كتاب الرهن
بسم الله الرحمن الرحيم وصلى الله على سيدنا ومولانا محمد وعلى آله وصحبه وسلم
[الباب الأول]
في جواز الرهن وجواز حيازته ورهن المشاع
الفصل [1 - في جواز الرهن وحيازته]
قال أبو بكر محمد بن عبد الله بن يونس الفقيه الصقلي رحمه الله: الأصل في جواز الرهن وحيازته قوله تعالى: ﴿فَرِهَانٌ مَقْبُوضَةٌ﴾ [البقرة: 283] ولهذا لا يتم رهن إلا بحقيقة قبضه، وذلك بالإشهاد على معاينة حوزه.
قال ابن المواز: قال عبد الملك: وإذا كتب في كتاب الرهن أن فلانًا المرتهن قد حازه أو جازه له فلان وأشهد بذلك على أنفسهما فلا ينفع ذلك حتى تعاين البينة الحوز، قال: ولو مات الراهن أو فلس ووجد الرهن بيد المرتهن أو بيد الموضوع على يده الرهن فلا ينفع ذلك حتى تعلم البينة أنه قد حازه قبل الموت والفلس.
م قال بعض الفقهاء: وفي ذلك اختلاف، أراه يريد إذا وجد ذلك بيد المرتهن بعد موت الراهن أو فلسه.
الجزء: 12 - الصفحة: 514
قال ابن المواز: صواب لا ينفع إلا بمعاينة البينة الحوز بعد الإرتهان.
م وقال بعض أصحابنا: وإنما لم يتم حوز الرهن بالإقرار إلا بمعاينة البينة لذلك، لتعلق حق الغرماء به إن طرأ، وذلك أنه يتهم أن يقول دعني أنتفع به، وأشهداك أنك قبضته فتكون أحق به من غرماني.
م وقال بعض البغداديين: ولأن المقر على نفسه إنما يقبل فيما لا يسقط حق غيره.
قال: وذهب الشافعي رضي الله عنه إلى أنه يقبل إقراره.
فصل [2 - في رهن المشاع]
قال مالك رحمه الله: ولا بأس برهن جزء مشاع غير مقسوم من ربع أو حيوان أو عرض، وقبضه إن كان بين الراهن وبين غيره أن يحوز المرتهن حصة الراهن ويكريه، ويليه مع من له فيه شرك كريه، ولا بأس أن يضعاه على يد الشريك، والحوز في ارتهان نصف ما يملك الراهن جميعه من عبد أو دابة أو ثوب قبض جميعه.
م واختلف في الدار فقيل لا يجوز حتى يقبض المرتهن جميعها أو تكون على يدي عدل، وقيل تكون بيد المرتهن مع الراهن فيكريان جميعها/ فيصح الحوز أو
الجزء: 12 - الصفحة: 515
يضعانها جميعًا على يدي غيرهما ما لم يكن الموضوع على يديه هو القيم به، مثل عبده أو أجيره، ولو كان إنما رهن جميع الدار لجاز أن يضعها على يدي القيم به بخلاف عبده.
م قيل إنما الفرق بين رهن نصف الرهن وبين رهن جميعه إذا جعله على يدي القيم به؛ لأنه إذا رهن جميعه صار القيم كأنه حائز للمرتهن وإذا رهن نصفه بقيت يدي القيم على نصف الرهن، فصار كمن رهن نصف دار فبقيت يده مع المرتهن، وأما العبد فيده كيد مولاه في الوجهين.
وقال أبو حنيفة: لا يصح رهن المشاع.
والدليل لمالك أنهم إن سلموا صحة قبضه، فالظاهر يتناوله وهو قوله تعالى ﴿فَرِهَانٌ مَقْبُوضَةٌ﴾ [البقرة: 283]، وإن منعوه قلنا قد اتفقنا أن بيع المشاع جائز وأن بيع ما لا يمكن قبضه لا يصح، فصح أن المشاع يصح قبضه لاتفاقنا على جواز بيعه؛ ولأن الإشاعة لا تمنع صحة الرهن، كما لو رهن دارًا من رجلين في عقد واحد.
الجزء: 12 - الصفحة: 516
قال ابن المواز: قال أشهب: ولا يجوز فيما يملك الراهن بعضه أن يرهن حصته منه إلا بإذن شريكه؛ لأن ذلك يمنع صاحبه بيع حصته، فإن أذن له جاز له ذلك، ثم لا رجوع للشريك فيه، ولا له بيع حصته حتى يحل الأجل؛ لأنه قد أذن له في إسلافه إلى الأجل.
قال بعض الفقهاء: وله عنده بيع نصيبه على أن يقبضه مشتريه عند الأجل، وإن كان المرتهن عبدًا أو حيوانًا؛ لأن الحبس ها هنا حق على البائع، ليس هو الراضي به لتقدم إذنه، كبيع الغائب إلا أنه جعل ضمان ذلك من المشتري بالعقد، بخلاف بيع الغائب، ويجب على قوله نقد ثمنه، وقد اختلف في هذا المعنى، وقال ابن ميسر: لا يجوز هذا البيع كما لا يجوز بيع عبد أو حيوان أو ثوب على أنه لا يقبض ألا إلى أجل، قيل لمحمد: فكيف الحوز فيه فقال: أما ابن القاسم فيقول: يحل المرتهن فيه محل الراهن في الحوز، وقال أشهب وعبد الملك لا يتم فيه الحوز إلا بأن يجعل جميعه على يد الشريك أو بيد المرتهن أو بيد غيرهما، فإن لم يرض الشريك بهذا، فالرهن منتقض فيما يزال به من عبد أو ثوب أو دابة أو سيف، وأما الدار والحمام، فإن أبى الشريك أن يسلم مصابته أو أن يحوز له حصة شريكه، لم ينتقض الرهن وليحل المرتهن فيه محل الراهن مع شريكه في الكراء والقيام بما يليه،
الجزء: 12 - الصفحة: 517
فيكون حيازة وقبضًا فيما لا يزال به؛ لأن قبض الرباع أن يحال بين صاحبها وبين النظر في شيء من أمرها.
وقبض ما يزال به أن يزال به ويحال بينه وبين صاحبه وبين النظر في شيء من أمره.
م ووجه قول ابن القاسم: أن الراهن إذا سلم حصته إلى المرتهن حتى حال بينه وبينها، وحل فيها محله، فذلك حوز كالذي لا يزال به وكاشترائه تلك الحصة.
[فصل 3 - في رهن المشاع إذا كان مما ينقسم]
ومن المدونة قال مالك: وإن كان الرهن مما ينقسم من طعام ونحوه، فرهن حصته منه، جاز ذلك إذا أجازه المرتهن، فإن شاء الشريك البيع قاسمه منه الراهن والرهن كما هو في يد المرتهن لا يخرجه من يده، فإن غاب الراهن، أقام الإمام من يقسم له، ثم تبقى حصة الراهن في الوجهين رهنًا، ويطبع على كل ما لا يعرف بعينه.
فصل [4 - فيمن رهن حصته من دار ثم اكترى حصة شريكه وسكنها]
ومن رهن حصته من دار ثم اكترى حصة شريكه وسكن، بطل حوز الرهن إن لم يقم المرتهن بقبض حصة الراهن من الدار ويقاسمه؛ لأنه لما سكن نصف الدار
الجزء: 12 - الصفحة: 518
وهي غير مقسومة، صار المرتهن غير حائز، ولا يمنع الشريك أن يكري نصيبه من الراهن ولكن يقسم الدار، فيحوز المرتهن رهنه، ويكري الشريك نصيبه/ ممن شاء.
قال ابن المواز: ومن ارتهن نصف دار فجعلها على يد شريك الراهن ثم ارتهن مصابة الشريك بعد ذلك فجعلها على يد الراهن الأول فإنه يبطل رهن جميع الدار؛ لأنها قد رجعت على حالها بيد كل واحد مصابته، وكذلك سمعت من أصحاب مالك.
قال ابن المواز: ولو لم يجعل مصابة الثاني على يد الأول ولكن على يد أجنبي أو على يد المرتهن لبطلت مصابة الثاني على يد الأول، وجازت مصابة الأول؛ لأن مصابة الثاني بيده منها، لم تجز عنه كلها.
م قال بعض الفقهاء: وعلى قولهم إذا رهن نصف داره تكون بيد المرتهن ويده عليها، ويكريانها جميعًا تتم مصابة الثاني؛ لأن أجنبيًا حائزًا معه ما رهن هو، وبقيت يده على النصف الذي وضع على يديه، وعلى هذا أن الشريك إذا رهن نصيبه ثم اكترى نصيب شريكه ولم يسكنه أنه جائز، وتكون يده ويد مرتهن نصيبه عليها كما لو كانت كلها له، وعلى القول الآخر لا يتم فيها الحوز؛ لأن يده على نصفها كما لو كانت كلها له فرهن نصفها.
