كتاب الزكاة الأول
[الباب الأول]
في فرض الزكاة، وما تجب فيه، وشرط وجوبها، وحكم زكاة الذهب والورق
[فصل 1 - دليل فرضيتها وشروط الوجوب]
والزكاة فريضة، وهي في العين والحرث والماشية.
وشروط وجوبها أربعة: الإسلام والحرية والنصاب: وهو ما تجب فيه الزكاة، وتمام الحول وهو في العين بمضي عام، وفي الحرث تمام حصاده كما قال الله تعالى، وفي الماشية مضى عام مع مجئ الساعي، فمتى سقط شرط شئ من ذلك لم تجب.
وفرضها في كتاب الله عز وجل: (خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً) وقال تعالى:
الجزء: 4 - الصفحة: 1
(وَأَقِيمُوا الصَّلاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ)، وقوله تعالى: (وَآتُوا حَقَّهُ يَوْمَ حَصَادِهِ)، وقوله تعالى: (وَوَيْلٌ لِلْمُشْرِكِينَ الَّذِينَ لا يُؤْتُونَ الزَّكَاةَ)، وقوله صلى الله عليه وسلم: ((بني الإسلام على خمس)) فذكر: ((وايتاء الزكاة))، وقتال أبي بكر لأهل الردة في منع الزكاة.
ولا خلاف في وجوبها في الجملة، وإنما سقطت عن الكفار؛ لأن أول ما يخاطبون بالإسلام فإذا أسلموا خوطبوا بشرائعه.
وإنما سقطت عن العبد، لقوله تعالى (خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً)، والعبد غير تام الملك في الحقيقة.
وإنما وجبت بالحول؛ لقوله صلى الله عليه وسلم: ((لا زكاة في مال حتى يحول عليه الحول))،
الجزء: 4 - الصفحة: 2
وبه عملت الأئمة والسلف، ولا خلاف في ذلك.
وأمّا بالنّصاب، فلقوله صلى الله عليه وسلم: ((ليس فيما دون خمس أواقِ من الورق صدقة)).
[فصل 2 - في نصاب الفضة]
قال مالك: فأوقّية الفضّة أربعون درهماً، وقال صلى الله عليه وسلم: ((ليس
الجزء: 4 - الصفحة: 3
فيما دون مائتي درهم زكاة))، فصح بذلك أن الأوقية أربعون درهما،.
وقال في خديث آخر: وفي المائتي درهم خمسة دراهم، وفي العشرين مثقالاً ذهباً نصف مثقال)).
وروى ابن وهب عن علي بن أبي طالب رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال ((هاتوا إلىّ ربع العشر من كل أربعين درهماً درهماً، وليس عليك شئ حتى يكون لك مائتا درهم، فإذا كانت لك وحال عليها الحول ففقها خمسة دراهم، وليس عليك شئ حتى يكون لك عشرون ديناراً، فإذا كانت لك وحال عليها الحول ففيها نصف دينار فما زاد فبحساب ذلك))، شكّ الراوي: أعليّ يقول: ((بحساب ذلك))، أم النبي صلى الله عليه وسلم
الجزء: 4 - الصفحة: 4
وروى ابن مهدي أن علي بن أبي طالب قال: ((في كل مائتي درهم خمسة دراهم فما زاد فبحساب ذلك)).
وهى حُجّتنا على أبي حنيفة في قوله: لا شئ في الزيادة حتى تكون أربعين درهما، أو أربعة دنانير.
ودليلنا- أيضاً- قوله: ((ليس فيما دون خمس أواق صدقة))، فدلّ على وجوب الزكاة فيها وفيما زاد عليها.
ولأنها زيادة على نصاب يمكن إخراج ربع عشرها كالأربعين درهما والأربعة دنانير التي يوافقنا فيها.
الجزء: 4 - الصفحة: 5
ولأنها زيادة على نصاب فلم تكن عفواً؛ كالزيادة على خمسة أوسق في زكاة الحرث، وهو يوافقنا في ذلك.
[فصل 3 - في نصاب الذهب]
قال أبو محمد: وأجمعت الأمة على ألا زكاة من الذهب في أقلّ من عشرين ديناراً، وأن في العشرين نصف دينار، وقد روي ذلك عن النبي صلى الله عليه وسلم أيضاً، وإن كان حديثاً ليس بالقوي إلا أن الناس تلقوه بالعمل.
الجزء: 4 - الصفحة: 6
وروى أشهب في العتبية عن مالك أن ليس لأوقية الذهب وزن يعلم، ولأشهب في كتابه أربعة دنانير.
قال أبو عمران: لعله جعل الأربعة دنانير مقام الأربعين درهماً؛ لأن صرف الدينار عشرة دراهم.
فصل [4 - النقصان اليسير في النَصاب]
قال مالك في المختصر وغيره: ومن له عشرون ديناراً تنقص نقصاناً يسيراً وتجوز بجواز الوزانة ففيها الزكاة، وليس في أقل من زكاة، وكذلك في نقصان المائتي درهم.
قال في موضع آخر: وذلك أن تختلف الموازين فتكون وازنة في ميزان، وناقصة في
الجزء: 4 - الصفحة: 7
آخر الحبة ونحوها، فأما ما تنقص نقصاناً بيَناً في كل ميزان فلا زكاة فيها.
وقال في كتاب ابن المواز: إذا نقصت نقصاناً بيَناً فلا زكاة فيها إلا أن تجوز بجواز الوزانة؟ قال: فيها الزكاة.
وقال ابن حبيب: إذا نقصت العشرون في العدد ديناراً، أو نقصت المائتا درهم درهماً فلا زكاة فيها، وإن لم تنقص في العدد ونقصت في الوزن أقل مما ذكرنا أو أكثر وهى تجوز بجواز الوازنة بالبلد فرادى ففيها الزكاة.
وقا ابن الماجشون: وما جاز من الناس من الفرادى بجواز المجموع فله حكمه
الجزء: 4 - الصفحة: 8
في الزكاة.
قال ابن حبيب: وكذلك من له بهذا البلد فضة وزنها مائتا درهم بهذه الدراهم الفرادى التي تجوز بجواز الوزانة فليزكها ربع عشرها، وكذلك الذهب، وما لا يجوز بجواز الوازنة فحكمه حكم تِبْره.
م: وما في المختصر أشبه بالحديث، وهذا أحوط للزكاة، وبيان ذلك: أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ((ليس فيما دون مائتي درهم زكاة))، فقد نفى أن يكون في أقلّ من ذلك زكاة، فإذا نقصت نقصاناً كثيراً فليست بمائتي درهم في الحقيقة، وأما إذا نقصت نقصاناً يسيراً في بعض الموازين، وكانت في غيره وازنة وجبت زكاتها؛ لأن من أصلنا الاحتياط، وأيضاً فإن بعض الموازين أثبتت زكاتها، وبعضها نفى، فالمصير إلى الذي أثبت أولى إذْ ليس في الحديث أن تكون وزانة في كل الموازين، وهذا كشهادة أثبتت حقاً وشهادة تنفيه أنَ المصير إلى الذي أثبتت أولى، كشاهدين شهدا أن قيمة هذا العَرض في السرقة ثلاثة دراهم، وشهد شاهدان أنّ قيمته درهمان أن القطع واجب، فكذلك هذا.
ووجه ما في كتاب ابن الموَاز، وغيره أنها وإن نقصت كثيراً وكانت تجوز بجواز الوزانة، فقد صار لها حكم الوازنة في الاسم والمنفعة، وهو المراد من المال، فوجب زكاتها حوطة للزكاة، ألا ترى أنهم قالوا: لا يجوز التفاضل في خبز الأرز بخبز الحنطة
الجزء: 4 - الصفحة: 9
لاجتماعهما في الاسم وتقاربهما/ في المنفعة، وجعلوا حكمهما واحداً وإن كان أصلهما مختلفاً يجوز فيه التفاضل فالدراهم أحرى أن يكون حكمها واحداً إذ أصلها واحد وجمعها الاسم والنفع، وبالله التوفيق.
[فصل 5 - ما زاد على النصاب أخذ منه بحسابه]
ومن المدونة: قال مالك: وما زاد على مائتي درهم أو عشرين ديناراً مما قلّ أو كثر أخذ منه ربع عشره.
وقاله علي بن أبي طالب رضي الله عنه.
م: ابن الجهم: وقاله ابن عمر أيضاً مع ما يمكن من لفظ الحديث أن النبي صلى الله عليه وسلم قاله.
الجزء: 4 - الصفحة: 10
[فصل 6 - يضم الذهب إلى الفضة في الزكاة]
قال مالك: ويجمع بين الذهب والفضة في الزكاة كما يجمع في زكاة الماشية الضأن إلى المعز، والجواميس إلى البقر، إلى الإبل العراب.
وقال الشافعي: لا يجمع بين الذهب والفضة.
ودليلنا قوله صلى الله عليه وسلم: ((في الرقة ربع العشر))
الجزء: 4 - الصفحة: 11
فعم، ولأنهما متفقان في المقصود منهما في أنهما أصلان للأثمان وقيم المتلفات، فوجب جمعهما كما تجمع الضأن إلى المعز، والجواميس إلى البقر، والبخت إلى الإبل العراب لتقارب بعضها من بعض، ولا خلاف بيننا في هذا.
ومن المدونة: قال مالك: ومضى أن صرف دينار الزكاة عشرة دراهم؛ لقول النبي صلى الله عليه وسلم: ((ليس في أقلّ من مائتي درهم زكاة، وفي المائتي درهم خمسة دراهم، وفي العشرين ديناراً نصف دينار))، فقرن العشرين ديناراً بالمائتي درهم، فعلم أن الدينار بعشرة دراهم، وذلك سنّة ماضية.
قال مالك: فمن له مائة درهم وعشرة دنانير، أوله مائة درهم، وعشرة دراهم، وتسعة دنانير فعليه الزكاة، ويخرج ربع عشر كل صنف منهما، قال: ولا تقام الدنانير بالدراهم.
قال مالك: ومن كان له دنانير مكسورة وتبر، وزن جميع ذلك عشرون ديناراً
الجزء: 4 - الصفحة: 12
زكى، ويخرج ربع عشر كل صنف، وكذلك الدّراهم والتبر.
قال: وله أن يخرج في زكاة الدنانير دراهم بقيمتها، ويخرج عن الورق ذهباً بقيمته، وكذلك في المختصر، وكتاب ابن المواز عن مالك، قال ابن المواز: بقيمته قلّت أو كثرت، وقال ابن حبيب: ما لم تنقص قيمة الدينار من عشرة دراهم فلا ينقص منها، فإن زاد أخرج القيمة الزائدة.
قال أبو محمد: قول ابن المواز أصوب.
قال عبد الوهاب: وقيل يخرج بالتعديل على حساب المثقال بعشرة دراهم.
قال: فوجه رواية ابن المواز؛ فلأن ذلك معاوضة في حق فكانت بالقيمة كسائر المعاوضات، ووجه قول ابن المواز؛ فلأن ذلك معاوضة في حق فكانت بالقيمة كسائر المعاوضات، ووجه قول ابن حبيب أن الأصل إخراج النوع من نوعه وإنما سمومح أن يخرج أحدها عن الآخر فيجب ألا يدخل الضرر على المساكين بنقصانه عن القيمة الشرعية، ووجه الثالثة أن الإخراج في هذه المواضع فرع لأصل الضم بالتعديل إن
الجزء: 4 - الصفحة: 13
عدل الدينار بعشرة دراهم، والعشرة دراهم بدينار، فكذلك الإخراج، والله أعلم.
قال ابن عبدوس: قال سحنون: وخروجه عن الذهب ورقاً أجوز من خروجه عن الدراهم ذهباً؛ لأنه قد يرى في الدينار تفرقته على جماعة فيصرفه على ذلك، قال عنه ابنه: فإن وجد في الدراهم رديئاً ولم يجد الذي صرفه منه فعلى المزكي أن يبدله للمساكين.
قال ابن مزين: كره ابن القاسم،
الجزء: 4 - الصفحة: 14
وابن كنانه أن يخرج دنانير عن دراهم، قال ابن القاسم: إلا أن يعطي المديان ديناراً يؤديه في دينه، ويعلم أن ذلك نظر للمديان فلا بأس به.
قال ابن المواز: وإن أراد أن يخرج عن الفضة الرديئة قيمتها دراهم جياداً فلا يجزئه؛ لأنه يخرج أقل من الوزن الذي وجب عليه، ولكن يخرج منها / بعينها أو قيمة ذلك من الذهب الجيد، وكذلك في الذهب الردئ إنما يخرج منه بعينه وإلا فقيمة ذلك من الدراهم الجياد.
الجزء: 4 - الصفحة: 15
[الباب الثاني]
في زكاة ربح النّقد، والنسيئة ومن اشترى ببعض ماله وأنفق البعض
[فصل 1 - يًضم الربح إلى أَصْل المال في تكميل النصاب]
قال ابن القاسم: من كانت عنده عشرة دنانير فتجر فيها فصارت بربحها عشرين ديناراً قبل الحول بيوم فليزكها لتمام الحول؛ لأن ربح المال منه، وحوله حول أصله كان الأصل نصاباً أم لا، كولادة الماشية.
قال ابن المواز: قال ابن وهب عن مالك فيمن بيده مائة دينار فاشترى بها سلعة ثمّ باعها قبل أن ينقد ثمنها فربح ثلاثين ديناراً وقد حال على مائته الحول أنه يزكي الربح مع المائة التي كانت بيده، ولو لم تكن بيده تلك المائة كان ربحه فائدة.
وقال عنه أشهب في الذي عنده المائة يزكي الآن مائة ويأتنف بالربح حولاً من يوم ربحه وصار له إن كان فيه الزكاة.
قال ابن المواز: وأحب إلى أن يكون حول الربح من يوم ادّان واشترى.
قا ابن القاسم: والى هذا رجع مالك أن حول الربح من يوم ادان الأصل؛ لأن ثمنها في ذمته، والمائة التي في يديه لم تصل إلى البائع، ولا ضمنها، ونيته أن ينقدها في غد أو إلى شهر سواء، ولا ينبغي أن يشترط أن ينقدها بعينها لأنه ضامن لها.
الجزء: 4 - الصفحة: 16
م: يريد فالربح ليس للمائة فيزكيه لحولها وإنما هذا اشترى سلعة بدين في ذمته فإذا حلّ حول المائة جعل ما يقابل المائة من السلعة في دينه إن لم يكن له مال غير ذلك وزكى مائة، فإذا باع السلعة بعد حول من يوم الشراء زكى الربح مكانه ولم يزك ما قابل المائة الذي كان جعله في دينه إلا أن يكون مضى حول من يوم زكى المائة فيزكي بقيتها مع الربح، وإن باع قبل الحول من يوم الشراء تربّص بالربح تمام الحول من يوم الشراء فيزكيه حينئذ.
م: واستحب محمد في باب المديان أن يزكي الربح على حول مائته إذا كان اشتراؤه للسلعة على أن ينقد مالها فيها.
ومن المدونة قال ابن القاسم: وإذا مضى لعشرة دنانير عنده حول فاشترى منها سلعة بخمسة، ثم أنفق الخمسة الباقية، ثم باع السلعة بعد ذلك بأيام أو سنة أو سنتين بخمسة عشر، فإنه يزكي عن عشرين، وهو كمن أقرض رجلاً عشرين ديناراً، ثم اقتضى منها خمسة بعد ستة أشهر، ثم اقتضى الخمسة عشر الباقية بعد ذلك فإنه يزكي حينئذ نصف دينار، قال: ولو أنفق الخمسة قبل شراء السلعة، ثم اشتراها بالخمسة الباقية فباعها بخمسة عشر فلا زكاة عليه حتى يبيعها بعشرين.
سحنون: وقال غيره: عليه الزكاة أنفق قبل الشراء أو بعده؛ لأنه مال واحد وأصل واحد على جميعه الحول، ولو لم يتم حول العشرة حتى اشترى منها سلعة ثم باعها فلا يزكي حتى يبيع بعشرين، كانت النفقة قبل الشراء، أو بعده؛ لأن ما أنفق قبل الحول لا يحسب، فكما لا يحسب ما أنفق قبل الحول فكذلك لا يترك أن يحسب ما أنفق بعد الحول في الشراء أو بعده.
الجزء: 4 - الصفحة: 17
قال أبو محمد: أراه المغيره: وكذلك يقول ابن حبيب
وأشهب لا يوجبها أنفق قبل الشراء أو بعده حتى يبيع بعشرين.
م: وجرى ابن القاسم، وأشهب في هذه المسئلة على اختلاف روايتهما عن مالك في المسئلة المتقدمة في الذي عنده مائة فابتاع بها سلعة، ثمّ باعها قبل أن ينقد ثمنها فربح ثلاثين، ففي رواية ابن القاسم رأى أن الربح كان ما ملكه من يوم الشراء، فجعل الحول منه، وكذلك جعل في هذه المسئلة أن الربح كان مالكاً له من يوم الشراء وإنما البيع كشفه، فلذلك زكى إذا باع بخمسة عشر؛ /لأنه كان بيده خمسة مع هذه الخمسة عشر.
وفي رواية أشهب في تلك رأى أن حول الربح من يوم ربحه، فكذلك رأى في هذه ألا زكاة عليه حتى يبيع بعشرين؛ لأنه يوم الربح ملكه وقد أنفق الخمسة قبل الربح، فكل واحد قاس على روايته عن مالك.
قال ابن المواز: ومن أفاد عشرة دنانير فأسلف منها خمسة، ثم اشترى بخمسة منها سلعة فباعها للحول بخمسة عشر فأنفقها ثمّ اقتضى الخمسة، فقال ابن القاسم، وأشهب: يزكي الآن عشرين من هذه الخمسة.
الجزء: 4 - الصفحة: 18
ومن المدونة قال مالك: ومن له عشرة دنانير فباعها بعد الحول بمائتي درهم زكّاها ساعتئذ، كمن باع ثلاثين ضائنة بعد الحول وقبل مجئ الساعي بأربعين من المعز، أو باع عشرين جموساً بثلاثين من البقر، أو باع أربعة من البخت بخمسة من الإبل العراب، فإن الساعي يأخذ منها الزكاة إذا قدم.
الجزء: 4 - الصفحة: 19
[الباب الثالث]
فيمن حل زكاة ماله فلم يزكه حتى ابتاع به سلعة، أو ضاع
قال مالك: وإذا تم حول عشرين ديناراً عنده فلم يزكها حتى ابتاع بها سلعة فباعها لتمام حول ثان بأربعين زكى للعام الأول نصف دينار، وزكى تسعة وثلاثين ونصفاً لعامه هذا، قال ابن القاسم: إلاّ أنْ يكون عنده عرض يسوى نصف دينار، فيزكى عن عامه هذا أربعين.
قال مالك: ولو باعها قبل تمام حول ثان ٍ بثلاثين زكّى نصف دينار عن السنة الأولى ثم استقبل بتسعة وعشرين ونصف حولاً من يوم حل حول العشرين.
ابن المواز: وقال ابن عبد الحكم عن مالك: يزكي العشرين ديناراً نصف دينار عن السنة الأولى، ثم يستقبل بالربح حولاً من يوم ربحه، ورواه أشهب عن مالك أيضاً أنه يستقبل بالربح حولاً من يوم ربحه.
الجزء: 4 - الصفحة: 20
قال أشهب: ولست أرى ذلك، ولكني أرى أن يزكي هذا الربح على حول العشرين الأولى؛ لأن ربحها منها.
م: يريد: أنه يزكيه لتمام حول من يوم حل حول العشرين كقول ابن القاسم.
قال ابن المواز: وهذا هو أصل قول مالك الذي عليه أصحابه.
ومن المدونة قال مالك: ومن اشترى بمال حل حوله قبل أن يزكيه خادماً فماتت فعليه زكاته.
قال: وكذلك لو حلّ حول المال بيده ففرّط في إخراج زكاته حتى ضاع فإنه يضمن زكاته، وإن لم يفرط حتى ضاع كلّه أو بقي منه تسعة عشر ديناراً فلا زكاة عليه.
م: وقال ابن الجهم يزكي التسعة عشر فيخرج ربع عشرها؛ لأنه لما حال حول ماله وجب للمساكين ربع عشره، فما ضاع فمنه ومنهم، وما بقي فبينه وبينهم كالشركاء.
م: وهذا هو القياس.
ووجه قول مالك: أنه لما كان له أن يعطيهم زكاته من غيره لم يتعين حقَهم فيه، ولما ضاع بغير تفريط فقد ضاع قبل إمكان إخراج زكاته فهو كضياعه قبل حوله، فلذلك لم يجب عليه زكاة ما بقي.
الجزء: 4 - الصفحة: 21
م: ومن كتاب ابن المواز قال مالك: ومن أخرج زكاته بعد محلها بأيام يسيرة فهلكت فإنه يضمنها.
قال ابن المواز: وأما لو أخرجها بعد الحول بيوم وشبهه فتلفت فأرجو أن لا يكون عليه غيرها.
قال مالك: ولو أخرجها ايضاً قبل الحول بأيام يسيرة فتلفت فإنه يضمنها، قال ابن المواز: ما لم تكن قبله بيوم أو يومين وفي وقت لو أخرجها فيه لأجزأته.
م: يريد: فغنها تجزئه، ولا يكون عليه غيرهاـ، وأما إن كان/ قبل الحول بأيام فإنه يزكي ما بقي لا ما تلف.
قال مالك: ولو أخرج زكاته حين وجبت ليبعث بها لمن يفرقها فسرقت، أو بعث بها فسقطت لأجزأته.
م: لأن المال لو هلك بعد تمام الحول وإمكان الأداء لم يلزمه شئ، فهلاك الزكاة بعد إخراجها من غير تفريط في وصولها إلى الفقراء كتلفها مع جملة المال.
قال ابن القاسم: ثم إن وجدها بعد أن تلف ماله وعليه دين فلينقدها عن زكاته ولا شئ لأهل الدين فيها، وكذلك في العتبية عن ابن القاسم.
م: لأنه لما كان ضياعها من المساكين وجب أن تكون لهم إذا جدت؛ لأن من كان منه التوى كان له النماء.
الجزء: 4 - الصفحة: 22
قال ابن نافع في المجموعة: ولو بعث بصدقة حرثه أو ماشيته مع رسول لضمن إذ الشأن فيها مجئ المصدق.
وقال عن مالك: فأما لو أخرج زكاة العين من صندوقه فوضعها في ناحية بيته فذهبت فهو ضامن؛ لأنه لم يخرجها ما كانت في بيته، وليست كالماشية، تلك لا تزكى حتى يأتيها المصدق، وأما العين فحين يحل يخرج زكاته.
قال أبو محمد: أراه يعني يزكي ما بقي إن كان ممن يدفعها إلى الإمام، فليس ذلك بإخراج حتى يرسلها أو يخرج بها، ولو كان هو يلي إخراجها لم يضمن شيئاً لإذا كان عند محلها.
الجزء: 4 - الصفحة: 23
[الباب الرابع]
في زكاة الحلي، وحلية السيف، والمصحف والخاتم، والأواني
روى مالك أن عائشة رضي الله عنها كانت تلي بنات أخيها ولهن حلي فلا تخرج منه زكاة.
روى أشهب، وابن وهب أن جابر ابن عبد الله، وأنس بن مالك،
الجزء: 4 - الصفحة: 24
وابن مسعود، وسعيد بن المسيب، والقاسم، وربيعة، ويحيى بن سعيد قالوا: ليس في الحلي زكاة إذا كان يعار ويلبس وينتفع به.
الجزء: 4 - الصفحة: 25
قال القاسم، وغيره: ما رأيت أحداً صدقه.
قال ابن مهدي: قال سعيد، والحسن، عمر بن عبد العزيز: زكاة الحلي أن يعار ويلبس.
وقال ابن عمر: إن كان يوضع كنزاً ففي كل مالٍ يوضع كنزاً الزكاة، وإن كان تلبسه المرأة فلا زكاة فيه، ونحوه عن ابن المسيب.
الجزء: 4 - الصفحة: 26
قال مالك: ولا زكاة فيما اتخذه النساء من الحلي ليلبسنه، او ليكرينه، ولا فيما اتخذ الرجل منه للباس أهله، وخدمه، والأصل له، ولا فيما انكسر منه فحبس لإصلاحه.
م: يريد: إذا انكسر كسراً يصلح، فأما لو تهشم حتى لا يستطاع إصلاحه إلا أن يسبك ويبتدأ عمله فهذا يزكى إذا حال عليه الحول بعد كسره؛ لأنه كالتبر، قاله بعض أصحابنا.
قال مالك في كتاب ابن المواز: وإن نوى أن يصلحه ليصدقه امرأته فليزكه.
وقال أشهب: لا يزكيه، وأنكره محمد.
قال ابن حبيب: وما اكتسب الرجل من الحلي يرصد به امرأة يتزوجها أو جارية يبتاعها فتعذّر عليه ذلك حتى حال عليه الحول فقال أشهب وأصبغ: لا يزكيه؛ لأن الحلي لا زكاة فيه على حال إلا أن يتخذه للتجارة، أو لينفق من صاحبه إذا احتاج إليه.
وقال ابن القاسم، وابن عبد الحكم، والمدنيون من أصحاب مالك: يزكيه، به أقول؛ لأنه ليس من لباسه، ولا صار إلى ما أمل منه.
الجزء: 4 - الصفحة: 27
قال: ولو اتخذت إمرأة حلياً عدة لابنة لها إن حدثت لم يكن عليها فيه زكاة؛ لأنها ممن يجوز لها اتخاذه ولباسه إن شاءت.
قال: ولو اتخذته لا للباس، ولا للكراء، ولا للعارية لكن عدة للدهر إذا احتاجت إلى شئ باعته فعليها زكاته، ولو اتخذته أولاً للباس، فلما كبرت نوت فيه إذا احتاجت إلى شئ باعته أنفقته فقد قيل: لا تزكيه إلا أن تكسره، وأنا أرى عليها زكاته احتياطاً.
[فصل 1 - في زكاة حلية السيف والمصحف]
ومن المدونة قال مالك: ليس في حلية السيف، والمصحف، والخاتم زكاة.
م: لأنه مما أبيح اتخاذه كالحلي للنساء.
ابن المواز: روى أشهب عن مالك فيمن اشترى سيفاً محلى في حليته ما تجب فيه الزكاة وربما كان كثير الفضة يكون نصله تبعاً لفضته اشتراه للتجارة فقال: لا يزكيه غير المدير حتى يبيعه فيزكي ثمنه زكاة واحدة، قيل له: وإن كان الذهب جلّ ذلك وأكثره؟ فقال: لا أبالى لا يزكي ذلك حتي يبيعه، قال: وأما المدير فيزكي قيمته في الإدارة.
م: وروى عنه ابن القاسم: إن كان اشتراه للقنية فلا زكاة في حليته قلت أو كثرت، وكذلك المصحف والخاتم كالحي إذا اشتراه للقنية.
الجزء: 4 - الصفحة: 28
م: يريد لأهله.
قال: وإن كان اشتراه للتجارة فإنه يزكي وزن ما فيه من ذهب أو فضة.
م: يريد تحريّاً وإن كان تبعاً للنصل.
وإن كان فيه جوهر لم يزك الجوهر حتى يبيعه وكذلك المصحف، يريد: في غير المدير.
وروى ابن عبد الحكم عن ابن القاسم عن مالك: إن كان ما في المصحف والسيف تبعاً له فلا زكاة فيه.
م: فوجه رواية أشهب، أنه لما كان مرتبطاً بحليته ومباحاً اتخاذه، كان كالحلي المربوط بالحجارة على روايته أيضاً، وأنه كعرض اشتري للتجارة.
وقول ابن القاسم أيضاً جارٍ على روايته في الحليّ المشترى للتجارة، وأته إن لم يستطع نزعه إلا بفساده فيقدر على تحريه، وليس كالعرض، لأنه فضة على الحقيقة فلا يراعى فيه البيع بخلاف العرض.
ووجه رواية ابن عبد الحكم أن الحلية إذا كانت تبعاً فهي معفو عنها، ألا ترى أنها تباع مع النصل بفضة أكثر من وزنها أو أقل، فهما كعرض على الحقيق،
قال ابن حبيب: وإذا حلى لنفسه سيفاً، أو منطقة، وليس ذلك من لباسه، ولكنه أعدة للعارية، أو ليرصد به لداً فلا زكاة عليه في حليته.
ومن كتاب ابن القرطي: ويزكي ما حلي به المنطقة،
الجزء: 4 - الصفحة: 29
والدرق، وجميع الحراب، بخلاف السيوف.
[فصل: زكاة الذهب والفضة وزنا]
من المدونة: قال مالك: وما وزث الرجل من الحلي فحبسه ينوي به التجارة، أو لعله يحتاج إليه في المستقبل، ولم يحبسه للباس فليزك وزنه لكل عام إن كان فيه ما يزكى أو كان عنده من الذهب والورق ما يتم به الزكاة.
قال مالك: ومن اشترى حلياً للتجارة فيه الذهبُ، والفضةُ، والياقوتُ، والزّبْرجَدُ، واللؤلؤُ، فحال حول وهو عنده وهو غير مدير فلينظر إلى ما فيه من الذهب والفضة فيزكيه، يريد: يزكي وزنه إن استطاع نزعه، أو يتحراه إن لم يستطع، قال: ولا يزكي ما فيه من الحجارة حتى يبيعه فيزكيه حينئذ.
قال: وإن كان مديراً زكى قيمة الحجارة في شهره الذي يقوّم فيه، ويزكي وزن الذهب، والفضة ولا يقومه.
وقد روى ابن القاسم، وعلي، وابن نافع أيضاً إذا اشترى رجل حلياً، أو ورثه
الجزء: 4 - الصفحة: 30
فحبسه للبيع كلما احتاج باع، أو لتجارة، فإن لم يكن مربوطاً بالحجارة فهو كالعين يزكيه كل عام.
وروى أشهب معهم فيمن اشترى حلياً للتجارة وهو مربوط بالحجارة ولا يستطاع نزعه فلا زكاة عليه حتى يبيعه.
قال أشهب، وابن نافع في رويتهما إنه كالعرض/ يشتري للتجارة، فالمدير يزكي 227/ أقيمته في الإدارة، وغير المدير لا يزكيه حتى يبيعه فيزكي ثمنه لعام واحد إذا بلغ ما فيه الزكاة.
م: وفي الأمهات ذكر رواية ابن القاسم ولم يذكر لها جواباً، ثم ذكر رواية أشهب معهم، ثم جاوب عنها، ثم عن رواية ابن القاسم، فيتوهم القارئ أن الجواب الذي يعقب رواية أشهب جواب للجميع، وذلك يؤدي إلى أن الحجارة الموروثة إذا باعها زكى ثمنها، وذلك خلاف أصلهم أجمع، وقد رتبها على ما ينبغي، وجعلت جواب كل رواية عقبها صواب ذلك، فتأمله فإنه خفي، وبالله التوفيق.
