترط عليه أن يجده من يومه.
م يريد أو في يوم واحد مسمى، فهذا يحسب على الكيل.
[فصل 6 - في موت المسلم إليه قبل أن ترطب الثمرة المسلم فيها] م وحكي لنا عن بعض فقهائنا إذا أسلم في حائط بعينه وشرط أخذ

الجزء: 11 - الصفحة: 130

ذلك رطباً فمات المسلم إليه، ولم تصر الثمرة رطباً فإنه يصبر حتى تصير الثمرة رطباً؛ لأن حقه في شيء معين ولا يستطيع قبضه الآن، وهو عن قريب يقبضه، فذلك بخلاف الديون التي في الذمة، تلك تحل بموته للقدرة عليه.
م قال بعض فقهائنا: وينبغي أن يكون للورثة قسمة التركة وترك الثمر حتى يصير رطباً لحق الذي له السلم، وليس للذي له السلم منعهم من القسمة خوف طريان جائحة فيرجع إلى رأس ماله.
م والجائحة أمر يكون أو لا يكون، وهذا لا حكم له ولو روعي ذلك لكان لا يجوز النقد فيه.
وقال بعض أصحابنا: ولأن الصبر إلى أن يصير رطباً أمر قريب، والغالب أيضاً السلامة.
قال: ولو كان على الميت ديون فقال أهل الدين: بيعوا ثمرة الحائط في ديننا ونستثني قدر حق هذا، والمستثنى شيء كثير ففي هذا نظر.
م ويظهر لي أن ليس لهم ذلك، لأن الذي له السلم يبدأ بحقه فيه، والصبر إلى أن يرطب قريب ولا ضرر فيه على الغرماء في الصبر إليه.

الجزء: 11 - الصفحة: 131

[فصل 6 - إذا اشترط مشتري الحائط أخذه رطباً فاستهلكه البائع] قال بعض أصحابنا: انظر إذا اشترط أخذه رطباً فاستهلكه صاحب الحائط قبل أن يصير رطباً أو باعه.
م ويظهر لي أنه يلزمه أن يأتي بقدر ما استهلك أو باع رطباً يوفيه المبتاع على الكيل، كمن تعدى على صبرة باعها على الكيل فاستهلكها أو باعها فإنه يكلف غرم مثل ما استهلك أو باع فيوفيه المبتاع على الكيل، وكذلك هذا والله أعلم.
[فصل 7 - السلم في الفواكه] ومن المدونة: قال: ويجوز السلم في حائط بعينه وفي جميع رطب الفواكه إذا طاب أول ذلك مثل التفاح والرمان والسفرجل والقثاء والبطيخ وشبهه، ويذكر ما يأخذ كل يوم، ولا يجوز أن يشترط أن يأخذ كل يوم ما شاء لأنه مجهول، ويجوز أن يشترط أن يأخذه كله في يوم واحد مسمى، وإن لم يقدم نقده فجائز، ثم إن قدم البائع الثمرة قبل الأجل فرضي المبتاع، جاز إن كان على الصفة، ومن مات من هذين المتبايعين لزم البيع ورثته لأنه بيع قد تم.

الجزء: 11 - الصفحة: 132

[فصل 8 - السلم في لبن غنم بعينها أو أقطها أو جبنها أو سمنها] قال مالك رحمه الله: والسلم في لبن غنم بعينها أو أقطها أو جبنها أو سمنها كالسلم في ثمر حائط بعينه لا يصلح إلا أن يسلم في ذلك في إبان حلابها ويشترط أخذه في ذلك الإبان، وأشهب يكره السلم في سمنها.
قال سحنون: كأنه نحا بها ناحية شراء زيتون على أن على البائع عصره.
قال أبو محمد: وإنما تدخل علة سحنون لأشهب لو أسلم في كيل لبن على أن يخرج له البائع منه أقطاً أو سمناً، وهذا إنما اشترى أقطاً أو سمناً معلوماً قدره.
م وأرى أشهب إنما كره ذلك لبعده، كاشتراط أخذ الزهو ثمراً، ويحتمل أن يكون إنما كرهه؛ لأنه يختلف خروجه كمن اشترى زيت زيتون معين على الكيل والله أعلم.
[فصل 9 - جواز تقديم النقد أو تأخيره إذا شرع في أخذ المتعاقد عليه] ومن المدونة: قال مالك: وسواء قدم النقد أو ضرب له أجلاً بعيداً، لا بأس بذلك إذا شرع في أخذ ذلك في يومه أو إلى أيام يسيرة، وهذا كالبيع

الجزء: 11 - الصفحة: 133

لا كالسلف، وإن أسلف في ذلك قبل إبانه، واشترط أخذه في إبانه لم يجز لأنه معين.
م ولأنه إن نقده فهو كالنقد في معين، ولا يقبض إلا إلى أجل فيدخله تارة ثمناً إن سلمت، وتارة سلفاً إن هلكت، وإن لم ينقده صار كأنه زاده في الثمن على ضمان ذلك إلى الأجل، فصار للضمان جزء من الثمن، وذلك من الغرر المنهي عنه.
[فصل 10 - السلم في الأصواف] ومن المدونة: قال مالك: وكذلك السلم في أصوافها لا يصلح إلا في إبان جزازها، ويشترط أخذه في إبانه، قال مالك: واشتراء الصوف على ظهور الغنم جائز إذا كان بحضرة جزازها ويرى الغنم.
قال مالك في المستخرجة في الضأن يباع صوفها فيصاب منها الأكبش قبل أن تجز، قال: أراها من البائع ويوضع قدر ذلك عن المشتري.
قال ابن القاسم: وذلك إذا سرقت أو أخذها السبع وأما إن ماتت لم يكن له إلا صوفها، إلا أن يكون صوف الميتة عند الناس لا يشبه

الجزء: 11 - الصفحة: 134

صوف الحي، فيوضع ذلك عنه.
قال بعض أصحابنا: لعله يعني إذا اشترى ذلك على الوزن، وأما لو اشتراه جزافاً لم يوضع عنه شيء من الثمن.
وفي المختصر الكبير في بيع الصوف على ظهور الغنم: لا بأس أن يشترط الجزاز على البائع.
فدل أن الجزاز على المشتري.
وأرى ذلك إذا اشترى جزافاً، ولو كان على الوزن لكان الجزاز على البائع كالكيل في الطعام، ويكون ما جاء من هذه الروايات إنما مرجعه على هذا التفصيل بين شرائه على الوزن أو جزافاً.
م ولا يختلف في ذلك والله أعلم.
[فصل 11 - السلم في أصواف غنم واشتراط جزز نوع منها وكيفية السلم في الصوف] ومن المدونة: قال مالك: ومن أسلم في أصواف غنم واشترط جزز فحول كباش أو نعاج وسطة لم يجز.

الجزء: 11 - الصفحة: 135

م لأنه يختلف في الكبر والطيب.
قال: ولا يجوز أن يسلم في أصوافها إلا وزناً لا عدد جزز إلا أن يشترط ذلك عند إبان جزازها ولا تأخير لذلك، ويرى الغنم فلا بأس به.
فصل 12 - السلم فيما لا يملك] قال: وإن أسلمت إلى رجل في لبن غنم بعينها أو في صوفها أو في ثمرة حائط بعينه وليس شيء من ذلك في ملك الرجل لم يجز، كما لو ابتعت منه سلعة وليست له وأوجب لك على نفسه خلاصها من ربها، فذلك غرر بين، وبيع ما ليس عنده، وقد نهى النبي -صلى الله عليه وسلم- عن بيع الغرر.
ومن الغرر شراء شيء بعينه لا يقبض إلا إلى أجل بعيد إذ قد يهلك ذلك الشيء فيرد الثمن وقد انتفع به باطلاً، وإن لم ينقده فقد يزيد في الثمن على أن يضمنها له إلى ذلك الأجل، وقد تهلك قبله فذلك غرر.
قال محمد بن أبي زمنين في الذي باع سلعة ليست له، وأجب له على نفسه خلاصها، إن نزل ذلك، فقد جاء

الجزء: 11 - الصفحة: 136

لسحنون أن صاحب السلعة أن أجاز البيع وأراد أخذ الثمن لزم ذلك المشتري بمنزلة من غصب سلعة رجل فباعها والمشتري عالم بالغضب ثم أتى صاحبها فأجاز البيع أن ذلك لازم للمشتري.
وقد جاء لأشهب خلاف ما قاله سحنون في الغصب.
أشهب يقول: إذا علم المشتري بالغصب لم يكن لصاحب السعة أن يجيز البيع؛ لأن الغاصب والمشتري دخلا على الغرر.
م وهذا هو القياس.
وكذلك يجب في الذي أوجب على نفسه خلاص هذه السلعة، والعلة الجامعة بينهما أن المشتري دخل على إن خلص هذه السلعة أو أجاز المغصوب منه البيع تم ذلك، قال: فإن لم يقدر هذا على خلاصها ولا أجاز هذا رد البيع، فذلك غرر، ويصير النقد في ذلك تارة ثمناً وتارة سلفاً.
م وعاب بعض فقهائنا قياس ابن أبي زمنين مسألة خلاص السلعة على

الجزء: 11 - الصفحة: 137

مسألة بيع الغاصب، والمسألتان واحد؛ لأن كل واحد باع سلعة ليست له والمشتري عالم فلا فرق، والمسألة تجري على القولين والله أعلم.
[فصل 13 - السلم في نسل الحيوان بعينها] قال مالك رحمه الله: ولا يجوز السلم في نسل حيوان بعينها من الأنعام والدواب بصفة وإن كانت حوامل.
م لأنه من بيع الأجنة وقد نهي عنه.
قال مالك: وإنما يكون السلم في الحيوان مضموناً لا في حيوان بعينها ولا في نسلها.
قال: ومن سلف في لبن غنم بعينها أو في صوفها وشرط أخذ ذلك إلى أيام قلائل، فهلك المتبايعان أو أحدهما لزم البيع ورثة المالك لأنه بيع قد تم.

الجزء: 11 - الصفحة: 138

[فصل 14 - السلم في لبن غنم معينة كل قسط بكذا] ومن كتاب التجارة بأرض الحرب: ولا بأس بالسلم في لبن غنم معينة على الكيل، كل قسط بكذا، كانت الغنم كثيرة أو يسيرة كشاة أو شاتين، بعد أن تكون في أيام لبنها، وسمى أقساطاً معلومة، وما يأخذ كل يوم، ويضرب أجلاً لا ينقضي اللبن قبله، وسواء نقده الثمن أم لا شرع في أخذ اللبن أو كان يشرع فيه إلى أيام يسيرة، وجائز أن يبتاع لبنها ذلك كله جزافاً شهراً أو شهرين أو إلى أجل لا ينقضي اللبن قبله، وذلك جائز فيما كثر من الغنم كالعشرة ونحوها إذا عرفا وجه حلابها.
وروى أشهب أن مالكاً أجازه في شاة واحدة.
قيل: فإن ابتاع لبن عشرة شياه ثلاثة أشهر في إبانه، فماتت خمس بعد أن حلب جميعها شهراً.
قال: ينظر فإن كانت الميتة تحلب قسطين قسطين، والباقية قسطاً قسطاً، نظر أيضاً، كلم الشهر من الثلاثة أشهر في قدر نفاق اللبن ورخصه، نظر أيضاً، كم الشهر من الثلاثة أشهر في قدر نفاق اللبن ورخصه، فإن قيل: النصف فقد قبض نصف صفقته بنصف الثمن، وهلك ثلثا

الجزء: 11 - الصفحة: 139

النصف الباقي قبل قبضه، فله الرجوع بحصته من الثمن وهو ثلثا نصف الثمن، وذلك ثلث الثمن أجمع، ولو كان موت هذه الميتة قبل أن يحلب شيئاً لرجع بثلثي جميع الثمن، وعلى هذا يحسب أن لو كانت حصة الميتة الثلث أو النصف أو الثلاثة أرباع.
م يريد وله فسخ البيع، لأنه هلك جل صفقته.
فصل 15 - السلم في ثمر قرية صغيرة] ومن السلم قال مالك: والسلم في ثمر قرية صغيرة مما ينقطع طعامها أو ثمرها في بعض السنة كالسلم في حائط بعينه، لا يصلح السلم في ثمرها إلا إذا أزهى، ويشترط أخذه بسراً أو رطباً ولا يجوز أن يشترط أخذه تمراً، لأن تلك القرية غير مأمونة.
قال أبو محمد: ولا يجوز هاهنا تأخير رأس مال السلم لأنه مضمون في الذمة بخلاف حائط بعينة.
قال غيره: السلف في القرية الصغيرة يوافق السلم في الحائط بعينه

الجزء: 11 - الصفحة: 140

في وجهين أحدهما أن لا يسلم في ثمرها إلا بعد زهوه.
والثاني: أنه يشترط أخذه بسراً أو رطباً ولا يجوز تمراً.
ويخالفه في وجهين: أحدهما: أنه يجوز أن يسلم إلى من ليس له في تلك القرية حائط والثاني: أنه لا يجوز تأخير رأس مال السلم لأنه مضمون وذلك بين.
وقال محمد بن زمنين: وينبغي على أصل قوله أن لا يجوز التسليف في ثمر قرية صغيرة إلا أن يكون ثمرها للمسلف إليه، وإلا كان بمنزلة من باع ثمرة لغيره، واشترط تخليصها فتدبر ذلك فهو بين إن شاء الله.
وقال بعض القرويين: ذلك جائز وإن لم يكن له فيها ثمر، ولا يدخله بيع ما ليس عندك؛ لأن الغالب أن جملة أهل القرية لا يجتمعون على أن يبيعوا.
م فهو في هذا كالسلم في القرى الكبار، وعليه يدل قول أبي محمد؛ لأنه جعله مضموناً في الذمة وهو بين والله أعلم.