الجزء: 12 - الصفحة: 519
قال: واختلف في رهن ما قد أكرى هل تصح فيه الحيازة أم لا؟
وفي المدونة: جواز شرط الانتفاع بالرهن، فهو مرتهن مُكري إلا أن ذلك في عقد واحد، وإذا جاز أن يكون الكراء والرهن في عقد ويصح الحوز، فكلك يجوز رهن ما تقدم كراءه، كما أجاز ابن القاسم أن يهب ما تقدمت فيه الخدمة، كما يجوز إذا وقع الإخدام والهبة في الرقبة في عقد واحد، وإن كان عبد الملك يفرق بينهما، وابن القاسم لا يتم حوز الصدقة عنده فيما تقدمت فيه الإجارة؛ لأن منافعه لما كان يأخذ كراءها المتصدق، فكان يده باقية عليه، وعلى هذا يجب أن لا يتم الرهن والإجارة فيه مدة واحدة، ولا الرهن بعد الإجارة، وبعد هذا باب فيه إيعاب هذا.
[فصل 5 - فيمن ارتهن دابة أو دارًا فاستحق نصف ذلك من يد المرتهن]
ومن المدونة: ومن ارتهن دابة أو دارًا أو ثوبًا، فاستحق نصف ذلك من يد المرتهن، فباقية رهن بجميع الحق، فإن شاء المستحق البيع، قيل للراهن والمرتهن بيعا معه إن كان معه مما لا ينقسم وقيل للمرتهن لا تسلم رهنك، ولكن يباع وهو بيده، وتصير حصة الراهن من الثمن رهنًا بيد المرتهن، مطبوعًا عليه بجميع حقه أو بيد من كان الرهن على يديه.
[قال] ابن المواز: قال أشهب: إن كان الرهن مما ينقسم قُسم، وحاز المرتهن ما وقع للراهن، وإن كان مما لا ينقسم وشاء المستحق البيع، بيع ويأخذ المرتهن مصابة
الجزء: 12 - الصفحة: 520
الراهن من الثمن معجلاً من دينه إن بيع بمثل الدين من دنانير أو دراهم؛ لأن إيقاف الثمن ضرر إذ قد يهلك فيه، فكان تعجيله نفعًا للجميع، وإيقافه ضررًا عليهم.
قال: وإن كان الدين دنانير، فبيع بدراهم أو دراهم فيبع بدنانير أو بغيرها، فلك إيقاف ذلك إلى الأجل.
قال: ولو لم يستحق ولكن أرهنك نصف ثوب ثم أراد الراهن بيع النصف الذي لم يرهنك فليس له ذلك حتى يتم الأجل فيباع.
وتكون أحق بنصف الثمن في دينك من غرمائه، ويحاص في باقيه أن بقي لك شيء من دينك.
قال: وإن كان نصف الثوب إنما هو لشريك الراهن فأراد الشريك بيع جميع الثوب فليس له ذلك إلا إلى الأجل؛ لأنه قد أسلمه كله إليك، ولكن له أن يبيع مصابته على أن يبقى جميع الثوب بيدك إلى الأجل، وكذلك لو كان الرهن على يد الشريك ثم أراد الشريك بيع نصيبه على أن يكون جميعه بيده كما كان فهو جائز، وإن لم يدن حلول الأجل، وليس كمن باع شيئًا وهو يقدر على أن لا يدفعه/ إلى مدة، هذا لا يجوز، وأما في الرهن فيجوز عندي ويصير في ضمان المشتري، قال ابن ميسر: لا فرق بينهما ولا يجوز وقد تقدم هذا.
[فصل 6 - إذا ترك المستحق حصته بيد المرتهن فضاع وفيمن ارتهن نصف ثوب فقبضه ثم هلك عنده ومسائل من استحقاق الرهن]
ومن المدونة: قال ولو ترك المستحق حصته بيد المرتهن وهو ثوب فضاع، لم يضمن المرتهن إلا نصف قيمته للراهن، فإن كان الراهن والمرتهن قد وضعاه على يدي المستحق أو غيره ثم ضاع لم يضمنه المرتهن.
الجزء: 12 - الصفحة: 521
قال ابن القاسم: وكذلك من ارتهن نصف ثوب فقبض جميعه فهلك عنده لم يضمن إلا نصف قيمته، وهو في النصف الآخر مؤتمن وقد قال مالك فيمن كان يسأل رجلاً نصف دينار فأعطاه دينارًا ليستوفي منه نصفه ويرد ما بقي، فزعم أنه ضاع، أن النصف من المقتضي والنصف الآخر هو فيه مؤتمن، وعليه اليمين إن كان متهمًا وإلا لم يحلف.
م قيل فإن استحق الرهن قبل أن يدفعه الراهن، كان البائع بالخيار، إن شاء دفع السلعة بلا رهن، وإن شاء نقض البيع.
وفي كتاب محمد: ولو دفع البائع السلعة وفاتت عند المشتري لكان البائع بالخيار إن شاء أمضى البيع إلى الأجل وإن شاء أخذ قيمة سلعته.
قال بعض الفقهاء: وفي ذلك نظر إذا كان الثمن المؤجل أكثر من قيمة السلعة؛ لأنه يصير كمن وجب له عشرة نقدًا ففسخها في خمسة عشر إلى أجل إلا أن يقول قائل: إن أخذت القيمة لم يجز أيضًا؛ لأنه كأنه أخذ منه دينًا له إلى أجل أقل منه نقدًا فإذا كان الشيء أينما رددته دخله هذا جاز، كمن غصب لي عبدًا فأبق أن لي أخذ قيمته، ولا يقال أنه بيع آبق، وقد اختلف فيمن فلس وقد ابتاع عبدًا فوجده ربه قد أبق، فقيل هو مخير إن شاء رضي بطلبه، وإن شاء حاصص بثمنه، وقيل لا يجوز له أن يطلبه، والأشبه أن له أن يطلبه إن شاء؛ لأن طلبه ليس بإبراء للمشتري من الثمن، ألا ترى أنه لو طلبه فعجر عنه أو مات لوجب أن يرجع على الغرماء فيما أخذوه فيحاصصهم فيه، وكذلك في كتاب محمد.
فإن قيل له: فإنه لم ينتقل إلى الآبق إلا وحقه باق في ذمة المشتري، قيل وكذلك يجب أن يكون في العبد المغصوب إذا
الجزء: 12 - الصفحة: 522
أبق لو قال أنا أترك تضمين الغاصب وأطلب عبدي، فإن وجدته وإلا رجعت فضمنته لجاز ذلك أيضًا.
قال: وإن باع منه على رهن غير معين، فدفع الرهن ثم استحق ولم يكن عنده، فالرهن يتعين بالدفع ويمضي البيع، قال عبد الملك: إلا أن يغره فله الرجوع في سلعته أو في قيمتها إن فاتت إلا أن يأتي برهن ثقة.
ومن العتبية: قال سحنون فيمن باع سلعة وارتهن عبدًا فاستحق، فإن غره عجل الحق له، وإن لم يغره فهو كموته، هذا إذا كان الرهن بعينه، وإن كان بغير عينه أتاه برهن آخر.
فجعل الغرر على مذهب سحنون يوجب تعجيل الدين كالعتق، وجعل استحقاق الرهن غير المعين بعد دفع المبيع يؤتى بمثله ولم يتعين بالدفع والله أعلم.
الجزء: 12 - الصفحة: 523
[الباب الثاني]
جامع القول في ضمان الرهن
[الفصل 1 - في الرهن بما فيه إن ضاع]
قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (لا يعلق الرهن)، قال مالك رحمه الله في موطنه: معناه: أن يقول له: إن قضيتك الدين إلى أجل كذا وإلا فالرهن لك بما [رهن] فيه: قال مالك: فلا يكون الرهن بما فيه، ولكن المرتهن ضامن لجميع قيمته.
ومن كتاب ابن المواز: قلت ففي أي موضع يكون الرهن بما فيه/ إن ضاع؟ قال فيما يغاب عليه، ولا يعلم له قيمة ولا صفة لا بقول الراهن، ولا بقول المرتهن ولا بقول غيرهما، فهذا لا طلب لأحدهما على الآخر، وإن كان القياس يحتمل أن تجعل قيمته من أدنى الرهون، وقد ذكر لي ذلك عن أشهب ولكن الذي قلت لك قول جماعة العلماء وأشبه بما روي عن النبي صلى الله عليه وسلم (الرهن بما فيه).
قال أبو الزناد: وفي الحديث (إذا عميت قيمته).
الجزء: 12 - الصفحة: 524
قال ابن حبيب عن أصبغ: إذا هلك الرهن وجهل المرتهن صفته ووصفه الراهن فليحلف، فإن نكل بطل حقه وكان الرهن بما فيه.