قال ابن القاسم: وإن اشترى مدير آنية ذهب أو فضة قيمتها ألف درهم، ووزنها خمسمئة زكى وزنها لا قيمتها وإن كثرت، وقد قال مالك فيمن اشترى حلياً للتجارة ذهباً أو فضة أنه يزكي وزنه لا قيمته.
الجزء: 4 - الصفحة: 31
قال ابن القاسم: ومما يدل على ÷ذا أن لو اشترى إناء مصوغاً وزنه عشرة دنانير، وقيمته بصياغته عشرون ولا مال غيره فتم له عنده حول أنه لا زكاة عليه فيه إلا أن يبيعه بعد الحول بما يجب فيه الزكاة، فيزكيه ساعة يبيعه، وقاله مالك.
م: قال بعض فقهاء القرويين: سألت أبا محمد، وأبا الحسن عن من له حلي وزنه عشرون ديناراً هل يخرج قيمة ربع عشره على أنه مصاغ، أو إنما يلزمه وزن ربع عشرة تبراً أو فضة أو قيمة ربع عشره من الفضة على أنه غير مصاغ؟.
فقالا: بل يخرج ربع عشر قيمته على أنه مصاغ؛ لأن المساكين شركاؤه، ولهم ربع عشره فيأخذون قيمة ذلك قلت أو كثرت.
م: يريد: فضة، كما لو أراد أن يخرج عن عشرين ديناراً ربع عشرها فإنما يخرج قيمة ذلك على ما يساوي في جودة وسكته، ولو أراد أن يخرج مثل وزن ذلك تبراً هو أنقص في القيمة من ربع المسكوك لم يكن له ذلك، وإنما الذي قال مالك:
الجزء: 4 - الصفحة: 32
لا ينظر إلى القيمة إنما إلى الوزن فيما دون العشرين ديناراً؛ لأن أصل زكاة العين وزن، لا القيمة.
م: وهذا قول جيد ولكن ظاهر الكتاب خلافه.
واختلف أبو عمران، وابن الكاتب في زكاة آنية الذهب والفضة، والذي تحصل من أقوالهم أن ابن الكاتب كان يرى أنه إن أخرج ورقاً وهي ذهب أن يخرج القيمة على أنها مصوغة، وإن أخرج ذهبا فيخرج قدر تلك القطعة التي تلزمه لو قطع منها وأخرجها من عينها.
وقال أبو عمران: إنما عليه إذا أخرج عنها ورقاً قدر قيمة تلك القطعة.
م: لأنها تكسر فيه كالتبر.
ووجه الأخرى: فلأن المساكين شركاء في عينها كما قالوا في الحلي.
الجزء: 4 - الصفحة: 33
[الباب الخامس]
في زكاة أموال العبيد والمكاتبين والصبيان والمجانين
روى ابن وهب وغيره أن ابن عمر، وجابر بن عبد الله، وسعيد بن وسعيد بن المسيب، وسليمان بن يسار، وعمر بن عبد العزيز، وغيرهم قالوا: على العبد والمكاتب زكاة.
الجزء: 4 - الصفحة: 34
م: ووجه ذلك: أن الله تعالى قال: ﴿خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ﴾ وهذا مال ليس هو للعبد والمكاتب في الحقيقة ألا ترى أن للسيد انتزاع مال العبد ومنعه من جميع التصرف فيع، ويمنع المكاتب من العتق والهبة والصدقة فكذلك يمنعها من الزكاة.
فإن قيل: فإنهما يكفران بالكسوة والطعام فما الفرق؟
قيل: إنما ذلك بإن السيد ولو أذن له في الزكاة لزكى، وقال لحسن.
فإن قيل: فيجب إذا على السيد زكاته.
قيل: هو اليوم على ملك العبد حتى ينتزع منه، ألا ترى أنه يطأً بملك يمينه وإن جنا أسلم بماله، فهو على ملك العبد إلا أنه ملك غير تام لما فيه للسيد فسقطت الزكاة فيه.
فصل [1 - الرقيق لا تجب الزكاة عليه في شيء من أموال، وإذا عتق وماله في يده فلا زكاة عليه حتى يحول عليه الحول من يوم عتق وهو في يده]
ومن المدونة قال مالك: وليس على عبد أو من فيه بقية رق زكاة في عين ولا حرث ولا ماشية ولا في فيما يدير للتجارة، وليس عليه في شيء من الأشياء زكاة/ ولا على السيد عنه، ولا يؤخذ من عبيد المسلمين أو مكانبيهم إذا تجروا زكاة.
ابن مهدي: وإن مكاتبة مرت على مسروق
الجزء: 4 - الصفحة: 35
بالسلسة فلم يأخذ منها زكاة.
قال سحنون: كان في الزمان الأول يربطون السلسلة فلا يخلفها إلا من ودى زكاة ماله.
قال: وليس على العبيد إذا عتقوا وأموالهم في أيديهم زكاة حتى يحول عليها الحول في أيديهم من يوم عتقوا، قال: وما قبضه السيد من مال عبده فلا زكاة عليه فيه إلا بعد حول من يوم قبضهن قال في كتاب ابن سحنون: كان ماله عيناً أو غنماً أو ثمراً، وكذلك النصراني يسلم، وما كان له من ثمرة مزهية أو زرع قد طاب فلا زكاة فيه ولا في ثمنه وما لم يطب فليزكياه إذا طاب.
قال في كتاب محمد: وإن انتزع ذلك السيد فإن طاب فلا زكاة فيه بحال وإن لم يطب زكاة إذا طاب.
الجزء: 4 - الصفحة: 36
فصل [2 - في وجوب الزكاة في مال الصبي والمجنون]
قال مالك: وتجب الزكاة على الصبيان واليتامى في العين والحرث والماشية وفيما يديرون للتجارة.
قال ابن القاسم: والمجانين عندي بمنزلة الصبيان.
م: وقال أبو حنيفة: ليس على الصبيان والمجانين زكاة مال ولا ماشية.
والدليل على صحة قولنا: قوله تعالى: ﴿خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ﴾، فهو على عمومه، ولأنه حر مسلم تام الملك فأشبه الكبير، ولأن الرسول صلى الله عليه وسلم قال: ((أمرت أن آخذ الصدقة من أغنيائكم فأردها في فقرائكم)) فعم، وقد قال الرسول صلى الله عليه وسلم: ((ااجروا بأموال اليتامي لا تأكلها الزكاة))، وهذا نصر، وقاله عمر، وعلي، وابن عمر، وابن
الجزء: 4 - الصفحة: 37
عباس وغيرهم، وجماعة من التابعين، وكان عنر، وعائشة يليان فيخرجان زكاة أموالهم، فإن قيل: معنى في يتامى بالغين محجور عليهم؛ لأن البالغ يسمى يتيماً كما قال النبي صلى الله عليه وسلم: ((واليتيمة تستأذن في نفسها، وإذنها صماتها)) وذلك بعد البلوغ، قيل: هذا اسم جامع للصغير والبالغ المحجور عليه فهو على عمومه إلا أن يخص بدليل، وأم اليتيمة فقد استخصها بالاستئذان ولا إذن إلا للبالغة.
فإن قيل: فإن الله تعالى قرنها بالصلاة فقال: ﴿وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآَتُوا الزَّكَاةَ﴾ فلا تكون إلا على من تلزمه الصلاة، قيل: إنما جمع بينهما في إيجاب الفرض لا على أن لا تكون الزكاة إلا على من عليه الصلاة ألا ترى أن الحائض والمغمى عليه مخاطبان بالزكاة غير مخاطبين بالصلاة، وأن العبد والمكاتب مخاطبان بالصلاة غير مخاطبين بالزكاة.
الجزء: 4 - الصفحة: 38
فإن قيل: فإن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ((رفع القلم عن ثلاث عن النائم حتى ينتبه، والمجنون حتى يفيق، والصبي حتى يحتلم)) فإذا رفع القلم عنه فقد ارتفعت عنه العبادات، قيل: لا يمنع رفع القلم عنه أخذ الزكاة من ماله، كما لا يمنع أخذها من مال النائم وقد جمع بينهما في الحديث.
وأيضاً فإنا اتفقنا ومن خالفنا أن القلم لا يمنع زكاة حرثه وثماره وأداء زكاة الفطر عنه، فكذلك لا يمنع أخذها من ماله وماشيته، وبالله التوفيق.
الجزء: 4 - الصفحة: 39
[الباب السادس]
في زكاة التجارة في الإدارة وغير الإدارة
[فصل 1 - من له عروض تجارة يترصد بها الأسواق وزيادتها من غير إدارة فلا زكاة فيها حتى تباع]
قال الرسول صلى الله عليه وسلم: ((الزكاة في الحرث، والعين، والماشية)) فلا تجب زكاة عرض حتى يصير عيناً.
قال مالك: وإذا اشترى من لا يدير ماله نوعاً من التجارة أو أنواعاً، مثل أن يشتري الحنطة في زمان الحصاد فيحبسها ينتظر بها الأسواق فبارت عليه وأقامت أحوالا فلا زكاة عليه فبما حتى يبيع، فإذا باع زكى زكاة واحدة.
قال عنه علي: وكذلك من له دين تجب فيه الزكاة فقبضه بعد سنين فليس عليه إلا زكاة واحدة، قال: ولو لزم رب الدين إخراج الزكاة عنه قبل قبضه، وعن العرض قبل بيعه لم يجب عليه أن يخرج في صدقته إلا عرضا أو ديناً، ومن أجل أن السنة أن يخرج صدقة كل مال منه وليس عليه أن يحرج عن شيء غيره، وإنما قال النبي صلى الله عليه وسلم ((الزكاة في العين، والحرث، والماشية) فليس عليه في الدين شيء حتى يقبض، ولا العرض حتى يصير عيناً.
الجزء: 4 - الصفحة: 40
قال ابن القاسم: ومن كانت له دابة للتجارة فاستهلكها رجل فأخذ منه بقيمتها سلعة، فإن نوى بها الاجارة زكى ثمنها ساعة بيعها إن مضى لأصل ثمن الدابة حول من يوم زكاه، وإن نوى بها حين أخذها القنية فلا شيء عليه فيها- وإن باعها 0 حتى يحول على ثمنها حول من يوم باعها، وإن أخذ في قيمة الدابة دنانير أو دراهم زكاها ساعة يقبضها إن مضى للأصل حول، وإن لم يمض له حول فلا يزكيها، ثم إن اشترى بتلك الدنانير سلعة، فإن نوى بها التجارة فهي للتجارة، وإن نوى بها القنية فهي للقنية لا زكاة عليه في ثمنها إن باعها حتى يقبضه ويحول عليه الحول بعد قبضه.
ومن كانت عنده سلعة للتجارة فباعها بعد حول بمئة دينار فليزكها إذا قبضها مكانه، وإن أخذ بالمئة قبل قبضها ثوباً قيمته عشرة دنانير فلا شيء عليه في الثوب حتى يبيعه، فإن باعه بعشرة دنانير فلا شيء عليه إلا أن يكون له مال قد جرت فيه الزكاة وفيه مع هذا ما تجب فيه الزكاة فليزك، فإن باعه بعشرية أخرج نصف دينار.
ومن اشترى عبداً للتجارة، فكاتبه، ثم اقتضى منه مالا ثم عجز فرجع رقيقاً فباعه مكانه فليزك ثمنه، ويرجع إلى أصله للتجارة، وكذلك لو باع عبداً له من رجل ففلس المبتاع فأخذ عبده أو أخذ عبداً من غريمة في دينه فإن ذلك كله يرجع إلى أصله
الجزء: 4 - الصفحة: 41
ويكون للتجارة كما كان، وكذلك من اشترى داراً للتجارة فواجرها سنين ثم باعها فإنها ترجع إلى الأصل وتزكى على التجارة ساعة يبيعها.
فصل [2 - من اكترى أرضاً واشترى طعاماً فزرعه فيها للتجارة، كيف يزكيه؟]
قال: ومن اكترى أرضاً واشترى طعاما ً فزرعه فيها للتجارة فإذا حصد زرعه أخرج زكاته العشر أو نصف العشر، فإنه تم له عنده حول من يوم أدى زكاة خصاده قومه إن كان مديراً وله مال عين سواه، وإن كان غير مدير فلا تقويم عليه حتى يبع، فإذا باع بعد حول من يم أدى زكاته زكى الثمن مكانه، وإن باع قبل تمام حول تربص فإذا تم الحول زكية.
م: يريد: إنه اكترى الأرض للتجارة، واشترى طعاماً للتجارة فزرعه فيها للتجارة، وأنا لو اكترى ليزرع فيها طعاماً لقوته ثم بدى له فزرع فيها للتجارة فإنه إذا أدى زكاة الحب ثم باعه بعد ذلك فإن ثمنه فائدة يستقبل بها حولاً من يوم باعه، وكذلك فرق في كتاب محمد في مسألة من اكترى داراً ثم أكراها من غيره، فقال: إن اكتراها أولا لسكناه ثم أكرها لأمر حدث له فإن غلتها فائدة، وإن اكتراها للتجارة ثم أكراها فما أغل منها مما فيه الزكاة فليزكه لحول من يوم زكى ما اكتراها به؛ لأن هذا متجر، وهذا مثله.
وقال أشهب: لا زكاة عليه في ثمن الطعام ولا في كراء الدار في الوجهين/ ويأتنف به حولاً من يوم قبضه كان مديراً أو غير مدير وغلة ما أكترى للتجارة كغلة ما
الجزء: 4 - الصفحة: 42
اشترى للتجارة.
ومن المدونة: ومن اكترى أرضاً وزرعها لطعامه فحصده وأدى زكاته فأكل منه وفضلت له منه فضلة فباعها فإن ثمنها فائدة، وكذلك إن كانت أرضه وقد ابتاعها للتجارة أو لغير التجارة وزرعها للتجارة أو لغير التجارة فحصد زرعه وأدى زكاته حباً فلا زكاة عليه فيه للإدارة ولا في ثمنه إن باعه حتى يقبض الثمن ويستقبل به حولاً بعد قبضه كغلة النخل والربح.
م: قيل: وكذلك إن اكترى الأرض للتجارة وزرع فيها طعاماً اشتراه للقنية، أو كان قد ورثه، وهو يريد بزرعه في الوجهين التجارة فلا زكاة عليه في ثمنه إن باعه إلا بعد حول من يوم قبضه، بخلاف من زرع طعاماً اشتراه للتجارة؛ لأن ما أصله القنية فلا ينتقل بالنية إلى التجارة، ويستقبل بثمنه حولاً كما ذكرناه.
م: وذكر عن أبي عمران أنه قال: سواء زرع فيها طعاماً اشتراه للقنية أو للتجارة فإنما يراعي أن تكون الأرض مكتراة للتجارة وأن يزرع فيها يريد به التجارة لأن الزريعة مستهلكة فلا حكم لها، قال بعض أصحابنا: والأوصل أصوب.
وإذا أخرجت الأرض دو خمسة أوسق ثم باع ذلك الحب بنصاب من العين
الجزء: 4 - الصفحة: 43
وكان للتجارة زكى الثمن على حوله أصل المال قبل الحرث، ولا يسقط الحول الأول إلا إذا وجد خمسة أوسق فأكثر منها.
[فصل 2 - لا زكاة في عروض القنية، ولو نوي بها التجارة لم تنتقل بمجرد النية].
ومن المدونة: ولا زكاة فيما اشترى من العروض للقنية أو اشترى للتجارة ثم نوى به القنية، وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم: ((ليس على المسلم في عبدع ولا فرسه صدقة)).
قال ابن المواز: وإن اشترى شيئاً للتجارة، ثم نوى به القنية، ثم باعه، قال ابن القاسم: لا شيء عليه، وهو قول مالك/ وقال أشهب: يرجع إلى أصله، ولقد سئل مالك عن الرجل يبتاع الجارية للتجارة، ثم يبدو لع فيحسبها يطأها فتقين عند السنينن ثم يبدو لع فيبعيها فقال: يزكي ثمنها حين يبيعها.
م: فوجه قول ابن القاسم أن الأصل في العروض القنية، والتجارة فرع طارئ عليها فهي ترجع إلى الأصل بالنية دون الفعل، كالمسافر ينوي الإقامة أنه يتم لأن الأصل الإقامة، والسفر فرع طارئ عليها، فكذلك هذا.
الجزء: 4 - الصفحة: 44
ووجه رواية أشهب أن النية دون الفعل لا تقدح فيما تقرر أصله كرفض الوضوء ورفض الصوم، فكذلك هذا؛ ولأن التجارة أصل قائم بنفسه فلا يرجه إلى القنية بالنية أصله القنية.
قال ابن المواز: قال مالك فيمن اشترى للوجهين كمن يبتاع الأمة للوطء والخدمة وإن وجد ثمناً باع فإن ثمنها كالفائدة.
وقال في رواية أشهب: إنه يزكى ثمنها بخلاف ما يشتري للقنية لا ينوي به غير ذلك، وبه أقول.
ووجه قول أشهب: أن القنية والتجارة أصلان، كل واحد قائم بنفسه، منفرد بحكمه، أحدهما يوجب الزكاة، والآخر ينفيها فإذا اجتمعا كان الحكم للذي أوجب الزكاة احتياطاً، كشهادة بينة تثبت حقاً، وشهادة تنفيه، وكقول مالك فيمن تمتع وله أهل بمكة، وأهل ببعض الآفاق أن يهدي احتياطياً فهذا مثله، وبه أقول، وبالله التوفيق.
قال ابن المواز: وما اشتري للغلة ثم باعه بعد حولن فروى ابن القاسم عن مالك أنه يزكي ثمنه، ثم رجع فقال: لا يزكي، وهو كالفائدة، وبه أخذ ابن القاسم.
الجزء: 4 - الصفحة: 45
وأخذ ابن وهب، وابن نافع في المجموعة بقول الأول.
فوجه الأول: أن الشراء للغلة ضرب من التجارة فلما قارنه البيع كان له حكم التجارة.
ووجه الثاني، وهو أصوب: أن الاشتراء للغلة هو معنى من القنية؛ لأن معنى الشراء للقنية إنما هو لوجهين: إما لينتفع بذلك المشرتى بخدمة أو سكني ونحوه، وإما لغلته، فشراؤه للغلة شراء للقنية وبه أقول، وهو مذهب ابن القاسم في المدونة.
فصل [4 - ما يراد به التجارة من العروض، فالزكاة في قيمته]
وقد رأى عمر، وغيره أن المدير يقوم عروضه، وقال عمر لحماس وكان يبيع الجلود والقرون فلا يكاد يجتمع لع ما فيه الزكاة- ((قوم مالك يا حماس وزك)).
الجزء: 4 - الصفحة: 46
قال عبد الوهاب: وروى أبو ذر أن الرسول صلى الله عليه وسلم قال: ((أد زكاة البز))؛ ولأن إسقاط الزكاة عنه ذريعة إلى سقوط الزكاة في أكثر الأمول؛ لأن من خاف أن يؤدي الزكاة ابتاع بالعين عرضاً فسقطت الزكاة عنه.
[فصل 5 - المدير يجعل لنفسه شهراً من السنة يكون حوله فيقوم فيه ما عنده من العروض ويزكي]
ومن المدونة قال مالك: ومن كان مدير ماله في التجارة كلما باع اشترى مثل الجناطين، والزازين، والزياتين، ومثل التجار الذي يجهزون الأمتعة وغيرها إلى البلدان، يريد: ممن لا يضبط أحواله فليجعل لزكاته من السنة شهراً يقوم فيه عروضه التي للتجارة فيزكي ذلك مع ما معه من عين.
قال: وما كان له من دين يرتجي قضاءه زكاة مع ذلك أيضاً، قال مالك/ وإن تأخر قبض وبيع عرضه عاماً أو عامين زكاة أيضاً.
قال سنحون: إن تأخر العرض عامين خرج من حد الإدارة.
الجزء: 4 - الصفحة: 47
ابن مزين: وقاله ابن نافع.
م: فوجه قول مالك/: أنه إذا تأخر بيع عرض المدير عامين أنه يقوم ويزكيه لقول عمر: ((إن المدير يقوم عروضه)) فهو على عمومه؛ ولأنه مدير يبيع بالعين، وغيره، فوجب أن يقوم عروضه وإن أقام عامين أصله العام الواحد.
ووجه قول سحنون: إن معنى الإدارة كثرة المال حتى لا يستطيع أن يضبط أحواله، فأما إذا تأخر هكذا فقد خالف صفة الإدارة وخرج عن حكمها، فلم يجب عليه تقويمه، وقول مالك أبين.
[فصل 6 - المدير هل يقوم دينه ويزكيه؟]
قال مالك: ويقوم المدير الدين من عرض وغيره إن كان يرتجيه، وإن كان لا يرتجيه لم يقومه.
وقال عبد الملك: ما كان له من دين مؤجل فليقومه.
الجزء: 4 - الصفحة: 48
ابن المواز: وقال ابن القاسم: يزكي المدير دينه المرتجي، وهو حال وإن مطل سنين لم يأخذه- ويحسب عدده لا قيمته.
م: صوابه أن الدين المؤجل يزكي قيمته؛ لأنها التي يملك الآن منه، وأم الحال قيزكي عدده؛ لأنه قادر الآن على أخذه فكأنه بيده.
وقاله سحنون في كتاب ابنه.
وقال غيره: حكم الدين المعجل والمؤجل حكم العرض، يقومه المدير، واستحسنه بعض أصحابنا.
وقال ابن حبيب: يزكي المدير عدد دينه حالاً كان أو مؤجلاً إلا ما كان من دين قد يئس من اقتضائه، لعدم أهله فليزك قيمته.
م: وقول مالك أولى أن الدين المؤجل يقوم؛ لأنه الذي يملك منه، ألا ترى أنه لو فلس لباعه عليه الإمام فثمنه كقيمته، وأما مالاً يرجى قضاؤه فلا قيمة له.
وقال المغيرة: لا يزكي المدير ديناً حتى يقبضه فيزكيه لعام واحد.
م: ووجه ذلك/ أن الأصل كان أن لا يقوم دين ولا عرض فخصت السنة أن يقوم المدير العروض، وبقى الدين على أصله.
وقال يحيى بن عمر: إن كان دين المدير قرضاً لم يزكه حتى يقبضه، وقاله ابن
الجزء: 4 - الصفحة: 49
حبيب، وقال: إلا أن يتركه فراراً من الزكاة فليزكيه لكل عام.
م: أما قولهم في الدين القرض فصواب؛ لأنه ليس من مال الإدارة، وأم قول المغيرة: لا يزكي المدير ديناً حتى يقبضه، فقول مالك أول؛ لأن دين المدير مال من مال الإدارة يملكه ويتوصل إلى بيعه فوجبت عليه زكاته أصله العرض.
قال ابن حبيب: وقاله مالك وجميع أصحابه، وبه جاء الأثر عن عمر رضي الله عنه.
م: واختلف في المدير يكون له طعام من سلم فحكي عن الأبياني أنه قال: لا يقومه، قال ابن عبد الرحمن يقومه، وليس تقويمه بيعاً له، وأنكر قول الأبياني،
الجزء: 4 - الصفحة: 50
وذكر عن أبي عمران أنه قال- على قول من يقول يقوم الدين ويزكيه-: لا زكاة عليه في هذا الطعام؛ لأنه لا يقدر على بيعه.
وعلى قول من يقول- يزكي عدد الدين-: فإنه يزكي قيمة هذا الطعام.
م: والصواب تقويمه كما قال ابن عبد الرحمن.
قال ابن القاسم: ولا يقوم المدير كتابة مكاتبة كما لا يقوم رقبة عبده الذي أخدمه.
م: أما كتابة المكاتب فهي فائدة- وإن قبضت- كالغلة والخراج فلذلك لم يقومها المدير.
وأما المخدم فملكه غير متقرر له إذ قد ترجع إليه رقبته أو يهلك قبل ذلك فلا يزكي عن ما يملكه ملكًا غير متقرر كمال العبد الذي يملكه ملكًا غير متقرر له.
وهو الصواب إن شاء الله عز وجل.
[فصل 7 - المدير يقوم الحائط إذا اشتراه للتجارة]
ومن المدونة قال مالك: ويقوم المدير الحائط إذا اشتراه للتجارة، قال ابن القاسم: ولا يقوم الثمرة مع ما يقوم، لإن فيها زكاة الخرص؛ ولأنها غلة كخراج الدار وكسب العبد وإن اشترى رقابها للتجارة، وبمنزلة غلة الغنم ما يكون من صوفها ولبنها وسمنها وإن كان رقابها للتجارة أو للقنية.
الجزء: 4 - الصفحة: 51
وإن كان في الحائط ثمار غير مأبورة أو مأبورة قومت مع الأصل وإن طابت وفيها دون خمسة أو سق أو كانت ثمرة لا تزكى جرت على القولين، فمن قال إنها لا تكون غلة بالطيب قومت مع الأصل، ومن قال إنها بالطيب غلة لم تقوم مع الأصل إلا على مذهب من قال غلات ما اشترى للتجارة تزكى مع الأصل.
[فصل 8 - في المدير يحول عليه الحول وليس عنده في الناض شيء، وقد كان نض له شيء في وسط السنة أو في طرفيها]
قال: وإذا نض للمدير شيء في وسط السنة أو في طرفيها إلا أنه لما تم الحول لم يكن عنده من الناض شيء، وكان جميع ما بيده عروضًا فليقومها لتمام الحول ويزكي؛ لأن هذا كان يبيع بالعين والعرض، وقال ابن نافع عن مالك: ويبيع عرضًا منها ويقسمه في الزكاة أو يخرج عرضًا بقيمته إلى أهلها من أي صنف شاء من عروضه.
وقال سحنون: بل يبيع من عروضه ويخرج عينًا.
الجزء: 4 - الصفحة: 52
[فصل 9 - لو باع العروض بعضها ببعض ولم تنض له عين أصلاً، هل يجب عليه التقويم؟]
قال مالك في المدونة: وإذا تم حول ولم ينض له في سائره عين وإنما كان يبيع العرض بالعرض فلا تقويم عليه ولا زكاة، ثم إن نض له بعد ذلك ولو درهم واحد قوم وزكى وكان من يومئذ حوله وألغى الوقت الأول.
قال ابن مزين: هذا قول ابن القاسم، وغيره.
وقال أشهب: لا يقوم شيئًا حتى يمضي له حول من يوم باع بذلك العين، لأنه من يومئذ دخل في حال المدير.
وقال ابن حبيب في الذي يدير العرض بالعرض السنة كلها لا ينض له شيء فإنه يقوم ويزكي كمن ينض له مال، وقاله مطرف، وابن الماجشون عن مالك.
قال: والذي قال ابن القاسم من خلاف هذا انفرد به.
م: فوجه رواية ابن القاسم: أن السنة إنما كانت فيمن يبيع بالعين والعرض فلا يعدى بها بابها.
الجزء: 4 - الصفحة: 53
ووجه رواية ابن حبيب: أن العلة في إلزام المدير التقويم خوف الذريعة إلى إسقاط الزكاة، والذي يبيع العرض بالعرض داخل في ذلك وتلحقه التهمة إلى تعمد ذلك لإسقاط الزكاة فوجب أن يقوم ويزكي، وهذا أقيس الأقوال، ولا وجه لرواية أشهب.
ومن أقام في يديه مال ناض ستة أشهر، ثم جلس به للإدارة فإنه يبني على قول مالك على الأشهر المتقدمة قبل أن يدير ماله، وليستأنف الحول على قول أشهب من يوم أخذ في الإدارة، والأول أحسن.
ولو بار نصف ما في يدي المدير أو أكثره أو جميعه لم يقومه قولاً واحدًا، فإذا بار أقله قوم عند ابن القاسم احتياطًا للزكاة، ولم يقوم ذلك عند ابن نافع، وسحنون.
[فصل 10 - ما الحكم لو كان بعض المال مدارًا، وبعضه غير مدار]
قال ابن حبيب: وإن كان يدير بعض ماله، ولا يدير بعضه، فإن كان متناصفًا زكى كل مال على حدته، وإن كان أحدهما أكثر بالأمر المتباين فللأقل حكم الأكثر، قاله ابن الماجشون، وغيره.
وقال ابن القاسم في العتبية: إن كان يدير أكثر ماله زكاه كله على الإدارة، وإن أدر أقله زكى المدار فقط كل عام، ولا يزكي الآخر حتى يبيع بعد حول من
الجزء: 4 - الصفحة: 54
يوم زكاه.
وفي المجموعة قال أصبغ: إن أدار نصفه أو ثلثه ونوى في الباقي مثل ذلك زكى جميعه على الإدارة وإن عزم فيما بقي ألا يدخله في الإدارة فلا يزكيه حتى يبيع.
م: وقول ابن الماجشون أعدل، وقول ابن القاسم أحوط، ولا معنى لقول أصبغ.
قال عبد الملك: فإذا كان للمدير عرض ورثه أو اقتناه، فإن باعه بنقد فليستقبل بثمنه حولاً، وإن باعه بدين فقد سلك به مسلكًا من التجارة وليزك ثمنه يوم يقبضه إذا مضى له حول من يوم باعه إلى يوم يقبضه، وقاله المغيرة، وهذا خلاف قول ابن القاسم، وغيره.
الجزء: 4 - الصفحة: 55
قال أبو إسحاق: وهذا على الاختلاف في من كان له عرض للقنية فباعه بعرض للتجارة لأن الدين الذي باعه به كالعرض، وبالله التوفيق.
الجزء: 4 - الصفحة: 56
[الباب السابع]
في زكاة الدين، وحكم ما يقتضي منه، وكيف إن تخلل الاقتضاء فوائد
[فصل 1 - غير المدير لا يزكي الدين إلا بعد قبضه، ولا يزكي العرض إلا بعد بيعه وقبض ثمنه]
قال أبو محمد: ولما جعل الله سبحانه وتعالى زكاة الأموال منها لم تجب زكاة دين قبل قبضه، أو عرض قبل بيعه، حتى يقبض الدين أو ثمن العرض، فيزكيه لعام واحد- وإن خلى له أعوام-؛ لأنه الآن وجبت زكاته منه.
وقال عدد من الصحابة، والتابعين، وهذا في غير المدير.
وأما المدير فيحمل عروضه ودينه كعين ناض كله؛ لأنه لا يصل إلى نضوضه مرة، وهو ينض شيئًا بعد شيء، ولا يقدر أن يترقب بما نض منه نضوض بقيته، وهذا أكثر المقدر عليه، وقد قال عمر رضي الله عنه لحماس: قوم عروضك وزكه.
قال عبد الوهاب: وذهب الشافعي إلى أن غير المدير يزكي الدين إذا كان
الجزء: 4 - الصفحة: 57
على مليء.
ودليلنا: أن الله تعالى أوجب زكاة المال منه لا من غيره ولا سبيل إلى ذلك في الدين إلا أن يقبضه؛ ولأن الدية، ومال الجنابة لا زكاة فيهما عنده وإن أقاما سنين، وكذلك الدين على معسر وذلك مال في الذمة، وكذلك سائر الديون.