الجزء: 11 - الصفحة: 141

[فصل 16 - في السلم في زرع أرض بعينها] قال مالك رحمه الله: ولا يجوز السلم في زرع أرض بعينها وإن بدا صلاحه أو أفرك، ولا يصلح السلم في الحنطة والحب كله إلا مضموناً لا في زرع بعينه، بخلاف السلم في [تمر] حائط بعينه؛ لأن ذلك إنما يشترط أخذه بسراً أو رطباً، ولا يجوز أن يشترط أخذه تمراً، وهذا الزرع إنما يشترط أخذه حباً فهو كاشتراط أخذ الزهو تمراً فلا يصلح.
قال: ومن أسلف في حائط بعينه بعد ما أزهى أو أرطب.
أو في زرع بعد أن أفرك واشترط أخذه حنطة أو تمراً فأخذ ذلك، وفات البيع -يريد بالقبض- لم يفسخ؛ لأنه ليس من الحرام البين الذي أفسخ هـ، ولكن أكره أن يعمل به فإذا فات لم أفسخه.
قال في كتاب محمد: أكرهه، فإن وقع لم يرد؛ وكذلك في زبيب كرم

الجزء: 11 - الصفحة: 142

بعينه أو في تينه يكره، فإن وقع لم يرد وقاله أشهب.
[فصل 17 - في وقت بيع الحب والسلم فيه] ومن المدونة: قال مالك: وبلغني أن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال «لا تبيعوا الحب حتى يشتد في أكمامه» وفي حديث آخر (أن النبي -صلى الله عليه وسلم- نهى أن يشتري الحب حتى يبيض).
قال مالك: وذلك أن ييبس، وينقطع عنه شرب الماء حتى لا ينفعه الشرب.

الجزء: 11 - الصفحة: 143

[قال] ابن المواز: وقال ابن شهاب: حد ذلك أن يفرك، ولم يأخذ به مالك إلا أنه قال: فإن نزل لم يفسخ.
وقال ابن القاسم: يفسخ ما لم ييبس فيمضي.
ومن المدونة قال مالك: ولا بأس بالسلم في الحنطة الجديدة قبل الحصاد، وفي التمر الجديد قبل الجذاذ ما لم يكن زرعاً بعينه أو حائطاً بعينه.
[فصل 18 - السلم في ثمر القرى المأمونة وفي حديد معدن بعينه] قال مالك رحمه الله: وإذا كانت القرية مأمونة مثل مصر وخيبر ووادي القرى ونحوها من القرى العظام التي لا ينقطع ثمرها ولا حبها من أيدي

الجزء: 11 - الصفحة: 144

الناس، فلا بأس بالسلم في ثمرها أو في غير ذلك من حبها قبل إبانه أو في أي إبان شاء، ويشترط أخذه في أي إبان شاء، وإن أسلم في رطبها أو بسرها فليشترط أخذه في إبانه وفي أي إبان شاء، وإن أسلم في ذلك إلى رجل ليس له في تلك القرية أرض ولا زرع ولا طعام ولا نخل ولا تمر فذلك جائز.
قال ابن القاسم: والسلم في حديد معدن بعينه كالسلم في قمح القرى المأمونة إن كان المعدن مأموناً لا ينقطع حديده من أيدي الناس لكثرته في تلك المواضع، فالسلم فيه جائز على وزن معلوم وصفة معلومة وإلى أجل معلوم.

الجزء: 11 - الصفحة: 145

[الباب الثالث]

في السلم في الثمار والخضر والبقول والحبوب واللحم

[فصل 1 - اشتراط تعجيل النقد وكون المسلم فيه موصوفاً مؤجلاً] قال مالك رحمه الله: سئل ابن عباس عن السلم في الطعام فتلا هذه الآية: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا تَدَايَنتُمْ بِدَيْنٍ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى فَاكْتُبُوهُ﴾ [البقرة:282]. قال مالك: فهذا يجمع الدين كله.
وقال النبي -صلى الله عليه وسلم- لما قدم المدينة وهم يسلفون في الثمار سلفوا في كيل معلوم ووزن معلوم إلى أجل معلوم.
(ونهى -صلى الله عليه وسلم- عن الكالئ بالكالئ)، فوجب تعجيل النقد في المضمون.
قال ابن القاسم: ولا بأس بالسلم في الفواكه والثمار إذا وصفه وأجله، وعجل نقده.
[قال] ابن المواز: وإن لم يذكر موضع القضاء لم يفسد به السلم، ويلزمه أن يقضيه بموضع التبايع بسوق تلك السلعة.

الجزء: 11 - الصفحة: 146

ومن المدونة [قال] ابن القاسم: وإن لم يصف ذلك ولا ضرب له أجلاً والثمن عرض أو عين فالسلم فاسد.
[فصل 2 - في السلم فيما ينقطع من أيدي الناس وما لا ينقطع] قال: وكل ما لا ينقطع من أيدي الناس، فأسلم فيه أي إبان شئت واشترط أخذه في أي إبان شئت.
وأما من ما ينقطع من أيدي الناس في بعض السنة من الثمار الرطبة وغيرها فأسلم فيه في غير حائط بعينه، فلا بأس أن يسلم فيه في إبانه أو في غير إبانه ولكن لا يشترط الأخذ إلا في إبانة، وإن اشترط فيه الأخذ في غير إبانة، فإنه لم يجز، أسلم فيه في إبانه أو قبل إبانه، لأنه يشترط ما لا يقدر عليه.
قال: وإن اشترط أخذه في إبانه ثم انقطع إبانه قيل أن يأخذ ما أسلم فيه، فقال مالك مرة يتأخر الذي له السلف إلى إبانه المقبل من السنة

الجزء: 11 - الصفحة: 147

المقبلة ثم رجع فقال: لا بأس أن يأخذ بقية رأس ماله.
وقال ابن القاسم: من طلب التأخير منها فذلك له إلا أن يجتمعا على المحاسبة فلا بأس به بخلاف السلم في حائط بعينه؛ لأن ذلك معين، فإذا ذهب انفسخت الصفقة ووجبت المحاسبة، وهذا مضمون في الذمة.
وقال أشهب: ذلك سواء، ولا يجوز التأخير وليس له إلا بقية رأس ماله.

الجزء: 11 - الصفحة: 148

وقال سحنون: ليس ذلك لواحد منهما، وقال بقي ففي ذمته إلى قابل وقال أصبغ: من شاء المحاسبة منهما فذلك له إلا أن يجتمعا على التأخير.
م قال بعض فقهائنا: ومعنى قول مالك لا بأس أن يأخذ بقية رأس ماله، يريد إذا اتفقا وهو وفاق لابن القاسم، وإنما جوز لهما الاجتماع على المحاسبة لضرورة فوت الإبان الداخلة عليهما، فلم يتهما على قصد البيع والسلف وهو استحسان.

الجزء: 11 - الصفحة: 149

ووجه قول أشهب أن كل ماله إبان عنده ثم ينقطع، فحكمه حكم الشيء المعين، وأن انقطاعه كفوات عين المعين، إذ لا سبيل إلى وجود مثله.
وأن إلزامه التأخير إلى قابل ظلم له، فوجب لذلك المحاسبة عنده والله أعلم.
ووجه قول سحنون الذي ألزمهما التأخير: لأنه إذا أخذ بقية رأس ماله صار بيعهاً وسلفاً وهما قادران بالتأخير على التحرز منه، وإذ قد يتهمان إلى قصد التراخي على قبضه في الإبان ليتم لهما رد بقية رأس المال فمنعا منه حماية الوجهين وهو القياس.
ووجه قول أصبغ أن الواجب عنده المحاسبة كفوت الشيء المعين ثم أباح لهما التأخير للضرورة التي دخلت عليهما بفوات الإبان، وحمل أمرهما على السلامة، ولم يتهما أن يكونا قصداً البيع والسلف والله أعلم.
م وهذا قول معيب عندهم؛ لأنه إذا كان الواجب عنده المحاسبة، ويجبر الآبي منهما عليها، فاتفقا على التأخير هو فسخ الدين في الدين وبالله التوفيق.

الجزء: 11 - الصفحة: 150

وفي كتاب محمد عن ابن القاسم: أنه يخير إن شاء أن يأخذ بقية رأس ماله وإنشاء أن يؤخره.
وهذا يدخله ما دخل قول أصبغ.
وكذلك عنه في إذا اكترى إلى الحج فلم يأت بالكراء حتى فات الإبان أن المكتري مخير، إن شاء بقي إلى قابل وإن شاء فسخ الكراء وقيل أنه يفسخ الكراء فقط.
وجعل ذلك كالأيام المعينة فهذا يوهن قوله أنه مخير؛ لأنه وجب له أن يأخذ نقده فأخره إلى حج قابل، وحكم الأيام المعينة إذا فاتت فسخ الكراء ولا يأخذ غيرها عوضاً، والفسخ في ذلك يجري على قول أشهب في مسألة الكتاب.
وكذلك قال في من أسلم في ضحايا فأتى بها بعد الوقت أنه يبطل السلم لفوات الإبان، فصارت ضرورة أوجبت الفسخ، وهذا كله جاء على قول أشهب، وقيل غير هذا.

الجزء: 11 - الصفحة: 151

ووقع لأشهب فيمن غصب شيئاً فلم يوجد مثله أن ربه مخير إن شاء أن يؤخره حتى يجده، وإن شاء أن يغرمه قيمته.
وهذا نحو ما قدمناه لابن القاسم، وإنما كان ينبغي على ذهب أشهب أن يغرمه القيمة، ولا يجوز رضاه بالتأخير.
وذكر عن مالك في مسألة الكتاب أنه إن قبض أكثر السلم جاز أن يؤخره بما بقي إلى قابل، وإن قبض اليسير فلا يجوز ذلك ويتحاسبان فاعلم ذلك.
[فصل 3 - موت المسلم إليه قبل الإبان] م قال بعض فقهائنا القرويين: ولو مات المسلم إليه قبل الإبان فلتوقف تركته حتى يأتي الإبان، ولا سبيل إلى قسم ماله حتى يأخذ هذا حقه.
قيل: فإن كان عليه دين يغترق ماله؟ قال: يتحاصون في تركته، ويضرب لصاحب السلم بقيمة ذلك الشيء الذي أسلم فيه في وقته على ما يعرف منه في أغلب الأحوال من غلاء أو رخص.

الجزء: 11 - الصفحة: 152

م يريد ثم يوقف ما صار له في المحاصة أو التركة كلها إن لم يكن عليه دين حتى يأتي الإبان، فيشتري له ما أسلم فيه، فإن نقص عن ذلك أتبع بالبقية ذمة الميت إن طرأ له مال، وإن زاد لم يشتر له إلا قدر حقه، وترد البقية، إلى من يستحق ذلك من وارث أو مديان ولو هلك ما وقف له في حال الإيقاف، كان من المسلم إليه؛ لأن له نماءه فعليه تواؤه، وحق هذا في غير عين ما وقف له.
[فصل 4 - السلم في القصب الحلو والموز والأترج وشبه ذلك] ومن المدونة: قال ابن القاسم: ولا بأس بالسلم في القصب الحلو وفي الموز وفي الأترج وشبه ذلك إذا اشترط فيه شيئاً معروفاً، وسبيل السلم فيه كما اشترطنا فيما ينقطع وفيما لا ينقطع.
قال مالك: ولا بأس بالسلم في الرمان عدداً إذا وصف مقدار الرمانة.
[قال] ابن القاسم: وكذلك في التفاح والسفرجل إذا كان يحاط بمعرفته، ولا بأس بالسلم في ذلك كله إذا كان شيئاً معروفاً.

الجزء: 11 - الصفحة: 153

قال مالك: ويجوز السلم في الجوز على العدد والصفة قال ابن القاسم: أو على الكيل إذا عرف فيه.
م والعرف في بلدنا في الجوز الكيل فلا يجوز السلم فيه إلا على الكيل، أو بيعه نقداً، والسلم فيه على العدد خطر إلا فيما قل.
قال مالك: ويجوز بيع الجوز على النقد جزافاً؛ لأنه مرئي وكذلك البيض وما يكثر عدده.
قال مالك ولا يسلف في البيض إلا عدداً بصفة، وهو العرف فيه، ولا بأس بالسلم في القصيل والبقول إذا اشترط جرزاً أو حزماً أو أحمالاً معروفة، ويسلم في ذلك في إبانه وقبل إبانه ولا يشترط الأخذ إلا في إبانه، ويجوز أن يشترط الأخذ في غير إبانه،

الجزء: 11 - الصفحة: 154

وكذلك القضب والقرط الأخضر، إلا أن يكون القرط الأخضر لا ينقطع من البلد الذي أسلم فيه، فيجوز أن يشترط أخذه في أي إبان شاء، ولا يجوز في شيء من ذلك اشتراط فدادين معروفة بصفة طول وعرض وجودة ورداءة؛ لأنه مختلف لا يحاط بصفته، ولا يكون السلم في هذا إلا على الأحمال والحزم.
[قال] ابن المواز: وقال أشهب: ذلك جائز كله ووجه من لم يجزه أن الجيد مختلف والوسط مختلف، ويلزمه ذلك في الحبوب، ولا مقا له في ذلك.
م وهذا الذي ذكر ابن المواز عن أشهب خلاف قول شيوخنا المتأخرين

الجزء: 11 - الصفحة: 155

أن السلم فيما لا زوال له من الدول والأرضين والحوائط لا يصلح؛ لأن المواضع تختلفن فلا بد أن يصف الموضع ويحده حداً لا يختلفان فيه، فيؤدي ذلك إلى السلم في شيء بعينه وبيع ما ليس عنده، وكذلك السلم في القصيل فدادين؛ لأنه لابد أن يحده فيقول بالموضع الفلاني ومجاور لفدان فلان، وطوله وعرضه كذا، فيؤدي ذلك إلى السلم في بدان بعينه، لا بد من ذلك فيفسد من هذه الجهة، لا من أجل أنه مختلف في الجودة والرداءة وهذا قول واضح والله أعلم.
فصل [5 - السلم فيما يتعذر وجوده وفي الدور] ومن كتاب أبي إسحاق: ولا يجوز السلم فيما يتعذر وجوده، ولا في الدور؛ لأن السلم إنما يصح فيما يزال فيه، إذا لو وصف له صفة موضع الدار فقد يتعذر عليه شراؤها هنالك.