م قال بعض الفقهاء: العدل أن يكون الرهن بما فيه إذا عميت قيمته لاحتمال أن يرهن بأقل من الدين أو مثله أو أكثر منه، فالعدل أن يكون بالدين وهو الوسط في القيمة، كما لو قال له عندي من خمسين إلى ستين أنه يعطي خمسة وخمسين، ويقسم المشكوك بينهما كما يقسم ما بأيديهما إذا تداعياه، إذ لا مزية لأحدهما على الآخر، وقيل إن الذمة على البراءة، فلا تعمر بالشك، فعلى هذا يجعل من أدنى الرهون كما قالوا إذا أقران له عليه دراهم، فجعل عليه أقل عددًا من الدراهم وذلك ثلاثة دراهم.
[فصل 2 - في ضمان الرهن]
ومن المدونة قال مالك: وما وضع من رهن يغاب عليه أم لا على يدي عدل فجائز، وقبضه له قبض، لقوله تعالى: ﴿فَرِهَانٌ مَقْبُوضَةٌ﴾ [البقرة: 283] معناه من الراهن، وهذا
الجزء: 12 - الصفحة: 525
ها هنا موجود؛ ولأنه مقبوض من الراهن بحق المرتهن، فأشبه أن يقبضه بنفسه، قال مالك: فضمانه إن تلف من الراهن.
م لبيان براءة المرتهن ولم يضمن الأمين؛ لأنه مؤتمن، وإنما قبضه لمنفعة غيره كالمودع.
قال مالك: وما قبضه المرتهن من رهن يغاب عليه فضاع، فإنه يضمنه إلا أن يقيم بينة على هلاكه من غير سببه.
قال أبو محمد: ولما لم يؤخذ الرهن على الأمانة لكن لمنفعة نفسه كان كالعارية.
وقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم في سلاح صفوان (عارية مؤداه) فما كان مثل السلاح وما يغاب عليه فهو مضمون إذا قبضه المرتهن أو المستعير إلا أن تقوم بينة على هلاكه من غير سببه بأمر من الله، أو بتعدي أجنبي، فذلك من الراهن وله طلب المتعدي.
قال مالك: فإذا غرم المتعدي القيمة، فأحب ما فيه إلى إن آتي الراهن برهن ثقة مكان ذلك- أخذ القيمة- وإلا جعلت هذه القيمة رهنًا ويطبع عليها.
قال: وما قبضه المرتهن من رهن لا يغاب عليه من ربع أو حيوان أو رقيق، فالمرتهن مصدق فيه، ولا يضمن ما زعم أنه هلك أو عطب أو أبق أو دخله عيب، ويكون ضمانه من الراهن.
الجزء: 12 - الصفحة: 526
م لقول النبي صلى الله عليه وسلم: (الرهن من الراهن له غنمه وعليه غرمه) معناه له غلته وعليه ضمانه، فرأى العلماء أن ذلك فيما لا يغاب عليه مثل الرباع والنخيل والرقيق والحيوان؛ لأن النخل يتمر والرقيق والحيوان ينتج، وذلك للراهن، فوجب أن يكون عليه ضمانه.
وقد قال مالك في موطئه: الأمر الذي لا اختلاف فيه عندنا أن ما كان من رهن يعرف هلاكه من حيوان أو أرض أو دار فهلكت في يد المرتهن وعلم هلاكه فهو من الراهن.
م وكذلك الحكم في عارية ما لا يغاب/ عليه أنه من ربه لحديث الرهن، فقيس الرهن على العارية فيما يغاب عليه لحديث العارية وهو قوله صلى الله عليه وسلم في سلاح صفوان (العارية مؤداه) وقيست العارية على الرهن فيما لا يغاب عليه لحديث الرهن، لاشتباه الرهن والعارية، أن منفعتهما للقابض بخلاف الوديعة التي منفعتها للمالك خاصة.
قال بعض البغداديين: وهي حجتنا في الرهن على أبي حنيفة في إيجابه ضمان الجميع، وعلى الشافعي في إسقاطه ضمان الجميع كالمودع عنده.
الجزء: 12 - الصفحة: 527
قال: وإنما لم يجر الرهن مجرى الأمانة المحضة ولا مجرى المضمون المحض؛ لأنه قد أخذ شبهًا من الجميع فلم يكن له حكم أحدهما على التحديد، وذلك أن الأمانة المحضة لا نفع فيها للقابض بل النفع فيها كله للمالك كالوديعة، والمضمون المحض منافعه للقابض خاصة كالمشتري والمتعدي، فلما أخذ الرهن شبهًا من الأمرين فإن المالك حصل له ما ابتاعه، وبقي الدين في ذمته لأجل رهنه، فقد انتفع به، والمرتهن حصل له التوثق فلم يقبضه لمالكه، وجب ألا ينفرد بأحدهما، وفصل بينهم بما قلناه وبالله التوفيق.
قال ابن المواز: ولو شرط فيما لا يغاب عليه أن يضمنه لم يلزمه ويكون ضمانه من ربه.
قال: ولو شرط فيما يغاب عليه أن لا يضمنه وأن يقبل قوله فيه.
فقال ابن القاسم: شرطه باطل، وهو ضامن لأن ذلك كله بخلاف السنة.
قال بعض البغداديين: لأنه شرط ينافي حكم أصل العقد، فلم يصح، أصله إذا شرط في الوديعة أن يضمن أو شرط في القرض أن لا يضمن أو في النكاح أن لا يطأ، وفي البيع أن لا يتصرف في المبيع.
قال ابن المواز: وقال البرقي عن أشهب: شرطه جائز، وهو مصدق، وكذلك في العارية لقول النبي صلى الله عليه وسلم (المسلمون عند شروطهم).
قال ابن المواز: وأما ما قامت فيه بينه بهلاكه مما يغاب عليه، فقد اختلف فيه قول مالك، فأخذ ابن القاسم وعبد الملك وأصبغ بقوله أنه لا يضمنه، وهو أحب إلينا.
وقال أشهب عن مالك أنه ضامن وكذلك العارية واحتج بحديث سلاح صفوان بن أمية حين قال النبي صلى الله عليه وسلم (بل عارية مؤداه) أي فلابد من أداء ذلك،
الجزء: 12 - الصفحة: 528
وإن شهد على هلاكه العدول.
قال ولأن أصل ذلك الضمان وعليه أخذه، ولو شرط أن لا يضمنه لنفعه ذلك.
قال: بعض البغداديين: ووجه قول ابن القاسم أن سبب الضمان فيما يغاب عليه لئلا يتلفه ويدعي أنه تلف بغير سببه، فإذا علم صدقه لم يضمن، ألا ترى أن العرف لما كان يشهد له فيما يظهر تلفه من الرباع والحيوان قبل قوله ولم يضمنه، وكذلك هذا إذا قامت بهلاكه البينة بغير سببه.
قال عيسى عن ابن القاسم: وإنما يضمن المرتهن قيمة ما ضاع عنده مما يغاب عليه إذا ادعى ضياعه فقيمته يوم ضاع لا يوم ارتهنه، وقيل في موضع آخر: إذا هلك الرهن الذي يغاب عليه فإنه يضمن قيمته يوم ارتهنه.
م وحكي عن بعض فقهائنا القرويين أنه قال: إذا هلك الرهن الذي يغاب عليه ولم يعلم هلاكه إلا بقول المرتهن، فلابد من يمينه، كان متهمًا أو غير متهم، وكذلك في عارية ما لا يغاب عليه أو شراءه إياه بالخيار، وضياع الشيء المستأجر لابد من اليمين في ذلك كله كان متهمًا أو غير متهم، وذلك أن هذه الأشياء إنما أخذها لمنفعة نفسه، فهي بخلاف الوديعة التي لا منفعة له فيها، فإن اعترض
الجزء: 12 - الصفحة: 529
علينا معترض بالقراض يدعي ضياعه أنه لا يحلف فيه إلا أن يكون متهمًا أو قبضه هو لمنفعه لنفسه؟
قيل له القراض ليس له منفعة متيقنة إذ قد يربح أو لا يربح فيه، فهو بخلاف ما منفعته حقيقة.
/ وقال بعض شيوخنا: اختلف في يمين المرتهن في ضياع ما لا يغاب عليه، فقيل: يحلف وقيل لا يحلف، وأحب إلينا أن يحلف المتهم لقد ضاع وما فرطت ولا تعديت، وغير المتهم يحلف ما فرطت ولا ضيعت، ولا يحلف على الضياع وهو مصدق فيه.
وبعد هذا القول باب فيه إيعاب القول في ضمان الرهن.