[فصل 2 - القرض لا يسقط الزكاة في المال إذا وجبت فيه قبل قرضه]
ومن المدونة قال مالك: ومن حال على مائة دينار عنده حول، فلم يزكها حتى أقرضها رجلاً، فأقامت بيده سنين ثم ردها فليزكها ربها لعاملين: زكاة كانت وجبت عليه قبل قرضها، وزكاة بعد قبضها.
[فصل 3 - الدين لا يزكي إلا بعد أن يقتضى منها ما تجب فيه الزكاة]
قال: ومن له دين على رجل من بيع أو قرض مضى له حول، فاقتضى منه مالا زكاة فيه في مرة أو مرار فلا يزكيه حتى يجتمع ما فيه الزكاة فيزكيه يومئذ كله، ثم يزكي قليل ما يقتضي وكثيره.
قال ابن القاسم: وإنما لم يزك إذا اقتضى دون العشرين؛ لأنه لا يدري أيقتضي غيرها أم لا، ولا زكاة في أقل من عشرين دينارًا، ألا ترى أن لو كانت له مائة دينار،
الجزء: 4 - الصفحة: 58
حل حولها فلم يفرط في زكاتها حتى ضاعت إلا تسعة عشر دينارًا، لم يكن عليه زكاة شيء من ذلك فما لم يقبضه من الدين مثل ما ضاع، وما اقتضى مثل ما بقي من هذه المائة.
قال: وإن كان معه عشرون دينارًا لم يتم حولها، وله مائة دينار دين مضى لها حول فلا يزكي العشرين لتمام حول الدين، وكذلك لو قبض من دينه أقل من عشرين لم يزكه؛ لأن العشرين التي كانت معه فائدة من غير الدين لم يتم حولها، فإذا تم حول العشرين زكاها وما كان اقتضى جميعًا، يريد: إذا كان ما اقتضى قائمًا بيده، ولو أتلفه قبل تمام حول العشرين لم يزكه حتى يقبض تمام العشرين فيزكي حينئذ ما كان أتلف، وأما ما اقتضى بعد حول العشرين فإنه يزكيه حين يقبضه.
[فصل 4 - إذا حل حول الفائدة فزكاها، زكى ما يقتضي من دينه قليلاً أو كان كثيراً، تلفت الفائدة أو بقيت]
قال ابن القاسم: ولو لم يقبض من دينه شيئًا حتى زكي العشرين لتمام حولها، ثم تلفت أو بقيت زكى قليل ما يقتضي من دينه وكثيره، ولو تلفت العشرون قبل حولها لم يزك ما يقتضي من دينه حتى تبلغ عشرين دينارًا فيزكيها ثم يزكي قليل ما يقتضي وكثيره أنفق ما زكى أو أبقاه، وحول ما يقتضي من يوم يزكيه.
[فصل 5 - إذا كثر ما يقتضي من دينه واختلط عليه فليرد الآخر إلى ما قبله]
قال مالك في المختصر وكتاب محمد: إلا أن يكثر عليه ما يقتضي ويختلط فيرد الآخر إلى ما قبله، قال مالك في المختصر: وكذلك إذا باع من عرض عنده شيئًا بعد شيء واختلط عليه.
الجزء: 4 - الصفحة: 59
وقاله ابن القاسم وسحنون.
م: يريد: عرضًا عنده للتجارة ثم حوله فما باع منه كالذي يقتضيه من الدين.
[فصل 6 - اختلاط الفوائد هل يرد الأول إلى الآخر أو يرد الآخر إلى الأول]
قال سحنون: وأما في اختلاط الفوائد فليرد الأول إلى الآخر، وقاله مالك في كتاب محمد، وقال ابن حبيب: يرد الآخر إلى الأول في الفوائد والديون، قال أبو محمد: وقول مالك، وسحنون أصح؛ لئلا يؤدي زكاة قبل حولها إذا رد آخر الفوائد إلى الأول، وأما الدين فقد حل حوله إلا أنا لا نعلم أيقتضي أم لا، وقد اختلف في زكاته قبل قبضه، قال ابن المواز: فابن القاسم يقول: لا يجزئه، وأشهب يقول: يجزئه، وهو محسن، وقد اختلف فيه قول ابن عمر، وقال ابن شهاب:
الجزء: 4 - الصفحة: 60
يزكي قبل قبضه.
[فصل 7 - إذا حلت الفائدة فزكاها زكى ما يقتضيه من دينه بعدها]
قال ابن القاسم في المجموعة: ولو اقتضى من دينه عشرة دنانير ثم انفقها قبل حول الفائدة ثم حلت الفائدة فزكاها ثم اقتضى من دينه خمسة دنانير زكاها ولم يزك العشرة الأولى حتى يقبض تمام العشرين بها فيزكيها.
م: ومما ينبني على هذا الأصل أن لو اقتضى من دينه خمسة دنانير فأنفقها، ثم أفاد عشرة دنانير فأنفقها بعد حول ثم اقتضى من دينه أيضًا عشرة فإنه يزكيها مع العشرة الفائدة التي أنفق ولا يزكي الخمسة التي اقتضى أولاً؛ لأنها إنما تضاف إلى العشرة المقتضاه، ولا تضاف إلى العشرة الفائدة بعدها، ثم إن اقتضى خمسة أخرى زكاها مع الخمسة التي اقتضى أولاً؛ لأنه قد اقتضى من دينه بها عشرين، ولو كان إنما اقتضى من دينه بعد الحول خمسة فأنفقها، ثم أفاد عشرة دنانير فأقامت بيده حولاً، ثم أنفقها، ثم أفاد عشرة ثانية فأقامت بيده حولاً أيضًا ثم أنفقها، ثم اقتضى من دينه خمسة أخرى فلا يزكيها؛ لأنها وإن كانت تجتمع مع الخمسة الأولى ومع كل واحدة من الفائدتين، فالخمسة الأولى والفوائد لا تجتمع واحدة منهن مع الأخرى، وأنت إذا جمعت الخمسة الآخرة مع ما شئت من الخمسة الأولى أو إحدى الفوائد لم يكن فيه ما تجب فيه الزكاة، ولكن لو اقتضيت خمسة أخرى زكيتها مع الخمسة الآخرة والفائدتين جميعًا؛ لأن ما اقتضى بعد الفوائد يضاف إليها، ولا تزكى الخمسة الأولى؛ لأنها لا تنضاف إلا إلى ما
الجزء: 4 - الصفحة: 61
يقتضى من الدين، ثم إن اقتضى خمسة أخرى زكاها مع الخمسة الأولى إذ قد حصل له مما اقتضى من دينه عشرون دينارًا.
م: وقاله حذَّاق أصحاب أبي بكر بن عبد الرحمن القروي، وهو الصواب.
وقال أبو بكر بن عبد الرحمن: إذا اقتضى الخمسة بعد الفوائد زكاها؛ لأنها تنضاف إلى كل واحدة من الفائدتين وهي عشرون، ولا يضر أن الفوائد لا تجتمع، واختاره بعض أصحابنا.
ومن «المدونة»: من أفاد مائة دينار فأقرض منها خمسين أو ابتاع بها سلعة فباعها بدين إلى أجل وبقيت الخمسون الأخرى بيده حتى تمَّ حولها فزكاها ثم أنفقها أو أبقاها فإنه يزكي قليل ما يقتضي من دينه وكثيره، ولو تلفت الخمسون قبل حولها أو أنفقها فلا يزكي ما اقتضى من دينه حتى يتم عشرين دينارًا، وإن بقي معه من الخمسين مالا زكاة فيه حتى تم حوله ثم أنفقه أو أبقاه فإنه إذا اقتضى تمام العشرين زكى عن عشرين، ثم يزكي عن قليل ما يقتضي بعد ذلك وكثيره، ولو اقتضى شيئًا من دينه قبل حوله فأنفقه لم يضف إليه ما يقتضى بعد الحول، ولو تلفت الخمسون الباقية بيده قبل تمام حولها، ثم اقتضى من الخمسين الدين بعد الحول عشرة دنانير لم يزكها، فإن أنفقها ثم اقتضى عشرة أخرى بعدها زكى عن عشرين ثم يزكي عن قليل ما يقتضي وكثيره.
قال ابن المواز: ولو تلفت العشرة الأولى بأمر من الله لم يضف إليها ما يقتضي، كمالٍ وجبت فيه الزكاة ثم هلك بيدك بغير تفريط وبقي منه ما لا زكاة فيه.
الجزء: 4 - الصفحة: 62
م: وكذلك عنده أن لو اقتضى عشرين دينارًا فضاعت قبل زكاتها من غير تفريط لم يضف إليها ما يقتضي.
وقال سحنون في المجموعة: سواء تلفت العشرة الأولى بأمر من الله أو أنفقها فليضف إليها ما يقتضي ويزكي عن عشرين، وقاله ابن القاسم وأشهب.
م: ووجه هذا: أن هذه العشرة المقتضاة إنما لم يزكها خوفًا أن لا يقبض بقية الدين فإذا اقتضى تمام العشرين ارتفعت العلة التي كانت منعت زكاتها فوجب أن يزكيها؛ ولأن ما لم يقبضه من الدين كمال ضاع بعد حوله بغير تفريط لعلة أنه مال حل حوله لا يتوصل إلى زكاته منه، وما اقتضى من الدين مثل ما بقي من المال الذي ضاع بعد حوله، وهو لو وجد من المال الذي ضاع ما يتم به مع ما بقي منه عشرين دينارًا لزكى ما وجد وما كان بقي، وإن تلف بأمر من الله فكذلك يزكي ما كان اقتضى من الدين مع الذي اقتضى الآن وإن كان تلف الأول بأمر من الله، والفرق بين ضياع ما وجبت فيه الزكاة وبين ضياع ما اقتضى أنه لم يختلف ألا زكاة فيما ضاع بعد حوله بغير تفريط؛ لأنه ضاع قبل إمكان زكاته فهو كضياعه قبل حوله، واختلف في زكاة الدين قبل قبضه فإذا قبض منه شيء كان أقوى، فلذلك أضفنا إليه ما يقتضى وإن ضاع بأمر من الله ولم يضف إلى الآخر ما بقي منه، والله أعلم.
قال ابن المواز: ولو اقتضى من دين له حول دينارًا فتجر فيه فصار عشرين دينارًا، ثم اقتضى دينارًا آخر فتجر فيه فصار عشرين دينارًا فليزك إحدى وعشرين دينارًا فقط؛ لأن الزكاة وجبت في الدينار الثاني يوم قبضه فلم يكن في ربحه زكاة، كمن حلت عليه زكاة عشرين دينارًا فلم يزكها حتى تجر فيها فصارت أربعين فإنما يزكى عشرين ثم
الجزء: 4 - الصفحة: 63
يرتقب الحول الثاني.
م: ولو لم يبع ما اشترى بالدينار الأول حتى اقتضى دينارًا ثانيًا فاشترى به أيضًا سلعة ثم باع ما اشترى بالأول بتسعة عشر دينارًا فإنه يزكي عن عشرين: هذه التسعة عشر والدينار الثاني الذي هو في سلعة، ثم إن باع السلعة الثانية لم يزك ربحها إلا لحول من يوم زكى الدينار الثاني وهو يوم زكى الأول وربحه؛ لأن ذلك ربح دينار مزكى، ولو باع الأولى بأقل من تسعة عشر زكى الجميع يوم باع الثانية إن كان في الجميع عشرون دينارًا فأكثر وكان حول ذلك من يوم زكاه، ولو كان إنما باع السلعة الثانية أولاً بتسعة عشر فأكثر زكى حينئذ جميع ثمن الثانية والدينار الأول المقتضى، وهو كمن اقتضى من دينه دينارًا، ثم اقتضى بعد ذلك تسعة عشر دينارًا فأكثر، ثم إذا باع السلعة الأولى زكى الربح لحول من يوم زكى الدينار الأول وهو يوم زكى الثانية وربحها، وقاله أبو بكر بن عبد الرحمن، وقال غيره من أصحابه: بل يقف عن زكاة هذه التسعة عشر حتى يبيع السلعة الأولى، فإن باعها بتسعة عشر فأكثر زكى ذلك مع دينار من ثم السلعة الثانية، وزكى بقية ثمن الثانية لحول من يوم ربحه.
م: كأنه ظن أن هذا جار على قول ابن القاسم، والأول جار على قول أشهب في مسألة الذي أفاد عشرة دنانير وأقامت بيده حولاً، ثم اشترى بخمسة منها سلعة، ثم أنفق الخمسة الباقية، ثم باع السلعة بخمسة عشر، فابن القاسم يرى كأنه ملك الربح يوم الشراء فلذلك قال: يزكي عن عشرين، فيجب على هذا في هذا المسألة أن يقف عن زكاة ثمن السلعة الثانية خوفًا أن يبيع السلعة الأولى بعشرين، وهو عنده إنما ملك الربح يوم الشراء؛ لأن حوله حول أصله فيصير قد زكى ربح دينار مزكى.
الجزء: 4 - الصفحة: 64
وأشهب يرى أنه إنما ملك الربح يوم ربحه، وإنما السلعة قبل البيع كثمنها، فيجب على هذا أن يزكي التسعة عشر ثمن السلعة الثانية مع الدينار الأول؛ لأن الأول إنما هو دينار بعد، فهو كمن اقتضى دينارًا ثم اقتضى دينارًا ثانيًا واشترى به سلعة فباعها بتسعة عشر فأكثر فإنه يزكي ثمنها مع الدينار الأول ويأتنف بربح الدينار الأول حولاً من يوم زكاه.
م: كان ظهر لي أن هذا وجه قوله، ثم ظهر لي بعد ذلك أن هذا القول الثاني غلط، وأن القول ما قاله أبو بكر بن عبد الرحمن، ولا تشبه هذه مسألة المدونة؛ لأن هذه لو تلفت السلعة الأولى قبل بيعها لوجب زكاة ثمن السلعة الثانية والدينار الأول بإجماع، وكذلك لو باعها بأقل من تسعة عشر لزكى الجميع ثمن السلعة الأولى والثانية وكان الحول من يوم باع الثانية بإجماع، فلا يترك أمرًا واجبًا لأمر يكون أو لا يكون، وفي مسألة المدونة لو تلفت السلعة قبل بيعها لم يزك الخمسة التي لم يشتر بها وإن كانت بيده، وكذلك لو باعها بأقل من خمسة عشر، فبان افتراقهما، والله أعلم.
[فصل 8 - الدين يزكي لعام واحد بعد قبضه سواء كان على مليء أو على مفلس]
ومن المدونة ومن له دين على ملي يقدر على أخذه منه أو على مفلس لا يقدر على أخذه منه فأخذه بعد أعوام فإنما عليه زكاة عام واحد، ولو توى الدين الذي على الغريم وقد حال عليه أحوال لم يكن على ربه فيه زكاة، وإن أراد رجل أن يتطوع بإخراج زكاة عن دين قبل قبضه أو عن عرض قبل بيعه وقد مضى لهما حول فلا يفعل وليتطوع في غير هذا، فإن فعل لم يجزه، يعني غير المدير، وقد تقدم أن أشهب يرى أنه
الجزء: 4 - الصفحة: 65
إن زكى الدين قبل قبضه فإنه يجزئه، لما روي من اختلاف قول ابن عمر فيه، وقول ابن شهاب: يزكى الدين قبل قبضه، قال أشهب: وإن كنت لا آمره به فإذا فعل رأيته محسنًا وأجزأ ذلك عنه؛ وإنما لم آمره به خوفًا أن يتلف قبل قبضه فيكون قد أدى عن ما لا يلزمه، ولو كنا من قبضه على ثقة لا شك فيه لرأيت ذلك عليه، وعلى قوله إذا قبضه بعد حولين أن يزكيه لعامين لأنه يقبضه سلم مما كان خاف منه.
الجزء: 4 - الصفحة: 66
[الباب الثامن]
في زكاة الفوائد وأحوالها وما يضم منها ونماها
روي أن الرسول صلى الله عليه وسلم قال: ((لا زكاة في مال حتى يحول عليه الحول))، وروى ابن وهب أن عثمان، وعليًا، وعائشة، وابن عمر، وغيرهم قالوا: ليس في المال المستفاد زكاة حتى يحول عليه الحول، ورواه ابن مهدي أيضًا عن علي، وابن عمر، وعائشة.
[فصل 1 - الفوائد إذا تعددت، فإن كانت الأولى ناقصة عن النصاب فإنها تضم للثانية]
قال مالك: ومن أفاد خمسة دنانير ثم أفاد قبل تمام حولها بيوم من غير ربحها ما فيه الزكاة أو ما يكون مع الأول فيه الزكاة فلا زكاة عليه لتمام حول الأولى؛ لأنه ليس من ربحها ويستقبل بالجميع حولاً من يوم أفاد آخر الفائدتين فإذا تم الحول جمع الفائدتين فزكاهما حينئذ جميعًا.
[فصل 2 - إن كان المال الأول فيه الزكاة فلكل ما أفيد بعده حول مؤتنف]
وإن كان الأول فيه الزكاة، والثاني مما فيه الزكاة أم لا فكل مال على حوله ما دام
الجزء: 4 - الصفحة: 67
في جملتهما ما فيه الزكاة، فإن رجعا إلى ما لا زكاة فيه -إذا جمعا- بطل وقتاهما ورجعا كمال واحد.
ثم إن أفاد من غيرهما ما يتم به معهما ما فيه الزكاة استقبل بالجميع حولاً من يوم أفاد المال الثالث.
قال: ولو تجر في بقية المال الأول، أو الآخر، أو فيهما، فصارتا فيهما- مع ما ربح فيهما أو في أحدهما- قدر ما تجب فيه الزكاة فأكثر، إذا جمع، رجع كل مال على حوله، قال ابن المواز: وذلك قبل تمام حول الأول والثاني من آخر يوم زكاه فإنه يرجع كل مال على حوله.
قال ابن القاسم في كتاب ابن المواز: وأما إن جمعهما حول بعد نقصهما عما فيه الزكاة فإنهما كمال واحد حولهما حول آخرهما، قال أبو محمد: يعني أنهما بقيا بهذا النقض من وقت حل حول الأولى إلى أن أتى حول الثانية وهما ناقصان، فيصير حولهما بعد ذلك واحدًا إن حدث فيهما نماء بعد ذلك.
قال ابن القاسم: ولو حل حول الأولى وهما ناقصان، فلم يزك شيئًا حتى مضى شهران أو ثلاثة، وذلك قبل حلول حول الثانية، ثم ربح في إحداهما ما رجعا به إلى عدد تجب فيه الزكاة زكى الأولى وربحها حينئذ، إن كان الربح فيها، وصار يومئذ حولها، وبقي حول الثانية بحاله إذا حل زكاها عليه، وزكى ربحها معها إن كان الربح
الجزء: 4 - الصفحة: 68
فيها خاصة، وإن كان إنما ربح فيهما جميعًا فضضت الربح بينهما على قدرهما، وزكيت الأولى وربحها يوم الربح، وأبقيت الثانية وربحها، فإذا حل حولها زكيتها مع ما يخصها من الربح، ولو كان إنما حل حول الأولى، وفيهما ما تجب فيه الزكاة فزكاهما فنقصا عما فيه الزكاة فحل حول الثانية وهما حينئذ ناقصان فلم يزك شيئًا ثم رجعتا قبل حول الأولى إلى ما فيه الزكاة فإنه يصير يومئذ حول الثانية ويبقى حول الأولى على حاله ويصنع في الربح كما وصفنا.
ومن المجموعة قال ابن القاسم: ومن أفاد عشرين دينارًا، ثم بعد شهر أفاد عشرة دنانير، ثم بعد شهر ثان أفاد عشرة دنانير، فزكى العشرين لتمام حولها، ثم أنفقها، فليضم حول الثانية إلى حول الثالثة فإذا حل زكاهما إن بلغا ما فيه الزكاة، ولو بقي من الأولى التي زكاها خمسة، والثانية عشرة، والثالثة خمسة فليزك الثانية مع الثالثة لحول الثالثة وهما خمسة عشر لأن بيده خمسة أخرى بقية المال الأول فصار معه عشرو، ولا يزكي الخمسة بقية المال الأول إذ لا يزكى مال في حول مرتين.
قال أبو محمد: إذا كانت الأولى عشرين، والثانية والثالثة عشرة عشرة فزكى الأولى لحولها ثم رجعت إلى خمسة قبل حول الثانية ثم جاء حول الثانية فلا يزكيها حتى يبقى من الأولى عشرة فأكثر أو تصير الثانية خمسة عشر، وأما لو جرت الزكاة في جميع
الجزء: 4 - الصفحة: 69
الفوائد ثم صارت الأولى خمسة فليزك الثانية وكذلك الثالثة ما دام في جميع الثلاث فوائد ما فيه الزكاة.
فصل [3 - إذا اجتمع فائدة واقتضاء]
وإن اجتمع فائدة واقتضاء فإن بقي الجميع في يديه كان النظر في صفة الأحوال، وإن كان إنفاق كان النظر في وجوب الزكاة وسقوطها، فإن كان له دين عشرون دينارًا حال عليها الحول ثم أفاد عشرة فأقامت بيده حولا ثم أنفقها ثم قبض عشرة زكى عن عشرين نصف دينار؛ لأن الفائدة تضم إلى ما اقتضي بعدها ولا تضاف إلى ما قبض قبلها، فإن اقتضى عشرة أولاً فأنفقها ثم أفاد عشرة فأقامت بيده حولاً لم تضف إلى الأولى؛ لأنه لم يجمعهما ملك واحد، فإن اقتضى بعد ذلك عشرة زكى عن ثلاثين، فالعشرة الآخرة أوجبت الزكاة في العشرتين الأولتين؛ لأن الاقتضاء يضاف بعضه إلى بعض وهو عشرون ففيها الزكاة، والفائدة تضاف إلى ما اقتضى بعدها وهما عشرون ففيها الزكاة ولو لم يتقدم الاقتضاء الأول.
ولو كان الاقتضاء الآخر خمسة لم يجب في شيء من ذلك زكاة؛ لأن جملة الاقتقضاء خمسة عشر فلا زكاة فيها، والفائدة مع ما قبض بعدها خمسة عشر فلا زكاة في ذلك، فإن
الجزء: 4 - الصفحة: 70
قبض بعد ذلك خمسة زكى عن الثلاثين، ولو قبض عشرة فأنفقها ثم أفاد خمسة فأقامت حولاً ثم أنفقها ثم اقتضى خمسة لم يجب عليه زكاة، لأن جملة الاقتضاء خمسة عشر، والفائدة وما بعدها عشرة، فإن قبض بعد ذلك خمسة زكى عن جملة الاقتضاء لأنها عشرون، ويبقى الأمر في الفائدة موقوفًا؛ لأن الذي بعدها عشرة، فإن قبض بعد ذلك خمسة زكى الفائدة والخمسة المقبوضة أخيرًا، ولو كان الاقتضاء المتقدم خمسة، والفائدة عشرة ثم قبض بعدها عشرة لزكيت الفائدة مع ما قبض بعدها؛ لأنها عشرون، ويبقى الاقتضاء الأول موقوفًا، فإن اقتضى بعد ذلك خمسة زكى عن الخمستين؛ لأن بالآخرة تم جميع الاقتضاء عشرين.
فإن اقتضى عشرة فلم ينفقها حتى أفاد عشرة، ثم أنفق عشرة الاقتضاء ثم حال الحول على الفائدة زكى عن عشرين على قول أشهب؛ لأنه جمعهما الملك، ولم يزكهما على قول ابن القاسم؛ لأنه لم يجمعهما حول.
ومن كتاب ابن سحنون: ومن أفاد خمسة عشر دينارًا ثم إلى ستة أشهر أفاد ثلاثة دنانير فخلط المالين، ثم أخذ من جملتهما ثلاثة دنانير فتجر فيها فربح ثلاثة دنانير فقسم الربح على المالين فناب الخمسة عشر ديناران ونصف فليبق حولهما كما كان على حول آخرهما، ولو كان إنما ربح ستة دنانير فوقع للمال الأول خمسة فيصير بربحه ما فيه الزكاة فيزكيه لحوله والثاني لحوله إن كان هذا الربح قبل أن يضمهما حول آخرهما،
الجزء: 4 - الصفحة: 71
ولو ضمهما حول آخرهما قبل الربح لم يرجعا إلى حولين ويبقى حولهما واحدًا، ولو تجر في أحد المالين فربح فيه ستة دنانير ثم لم يدر أيهما هو فليزكهما على حول آخرهما ولا يفضه بالشك فقد يزكي الأول قبل حوله.
ومن المجموعة: قال سحنون: ولو بلغت الفائدة الأولى ما فيه الزكاة فزكاها لحولها ثم أقرضها رجلاً أو اشترى بها سلعة للتجارة ثم حل حول الثانية ولا زكاة فيها فلا يزكي إلا أن يقبض من ذلك الدين أو يبيع من تلك السلعة ما إن ضمه إلى الثانية بلغ ما فيه الزكاة فليزك الثانية لحولها ولا يزكي ما اقتضى أو باع إلا لحول من يوم زكاه، قال أبو محمد: أراه وهو غير مدير، ولو كان مديرًا لقوم السلعة يوم حل حول الثانية فإن كان في الجميع ما تجب فيه الزكاة زكى الثانية.
قال غيره: ولو حل حول إحدى الفائدتين وهو في سلعة والأخرى في سلعة ولا زكاة فيها إلا مع الأولى وهو مدير.
م: يريد: وقد كانا جرت فيهما الزكاة، قال: فإنه يزكي إذا كان في القيمة مبلغ الزكاة ولا يلتفت إلى ما يطرأ من حوالة الأسواق بزيادة أو نقصان إذا حل حول الثانية، وإنما يخاطب بالقيمة في وقته، ووقف فيها أبو محمد.
الجزء: 4 - الصفحة: 72
ومن المدونة قال مالك: ومن أفاد خمسة دنانير ثم أفاد بعد ستة أشهر خمسة أخرى فتجر في الخمسة الأولى فصارت بربحها عشرين دينارًا زكى كل فائدة لحولها، ولو تجر في الخمسة الثانية قبل تمام حولها فربح فيها خمسة عشر فأكثر أضاف الأولى إلى حول الثانية.
ومن أفاد عشرة دنانير فأقرضها رجلاً ثم أفاد خمسين دينارًا فحل حولها فزكاها ثم أتلفها ثم اقتضى العشرة أو دينارًا منها زكى ما اقتضى مكانه.
ومن أفاد ما تجب فيه الزكاة ثم أفاد بعد ذلك بستة أشهر مالا زكاة فيه فزكى الأول لحوله ثم أنفقه قبل حول الثاني فإذا حال حول الثاني لم يزكه.
م: لأنه لم يجمعهما الحول وهما في ملكه، قال ابن المواز: وخالفه أشهب وقال: يزكي الثانية، قال أشهب: وكذلك لو كانت الأولى خمسة عشر والثانية خمسة، فحل حول الأولى، ثم أنفقها قبل حول الثانية، ثم حل حول الثانية؛ فإنه يزكي عن عشرين، قال: لأنا إنما أخرنا زكاتها خوفًا ألا تبلغ الثانية إلى حولها، وقال ابن القاسم: لا يزكي شيئًا من ذلك.
ومن المدونة: قال مالك: ولو كان إذ حل حول الثاني عنده مال أفاده معه
الجزء: 4 - الصفحة: 73
أو قبله وبعد حول الأول وفيه مع الثاني ما تجب فيه الزكاة فليزكهما، وإن لم يكن فيهما ما تجب فيه الزكاة لم يزك شيئًا، ثم إن أفاد مالاً رابعًا فيه -مع ما بيده- ما تجب فيه الزكاة فليزك جميع ما بيده لتمام حول المال الرابع.
قال: ومن أفاد عشرين دينارًا ثم بعد أشهر أفاد عشرة دنانير فزكى العشرين لحولها فنقصت، فإن حل حول العشرة وقد بقي من العشرين عشرة فأكثر زكى العشرة الثانية حينئذ ثم يزكي بعد ذلك كل مال على حوله ما دام في جملتهما ما تجب فيه الزكاة.
قال: ومن أقرض رجلاً مئة دينار فأقامت بيده أحوالاً ثم أفاد عشرة فلا يزكيها لتمام حولها؛ لأنه لا يدري أيقبض من دينه شيئًا أم لا، فإن أنفق العشرة بعد حولها أو أبقاها ثم اقتضى من دينه عشرة زكاها مع العشرة الفائدة ويصير حولهما واحدًا من يوم زكاهما، ثم يزكي قليل ما يقتضي بعد ذلك وكثيره، ويصير حول ما اقتضى من يوم يزكيه، وقد تقدم نحو هذا.
فصل [4 - الفوائد على اختلاف أنواعها لا تزكى إلا بعد حول من يوم تقبض]
قال مالك: ومن كاتب عبده على دنانير، أو إبل، أو بقر أو غنم فبقضها منه بعد حول فلا يزكيها حتى تقيم عنده حولاً بعد قبضها.
قال مالك: كل فائدة أفادها رجل من كتابة، أو دية، أو غيرها فلا زكاة عليه فيها إلا بعد حول من يوم يقبضها.
الجزء: 4 - الصفحة: 74
قال: ومن ورث مالاً فلم يقبضه إلا بعد أعوام كثيرة فليستقبل به سنة من يوم قبضه، ولا شيء عليه للسنين الماضية، قال: وعلى هذا محمل الفوائد كلها إنما تزكى بعد عام من يوم تقبض.
قال مالك: وكل سلعة أفادها رجل بميراث، أو هبة، أو صدقة، أو اشتراها لقنية دارًا كانت أو غيرها من السلع، فأقامت بيده سنين أو لم تقم، ثم باعها بنقد فمطل بالنقد، أو باعها إلى أجل فلما حل الأجل مطل بالثمن سنين، أو أخره بعد الأجل ثم قبضه فليستقبل به حولاً بعد قبضه، ولا زكاة عليه فيما مضى، كان مديرًا أو غير مدير، ولو أسلف ناضًا كان معه، أو باع سلعة عنده للتجارة فقبض ذلك المال بعد سنين زكاها مكانه زكاة واحدة.
[فصل 5 - من وهب دينه للمدين هل تلزمه زكاته، وهل يزكيه الموهوب له؟]
قال مالك: ومن كان له على رجل دين، له أحوال، وهو قادر على أخذه منه، فوهبه له فلا زكاة على ربه فيه ولا على الموهوب له حتى يتم له عنده حول من يوم وهب له، وهذا إذا لم يكن للموهوب له مال غيره، فأما إن كان له مال أو عرض سواه فعليه زكاته وهب له أم لا، وقال غيره: زكاته ساعة وهب له كان له مال غيره أم لا.
م: فوجه قول ابن القاسم أنه لما لم يكن عنده غير ما عليه من الدين فكأنه غير
الجزء: 4 - الصفحة: 75
مالك لشيء منه وإنما صار مالكًا له يوم الهبة فوجب ألا زكاة عليه إلا بعد حول من يوم الهبة إلا أن يكون عنده عرض يجعله في دينه فيزكي.