الجزء: 11 - الصفحة: 156

وكذلك كلما يتعذر عليه وجوده من الصفات، إذ لو كلف شراؤه لتعذر عليه.
فصل [6 - في السلف في الثمار من غير ذكر جنسه أو صفته] ومن المدونة: قال ابن القاسم: ومن سلف في تمر ولم يذكر برنيا من صيحاني ولا جنساً من التمر بعينه، أو يذكر الجنس ولم يذكر صفة جودة أو رداءة، فالسلم فاسد حتى يذكر الجنس ويصفه، فإن نزل ذلك على غير وصف ثم اتفقا على أخذ الأرفع لم يجز لفساد عقده، وكذلك السلم في الزبيب وسائر الحبوب إذا كان يختلف.

الجزء: 11 - الصفحة: 157

قال أبو إسحاق: واجتزئ في وصف الطعام أن يقول جيد، ولم يجز في وصف الحيوان بأن يقول فارها ولا في الثياب بجيد.
والفرق بينهن أن الطعام يعرف الجيد منه، ولا يختلف الجيد منه اختلافاً متبايناً، ويكون له الوسط من الجيد والفاره، والجيد من الثياب مختلف اختلافاً كثيراً لا يتقارب.
وكذلك السلم في الزبيب وسائر الحبوب إذا كان يختلف.
قال: ومن أسلم بمصر في حنطة ولم يذكر جنساً قضي له بمحموله وإن كان بالشام قضي له بسمراء -يريد لأنه الذي فهما- قال: ولا بد في

الجزء: 11 - الصفحة: 158

ذلك من الصفة في الجودة والرداءة فإن لم يصف فالسلم فاسد.
[قال] ابن المواز: وقد روى ابن القاسم عن مالك أنه قال: إن أسلم ولم يسم بمصر سمراء من بيضاء لم يجز، وقاله ابن عبد الحكم وهو أحب إلينا.
وقال أصبغ: ذلك جائز لأن جل طعام مصر البيضاء إلا ما أصابته منه عاهة.
ومن المدونة: قال ابن القاسم: وإن أسلم في الحجاز حيث تجتمع السمراء والمحمولة ولم يسم جنساً فالسلم فاسد حتى يسمي سمراء من محمولة ويصف جودتها فيجوز.
قال ابن حبيب: وهذا في مثل بلد تحمل إليه وأما في بلد ينبت فيه أسمر وأبيض فيجزيه، وإن لم يذكر ذلك وذكر جيداً نقياً وسطاً أو مغلوثاً وسطاً.

الجزء: 11 - الصفحة: 159

م وقول ابن حبيب هذا لا وجه لاه، وسواء كان بلد ينبت فيه الصنفان أو يحملان إليه، لابد في ذلك من ذكر الجنسين إذا كانا مختلفين، لا يجزئ ذكر أحد الجنسين، ثم يذكر الجودة والرداءة كما قال ابن القاسم؛ لأن المسلم فيه أبداً لا يكون إلا موصوفاً بصفة لا يختلفان فيه عند القضاء إلا أن يكون لهم عرف فيما يسلفون فيه فيحملان عليه وكأنه عليه دخلا؛ لأن العرف كالشرط.
م وذكر لنا عن أبي بكر بن عبد الرحمن القروي أنه قال: لا يحتاج في السلم في الطعام أن يشترط حنطة حصيد عامه، قال: والرواية أنه إذا أتاه بقمح قديم أنه يجبر على أخذه، فهذا يدل على أنه لا يراعي قديم من جديد، ولو روعي لم يجبر على أخذ قديم وقد اشترط جديداً.

الجزء: 11 - الصفحة: 160

قال: وذلك لا يختلف عندنا بأفريقية.
م وهو يختلف عندنا بصقلية، فلا يجوز حتى يشترط قديماً من جديد.
قال ابن حبيب: وإن أسلم في زيت الماء أو زيت المعصرة، وإن كان يجتمع في ذلك البلد زيت بلدان كثيرة ذكر من أي بلد، ويذكر جيداً أو دنيئاً أو وسطاً، وإلا لم يجز ذلك، وكذلك السمن.
فصل [7 - السلم في أصناف من الطعام كثيرة صفقة واحدة] ومن المدونة: قال ابن القاسم: ومن أسلم مئة درهم في أرداب معلومة من حنطة وأرداب معلومة من شعير وأرداب معلومة من سمسم ولم يذكر ما لكل صنف من الثمن، أو سلم ما ذكرنا في جميع صنوف الأمتعة والطعام والشراب والقطاني والرقيق والحيوان ولم يسم رأس مال لكل صنف

الجزء: 11 - الصفحة: 161

على حده، فذلك جائز إذا وصف كل ما أسلم فيه ونعته وسمى كيل ما ينبغي كيله منه أو وزنه، ولا يبالي كان أجل ما أسلم فيه متفقاً أو مختلفاً فهو جائز لأنها صفقة واحدة.
وكذلك إن أسلمت عروضاً في عروض تخالفها أو في طعام على ما ذكرنا.
م قال بعض العلماء: أجاز الشافعي بيع سلع حاضرة وإم لم يسم ما لكل سلعة من الثمن، ولم يجزه إذا أسلم في ذلك حتى يسم ما لكل سلعة، ثمناً معلوماً.
وهذا تناقض منه.
فصل [8 - السلم في الرؤوس والأكارع واللحم والشحم] قال مالك: ولا بأس بالسلم في الرؤوس إذا اشترط صنفاً وقدراً معلوماً، صغاراً وكباراً، وكذلك في الأكارع، ولا بأس بالسلم في اللحم والشحم إذا اشترط لحماً أو شحماً معروفاً، ويذكر الجنس من ضأن أو معز ونحوه وإلا لم يجز.
قيل: ولم؟ ولحم الحيوان كله نوع واحد.

الجزء: 11 - الصفحة: 162

قال: والتمر أيضاً كله نوع واحد، ولكن لا يجوز السلم في حتى يسم الجنس برنياً أو صيحانياً.
م يريد لأنه لا يجوز السلم إلا على صفة لا يختلفان عند القبض فيها.
قال ابن حبيب: وإن لم يذكر من أين يأخذ، من جنب أو فخذ أو كتف بجائز ذلك، وإن ذكره فحسن.
قال ابن المواز: قيل لابن القاسم أفيحتاج أن يسمي الناحية التي يأخذ منها يداً أو جنباً أو فخذاً؟ قال: لا وإنما يقول ذلك أهل العراق وهذا باطل، وإنما يسمي السمانة والنحو ماعزاً وأو ضأناً، وقاله مالك.
قال أصبغ: ولو اشترط وسطاً من السمانة جاز.
قال ابن المواز: وإن اشترط سميناً ولم يشترط أي السمين ولم يجد السمين جاز، كقول مالك في الطعام جيد - وهي صفة-، بعد أن يسمي ماعزاً أو غيره، ثم يكون

الجزء: 11 - الصفحة: 163

له السمن المعروف عند الناس والجيد من الطعام العام عند الناس.
قيل لابن القاسم: فإن قضاه مع ذلك بطوناً فأبى أن يأخذه قال: أفيكون لحم بلا بطون.
فقيل بكم قدر ذلك؟ فقال: قد جعل الله عز وجل لكل شيء قدراً، والبطن من الشاة، فكأنه يقول: على قدر البطن من قدر الشاة.
قال: وهذه أشياء قد عرف الناس ناحيتها ووجهها.
ومن المدونة: قال: ويشترط إذا أسلم في اللحم وزناً معلوماً معروفاً، وإن اشترط تحرياً معروفاً جاز إذا كان لذلك قدراً قد عرفوه،

الجزء: 11 - الصفحة: 164

لجواز بيع اللحم بعضه ببعض تحرياً والخبز بالخبز تحرياً.
م قيل معنى قوله في اللحم تحرياً أن يقول له: آخذ منك ما إذا تُحرى كان في وزنه رطل أو رطلان أو نحو ذلك، وذلك فيما يقل ويستطاع تحريه.
قال الأبهري: وإنما جاز بيع اللحم باللحم تحرياً لحاجة الناس إليه، ولو منعوا منه حتى يزنوه لتعذر عليهم وضاق، ولأن الموازين قد تقل.
قال بعض شيوخنا: إنما أجازه مالك عند عدم الموازين للضرورة إلى ذلك، فأما حيث توجد الموازين فإنه لا يجوز حتى توزن، كما لا يجوز بيع الطعام على التحري.

الجزء: 11 - الصفحة: 165

قال محمد بن أبي زمنين: وإنما يجوز على التحري فيما قل من ذلك، ويجزيه أن يقول له: أسلم إليك في لحم يكون قدره عشرة أرطال أو ما سميا، وكذلك هذا في الخبز.
فصل [9 - السلم في الحيتان] ومن المدونة: قال مالك: والسلم في الحيتان الطرية جائز إذا سمي جنساً من الحوت وشرط ضرباً معلوماً صفته وطوله وناحيته إذا أسلم في ذلك قدراً أو وزناً معلوماً.
قال أبو إسحاق: السلم في الحيتان الطرية جائز، [إذا] سمى الجنس والنحو -أي القدر- لأن الحوت يختلف صغيره وكبيره، والناحية؛ لأن المواضع قد يختلف طعم حوتها في تساويه في القدر، ويرغب في بعضها ما لا يرغب في بعض، فلا بد من صفة تخص ذلك حتى تميزه من غيره.

الجزء: 11 - الصفحة: 166

قال: وما كان ينقطع من طري الحوت فليسلم فيه في إبانه أو قبل إبانه، ويشترط الأخذ في إبانه.
قال ابن المواز: فإن انقطع إبانه قبل أن يأخذ ما أسلم فيه فليأخذ برأس ماله ما شاء من الطعام نقداً، وكذلك في ماله إبان من اللحم فينقطع، فلا بأس أن يأخذ ببقية رأس ماله لحم معز من ضأن أو بقر، رطلاً برطلين، وكذلك العنب يزول إبانه فله أن يأخذ ببقية رأس ماله زبيباً أو عنباً شتوياً، رطلاً برطلين، وهذا كله بعد معرفتهما بما بقي من رأس المال.
م وهذا على قول أشهب فيمن أسلم في الثمار التي تنقطع من أيدي الناس في بعض السنة؛ لأنه يقول إذا انقطت فليس له إلا بقية رأس ماله.
م ويدخل في هذه المسألة الاختلاف الذي دخل في مسألة بيع الثمار اليت تنقطع، لا فرق بينهما.
م وإنما يصح ما قال محمد إذا حكم بينهما بهذا القول أو تراضوا بالأخذ به.

الجزء: 11 - الصفحة: 167

[فصل 10 - من أسلم في صنف فلما حل الأجل أراد أن يأخذ غيره] ومن المدونة: قال مالك: ومن أسلم في صنف من الحوت، فلما حل الأجل أراد أن يأخذ غيره من جنس الحيتان جاز ذلك.
قال ابن المواز: وكذلك من أسلم في لحم ضأن أن يأخذ كل يوم وزناً معلوماً فله أن يأخذ في يومه لحم بقر، ولا يتعجل منه في ذلك اليوم أكثر مما شرط.
م يريد فيدخله بيع الطعام بالطعام إلى أجل، كأنه عجل له مما له عليه من المعز لحم بقر، وإذا أخذ منه مثل ما حل له عليه كان بدلاً.
قال في الواضحة: ومثله في كتاب ابن المواز ومعناه في المدونة في غير هذا الباب.
قال: وإذا اشترط أن يأخذ في كل يوم من اللحم بوزن كذا وأخذ منه يوماً أكثر من الشرط وودى ثمن الزائد، فإن كان ما أخذ مثل صفة

الجزء: 11 - الصفحة: 168

شرطه فجائز، وإن كان بخلاف الصفة من سمن لحم، أو عظم في الحيتان أو صنف من اللحم غير ماله عليه مثل لحم ضأن من معز، ولم يجز أن يشتري منه زيادة في الوزن.
ولو جاء بمثل الوزن دون الصفة، أو خلاف الجنس ويعطيه معه عرضاً أو عيناً، فم يجز ولا يأخذ أكثر وزناً وأدنى صفة، ويأخذ ثمناً، ويدخل ذلك كله بيع الطعام قبل قبضه.
قال ابن المواز: إلا أن يكون استوفى مثل حقه بغير شرط ثم فضل له فضل، فله أن يشتري تلك الفضلة مثل أن يكون له عليه مئة أردب سمراء فجاءه بمئة بيضاء أو شعير، فقضاه من ذلك حقه ثم أراد أن يشتري منه فضله، ذلك فلا بأس به ما لم يكن شرطاً أو تعاملاً على ذلك، فأما إذا صح اقتضاؤه على غير شرط فلا بأس به، وإنما ذلك في الطعام خاصة، وأما غير الطعام مما يجوز بيعه قبل قبضه فلا بأس به أن يشتري الزيادة بشرط.