الجزء: 12 - الصفحة: 530
[الباب الثالث]
في الرهن يبيعه الراهن أو المرتهن
[الفصل 1 - في الراهن يبيع الرهن بغير إذن المرتهن]
ولما كان الرهن وثيقة للمرتهن لم يجز أن يحدث فيه الراهن حدثًا يبطله به، فليس للمرتهن أيضًا أن يحدث فيه حدثًا إذ لم يملك أصله.
[ومن المدونة] قال مالك رحمه الله: فإذا باع الراهن الرهن بغير إذن المرتهن لم يجز بيعه، فإن أجازه المرتهن جاز البيع، وعجل للمرتهن حقه شاء الراهن أو أبى.
قال ابن المواز: إذا تعدى الراهن فباع الرهن قبل أن يقبضه المرتهن فبيعه نافذ وإن قرب، فات أو لم يفت ولم يحل الحق، والثمن للراهن يأخذه، ولا يعجل للمرتهن حق، ولا يوضع له رهن مكانه، ولا ينقض ما بينهما من بيع أو سلف، وقد كان للمرتهن لو لم يبع أن يقوم فيحوزه، وهذا كله قول مالك وابن القاسم وأشهب وابن عبد الحكم، وأما إن باعه بعد الحوز وهو بيد المرتهن أو بيد أمين، فإن باعه بمثل الحق فإنه يعجل للمرتهن حقه وإن لم يحل وينفذ البيع، ولا حجة للمرتهن في رده لأنه مضار، وقاله مالك إلا أن يباع بأقل من حقه فله أن يرده أو يمضيه ويتعجل الثمن ويطلبه بما بقي.
قال ابن المواز: وكذلك إن باعه بثمن خلاف حق المرتهن، فله نقض البيع، وقد كان من رواية ابن القاسم وأشهب أنه إذا باعه بعد الحوز فلا بيع له ويرد، والقول الآخر لمالك أحب إليّ، وعليه أصحابه أنه ينفذ بيعه ويتعجل الحق إن بيع بمثل دينه.
الجزء: 12 - الصفحة: 531
قال أشهب: فإن استهلك ثمن الرهن قبل أن يدفعه للمرتهن، فإن كان عنده وفاء به وداه وتم البيع وإلا فللمرتهن رد البيع.
[فصل 2 - في بيع الراهن للرهن بإذن المرتهن]
ومن المدونة: قال مالك: وإن باعه الراهن بإذن المرتهن فقال المرتهن لم آذن له في البيع إلا لإحياء الرهن لا ليأخذ الراهن الثمن حلف على ذلك، وقيل للراهن: إن أتيت برهن ثقة يشبه الرهن الذي بعت، وتكون قيمته كقيمة الأول فلك أخذ الثمن وإلا بقي الثمن رهنًا إلى الأجل، ولم يعجل للمرتهن حقه، وهذا إذا بيع بإذن المرتهن ولم يسلمه من يده إلا إلى المبتاع وأخذ منه الثمن، وأما إن أسلمه إلى الراهن فباعه خرج من الرهن.
م قال بعض الفقهاء: وقيل لو أسلمه لحلف أيضًا وأوقف الثمن.
ومن كتاب ابن المواز: قلت: فإن كان المرتهن وصله إلى الراهن حتى باعه، فقلت بيعه جائز ولا يعجل الحق، كما لو باعه قبل الحوز، أرأيت إن قال المرتهن إني إنما وصلته إليك لتبيعه ولتعجل لي حقي، وأنكر الراهن، قال: قال أشهب: يحلف المرتهن، والقول قوله ولا يضره قيام الغرماء إن كان ذلك بقرب دفعه إليه، فإن كان ذلك ليس بقربه، فقام الغرماء قبل أخذك للثمن فهم أحق بالثمن.
الجزء: 12 - الصفحة: 532
قال في المجموعة: إذا باعه الراهن بإذن المرتهن، فلا أرى الثمن به رهنًا إلا أن يكون اشترط ذلك المرتهن فيكون رهنًا، وإن اشترط عند الإذن أن يقبض حقه، فإن ذلك لا يصلح، وأراه رهنًا إلى أجله.
م لأن اشتراط تعجيل الثمن عند الإذن في البيع سلف جر نفعًا.
فصل [3 - إذا تعدى المرتهن على الرهن ببيع أو هبة فللراهن رده]
ومن المدونة: فإن تعدى المرتهن فباع الرهن أو وهبه فلربه رده حيث وجده فيأخذه ويدفع ما عليه، ويتبع المبتاع بائعه [بالثمن] فيلزمه بحقه.
يريد أن الراهن يدفع ما عليه إلى مشتري الرهن ويأخذه منه، وإن كان ذلك أقل من ثمنه الذي دفعه المشتري فيه، رجع المشتري ببقية ثمنه على بائعه، وكذلك في كتاب ابن المواز.
م يريد أن المرتهن باعه وقد حل الأجل، وأما لو لم يحل فإن الراهن مخير في إجازة البيع ويقبض جميع الثمن، ولا يرده إلى المرتهن ويجعله بيد عدل رهنًا إلى الأجلح لأنه وإن ظلم في بيعه فلا ظلم في فسخ رهنه إلا أن يأتي ربه برهن مثله فله
الجزء: 12 - الصفحة: 533
أن يقبض الثمن ويوقف له الرهن، وكذلك إن رد البيع، فإنه يجعل الرهن بيد عدل لئلا يبيعه ثانية، وهذا على مذهب ابن القاسم، قاله في الذي كسر الخلخال الرهن أن قيمته توضع على يد عدل، فكذلك هذا، وأما على مذهب أشهب فإن الراهن يقبض الثمن ولا يتعجله المرتهن من دينه؛ لأنه الفاسخ لرهنه.
[قال] ابن المواز: وقال أشهب: فإن فات الرهن غرم فيه المرتهن الأكثر من الثمن أو قيمته يوم باعه، فيأخذ ذلك منه الراهن، ولا يحبس منه المرتهن شيئًا بحقه إذا كان لم يحل؛ لأنه الفاسخ لرهنه، ولو كان التعدي ممن وضع على يديه وفات، غرم الأكثر مما ذكرنا، ويعجل المرتهن دينه إذا كان ذلك كصفة الدين وإن لم يحل الأجل؛ لأن وقف ذلك ضرر.
م ابن القاسم يرى في مثل هذا إيقاف الثمن، فإن بيع بمثل صفة الدين لعل الراهن يأتي برهن مثل الرهن ويأخذ ذلك الثمن، وأما لو أيس أن يأتي برهن قبل الأجل، ما كان في وقف الثمن فائدة بل ذلك ضرر عليهما جميعًا من غير انتفاع للذي عليه الدين في ذلك.
[فصل 4 - في الرجل يبيع السلعة على أن يأخذها رهنًا بغير عينه أو رهنًا بعينه]
ومن كتاب الرهون قال ابن القاسم: وإذا بعت من رجل سلعة على أن يرهنك عبده ميمونًا بحقك، ففارقته قبل قبضه لم يبطل الرهن ولك أخذه منه رهنًا ما لم يقم عليه الغرماء فتكون أسوتهم، وإن باعه قبل أن يقبضه مضى البيع وليس لك أخذه
الجزء: 12 - الصفحة: 534
برهن غيره؛ لأن تركك إياه حتى باعه وقد أمكنك منه أيضًا كتسليمك لذلك وبيعك الأول غير منتقض.
م واختلف في بيع الهبة قبل الحوز، فقال ابن القاسم: إن لم يعلم الموهوب نقض البيع وإن علم مضى البيع لحق المشتري وعوض الموهوب الثمن.
وقال أشهب: لا شيء عليه للموهوب في الثمن ولا ينقض له بيع وإن لم يعلم، وتبطل الهبة كبطلان الرهن إذا بيع قبل الحوز.
الجزء: 12 - الصفحة: 535
[الباب الرابع]
ما يدخل في الرهن من ولد أو غلة أو مال عبد، ورهن ما لم يبد صلاحه
[الفصل 1 - في رهن الحامل واشتراط استثناء جنينها وفي رهن النخل]
والقضاء أن من ارتهن أمة حاملاًَ أن ما في بطنها وما تلد بعد ذلك رهن معها كالبيع، وكذلك نتاج الحيوان كله وقاله مالك.
قال ابن المواز: ولو شرط أن ما تلد ليس برهن معها لم يجز.
قال عنه أشهب في العتبية: ويجوز أن يرهن أمة دون ولدها الصغير، وتباع مع ولدها، فيكون أولى بحصتها من الثمن، وهو في الفاضل أسوة الغرماء، وكذلك هبة الجارية دون ولدها جائز ولا يباعان إلا جميعًا.