م: وهذا على قوله أن يكون مالكًا للعرض من أول الحول، وأما على قوله أن لو ملك العرض يوم الحول لجعله في دنيه وزكى فوجب أن يزكى المائة يوم الهبة وإن لم يكن له عرض؛ لأن بالهبة سقط الدين عن ذمته وكأنه لم يزل مالكًا للدين من أول الحول كما جعله إذا وهب له العرض يوم الحول كأنه مالك للدين من أول الحول فكذلك هبة الدين، وهذا كقول الغير، ووجهه ما ذكرنا.
ونقل أبو محمد في مختصره: ولو وهب له عرض سواه قبل الحول بيوم كان عليه الزكاة عند ابن القاسم، وأبى ذلك غيره، ولابن القاسم قول كقول غيره.
وفي كتاب ابن المواز: ومن له مئة دينار وعليه مثلها فأفاد عرضًا قبل الحول بشهر يفي بها، فقال ابن القاسم: لا يزكيها حتى يكون العرض عنده من أول الحول، وقال أشهب: لا يبالي متى أفاده عند الحول، أو قبله يجعل دينه فيه ويزكي ناضه، وكذلك إن أفاده بعد الحول زكاه حينئذ، وكان من يومئذ حوله، قال محمد: وبهذا أقول، وبه أخذ أصحاب ابن القاسم.
الجزء: 4 - الصفحة: 76
م: وقول محمد جار على روايتي المدونة، وخلاف لما نقله أبو محمد.
قال ابن المواز: وقد قال ابن القاسم فيمن تسلف مالاً وعنده عرض لا وفاء له به يومئذ فلم يأت الحول حتى صار فيه وفاء بالدين أو انتقص عند الحول قال: فإنما ينظر إلى قيمته يوم حل الحول فإن كان فيه وفاء زكى ما معه أو مبلغ ما يفي به، قال: وهذه جيدة.
م: لا يلزم ابن القاسم بهذه تناقض؛ لأن زيادة قيمة العرض كالربح فيه، وحول ربح المال حول أصله فكأنه لم يزل مالكًا لهذا الربح من أول الحول فهو بخلاف عرض أفاده اليوم، فإن كان بهذه المسئلة ألزم أبو محمد أن لابن القاسم قولين فليس ذلك اختلاف قول، والله أعلم.
قال: وقال ابن القاسم: ومن كانت عنده مئة دينار وهي عليه دين وليس له من العروض شيء، وله على رجل مئة دينار دين وقد حلتا جميعًا فأحال بالتي عليه على التي له فعلى قابضها الزكاة، وعلى الذي أحال بها زكاتها، يريد: لأن عنده وفاء بها وهي المائة التي بيده، قال ابن المواز: لأن قبض المحتال بها كقبض محيله، قال أبو محمد: ولو
الجزء: 4 - الصفحة: 77
قال: قد سقط عنه الدين لما قضاه الدين الذي له، ويزكي المئة التي معه لكان أبين، قال ابن المواز: وعلى دافعها زكاتها إن كان له بها وفاء.
قال: ومن أودعك مئة دينار فأسلفتها رجلاً، ثم أحلت عليه ربها بعد سنين فقبضها، فعلى قابضها زكاتها لعام واحد، وقال في دافعها الآن ومسلفها، فمن كان له منهما عرض يسواها فليزكها وإلا فلا.
ابن المواز: ومن له على رجل دين فوهبه ربه لغير المديان بعد تمام الحول، وليس عند المديان شيء يجعل الدين فيه، فقال أشهب: لا زكاة على ربه ولا على المديان ولا على الموهوب، وقال ابن القاسم: على الواهب الزكاة، قال ابن المواز: أما الواهب فيزكيها؛ لأن يد القابض لها كيده، وإنما تكون الزكاة فيها من العشرين بعينها.
فصل [6 - من ورث عرضًا فنوى به التجارة حين ورثه، هل يكون بنيته للتجارة ويزكيه للتجارة؟]
ومن المدونة: ومن ورث عرضًا، أو حيوانًا، أو طعامًا فنوى به التجارة حين ورثه أو وهب له أو تصدق به عليه لم يكن بنيته للتجارة ولا زكاة عليه فيه حتى يبيعه ويستقبل به حولاً بعد قبضه، وإن ورث حليًا مصوغًا من الذهب أو الفضة فنوى به التجارة حين ورثه زكى وزنه لتمام حول من يوم ورثه، بخلاف العروض؛ لأنه حين نوى به التجارة صار بمنزلة العين، وإن نرى به القنية لم يزكه، وإن ورث آنية ذهب أو فضة أو وهبت له أو تصدق بها عليه فليزك لتمام الحول وزنها لا قيمتها نوى بها التجارة أو القنية إذ ليست مما أبيح اتخاذه وهي بمنزلة التبر المكسور، وكذلك حلية سرج.
أو لجام أو سكين ونحوه، فأما حلية السيف والمصحف والخاتم فلا زكاة فيما اقتنى من ذلك.
الجزء: 4 - الصفحة: 78
م: قيل إن ما كان أصله القنية من العروض إذا أفاده لا ينتقل بالنية إلى التجارة دون الفعل، وما أصله التجارة ينتقل بالنية خاصة إلى القنية عند ابن القاسم؛ لأن أصل العروض القنية، والتجارة فرع طارئ عليها فوجب أن لا ينتقل عن الأصل بالنية دون الفعل، وأن ينتقل الفرع إلى الأصل بالنية خاصة كالمقيم والمسافر أن الأصل الإقامة فلا ينتقل عن إتمام الصلاة بالنية دون الظعن، وينتقل المسافر إلى الإتمام بنية الإقامة خاصة، أو لا ترى أن الدنانير والدراهم لما كان أصلهما التجارة؛ لأنها أثمان الأشياء أنها لا تنتقل إلى القنية بالنية دون الفعل، فإن ابتاع بها عرضًا للقنية أو صاغهما حليًا للقنية والانتفاع انتقلت وإلا فلا.
ومن المدونة قال مالك: والسنة عندنا أنه لا زكاة على وارث في مال ورثه، ولا في دين ولا عرض ولا دار ولا عبد ولا وليدة حتى يحول على ثمن ما باع من عرض الحول بعد قبضه كان مديرًا أو غير مدير.
وإن ورث عينًا ناضًا أو دينًا فليزكه بعد حول من يوم قبضه.
قال: وغلة الدور والدواب والرقيق فائدة وإن ابتيع لغلة، وإجارة الأجير فائدة يستقبل بذلك كله حولاً بعد قبضه، وكذلك ما فضل بيد المكاتب بعد عتقه لا يزكيه حتى يحول علهي حول بعد عتقه.
وتستقبل المرأة بصداقها حولاً من يوم تقبضه كان عينًا أو ماشية مضمونة، وكذلك على دنانير معينة وإن قبضتها بعد أحوال؛ لأنه كان فائدة، وضمانه كان من الزوج، فأما ماشية بعينها أو نخل بعينها فأثمرت فزكاتها عليها أتى الحول وهي عند الزوج أو عندها، لأن ضمانها منها، ولو قبضت ذلك بعد الحول زكته مكانها ولم تؤخره،
الجزء: 4 - الصفحة: 79
وكذلك ما ورثه وارث من ذلك من نخل أو كرم فلم يصل إليه إلا بعد أعوام فالمصدق يأخذ زكاة ذلك كل عام وكذلك الزرع الأخضر يرثه يزكيه يوم حصاده وإن لم يقبضه.
فصل [7 - لا زكاة في المال الموروث إلا بعد حول من يوم قبضه]
قال مالك: وإذا باع القاضي دارًا لقوم ورثوها وأوقف ثمنها حتى يقسم بينهم ثم قبضوه بعد أعوام فلا زكاة عليهم فيه إلا بعد حول من يوم قبضوه، وكذلك من ورث مالاً بمكان بعيد فقبضه بعد سنين فلا يزكيه إلا بعد حول من يوم قبضه، فإن بعث في طلبه رسولاً بأجر أو بغير أجر فقبضه حسب له حول من يوم قبضه رسوله فيزكيه وإن لم يصل إلى يده بعد، بخلاف الماشية والحرث.
ابن المواز: وروى مثله ابن وهب عن مالك، وروى عنه أيضًا أنه يزكيه ساعة يقبضه هو أو وكيله زكاة واحدة لماضي السنين.
م: فوجه رواية ابن القاسم فلأنه مال موروث لم يصل إلى يد وارثه فلم تجب عليه زكاته إلا بعد حول من يوم يقبضه هو أو وكيله أصله ثمن العرض الموروث؛ لأن العرض الموروث كمال لم يقبض من العين الموروث، وقبض ثمن العرض كقبض العين الموروث، كما أن عرض التجارة كدين التجارة، وقبض ثمن عرض التجارة كقبض دين التجارة، فكذلك الميراث.
ووجه رواية ابن وهب فلأنه مال موروث مضى له حول في ضمان وارثه فوجب عليه زكاته إذا قبضه أصله ما قبضه من يوم الميراث.
الجزء: 4 - الصفحة: 80
وقال ابن حبيب: قال مطرف: فإن لم يعلم الوارث بالميراث فليأتنف به بعد قبضه حولاً، وإن علم به ولم يقدر أن يصل إليه فليزكه إذا قبضه لعام واحد، وإن كان يقدر على قبضه زكاة لكل عام مضى.
وإن أودعه له سلطان بيد عدل فليزكه لماضي السنين وإن لم يعلم، وقاله عبد الملك وأصبغ.
م: ورواية ابن حبيب هذه وتفريعه استحسان ليس بالقوى إلا قوله: وإن أودعه له سلطان بيد عدل فليزكه لماضي السنين فصواب؛ لأن يد المودع كيده.
وقال المغيرة في المجموعة: إذا لم يعلم بالميراث وأوقفه القاضي بيد رجل فليزكه لماضي السنين، وإن ضمنه لأحد فليزكه إذا قبضه لعام واحد.
م: وقول المغيرة صواب إلا قوله: إذا لم يعلم بالميراث، فسواء علم أو لم يعلم؛ لأن فعل القاضي ونظره كفعله لنفسه.
[فصل 8 - في زكاة المال يقبضه الوكيل فيحْبسه عن ربه سنين ثم يقبضه منه ربَّه]
ابن المواز: قال ابن القاسم عن مالك: وإذا قبضه الوكيل فحبسه سنين ثم قبضه منه ربه لم يزكه إلا لعام واحد، وقال أصبغ: بل لكل عام مضى، قال محمد: بل لعام واحد؛ لأن حبس الوكيل إياه تعدياً ضمنه به، وكذلك لو كان له عذر من خوف طريق
الجزء: 4 - الصفحة: 81
أو نحوه مما لا يقدر أن يأتي ولا يصل ربه إليه، فأما إن كان معه في بلد يقدر على أخذه فتركه، أو حبسه بإذنه، أو كان مفوضاً إليه فليزكه لماضي السنين.
[فصل 9 - في زكاة المال الضَّمار والضَّائع والمحبوس واللقطة]
واختلف في المال يسقط من صاحبه على نحو ما تقدم، وإذا ورثه وعلم به هل يستأنف به حولاً أو يزكيه لعام واحد أو لأعوام، وهل مفترق الجواب إذا وقف على يدي عدل؟ فقال مالك في العتيبة: إذا وجده صاحبه بعد سنين كثيرة زكاة لعام واحد.
قال المغيرة وسحنون: يزكيه لكل عام.
قال ابن حبيب: يستأنف حولاً إذا كان صاحبه منقطع الرجاء منه؛ لأنه ضمار، والضمار لا زكاة فيه، وهذا إذا حبسه لصاحبه.
واختلف إذا حبسه الملتقط لنفسه بعد الحول ولم يحركه حتى أتى صاحبه فقال مالك- في كتاب محمد-: يزكيه ملتقطه لحول من يوم نوى ذلك، ويزكيها صاحبها لعام، وإذا أقامت بعد ذلك أعواماً فقال ابن القاسم- في المجموعة: لا زكاة عليه إذا لم يحركها وإن نوى حبسها للحديث، والأول أبين؛ لأنها صارت ديناً عليه./
واختلف فيمن دفن مالاً ثم ذهب عنه موضعه ثم وجده بعد أعوام فقال في كتاب محمد: يزكيه لماضي السنين، وقال محمد ابن المواز: إن دفنه في صحراء أو في موضع لا
الجزء: 4 - الصفحة: 82
يحاط به فهو كالمغصوب والضائع، وأما البيت والموضع الذي يحاط به فيزكيه لكل سنة وعكس ابن حبيب الجواب فقال: إن دفنه في صحراء زكاة لماضي السنين؛ لأنه عرضه للتلف لما دفنه بموضع يخفي عليه،، وإن كان في موضع لا يخفى عليه لم يزكه للأعوام.
[فصل 10 - المال إذا باعه الوصي وأقام بيده زمناً ثم اقتسمه الورثة وفيهم صغار وكبار، كيف يُزكّي؟]
ومن المدونة قال مالك: وإذا قبض الوصي للأصاغر عيناً ورثوه فليزكه لحول من يوم قبضه، قال في كتاب الزكاة الثاني: وإن كان في الورثة صغار وكبار فباع الوصي التركة وأقام المال بيده ما شاء الله فلا زكاة على أحد منهم حتى يقتسموا فيستقبل الكبار بحظهم حولاً بعد قبضه، ويستقبل الصغار بحظهم حولاً من يوم القسم، ولا يكون الوصي قابضاً للكبار إلا بوكالتهم.
قال ابن المواز: قال أشهب مرة: إن قبضه للصغار والكبار قبض، وقال مرة مثل قول ابن القاسم وروياه عن مالك.
(فصل 11 - الماشية والحرث الموروثة يأخذ زكاتها الساعي كل عام، علم بها الوارث أو لم يعلم، كانت في يد وصي أو غيره]
ومن المدونة قال مالك: وأما من ورث ماشية تجب فيها الزكاة أو نخلاً فأثمرت وهي في يد وصي أو غيره فإن الساعي يأخذ صدقتها كل عام علم بها الوارث أم لا بخلاف العين، والفرق بينهما أن من عنده ماشية أو ثمار وعليه دين يغترقها ماشية
الجزء: 4 - الصفحة: 83
مثلها أو ثمار لم يمنع المصدق ذلك من أخذ زكاتها، ومن عنده عين ولا مال له غيره وعليه دين مثله من عين أو عرض لم تلزمه زكاة، والذي يرث دنانير لا تصير في ضمانه حتى يقبضها.
[فصل 12 - فيمن اشترى غنماً فجز صوفها وباعه، هل يزكي ثمنه لحول أصل المال الذي اشتريت به الغنم، أو هو غلّة؟]
قال مالك: ومن اشترى غنماً للتجارة فجز صوفها بعد ذلك بأشهر فهو فائدة يستقبل بثمنه إذا باعه حولاً بعد قبضه.
م: انظر إن ابتاعها وعليها صوف تام فجزه بعد أيام ينبغي على أصل ابن القاسم أن لا تكون غلة ويزكي ثمنه إذا باعه لحول أصل المال، وأما عند أشهب فهو غلة.
م: يجري على اختلافهما إذا اشتراها وعليها صوف تام فجزه ثم ردّها بعيب، فابن القاسم يقول: يرد الصوف معها أو مثله إن فات؛ لأنه قد وقع له حصة من الثمن، وقال أشهب: هو غلة ولا يرده.
قال في كتاب الزكاة: فإن باع الغنم قبل الحول زكي ثمنها على حول أصل المال، وإن بقيت بيده حتى حال الحول وقدم الساعي فليأخذ زكاتها، ثم إن باعها بعد ذلك لم يزك الثمن إلا لحول من يوم زكى الرقاب، قال: وكذلك كراء المساكن إذا اشتراها للتجارة، وكراء العبيد، وثمر النخل ذلك كله فائدة.
[فصل 13 - في زكاة كراء الدُّور]
ومن العتبية قال عيسى عن ابن القاسم فيمن أكرى داره ثلاث سنين بثلاث
الجزء: 4 - الصفحة: 84
مائة دينار فقبضها بعد ثلاث سنين فليأتنف بها حولاً من يوم يقبضها، قال ابن القاسم: إلا أن يترك قبض الكراء هرباً من الزكاة، وقال أصبغ: ليس هذا بشيء وتركه هرباً أو غير هرب قادر على أخذه أو غير قادر سواء لا شيء عليه وليأتنف من يوم يقبضه حولاً.
قال في كتاب ابن المواز: وأما من اكترى داراً ليكريها فما غل منها مما فيه الزكاة فليزكه لحول من يوم زكى ما نقد في كرائها لا من يوم اكتراها، وهذا إذا اكتراها للتجارة والغلة؛ لأن هذا متجر، وأما إن اكتراها للسكنى فأراها لأمر حدث له أو لأنه أرغب فيها فلا يزكي غلتها وإن كثرت إلا لحول من يوم يقبضها، وقال أشهب: لا زكاة عليه في غلتها وإن اكتراها للتجارة، وغلة ما اكترى للتجارة كغلة ما اشترى للتجارة كان مديراً أو غير مدير.
قال عيسى عن ابن القاسم: ومن اكرى داراً خمس سنين بمائة دينار فانتقدها وحال عليها الحول وليس له غيرها، فإن وقع للسنة الماضية من الكراء عشرة وبقي عليه ديناً تسعون ديناراً فإن ساوتها الدار- يريد: مهدومة- زكى المائة كلها، وإن ساوت ثلاثين زكاها/ مع العشرة ثم كل ما سكن شيئاً زكى حصة ذلك وذلك أنه قد [134/ب]
الجزء: 4 - الصفحة: 85
تنهدم الدار فيرد ما قبض، وذكر ابن سحنون عن أبيه مثله، وذكر عنه النبي، وابن عبدوس أنه قال: بل يزكي المائة كلها، والهدم أمر طارئ وقد تستحق السلعة التي تباع أيضاً فلا ينظر إلى هذا.
م: وهذا أصوب.
ومن كتاب ابن المواز: ومن أجر نفسه ثلاث سنين بستين ديناراً وقبضها فعمل سنة وهي بيده فليزك عشرين فقط إلا أن يكون له عرض يفي بما بقي فيزكيها، وكان قد قال محمد: إن لم يكن له عرض فيزكي تسعة عشر ونصفاً أيضاً ويجعل بدلها بقية العشرين التي زكى، ثم رجع عنه فقال: أستحسن أن لا يجعل ما زكى من العين في دينه، والأول هو القياس، قال أبو محمد: وينبغي على قول سحنون أن يزكي الجميع كما قال في الدار.
م: وهو الصواب.
ووجه قول محمد الذي رجع إليه أنه لما قبض الستين أجرته صارت في ذمته فلما عمل حولاً سقط عنه عشرون حصته وبقى عليه أربعون وبيده الستون فيجعل أربعين منها في دينه ويزكي عن عشرين، وهذا القياس على مسائل من له عين وعليه دين، وأما قوله الأول فيخرج على قول ابن حبيب في الذي له مائتان على حولين، وعليه مائة دين أن يزكي الأول لحولها ويجعل الثانية في دينه فإذا حل حولها زكاها وجعل الأولى في دينه، وهذا قول ضعيف؛ لأن الدين لابد أن يذهب بإحداهما، وكذلك مسألة كتاب محمد الأربعين التي عليه تذهب بمثلها مما بيده ويزكي ما بقي وهذا بيّن، ويلزم على قوله
الجزء: 4 - الصفحة: 86
الأول أن يزكي جميع السنين؛ لأنه قال: إذا زكى العشرين الفاضلة وبقي منها تسعة عشر ونصف جعلها في دينه وزكى من الأربعين تسعة عشر ونصفاً، ثم يجعل بقية هذه التسعة عشر ونصف المزكاة أخيراً في دينه ويزكي من العشرين ونصف الباقية من الأربعين مثلها ثم يجعل من هذه المزكاة أخيراً قدر ما بقي من العشرين ونصف وهو دينار ونصف وثمن عشر دينار ويزكيه فيحصل قد زكى الستين كلها، ويلزم على هذا أن من معه ثمانمائة دينار وعشرين ديناراً وعليه ثمانمائة دينار أن يزكي عن ثمانمائة دينار مما بيده، وهو خلاف أصلنا.
[فصل 14 - من اشترى أصولاً للتجارة فأثمرت فثمرتها فائدة، فإن كان في عينها زكاة زكاها ثم باعها وباع الأصل استقبل بالجميع حولاً]
ومن المدونة قال مالك: ومن ابتاع نخلاً للتجارة فأثمرت ثم جذها فأدى منها الصدقة ثم باع الأصل فليزك ثمنه إذا قبضه لتمام حول من يوم زكى الثمن الذي ابتاعها به، وإن باع الثمرة فهي فائدة يستقبل بثمنها حولاً بعد قبضه فيصير حول الثمرة على حدة، وحول الأصل على حدة.
ومن كتاب ابن المواز: ومن ابتاع نخلاً للتجارة ثم ابتاعها بثمرتها وقد طابت فإنه يفض الثمن على قيمة النخل والثمرة فما وقع للنخل زكاه على أصل حول المال، وما وقع للثمرة لم يزكه إلا بعد ائتناف حول من يوم يقبضه، وعليه الآن زكاة الثمرة العشر أو نصف العشر، ولو كان ثمرها لم يطب وباعها به لزكى جميع الثمن لحول أصل المال،
الجزء: 4 - الصفحة: 87
وكذلك لو كانت ثمرة جوز أو مالا زكاة فيه فباعها به وقد طابت إلا أنه لم يجذها، فأما لو جذها ثم باعها معها أو مفردة فلا زكاة في ثمن الثمرة ويستقبل به حولاً من يوم يقبضه، وأما إذا لم تفارق الأصل فهي تبيع، وكذلك التي تزكي إلا أنها لم تطب فهي تبع، كمال العبد يبيعه به ربه فعليه في جميع الثمن الزكاة إن كان العبد للتجارة، ولو انتزع المال ثم باع العبد كان المال فائدة لا زكاة فيه الآن.
[فصل 15 - في أخذ الزكاة من الأعطية]
ومن المدونة: قال القاسم بن محمد: وكان أبو بكر الصديق رضي الله عنه إذا أعطى الناس/ أعطياتهم يسأل الرجل هل عندك من مال وجبت فيه الزكاة؟ فأن قال نعم [135/ أ] أخذ من عطائه زكاة ماله ذلك، وإن قال لا أسلم إليه عطاءه، قال مالك: وفعله عثمان ابن عفان، وقال ابن شهاب: أول من أخذ من الأعطية الزكاة معاوية بن أبي سفيان.
الجزء: 4 - الصفحة: 88
[الباب التاسع]
باب جامع ما جاء في زكاة المديان
[فصل 1 - الدين يُسقط الزكاة عن العين، ولا يسقط زكاة الحرث والماشية]
روى سحنون عن ابن شهاب أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يُجلس عبد الرحمن بن عوف في كل محرم فيقول للناس: ((من كان عليه دين فليؤده، ومن أراد أن يستحدث نفقة فليستحدثها حتى تؤدوا مما بقي من أموالكم الزكاة)).
م: قال عبد الوهاب: وهي حجتنا على الشافعي في قوله إن الدين لا تأثير له في إسقاط الزكاة عن العين.
وما روي عن عمير بن عمران عن نافع عن ابن عمر أن النبي صلى الله عليه وسلم قال:
الجزء: 4 - الصفحة: 89
((إذا كان للرجل ألف درهم وعليه ألف درهم فلا زكاة عليه)).
ولأن الدين وجب عن عوض، والزكاة عن غير عوض فكان الدين مقدماً عليها كما قُدم على الميراث.
ومن المدونة: وروي أن عثمان بن عفان كان يقول على المنبر: ((هذا شهر زكاتكم فمن كان عليه دين فليقضه فإن فضل له ما تجب فيه الزكاة فليزكه ثم لا شيء عليه حتى يحول عليه الحول)).
وقال سليمان بن يسار، وابن شهاب، وجابر بن زيد فيمن له مال وعليه من الدين مثله فلا زكاة عليه، وقاله مالك.
الجزء: 4 - الصفحة: 90
قال مالك: ولا يُسقط الدين زكاة الماشية والثمار، وقاله الحسن البصري.
[فصل 3 - الفرق بين العين والماشية والحرث في تأثير الدين في إسقاط الزكاة]
قال ابن القاسم: والفرق بين ذلك وبين العين أن السنة إنما جاءت في الضمار وهو المال المحبوس من العين.
يريد: فهو الذي يسقطه الدين، وفيه قال عثمان: ((هذا شهر زكاتكم ... الحديث)).
قال: وأما الماشية والثمار فقد بعث النبي صلى الله عليه وسلم والخلفاء بعده الخراص والسعاة فخرصوا على الناس وأخذوا منهم زكاة مواشيهم ولم يسألوهم هل عليهم دين أم لا.
وقال المشيخة السبعة: لا يصدق المصدق إلا ما أتى عليه حول لا ينظر إلى
الجزء: 4 - الصفحة: 91
غير ذلك.
قال بعض البغدادين: ولأن زكاة الماشية والحرث إلى الإمام ولم يؤتمن عليها أربابها فلو قبل قول أربابها أن عليهم ديوناً لأدى ذلك إلى إسقاط الزكاة فحسم الباب.
م: يريد: لأن زكاة العين موكولة إلى أمانات أربابها فوجب قبول قولهم أن عليهم ديناً كما قُبِل قولهم إخراجها، وغذا كان عليهم دين يغترق أموالهم فهم غير مالكين لشيء على الحقيقة فوجب أن لا زكاة عليهم.
ولأن الحرث والماشية أموال ظاهرة وليس كذلك الذهب والفضة لأنها تخفى فخفف زكاتها بإسقاط الدين لها فيخفف إخراجها على أربابها.
قال ابن المواز: قال مالك: إنما يسقط الدين زكاة العين فقط كان ذلك الدين عرضاً أو طعاماً أو ماشية أو غيرها، ولا يسقط الدين زكاة ماشية ولا حب
الجزء: 4 - الصفحة: 92
ولا تمر ولا معدن ولا ركاز، ولو كان إنما تسلف فيما أحيي به الزرع والثمرة وقوي به على المعدن والركاز لم يسقط ذلك عنه شيئاً من ذلك ويخرج خمس الركاز.
وأما في زكاة الفطر فيمن عنده عبد وعليه عبد مثله، فابن القاسم لا يوجب عليه زكاة الفطر، وأشهب يوجبها، وهذا مذكور في الزكاة الثاني.
ابن المواز: قال أشهب: الذين أولى من زكاة العين فرط فيها أو لم يفرط، وهو أولى- مما فرط فيه من زكاة ماشية أو حب أو ثمر وليس مثل مالم يفرط فيه من ذلك والماشية والثمر والحب قائم.
[فصل 3 - العروض المقومة بإزاء الدين]
ومن المدونة قال ابن القاسم: ومن كان معه عشرون ديناراً ثم حولها، وعليه دين، وله عروض فليجعل دينه في عروضه وداره وخادمه وسرجه وسلاحه وخاتمه وفي كل ما يبيعه عليه الإمام في دينه فإن كان في ذلك وفاء دينه زكى العشرين الناضة./ [135/ ب]
والإمام يبيع عليه إذا فلس داره وعروضه كلها ما كان له من خادم أو سلاح أو غير ذلك إلا ما لابد له من ثياب جسده ويترك له ما يعيش به هو وأهله الأيام، ويبيع عليه ثوبي جمعته إن كانت لهما قيمة وإن لم يكن لهما تلك القيمة فلا يبعهما.
محمد: وقال أشهب: لا يحسب خاتمه، وقال في ثوبي جمعته: إن كان لباس مثلهما سرفا بيعا في الدين.
الجزء: 4 - الصفحة: 93
[فصل 4 - المديان يجعل دينه في قيمة رقاب مدبريه وفي قيمة كتابة مكاتبيه]
ومن المدونة قال: ويجعل دينه في قيمة رقاب مدبريه وفي قيمة كتابة مكاتبيه فإن كانت الكتابة عيناً قيل: ما قيمة ما على المكاتب من هذه النجوم على محلها بعرض عاجل ثم يقوم العرض بعين فإن كان فيه وفاء دينه زكى ما معه من العين إن كان تجب فيه الزكاة وإن لم يف بدينه جعل فضل دينه فيما في يديه من الناض ثم ينظر فإن بقي بعد ذلك عشرون ديناراً فأكثر زكى وإلا لم يزك.
سليمان: قال سحنون: لا يجعل دينه في قيمة رقاب المدبرين ولا في خدمتهم إذ لا يباعوا في حياته، وكذلك عن سحنون في المجموعة.
قال عبد الوهاب: وقيل يجعل دينه في قيمة خدمتهم على غررها.
قال ابن المواز: لم يختلف أصحاب مالك أنه يجعل دينه في قيمة رقاب مدبريه كقول ابن القاسم، واختلفوا في المكاتبين فقال ابن القاسم: يحسبه في قيمة كتابتهم، وقال أشهب: في قيمتهم مكاتبين بقدر ما بقي عليهم، وقال أصبغ: بل قيمتهم عبيداً كالمدبرين إذ قد يعجز فيرق، وقد جاء الأثر: ((أن المكاتب عبد ما بقي عليه درهم)) وكذلك روى
الجزء: 4 - الصفحة: 94
ابن حبيب عن أصبغ وأشهب قيمته عبداً.
م: كان الجاري على أصل ابن القاسم ألا يجعل دينه في قيمة رقاب مدبريه؛ لأن الأصل إنما يجعل دينه في كل ما يبيعه عليه الإمام إذا فلس، والإمام لا يبيع عليه المدبرين إلا في دين قبل التدبير، فلو كان الأمر كذلك لجرى على أصله ولكن ظاهر قوله أنه سواء استحدث الدين قبل التدبير أو بعده، ووجه ذلك أنه لما كان الدين يتسلط عليه بعد الموت تقدمه أو تأخره احتاط للزكاة فجعل الدين في قيمة رقبته.
وقال سحنون جارٍ على ما أصل أنه يجعل دينه في كل ما يبيعه عليه الإمام إذا فلس، وأما في المكاتبين فابن القاسم جارٍ على أصله فيهم.
ووجه قول أشهب أنه لما كان تجب له قيمتهم مكاتبين أن لو قتلوا احتاط للزكاة فجعله فيها.
وأما أصبغ فقد وجه قوله بالعجز وبالحديث: ((أن المكاتب عبد ما بقي عليه درهم)).
الجزء: 4 - الصفحة: 95
وقول ابن القاسم في المكاتب أبينها، والله أعلم.
فإن عجز المكاتب وفي رقبته فضل- على مذهب ابن القاسم- فذكر عن أبي عمران أنه يزكي من ماله مقدار ذلك الفضل.
م: صواب؛ لأن ذلك كعرض أفاده ولا اختلاف في ذلك.
قيل لأبي عمران: فالمدير يقوم عرضه فيزكي ثم يبيعه بأكثر من ذلك فقال: لا يزكيه؛ لأن ذلك حكم مضى وهذا نماء حادث، قيل له: فالحلي المربوط إذا تحرى ما فيه ثم فصله بعد ذلك فكان ذلك أكثر مما تحرى قال: هذا يزكي، وإنما هذا كمن ظن أن ماله مئة فإذا هو مئتان.