الجزء: 11 - الصفحة: 169

فصل [11 - السلم في الطير] ومن المدونة: قال مالك: ولا بأس بالسلم في الطير وفي لحومها بصفة معلومة وجنس معلوم، ومن أسلف في لحم دجاج فحل فلا بأس أن يأخذ لحم الطير كله.
م ولحم طير الماء إ ذا أخذ مثله، ولا يجوز أن يأخذ طير الماء باتفاق من ابن القاسم وأشهب.
قال: وأما إن أسلم في دجاج أو في أوز فأخذ مكانها بعد الأجل طيراً من طير الماء لم يجز، وأجازه أشهب.
قال: وأما إن أسلم في دجاج أو في أوز فأخذ مكانها بعد الأجل طيراً من طير الماء لم يجز، وأجازه أشهب.
قال ابن القاسم: لأن طير الماء إنما به الأكل، فإنما هو لحم، ولا يباع الحيوان باللحم من صنفه، وأجازه أشهب؛ لأنه حي بعد.
ومن العتبية: قال ابن القاسم: والدجاجة التي قد فسدت لا تبيض ولا تراد إلا للذبح فلا بأس بها بما لا يستحيا من الطير، يداً بيد على التحري؛ لأنه لحم كله.
م ويجوز عند أشهب أيضاً وإن لم يتحر؛ لأنه لحم كله، وقال في

الجزء: 11 - الصفحة: 170

السلم الثالث: وإنما نهى عن اللحم بالحيوان للفضل والمزابنة، فكل ما جاز في لحمه التفاضل، جاز منه الحي بالمذبوح، وفي السلم الثالث إيعاب هذا.
قال مالك في السلم الأول: ومن أسلم في دجاج جاز أن يأخذ مكانها قبل الأجل أو بعده أوزاً أو حماماً وشبه ذلك من الداجن المربوب عند الناس؛ لجواز بيع بعضها ببعض نقداً أو إلى أجل، لأنهما صنفان وكذلك العروض كلها ما خلا الطعام والشراب فإنه لا يجوز بيعه من الذي عليه السلم ولا من غيره حتى يستوفيه لنهي رسول الله صلى الله عليه وسلم عن ذلك، إلا أن يعطيك الذي عليه السلم من صنف طعامك مثل ما أسلمت فيه، سمراء من محمولة بعد الأجل، فيجوز على وجه البدل.
وفي السلم الثالث إيعاب هذا.
قال مالك رحمه الله: ويجوز بيع دجاجة بدجاجتين يداً بيد.
قال ربيعة: ومن أسلف صياداً دنانير على صنف من الطير، كل

الجزء: 11 - الصفحة: 171

يوم كذا وكذا طيراً، فأتاه فلم يجد عنده من ذلك الطير الذي أسلف فيه شيئاً فأخذ منه عشرة عصافير بطير واحد مما اشترط عليه جاز.
قال سحنون في كتاب ابنه: معناه أن الطير الذي أسلم فيه مما لا يقتني إنما هي اللحم، والعصافير التي أخذ منه بدله كذلك، فلذلك جاز أن يأخذها على التحري مثل أن تكون العشرة مساوية لذلك الطير الواحد، ولو كان ذلك الطير مما يقتني مثل الداجن المربوب فأخذ فيه طيراً أو عصافير مما لا يقتني لم يجز؛ لأنه اللحم بالحيوان، المنهي عنه، ولو أخذ بدل الطير المقتنى طيرين أو ثلاثة مما تقتني أيضاً كان حلالاً لجواز التفاصيل فيها.
م ولو أسلم إليه في عشرة عصافير مما لا تحيا وشرط أن يأتيه بها حيه، فأتى بعشرة عصافير من ذلك الجنس مذبوحة لم يجز له الرضا بها؛ لأنه اللحم بالحيوان، ولو شرط أن يأتيه بها مذبوحة فأتاه بها حية لم يجز له أخذها حتى تذبح؛ لأنها حية من مذبوحة.

الجزء: 11 - الصفحة: 172

الباب الرابع

في السلم في العروض والصناعات وتراب المعادن والصياغة

[فصل 1 - في السلم في العطر والجوهر والزجاج واللبن وفي الحطب والجلود ونحوها] قال مالك رحمه الله: ولا بأس بالسلم في المسك والعنبر وجميع العطر إذا اشترط من ذلك شيئاً معلوماً، وكذلك في الجوهر واللؤلؤ وصنوف الفصوص والحجارة إذا ذكر صنفاً معروفاً بصفة معلومة، وكذلك آنية الزجاج يصفها، وكذلك لا بأس بالسلم في اللبن والجص والزرنيخ والنورة وشبه ذلك مضموناً معلوم الصفة، وفي الحطب إذا اشترط من ذلك قناطير معلومة أو قدراً معروفاً بصفة معلومة، وكذلك في الجذوع وخشب البيوع ونحو ذلك من صنوف العيدان، وفي جلود البقر والغنم، وفي جميع الرقوق والأدم والقراطيس إذا اشترط من ذلك كله شيئاً معلوماً.
ويجوز السلم في نصول السيوف والسكاكين وفي العروض كلها إذا كانت موصوفة مضمونة وضرب لها أجلاً معلوماً وقدم النقد فيها.

الجزء: 11 - الصفحة: 173

[فصل 2 - السلم في ما يصنع في الأسواق] قال بن القاسم: ومن استصنع طستاً أو توراً أو قمقماً أو قلنسوة أو خفين أو لبداً أو استنحت سرجاً أو قارورة أو قدحاً أو غير ذلك مما يعمل الناس في أسواقهم عند الصناع، فإن جعل ذلك موصوفاً مضموناً إلى مثل أجل السلم، جاز ذلك إن قدم رأس المال مكانه أو إلى يوم

الجزء: 11 - الصفحة: 174

أو يومين إذا لم يشترط شيئاً بعينه يعمله منه، أو عمل رجل بعينه، فإن شرط عمله من ناحس أو حديد بعينه أو ظواهر معينه، أو عمل رجل بعينه لم يجز، وإن نقده، لأنه [غرر] لا يدري أيسلم ذلك الحديد والنحاس والظواهر، أو يسلم الرجل إلى ذلك الأجل أم لا؟ فذلك غرر إذ قد يسلم فيعمله له أو يموت قبل الأجل، فيبطل سلف هذا، وقد انتفع المسلم إليه بذهبه باطلاً.
[قال] ابن المواز: وقال أشهب: إذا شرع في عمله أو في مثل الأيام اليسيرة جاز، قال: وإنما يكره ذلك إذا كان إلى أجل بعيد، إذ لا يصح السلم فيه في شيء بعينه، فأما من أتى إلى رجل عنده عشرة أرطال حديدة أو نحاس، فاشتراه بعينه على أن يعمل له ذلك النحاس أو الحديد قدراً أو قمقماً بعشرين درهماً، ووصف ذلك، فلا بأس به إذا كان يشرع في عمله عاجلاً، قال: ولا بأس أن يشتري منه تور نحاس على أن يعمله له إذا أراه النحاس: ووزنه ووصف هذا ما يعمله له.

الجزء: 11 - الصفحة: 175

وكذلك ظهارة على أن يعملها له قلنسوة، والحذاء على أن يحذو له، ويشرع في ذلك، قال: ويجوز لمشتري ذلك بعينه بيعه قبل قبضه، قال ابن المواز: بل لا يصلح بيعه قبل قبضه؛ لأنه إذا بيع لم يكن له بد من الضمان فيه، وضرب الأجل، وذلك لا يصلح في شيء بعينه.
قال: والفرق بين الثوب يشتريه على أن يتم له نسجه، والتور النحاس على أن يتم له عمله، أن النحاس إن جاء بخلاف الصفة أعاده إليه، والثوب لا يمكن ذلك فيه، ولا يدري كيف يخرج بقيته.
فصل [3 - السلم في تراب المعادن والصواغين] ومن المدونة: قال ابن القاسم: ولا يسلم في تراب المعادن عيناً ولا عرضاً؛ لأن صفته لا تعرف، ولو عرفت صفته جاز سلم العروض فيه، ولا يجوز بالعين؛ لأنه يدخله الذهب بالذهب والفضة بالفضة إلى أجل والله أعلم، وقد

الجزء: 11 - الصفحة: 176

قال -صلى الله عليه وسلم- «لا تبيعوا منها غائباً بناجز».
قال ابن القاسم: وجائز أن يشتريه يداً بيد بخلافها من العين أو بالعروض؛ لأنها حجارة معروفة ترى قال: ولا يسلم في تراب الصواغين ولا يشتريه يداً بيد؛ لأنه رماد لا يدري ما فيه، وشراؤه غرر.
قال ابن حبيب: فإن بيع تراب معدن الذهب بذهب أو تراب معدن الفضة بفضة رد، فإن فات واستخرج ما فيه فهو للمبتاع وعليه قيمة التراب.
قال: وأما تراب الصواغين فإن بيع وفات واستخرج ما فيه، رد ما خرج منه إلى البائع وودى أجرة تخليصه إلى المبتاع مع ثمنه.

الجزء: 11 - الصفحة: 177

م قيل فإن لم يخرج للمبتاع منه شيء، فلا بد أن يكون له على البائع الأجرة، وهذا غلط، والصواب أن لا أجرة له إن لم يخرج منه شيء؛ لأنه لم يستأجره عليه، وقد دخلا على الغرر جميعاً، ويرجع بجميع الثمن، وإن خرج له منه شيء فالبائع مخير إن شاء دفع له أجره وجميع ثمنه وأخذ منه ما يخرج أو سلم ذلك إليه ورد إليه جميع ثمنه.
م والفرق بين تراب المعادن وتراب الصاغة، أن الأصل فيما بيع بيعاً فاسداً ففات بيد مشتريه، أن يغرم المثل فيما له مثل له، والقيمة فيما لا مثل له، فلما أفات تراب المعادن أغرمناه قيمته؛ لأنه مما له قيمة، ويجوز بيعه نقداً بخلافه، فأجريناه على الأصل، وأما تراب الصاغة فلا مثل ولا قيمة فيه، فوجب رد الثمن فيه إذا فات ولا يرجع بشيء إن لم يخرج منه شيء وهذا أمر بيِّن.

الجزء: 11 - الصفحة: 178

وقال بعض أصحابنا: لابد أن تكون له قيمة فإذا أفاته بالعمل كان ما خرج له، وعليه قيمته على غرره.
وقد قال ابن أبي زمنين: قال غير ابن حبيب ولو ادعى مشتري الرماد تلفه قبل تخليصه، لكان تلفه من المشتري وعليه قيمته على الرجاء والخوف، فإذا كان عليه قيمته في تلفه، فكذلك تكون عليه قيمته إذا أفاته بالعمل.
م والقول الأول أبين، إذ لا يتحصل له قيمة على غرره.
وقال ابن حمدون: تراب الفضلة يجوز بيعه بالذهب؛ لأنها حجارة تسيل فيستخرج ما فيها بالعمل، وأما تراب الذهب فإنما هو تراب وذهب مختلط، ليس في التراث منه شيء وإنما يميز الذهب منه بالغسل فإن بيع قبل ذلك كان بيعاً مجهولاً، لا يجوز بيعه حتى يميز ترابه ويعرف قدره فيباع.

الجزء: 11 - الصفحة: 179

قال بعض أصحابنا: وإذا كان الأمر على ذلك لم ينبغ أن يكون فيه خلاف، ومن جمع بين تراب الذهب والفضة فإنما ظن أن أمره واحد.
م ويحتمل هذا، ويحتمل أن معدن الذهب على جنسين، فمنه تراب مختلط كما قال ابن حمدون، ومنه حجارة كما قال من تقدم، وهو ظاهر قولهم، ويحتمل أن يكون تخليص الذهب من التراث كتخليص الفضة من الحجارة فيجوز بيعه وإن لم يدر ما فيه، كما يجوز بيع الحجارة وإن لم يدر ما فيها والله أعلم.
قال ابن المواز: ولا بأس بقسمة اتراب المعدن كيلاً، وقال يحيى بن عمر: لا يجوز اقتسامه وهو غرر؛ لأنه لا بد أن يكون في أحد النصيبين أكثر ذهباً من الآخر، قال: ولو جاز اقتسامه لجاز سلفه.
وهو قول محمد بن عبد الحكم.
م كما جاز بيعه جازت قيمته؛ لأنه مرئي وأما السلف فيه فهو غير مرئي والله أعلم.