قال فيه وفي المدونة: ومن ارتهن نخلاً لم يدخل في الرهن ما فيها من تمر أبر أو لم يؤبر، أزهى أو لم يزه، ولا ما يتمر بعد ذلك إلا أن يشترط ذلك المرتهن، وولد الأمة في ذلك بخلاف ما تثمر الأصول لأن النبي صلى الله عليه وسلم جعل الثمرة المأبورة في بيع
الجزء: 12 - الصفحة: 536
الأصول للبائع ولا خلاف عندنا أن الأمة إذا بيعت حاملاً أن الولد للمبتاع.
/م وقال بعض العلماء: ولأن كل حكم استقر في رقبة الأم فإنه يسري إلى ولدها، أصله أم الولد والمدبرة فكذلك حكم الرهن؛ ولأن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (الرهن من الراهن له غنمه- أي غلته- وعليه غرمه)، فما كان من غلة فهي للراهن بما ملكه النبي صلى الله عليه وسلم من ذلك بخلاف الولد.
قال ابن القاسم وأشهب عن مالك: كل رهن له غلة فلا تكون الغلة رهنًا إلا أن تشترط فتكون رهنًا إلى محل الحق.
[فصل 2 - غلة الرهن وصوف الغنم الرهن وألبانها لمن تكون؟]
[ومن المدونة] قال مالك: وكراء الدور وإجارة العبيد كل ذلك للراهن؛ لأنه غلة ولا يكون في الرهن إلا أن يشترطه المرتهن، وكذلك صوف الغنم وألبانها.
قال ابن القاسم: إلا صوفًا كمل نباته يوم الرهن فإنه يكون رهنًا معها.
الجزء: 12 - الصفحة: 537
[قال]: ابن المواز: وقال أشهب: تم الصوف أو لم يتم هو كالغلة، وكلبن في ضروعها وكتمرة مزهيه أو مأبورة في النخل يوم رهن النخل.
م وقاسه ابن القاسم على البيع؛ لأن من باع نخلاً وفيها ثمر مزهي أن الثمرة للبائع، فكذلك يكون في الرهن، وإن باع غنمًا عليها صوف قد تم أنه يكون للمشتري، فكذلك يكون في الرهن للمرتهن، وذهب بعض القرويين: أن الثمرة لو كانت يابسة يوم الرهن لكانت للمرتهن كالصوف التام.
قال: وإنما فرق بين مسألتي الكتاب؛ لأن الثمرة تترك لتزداد طيبًا، فهو غلة لم يرهنها إياه والصوف لا فائدة لبقائه، فلما سكتا عنه كان رهنًا مع الغنم.
م وعلة ابن القاسم أنه قاسه على البيع، فبطل هذا ولهذا وجه في القياس؛ لأن الرهن لا يجري مجرى البيع في جميع وجوهه، ألا تراه إذا باعه نخلاً وفيها ثمر لم يؤبر أن ذلك للمبتاع، وهو في الرهن للراهن، فالقياس على الغلة أولى لقوله صلى الله عليه وسلم (الرهن من الراهن له غنمه وعليه غرمه).
[فصل - في مال العبد الرهن وما وهب له هل يكون رهنًا]
ومن المدونة: ولا يكون مال العبد الرهن رهنًا إلا أن يشترطه المرتهن كالبيع، فيدخل في البيع والرهن، كان ماله معلومًا أو مجهولاً.
الجزء: 12 - الصفحة: 538
قال في المجموعة: ويجوز ارتهان مال العبد دونه فيكون له معلومه ومجهوله يوم الرهن إن قبضه، ولا ينفرد في البيع؛ لأنه غرر في المعاوضات ولا غرر في الرهن، وكما يجوز رهن الثمرة التي لم يبد صلاحها ولا يجوز بيعها.
ومن المدونة: ولا يكون ما وهب للعبد الرهن رهنًا معه.
[قال] أشهب في المجموعة: ولا يكون ما وهب له رهنًا معه، وإن شرط ماله رهنًا معه، وأما ما ربح في ماله المشترط فهو رهن معه كالأصل، كما أن من أوصى بوصايا فلا تدخل فيما لم يعلم به من ماله، ويدخل فيما علم وفي أرباح ما علم.
يريد: ربح فيه قبل موته أو بعد موته.
م قال بعض الفقهاء: والأشبه أن يكون ما وهب له أن يدخل في الرهن كماله كما إذا بيع بخيار واشترط المشتري ماله فأفاد مالاً في أيام الخيار بهبة أو صدقة أو وصية ينبغي أن يكون ما أفاد للمشتري، وقد وقع في كتاب المكاتب من المدونة في التي كاتبها بالخيار أن ما أفادت في أيام الخيار لسيدها، وليس هذا أيضًا بقياس؛ لأن هذه مسألة تمامها في أيام الخيار، وهذا في المدونة لغير ابن القاسم، والمعروف أن ما بيع بالخيار من العبيد واستثنى المشتري ماله، أن ما وهب له في أيام الخيار يكون للعبد مع ماله المستثنى.
الجزء: 12 - الصفحة: 539
قال أشهب: وإن ارتهنت مصابة رجل من رقبة بئر، فغلة البئر للراهن، ولو ارتهن الماء/ بعينه كانت غلة البئر لك، ولك أن تأخذها من حقك إن كان من قرض، وإن كان إلى أجل، وأما إن كان من بيع فليكن ذلك بيد من كان الرهن بيده إلى محل دينك ولا يتعجله بغير إذن الراهن؛ لما اتقي من الذريعة أن تكون تبايعتما على أن تأخذ من الماء حقك قبل أن يحل، وأنك لا تدري متى يصل إليك حقك.
[فصل 4 - في رهن تمر نخل أو زرع قبل بدو صلاحه]
ومن المدونة: قال مالك: ومن ارتهن تمر نخل أو زرع قبل بدو صلاحها أو بعد جاز ذلك إن حازه المرتهن أو عدل يرضيان به، ويتولى من يحوزه سقيه وعلاجه، وأجر السقي في ذلك على الراهن، كما أن عليه نفقة الدابة أو العبد الرهن، وعليه كسوة العبد الرهن وكفنه إن مات ودفنه.
قال مالك: ولمن ارتهن ثمرة نخل أو زرع قبل بدو صلاحه أو بعد أن يأخذ النخل معها والأرض مع الزرع ليتم له الحوز ثم لا يكون له رهنًا في قيام الغرماء إلا الثمرة أو الزرع خاصة، والنخل والأرض للغرماء ويدخل معهم فيه إن بقي له شيء والله الموفق للصواب.
الجزء: 12 - الصفحة: 540
[الباب الخامس]
في الرهن في الكفالة ودم الخطأ والعارية وشيء من ضمان الرهان
[الفصل 1 - في الرهن في الكفالة ودم الخطأ والعارية]
قال مالك: وإن تكفلت لرجل بدين وأعطيته بذلك رهنًا جاز، فإن هلك الرهن عند المرتهن وهو مما يغاب عليه ضمنه، فإن كانت قيمته كفاف الدين، فقد استوفى المرتهن حقه وترجع أنت على الذي عليه الحق بقيمة رهنك، وسواء في هذا تكفلت عن المطلوب بأمره أو بغير أمره أو أعطيت الرهن بأمره أو بغير أمره، فأما إن رهنته بأمر المطلوب، وقيمة الرهن أكثر من الدين، رجعت على المطلوب خاصة بمبلغ الدين من رهنك، ويسقط دين المرتهن، وترجع بفضل قيمة رهنك على المرتهن إن شئت أو على المطلوب، فإن أغرمت المطلوب الزيادة رجع بها هو على المرتهن.
م وإنما غرم المطلوب الزيادة وهو يعلم أنه لم يستهلكها، والمستعير لا يضمن إلا ما استهلكه، لكنه ضمنه لأنه أحله محل المرتهن، وكأنه التزم له ما لزمه.
[ومن المدونة]: وإن كنت رهنته بغير أمر المطلوب، رجعت على المطلوب بالدين فقط، ولا تتبع بالزيادة إلا المرتهن خاصة، وإن تكفلت لرجل بحق عليه وأخذت منه بذلك رهنًا جاز، ويجوز الرهن في دم الخطأ إن علم الراهن أن الدية على
الجزء: 12 - الصفحة: 541
العاقلة ولو ظن أن ذلك يلزمه وحده لم يجز، وله رد الرهن، وكذلك الكفالة فيه، وإن استعرت من رجل دابة على أنه مضمونة عليك لم تضمنها، وإن رهنته بها رهنًا فهلكت، فمصيبتها من ربها، والرهن فيها لا يجوز.
وقال أشهب في المجموعة: هو مرة رهن ومرة ليس برهن إن أصيبت الدابة بما يضمنها به، فهو رهن وإن كان بأمر من الله بغير تعديك لم يكن رهنًا إذ لا يضمن ذلك.