[فصل 5 - المديان هل يجعل دينه في قيمة خدمة المعتاق إلى أجل، أو في قيمة عبده الآبق؟]
قال أشهب في المجموعة: ويجعل دينه في قيمة خدمة المعتق إلى أجل، يريد: على غررها، وقاله أصبغ في كتاب ابن المواز.
قال أشهب: ولو أخدم عبده هو سنين أو عمراً قوّمت رقبته على أن يأخذه المبتاع إلى تلك المدة، ولو كان غيره أخدمه عبداً مدةً حسب قيمة الخدمة تلك المدة في دينه.
ومن المدونة قال ابن القاسم: ولا يحسب دينه في قيمة عبده الآبق إذ لا يجوز بيعه.
قال ابن المواز: وقال أشهب: إن كان إباقه قريباً تُرجى قوّم على غرره،
الجزء: 4 - الصفحة: 96
يريد: أن لو بيع ويجعله في دينه، وإن طال/ أمره فلا يحسبه.
[فصل 6 - المِديان إن كانت له ماشية تزكى فليجعلها في دينه ويزكي ما معه من عين]
قال ابن القاسم في العتبية وغيرها: وإن كانت له ماشية يزكيها فليجعلها في دينه ويزكي عينه.
قال في كتاب ابن المواز فيمن له أربعون شاة وعليه مثلها دين وعنده عشرون ديناراً فحل حول ذلك كله فأخذ الساعي شاة، فانظر فإن كانت قيمة التسعة وثلاثين شاة الباقية مثل قيمة ما عليه فأكثر فليزك العشرين ديناراً وإلا يزك، ولسحنون مثله.
قال ابن القاسم في العتبية والمجموعة فيمن له مئتا دينار حول كل مئة على حدة وعليه دين مئة فليزك فإذا حل حول الأولى جعل الثانية في دينه وزكى الأولى يومئذ.
أبو محمد: ولا يزك الثانية لأن الدين يذهب بإحداهما لابد.
وفي كتاب ابن حبيب: يزكي كل مئة في حولها ويجعل دينه في الأخرى.
م: تأويل أبي محمد أصوب.
الجزء: 4 - الصفحة: 97
والفرق بين هذا وبين الذي له الأربعون شاة والعشرون ديناراً أن زكاة الغنم لا يسقطها الدين فلم يحتج أن يجعل العشرين في دينه، فلما لم يجعلها في دينه زكاها إذا كان له ماشية أو عرض أو شيء يجعله في دينه.
وفي مسألة المئتين إذا زكى الأولى وجعل الثانية في دينه وكأنه قضاها فلم تجب عليه زكاتها.
[فصل 7 - زكاة المعدن لا يُسقطها الدِّين]
ومن كتاب ابن المواز ونحوه لسحنون فيمن وجد في المعدن مئة دينار فزكاها، ومعه مئة أخرى حل حولها، وعليه مئة دينار دين فليجعل دينه فيما بقى من المئة المعدنية بعد الزكاة ويزكي مثل ذلك من المئة التي بيده، يريد: أن لم يكن له عرض سوى ما بقي.
م: لأن المئة المعدنية لا يسقط زكاتها الدين فهي كالماشية فيما ذكرنا.
وكذلك لو رفع من زرعه خمسة أوسق فزكاها، وله مئة دينار حل حولها، وعليه مئة دين، فإنه يقوم ما بقي من القمح فيجعله في دينه، ويزكي ما قابل ذلك من المئة التي بيده، وهذا أبين.
[فصل 8 - من له دين يرتجى قضاءه وهو على ملئ فليجعله في دينه الذي عليه ويزكي ناضه]
ومن المدونة، قال مالك: وإن كان معه مئة دينار وعليه مئة دينار دين وله مئة دينار دين فليزك المئة التي في يده، ويكون ما عليه من الدين في الدين الذي له، إن كان يرتجيه، وهو على ملئ.
الجزء: 4 - الصفحة: 98
قال ابن القاسم: وإن لم يرتج قضاءه فلا يزكي شيئاً.
وكذلك عن ابن القاسم وأشهب في المجموعة.
وقال سحنون: بل يجعل قيمة الدين الذي له فيما عليه.
وقال عيسى عن ابن القاسم في العتبية: إن كان دينه على غير ملئ فليحسب قيمته، قال أبو محمد: يدل قوله: إن كان ملياً حسب عدده، يريد: إن كان حالاً، والله أعلم، وإن كان إلى أجل فينبغي أن يحسب قيمته؛ لأنه لو فلس هذا كان كذلك يفعل بدينه.
م: أما ما عليه من الدين فإنما يحسب عدده حالاً كان أو مؤجلاً؛ لأنه لو مات أو فلس لحل المؤجل من دينه الذي عليه فقوي لذلك وصار كالحال، وأما ماله من الدين فالحال: يحسب عدده والمؤجل قيمته؛ لأنه لو مات أو فلس لبيع المؤجل لغرماته إن شاءوا قيمته كقيمته، وهو إنما يجعل في دينه كل ما يبيعه عليه الإمام لو فلس.
م: وهذا هو الصواب، وهو الجاري على أصل ابن القاسم، وظاهر قوله في المدونة أنه لم يراع القيمة في شيء من ذلك، والله أعلم.
وقد قال مالك في كتاب محمد- فيمن عليه مئة دينار إلى أجل، وله على غيره مئة إلى أجل أيضاً، وبيده مئة ناضة فليزك مئته التي بيده، ويجعل ما عليه من الدين في
الجزء: 4 - الصفحة: 99
الدين الذي له إن كان يرتجيه ولم يراع القيمة في ذلك.
[فصل 9 - الزكاة إذا فرط فيها أصبحت ديناً عليه تسقط به زكاة ما معه من مال]
ومن المدونة: ومن معه مائة دينار تم حولها، وعليه زكاة، قد فرط فيها من عين أو حرث أو ماشية، لم يزك ما في يديه إلا أن يبقى معه بعد إخراج ما فرط فيه ما تجب فيه الزكاة فيزكي؛ لأن الزكاة إذا فرط فيها ضمنها وإن أحاطت بماله.
قال يحيي بن يحيي عن ابن القاسم في العتبية فيمن لزمه إخراج عشرين ديناراً زكاة فلم يخرجها حتى ذهب ماله فلم يبق منه إلا ثلاثون ديناراً عند حول آخر قال: فليخرج العشرين التي عليه ولا يزكي العشرة الباقية؛ لأن العشرين دين عليه، ولو كان/ [136/ ب] عنده عرض يسوي العشرين التي عليه فلا يحسب ذلك فيه بخلاف ديون الناس، ولا يحسب ما عليه من الزكاة إلا في المال الذي معه فإن بقي بعد ذلك عشرون ديناراً زكى وإلا لم يزك، وقال ابن المواز: إنما هذا عند مالك وابن القاسم إذا لم يكن له عرض، ولو كان له عرض فيه كفاف ما عليه من ذلك لزكى الجميع
الجزء: 4 - الصفحة: 100
م: وهذا الذي ذكر ابن المواز وفاق للمدونة، دليله، قوله فيمن له عشرون دينارا تم حولها فلم يزكها حتى ابتاع بها سلعة فباعها لتمام حول ثان بأربعين فقد قال فيها: إن كان له عرض يسوي نصف دينار زكى لعامه الثاني عن أربعين فقد جعل العرض فيما عليه من زكاة العشرين وزكى الأربعين نحو ما ذكر ابن المواز.
م: وهذا مذهبه في المدونة.
فصل 10 - هل مهور النساء دين كسائر الديون؟
ومن المدونة: ومن معه مئة دينار ثم حولها وعليه لامرأته مهر مئة دينار فلا زكاة عليه وتحاص الغرماء به في فلسه وموته.
وقال ابن حبيب: تسقط الزكاة بكل دين إلا مهور النساء إذ ليس شأنهن القيام به إلا في موت أو فراق أو عندما يتزوج عليها فلم يكن في القوة كغيره، وذكر أن القاسم ابن محمد قاله.
م: وقول مالك وابن القاسم أبين، لأن المهور دين كسائر الديون.
فصل 11 - من عليه نفقته لزوجته أو لوالديه أو لولده الصغير، هل تكون نفقتهم دينا عليه تسقط به الزكاة؟
ومن المدونة: ومن معه عشرون دينارا تم حولها وعليه نفقة شهر عشرة دراهم لزوجته قد فرضها القاضي عليه قبل الحول بشهر أو أنفقتها على نفسها شهرا قبل الحول بغير قضية ثم طلبته بها فليجعل نفقتها فيما بيده، فتسقط عنه الزكاة، ويلزمه ما أنفقت على نفسها في يسره حاضرا كان أو غائبا أنفقت من عندها أو تسلفت، وإن كان معسراً.
الجزء: 4 - الصفحة: 101
فلا يضمن لها ما انفقت.
وإن كان إنما عليه نفقة والدين أو ولد صغير لم تكن نفقتهم دينا تبطل به الزكاة، لأن نفقتهم إنما تجب لهم إذا ابتغوها، وإن أنفق الأبوان من عندهما لم يلزمه ما أنفقا وغن كان موسرا، ولو قضى لهما بالنفقة فلم يأخذاها شهرا فحل الحول لم تسقط الزكاة عنه بذلك.
وأشهب يسقطها بنفقتهما إن كانت بقضية ويجعل الوالد كالزوجة ويعدى الولد والزوجة عليه بما تسلفا في يسره من النفقة، وتسقط الزكاة عنه بذلك كانت بقضية أو بغير قضية؛ لأن نفقة الولد لم تسقط عن الأب المليء منذ كانوا حتى يبلغوا، ونفقة الأبوين كانت ساقطة وإنما تلزمه بالقضاء.
وقال ابن المواز: اتفق ابن القاسم وأشهب أن نفقة الزوجة إذا حلت تسقط الزكاة وإن لم تكن بقضية، وأن نفقة الأبوين لا تسقطها إلا أن تكون بقضية، واختلفا في الولد، فجعله ابن القاسم كالأبوين، وجعله أشهب كالزوجة، وبه أقول؛ لأن نفقته لم تسقط فيؤتنف فيه حكم، وفي رواية ابن حبيب عن أشهب أن نفقة الولد كالأبوين.
م: والفرق عند ابن القاسم بين الزوجة وبين الأبوين، والولد أن نفقة الزوجة عن عوض البضع الذي يستمتع به، ونفقة الأبوين والولد عن غير عوض، فما
الجزء: 4 - الصفحة: 102
كان عن عوض فيسقط كالدين لأجنبي، وما كان عن غير عوض فالزكاة أولى منه كالوصايا، وأيضا فلأن نفقة الزوجة إذا عجز عنها طلقت عليه إن شاءت ولم يعذر بالعسر، والوالدين، والولد هم في عسره من فقراء المسلمين، فما أوجب عليه حكما آكد مما لم يوجبه، والله أعلم.
ومن المدونة قال مالك: وإن كان له مال حل حوله وعليه إجازة أجراء عملوا له قبل الحول، أو كراء إبل أو دواب فليجعل ذلك فيما في يديه من الناض ثم يزكي ما بقي إذا لم يكن له عرض يجعل دينه فيه.
الجزء: 4 - الصفحة: 103
الباب العاشر
باب في زكاة القراض، وزكاة المساقاة
فصل 1 - المقارض متى يزكي مال القراض؟
قال ابن القاسم: والعمل في المقارض أنه لا يزكي ما بيده، وإن أقام أحوالا، حتى (137/ أ) ينض المال، ويحضر ربه، ويقتسمان، إذ لا يدري أعليه دين أم لا، أم هو حي أو ميت، فإن كان العامل يدير زكى لكل سنة بقدر ما كان المال فيها من عين أو قيمة عرض إلا ما نقصت الزكاة كل عام.
فصل 2 - إن كان رب المال يدير، فمتى يزكي، ومتى يزكي العامل؟
قال في العتبية: وإن كان رب الملا يدير فلا يزكي العامل حصته إلا عند المقاسمة لسنة واحدة.
وأما رب المال فإنه إذا جاء شهر زكاته زكى ماله بيد العامل إن كان من مال الإدارة ويقوم سلع القراض فيزكي رأس ماله وحصة ربحه.
م: يريد يزكيه من مال نفسه ولا ينتقض مال القراض كما تأولنا في زكاة ماشية القراض، قياسها واحد.
وفي المستخرجة ما ظاهره: إن ما بيد المقارض لا يُزكى إلا بعد المفاصلة وكأنه مال غير مقدور على التصرف فيه، فإن قيل: فهلا جعلته مثل الدين، والمدير يقوم الدين
الجزء: 4 - الصفحة: 104
إذا رجاه؟ قيل: لأن الدين يقدر على بيعه، والقراض - وإن حضر من هو بيده - لا يقدر على بيعه، ولم يقدر على أخذه ممن هو بيده، فأشبه كونه غائبا عن رب المال.
قال في كتاب ابن المواز: ولو أخر ذلك انتظار المحاسبة فضاع لضمن زكاة كل سنة.
قال فيه وفي العتبية: وإن كان غائبا عنه ببلدة ثانية لا يدري ما حدث عليه آخر ذلك إلى أن يرجع إليه فيزكي عن كل سنة بقدر ما كان المال فيها.
قال ابن حبيب: فإن هلك المال لم يضمن الزكاة.
قال ابن سحنون عن أبيه: وإن قام المال بيده ثلاث سنين فكان في أول سنة مئة، وفي الثانية مئتين وفي الثالثة مئة زكى عما كان عنده في كل سنة إلا ما نقصت الزكاة، ولو رجع في العالم الثالث مئة لم يزك إلا عن مئة لكل سنة إلا ما حطت الزكاة ولا يضمن ما هلك من الربح.
فصل 3 - في زكاة القراض يتفاصلان فيه قبل الحول أو يتفاصلان بعد الحول والمال بربحه عشرون دينارا أو أقل
ومن المدونة: ولو اقتسما بعد حول فأكثر من يوم أخذه فناب رب المال بربحه ما فيه الزكاة فالزكاة عليهما كان في حظ العامل ما فيه الزكاة أم لا.
الجزء: 4 - الصفحة: 105
وإن لم يكن في رأس المال وحظ ربه من الربح ما فيه الزكاة فلا زكاة على العامل، وكذلك إن اقتسما قبل حول من يوم أخذه فلا زكاة على العامل، ويستانف بما أخذه حولا من يوم اقتسما، فيزكيه إن كان ما فيه الزكاة.
وإن سقطت الزكاة عن رب المال لدين عليه فلا زكاة على العامل وإن نابه ما فيه الزكاة، وكذلك إن كان على العامل دين يغترق ربحه فلا زكاة عليه عند ابن القاسم.
م: وإنما تجب الزكاة على العامل عند ابن القاسم باجتماع خمسة أوجه، وهي: أن يكونا حرين مسلمين لا دين عليهما، وأن يكون في المال وحصة ربه من الربح ما فيه الزكاة، وأن يعمل العامل بالمال حولا، فمتى سقط شرط من ذلك لم يزك العامل.
م: قول ابن القاسم هذا استحسان ووجهه أنه لما ترجح عنده أمر العامل فرأى مرة أن له حكم الشريك في وجوه، منها: أن له شركا في الربح وإن حصته في ضمانه، وأنه لو اشترى من يعتق عليه وفي المال ربح لعتق عليه، وغرم لرب المال حصته منه، ورآه مرة أنه ليس كالشريك؛ لأن ليس له في أصل المال شرك، وأن ربح المال منه، وحوله حول أصله، فلما ترجح ذلك عنده توسط أمره فجعل له حكم الشريك إذا كان عليه دين، أو كان ليس من أهل الزكاة فخفف عنه بإسقاط الزكاة، وجعل في وجوه الحكم لرب المال فمتى وجب في المال زكاة وجبت على العامل، ومتى سقطت سقطت عنه، والقياس أن يكون حكم الربح كحكم المال فمتى وجب في المال والربح زكاة زكى
الجزء: 4 - الصفحة: 106
الربح، وهو قول أكثر أصحاب مالك.
والله أعلم بالصواب.
قال في كتاب القراض: ولو أخذ تسعة عشر دينارا فعمل بها شهرا فكان تمام حول رب المال ثم افترقا وقد ربحا دينارا فلا زكاة عليهما إذ لم يكمل لرب المال ما فيه الزكاة وإذ لم يعمل العمل بالمال حولا.
وقال أشهب ورواه عن مالك: إن عليهما الزكاة، وقال عبد الملك وسحنون: إذا وجدت في رأس المال مع جميع الربح ما فيه الزكاة فعليهما الزكاة؛ لأنه مال وجبت فيه الزكاة، وصار ما يأخذ العامل كإجارة أجير، ولم أجعل ذلك على رب المال في ماله كالإجارة؛ لأني أصبت هذا الربح في ضمان العامل لو هلك، والإجارة قد ضمنها رب المال بكل حال.
وبمثله احتج ابن المواز وقال: قول أشهب هذا أحب إلينا، ورواه ابن القاسم عن مالك وخالفه.
والحجة في ذلك أن ربح المال منه كولادة الماشية، والمقارض كالمساقي، وقاله ابن القاسم في المساقي وأباه في المقارض.
الجزء: 4 - الصفحة: 107
قال أشهب: وإن تفاصلا قبل الحول رب المال فلا زكاة على العامل فيما نابه وإن كثر حتى يأتي له حول من يوم نض بيده.
(137/ ب).
فصل 4 - في زكاة القراض إذا كان أحدهما عبدا أو مديانا أو ذميا
قال ابن عبدوس: قال عبد الملك: ولو كان العامل عبدا أو ذميا أو مديانا أو أخذ العبد نخلا مساقاة فعليهم الزكاة إذا كان في الجميع ما فيه الزكاة، وقاله ابن نافع وسحنون.
وقال ابن القاسم، وأشهب، وابن وهب عن مالك: إذا كان العامل مديانا فلا يزكي من ربحه إلا ما فضل عن دينه، قال ابن المواز: هذا استحسان، وإسقاط الزكاة عن العامل بدين عليه خاصة ليس بالقوي.
قال مالك: وأما إن كان رب المال عبدا، أو عليه دين محيط فلا شيء على العامل قل ربحه أو كثر، وكذلك إن كان نصرانيا وإن كنا نكرة أن يقارضه، وكذلك قال عبد الملك وسحنون.
فصل 5 - العامل لا يضم ما ربح في القراض إلى مال له آخر ليزكي، بخلاف رب المال
قال ابن المواز: قال أشهب: وإن أخذ أحد عشر دينارا فربح فيها خمسة، ولرب المال مال حل حوله إن ضمه إلى هذا صار فيه الزكاة - يريد: وقد حل على أصل هذا حول - فليزك العامل حصته؛ لأن المال وجبت فيه الزكاة كمساقي أصاب أربعة
الجزء: 4 - الصفحة: 108
أوسق ولرب المال حائط آخر أصاب فيه وسقا فليضم ذلك ويزكي ويقسما ما بقي، وبه يأخذ سحنون.
قال أبو محمد: قال ابن القاسم: ولا يضم العامل ما ربح إلى مال له آخر ليزكي بخلاف رب المال.
قال أسبغ في العتبية إذا عمل العامل في سنة، فأخذ ربحه فزكاه، وله مال لا زكاة فيه، له عنده حول، فإنه لا يزكيه ولا يضمه إلى ربح القراض، وإن كان فيه مع ربح القراض عشرون دينارا، وكذلك العامل في المساقاة إن أصابه وسقين، وأصاب في حائط له ثلاثة أوسق فلا زكاة عليه في حائطه، بخلاف رب المال، وليزك ما أصاب في المساقاة إن كان في نصيبه ونصيب رب الحائط ما فيه الزكاة.
فصل 6 - هل يجوز في القراض وفي المساقاة اشتراط الزكاة على أحدهما؟
ومن المدونة قال ابن القاسم: ولا بأس بالقراض على أن على رب المال زكاة المال والربح، ولا يجوز على أن على العامل زكاة المال وحده أو مع ربحه؛ لأنه لو ربح دينارا ورأس المال تسعة وثلاثون دينارا فأدى ذلك الدينار في الزكاة ذهب عمله باطلا، وأما زكاة الربح فيجوز اشتراطها على العامل أو على رب المال؛ لأن ذلك يصير جزء مسمى كأنه أخذه على أن له خمسة أجزاء من عشرة، ولرب المال أربعة أجزاء، والجزء الباقي في الزكاة.
الجزء: 4 - الصفحة: 109
م: وهذا تمثيل غير صحيح، والصحيح من ذلك أنه إن قارضه على النصف، وكان المشترط عليه ذلك رب المال فالربح يقسم على أربعين جزء فيأخذ العامل عشرين جزء، ورب المال تسعة عشر جزء والجزء الباقي في الزكاة، وإن قارضه على الثلث للعامل، أخذ العامل ثلث الربح كاملا، ورب المال الثلثين ويخرج من ذلك ربع عشر الربح كله، وهو مثل الأول وإن اختلفت العبارة.
قال ابن القاسم: ويجوز في المساقاة اشتراط الزكاة على رب الأصل فيكون للعامل خمسة أجزاء من عشرة، ولرب المال أربعة أجزاء، والجزء الباقي في الزكاة زاد على رواية يزيد بن أيوب: وقد قيل - أيضا - لا خير في اشتراط زكاة الربح في القراض على واحد منهما ولا في المساقاة أيضا، لأن المال ربما كان لا تجب فيه الزكاة، وغن كان فيه الزكاة فربما اغترفه الدين فأبطل زكاته، وربما أخرج عشرة فتختلف الأجزاء فيصير العمل على جزء غير مسمى.
ومن الواضحة: وإذا اشترط أحدهما على الآخر زكاة الربح فتفاضلا قبل الحول، أو كان ذلك لا زكاة فيه فمشترط ذلك على صاحبه يأخذ ربع عشر الربح لنفسه ثم يقتسمان ما بقي كما لو شرط لأجنبي ثلث الربح فيأبى من أخذه فهو لمشترطه منهما.
ومن المجموعة روى ابن وهب عن مالك: أنه إذا اشترط في المساقاة الزكاة على رب المال أو على العامل فهو جائز، وإن لم يصيبا خمسة أوسق وقد اشترط الزكاة على العامل فإن عشر ذلك أو نصف عشره في سقي النضح لرب الحائط خالصا، وقال سحنون: يكون لرب المال مما أصاب خمسة أعشار ونصف عشر وللعامل أربعة أعشار ونصف عشر؛ لأن رب المال/ شرط عليه أن يؤدي عشر نصيبه فرجع ذلك إليه.
(138/ أ).
الجزء: 4 - الصفحة: 110
وقال غيره: يقسم ما أصابا على تسعة أجزاء، خمسة لرب المال، وأربعة للعامل.
م: فوجه رواية ابن وهب أن رب المال لما اشترط على العامل الزكاة فكأنه إنما شرط له أن يأخذ أربعة أجزاء، ويكون الباقي لرب المال يخرج منه الزكاة، فلما لم يكن فيه زكاة دفع للعامل شرطه وأخذ هو ما بقي إذ الزكاة إنما هي عليه، وما يأخذ العامل كإجارة، فرب المال أولى بها.
ووجه قول سحنون أن ذلك الجزء إنما اشترط للمساكين فلما لم يصح لهم قسمة العامل ورب المال نصفين؛ لأن رب المال يقول: إنما اشترطت لك أيها العامل أربعة أجزاء فلا حق لك في غير ذلك، ويقول العامل: إنما شرطت لك يارب المال خمسة أجزاء فلا حق لك في غير ذلك، وكل واحد يدعيه لنفسه فيقسم بينهما.
ووجه الثالثة أنها لما كان الشرط أن يأخذ رب المال خمسة أجزاء، والعامل أربعة أجزاء والمساكين جزء، فلما بطل سهم المساكين بقيت القسمة بين المتعاملين على ما كانا دخلا عليه، لرب المال خمسة، وللعامل أربعة.
م: وهذا أعدلها.
[فصل 7 - في زكاة ماشية القراض وزكاة عبيد القراض]
ومن «المدونة»: قال ابن القاسم: وزكاة ماشية القراض على رب المال في رأس ماله، وكذلك زكاة الفطر في عبيد القراض، ولا يؤخذ ذلك من رأس مال القراض، وكذلك في كتاب ابن المواز، وأما نفقتهم فمن مال القراض.
وفي كتاب الزكاة الثاني إيعاب هذا.
الجزء: 4 - الصفحة: 111
الباب الحادي عشر
في زكاة تجار المسلمين، وفيمن منعها
فصل 1 - زكاة التجارة لا يبعث الإمام أحدا لجبايتها، ومن منعها أُخذت منه كرها
قال مالك: وتؤخذ من تجار المسلمين الزكاة تجروا ببلدهم أو بغيره، قال ابن القاسم: ويسألهم الإمام عما عندهم من الناض، وعما في بيوتهم، يسألهم عن ذلك وإن لم يتجروا إذا كان عدلا، كما فعل الصديق: كان يقول لمن يعطيه العطاء: هل عندك من مال تزكيه؟ فإن قال: نعم، أخذ ذلك من عطائه، وإن قال: لا أسلم إليه عطاءه.
قال: ولا يبعث في ذلك أحدا وإنما ذلك إلى أمانة الناس، إلا أن يعلم أن أحدا منعها فيأخذها منه كرها، قال أشهب: ويحسن أدبه إن كان الوالي يقسمها، وإن كان على غير ذلك فلا يعرض له.
قال في كتاب ابن القرطي: وإن عُرف بمنعها ولم يظهر له مال سجن، وإن كانوا أهل بلد قوتلوا ولا يقاتلوا في زكاة الفطر.
وقال الصديق رضي الله عنه: "لو منعوني عقالا لجاهدتهم عليه".
الجزء: 4 - الصفحة: 112
قال ابن المواز: قال مالك: وإنما يعني بذلك الفريضة التي تحت القلوص نفسه، وعليه العمل.
قال ابن المواز: قال مالك: الأمر عندنا أن كل من منع فريضة من فرائض الله عز وجل فلم يستطع المسلمون أخذها منه كان حقا عليهم جهاده حتى يأخذوها منه.
م: وإذا أخذت الزكاة منه كرها أجزأته وإن عدمت منه النية، كمن طلق في الحيض وأبى أن يرتجع فإن الإمام يرتجع عليه وتصح الرجعة فلو أخذ ذلك القدر من ماله بعد الحول وفرّق في المساكين لم يجزئه عن الزكاة.
الجزء: 4 - الصفحة: 113
ومن المدونة قلت: فأين ينصبون هؤلاء الذين يأخذون العشر من أهل الذمة والزكاة من تجار المسلمين؟
قال: رأيت مالكا لا يعجبه أن ينصب لهذا المكس أحد، قال: وكتب عمر بن عبد العزيز إلى عامل المدينة أن يضع المكس فإنه ليس بالمكس ولكنه بالبخس، قال الله تعالى: (وَلا تَبْخَسُوا النَّاسَ أَشْيَاءَهُمْ) ومن أتاك بصدقة فاقبلها ومن لم يأتك بشيء فالله حسيبه والسلام.
قال ابن القاسم: ومن تجر من المسلمين من بلد إلى بلد لم تؤخذ منه والزكاة إلا مرة واحدة في السنة بخلاف أهل الذمة في هذا، ومن تجر ومن لم يتجر إنما عليه الزكاة في السنة مرة.
فصل 3 - لا يقوم على تجار المسلمين ولا على أهل الذمة
قال مالك: ومن خرج من مصر إلى المدينة أو غيرها فلا يقوم عليه ما في يديه ولكن إذا باع أدى زكاته، ولا يقوم على أحد من المسلمين، ولا يقوم أيضا على أهل الذمة ولكن إذا باعوا أخذ منهم العشر.
الجزء: 4 - الصفحة: 114
فصل 3 - في المسلم يقدم بتجارة فيقول: ما معي مضاربة، أو علي دين
ومن قدم بتجارة من المسلمين فقال: هذا الذي معي مضاربة أو بضاعة أو علي دين أو لم يحل على ما عندي الحول صدق ولا يحلف.
م: وقيل: يحلف، وقيل: عن كان منهما حلف وإلا لم يحلف كذلك فسره ابن مزين.
فصل 4: في الذمي يجلب تجارة فيزعم أنها دين عليه
قال ابن المواز: قال أشهب: وأما الذمي الذي جلب تجارته فزعم أنها دين عليه فلا يقبل قوله، وليس كالمسلم إلا أن تقوم للذمي بينة أنها دين لمسلم فلا يؤخذ مه شيء، وغن كان دينا لذمي فإنه يؤخذ منه عشرة إن باع ويتحفظ عليه.
الجزء: 4 - الصفحة: 115
الباب الثاني عشر
جامع ما جاء في تعشير أهل الذمة
فصل 1 - فيما يؤخذ من الذمي إذا تجر في بلده، وما يؤخذ منه إذا خرج تاجرا إلى بلاد المسلمين
قال ابن القاسم: وإذا تجر الذمي من أعلى بلده إلى أسفله ولم يخرج إلى غيره لم يؤخذ منه شيء، ولا تؤخذ منه زكاة عين ولا حرث ولا ماشية.
(138/ ب).
م: لأن الزكاة تطهير وليس هو بمطهر، ولا يؤخذ منه غلا الجزية التي فرضت عليهم.
وإن خرج من بلده إلى غيره من بلاد المسلمين تاجرا ومعه بز أو غيره فلا يؤخذ منه شيء حتى يبيع فيؤخذ منه العشر باع بأقل من مئتي درهم أو بأكثر منها.
وقد روي أن عمر بن الخطاب قال لأهل الذمة: "إن تجريم في بلادكم فليس عليكم إلا الجزية وإن خرجتم إلى غيرها أخذ منكم العشر وكان يأخذ منهم بالمدينة نصف العشر كلما قدموا ولا يكتب لهم براءة.
قال عبد الوهاب: والأصل في ذلك قوله (صلى الله عليه وسلم): "ليس على المسلمين عشور إنما
الجزء: 4 - الصفحة: 116
العشور على اليهود والنصارى".
وأجمع الصحابة على ذلك؛ لأن عمر رضي الله عنه أخذ من القبط العشر، ومضى عليه الأئمة بعده ولم يختلف عليه أحد.
وقال ابن حبيب: لا يعجبني قول ابن القاسم أن لا يؤخذ من الذمي شيء حتى يبيع بل يؤخذ منه عشر ما معه من تجارته ويعقد ذلك عليه الوالي ويكون له شريكا فيما في يديه بعشرة ويحول بينه وبين وطء إمائه ساعة يقدم.
وقاله مالك وأصحابه المدنيون، وقد روى مالك أن عمر بن الخطاب كان يأخذ منهم العشر من القطنية ونصف العشر من الحنطة والزيت فقد أخبرك أن عمر كان
الجزء: 4 - الصفحة: 117
يأخذ عشر ***** إلا عشر الثمن إذا باعوا ففي هذا *********.
قال: وما قدم به من عين ****** واجب عليه عشرة اشترى به أو لم يشتر
قال: وقال ابن القاسم: لا شيء عليه حتى يشتري به فيؤخذ منه عشر ما اشتراه
قال: وغذا خرج الذمي بتجارة لأخذ منه عشرها فلم يعجبه البيع فخرج بها إلى بلد آخر من بلاد المسلمين فإنه يؤخذ منه أيضا عشر ***** وبالله التوفيق.