الجزء: 11 - الصفحة: 180

[الباب الخامس]

في تسليم الفلوس والسلم فيها وتسليم الحديد في الحديد والثياب في الثياب أو فيما تولدت منه وبيع الكتان بالغزل وفي قرض العروض والجواري

[فصل 1 - السلم في الفلوس] قال مالك رحمه الله: ويجوز سلم الفلوس في الطعام، والطعام في الفلوس، قال: ولا يجوز أن يسلم الدنانير والدراهم في الفلوس؛ لأن الفلوس عين وهذا صرف، ولا تباع الفلوس وزناً ولا كيلاً ولا جزافاً بعين ولا بعرض نقداً ولا إلى أجل؛ لأن شأنها العدد.
قال مالك رحمه الله: ولا خير في بيع فلوس من نحاس بنحاس يداً بيد؛ لأنه من المزابنة؛ إلا أن يتباعد ما بينهما، وتكون الفلوس عدداً فيجوز.

الجزء: 11 - الصفحة: 181

وأجاز يحيى بن سعيد بيع رطل نحاس برطلين مضروبين فلوساً أو غير مضروبين يداً بيد، هكذا نقلها أبو محمد.
قال ابن القابسي: معنى قوله مضروبين أي ضربت قدوراً أو نحوه، ولا يكو خلافاً لابن القاسم.
ونقل أبي محمد أسعد بظاهر الكتاب وهو خلاف لقول ابن القاسم.
قال مالك: ولا خير في سلم فلوس من نحاس أو من صفر في نحاس إلى أجل، لأن الصفر والنحاس نوع واحد، وكذلك الرصاص والآنك وهو القزدير صنف واحد، قال: ويجوز سلم الفلوس من نحاس في حديد إلى أجل؛ لأنهما صنفان.
فصل [2 - السلم في الحديد ونحوه من المعادن] قال مالك: ولا يجوز سلم حديد تخرج منه السيوف في سيوف، أو سيوف في حديد، تخرج منه السيوف أم لا؛ لأنه نوع واحد.

الجزء: 11 - الصفحة: 182

قال سحنون: ولا بأس أن يسلف الحديد الذي لا يخرج منه السيوف في السيوف.
قال مالك: ولا يجوز سلم حديد السيوف في السيوف ولا في الحديد الذي لا يخرج منه السيوف لتقاربهما؛ ولو أجزت ذلك لأجزت الكتان الغليظ في الكتان الرقيق، والصوف كذلك؛ لأنه يختلف، فمنه ما يغزل منه الرقيق ومنه ما لا يغزل منه الرقيق أبداً فلا يسلم بعضه في بعض لتقاربهما.
قال أسو إسحاق: ولعله يقول: إن غليظ الكتان إذا دهن صار يخرج منه الرقيق من الثياب، وأن الحديد قد يبالغ في عمله فيخرج منه السيوف، فلما قرب الأمر هكذا لم يجزه.
قال في كتاب محمد: الكتان كله جيده ورديئه صنف واحد حتى ينسج فيصير الرقيق صنفاً والغليظ صنفاً وكذلك القطن.

الجزء: 11 - الصفحة: 183

م وكذلك عندي القطن إن غزل، فيصير الرقيق صنفاً والغليظ صنفاً، وصنعة الغزل قد أحالته إحالة بينة، فأوجبت فيه التفاضل إلى أجل.
قال في الواضحة: والحري كله صنف واحد.
قال ابن المواز: والحديد كله جيده ورديئه صنف واحد حتى يعمل منه سيوفاً أو سكاكين، فيجوز سلم المرتفع منها في غير المرتفع.
قلت: فما صنع من الحديد حتى يكون سيوفاً أو سكاكين أو أعمدة أو مرايا وغير ذلك؟ قال: إذا صنع الحديد فقد افترق وصار أصنافاً مختلفة باختلاف المنافع فيه، وكذلك النحاس وأصنافه كله صنف واحد حتى يعمل فيصير أصنافاً، وكذلك غير ذلك من الأشياء إذا عملت واختلفت منافعها.
قال في المدونة: ولا خير في أن يسلف سيفاً في سيفين دونه لتقاربهما في المنافع، إلا أن يبعد ما بينهما في الجوهر والقطع كتباعد في الرقيق والثياب فيجوز.
ولم يجزه سحنون.
م والصواب جوازه لأنها تتباين تبايناً متباعداً لا يتباينه حيوان ولا غيره، فهو أجوز من سلم الخيل في الخيل والثياب في الثياب.
ومن المدونة: قال ربيعة: ويجوز بيع الصفر بالحديد متفاضلاً يداً بيداً أو إلى أجل، ولا يجوز بيع الصفر بالصفر ولا الحديد بالحديد متفاضلاً إلى أجل وكذلك سائر الأشياء.

الجزء: 11 - الصفحة: 184

قال: والصفر عرض ما لم يضرب فلوساً، فإذا ضرب فلوساً جرى مع الذهب والورث مجراهما فيما يحل ويحرم، والشب والكحل بمنزلة الحديد والرصاص وسائر العروض في البيع.
قال في كتاب محمد: ولا خير في أرطال نحاس في قدور نحاس إلى أجل، ولا بأس بنحاس بتور نحاس، يداً بيد.
[قال] ابن المواز: على الوزن وإن تفاضل، ولا يصلح جزافاً حتى يبين الفضل بأمر بين.
فصل [3 - السلم في الكتان والصوف ونحوهما] ومن المدونة: قال مالك: ولا يسلم كتان في ثوب كتان؛ لأن الكتان يخرج منه الثياب، ولا بأس بثوب كتان في كتان أو ثوب صوف في صوف؛ لأن الثوب المعجل لا يخرج منه كتان ولا صوف.
قال أبو محمد: إلا ثياب الخز في الخز لأنه ينقض، وكذلك تور نحاس في نحاس، وكذلك في كتاب محمد.
قال ابن المواز: وكره مالك ثوب صوف بصوف يداً بيد أو إلى أجل قريب لا يعمل مي مثله ثوب للمزابنة،

الجزء: 11 - الصفحة: 185

وكذلك الكرسف يغزله يداً بيد، وكتان منفوش بمغزول، قال: أو جلد بعشرة أحذية مقطعة من جلده أو من جلد غيره.
م [قال] محمد: وهذا فيما تقارب، وأما لو دفع رطلين من صوف في ثوب صوف، أو رطلين صوف بعشرة أرطال مغزولة -يريد نقداً- أو جلداً كبيراً بزوج أو زوجين حذاء، يداً بيد، لجاز ويدخله فيما تقارب نقداً المزابنة أو إلى أجل سلف جر منفعة؛ لأنه يدفع صوفاً فيأخذه مغزولاً أو ثوباً معمولاً.
قال ابن حبيب: لا يباع شيء بما يتولد منه إلى أجل مثل صوف في ثياب صوف، أو كتان أو قطن في ثيابه، أو جلود في نعال أو نحاس في قدور نحاس أو جلود في فرو، ولون الحرير بمغزوله أو بمعموله إلى أجل ولو عجلت الثياب فيما يتولد منه لجاز، ويجوز كله يداً بيد، أيهما كان بالآخر.

الجزء: 11 - الصفحة: 186

قال: ولا خير في جلد بقري بأزواج نعال مسماة، ولا ثوب شيء بظهائر لا نقداً ولا مؤجلاً؛ للمزابنة وإذ لا صنعة فيه تخرجه إلى إجازته، بخلاف صوف بثوب صوف يداً بيد، أو كتان بثوب كتان، أو جلود بأحذية معمولة، هذا جائز نقداً، ولأن فيه صنعة بينة ولا يتأخر ما قابلها إلى أجل يعمل فيه فيدخله المزابنة.
م وإنما يدخله في الأجل سلف جر منفعة.
قال ابن أبي زمنين: قول ربيعة في الكتان المنسوج بالغزل هو بمنزلة الحنطة بالخبز والدقيق بالسويق، معناه: أن النسج في الغزل صناعة يجوز معها بيعه بالغزل إلى أجل كما أن الخبز والسويق فيه صنعة تبيح له التفاضل بالحنطة وبالدقيق يداً بيد.
وقوله: في الغزل والكتان أنه بمنزلة الحنطة بالدقيق معناه:

الجزء: 11 - الصفحة: 187

أن الغزل ليس بصنعة تبيح بيعه بالكتان إلى أجل، كما أن الطحين ليس بصنعة تبيح أن يباع بالقمح متفاضلاً.
وقوله وهذا بين ما بينهما من الفضل: يريد أن الحنطة إذا طحنت تريع، فكان الفضل فيها بيناً.
وقوله: ولذلك كره إلا مثلاً بمثل: يريد ومع ذلك يكره إلا مثلاً بمثل.
قال الشاعر: فلما تفرقنا كأني ومالكاً ... لطول اجتماع لم نبت ليلة معاً أي: مع طول اجتماع، جعل اللام بمعنى مع.
والله أعلم.
ومن المدونة: وأجاز يحيى بن سعيد رطل كتان برطلي غزل كتان يداً بيد، قال: وأما عاجل بأجل فلا أحب أن أنهي عنه ولا آمر به، وأكره أن يعمل به أحد.

الجزء: 11 - الصفحة: 188

وقال ابن المواز: وأما سلف أحدهما في الآخر فلا خير فيه، أيهما كان المعجل منهما.
قال ابن أبي زمنين: من أهل العلم من يقول أن الكتان المعجل المغزول والكتان غير المغزول صنفان مختلفان، فمن هنا قال يحيى بن سعيد: لا أنهى عنه، ولا آمر به عاجلاً بآجل.
وهو عند أصحاب مالك كله صنف واحد.
قال: ومن أهل العلم من يقول أن النسج ليس بصنعة في الغزل، وإلى هذا كان يذهب أشهب في ديوانه، فكان لا يجيز الثوب بالغزل إلى أجل ولا يجيزهما أيضاً يداً بيد بمعنى المزابنة إلا أن يتبين الفضل أن أحدهما أكثر غزلاً من الآخر كالغزل إذا بيع بالكتان جزافاً.
وقد جاء لمالك في النسج ما يقوي قول أشهب، قال مالك فيمن اشترى غزلاً فنسجه، ثم فلس المبتاع، أن النسج ليس يفوت به الغزل.

الجزء: 11 - الصفحة: 189

م والذي أذهب إليه في هذا أن الغزل صنعة تبيح التفاضل فيه نقداً أو إلى أجل إذا كان المعجل الغزل، إذ لا يخرج من ذلك كتان.
فصل [4 - السلم في الثياب] ومن المدونة: قال مالك: وثياب القطن لا يسلم بعضها في بعض إلا أن تسلم الغلاظ [منها] مثل الشقائق وغليظ الملاحف اليمانية في رقيق ثياب القطن مثل المروى والهروي والقوهي والعدني فلا بأس به، وكذلك رقيق الكتان كله صنف واحد القرقبي والشطوي والقصبي والتنيسي لا بأس أن يسلف في غليظ ثياب

الجزء: 11 - الصفحة: 190

الكتان مثل الزيقة والمريسية والقيس والفسطاطي، إلا ما كان من الفسطاطي الرقيق مثل المعافري وشبهه، فإنه يضم إلى رقيق الكتان، ولا يجوز أن يسلم رقيق ثياب القطن في رقيقه مثل العدني في المروي، وكذلك رقيق الكتان لا يسلم في رقيقه مثل الشطوي في القصبي.
م وجائز أن يسلم رقيق القطن في رقيق الكتان، لأنهما صنفان مثل المروي في القرقبي، قاله في السلم الثالث، وروي عن مالك أيضاً أنه لا يجوز؛ لأنه رقيق كله.
وقال في السلم الأول: ومن أسلم فسطاطية في مروية معجلة

الجزء: 11 - الصفحة: 191

ومروية مؤجلة وهو غليظ من الكتان في اثنين من رقيق القطن جاز، وكذلك لو أسلم ثوباً من غليظ الكتان مثل الزيقة وما أشبهها في ثوب قصبي مؤجل وقرقبي معجل وهما اثنان من رقيق الكتان ومن رقيق القطن جاز لأنهما صنفان.
م قال أبو محمد: انظر ينبغي أن يكون رقيق الكتان في غليظه وغليظه في رقيقه كقولهم في صغار الخيل في كبارها وكبارها في صغارها وقد قال: لا يسلم ثوب في ثوب دون وكذلك ينبغي أن لا يسلم ثوب غليظ كتان في ثوب رقيق كتان أرفع منه، ولا في ثوبين أرفع منه.
وأرى معنى قوله: لا بأس بثوب من الزيقة في ثوب قرقبي معجل وقصبي مؤجل، إنما هو على أحد قولي مالك، فإنه روى عنه ابن عبد الحكم في جمل بجملين مثله أحدهما مؤجل والآخر معجل أنه أجازه وكرهه.

الجزء: 11 - الصفحة: 192

قال ابن عبد الحكم: وكراهيته أحب إلينا، وأجازه ابن القاسم إن لم يكن في المنفرد فضل عن المعجل من الجملين، وقال سحنون: هذا الربا.
قال أبو محمد: وأحسب قوله ها هنا في الثبات على تلك الرواية الشاذة والله أعلم.
م ونحن نحمل قوله هاهنا في الثياب أنه جار على الأصل وأنه جائز، سلم الغليظ في الرقيق الواحد أو في رقيقين لأنهما صنفان، وكذلك عندي صغار الخيل في كبارها جائز على مذهبه في المدونة؛ لأنهما صنفان.
ومعنى قوله: لا يسلم ثوب في ثوب دونه ولا رأس في رأس دونه: أي من صنف واحد، فيكون مذهبه في المدونة كله جارياً على أصل واحد، وخلافاً لرواية ابن عبد الحكم؛ لأن ذلك رباً كما قال سحنون والله أعلم.