[فصل 2 - في ضمان الرهن إذا ضاع ورهن العارية والرهن في الإجارة]
ومن المدونة: وإن ضاع الرهن عنده ضمنه إذ لم يأخذه على الأمانة، قال: ويجوز الرهن بالعارية التي يغاب عليها؛ لأنها مضمونة، ومن استأجر عبد رجل فأعطاه بالإجارة رهنًا جاز ذلك.
فصل [3 - فيمن ادعى قبل رجل دينًا فأعطاه رهنًا فضاع]
ومن ادعى قبل رجل دينًا فأعطاه به رهنًا يغاب عليه، فضاع الرهن عنده، وتصادقا أن دعواه باطل، أو كان قد اقتضاه ولم يعلم فهو ضامن للرهن إذ لم يأخذه على الأمانة.
قال ابن المواز: قال أشهب: ولو كان الرهن حيوانًا ضمنه إذا أقر أن دعواه كانت باطلاً؛ لأنه/ كالغصب.
الجزء: 12 - الصفحة: 542
ومن المدونة: قال مالك: ومن كانت له على رجل دنانير فتعلق به فدفع إليه دراهم حتى يصارفه بها، فزعم أنها ضاعت منه، فهو ضامن لها إذا لم يقبضها على الأمانة، وكذلك جميع الصناع ما دفع إليهم ليعملوه بأجر أو بغير أجر، فادعوا ضياعه أنهم يضمنونه، وكذلك من قبض من رجل رهنًا في دين عليه فقبض المرتهن دينه أو وهبه للراهن، ثم ضاع الرهن عنده بعد ذلك فإنه يضمنه، وإن زادت قيمته على الدين.
وكذلك من صرف دراهم بدنانير فقبض الدراهم وأعطاه بالدنانير رهنًا وجهلاً أنه لا يجوز، فالرهن إن ضاع من المرتهن، فإن كانت قيمة الرهن مثل الدراهم برئ الراهن، وإن زادت او نقصت ترادا الفضل.
وقال أشهب في غير المدونة: هو رهن بالأقل من قيمة الدنانير أو الدراهم، وما زاد فهو فيه أسوة الغرماء.
[فصل 4 - في أخذ الرهن بالقراض]
ومن المدونة قال: ومن أخذ رهنًا بقراض لم يجز إلا أنه إن ضاع ضمنه إذا لم يأخذه على الأمانة، وإن دفعت إلى رجل رهنًا بكل ما أقرض لفلان جاز.
قال محمد بن عبد الله بن يونس: قال بعض أصحابنا ويكون الرهن بما داينه فيه رهنًا ما لم تجاوز قيمة الرهن ولا يراعى ما يشبه أن يداين به، بخلاف
الجزء: 12 - الصفحة: 543
مسألة الحمالة الذي قال له داينه، فما داينته به، فأنا حميل به لأن الذي أعطاه رهنًا قد بين له بالرهن مقدار ما يقرضه، فإذا جاوزه لم يلزمه، والله أعلم.
[فصل 5 - في الرهن يقبضه وكيل المرتهن بأمره ثم يهلك بيده]
قال مالك: وإذا قبض الرهن وكيل المرتهن بأمر من الراهن فهلك بيده، وهو مما يغاب عليه فهو من المرتهن؛ لأن قبض وكيله كقبضه وليس كالعدل الذي تراضيا به.
الجزء: 12 - الصفحة: 544
[الباب السادس]
في المرتهن يشترط بيع الرهن إن لم يأته بحقه
[الفصل 1 - في اشتراط إذن السلطان لبيع الرهن]
قال مالك رحمه الله: ومن ارتهن رهنًا وجعلاه على يدي عدل أو على يدي المرتهن إلى أجل كذا وشرط إن جاء الراهن بحقه إلى ذلك الأجل، وإلا فلمن على يديه الرهن بيعه، فلا يباع إلا بإذن السلطان وإن اشترط ذلك، فإن بيع بغير إذن السلطان نفذ بيعه ولم يرد.
ومن العتبية والمجموعة: قال ابن القاسم: وبلغني عن مالك أنه قال: إن أصاب وجه البيع أنفذ، فات أو لم يفت، ثم قال: أما الشيء التافه فيمضي فات أو لم يفت.
وأما ما له بال فيرد إن لم يفت، وأحب قوله إلى أن يمضي إذا أصاب وجه البيع كان مما له بال أو لم يكن؛ لأنه بيع بأمر ربه وضمنه مشتريه.
وقال ابن المواز عن ابن القاسم: يجوز إذا أصاب وجه البيع إلا ما كان له بال مثل الدور والرقيق والحيوان، وما كان له بال أيضًا في العدد، فإن ذلك يرد فيه البيع إن لم يفت، فإن فات لزم المرتهن الأكثر من قيمته أو الثمن الذي بيع به، وبلغني ذلك عن مالك.
الجزء: 12 - الصفحة: 545
وروى أشهب عن مالك أنه قال: أما القضب والمقثاة وما يباع من الثمار شيئًا بعد شيء، فبيع بمحضر ملأ وجماعة فبيعه جائز؛ لأن مثل هذا إذا أُخر إلى مطالعة السلطان لم يؤمن فيه الفساد والنقص ودخول الآفات، فليبعه بغير أمر كما شرط وأما الدار والعبد، فلابد من السلطان؛ لأن له نظرًا في بعض الأمور أن لا يعجل عليه ببيع ربعه وعبده وغرضه، ولعله يخشى عليه، فرأي السلطان أولى.
قال غيره: ليس المرتهن في ذلك كوكيل البيع؛ لأن المرتهن إنما وكل على بيع ذلك الرهن اضطرارًا لأجل الدين الذي له، وقد يستعجل في البيع لأخذ ماله/ فاحتيج إلى نظر السلطان لينظر في بعد غيبة الراهن وقر بها، وهل له مال يقضي منه دينه، وفيما يجب أن يباع عليه في الدين الرهن أو غيره، والثاني في بيع الأشياء مختلف، ليس بيع الرباع في ذلك كالعروض فلذلك احتيج إلى نظر السلطان.
قال أشهب: وهذا بموضع السلطان، وأما في بلد لا سلطان فيه أو فيه سلطان يعسر تناوله، فبيعه جائز إذا صح وأبلى العذر.
م واختصار اختلافهم في بيعه بغير إذن السلطان أنه لم يختلف قول مالك وابن القاسم في بيع التافه أنه يمضي، واختلف قولهما فيما له بال، فقال مرة أنه يمضي،
الجزء: 12 - الصفحة: 546
وقالا مرة: أنه يرد إن لم يفت.
قال ابن القاسم: فإن فات لزمه الأكثر من الثمن أو القيمة، وروى أشهب أنه يمضي فيما يخشى فساده ويرد فيما لا يخشى فسادة.
[الفصل 2 - فيما إذا لم يأذن الراهن ببيع الرهن وكيفية بيعه]
ومن المدونة: قال ابن القاسم: إذا لم يأذن لك الراهن في بيعه، رفعه المرتهن إذا حل الأجل إلى السلطان، فإن أوفاه حقه وإلا باع الرهن وأوفاه حقه.
ومن المجموعة: قال غيره: إذا أمر الإمام ببيع الرهن فأما الرهن اليسير الثمن فإنه يباع في مجلس، وأما ما كثر ثمنه ففي الأيام، وأما أكثر من ذلك ففي أكثر حتى يشتهر ويسمع به كالجارية الفارهة والثوب الرفيع والدار والمنزل، وربما نودي على السلعة الشهرين والثلاثة كل شيء بقدره.
الجزء: 12 - الصفحة: 547
[الباب السابع]
في تعدي العدل وتفسير مسألة محمد فيه وموت العدل
[الفصل 1 - في تعدي العدل]
قال مالك رحمه الله: وإذا تعدى العدل على رهن في يديه فدفعه إلى الراهن أو إلى المرتهن فضاع وهو مما يغاب عليه، فإن دفعه إلى الراهن ضمن للمرتهن- يريد يضمن له الأقل من قيمته أو الدين- فإن دفعه إلى المرتهن ضمنه للراهن، فإن كان كفاف الدين سقط دين المرتهن لهلاكه بيده- يريد وبرئ العدل- فإن كان فيه فضل ضمن العدل الفضل للراهن- يريد ويرجع بها هو على المرتهن.