فصل 3 - الذمي يؤخذ منه كلما قدم
ومن المدونة قال ابن القاسم: ولو قدم الذمي منه مرة في السنة فإنه يؤخذ منه ولا يكتب لهم براءة إلى الحول كما يكتب للمسلم.
وقاله عمر بن الخطاب إلا أنه قال: يؤخذ منهم نصف العشر *******: من الطعام ليكثر حمله إلى المدينة.
قال ابن القاسم: فإن لم يبع متاعه ولا ابتاع ورجع به إلى بلده أو إلى بلد غيره فذلك له ولا يؤخذ منه شيء.
قال ابن المواز: قال مالك: وكذلك لو قدم بتجارة من غير بلده إلى بلده
الجزء: 4 - الصفحة: 118
[فباعها ببلده، لم يؤخذ منه شيء.
ومن «المدونة»: قال مالك ولو قدم بعين فاشترى به سلعة أخذ منه عشر تلك السلعة مكانه.
م: ونقلها أبو محمد أخذ منه عشر قيمة تلك السلعة.
وقال بعض شيوخنا: إن كانت تلك السلعة تنقسم أخذ منه عشرها، وإن كانت لا تنقسم أخذ منه تسع قيمتها وذلك أن لنا عشر تلك السلعة في عينها، فإذا أعطانا قيمة ذلك العشر صار كأنه اشترى سلعة ثانية منا قلنا أيضاً عشرها، فإذا أعطانا قيمة هذا العشر صار كسلعة ثالثة اشتراها منا، فلنا أيضاً عشرها فهكذا أبداً كلما أعطانا قيمة عشر صار مشتريه منا، فلنا عشره إلى ما لا نهاية له حتى يدق ذلك العشر فلا يعلم مقداره إلا الله تعالى فيؤخذ منه التسع أول مرة وهو الحق الذي لا شك فيه، فأما إذا كانت تنقسم أخذ منه عشرها.
قال ابن القاسم: ثم إن باعها بعد ذلك فأقام سنين يبيع ويشتري، ثم أراد المسير إلى بلده، فلا شيء عليه.
وكذلك إن قدم بمتاع فباعه وأدى عشر الثمن ثم اشترى بعد ذلك وباع، فلا شيء عليه.
ومن «المجموعة»: قال ابن نافع عن مالك: وإذا اتجروا بالخمر وما يحرم علينا تركوا]
الجزء: 4 - الصفحة: 119
حتى يبيعوه فيؤخذ منهم عشر الثمن، وإن خيف من خيانتهم جعل معهم أمين، قال ابن نافع: وذلك إذا حملوه إلى أهل ذمة لا إلى أمصار المسلمين التي لا ذمة فيها.
قال ابن شعبان: لا يجوز الوفاء لهم بذلك، ولا النزول بمثل هذا، وتراق الخمر وتعرقب الخنازير.
قال بعض المتأخرين: فإن نزلوا على أن يقرروا على ذلك وهم ****** نزولهم قبل أن يبيعوا شيئا وقبل أن تطول إقامتهم ويعرفوا حال المسلمين في بلادهم قيل لهم: إن شئتم فعلنا ذلك وإلا فارجعوا، وإن طال مكثهم فعل ذلك وإن كرهوا.
فصل 4 - في الذمي يتحول من بلده الذي ضربت عليه فيه الجزية، ثم يقدم إليه بتجارة.
قال ابن المواز: قال ابن القاسم: ومن كان من أهل ذمة مصر فرحل إلى الشام فأوطنها ثم قدم مصر بتجارة فباع فلا يؤخذ منه شيء؛ لأنها بلده التي صالح عليها، وإن رجع إلى الشام التي أوطن أخذ منه العشر، قال أصبغ: وذلك إذا تركت جزيته لم تحول ولم تؤخذ منه حيث انتقل فإن أخذت منه حيث استوطن ومحي عنه الأول صارت كبلده ولم يؤخذ منها شيء فيها.
قال ابن سحنون عن أبيه: وإذا نزل الذمي ببلدنا واشترى متاعا فأخذ منه العشر ثم استحق ذلك من يديه أو رده بعيب أنه يرجع إلى العشر فيأخذه.
ومن المدونة قال مالك: وإذا أكرى ذمي من أهل الشام إبله من الشام إلى المدينة فلا يؤخذ منه عشر الكراء بالمدينة، يريدك وكذلك لو عقد كراءها بالشام إلى المدينة ذاهبا
الجزء: 4 - الصفحة: 120
وراجعا لم يؤخذ منه شيء؛ لأنها سلعة باعها بيده، قال ابن القاسم: وإن إكراها بالمدينة راجعا إلى الشام أخذ منه عشر الكراء بالمدينة.
وقال أشهب في المجموعة: لا شيء عليه؛ لأن ذلك غلة.
وقال ابن حبيب بضد قول ابن القاسم انه إذا أكرى من الشام إلى المدينة أخذ منه عشر الكراء بالمدينة؛ لأنه بها تم كرازه فهو كعرض قدم به معه فإنه يؤخذ منه عشرة، قال: ولو أكراها راجعا لم يكن عليه شيء كعرض قدم به فأخذ منه عشرة ثم باع بعد ذلك واشترى فإنه لا يؤخذ نه شيء.
م: ولو قال: إذا أكراها راجعا إلى بلده لم يكن عليه شيء؛ لأنه إنما تم كراؤه ببلده فهو كعرض قدم به إلى بلده فلا يؤخذ منه شيء لكان قياسا واحدا.
م: وقول ابن القاسم أحسن؛ لأنه لو كان مسلما وأكرى إبله بالشام إلى المدينة أو غيرها وانتقد الكراء وبلغ المكنزي غايته ثم حل حول من يوم انتقد الكراء أوجب عليه زكاته إن كان نصابا باتفاق فدل أنه ملك ما انتقد من يوم انتقده، وعلى قياس قول ابن حبيب إنما يكون حوله من يوم بلوغه الغاية *******، لانه بها تم كراؤه، وهذا لا يقوله أحد.
م: وقيل في الذمي: يُفض الكراء على قدر مسيرة في ارضه وما بعدها فما سار في بلاده سقط عنه وما سار في غيرها أخذ منه، قال بعض المتأخرين: ويختلف على هذا إذا أسلم في سلعة ليقيضها في غير بلده هل يراعى موضع أو موضع القبض.
الجزء: 4 - الصفحة: 121
فصل 5 - في عبيد أهل الذمة إذا *****
ومن المدونة: قال ابن القاسم: وإذا تجر عبيد أهل الذمة أخذ منهم العشر كما يؤخذ من *******.
فصل 6 - في ما يؤخذ من أهل الذمة إذا تجروا إلى المدينة أو مكة ********
قال مالك في المجموعة في أهل الذمة يتجرون إلى المدينة أو مكة بالطعام قال: يؤخذ منهم نصف العشر من الحنطة والزيت خفف ذلك عنهم عمر، وإنما خفف عنهم عمر في حملهم الحنطة والزيت إلى المدينة ومكة خاصة وكذلك ما كان بأعراض المدينة من القرى ليكثر حملهم ذلك إليها، فكان يأخذ منهم في القطنية العشر.
وفي كتاب ابن سحتون قال ابن نافع عن مالك: يؤخذ منهم من الزيت والطعام العشر تجروا إلى المدينة أو مكة أو غيرها، وإنما أخذ منهم عمر نصف العشر في الحنطة والزيت ليكثر الحمل إلى المدينة ومكة، وقد أغنى الله عز وجل المدينة وغيرها.
وقال ابن نافع: لا يؤخذ منهم بهذين البلدين غلا نصف العشر كما فعل عمر وإن استغنوا اليوم عن ذلك، ورواه أيضا عن مالك.
فصل 7 - فيما يؤخذ من الحربيين إذا نزلوا عندنا التجارة
ومن المدونة قال ابن القاسم: وإذا نزل أهل الحرب بتجارة أخذ منهم اصالحوا عليه في سلعهم ليس في ذلك عشرة ولا غيره.
الجزء: 4 - الصفحة: 122
وقال ابن نافع: وقاله ابن حبيب، وروى علي بن زياد عن مالك: أن عليهم العشر.
قال في «المجموعة»: يؤخذ منهم مثل ما يؤخذ من تجار أهل الذمة.
وقال أشهب في «المجموعة: إن نزلوا على غير مقاطعة على شيء فلا يزاد عليهم فوق العشر.
وروى ذلك أنس بن مالك، وقاله ابن القاسم في «كتاب محمد».
وقال فيه أصبغ: إن كانوا معروفين بالنزول قبل ذلك على العشر فلم يقل لهم حتى باعوا فلا يزاد عليهم.
وقال ابن القاسم في «المجموعة»: إذا نزلوا على دنانير أو دراهم لم يحل بينهم وبين رقيقهم.
قال مالك: وإن كان على العشر حيل بينهم وبين وطء الإماء حتى يبيعوا.
وقال ابن حبيب: الوالي شريك معهم في جميع ما معهم حتى يأخذ منهم جزءه الذي صالحهم به، ويعقل عليهم جميع ما معهم، ويحال بينهم وبين وطء إمائهم حتى يقاسمهم ما بأيديهم إن كان مما ينقسم، وإن كان مما لا ينقسم بيع كله وأخذ الوالي جزءه من الثمن وخلى لهم بقيته، إن شاؤوا باعو منا أو رجعوا به.
قال مالك في كتاب ابن المواز: وليس للوالي مقاسمتهم رقيقاً ولا غيره حتى يبيعوا.
قال فيه وفي «المجموعة»: ولو لم يبيعوا ورجعوا فليؤدوا العشر من ذلك ويقاسموا
الجزء: 4 - الصفحة: 123
ويخرجوا بما بقي لهم ويطئون ويصنعون ما شاءوا فحيث ما نزلوا من بلاد المسلمين فلا يؤخذ منهم شيء؛ لأنه قد أخذ ذلك منه مرة وليسوا كأهل الذمة في هذا.
وقال أشهب: إن لهم الرجوع بسلعهم إلى موضع آخر ولا يؤخذ منهم شيء إلا أن يشترط عليهم شرط فيعمل عليه.
فصل 8 - إذا نزل أهل الحرب عندنا على أن يقاسمهم الإمام ما بأيديهم
قال ابن القاسم: وإذا نزل أهل الحرب على أن يقاسمهم ما بأيديهم فلا يكون لهم أن يطئوا ولا يبيعوا حتى يقاسموا فإذا قوسموا أخذوا ما صار لهم فلهم فيه الوطء والبيع والخروج به حيث شاءوا، وقاله سحنون عن ابن القاسم، وقال عنه: ولو جزأهم عشرة عشرة على أن يختار الإمام من كل عشرة واحدا فلا بأس بذلك.
ابن المواز: وقال أصبغ: ولا أرى أن يتركوا يدوروا إلى سواحل الإسلام لبيع ولا لشراء إلا الموضع الذي نزلوه وغن لم يبيعوا؛ لأن ذلك عورة وتفتيش لموضع العورة ولا ينبغي أن ينزلوا إلا بموضع المجتمع وبموضع تؤمن غرتهم فيه ولا يدوروا أزقة موضع نزلوه إلا الأسواق والطرق الواضحة لحوائجهم، غير أن لهم الأمان في
الجزء: 4 - الصفحة: 124
أنفسهم وأموالهم في بلاد الإسلام أجمع حتى يفارقوا دار الإسلام كلها.
فصل 9 - في الحربي ينزل بلاد المسلمين ومعه دنانير عين فيشتري بها تجارة أو معه سبائك ذهب فيضربها دنانير ثم يخرج بذلك إلى بلده
قال ابن المواز: وإن كان مع الحربي دنانير عين فابتاع بها تجارة ليتجهز بها إلى بلده أو معه سبائك ذهب فضربها دنانير وخرج بها أو غزلا حاجه وخرج به فأما في قول ابن القاسم فإنه يرى في ذلك كله العشر أو ما نزل عليه مثل ما جاء به من تجارة؛ لأنه يرى عليه إن بدا له فيما نزل به من تجارة فأراد ردها العشر بخلاف الذمي عنده، وأما أشهب فيراه كالذمي لا يؤخذ منه شيء فيما وصفته إلا أن يشتري تجارة؛ لأنه لا يرى عليه في تجارته شيئا حتى يبيع.
قال ابن المواز: فأما الذمي فلا شيء عليه في الذهب التي ضربها دنانير أو ما حاك من الثياب وإن جلب ذلك من أفق إلى أفق وإن خرج بذلك معه إلى بلده، زاد في موضع آخر: إلا عشر الأجرة التي دفع في الضرب والصياغة والحياكة وهذا في الذمي يدخل غير بلده، وجعل أشهب الحربي مثله.
الجزء: 4 - الصفحة: 125
[وقال ابن القاسم: يؤخذ من الحربي عشر ذلك معمولاً.
قال أبو محمد: انظر قوله: «معمولاً».
م: وإذا قدم بفضة استأجر على ضربها وكانت ألف درهم ضرب له تسعمائة، وأما من ينظر ما به الأجر يضربها لهم أو يبيع منافعه في ضرب مائة، ولو قدم بثياب فاستأجر على صبغها وهي مائة صبغ له منهت تسعون، فإن لم ينظر في ذلك حتى ضرب الألف وصبغ المائة أخذ منه قيمة ذلك الجزء الذي كان يستحق المسلمون ويعشر أيضاً ذلك العشر، فإن باع أو اشترى بعد ذلك في ذلك البلد بذلك المال لم يؤخذ منه شيء، وإن خرج إلى أفق آخر أخذ منه أيضاً واختلف إذا رجع إلى بلده لتجارة هل يؤخذ منه شيء أم لا؟
فقال مالك: في «المجموعة»: يؤخذ منه.
وقال في «مختصر بن عبد الحكم»: لا يؤخذ منه شيء وإن دخل حربي أو ذمي بدنانير فصرفها بدراهم أخذ منه عشر الدراهم، وكذلك بدراهم فصرفها بدنانير.
ابن المواز: وأما ما حاكه الذمي ببلده فلا شيء عليه.
الجزء: 4 - الصفحة: 126
[الباب الثالث عشر]
جامع ما جاء في الجزية
قال الله تعالى في الكتابيين: "حتى يعطوا الجزية عن يدٍ وهم صاغرون" وقال الرسول صلى الله عليه وسلم في المجوس: «سنوا بهم سنة أهل الكتاب».
وقد أخذها صلى الله عليه وسلم من مجوس هجر، وأخذها عثمان من البربر، وقد جرى من هذا في كتاب الجهاد.
قال ابن القاسم وغيره: تؤخذ الجزية ممن دان بغير دين الإسلام بدين يقر عليه أهل الكتاب أو غيرهم ومن نصارى العرب، وتؤخذ من نصارى بني تغلب ولا تضاعف عليهم.
قلت: أرأيت نصارى بني تغلب أيؤخذ منهم في جزيتهم الصدقة مضاعفة؟]
الجزء: 4 - الصفحة: 127
قال: ما سمعت ذلك ولو كانت تؤخذ منهم كذلك ما جهلناه.
قال أبو إسحاق: وإنما أراد أن يسمى ما يؤخذ منهم صدقة ولا يمسى جزية ويضعفون ذلك لتزول عنهم الذلة بصرف اسم الجزية فأنكر ذلك؛ لأن الله تعالى أراد إذلالهم، وقال: (حَتَّى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ عَنْ يَدٍ وَهُمْ صَاغِرُونَ) قال: فألزمهم الصغار والذلة، فلو سميت صدقة صاروا كالمسلمين الذين تؤخذ منهم الصدقة.
ابن وهب: وإن عمر بن عبد العزيز قال لنصارى كلب وتغلب: "لا نأخذ منكم الصدقة وعليكم الجزية" فقالوا: أتجعلنا كالعبيد؟ فقال: "لا نأخذ منكم إلا الجزية" فتوفي عمر وهو على ذلك.
فصل 3 - في مقدار الجزية
ومن كتاب ابن المواز: ولا يزاد في الجزية على ما فرض عمر بن الخطاب أربعة دنانير على أهل الذهب، وأربعون درهما على أهل الورق وإن كثر يسرهم، قال ابن القاسم: ولا ينقص من ذلك.
الجزء: 4 - الصفحة: 128
واحتج مالك بقول عمر بن الخطاب: "وقد فرضت لكم الفرائض وسنت لكم السنن".
قال عبد الوهاب: لأن عمر فرضها على هذا المقدار بحضرة الصحابة فلم ينكر عليه أحد بل صوبوا رأيه إلا أن يضعف عنها أحد فيخفف عنه، وكذلك قال أسبغ ومحمد: يخفف عمن لا يقدر، وقد كتب عمر بن عبد العزيز أن يخفف عن جماجمهم فإن احتاجوا فاطرحوها عنهم، فإن احتاجوا فأنفقوا عليهم وأسلفوهم من بيت المال.
قال مالك: وتوضع عن أهل الذمة ضيافة ثلاثة أيام التي جعل عليهم عمر؛ لأنه لم يوف لهم بما ينبغي من الذمة.
قال سحنون: وقد كان فرض عليهم عمر أرزاق المسلمين من الحنطة مدان على كل نفس في الشهر مع ثلاثة أقساط زيت ممن كان من أهل الشام والجزيرة.
وأما أهل مصر فاردب من حنطة كل شهر ولا أدري كم من الودك والعسل وكسوة كان يكسوها عمر للناس وعلى أن يضيفوا من مر بهم من أهل الإسلام ثلاثة أيام.
الجزء: 4 - الصفحة: 129
[وعلى أهل العراق خمسة عشر صاعاً كل شهر على كل رجل وكسوة معروفة لا أعرف قدرها يكسوها عمر للناس.
ومن «كتاب ابن القرطي»: فإن منع أهل الذمة الجزية قوتلوا وسبوا ولا تؤخذ من رهبان أهل الذمة [جزية].
قال مطرف وابن الماجشون: وهذا في مبتدأ حملها وأما من ترهب بعد أن ضربت عليه وأخذت منه فإنها لا تزول عنه، وكذلك قال مالك.
وأما رهبان الكنائس فلم ينه عن قتلهم ولا توضع الجزية عنهم وهم الشمامسة الذين قال فيهم الصديق: «وستجد قوماً فحصوا عن أوساط رؤوسهم فاضرب ما فحصوا عنه بالسيف».
ومن «المدونة»: قال مالك: ولا جزية على نصراني أعتقه مسلم، ولو جعلت عليه الجزية كان العتق أضر به وقاله علي بن أبي طالب -رضي الله عنه- والشعبي وقال: ذمته ذمة مولاه.
قال ابن القاسم: فإن أعتقه ذمي كان على العبد المعتق الجزية كما يؤخذ من عبيد
الجزء: 4 - الصفحة: 130
النصارى إذا تجروا في بلاد المسلمين العشر.
قال أشهب: وبلغني أن علي بن أبي طالب -رضي الله عنه- قال في النصراني: يعتق لا جزية عليه، ولم يفسر من أعتقه.
قال في «كتاب محمد»: قلت: لمالك: فإن أعتقه نصراني؟
قال: لا أدري.
قال أشهب: وأنا أرى ألا جزية عليه.
وقال ابن حبيب: في النصراني يعتقه مسلم: قد اختلف فيه وأحب إلي أن تؤخذ منهم الجزية صغاراً لهم.
م: ووجه هذا: فلأنه حر نصراني، فوجب أن تكون عليه الجزية، أصله الذمي، ولا وجه لقول أشهب، والقياس قول ابن القاسم.
ومن طريق الأثر عن علي وغيره ولا مخالف له من الصحابة ولأن ذمته ذمة مولاه وقيل: «إن مولى القوم منهم».
يريد: في الحرمة، فحرمة كل معتق كحرمة مولاه، وذمته ذمة مولاه.
ومن «المدونة»: قال ابن القاسم: وإذا لم تؤخذ من الذمي الجزية سنة حتى أسلم فلا يؤخذ منه شيء، لأن مالكاً قال في أهل حصن هو دنوا ثلاث سنين على أن يعطوا كل سنة شيئاً معلوماً فأعطوهم سنة واحدة ثم أسلموا: إنه يوضع عنهم ما بقي عليهم ولا يؤخذ منهم شيء.
قال ابن القاسم: والمال الذي هو دنوا عليه مثل الجزية].
الجزء: 4 - الصفحة: 131
قال: وبلغني أن عمر بن عبد العزيز كتب إلى عماله أن يضعوا الجزية عمن أسلم من أهل الجزية حتى يسلمون، قال مالك: وهي السنة التي لا اختلف فيها.
قال مالك: وإذا أسلم أحد من أهل الصلح سقطت الجزية عنه وعن أرضه وكانت أرضه له.
قال: وإن كان من أهل العنوه لم تكن أرضه له ولا ماله ولا داره وسقطت الجزية عنه.
ابن وهب: وقاله عمر بن الخطاب، وابن شهاب.
م: يريد: ماله الذي اكتسبه قبل الفتح، قال أبو محمد: وأما ما أكتسبه بعد الفتح فأسلم فإنه له، قاله مالك.
ابن وهب: وكان ابن عمر، وابن عباس ومالك، وغيره يكرهون بيع أرض العنوه.
الجزء: 4 - الصفحة: 132
[الباب: الرابع عشر]
فيمن امتنع من أداء زكاته أو أخرجها قبل وجوبها، أو أكره على ذلك.
والزكاة فريضة، ومن امتنع من أدائها أخذت منه كرهاً، فإن امتنع وكانت له منعة قوتل، وقد قال أبو بكر الصديق رضي الله عنه: "ولو منعوني عقالاً لجادلتهم عليه".
قال ابن وهب عن مالك في قول الصديق: "ولو منعوني عقالاً" قال: هو الفريضة من الإبل.
ابن وهب: وهو البعير، وقيل: سعاية عام، واحتج لذلك بقول الشاعر:
سعى عقالاً لم يترك لنا سيداً ... فكيف أو قد سعى عمرو عقالين
وقيل: إنما عنى بالعقال ما يعقل به البعير، وقد يكون هذا من أبي بكر رضي الله عنه على طريق المبالغة.
الجزء: 4 - الصفحة: 133
[م: وهو الذي أراد والله أعلم.
قال مالك: فإذا علم الإمام من أحد أنه لا يؤدي الزكاة فليأخذها منه كرهاً.
قال أشهب في «المجموعة»: ويحسن أدبه إن كان الوالي يقسمها، وإن كان على غير ذلك فلا يعرض له.
قال في «كتاب ابن القرظي»: وإن عرف بمنعها ولم يظهر له مال سجن، وإن كانوا أهل بلد قوتلوا، ولا يقاتلوا في منع زكاة الفطر.
قال مالك في «العتبية»: و «الموطأ»: وكتب عمر بن عبد العزيز إلى عامله في رجل منع زكاة ماله: أن دعه، فندم الرجل وأداها فقبلها منه عمر.
ومن «المدونة»: وإذا غلب خوارج على أهل بلد أعواماً فلم يؤدوا زكاة مواشيهم فليأخذهم الإمام العدل إن ظهر عليهم بزكاة ما تقدم للحرث والماشية وغيرها.
قال أشهب: إلا أن يقولوا قد أدينا ما قبلنا فلا يأخذهم إلا بزكاة عام ظهوره عليهم، لأنهم متأولون بخلاف الهارب.
الجزء: 4 - الصفحة: 134
وقد وقت الله سبحانه ورسوله صلى الله عليه وسلم للزكاة وقتاً لا يتجاوز عنه وهو الحول في العين والماشية، ويوم الحصاد في الحرث.
قال عبد الوهاب: فلا يجوز إخراج زكاة قبل وجوبها [خلافاً] لأبي حنيفة والشافعي، لقوله صلى الله عليه وسلم: «لا زكاة في مال حتى يحول عليه الحول».
ولأنه تقديم للزكاة قبل وجوبها كما لو قدمها لحولين أو ثلاثة، ولأنها أحد الأركان الخمسة التي بني الإسلام عليها فتقديمها قبل وجوبها لا يسقط الفرض، أصله الصلاة والصوم والحج.
قال مالك فيمن عجل زكاته من عين أو حرث أو ماشية قبل وقتها لسنة أو سنتين: لم يجز.
قال مالك: في زكاة العين: إلا أن يكون قبل الحول بيسير فلا بأس به، وأحب إلي أن لا يفعل حتى يحول عليه الحول.
ابن المواز وقاله أشهب، ورواه عن مالك والليث: أنه إذا أخرجها قبل محلها لم]
الجزء: 4 - الصفحة: 135
تجزه، واحتجا بالصلاة.
قال ابن المواز: لا تجزئه إلا ما كان قبل الحول بيوم أو يومين والفضل ألا يفعل.
وقال ابن حبيب عن من لقي من أصحاب مالك: لا تجزئه إلا فيما قرب مثل خمسة أيام أو عشرة.
وقال عيسى عن ابن القاسم: لا أحب له أم يفعل إلا بأمر قريب وأرى الشهر قريبا على تزحيف وكره.
م: والقياس رواية أشهب أنه لا يجزي قبل محلها كالصلاة، وما عداه استحسان.
ومن المدونة: قال: وأو عجل زكاة الماشية لعامين لم تجزه وأخذه المصدق بزكاة ما يجد عنده، وإذا أداها قبل أن يتقارب لم تجزه كمن صلى قبل الوقت فلا تجزئه.
ابن وهب ابن المواز: قال ابن وهب عن مالك: وإن أخذها منه الساعي قبل محلها جبراً لم تجزه، وقال ابن القاسم: إن أخذه بزكاة زرعه بعد ما يبس أو بزكاة غنمه أو ماله قبل محله فإن كان بقرب محلها أجزأه، والزرع أبينه.
الجزء: 4 - الصفحة: 136
ومن المدونة قال مالك: وإن ابن عمر كان يبعث بزكاة الفطر إلى الذي تجمع عنده قبل الفطر بيومين.
ابن وهب: وأمر النبي صلى الله عليه وسلم أن تخرج زكاة الفطر قبل أن يخرج إلى المصلى.
الجزء: 4 - الصفحة: 137
[الباب الخامس عشر]
[في دفع الزكاة إلى الإمام العدل وغير العدل
قال مالك: وإذا كان الإمام يعدل لم يسع أحد أن يفرق زكاة ماله الناض ولا غيره، وليدفع الزكاة إلى الإمام.
ابن المواز: قال أشهب: وذلك إذا كان الإمام عدلاً يقسمها على العدل بغير تفريط ولا ضيعة ولا يحبسها عن أهلها ولم يحدث فيها شيئاً.
قال غيره: قبل القسم، وإن كان غير ما شرطت لك فلا تدفعها إليه إن خفي لك ذلك.
وإن دفعها إلى غير العدل، وهو يقدر أن يخفيها عنه فلا تجزئه وليخرجها ثانية إلا أن يأخذها منه كرهاً فعسى أن تجزئه، وأحب إلي أن يعيد احتياطاً، ولا أرى له على هذا القول أن ينتظره في حرث ولا ماشية، وليس عليه بواجب أن يأخذ به وأرجو أن يكون في سعة إن شاء الله.
قال مالك وابن القاسم: وإن طلب بها فقال: أخرجتها، فإن كان الإمام عدلاً مثل عمر بن عبد العزيز فلا يقبل منه، وقال أشهب: يقبل منه إن كان صالحاً، وإن كان متهماً بمنع الزكاة فلا يقبل منه، وإن كان الإمام غير عدل فليصدقه ولا أراه بفاعل.
ومن «المدونة»: قال مالك: وأما زكاة الماشية وما أنبتت الأرض فإن الإمام يبعث في ذلك.
قال ابن المواز: وإنما يبعث الإمام في المواشي والحبوب لتعذر الحمل، لئلا يشق على أهلها حمل ذلك وجلبه فيكلفوا ما ليس عليهم فيظلمون.
قال مالك: إلا أن يكونوا ممن لا ترد عليهم السعاة لبعدهم فعليهم أن يجلبوا ما عليهم إلى المدينة،
الجزء: 4 - الصفحة: 138
وإن كانوا ضعافاً أو يصطلحوا على قيمتها، ولم ير بأخذ القيمة في مثل هذا بأساً.
قال عنه أشهب: فإن اختلفوا في القيمة سئل أهل الصلاح كيف كان العمل عندهم [فيه] فيعمل عليه.
ومن «المدونة»: قال ابن القاسم: وإذا غلب خوارج على بلد أعواماً فأخذوا من الناس الزكاة والجزية ثم قوتلوا، لم يؤخذ ذلك من الناس ثانية وأجزأ ما أخذوا، وقاله أبو سعيد الخدري، وسعد بن مالك، وأبو هريرة، وابن عمر وغيرهم.
قال في «كتاب ابن المواز»: وكذلك قوم غلبوا على البلاد وأخذوا الزكاة ثم غلبهم السلطان وأخرجهم منها، فلا يأخذ من الناس الزكاة ثانية، وهم مثل الخوارج وقد رأيت].
الجزء: 4 - الصفحة: 139
مالكاً يقرب بعضهم إذا أخذوها عند محلها، وقد كان ابن عمر يدفع زكاة ماله إلى من غلب على المدينة عن أمراء الفتنة، وأحب إلينا أن يدفع إليهم أن استطاع ويخرج ذلك إلى من فرضها الله دون أهل الجور والخلاف.
الجزء: 4 - الصفحة: 140
الباب: السادس عشر]
فيمن حلت زكاته وهو مسافر وإخراج الزكاة من بلد إلى بلد
قال مالك: ومن سافر بتجارة وهو مدير وله ناض ببلده فحال عليه الحول وهو في سفره ببلد آخر فليزك عما معه وعما خلف ببلده، / وكذلك إن خلف ماله كله ببلده إلا أن يخاف الحاجة ولا قوت معه فليؤخر ذلك حتى يقدم بلده، فإن وجد من يسلفه زكاته حيث هو فليتسلف ويخرج زكاته أحب إلي، وقد كان يقول يقسم في بلاده.
وقال أشهب: إذا كان ماله ببلده وكان يقسم في بلاده عاجلاً عند حولها وشبه ذلك فلا يقسمها في سفره، وتأخير ذلك إلى بلده أفضل إلا أن يكون بموضع هو به في سفره حاجة ملحة ونازلة شديدة فليزك هناك أحب إلي إذا كان يجد ذلك، إلا أن يخاف أن يؤدى عنه ببلده فليس ذلك عليه.
الجزء: 4 - الصفحة: 141
[وقال بعض المتأخرين: وهذا إذا كان سفره مما يعود منه قبل وجوب الزكاة فعاقه عن ذلك أمر، وإن كان سفره مما يعلم أنه لا يعود منه حتى يحول عليه الحول فعليه أن يوكل من يخرج عنه عند حوله، فأما إن لم يفعل ذلك كان متعدياً وتصير الزكاة في ذمته، وإذا صارت في ذمته وجب عليه أن يخرجها الآن، وإن كان محتاجاً على أحد قولي مالك أن المراعاة موضع المالك، وكذلك على القول بجواز نقلها، وأما على قول سحنون فيؤخر حتى يصل إلى بلده.