الجزء: 11 - الصفحة: 193

ومن المدونة: قال: ومن أسلم فسطاطية في فسطاطية معجلة ومروية مؤجلة جاز ذلك، قال: ولو كانت المروية معجلة والفسطاطية مؤجلة لم يصلح ذلك؛ لأنه قرض وزيادة مروية.
وكذلك قال مالك: ولا بأس بالجمل بالجمل مثله وزيادة دراهم، الجملان نقداً والدراهم مؤجلة أو معجلة، وإن تأخر أحذ الجملين لم يجز عجلت الدراهم أو أجلت، وهذا رباً؛ لأن كل شيء أعطيته إلى أجل فرد إليك مثله وزيادة فهو رباً.
قال مالك: وإن أسلمت فسطاطية في فسطاطية إلى أجل فهو قرض، فإن ابتغيت به نفع الذي أقرضته جاز وإن ابتغيت به نفع نفسك بطل السلم.
فصل [5 - في ما يجوز فيه القرض من العروض ونحوها] والقرض عند مالك رحمه الله جائز في الثياب والرقيق والحيوان

الجزء: 11 - الصفحة: 194

والخضر وجميع الأشياء كلها إلا الجواري وحدهن.
م لأنه يأخذ الجارية يطأها ثم يردها: فلا يستطيع المقرض أن يمتنع من أخذها منه، فيؤدي ذلك إلى عارية الفروج فمنع منه، وأجاز ابن عبد الحكم القرض في الجواري على أن يرد غيرهن.
م قال بعض علمائنا: ويجوز على مذهب ابن القاسم أن يقرض جارية لامرأة أو لذي محرم منها؛ لأنه ليس من عارية الفروج وكذلك من أمر رجلاً أن يشتري له سلعة بكذا، فاشتراها المأمور بجارية له فذلك جائز، وهو قرض للآخر وليس من عارية الفروج لأنها لا تصل إلى يد الآمر.

الجزء: 11 - الصفحة: 195

قال بعض أصحابنا: انظر أن نزل قرض الجواري على الوجه الذي لا يجوز هل يجري ذلك مجرى البيوع الفاسدة فتكون حوالة الأسواق عند القابض فيها فوتاً يوجب عليه قيمتها، وكذلك لو غاب عليها وإن لم يحل سوقها خيفة أن يكون وطئها فيحصل من ذلك عارية الفروج.
وقد قال شيوخنا القرويون: إن القرض إذا كان فاسداً كان حكمه حكم البيوع الفاسدة وكذلك قرض الجواري، وأظن أن الأبهري قال في قرض الجواري يرد المثل، والأول أصوب، والله أعلم.
[فصل 6 - في السلم في الرائطة من نسج الولائد] ومن المدونة: قال ربيعة: ولا خير في رائطة من نسج الولائد في اثنتين منها ولا سابرية في سابريتين، والحلال منه الرائطة السابرية بالرائطتين من نسج الولائد عاجلاً وآجلاً لاختلافهما.

الجزء: 11 - الصفحة: 196

قال ابن المواز: لا يسلم شيء في شيء مثله وزيادة ولو أنها الحصباء، ولا بأس أن يسلم الشيء فيما يخالفه خلافاً بيناً، وقال مالك: ولا خير في التبن في القصب وجعله كله صنفاً واحداً، وقال: هو كله علف، وقد قيل: إنهما نوعان وهما أشد تباعداً من رقيق ثياب الكتان وغليظها وقد أجاز مالك القضب بالنوى إلى أجل.
ومن المدونة: قال يحيى بن سعيد: وإذا أسلمت في رائطة فأعطاك بها قميصاً أو قميصين أو قطيفة أو قطيفتين فلا بأس بذلك، وجدت الرائطة أم لا؛ لأنك لو أسلمت الرائطة فيما أخذت منه جاز.
م وإنما تصح هذه العلة أن لو قضاه ذلك قبل الأجل، وأما بعد الأجل فالعلة أنه قد وجب له عنده رائطة فجائز أن يبيعها منه بقميص أو بقميص أو رائطتين من جنسها أو خلافها؛ لأنه من بيع النقود.
الرائطة هي الملحفة والرداء.

الجزء: 11 - الصفحة: 197

[الباب السادس]

في بيع الطعام إلى أجل

[فصل 1 - من الربا بيع الطعام بالطعام إلى أجل] ومما بين الرسول صلى الله عليه وسلم من أبواب الربا في بيع الطعام بالطعام نساء نحو ما بين من تحريم ذلك في الذهب والفضة فقال عليه السلام: «البر بالبر ربا إلا هاء وهاء والتمر بالتمر ربا إلا هاء وهاء والشعير بالشعير رباً إلا هاء وهاء» وكذلك «الملح بالملح» في حديث آخر، فجرى الطعام كله عند العلماء في تحريم جنس بخلافه إلى أجل مجرى الذهب بالفضة إلى أجل، وهذا مجتمع عليه من علماء دار الوحي.
قال القاضي عبد الوهاب: وقال أبو حنيفة يجوز أن يفترقا من غير قبض، ودليلنا قوله عليه السلام:

الجزء: 11 - الصفحة: 198

«إنما الربا في النسيئة».
قال ابن القاسم: أصل قول مالك أن الطعام بالطعام إلى أجل لا يصلح الآجال فيه، كان من صنف واحد أو من صنفين مختلفين، كانا أو أحدهما مما يدخر أو لا يدخر أو مما يكال أو يوزن أو يعد، وكذلك جميع التوابل اللحمان وجميع الإدام والأشربة عدا الماء إلا أن يقرض رجل رجلاً طعاماً أو إداماً في مثله إلى أجل على وجه المعروف فيأخذ مثله في كيل أو وزن وجنس وصفة وجوده، ولا تبتغي بذلك نفع نفسك فيجوز، ولا يجوز بمعنى التبايع وإن كان النفع فيه للآخذ للحديث، وكذلك رطب الفواكه والخضر كالمدخرات لا يجوز الأجل في شيء من ذلك بصنفه أو بخلافه من الطعام.

الجزء: 11 - الصفحة: 199

قال: ولا يجوز سلم بيض في بيض أو في طعام أو في رطب الفواكه أو البقول، ولا حنطة في عسل أو جراد أو صير أو بطيخ أو قثاء أو بصل أو غيره من سائر الطعام إلى أجل.
[فصل 2 - في سلم الحنطة في القصيل والقضب ونحوه] قال ابن القاسم: ومن أسلم حنطة في قصيل أو قضب أو قرط أو فيما يعلف للدواب، فإن كان يحصده ولا يؤخره حتى يصير حباً فلا بأس بذلك، وإن أخره لم يجز؛ لأنه طعام بطعام إلى أجل.
م هكذا قال مالك في الأمهات إن أسلم حنطة في قصيل أو قضب ثم قال: فإن كان يحصده ولا يؤخره، فدل بذلك أنه أسلم حنطة في فدان قصيل، وقد تقدم له أن السلم في القصيل لا يجوز إلا على الحزم والأحمال، لا على الفدادين، فهذا منه كقول أشهب الذي يجيز السلم في القصيل على فدادين، وقد بينا فساده إلا أن يريد القصيل والقضب هو المعجل فيصح جوابه والله أعلم.

الجزء: 11 - الصفحة: 200

[فصل 3 - سلم الحنطة في الشعير وثوب موصوف وحكم من باع بيعاً بعضه حلال وبعضه حرام] قال مالك: ومن أسلم حنطة في شعير وثوب موصوف أو أسلم عدماً في ثوب إلى أجل وشعير معجل لم يجز ذلك، ولا تجوز من ذلك حصة الثوب؛ لأن الطعام بالطعام لا يصلح الآجال فيه، فكل شيء يضم مع أحد الصنفين أو معهما في صفقة واحدة فلا يتأخر، كمن صرف دنانير بدراهم معها سلعة يسيره فتناقدا العين، فلا يصلح أن تتأخر السلعة.
قال ابن شهاب: ومن باع بيعاً بعضه حلال وبعضه حرام في صفقة واحدة فسخ البيع كله، وإن كان كل بيع على حدته جاز منه الحلال ورد الحرام.
[فصل 4 - سلم الثياب في الحنطة ونحوها إلى شهر] قال مالك: ومن أسلم ثوباً في عشرة أرداب حنطة إلى شهر وعشرة دراهم إلى شهر آخر، فلا بأس به متفقة كانت آجالهما أو مختلفة.

الجزء: 11 - الصفحة: 201

[فصل 5 - في بيع أرض فيها زرع صغير بطعام وبيع اللبن بالجدي وبيع الكبش الخصي باللحم] قال ابن القاسم في العتبية: لا يجوز بيع أرض فيها زرع صغير بطعام؛ لأن ذلك يصير طعاماً بأرض نقداً وطعام مؤجل، قيل فهل يجوز اللبن بالجدي إلى أجل؟ قال: إن كان الجدي يستحيا فلا بأس به وجائز نقداً أو إلى أجل، وإن كان لا يستحيا لم يجز؛ لأنه يصير طعاماً بطعام إلى أجل.
ويجوز يداً بيد، قال: ولا يجوز بيع الكبش الخصي بالطعام إلى أجل إلا أن يكون كبشاً يقتنى لصوفه، وأما التيس الخصي بالطعام إلى أجل فلا يحل؛

الجزء: 11 - الصفحة: 202

لأنه لا يقتنى لصوف إنما هو للذبح.
قال ابن المواز: وأجاز ذلك أشهب وأصبغ كانت فيهما منافع أو لم تكن، وليس الخصي كاللحم وهو بخلاف الشارف والكسير.
قال مالك: وليس كل شارف سواء وإنما ذلك في الشارع الذي قد شارف الموت، فأما شارف يقبل ويدبر ويرتع فلا.

الجزء: 11 - الصفحة: 203

[الباب السابع]

في السلف في سلعة بعينها

[فصل 1 - النهي عن بيع الغرر] (ونهى الرسول صلى الله عليه وسلم عن بيع الغرر) ومن بيع الغرر شراء شيء بعينه على أن لا يقبضه المبتاع إلا إلى أجل بعيد وكأنه زاده في الثمن ليضمنه إلى الأجل، إلا ماله وجه ولهما به عذر، ولا غرر فيه كبيع دار واستثناء سكناها شهراً أو دابة ويستثنى ركوبها شيئاً قريباً كما فعل رسول الله صلى الله عليه وسلم مع جابر وكان

الجزء: 11 - الصفحة: 204

بقرب المدينة، أو زرعاً على الكيل وقد يبس ويتأخر حصاده العشرة أيام والخمسة عشر يوماً، أو تمراً قد طاب ويتأخر جداده إلى مثل ذلك، وأما شراءه القصيل يتأخر حصاده شهراً أو إلى وقت يتحبب فيه فلا يجوز، وكذلك صوف على ظهور الغنم على أن يتأخر جداده الأيام الكثيرة لأنه شرط زيادة النبات وليس كتأخير ثمرة تباع بعد الزهو؛ لأن هذا مباح بيعه إذ لا كبير غرر فيه.
[فصل 2 - السلم في سلعة بعينها إلى أجل بعيد] قال مالك: ومن أسلم في سلعة بعينها وضرب لأخذها أجلاً بعيداً لم يجز.
قال ابن القاسم: وسواء قدم النقد أم لا؛ لأنه غرر لا يدري أتبلغ السلعة إلى ذلك الأجل أم لا؟ ويدخله في النقد أنها إن هلكت رد الثمن بعد النفع به باطلاً وإن لم يقدم النقد صار كأنه زاده في ثمنها على أن يضمنها له البائع إلى الأجل، وذلك غرر، قال أشهب: فصار للضمان ثمن من الثمن.

الجزء: 11 - الصفحة: 205

[فصل 3 - الضمان يجعل] ولا يصلح لرجل أن يضمن سلعة رجل إلى أجل بشيء يأخذه لأنه قمار، إن سلمت السلعة أخذ الضامن مالاً باطلاً وإن عطيت غرم قيمتها فيما لم يجز فه فيه منفعة.
قال أشهب: وإن شرط قبض السلعة إلى يوم أو يومين جاز ذلك؛ لأن ذلك قريب، شرط ذلك البائع أو المبتاع، وكذلك إن كانا في سفر وكانت دابة تركب، وشرط أن يركب الدابة ذينك اليومين كما فعل الرسول -صلى الله عليه وسلم-.
قال ابن القاسم: ولا بأس أن يشترط قبض السلعة المعينة إلى يومين أو نحوهما.
وقد قال مالك فيمن اشترى طعاماً بعينه وشرط أن يكتاله إلى يومين أو ثلاثة، أنه لا بأس به، فكذلك السلع كلها عندي وهو فيها أبين.

الجزء: 11 - الصفحة: 206

[فصل 4 - في اشتراء الحيوان الغائب] قال مالك وعبد العزيز: وما اشترى من الحيوان بعينه غائباً عنه فلا يجوز فيه النقد بشرط قبل أن يُقبض، وهو من أبواب الربا إلا أن تكون غيبته قريبة جداً فإن ذلك مأمون ولا يخشى منه ما يخشى من البعيد، ومكروهه في البعيد كأنه حطه من الثمن على أن قدمه له سلفاً، فإن سلمت السلعة أخذها به وإن هلكت رده بعد النفع به باطلاً، فذلك غرر وسلف جر نفعاً.
قال مالك: وكذلك هذا في جميع السلع والطعام المعين إن كان موضع ذلك قريباً اليوم واليومين فلا بأس بالنقد فيه وإن تأخر فلا خير في النقد فيه.