فصل [2 - في تفسير مسألة تعدي العدل من كتاب ابن المواز]
وذكر أبو محمد بن زيد رضي الله عنه مسألة تعدي العدل من كتاب محمد وفسرها في النوادر فقال: ومن كتاب محمد: وإذا دفع الموضوع على يديه الرهن إلى ربه بأجرة أو غيرها بغير إذن رب الحق، ثم قام ليرتجعه فذلك له، فإن فات الرهن بموت الراهن أو فلسه، فقام غرماء الراهن، أو لم يوجد الرهن ضمن الأمين، فإن حاص الطالب الغرماء، فنابه عشرة دنانير وهي نصف حقه، وقيمة الرهن عشرة فليرجع على العدل بتمام ما كان يصير له من رقبة الرهن لو لم يسلمه، فقد كان لو أخذ ثمن
الجزء: 12 - الصفحة: 548
الرهن عشرة وحاصهم بعشرة، فليأخذ نصف العشرة التي في يده، كما أخذ كل غريم نصف حقه، ثم قال أبو محمد: ثم انقطع الكلام في كتاب محمد، وإنما بقي إذا ضمن الأمين قيمة الرهن عشرة وأخذها منه، وهي نصف دينه، فكان يجب له الحصاص بعشرة فيرد خمسة مما كان قبض في الحصاص، ويحاصهم فيها بخمسة فتصيبه منها ديناران إلا ثلثًا.
م وبيان كلام أبي محمد وتأويله كأن على الراهن لرجل عشرون دينارًا وللمرتهن عشرون وبيد العدل الرهن بها، وقيمته عشرة فدفعه إلى الراهن ثم قام عليه الغريم ففلسه، فوجد بيده الرهن وعشرة دنانير فحاصه فيها المرتهن، فناب كل واحد عشرة، ثم يرجع المرتهن على العدل/ فيأخذ منه قيمة الرهن عشرة ويمسك من العشرة التي صارت له في الحصاص نصفها خمسة، كما أخذ كل غريم نصف حقه ويرد الخمسة الأخرى فيحاص فيها هو بما بقي له وهو خمسة والغريم بما بقي له وهو عشرة فيقسم بينهما أثلاثًا، فيصيبه منها ديناران إلا ثلثًا.
الجزء: 12 - الصفحة: 549
م وهذا على قياس قول يحيى بن عمر في مسألة المدونة، إذا ارتهن زرعًا لم يبد صلاحه ثم فلس الغريم فحاص المرتهن الغرماء الآن بجميع دينه فنابه في الحصاص نصف حقه، ثم بيع الزرع بعد طيبه بمثل نصف حقه فإنه يأخذ مما كان قبض في المحاصة نصف حقه كما أخذ كل غريم نصف حقه ثم يرد ما بقي فيتحاصون فيه، وهذه المسألة لا تشبه مسألة تعدي العدل إذا رد الرهن إلى ربه؛ لأن تعدي العدل قد أوجب أن يضرب المرتهن مع الغرماء بجميع دينه كدين لا رهن فيه، يضرب بذلك عنه وعن العدل؛ لأن العدل صار غريمًا معهم بقيمة الرهن الذي أعاده إلى الراهن والعشرة التي أخذ المرتهن في الحصاص نصفها، إنما أخذه بسبب العدل، فلا يرجع عليه إلا ببقية قيمة الرهن، وذلك خمسة، ثم لا يدخل الغرماء عليه فيها؛ لأنه إنما يحاص بدين لا رهن فيه لرجوع الرهن إلى ربه فهو كأحدهم، وأبو محمد أوجب له أن يرجع على العدل بجميع قيمة الرهن ثم يدخل عليه الغرماء فيه كمسألة ارتهان الزرع.
وإنما كان يشبه مسألة تعدي العدل مسألة ارتهان الزرع، لو أن العدل عدى على الرهن فأكله، فها هنا يحاص المرتهن بجميع دينه عن نفسه خوفًا من إغرام العدل فلا يصح له من الرهن شيء كما يحاصهم في مسألة ارتهان الزرع ثم يرجع
الجزء: 12 - الصفحة: 550
على العدل فيغرمه جميع قيمة الرهن، فإذا أغرمه رجع عليه الغرماء فيما أخذ كمسألة الرهن الزرع إذا باعه.
م وإنما يرجع على العدل في مسألتنا بجميع قيمة الرهن أن لو بدأ به قبل الحصاص فأغرمه قيمة الرهن ثم يكون للعدل أن يحاصصهم فيما بيد الراهن يضرب هو فيه بعشرة قيمة للرهن والمرتهن ببقية دينه عشرة، والغريم الآخر بدينه عشرين، فيقع للمرتهن خمسة وقد أخذ عشرة فذلك ثلاثة أرباع حقه، ويقع للعدل خمسة وقد غرم عشرة فيحصل غرمه خمسة، فكذلك إذا بدأ لمرتهن بالحصاص فنابه عشرة، فإنما يرجع على العدل بخمسة فيحصل له ثلاثة أرباع دينه كما قال محمد، ويحصل غرم العدل خمسة، فتأمله تقف على صوابه إن شاء الله.
م وكان شيخنا عتيق الفقيه الفرضي يقول: إذا تحاص الغرماء والمرتهن فيما بيد الراهن، فإنما يرجع على العدل بتمام ما كان يصير له في المحاصة مع الغرماء بعد الذي يصير له من رقبة الرهن لو لم يسلمه على ما قال محمد أول كلامه.
قال: وما بعد ذلك من كلام محمد فغلط في الحساب، قال: فلا فرق أيضًا بين أن يكون الرهن قائمًا بيد الراهن وبين أن يكون تلف أو مات.
الجزء: 12 - الصفحة: 551
م وبيان ذلك أن تجعل كأن على الراهن دينًا لرجل عشرون دينارًا وللمرتهن عشرون وبيد العدل رهن قيمته عشرة فتعدى فدفعه إلى الراهن ثم قام عليه الغريم ففلسه، والرهن قائم بيده ومعه عشرة دنانير غيره، فحاصة المرتهن في ذلك فنابه عشرة فينظر إلى ما كان يصير له في المحاصة لو لم يسلم الأمين الرهن فيرجع به عليه، وقد علمت أنه لو لم يسلم الأمين الرهن لأخذه منه، ثم يضرب ببقية دينه عشرة والغريم بعشرين فيما بيد الراهن، وذلك عشرة، فيأخذ المرتهن منها ثلثها، ثلاثة وثلثا، فهي التي يرجع بها على العدل، وإن كان الراهن أتلف الرهن/ حين رده عليه أو هلك بأمر من الله، ثم قيم عليه الآن وبيده عشرون فليتحاص فيها الغريم والمرتهن، فيصير للمرتهن منها عشرة ثم يرجع على العدل بما نقصه إسلام الرهن وذلك ستة وثلثان؛ لأنه يقول له: لو أخذت منك الرهن كنت أحاص الغريم في العشرين بعشرة وهو بعشرين، فيصح لي ثلث العشرين ستة وثلثان فادفعها إليّ، فهي التي أتلفت على بإسلامك الرهن.
وحكى نحو هذا القول أبو محمد عبد الحق الفقيه عن جماعة من القرويين وهو ظاهر أول كلام محمد وليس بصحيح.
الجزء: 12 - الصفحة: 552
قال محمد بن يونس رحمه الله: وقد تأملت كلام محمد في هذه المسألة في الأمهات فرأيت أن الفقه والصواب ما فسره محمد في آخر كلامه، وأن أول كلامه فيه بعض إبهام يرد إلى المفسر وأنا أذكر نص كلام محمد في كتابه، وما ظهر لي فيه مع أن ما قدمنا فيه كفاية، والله أسأله التوفيق.
قال ابن المواز: وإذا أسلم الموضوع على يديه الرهن بأجرة أو بغيرها بغير أمر صاحب الحق ثم قام ليرتجعه فذلك له، فإن فات بموت الراهن أو فلسه، فقام غرماء الراهن أو لم يوجد الرهن ضمن الأمين، فإن حاص الطالب الغرماء في رهنه وفي سائر مال الراهن فصار له نصف حقه، وهو قدر قيمة الرهن فليرجع على العدل بما كان يصير له مع الغرماء بعد الذي يصير له من رقبة الرهن لو لم يسلمه فيحسب ذلك ويعرفه، فقد كان يصير له معهم سوى الرهن نحو من ربع حقه، ومن الرهن نصف حقه، فذلك ثلاثة أرباع حقه.
م يريد محمد؛ لأنه لو لم يسلم الرهن حتى فلس الراهن وبيده عشرة يضرب فيها المرتهن بجميع دينه خوفًا من هلاك الرهن قبل بيعه، كما قال في مسألة ارتهان الزرع، فإذا ضرب بجميع دينه، فنابه من العشرة خمسة وهي ربع حقه، فليرجع على العدل فيأخذ منه رهنه وقيمة مثل نصف دينه، فيحصل له ثلاثة أرباع حقه، فكذلك إذا أسلم العدل الرهن، فحاص فيه المرتهن وفي العشرة فنابه عشرة وهي نصف حقه، فليرجع على العدل بربع حقه ليكمل له ثلاثة أرباع حقه، كما كمل له أولاً.