فصل
قال مالك: والعمل في الصدقة أن لا تخرج من موضع وجبت فيه، كانت عين أو حرث أو ماشية إلا أن تفضل عنهم فضلة فتجعل في أقرب البلدان إليهم، وإن بلغه عن بعض أهل البلدان أن سنة وحاجة نزلت بهم فنقل ذلك إليهم جل تلك الصدقة، رأيت ذلك صواباً؛ لأن المسلمين أسوة فيما بينهم إذا نزلت الحاجة.
ولو بلغ رجل من [غير] أهل المدينة عن أهل المدينة حاجة فبعث إليهم من زكاة ماله كان ذلك صواباً.
قال ابن القاسم في غير «المدونة»: وإذا نقل الإمام زكاة بلد إلى بلد أخرى فلا يتكارى عليه من الفيء، وليبع ذلك ويشتري مثله بالموضع الذي يريد قسمته فيه.
وقال في موضع آخر: عن مالك: أنه يتكارى عليه من الفيء ولا يبيعه.
قال ابن حبيب في مثل هذا: أو يعطى أجر حملها منها لا على من أخذت منه.
قال سحنون: ومن أخرج زكاته إلى غير قريته وبقريته فقراء لم تجزئه.
قال أبو بكر بن اللباد: هذا استحسان وهي تجزئه، وفي باب قسم الزكاة إيعاب هذا.
الجزء: 4 - الصفحة: 142
وقال ابن الماجشون في «ثمانية أبي زيد»: يقسم في الموضع الذي أخذت منه الزكاة سهم الفقراء والمساكين، وأما الستة الأسهم فتقسم بأمر الإمام في أمهات البلاد التي فيها الأئمة.
قال بعض المتأخرين: القياس إذا كانوا فقراء بين الأغنياء أن لا تنقل عنهم زكاتهم فيكلفوا أن يطلبوا زكاة قوم آخرين في بلاد أخرى، أو يقيموا على خصاصة أو يكلف من هو بينهم من الأغنياء مواساتهم.
في زكاة المعادن
[الباب السابع عشر]
جامع ما جاء في زكاة المعادن
وقد أقطع النبي صلى الله عليه وسلم لبلال بن الحارث معادن القبلية.
قال ربيعة: فما يؤخذ منها إلى اليوم إلا الزكاة.
قال مالك وأشهب: ولما كان ما يخرج من المعدن يعتمل كما يعتمل الزرع وينبت كنباته كان مثله في تعجيل زكاته، كما قال الله سبحانه في الزرع: (وآتوا حقه يوم حصاده) وأخذ منه حينئذ ربع العشر؛ لأنها زكاة الذهب والفضة].
الجزء: 4 - الصفحة: 143
قال ابن القاسم: ولا زكاة فيما يخرج من المعدن من ذهب أو فضة حتى يبلغ وزن ذلك عشرين ديناراً من الذهب أو مائتي درهم من الفضة، مثل الزرع لا يؤخذ منه شيء حتى يبلغ خمسة أوسق فيأخذ منه فما زاد فبحسابه فكذلك المعدن، ثم كلما اتصل بعد ذلك خروجه مما قل أو كثر أخذ منه ربع عشره.
[فصل 3 - هل تضم القائمة التي حال حولها لها يكمل بها نصاباً من المعدن؟]
قال عبد الوهاب: وإن خرج منه دون النصاب، وعنده مال حل حوله إذا ضمه إلى ما يخرج من المعدن كان نصابا فليزك الجميع ما كان بيده وما خرج من المعدن؛ لأن شرط وجوب الزكاة قد وجد فيهما فوجب ضمهما، ثم يزكي ما يخرج بعد ذلك من قليل أو كثير.
م: وهذا خلاف للمدونة، ودليلنا: أنه يلزم على هذا أن لو خرج له من المعدن عشرة دنانير ثم انقطع ذلك النيل وابتدأ آخر فخرج له منه عشرة أخرى والعشرة الأولى بيده أن يضيف ذلك ويزكى؛ لأنه يقول: لو كان له عشرة دنانير حل حولها لأضافها إلى هذه التي خرجت له أخيراً وزكى، فإضافتها إلى المعدنية الأولى أولى وهذا خلاف لقول مالك.
الجزء: 4 - الصفحة: 144
[فصل 3 - في الواجب في الندرة]
ومن المدونة قبل مالك: إلا أن يتقطع ذلك النيل ويأتتف نيلاً آخر فيكون كابتدائه، وهذا كله فيما يتكلف بعمل، فأما الندرة وهي ما يندر من ذهب أو فضة أو الذهب يوجد فيه نابتاً فما لم يكن فيه كبير عمل أو نيل بعمل يسير ففيه الخمس، وما نيل من ذلك يتكلف ومؤنه ففيه الزكاة.
أشهب: وكذلك فعل عمر بن عبد العزيز، وقاله أبو الزناد.
ومن كتاب ابن سحنون: قال سحنون عن ابن نافع عن مالك في الندرة تخرج من المعدن ليس فيها إلا الزكاة، وإنما الخمس في الركاز وهو دفن الجاهلية، وبه آخذ سحنون.
م: وهذا هو القياس، لأنه مال معدن نصابا لم يتملك/ قبل ذلك فوجب أن
الجزء: 4 - الصفحة: 145
[تكون فيه الزكاة بخلاف الركاز.
ووجه الأولى: أنه لم يكن فيه كلفة كالمال الموضوع، فأشبه الركاز، وظاهر هذا القول أنه يؤخذ منه الخمس، وإن كان أقل من عشرين ديناراً كالركاز.
ولو قال قائل: لا يكون ندره ولا يؤخذ منه الخمس حتى يكون نصاباً لم أعبه لأنه مال معدن، وقد قال: ليس في المعدن زكاة حتى يبلغ عشرين ديناراً، فهو على عمومه، يكون وجه هذا: أنه ثقل فيما يؤخذ منه لقلة مؤنته، فجعل فيه الخمس زكاة ذهب الركاز، وفيما ينل بمؤنة وتعب جعل زكاة الذهب غير الركاز ربع العشر كما فعل فيما يسقى من الزرع بالسواني نصف العشر لمؤنته وفيما يسقى سيحاً أو بعلاً العشر لخفة مؤنته، ثم لا يوجد من ذلك شيء في الوجهين حتى يكون نصاباً، فكذلك هذا، والله أعلم.
قال سحنون: وإذا أصاب في نيل المعدن مائة درهم ثم انقطع وابتدأ العمل فأخرج مائة أخرى، فلا يضم ذلك بعضه إلى بعض كزرع ائتنفه بعد حصاده الأول.
قال: ولو].
الجزء: 4 - الصفحة: 146
أن له أربع معادن أو أقطعها لم يضم ما يصيب في كل واحد منها إلى باقيها ولا يزكى إلا عن مائتي درهم فأكثر من كل معدن، وكل معدن كسنة مؤتنفه في الزرع، وليس كزرع في مواضع يضم بعضه إلى بعض إذا زرع في عام واحد.
وقال محمد بن مسلمة: يضم بعضها إلى بعض ويزكى الجميع كالزرع.
م: وهذا أقيس.
[فصل 5 - هل يشترط في زكاة المعدن ما يشترط في الزكاة من حرية المالك له وإسلامه؟]
ومن الواضحة: قال ابن الماجشون: والشركاء في المعدن كالواحد، والعبد كالحر، والذمي كالمسلم، وذو الدين كمن لا دين له، كالركاز يجده من ذكرنا، وكذلك ذكر عنه سحنون.
وقال سحنون: لا زكاة فيه إلا على حر مسلم كحكم الزكاة، وقاله المغيرة.
قال سحنون: والشريكان فيه كشريكي الزرع.
الجزء: 4 - الصفحة: 147
[فصل 6 - الدين لا يسقط زكاة المعدن، ومصارف زكاة المعدن في مصارف الزكاة]
ومن المدونة قال مالك: ولا يسقط الدين زكاة المعدن كالزرع.
قال ابن القاسم: ويفرق زكاته على الفقراء كالزكاة لا كالفيء.
[فصل 7 - المعدن حكمه للإمام إلا ما ظهر منه في أرض الصلح فهو لأهل الصلح]
قال مالك: وللإمام إقطاع المعادن لمن رأى ويقبض زكاتها، وكذلك ما ظهر من المعادن في أرض العرب أو أرض البربر فالإمام يليها ويقطعها لمن رأى ويأخذ زكاتها، وكذلك ما ظهر منها بأرض العنوه فهو للإمام؛ لأن الأرض ليست للذين أخذوها عنوة.
وأما ما ظهر منها في أرض الصلح فهو لأهل الصلح، لهم أن يمنعوا الناس أن يعملوا فيها أو يأذنوا لهم دون الإمام.
قال ابن القاسم في المستخرجة: فأما إن أسلم الصلحي فإنه يرجع أمر المعدن الذي ظهر في أرضه إلى الإمام.
قال أبو محمد: وفي كتاب ابن المواز وأحسبه لمالك أنه إن أسلم أهل الصلح فأرضهم وما ظهر لهم فيها من معدن لهم دون السلطان، وكذلك ما كان لهم فيها من معدن قديم.
قال ابن المواز: وإذا أسلم أهل الصلح فلابد من الزكاة في معادنهم، وكذلك من عاملهم فيها من مسلم قبل إسلامهم فعليه الزكاة كما لو زرع في أرضهم بكراء.
الجزء: 4 - الصفحة: 148
[فصل 8 - في موضع المعدن]
ومن الواضحة قال: والمعادن على وجهين: فمعادن في فيافى أرض العرب، وأرض العنوه، وأرض الصلح، فذلك للسلطان يأذن فيها لمن يشاء ويقطعها لمن أحب ما عاش أو إلى وقت بوقته ويأخذ منها الزكاة، وللذي أقطعت له معاملة الناس فيها على ما يحل من غير بيع، وللإمام أن يحولها من رجل إلى رجل ولا يجوز له أن يقطعها عطية تمليك للأبد، كما لا تقطع أرض العنوه تمليكاً لكن قطيعة إمتاع والأرض للمسلمين فهذا وجه، والوجه الآخر: ما ظهر منها في الأرض التي صارت ملكا للناس من جبالهم وأرضهم المعتمرة فلا حكم للإمام في هذه، ولا يزيل ملك ربها عنها ظهور المعدن فيها كانت أرض صلح أو عنوة أو من أرض العرب، وهي لمن ظهرت في أرضه، له أن يعامل الناس فيها على ما يجوز وفيها الزكاة، وهذا تفسير من لقيت من أصحاب مالك.
أبو محمد: انظر قوله: عنوة أراه فيما مدن من المدائن وأحيي من الموات.
وقال ابن نافع وسحنون: إنما ينظر الإمام في الفيافي التي كالأموات، وأما من ظهر له / له في أرض يملكها أو في خطته معدن فهو له، وليس للإمام عليه سبيل.
قال ابن نافع: وما ظهر منها في أرض الصلح فهو لأهل الصلح، ومعادن القبلية لم تكن خطة لأحد، وإنما كانت بفلاة.
وقال يحيي عن ابن القاسم في العتبية: ما ظهر من معدن في أرض رجل خاصة،
الجزء: 4 - الصفحة: 149
أو أرض ذمي من أهل العنوه أو أرض موات فالأمر في ذلك كله إلى الإمام إلا ما ظهر منها في أرض الصلح فهي لأهل الصلح يوفى لهم بعهدهم.
م: وتلخيص هذا الاختلاف: أن المعادن على ثلاثة أقسام: ما ظهر منها في أرض العرب أو البربر أو العنوه فالإمام يليها ويقطعها لمن رأى، ولا خلاف في ذلك، وما ظهر منها في أرض الصلح، فقيل: الأمر فيه لأهل الصلح، وقيل للإمام، وما ظهر منها في أرض رجل، فقيل أمره للرجل، وقيل أمره للإمام.
[فصل 9 - معادن غير الذهب والفضة لا زكاة فيها ولا خمس]
ومن المدونة قال مالك: وأما معادن النحاس والرصاص والزرنيخ والحديد وشبه ذلك فلا زكاة فيها.
قال أشهب: وقد أخطأ من جعل في ذلك زكاة أو خمساً لأنه ليس بركاز.
الجزء: 4 - الصفحة: 150
[الباب: الثامن عشر]
جامع القول في الركاز
[فصل 1 - الواجب في الركاز، ودليله]
قال النبي صلى الله عليه وسلم: "وفي الركاز الخمس" فعم، فوجب على واجده خمسه وإن كان قليلا لعموم الحديث؛ ولأنه مال الكفار فكان فيه الخمس كالغنائم.
قال مالك: وما وجد في أرض العرب كأرض اليمن والحجاز وفيافي الأرض من ركاز ذهب أو فضة فهو لمن وجده وعليه فيه الخمس بخلاف ما وجد في أرض الصلح أو العنوه وسواء كان قليلا أو كثيرا وإن نقص عن مائتي درهم، أصابه غني أو فقير، أو مديان، ولا يسع الفقير أن يذهب بجميعه لموضع فقره.
قال ابن المواز: وكذلك إن أصابه ذمي فعليه فيه الخمس، ووقع في كتاب محمد أن العبيد إذا اجتمعوا فغنموا أو النصارى فلا يخمس ما وجدوا.
الجزء: 4 - الصفحة: 151
قال سحنون: قال ابن نافع: أصيب في بلد عنوة أو صلح أو أرض العرب، أصابه حر أو عبد أو امرأة، فهو لمن وجده، وعليه الخمس.
قال عيلي عن مالك: من وجد ركازاً في موضع اشتراه أو في منزل غيره فهو لر المنزل دون من أصابه، وقال ابن نافع: بل هو لمن وجده وعليه فيه الخمس.
قال ابن حبيب: الركاز دفن الجاهلية خاصة، والكنز يقع على دفن الجاهلية ودفن الإسلام، فدفن الإسلام فيه التعريف، قال عبد الوهاب: كما يعرف باللقطة عاما ثم يتصرف فيه إن اختار بشرط الضمان لصاحبه.
قال ابن الحبيب: وفي دفن الجاهلية الخمس، وباقية لمن وجده، كان في أرض العرب أو أرض عنوه أو صلح، قاله مطرف، وابن الماجشون، وابن نافع، وأصبغ، ورواه ابن وهب عن علي بن أبي طالب، وعمر بن عبد العزيز، ومكحول، والليث، وفرق ابن القاسم فيه بين أرض العرب وأرض الصلح والعنوه ببلاغ عن مالك، واحتج بالسفطين اللذين ردهما عمر وذلك شيء يسير، قال في العتيبة: وليس ذلك بركاز.
[فصل 3 - في صفة الركاز، والفرق بينه وبين المعدن]
ومن المدونة قال مال: وما نيل من دفن الجاهلية بعمل أو بغير عمل فهو
الجزء: 4 - الصفحة: 152
سواء، وقال أيضا في موضع آخر: سمعت أهل العلم يقولون في الركاز إنما هو دفن الجاهلية ما لم يطلب بمال أو يتكلف فيه كبير عمل، فأما ما طلب بمال أو تكلف فيه كبير عمل فأصيب مرة وأخطئ مرة فليس بركاز وهو الأمر عندنا.
م: يريد بقوله في الذي يصاب مرة ويخطأ مرة هو المعدن لا دفن الجاهلية، وإنما أراد أن يبين صورة الركاز وصورة المعدن كذلك فسره بعض العلماء.
[فصل 3 - في الركاز يوجد في أرض الصلح أو في أرض العنوه أو في بلد الحرب]
وفي المدونة قال مالك: وما وجد من ركاز بأرض الصلح فهو للذين صالحوا على أرضهم ولا يخمس ولا يؤخذ منهم شيء، قال سحنون: ويكون لأهل تلك القرية دون الإقليم، قال مالك: وإن وجد في دار أحدهم فهو لجميعهم إلا أن يجده رب الدار وهو من أهل الصلح فهو له إلا أن يكون رب الدار ليس من أهل الصلح فيكون ذلك لأهل الصلح دونه.
قال ابن المواز عن ابن القاسم: إن وجده رجل في أرض الصلح في دار صلحي فهو لرب الدار ولا خمس عليه فيه.
قال أبو إسحاق: وهذا يؤيد قول مالك: أن من ملك ظاهر الأرض ملك ما في داخلها من ركاز ومعدن وكذلك من أشتراها.
وقد اختلف أصحابنها فيمن اشترى أرضاً فوجد فيها عمراً أو صخراً من الأولين
الجزء: 4 - الصفحة: 153
فهو على ما ذكرناه وبالله التوفيق.
ومن المدونة: قال: وما أصيب في أرض العنوه من ركاز فهو لجميع من افتتحها، وليس هو لمن وجده دونهم وفيه الخمس ويقسم خمسة في مواضع الخمس، قال ابن القاسم: وهو بين؛ /لأن ما في داخلها بمنزلة ما في خارجها فهو لجميع أهل تلك البلاد ويخمس، وقد قال عمر بن الخطاب في السفطين الذين وجدوا في كنز النخيرجان حين قدم بهما عليه فأراد أن يقسمهما بالمدينة فرأى عمر أن الملائكة تدفع في صدره عنهما في المنام فقال: ما أرى هذا يصلح فردهما إلى الجيش الذين أصابوه وأمر أن يباعا ويعطيا للمقاتلة والعيال، وقد كان ذانك السفطين كنزاً دل عليه بعدما فتحت البلاد وسكن الناس واتخذوا الأهلين.
قال مالك: ومن وجد ببلد الحرب ركازاً فهو لجميع الجيش الذين معه لأنه إنما نال ذلك بهم، قال في كتاب ابن المواز: ويخمس ويكون خمسة من سائر خمس غنائمهم.
وبالله التوفيق.
قال فيه أشهب: إن وجد كنز في أرض الصلح فكان الكنز مما يجوز أن يكون لهم فإنه يعرف به، وإن كان مما لا يجوز أن يكون لهم ولا لمن يرثوه عنهم وهو لقوم لا ذمة لهم لمن وجده ويخمس، قال: وإن كانت أرض عنوة فكان مما يجوز أن يكون لهم فهو للذين افتتحوا البلاد إلا الخمس فهو فيء وإن لم يعرف القوم فهو للمسلمين عامة وخمسه
الجزء: 4 - الصفحة: 154
في، قال سحنون: يسلك بأربعة أخماسه مسلك اللقطة فيتصدق بها على مساكين تلك البلدة إن كانوت من بقايا الذين افتتحوها، وإن كانوا ابتنوا غيرها رأى فيها الإمام رأيه.
قال أشهب: وإن كان الكنز مما لا يكون لأهل هذه العنوه ولا لورثتهم فهو لمن وجده وفيه الخمس.
م: فالركاز على مذهب ابن القاسم على أربعة أقسام: ما وجد منه في أرض العرب وفيافى الأرض فهو لمن وجده وفيه الخمس، وما وجد بأرض الصلح فهو للذين صالحوا على أرضهم ولا يخمس وما وجد العنوة فهو لجميع من افتتحها وفيه الخمس، وما وجد بأرض الحرب فهو لجميع الجيش وفيه الخمس.
وابن نافع يرى أنه في جميع ذلك لمن وجده وفيه الخمس.
ومن المدونة قال ابن القاسم: وما أصيب في دفن الجاهلية من الجوهر والزبرجد والحديد والرصاص والنحاس واللؤلؤ والياقوت وجميع الجوهر فقد قال مالك مرة فيه الخمس ثم قال: لا خمس فيه، ثم قال آخر ما فارقناه أن فيه الخمس، وبه أقول، ولم يختلف قوله قط فيها أصيب من ذهب أو فضة أنه ركاز وفيه الخمس.
ابن المواز: قال أشهب: لا أكره حفرها ونبشهم منها وسلبهم ما فيها من مال أو حرز أو ثوب وفيه الخمس، وليس حرمتهم موتى بأعظم منها وهم أحياء، وهو مأجور في فعل ذلك بالأحياء منهم، قال سحنون: قال ابن القاسم عن مالك وليس بضيق إن فعله
الجزء: 4 - الصفحة: 155
أحد ولكني أكرهه.
م: واختلف في وجه كراهية مالك لذلك فذكر عن أبي محمد انه قال: إنما كره الطلب في القبور الجاهلية وحفرها خوفاً أن يصادف قبر نبي أو رجل صالح، وحكي عن أبي القابسي أنه قال: إنما كره ذلك الحديث الذي جاء: ((لا تدخلوا على هؤلاء المعذبين إلا وأنتم باكون فان لم تكونوا باكين فلا تدخلوا عليهم))، فلا ينبغي أن يدخل عليهم إلا للاعتبار والبكاء، وأما لطلب الدنيا واللهو فلا.
م: وهذا أحسن.
الجزء: 4 - الصفحة: 156
[الباب: التاسع عشر]
في زكاة الجوهر والعنبر واللؤلؤ وزكاة الخضر والفواكه
روي أن ابن عباس قال: ((لا زكاة في العنبر إنما هو شيء دسره البحر.
قال ابن القاسم: وليس في الجوهر، واللؤلؤ، والعنبر زكاة، قال: ومن حال الحول على الفلوس عنده قيمتها مئتا درهم فلا زكاة عليه فيها، وهذا مما لا اختلاف فيه، إلا أن يكون مديراً فيقومها كالعرض، قال / وسالت مالكاً: هل تباع الفلوس بالدنانير والدراهم نظره، أو يباع فلس بفلسين؟ فقال: أكره ذلك وليس بمنزله الذهب والورق في الكراهة.
فصل] في زكاة الخضر والفواكه [
روي أن الرسول صلى الله عليه وسلم قال: ((ليس في الخضر زكاة))،وقاله عمر بن الخطاب وعلي وغيرهما.
الجزء: 4 - الصفحة: 157
قال أبو محمد: ولم يأت أن النبي صلى الله عليه وسلم ولا الخلفاء أخذوا من الخضر زكاة واتصل العمل بذلك فكانت الفواكه مثلها إذ ليس ذلك من أصل المعايش المقتاتة، وهذا قول مالك وأصحابه ومن اتبعهم إلا ابن حبيب فانه قال في الثمار التي لها أصول في الزكاة مدخره أو غير مدخره.
ومن المدونة قال مالك: وليس في الخضر كلها والبقل والقضب والفرط والقصيل والبطيخ والقتاء وما أشبه ذلك زكاة ولا في أثمان ذلك حتى يحول عليه الحول من يوم تقبض.
قال مالك: وكذلك التفاح، والرمان والسفرجل، قال في موضع آخر: ولا في الجوز، واللوز، والتين، وما يبس ويدخر من الفواكه زكاة إلا في
الجزء: 4 - الصفحة: 158
العنب، والتمر، والزيتون، والحب، والقطنية، وقد بعث النبي صلى الله عليه وسلم معاذاً فاخذ من الحتطة والشعير والتمر والزبيب ولم يأخذ من الخضر.
قال ابن وهب: وقال علي بن أبي طالب وعبد الله بن عمرو ابن العاص وغير واحد من العلماء ومالك والليث ليس في التوابل والزعفران والكرسف والعصفر زكاة.
الجزء: 4 - الصفحة: 159
[الباب: العشرون]
جامع ما جاء في قسم الزكاة
قال الله تبارك وتعالي: ﴿إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاء وَالْمَسَاكِينِ وَالْعَامِلِينَ عَلَيْهَا وَالْمُؤَلَّفَةِ قُلُوبُهُمْ﴾
فعلمنها مواضيعها، ولو كان ذلك قسمه مجزأة لكان للعامل عليها الثمن ولم يرجع سهم المؤلفة لانقطاعهم، علي بقيه الأصناف، ولا خلاف في ذلك.
] فصل 1 - الصف الأول والثاني: الفقير والمسكين [
ومن المجموعة روي علي بن زياد عن مالك قال: الفقير والمسكين المذكران في الصدقة مفترقان.
وقال عنه المغيرة: الفقير: الذي يحرم الرزق، والمسكين الذي لا يجد غني يغنيه ولا يفطن له فيتصدق عليه ولا يقوم فيسال الناس.
قال ابن حبيب: سمعت محمد بن سلام يقول: الذي له علقة من
الجزء: 4 - الصفحة: 160
مال والمسكين الذي لا شئ له.
م: وكذلك قال عبد الوهاب، قال: وقال الشافعي بضد ذلك.
قال: وإنما قلنا أن المسكين أحوج؛ لأن الإسمين مأخوذان من العدم إلا أن المسكنة عبارة عما زاد علي ذلك من شدة الحاجة التي كسبته الخضوع والاستكانة، ويوضح ذلك قوله تعالى: ﴿أوْ مِسْكِينًا ذَا مَتْرَبَةٍ﴾
يريد: أن الحاجة بلغت به الى أن لصق بالتراب من غير حائل، وما يذكرونه من قوله تعالى: ﴿أَمَّا السَّفِينَةُ فَكَانَتْ لِمَسَاكِينَ﴾ يقابل بما وجد من تسمية الواجد لليسير أنه فقير وهو قول الشاعر:
أما الفقير الذي كانت حلوبته ... وفق العيال فلم يترك له سبد
قال ابن حبيب: قال ابن الماجشون: وأحب الأصناف الى أن يجعل فيه الزكاة وأرجأ للأجر في الفقراء والمساكين إلا أن يكون عدو قد أطل فالغزو بها أفضل
الجزء: 4 - الصفحة: 161
[فصل 3 - الصنف الثالث: العامل على الزكاة]
وإذا كان العامل مدياناً فلا يأخذ منها لأنه غارم إلا أن يعطيه السلطان بالإجتهاد.
ومن كتاب ابن المواز قال: ولا ينبغي للعامل على الصدقة أن يأكل منها ولا يستنفق إذا كان الإمام غير عدل، وإن كان عدلاً فلا بأس بذلك، وإنما يفرض للعامل عليها بقدر شخوصه وعنائه.
ولا يعطي من صدقة الفطر من يحرمها وليعط من غيرها.
قال ابن القاسم: ولا يستعمل على الصدقة عبد ولا نصراني فإن فات ذلك أخذ منهما ما أخذاه وأعطيا من غير الصدقة بقدر عنائهما.
محمد: من حيث يعطي العمال والولاة وذلك من الفيء.
وكره مالك أن يرزق القضاة والعمال من الزكاة إلا العامل عليها وحده.
[فصل 3 - قسم الزكاة إنما يكون على وجه الاجتهاد من الإمام]
ومن المدونة قال مالك: وإنما تقسم الزكاة على الاجتهاد في الأصناف ويؤثر الأحوج.
الجزء: 4 - الصفحة: 162
قال مالك: ومن لم يجد إلا صنفاً واحداً ممن ذكر الله في كتابه أجزاه أن يجعل زكاته فيهم، وقاله علي، وابن عباس.
قال عبد الوهاب: ولأنه لما لم يتعين عليه فرض/ جميع الصنف الواحد بل جاز [143/ب] أن يقتصر منه الواحد والاثنين والثلاثة فكذلك لا يتعين عليه فرض جميع الأصناف.
قال مالك: وإن وجد الأصناف كلها آثر أهل الحاجة منهم وليس في ذلك قسم مسمى.
[فصل 4 - الصنف الرابع: المؤلفة قلوبهم]
قال الشعبي: لم يبق من المؤلفة قلوبهم أحد إنما كانوا على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم فلما استخلف أبو بكر انقطعت الرشا.
قال ابن أبي زمنين: يعني بالرشا ما كانوا يعطون، فأول من قطع ذلك عنهم عمر بن الخطاب.
قال ابن حبيب: المؤلفة قلوبهم: رجال كان لهم شرف في الجاهلية ومبتدأ
الجزء: 4 - الصفحة: 163
الإسلام بعضهم من قريش وبعضهم من العرب كان النبي صلى الله عليه وسلم يستأنف الرجل منهم بكثرة العطاء من الفيء ليرغب بذلك في الإسلام فيسلم من وارءه من قومه بإسلامه ثم جعل الله تعالى لهم سهماً في الزكاة أيضاً فلم يزل جارياً عليهم حتى ولي عمر وكثر المسلمون فقطعه عنهم عمر، وكلمه في ذلك أبو سفيان بن حرب وكان منهم فقال لهم عمر رضي الله عنه: فقد أغنى الله عنك وعن أصحابك وأعز الإسلام وأهله فلا حق لك في صدقات المسلمين، وأنت تعد فيهم كرجل منهم.
قال عبد الوهاب: المؤلفة قلوبهم: قوم كانوا في صدر الإسلام يظهرون فيدفع إليهم شيء من الصدقة لينكف غيرهم بإنكفافهم.
وقال بعض أصحابنا: هم قوم مسلمون يرى الإمام أن يستألفهم ليقوى الإسلامفي قلوبهم ويتألفوا في النصيحة للمسلمين.
والأول أصح، وقد سقطت الحاجة اليهم في هذا الوقت، فإن دعت حاجة اليهم في بعض الأوقات جاز أن يرد سهمهم.
الجزء: 4 - الصفحة: 164
[فصل 5 - الصنف الخامس: الرقاب]
وقوله: في الرقاب: هي الرقبة يشتريها الإمام فيعتقها من الزكاة وولاؤها للمسلمين.
[فصل 6 - الصنف السادس: الغارم]
والغارمون هم: الذين أدانوا في غير سفه ولا فساد ولا يجدون وفاء ولا قضاء، أو يكون معهم أموال بإزاء ديونهم، فإن لم يكن معهم أموال فهم فقراء غارمون فيعطون بالوصفين.
[فصل 7 - الصنف السابع: سبيل الله]
وفي سبيل الله: الغزو والجهاد، يدفع من الصدقة الى المجاهدين ما ينفقونه في غزوهم أغنياء كانوا أو فقراء.
ويشتري الإمام من بعض الصدقة خيلاً أو سلاحاً وينقده لم يغزوا به.
وحكي عن ابن حنبل أن في سبيل الله يعني: الحجاج.
الجزء: 4 - الصفحة: 165
ودليلنا: أن كل موضع ذكر في سبيل الله فالمراد به الغزو والجهاد فكذلك هذا هنا.
[فصل 8 - الصنف الثامن: ابن السبيل]
وابن السبيل: الغريب المنقطع يدفع اليه قدر كفايته وإن كان غنياً ببلده ولا يلزمه ردها إذا صدر الى بلده.
ومن المدونة قال مالك: ومن له دار وخادم لا فضل في ثمنها عن سواهما أعطى الزكاة، فإن كان فيهما فضل عن سواهما لم يعط منها شيء.
قال المغيرة: إن كان يفضل من الثمن عشرون ديناراً لم يعط وإلا أعطي على
الجزء: 4 - الصفحة: 166
الاجتهاد ثم لا يبلغ ما يعطي مع ما يفضل له ما يجب فيه الزكاة.
قال عروة بن الزبير: لا بأس أن يعطي الواحد من عشرة دراهم الى مئة درهم، وقال ابن حبيب، قال: وذلك بقدر تعففه وحاجته، ويعطي من الطعام المدين وأكثر.