الجزء: 11 - الصفحة: 207

[الباب الثامن]

ذكر ما يجوز من الأجل في السلم

[فصل 1 - في بيع الرجل ما ليس عنده] قال ابن القاسم: ولا يجوز لرجل أن يبيع ما ليس عنده بعين ولا بعرض إلا أن يكون على وجه السلم مضموناً عليه إلى أجل معلوم تتغير في مثله الأسواق، ولم يحد مالك من ذلك حداً وأرى الخمسة عشر يوماً والعشرين في البلد الواحد جائز -لا أقل منها- وأما إلى اليومين أو الثلاثة فلا خير فيه قدم النقد أم لا؛ لأن هذا ليس من آجال السلم.
قال ابن المواز: وقد روى ابن وهب عن مالك رحمه الله أنه أجازه إلى يومين أو ثلاثة بعد أن كرهه، وقاله ابن المسيب.
قال أصبغ: فإن وقع لم يفسخ لأنه ليس بحرام قائم ولا مكروه بين، [قال] ابن المواز: وفسخه أحب إلينا.
وقال ابن عبد الحكم: في اليوم أنه جائز قال أبو إسحاق: وهذا يؤدي إلى بيع ما ليس عندك؛ لأن بيع ما ليس عندك إنما أجيز في الآجال التي تختلف فيها الأسواق، فأما إن أسلم إليه في شيء ليس عنده

الجزء: 11 - الصفحة: 208

يأخذه بالغد فمكروه، كما تقول: اشترى منك سلعة فلان على أن تخلصها فإن كان هذا أكرِه، لأن هذا مقصور على سلعة فلان وهي معينة وقد لا يبيعها صاحبها.
ومن أسلم إلى رجل في ثوب يأخذه غداً قد لا يتعذر عليه ذلك في الغالب شراؤه.
م فوجه قوله: "لا يجوز إلا إلى أجل معلوم تتغير في مثله الأسواق" أن المقصود في السلم الارتفاق من انتفاع البائع بتقديم المال والمبتاع بما يرتخصه ليحصل له من تغير الأسواق ما يريده، فإذا ضربا أجلاً لا يوجد فيه هذا المعنى المذكور لم يحصل الرفق المقصود الذي أجيز السلم من أجله وكان في معنى الحال، ومن بيع ما ليس عندك المنهي عنه.

الجزء: 11 - الصفحة: 209

م ووجه قوله يجوز السلم في الأجل القريب والبعيد فلقوله عليه السلام «سلفوا في كيل معلوم إلى أجل معلوم» فعم الأجل.
[فصل 2 - في اشتراط قبض المسلم فيه في بلد آخر] ومن المدونة: قال مالك وأما إن اشترط قبضه في بلد آخر مسافته يومان أو ثلاثة فجائز لاختلاف سعريهما، فصار كبعيد الأجل في البلد الواحد إلا ما أجازه الناس من شراء ما في الأسواق من اللحم وغيره بصفة وسعر معلومين، وليسم ما يأخذ كلا يوم من وزن معلوم، ويشرع في الأخذ وإن تأخر الثمن فقد استخفوه.
قال ابن القاسم: ومن اشترى من رجل مئة إردب حنطة جيدة حاله بعبد فنقده وليس عند الرجل عام لم يجز، وقد قال مالك فيمن اشترى من رجل طعاماً أو حيواناً أو ثياباً مضمونة بغير عينها على أن يقبضها منه إلى يوم أو يومين أنه لا خير فيه إلا إلى أجل أبعد من هذا كما ذكرنا.

الجزء: 11 - الصفحة: 210

[الباب التاسع]

في رأس المال يتعدى عليه أحد أو يوجد به عيب أو يتأخر إلى أجل

[فصل 1 - في التعدي على رأس مال السلم] قال ابن القاسم: وإن أسلمت إلى رجل عرضاً يغاب عليه في حنطة إلى أجل فأحرقه رجل في يديك قبل أن يقبضه المسلم إليه، فإن كان تركه وديعة في يدك بعد أن دفعته إليه فهو منه، ويتبع الجاني بقيمته والسلم ثابت، وكذلك إن كنت لم تدفعه إليه حتى أحرقه رجل بيدك وقامت بذلك بينة، وإن لم تقم هاهنا بينة كان منك، وانتقض السلم، قال أبو محمد: يعني ويحلف.
فإن نكل عن اليمين خير الذي عليه السلم بين أن يغرمه قيمته ويثبت عليه السلم أو لا يغرمه ويفسخ السلم.

الجزء: 11 - الصفحة: 211

وفي كتاب ابن المواز: إذا لم يعلم ذلك إلا بقول البائع خير الذي عليه السلم بين نقض السلم أو إغرامه القيمة.
قال بعض فقهائنا المتأخرين: القياس أن لا يكون مخيراً ولا يكون له إلا القيمة؛ لأنه يحتمل أن يكون بائعه استهلكه أو باعه وفات فتجب عليه القيمة، فإذا أوجبت له لم يصلح فيه الإقالة؛ لأنه بيع الطعام قبل استيفائه لأنه رد تلك القيمة وهي بخلاف رأس المال.
م ولا تصلح الإقالة إلا بمثل رأس المال.
قال محمد: ولو تعدى عليه البائع فأحرقه لزمته قيمته والسلم بحاله ولا تصلح فيه الإقالة.

الجزء: 11 - الصفحة: 212

م قال بعض أصحابنا: وإذا ترك الثوب بيد الذي له السلم وديعة فأحرقه رجل، فشهد عليه الذي بيده الثوب، فإن كان المسلم إليه مليئاً جازت شهادته عليه إذ لا تهمة فيها، وإن كان المسلم إليه معدماً لم تجز شهادته عليه؛ لأنه يتهم أن يحيله عليه فيصير له مالٌ يأخذ سلمه منه.
م وقد قيل لا تجوز شهادته عليه إذ قد اختلف في يمينه لأن لا يدري ما يذهب إليه الحكم في ذلك.
قال غيره: ولأنه يتهم أن يزيل عنه عيب التهمة عن نفسه لما يقع في النفس من أنه قد يتهم في إمساكها فلا تجوم شهادته بحال.

الجزء: 11 - الصفحة: 213

ومن المدونة: قال ابن القاسم: وإن كان رأس المال حيواناً فقتلها رجل بيدك قبل أن يقبضها المسلم إليه أو كان دوراً أو أرضين، فعدا عليها رجل بهدم البناء، أو احتقار، الأرضين فأفسدها، فللمسلم إليه طلب الجاني والسلم ثابت.
[فصل 2 - في رأس مال السلم يوجد به عيب أن يتأخر إلى أجل] وإذا أصاب المسلم إليه رأس المال نحاساً أو رصاصاً بعد شهر أو شهرين فله البدل ولا ينتقض السلم.
قال أشهب: إلا أن يعملا على ذلك ليجيزا بينهما الكالئ بالكالئ فيفسخ قال أشهب: ولو لم يبق من أجل السلم إلا يومان أو ثلاثة لم يكن به بأس أن يؤخر البدل شهراً أو أكثر من ذلك ويكون بمنزلة من اشترى طعاماً نقداً بثمن إلى أجل، وإن كان

الجزء: 11 - الصفحة: 214

الذي بقي من أجل السلم كثيراً فلا يجوز له أن يؤخر البدل إلا اليومين أو الثلاثة؛ لأنه يدخله الدين بالدين.
م قال بعض أصحابنا: وإذا بقي من أجل السلم اليومان والثلاثة فجائز البدل إلى شهر، ولم يدخله بيع ما ليس عندك؛ لأن عقد السلم قد تقدم على الصحة فليس هو بمنزلة ابتداء شراء ما ليس عندك، وإذا قال سأبدلها لك إلى شهر أو شهرين فينبغي أن يفسخ للشرط، ويجيز على البدل معجلاً وإن تأخر البدل على ما شرطا فينبغي أن ينتقض السلم كله؛ لأنه قد أخر بعض رأس المال.
وقد قيل ينتقض بقدر الزائف فقط، قاله بعض أصحابنا من القرويين.
م ويحتمل أن لا ينتقض شيء من السلم لصحة العقد الأول فلا

الجزء: 11 - الصفحة: 215

يفسخ بالتهمة، ولو لزم هذه للزم الفسخ إذا وجدها بعد الشهرين رديئة، ولا يبدلها للتهمة أن يكون تعاملا على ذلك، قيل: فإن قيل لم لا ينتقض السلم إذا وجد بعض رأس المال رديئاً بعد شهر؟ وقد قال: إذا تأخر رأس المال إلى الأجل البعيد وهو عين أنه ينتقض السلم ويكون كالصرف يجد فيه درهماً زائفاً أنه ينتقض إذا رده.
م فالجواب عن ذلك: إن تأخر رأس المال لم ينقد فيه شيئاً وهذا نقد، ولا يحمل عليه أنه تعمد نقد الزيوف فأجيز له البدل ولا يشبه ذلك بالصرف؛ لأن باب الصرف أضيق من باب تأخير رأس المال في السلم، ألا ترى أنه أجاز في أحد قوليه تأخير رأس المال اليوم واليومين والثلاثة بشرط، وأجازه ابن المسيب إلى أمد الأجل، واختلف قول مالك في تأخير رأس المال إلى الأجل بغير شرط، وهذا كله لا يجوز في الصرف.

الجزء: 11 - الصفحة: 216

قال ابن القاسم: وليس من وجد برأس المال عيباً بعد مدة كمن فارق صاحبه قبل أن يقبض رأس المال وأقام شهراً ثم جاء يطلب راس المال؛ لأن السلم إليه هاهنا إن رضي بما انتقد أو الزيوف والرصاص كان ذلك له وثبت السلم عليه.
قال: وإذا ردها عليك فقلت له سأبدلها لك بعد يوم أو يومين جاز؛ لأن مالكاً أجاز تأخير رأس مال السلم العين بشرط إلى يومين أو ثلاثة لا أكثر، وإن قلت له سأبدلها لك إلى شهر أو شهرين لم يجز؛ إذ لا يصلح أن يشترط تأخير رأس مال السلم شهراً أو شهرين فكذلك هذا، وإن قلت له حين ردها عليك ما دفعت إليك إلا جياداً، فالقول قولك وتحلف ما أعطيته إلا جياداً في علمك ولا تعرفها من دراهمك إلا أن تكون إنما أخذها منك

الجزء: 11 - الصفحة: 217

على أن يريها فالقول قوله مع يمينه وعليك بدلها له.
قال أشهب: القول قول الدافع في الوجوه كلها.
قال: أبو إسحاق: إلا أن يحقق الدافع أنها ليست من دراهمه فليحلف على البت، فإن نكل حلف قابضها على البت؛ لأنه موقن.

الجزء: 11 - الصفحة: 218

[الباب العاشر]

فيمن أمر رجلاً له عليه دين أن يسلمه له في طعام أو غيره

[فصل 1 - في تأخير الدين على نفع أو زيادة أو الوضع منه على تعجيله] (ونهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن الدين بالدين) (وعن ما جر من السلف نفعاً) فمنه التأخير بدين على نفع أو ميادة، أو الوضع منه على تعجيله، فما جرى من هذا أو شبهه بين المتعاملين حرم.
[فصل 2 - في صرف الدين ثمناً لسلم] قال مالك: فيمن له على رجل مال فقال له: أسلمه لي في طعام أو عرض، أنه لا يجوز حتى يقبضه منه ويبرأ من التهمة ثم

الجزء: 11 - الصفحة: 219

يرجعه إليه بعد ذلك إن شاء.
قال ابن القاسم: لأنه يخاف أن يكون تأخيره سلفاً جر منفعة أو يعطيه من عنده، فيدخله فسخ الدين في الدين.
قال في كتاب الصرف: فإن قبضت في غريمك ديناً فلا تعده له في مكانك سلماً في طعام أو غيره، ويكره ذلك بحد ثانه.
م وهذا بخلاف وما لو قال له: أسلمه لي إلى غيرك، هذا إن قبضه منه ثم أعاده إليه في الوقت جاز.
م والفرق بينهما أن الذي قبض منه دينه ثم أعاده إليه في الوقت حين أعاده إليه سلماً أنهما يتهمان أن يكونا أضمرا على ذلك.
فيعد دفعه للمال لغواً وقد رجع إليه ماله، وحصل م فعلهما أن الدين الذي عليه فسخه في غيره.

الجزء: 11 - الصفحة: 220

م وأما الذي أمره أن يسلمه إلى غيره، إنما اتهمه أن المال لم يكن عنده فأخره لكي يشتري له به سلعة فهو سلف جر منفعة، وأما إذا قبضه منه فليس هاهنا تأخير يعد سلفاً، إنما أمره أن يشتري له بمال قبضه منه فهو جائز.
[فصل 3 - فيمن كان له على رجل مال فأمره أن يشتري له به سلعة] ومن المدونة: قال مالك: وإن قاله له: اشتر لي به سلعة نقداً؛ فإن كان الآمر والمأمور حاضرين جاز ذلك، إذ لا تأخير في ذلك يفسده.
قال مالك: وإن كانا غائبين لم يجز.
يريد: لأن المأمور غائب عن الآمر، والدين باق في ذمته، وقد لا يشتري له إلا إلى أيام، فيعد ذلك سلفاً جر منفعة.
م عند ابن القاسم يجوز إن كان حاضراً البلد وإن لم يكن حاضراً عند الشراء.

الجزء: 11 - الصفحة: 221

قال ابن أبي زمنين: قال ابن جعفر: قال ابن القاسم: وإن كان غائباً في بلد آخر لم يجز أن يأمره بشراء سلعة بدينه الذي له عليه إلا أن يوكل وكيلاً في ذلك البلد يقبضها منه.
قال: ولو ادعى المأمور أنه اشتراها فتلف ما اشترى، فإن كان الآمر أو وكيله معه في البلد فالقول قول المأمور، لقد اشترى وتكون المصيبة من الآمر، وإن كان الآمر ليس معه في البلد ولا وكيله، فإن أقام المأمور بينة على الشراء، كان القول قوله في التلف، وإلا فهو ضامن.
وفي المستخرجة فيمن له على رجل دين فأمره أن يشتري

الجزء: 11 - الصفحة: 222

له به سلعة أو عبداً وهو في بلد آخر، فلما قدم قال: إني تشتريه وهلكت السلعة أو أبق العبد، فالمصيبة من الآمر.
قال بعض شيوخنا القرويين: إذا قال له اشتريتها فضاعت فظاهر ما في السلم الثاني أنه لا يقبل منه؛ لأنه اشترط فيه إذا اكتال الطعام ببينة ثم قال ضاع: فإنما أبرأه منه لقيام البينة، وفي المستخرجة: أن القول قوله ويحلف، وهو ظاهر ما في كتاب الوكالات في مسألة اللؤلؤ أنه يصدق أنه اشتراه، وإن لم يقم له بينة على هذا، فجعل ما في المدونة على قولين في هذا، ولا فرق بين ما يزيله على ذمته ولا بين ما يجب له أن يشغل به ذمة غيره، فهذا على قولين عنده فاعلم ذلك.

الجزء: 11 - الصفحة: 223

قال مالك: وإن كتبت إلى رجل يشتري لك سلعة بذهب من عنده ففعل وبعث بها إليك، وكتب إليك أن تشتري له بذلك الذهب سلعة من موضعك، وتبعث بها إليه، فلا بأس به وهذا من المعروف.
قال ابن القاسم في كتاب الوكالات: وهذه والمسألة الأولى في القياس سواء، ولكن أجازها إذا كان أصلها معروفاً.
قال مالك: ولو كان لك على رجل دين فكتبت إليه أن يشتري لك به شيئاً احتجت إليه فلا خير فيه إلا أن توكل بذلك وكيلاً.
يريد: وكيلاً يقبض له السلعة.
قال ابن أبي سلمة: كل شيء كان لك على غريم كان نقداً فلم تقضبه أو إلا أجل فحل الأجل أو لم يحل فأخرته عنه وزادك عليه شيئاً قل أو كثر فهو رباً ولا تبعه منه بشيء ولو بوضعية من سعر الناس وتؤخره عنه، فإن ذلك ربا إلا أن ينقدك يداً بيد مثل الصرف، وبالله التوفيق.

الجزء: 11 - الصفحة: 224

[الباب الحادي عشر]

في الاقتضاء من ثمن الطعام طعاماً أو أسلم في طعام وأخذ من ثمنه طعاماً

[فصل 1 - في الاقتضاء من ثمن الطعام طعاماً] ولما كان الاقتضاء من ثمن الطعام طعاماً ذريعة إلى إجازة الطعام بالطعام إلا أجل، ويصير الثمن محللاً لم يجز كالذرائع في بيوع الآجال حماية لحمى الله تعالى، وحمى الله دينه، وقد حذر النبي صلى الله عليه وسلم من الشبهات، وشبهها بالراعي حول الحمى يوشك أن يقع فيه، وأما الأخذ من الطعام من بيع بعد حلوله طعاماً يخالفه، فيدخله أيضاً بيعه قبل قبضه، وقد نُهي عنه، وأما إن أخذه من صنفه فيعد ذلك بدلاً فهو جائز.
قال مالك: ومن أسلم في محمولة فلما حل الأجل أخذ منه سمراء مثل مكيلتها لم يكن به بأس.

الجزء: 11 - الصفحة: 225

قال ابن القاسم: وأما إن بعت محمولة بثمن إلى أجل، فأخذت بالثمن بعد الأجل سمراء أو شعيراً أو سلتاً مثل كيل المحمولة لم يجز.
والفرق بينهما أنك في سلمك في الطعام إنما كان لك عليه عند حلول الأجل سمراء، فأعطاك بها مثل مكيلتها بيضاء، فيعد ذلك بدلاً يداً بيد، والذي باع المحمولة بالدنانير إلى أجل، هو إذا ألغى الدنانير وأخذ بها سمراء، صح من فعلهما أنه دفع بيضاء إن كان عليه بيضاء فأخذ بها بعد الأجل سمراء فهو غير جائز وأما إن أخذ بخلاف الصنف فهو بيع طعام بطعام يخالفه إلى أجل.
وكذلك التمر العجوة والصيحاني والبرني والزبيب أحمره وأسوده بمنزلة ما وصفنا من الحنطة وألوانها، أنه لا يجوز لمن باع طعاماً أن يقبل في ثمنه شيئاً من الطعام كان من صنفه أو من غير صنفه إلا أن تأخذ منه بثمن طعامك

الجزء: 11 - الصفحة: 226

بعد الأجل طعاماً مثل طعامك الذي بعت منه صفة وكيلاً، إن محمولة فمحمولة وإن سمراء فسمراء فهو جائز، وهي إقالة.
قال ابن المواز: قال مالك: وأما إن ابتعت من غير غريمك طعاماً يخالف طعامك بمثل ثمن طعامك جاز أن يحيله بالثمن عليه.
قال في السلم الثالث: ولو أحلت على ثمن ذلك الطعام من له عليك مثل ذلك الثمن من بيع سلعة أو من قرض لم يجز للمحال به أن يأخذ منه من الطعام إلا ما جاز لك.
قال في المستخرجة: وإن كان إنما له عليك ثمن طعام ابتعته منه مخالفاً للطعام الذي بعت من غريمك فلا يجوز له أن يأخذ من غريمك طعاماً كان من صنف طعامك أو مخالفاً له.
م لأن المحال لا يجوز له أن يأخذ من غريمك طعاماً إلا مثل ما يجوز لك أنت أن تأخذه، وهو صنف طعامك، فإذا أخذه كان مخالفاً

الجزء: 11 - الصفحة: 227

للطعام الذي باع منك وهو لا يجوز له أيضاً أن يأخذ غريمك طعاماً منك أو ممن أحلته عليه إلا مثل الذي باع منك، فلذلك لم يجز له أن يأخذ من غريمك طعاماً على حال، ويجوز له أن يأخذ ما عدا الطعام من غرض وغيره، وفي السلم الثاني كثير من هذا.
[فصل 2 - قضاء المحمولة أو السمراء أو الشعير أو السلت بعضها من بعض أو بالدقيق وكذلك أجناس التمر] ومن السلم الأول قال: وإن أسلمت إليه في محمولة أو سمراء أو شعيراً أو سلتاً أو أقرضت ذلك فلا بأس أن تأخذ بعض هذه الأصناف قضاء من بعض مثل المكيلة إذا حل الأجل، وهو بدل جائز، وكذلك أجناس التمر.
قال مالك: ولا يجوز ذلك كله قبل محل الأجل في بيع أو قرض.

الجزء: 11 - الصفحة: 228

قال ابن المواز: ويجوز في القرض أن يأخذ قبل الأجل سمراء من سمراء أجود منها مثل المكيلة، إذ له تعجيله أجود، ولا يأخذ أردأ فيصير ضع وتعجل.
ومن المدونة: قال مالك: وإن أسلمت في حنطة فلا تأخذ منه دقيق حنطة، وإن حل الأجل فلا بأس به من قرض بعد محله، وقال أشهب.
قال ابن المواز: قال أشهب: إنما كره ذلك مالك لاختلاف الناس في الدقيق بالقمح متفاضلاً نقداً، فأجازه عبد العزيز ورأى أن الطحن صنعة.
م فيدخله على ذلك بيع الطعام قبل قبضه.
وقال مكحول: لا يجوز قمح بدقيق على حال.

الجزء: 11 - الصفحة: 229

وقال ابن الماجشون عن مالك: إنما يجوز بيع القمح بالدقيق في الشيء اليسير بين أهل الدور، ولا يجوز فيما كثر.
وفي كتاب ابن القصار اختلف قول مالك في بيع الحنطة بالدقيق فقال: لا يجوز إلا مثلاً بمثل: وقال: لا يجوز، قال: وعندي أن قوله يجوز إذا وزناً جميعاً، وقوله: لا يجوز إن كيلا فيكون اختلاف قوله في حالين لا في حال واحدة، قال: ولم يفصل أصحابنا هذا التفصيل وحملوه على الاختلاف في حال واحدة.
قال ابن أبي زمنين: ولا تؤخذ القطاني بعضها من بعض في التسليف لا قبل الأجل ولا بعده؛ لأن كل نوع منها صنف على حده في البيع، ويدخله بيع الطعام قبل قبضه، كذلك قاله ابن حبيب مثل أن يسلم في فول فيأخذ حمصاً، وقاله أصبغ عن ابن القاسم.

الجزء: 11 - الصفحة: 230

[فصل 3 - القضاء في السلم في لحم ذوات الأربع] من المدونة: قال مالك: وإن أسلمت في لحم ذوات الأربع جاز أن تأخذ لحم بعضها من بعض أو شحمها قضاء عن بعض؛ لأنه بدل وليس هو بيع الطعام قبل قبضه؛ لأنه كله نوع واحد، ألا ترى أن التفاضل لا يجوز فيه، فكأنه أخذ ما أسلف فيه، وإنما يجوز بيع جميع ما ذكرنا من الحنطة والتمر واللحم بعد الأجل من الذي عليه السلم، ولا يجوز بيعه من غيره بنوعه وكيله وصفته، ولا بشيء من الأشياء حتى يقبض، وكلما أسلمت فيه من الأشياء كلها عدا الطعام والشراب على كيل أو عدد أو وزن فجائز بيعه قبل قبضه من غير بائعك بمثل رأس مالك أو أقل أو أكثر أو بما شئت من الأثمان مما يجوز أن يباع به، ولا تبع ذلك السلم من بائعك إلا بمثل الثمن فأقل منه نقداً قبل الأجل أو بعده، إذ لا يتهم أحد في أخذ قليل من كثير، واتقى عبد العزيز أن يأخذ من بائعه فيه أقل من الثمن للذريعة.
قال: ولا يجوز أن يأخذ أكثر وإنما يأخذ مثل رأس ماله وهي إقالة.
وفي السلم الثالث كثير من هذا.
تم كتاب السلم الأول بحمد الله وحسن عونه.

الجزء: 11 - الصفحة: 231

كتاب السلم الثاني

الجزء: 11 - الصفحة: 232

فصول الكتاب · 78 فصل
فصول الجامع لمسائل المدونة
المقدمةالمقدمةكتاب الصلاة الأولكتاب الصلاة الثانيكتاب الجنائز من الجامعكتاب الصوم من الجامعكتاب الاعتكافكتاب الزكاة الأولكتاب الزكاة الثاني من الجامعكتاب الحج الأول من الجامعكتاب الحج الثاني من الجامعكتاب الحج الثالث من الجامعكتاب الصيد من الجامعكتاب الذبائح من الجامعكتاب الضحايا من الجامعكتاب العتق الأول من الجامعكتاب المكاتب الأولكتاب السلم الأولكتاب السلم الثانيكتاب السلم الثالثكتاب الصرفكتاب الرهنكتاب بيوع الآجالكتاب البيوع الفاسدةكتاب بيع الخياركتاب المرابحةكتاب اشتراء الغائبكتاب الوكالاتكتاب التجارة إلى أرض الحربكتاب جامع لأبواب متفرقةكتاب العراياكتاب العيوب والتدليسكتاب الصلحكتاب الجوائحكتاب الجعل والإجارةكتاب المساقاةكتاب القراضكتاب الأقضيةكتاب كراء الرواحل والدوابكتاب كراء الدور والأرضينكتاب الشركةكتاب الشهادة الأولىكتاب الشهادة الثانيكتاب الرجوع عن الشهاداتكتاب المديانكتاب الرجوع عن الشهاداتكتاب التفليسكتاب الحمالةكتاب المأذون له في التجارةكتاب اللقطةكتاب الضوالكتاب الإباقكتاب حريم الآبار وإحياء المواتكتاب الغصبكتاب الوديعةكتاب العاريةكتاب العدةكتاب الاستحقاقكتاب الحبسكتاب الصدقةكتاب الهبة والهباتكتاب الهباتكتاب الوصايا الأولكتاب الوصايا الثانيكتابً الوصايا الثالثكتاب الشفعة الأولىكتاب الشفعة الثانيكتاب القسم الأولكتاب القسم الثانيكتاب الفرائض الثانيكتابكتاب المحاربين والمرتدينكتاب القذفكتاب الأشربةكتاب الجراحكتاب الجناياتكتاب الدِّياتكتاب الجامع
جارٍ التحميل