ومن المدونة: وقال عمر بن عبد العزيز: لا بأس أن يعطي منها من له الدار والخادم والفرس.
قال مالك: ويعطي منها من له أربعون درهماً إن كان أهلاً لذلك لكثرة عيال ونحوه.
قال مالك: ورب رجل يكون له أربعون درهماً وهو أهل أن يعطي من الزكاة تكون عياله عشرة، فتكون الأربعون له كلا شيء.
ولا يعطي منها من معه ألف وعليه ألفان وله دار وخادم تسويان ألفين، قال: ولو أدى الألف في دينه وليس في الدار والخادم فضل عن سواهما مما يغنيه أعطى وكان من الفقراء ومن الغارمين.
وقال أشهب: وإن كان فيهما فضل عن دار وخادم يغنيانه قدر الألف الدين، أعطى وكان من الغارمين.
الجزء: 4 - الصفحة: 167
قال مالك: ويؤثر في الزكاة أهل الحاجة، قال ابن القاسم: ولا يرضخ لغيرهم ممن لا يستحق الزكاة، قال: ولا يرفع الإمام من جميع الزكاة شيئاً إلى بيت المال ولينفذها بموضع جبيت فيه وإن لم يجد في الموضع من يفرقها عليه أو فضل/ عنهم شيء نقل ذلك [144/أ] إلى أقرب البلدان إليه.
قال مالك: وقد بعث عمر بن عبد العزيز ابن زراره مصدقاً باليمامة فكتب إليه في أول سنة أن أقسم نصفها ثم كتب إليه في السنة الثانية أن أقسمها كلها ولا تحبس منها شيئاً.
قال ابن المواز: قال أشهب: وتأولنا ما فعل عمر أنه لم يكن لهم من الحاجة أول عام كحاجتهم في الثاني.
ومن المدونة قال مالك: وبلغني أن طاووساً بعث مصدقاً فأعطى رزقه من بيت المال فوضعه في كوة في منزله فلما رجع سألوه: أين ما أخذت من الصدقة؟ قال: قسمته كله، قالوا: فالذي أعطيناك؟ قال: هاهو ذا في بيتي فذهبوا فأخذوه.
الجزء: 4 - الصفحة: 168
قال ابن القاسم: وبلغني أن عمر بن الخطاب بعث معاذ بن جبل مصدقاً فلم يأت بشيء.
قال مالك: وجه قسمه المال: أن ينظر الوالي إلى البلد الذي جبي فيه هذا المال فإن كانت البلدان متكافئة في الحال آثر أهل ذلك البلد الذي جبي فيه هذا المال فقسم عليهم وآثر الفقراء على الأغنياء ولم يخرج منها الى غيرهم إلا أن تفضل عنهم فضلة فتخرج إلى غيرهم.
قال: وإن بلغه عن بعض البلدان أن سنة وحاجة نزلت بهم فليعط الإمام أهل ذلك البلدان الذي جبي فيه ذلك المال منه ويوجه جله الى الموضع المحتاج.
قال مالك: والصدقات في القسم كالزكاة، ولو بلغ رجلاً من غير أهل المدينة عن أهل المدينة حاجة فبعث اليهم من زكاة ماله كان ذلك صواباً.
الجزء: 4 - الصفحة: 169
[فصل 9 - تستحب الإستنابة في إخراج الزكاة عند خوف الرياء، والإسراء في إخراجها أفضل]
قال مالك: ولا يعجبني أن يلي أحد قسم صدقته خوف المحمدة والثناء وعمل السر أفضل ولكن يدفع ذلك إلى رجل يثق به فيقسمه فإن وليها هو فلا يعطيها لأحد ممن تلزمه تفقته.
قال ابن المواز: قيل لمالك: إن بعض الناس يقولون: هي فريضة فلا بأس أن يعلن بها قال: ليس كما قالوا، وقد قال تعالى: ﴿إِن تُبْدُوا الصَّدَقَاتِ فَنِعِمَّا هِيَ وَإِن تُخْفُوهَا وَتُؤْتُوهَا الْفُقَرَاء فَهُوَ خَيْرٌ لَّكُمْ وَيُكَفِّرُ عَنكُم مِّن سَيِّئَاتِكُمْ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ﴾
[فصل 10 - في إعطاء الأقارب الذين لا تلزمه نفقتهم من الزكاة]
ومن المدونة قال مالك: فأما من لا تلزمه نفقته من قرابته فلا يعجبني أن يلي هو إعطاءهم ولا بأس أن يعطيهم من يلي تفرقتها بغير أمره كما يعطي غيرهم إن كانوا لها أهلاً.
قال ابن عباس وغيره: إن أعطى قرابته من زكاته على الصحة كما يعطي غيرهم أجزأه، وكرهه ابن المسبب وغيره، وأكثر شأن فيه الكراهية لخوف المحمدة ولو صح ذلك عندنا لم أر به بأساً.
الجزء: 4 - الصفحة: 170
ابن حبيب: وروى مطرف عن مالك أنه لا بأس أن يعطي قرابته من الزكاة إذا لم يعط من يعول، قال: ورأيت مالكاً يعطي قرابته من زكاته.
وحدثني الخزامي عن الواقدي عن ابن أبي ذئب أنه قال للقاسم: فيمن أضع زكاتي؟ قال: في أقاربك الذين لا تعول، فإن لم يكونوا فجيرانك، فإن لم يكونوا فصديقك المحتاج.
وروى ذلك عن ابن عباس والنخعي والحسن في إعطاء من لا يعول من قرابته.
قال الواقدي عن مالك وابن أبي ذئب، والثوري والنعمان وأبي يوسف: إن
الجزء: 4 - الصفحة: 171
أفضل من وضعت فيه زكاتك أهل رحمك الذين لا تعول.
قال ابن حبيب: وله أن يوسع عليهم إذا كان فيهم التعفف والصلاح.
قال عبد الوهاب: ويكره له دفع جميع زكاته إليهم فإن فعل جاز.
قال ابن حبيب: وإن أعطى من في نفقته وعياله وهم من قرابته أو غيرهم ممن ينفق عليهم تطوعاً لم ينبغ فإن فعل جهلاً فقد أساء ولا يضمن إذا لم يقطع بذلك عن نفسه نفقته، وقاله مطرف عن مالك، وإن قطع بذلك نفقتهم لم يجزئه.
[فصل 11 - في إعطاء المرأة زوجها من زكاتها]
ومن المدونة قال ابن القاسم: ولا تعطي المرأة زوجها من زكاتها.
قال أشهب: أكره ذلك، فإن أعطته ولم يرد ذلك عليها فيما يلزمه من نفقتها أجزأها وإن رد ذلك إليها فيما يلزمه لم تجزئها.
ابن حبيب: قال مالك: لا يجزي المرأة أن تعطي لزوجها من زكاتها.
وقال ابن أبي ذئب، وسفيان، وأهل المشرق يجزئها، وتوسط ابن حبيب/ قولاً [144/ب] كقول أشهب.
الجزء: 4 - الصفحة: 172
[فصل 12 - لو اشترى من زكاته رقبة فأعتقها ليكون الولاء له، فهل تجزئه عن زكاته؟]
ومن المدونة قال مالك: ولا بأس أن يبتاع الإمام من الزكاة رقاباً يعتقهم وولاؤهم للمسلمين وهو قوله تعالى: ﴿وَفِي الرِّقَابِ﴾ وكذلك من ولى صدقة نفسه لا بأس أن يشتري منها رقبة فيعتقها كما يعتق الوالي وولاؤها للمسلمين.
قال ابن القاسم: فإن أعتقها عن نفسه لم يجزئه وعليه الزكاة ثانية؛ لأن الولاء له.
ابن المواز: وقال أشهب: يجزئه وإن أعتقها عن نفسه ويكون ولاؤها للمسلمين كمن أمر من يعتق عنه عبده أو يذبح عنه أضحيته ففعل ذلك عن نفسه.
م: ولو كان له عبد يملكه فقال: هو حرّ عني وولاؤه للمسلمين لم يجزي قولاً واحداً.
[فصل 13 - المكاتب هل يُعطي من الزكاة ما يتم به عتقه؟ وهل يُفك منها الأسير؟]
ومن المدونة: قال مالك: ولا يعجبني أن يعان بها مكاتب، ولم يبلغني أن أبا بكر، ولا عمر ولا عثمان، ولا أحداً ممن اقتدي به فعل ذلك.
الجزء: 4 - الصفحة: 173
قال في المجموعة في قوله سبحانه: ﴿وَفِي الرِّقَابِ﴾ قال: المكاتب لا يقوى فيؤدي عنه.
قال عنه ابن القاسم وابن نافع يؤدي عنه ما يعتق به.
ومن كتاب محمد: وكره مالك أن يعطي مكاتب من الزكاة وإن كان يتم به عتقه، ولا عبد ليعتق ولم يبلغني أن أبا بكر، ولا عمر، ولا عثمان، ولا أحداً من الأئمة فعل ذلك، ولقد فعل ذلك ببلدنا، فأنكرت ذلك على من فعله.
قال أصبغ: فإن فعل فعل فليعد أحب اليّ ولا أوجبه للإختلاف فيه.
قال ابن حبيب: وروى مطرف عن مالك أنه لا بأس أن يفك منها المكاتبين وأن يفك منها الرقاب مثل أن يعطي منها من له عبد على أن يعتقه وإن كان ولاؤه للمعتق فذلك جائز، وكذلك رقبة بعضها حر فلا بأس أن يشتري مارق منها فتتم حريه.
قال مطرف: وإن جعل منها في مكاتب لا يتم عتقه أو في رقبة لا يتم عتقها فلا يحزئه.
وقال بقول مطرف ابن الماجشون، وأصبع، وخالفاً ابن القاسم.
قال أصبع: ولا يفك الأسير من الزكاة فإن فعل لم يجزئه.
ابن الحبيب: بل يجزئه، لأنها رقبة قد ملكت بملك الرق فهي تخرج من رقّ الى عتق بل ذلك أحق وأولى من فكاك الرقاب التي بأيدينا.
الجزء: 4 - الصفحة: 174
قال أصبع في العتبية: ومن ابتاع مدبراً أو مكاتباً من الزكاة فأعتقه، فعلى قول مالك الأول: لا يجزئه ويرد، وعلى قوله الآخر: لا يرد ويجزئه، ولو أبدلها كان أحب الي من غير إيجاب.
[فصل 14 - الغازي يعطي وإن كان ملياً، وابن السبيل لا يعطي إذا كان معه ما يكفيه]
ومن المدونه: قال مالك: ويعطي منها ابن السبيل إذا احتاج، وإن كان غنياً ببلده، وهو مثل الغازي في سبيل الله يعطي منا وإن كان غنياً، قال: والحاج هو ابن السبيل وإن كان غنيا.
وقال عيسى ابن دينار: إن كان مع الغازي في غزوة ما يغنيه وهو غني ببلده فلا يأخذ منها.
وقال ابن القاسم: يأخذ منها وإن كان معه ما يكفيه وهو غني ببلده.
ابن المواز: وقال عنه أصبع: يعطي منها ابن السبيل والغازي وإن كانا غنيين بموضعهما ومعهما ما يكفيهما ولا أحب لهما أن يقبلا ذلك فإن قبلا فلا بأس به.
قال أصبغ: أما الغازي فلا بأس أن يعطي وإن كان ملياً وهو له فرض، وأما ابن فلا يعطي إذا كان معه ما يكفيه، لأنه حينئذ لا يعد من أبناء السبيل.
الجزء: 4 - الصفحة: 175
قال ابن القاسم: وابن السبيل: هو الذي في غيره بلده وقد فرغت نفقته وليس معه ما يتحمل به الى بلده وإن كان في غزو ولا تجارة فهو ابن السبيل كائناً من كان من المسلمين.
الجزء: 4 - الصفحة: 176
[فصل 15 - في الغني الذي يحل اخذ الزكاة]
ومن المدونة: وقد قال النبي صل الله عليه وسلم ((لا تحل الصدقة لغني إلا لخمسه، فذكر الغازي والعامل عليها، والغارم، ومن ابتاعها بماله وغنياً اهدي إليه منها جاره المسكين)).
] فصل 16 - من هم ذووا القربى الذين لا تحل لهم الصدقة؟ [
ابن المواز: وقال ابن القاسم في الحديث الذي جاء: ((لا تحل الصدق لآل محمد)) انما ذلك في الزكاه وليس في التطوع وإنما هم بنو هاشم أنفسهم.
الجزء: 4 - الصفحة: 177
قال عنه أصبغ: وإن أعطي رجل أحداً منهم / زكاته لم تجزئه، ولم ير بأساً أن يعطي لمواليهم.
قيل فما جاء: ((إن مولي القوم منهم))، قال: قد جاء: ((وابن الأخت منهم)) يريد: تضعيفاً للحديث.
قال أصبع: وتفسير مولي القوم منهم يريد: في الحرمة والبر، مثل ((أنت ومالك لأبيك)) إنما ذلك في البر والطواعية لا في الأثرة والقضاء.
قال: ولما نزلت ﴿وَأَنذِرْ عَشِيرَتَكَ الأَقْرَبِينَ﴾ نادي النبي صلى الله عليه وسلم وسلم بأعلى
الجزء: 4 - الصفحة: 178
صوته: «يا آل قصي يا آل غالب، يا آل عبد مناف، يا فاطمة بنت رسول الله، يا صفية عمة رسول الله: إعملوا لما عند الله فإني لست أملك لكم من الله شيئاً»، فبين بمناداته عشيرته الأقربين.
قال أصبغ: ولا يعجبني أن يعطوا صدقة التطوع أيضاً لخوف أن يقع عليها اسم صدقة وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم: «لا تحل الصدقة لآل محمد» ولا بأس لهم بالصلة من الفيء لأن لهم سهم ذي القربى، وقد اختلف الناس في ذوي القربى فقيل: هم آل محمد صلى الله عليه وسلم، وقيل: بل قريش كلها، وقال ابن عباس: نحن هم، يعني آل محمد، وقد أبى ذلك علينا قومنا.
وعلى قول ابن عباس رأي أهل العلم، وليس لهم سهم معلوم كما قال بعض الناس «خمس الخمس» ولكن يبدأ بهم حتى تسد حاجتهم ويكتفوا وإن كان أقل من خمس الخمس، وقاله ابن عباس.
قال ابن حبيب: آل محمد الذين لا تحل لهم الصدقة: بنو هاشم فمن دونهم من بني عبد المطلب وبني بنيهم ومن تناسل منهم إلى اليوم وليس يدخل في آل محمد من كان فوق بني هاشم من بني عبد مناف وبني قصي أو غيرهم، ويدخل في ذلك مواليهم، لأن موالي القوم منهم، وكذلك فسر لي مطرف، وابن الماجشون وقاله ابن نافع.
الجزء: 4 - الصفحة: 179
وخالفهم ابن القاسم في وجهين: في الموالي، وفي صدقة التطوع، فقال: إنما ذلك فيهم أنفسهم وليس في مواليهم، وإنما ذلك في الصدقة المفروضة وليس في صدقة التطوع.
وذلك عندي وهم من ابن القاسم لما جاء في ذلك من الآثار، ولمفارقة أصحاب مالك في ذلك، ثم ذكر ابن حبيب الآثار في ذلك واحتج بها.
[فصل 17 - الزكاة لا تعطى إلا لمؤمن حر]
ومن المدونة قال مالك: ولا يعطى من الزكاة لمجوسي أو ذمي أو عابد وثن أو لعبد ولا يعطى منها ومن جميع الكفارات إلا لمؤمن حر كما لا يعتق منها إلا عبد مؤمن.
م: قيل: فإن غرّه عبد فقال: إني حر فأعطاه من زكاته فأفات ذلك، فقال بعض أصحابنا: إن في ذلك نظر هل يكون في رقبته كالجناية، لأنه غره أو يكون في ذمته لأن هذا متطوع بالدفع؟
م: والصواب أنها جناية في رقبته لأنه لم يتطوع له إلا لما أعلمه أنه حر وغره فلا يجب أن يختلف في ذلك.
الجزء: 4 - الصفحة: 180
[فصل 18 - في إعطاء أهل الأهواء من الزكاة]
ابن المواز: قال أصبع: لا يعجبني أن يعطي منها لأحد من أهل الأهواء إلا الهوى الخفيف، وفي العتبية عن ابن القاسم: إن احتاجوا أعطوا منها، وهم من المسلمين يرثون ويورثون.
[فصل 19 - لا تعطى الزكاة إلا لمن سمى الله في كتابه]
م: من المدونة: قال مالك: ولا يعطى منها في كفن ميت، أو بناء مسجد، لأن الصدقة إنما هي لمن سمى الله عز وجل من الفقراء والمساكين وغيرهم، لا للأموات أو بناء المساجد.
[فصل 20 - لا يجوز إخراج العرض والطعام عن الورق أو الذهب؛ لأنه من باب إخراج القيمة]
قال مالك: ولا يعطي فيما لزمه من زكاة العين عرضاً أو طعاماً، وقد كره غير واحد اشتراء صدقته منهم عمر بن الخطاب، وابن عمر، وجابر بن عبد الله.
م: فإن دفع عرضاً عن عين فإنه يرجع ذلك على المدفوع اليه، فإن فات بيده فلا شيء عليه، لأن هذا سلطه عليه، وذلك إذا أعلمه أنه من زكاته وإن لم يُبين أنه من زكاته فيحمل على أنه تطوع فلا يرجع عليه بشيء فات أم لم يفت.
الجزء: 4 - الصفحة: 181
[فصل 21 - الزكاة لا تحتسب في دين على فقير]
قال مالك: ومن كان له دين على فقير فلا يعجبني أن يحسبه عليه صاحبه في زكاته، قال غيره: لأنه تاوي ولا قيمة له، أو له قيمة دون.
[فصل 22 - من وجد ركازاً وله قرابة فقراء لا تلزمه نفقتهم هل يعطيهم خمسة؟]
قال ابن القاسم: ومن أصاب ركازاً وله قرابة فقراء لا تلزمه نفقتهم/ لم يخصهم [145/ب] بخمسة ولكن يعطيهم كما يعطي غيرهم من الفقراء إن كان لا يدفع به مذمة ولا يجر به محمدة إلا على وجه الاجتهاد، وأما ولد أو والد فلا يعجبني أن يعطيهم وإن كانوا فقراء، لأن نفقتهم تلزمه فغيرهم من الفقراء ممن لا يجد من ينفق عليه أحق به لأنه إذا أعطاهم دفع نفقتهم تلزمه فغيرهم من الفقراء ممن لا يجد من ينفق عليه أحق به لأنه إذا أعطاهم دفع نفقتهم عن نفسه وإن كانوا أغنياء فغيرهم أحق بذلك منهم.
وقال غيرهم إذا أعطاهم كما يعطي غيرهم من الأباعد بغير إيثار جاز، لأن الخمس فيء ليس هو مثل الصدقة التي لا تحل لغنى، والفيء يحل للغني والفقير إلا أن الفقير يؤثر على الغني، وقد قال مالك: إذا كان رجل فقير له أب مليء لا يناله رفقه فلا بأس أن يعطي من الزكاة، وقال ابن القاسم: وإن كان يناله رفقه فغيره ممن لا يناله رفق أحد أولى أن يؤثر.
الجزء: 4 - الصفحة: 182
[الباب: الواحد والعشرون]
جامع ما جاء في قسم الفيء
قال ابن حبيب: مال الله الذي جعله رزقاً لعباده المؤمنين مالان، فمال جعله الله رزقاً للفقراء وحرمه الأغنياء من عين أو حرث أو ماشية أو معدن أو زكاة فطر، ومال ساوي فيه بين الأغنياء والفقراء وهو الفيء من خمس، وجزية أهل العنوة، وأهل الصلح، وخراج أرضهم، وما صولح عليه الحربيون، وما يؤخذ من تجارهم، وتجار أهل الذمة، وخمس الركاز.
ومن المدونة: قال مالك: ويفضل بعض الناس على بعض في الفيء يبدأ بأهل الحاجة حتى يغنوا منه.
قال: وجزية جماجم أهل الذمة، وخراج الأرضين ما كان منها عنوة أو صلحا فهو عند مالك جزية والجزية عنده فيء.
قال مالك: ويعطي هذا الفيء أهل كل بلد افتتحوها عنوة، أو صالحوا عليها، فيقسم عليهم ويبدأ بفقراتهم حتى يغنوا، ولا يخرج الى غيرهم إلا أن ينزل بقوم حاجة فينقل إليهم منه، بعد أن يعطي أهلها.
يريد: ما يغنيهم على وجه النظر والاجتهاد، وكذلك كتب عمر؛ ألا يخرج من فيء قوم إلى غيرهم.
الجزء: 4 - الصفحة: 183
وأخذ مالك بما كتب عمر الى عمار بن ياسر وصاحبيه إذ ولاهم العراق وقسم لأحدهم نصف شاة، وللآخرين ربعاً، ربعاً، وكان في كتابه اليهم: "إنما مثلي ومثلكم في هذا المال كما قال الله تعالى في ولي اليتيم: ﴿وَمَن كَانَ غَنِيًّا فَلْيَسْتَعْفِفْ وَمَن كَانَ فَقِيرًا فَلْيَاكُلْ بِالْمَعْرُوفِ﴾
قال مالك: ومن أوصى بنفقة في سبيل الله بدي بأهل الحاجة إليهم.
قال مالك: ويبدأ بالفقراء في هذا الفيء فإن فضل بعد غنائهم شيء كان بين الناس كلهم بالسواء عربيهم ومولاهم.
وقد قال عمر في خطبته: " أيها الناس: إني عملت عملاً، وإن أبقيت إلى قابل لألحقن أسفل الناس بأعلاهم"، وقال عمر أيضاً: " ما من أحد من المسلمين إلا وله في
الجزء: 4 - الصفحة: 184
هذا المال حق أعطيه أو منعه حتى لو كان راعياً أو راعية بعدن " وأعجب مالكاً هذا الحديث.
ابن المواز: قال ابن عبد الحكيم: كان الصديق يساوي بين الناس في القسم فكلم فيه وذكر أنه حق للمهاجرين والأنصار، فقال: إنما تلك فضائل وسوابق عملوها لله فثوابهم على الله، وأما المعاش فالناس فيه أسوة، قال ابن عبد الحكيم: وهو أحب الينا، وقد قسم رسول الله صلى الله عليه وسلم بين جيوشه فلم يفضل أحداً على أحد، وقاله على بن أبي طالب، وقد فضل عمر بن الخطاب في القسم وكان بعطي الرجل على قدر بلائه، وسابقته، ثم قال بعد ذلك: لو استقبلت من أمري ما استدبرت لقسمت ذلك
الجزء: 4 - الصفحة: 185
قسماً واحداً، ولئن بقيت إلى قابل لألحقن الأسفل بالأعلى".
قال ابن عبد الحكم:/ وأول ما يبدأ به من هذا المال سد الثغور، والتحرز من العدو، ثم يقسم ما بقى قسمين: قسم للذرية والعيالات، وقسم للمجاهدين، يريد: المقاتلة البالغين، وأما ابن دون خمسة عشر أو شيخ كبير لا قوة فيه فلا تجعل مع عطاء المقاتلة، وليجعلا في عطاء الذرية، فإن فضل بعد ذلك شيء قسمه بين أهل الإسلام كلهم بالسواء كقسم المقاتلة.
قال ابن المواز: بل يقسم على قدر الحاجة بالاجتهاد، وقاله مالك، وابن القاسم، وأشهب.
قال مالك: يفضل بعض الناس على بعض ويبدأ بأهل الحاجة حتى يغنوا حتى لا يبقى من المال شيء.
وقال ابن حبيب سائغ للإمام العدل أن يفضل في القسم وأن يساوي، وأحب إلي أن يفضل ذرية رسول الله صلى الله عليه وسلم، وذرية أهل السوابق في الإسلام ويلحقوا بآبائهم وإن لم يلحقوا بهم في ذروة الفضل كما ألحق الله سبحانه ذرية أهل الدرجات بهم في جنته وإن لم يكونوا مثلهم في الفضل كما قال الله تعالى: ﴿أَلْحَقْنَا بِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ﴾ قال:
الجزء: 4 - الصفحة: 186
ويفضل أهل العلم والفضل في القسم على من لا فضل عنده ولا علم، ويفضل المجاهدون وأهل النكاية.
ومن المدونة: قال مالك: ولا بأس أن يعطي منه الوالي للرجل يراه للجائزة أهلا لدين عليه أو غير ذلك، ولا بأس على ذلك الرجل أن يأخذها.
ويعطي منها المنفوس، وقد مر عمر بن الخطاب ليلة فسمع صبياً يبكى، فقال لأهله: مالكم لا ترضعونه؟ فقال أهله: إن عمر لا يفرض للمنفوس حتى يفطم وإنا قد فطمناه، فولى عمر وهو يقول: كدت والذي نفسي بيده أن أقتله ففرض للمنفوس من ذلك اليوم مئة درهم.
قال ابن القاسم: ويبدأ بكل منفوس والده فقير، وكان عمر يقسم للنساء حتى إن كان ليعطيهن المسك قال ابن القاسم: ويبدأ بالفقيرة منهن قبل الغنية قال: وتفسير قول مالك: يساوي بين الناس في هذا الفيء معناه: أن يعطي كل انسان قدر ما يغنيه من صغير أو كبير أو امرأة، وإن فضل بعد غناء أهل الإسلام فضل اجتهد فيه الإمام إن رأى أن يحبسه لنوائب المسلمين حبسه، وإن رأى أن يفرقه على أغنيائهم فرقه، وقال مالك.
ولا يجبر الإمام أحداً على أخذ هذا المال إذا أبى أخذه، وقد كان عمر بن الخطاب يدعو حكيم بن حزام لأخذ عطائه فيأبى ويقول: تركته على عهد من هو خير منك، يريد: النبي صلى الله عليه وسلم فيقول: عمر: أشهدكم عليه" وإنما تركه حكيم، لأنه سمع من
الجزء: 4 - الصفحة: 187
رسول الله صلى الله عليه وسلم: "أن خيراً لأحدكم أن لا يأخذ من أحد شيئاً، قالوا: ولا منك يا رسول الله؟ قال: ولا مني".
فصل [فيما يكون للوالي الأعظم من مال الله]
قال ابن حبيب: قال مالك عن ابن شهاب كان النبي صلى الله عليه وسلم: يأخذ مما أفاء الله عليه نفقته ونفقة أهله سنة ويسلم ما بقي للمسلمين، فلما ولي أبو بكر غدى إلى السوق فقيل له: بالناس، لنظرك في أمورهم حاجة، قال: فمن يسعى على عيالي؟.
قيل: تأخذ من بيت المال ففرضوا له درهمين كل يوم وثوبين فإذا خلقتا أخذ ثوبين مكانهما فرضي وأدخل كل بيضاءٍ وصفراء له في بيت المال فعمل سنتين ونصف فأنفق أربعة آلاف درهم ولم ينقد ماله، ولما ولي عمر لم تكفه درهمان ففرض له أربعة دراهم، فلما فرض للناس الأقوات فرض لنفسه وعياله كذلك، وترك الأربعة دراهم واكتسى من بيت المال، وأخذ عطاءه كما يأخذ أصحابه المهاجرون، ثم ترك ذلك وجعل طعامه من خالص ماله، فلما احتضر أمر بحساب ما وصل إليه من بيت المال فوجد أربعة وثمانون ألفاً فأمر ابنه عبد الله أن يقضيها عنه من صلب ماله فإن لم يف فليستعن فيها
الجزء: 4 - الصفحة: 188
ببني عدي ففعل وباع من ماله مثل ذلك وأتى بها إلى عثمان، فقال له: قد قبلناها منك ووصلناك بها، قال: لا حاجة لي أن تصلني بأمانة عمر، ثم ولي عثمان فكان على منهاج من ولي قبله في النفقه من ماله قصداً وتنزهاً/ ولما ولي علي تنزه أن ينفق من مال المسلمين وكان ينفق من عطائه الذي يأخذ كرجل من المسلمين واشترى قميصاً بثلاثة دراهم وقطع من الكم ما فضل عن اليد ومات وترك سبع مئة درهم بقيت من عطائه، وسار عمر ابن عبد العزيز.
سيرة الصحابة، ورد المظالم رضي الله عنهم أجمعين.
[فصل:
ومن المدونة قال مالك: أتى عمر بمال عظيم من بعض النواحي، قال ابن حبيب: من غنائم جلولا قال يحيى بن سعيد: بلغت الغنائم يوم جلولا ثلاثين ألف ألف، قال مالك في المدونة: فصب ذلك المال في المسجد وبات عليه جماعة من الصحابة منهم عثمان وعلي، وطلحة والزبير، وعبد الرحمن بن عوف،
الجزء: 4 - الصفحة: 189
وسعد بن أبي وقاص، فلما أصبح كشف عنه أنطاع كانت عليه، وكان فيها تيجان، فلما ضربتها الشمس انتقلت فبكى عمر، فقال له عبد الرحمن: ليس هذا حين بكاء إنما هو حين شكر، فقال عمر: ما فتح هذا على قوم قط إلا سفكوا دماءهم وقطعوا أرحامهم، ثم قال لابن الأرقم: اكتب لي الناس وأرحني منه، قال فكتبهم، وجاءه بالكتاب، وقال: قد كتبت المهاجرين والأنصار، والمهاجرين من العرب والمعتقين، قال فارجع لعلك تركت رجلاً لم تعرفه، أراد أن لا يترك أحداً، ثم قسمه، فهذا يدلك أنه يقسم لجميع الناس.
قال ابن القاسم: وكتب عمر في زمان الرمادة وكانت ست سنين: من عمر إلى
الجزء: 4 - الصفحة: 190
عمرو بن العاص بمصر واغوثاه واغوثاه واغوثاه، فكتب إليه عمرو: لبيك لبيك لبيك، فكان يبعث إليه بالعير عليها الدقيق في العبى، وكان يقسمها عمر، فيدفع الجمل كما هو لأهل البيت فيقول: كلوا دقيقه والتحفوا العبى وانحروا البعير وائتدموا شحمه وكلوا لحمه، فهذا يدلك أنه ينقل من بلد إلى بلد.
قال ابن القاسم: وقد رأى رجل في منامه في خلافة أبي بكر أن القيامة قد قامت وحشر الناس فنظر إلى عمر بن الخطاب قد فرع الناس ببسطه فقال: بم فضل عمر؟ فقيل: بالخلافة والشهادة وأنه لا يخاف في الله لومة لائم فقصها على عمر بحضرة أبي بكر فانتهره عمر لذكره ذلك بحضرة أبي بكر، فلما ولي عمر الخلافة قال للرجل:
الجزء: 4 - الصفحة: 191
أعد علي الرؤيا فقصها فقال عمر: هذه أولتهن يريد: قد نلتها، ثم قال: وبالشهادة، فقال عمر: وأنى ذلك لي والعرب من حولي، ثم قال: وأنه لا يخاف في الله لومة لائم، فقال عمر: والله ما أبالي إذا قعد الخصمان بين يدي على من دار الحق فأديره.
الجزء: 4 - الصفحة: 192