م وجواب محمد صحيح أنه يصح له ثلاثة أرباع حقه وحجته وعلته فاسدة؛ لأن العدل يقول له لو لم تسلم الرهن فحاصصت الغرماء، فنابك ربع حقك ثم رجعت
الجزء: 12 - الصفحة: 553
عليَّ فأخذت الرهن وقيمة نصف دينك لرجع عليك الغرماء، فيما أخذت في الحصاص فيأخذون ثلاثة؛ لأنهم يقولون له قد بان أن ما كان يجب لك الحصاص معنا في العشرة بعشرة، فحصتك منها ثلاثة وثلث، وأنت أخذت خمسة فرد علينا دينارين إلا ثلثا، فجميع ما يحصل لك لو لم تسلم الرهن ثلاثة عشر وثلث، وقد أخذت لما أسلمته في المحاصة عشرة، فخذ مني ما نقصك ثلاثة وثلثا، فبطل اعتلال محمد بهذا التشبيه أن يصح له ثلاثة أرباع حقه.
م ولكن الحجة له في ذلك أن يقول للعدل أنت قد حصل منك الإسلام ولزمك لي الضمان، وبإسلامك أبرأت ذمة الراهن، وصرت كغريم داينته، فإن شئت فاغرم لي قيمة رهني وادخل معنا في الحصاص فيما بيده، أو أحاصص انا واغرم لي ما نقصني ولا تحاسبني على أنك لو لم تسلم الرهن، وأنت قد أسلمته وذلك يختلف فيما يصير لي فتظلمني، فإن قيل فليس له تضمين العدل إلا ما نقصه إسلام رهنه، وهو الذي أدخل عليه الضرر فيه، ولا له أن يبدأ به؟ قيل له قد قال محمد أول كلامه إذا تعدى العدل، فدفع الرهن إلى الراهن ففلس الراهن، كان الموضوع على يديه الرهن ضامنًا، وكذلك في المدونة وقاله ابن القاسم/ في المستخرجة أن للمرتهن أن يضمن الأمين قيمة الرهن إذا كان له مال، ويكون الأمين مع الغرماء في الرهن وفي غيره من مال الراهن أسوة.
الجزء: 12 - الصفحة: 554
م وهذا نص قولنا.
قال عيسى وإن لم يكن للأمين مال، كان المرتهن في الرهن أسوة الغرماء، ورواها أصبغ، وقال: إن لم يكن للأمين مال كان المرتهن أحق بالرهن، وهذا إذا لم يعلم المرتهن بالرد، فإذا علم فتركه فلا رد له.
فهذا نص بين واتفاق أن له أن يبدأ بالعدل فيضمنه ثم يرجعوا كلهم فيتحاصون فيما بيد الراهن، فعلى هذا يحاسبه إن بدأ بالحصاص، وأيضًا فإن من حجة المرتهن أن يقول له أنت لو لم تسلم الرهن لم يكن في المحاصة للغريم منه شيء أو كان له جميعه، ولما أسلمته لم يحصل لي إلا نصفه، فقد أتلفت علي نصفه فادفع لي نصف قيمته خمسة فيحصل لي ثلاثة أرباع حقي، هذا هو الحق، والصواب إن شاء الله.
ولأن المرتهن يقول: لو كان الرهن بيدي ففلس الراهن، لم يكن عليّ أن أحاصص غرماءه وأبيع من الرهن ما نقص من ديني، بل أبيع جميع الرهن وأقبض منه ديني كالكفيل إذا فلس المكفول به أن ليس على الطالب المحاصة والرجوع على الكفيل بما نقص من دينه، بل له إغرام الكفيل جميع دينه، ويحاص الكفيل غرماء المكفول، فلما أتلف العدل الرهن الذي هو كالكفيل، صار عليه حكمه، فلم يجب على المرتهن أن يحاص غرماء الراهن، ويرجع على العدل بما نقصه إسلامه، بل له إغرامه قيمة الرهن، ويرجع فيحاص بذلك الكفيل، وبالله التوفيق.
[فصل 3 - في موت العدل وبيده الرهن]
ومن المدونة: وإذا مات العدل وبيده رهن فليس له أن يوصي عند موته بوضعه عند غيره، وذلك إلى المتراهنين، وبالله التوفيق.
الجزء: 12 - الصفحة: 555
الباب الثامن]
في المأمور يبيع الرهن ويتلف الثمن أو يدفعه للمرتهن فينكر قبضه أو يبيعه بغير العين، وفي استحقاق الرهن بعد بيعه واختلاف المتراهنين
[الفصل 1 - في المأمور يبيع الرهن بأمر السلطان فيبيعه ثم يضيع الثمن]
قال ابن القاسم: وإذا أمر السلطان رجلاً ببيع الرهن ليقضي للمرتهن حقه، فباعه ثم ضاع الثمن لم يضمنه المأمور، وصدق في ضياعه، وإن اتهم حلف، وكان الثمن من الذي له الدين، كقول مالك في ضياع ثمن ما باعه السلطان لغرماء المفلس أنه من الغرماء.
[قال] ابن المواز: وروى عنه أشهب أنه من ربه حتى يصل إلى غرمائه.
م وحكي عن بعض القرويين أنه قال: إنما يكون ضياع الثمن من الذي له الدين على قول ابن القاسم إذا ثبت بيع المأمور للرهن ببينة وإن لم يثبت بيعه إلا بقوله، فإن الراهن لا يبرأ من الثمن؛ لأن صاحب الدين لم يأتمنه على هذا البيع، وذكر أن غيره يخالفه ويقول ذلك سواء، وضمان الرهن من المرتهن.
م وهذا هو الصواب، وعليه يدل ظاهر الكتاب؛ ولأنه قد جعله السلطان أمينًا له على بيعه، فوجب سقوط ضمانه وقبول قوله.
ولو ضاع الرهن قبل بيعه، لكان على قول ابن القاسم من ربه وعلى قول ابن الماجشون من الذي ليس له الدين، وهذا كاختلافهم في ضياع مال المفلس الموقوف للغرماء.
الجزء: 12 - الصفحة: 556
[فصل 2 - في المأمور يبيع الرهن ويدفع ثمنه للمرتهن وينكر المرتهن]
ومن المدونة: وإن قال المأمور: بعت الرهن بمئة وقضيتها المرتهن، وقال المرتهن: ما أخذت منه شيئًا صدق المرتهن.
م ولو كان المرتهن هو الذي أمره ببيعه لصدق المأمور، مع يمينه في دفعه إلى المرتهن؛ لأن الموكل على البيع مصدق في دفع الثمن إلى الآمر.
[فصل 3 - إذا قال العدل بعت الرهن بمئة ودفعتها للمرتهن وقال المرتهن بل بخمسين]
قال ابن القاسم: ولو قال المرتهن إنما باعه بخمسين وقضانيها، وقال الأمين بل بعته بمئة وقضيتها للمرتهن ضمن المأمور الخمسين الباقية بإقراره أنه باع بمئة كالمأمور يدفع مئة دينار إلى رجل يدعي دفعها إليه، وقال الرجل: لم أقبض إلا خمسين فالمأمور ضامن بخمسين.
وقال أشهب في غير المدونة: ولا يضمن المأمور الخمسين الباقية للمرتهن؛ لأنه أقر أنه بخمسين باع ولكن يضمنها للراهن- يريد ولا يكون المرتهن أحق بها في قيام الغرماء-.
الجزء: 12 - الصفحة: 557
م ولو قال لا ندري بكم باع الرهن إلا أنه لم يدفع إليّ إلا الخمسين، فاحلف وأغرم الأمين الخمسين الأخرى، لكان المرتهن أحق بها من غرماء الراهن.
[فصل 4 - في تعدي المأمور وبيعه السلعة بما لا تباع به]
ومن المدونة: قال ابن القاسم: ولو باع المأمور الرهن بحنطة أو شعير أو بعرض لم يجز، ثم إن ضاع ما قبض فيه ضمنه المأمور بتعديه، ولو باع بالعين لم يضمنه.
[قال] ابن المواز: وقال أشهب: إن باعه بمثل ما عليه ولم يكن في ثمنه فضل فذلك جائز وإن باعه بخلاف ما عليه لم يجز.
ومن المدونة: قال ابن القاسم: وكذلك الوكيل على بيع سلعة يبيعها بغير العين، فإنه ضامن، وإذا باع السلطان الرهن ودفع ثمنه إلى المرتهن ثم استحق الرهن وقد فات عند المبتاع أو غاب المبتاع فلم يوجد، فللمستحق إجارة البيع وأخذ الثمن من المرتهن ويرجع المرتهن بحقه على الراهن، وقد قاله مالك فيمن باع سلعة فاستحقها صاحبها وقد دارت في أيدي رجال أنه يأخذ الثمن من أيهم شاء.
فصل [5 - في اختلاف الراهن والمرتهن في حلول الأجلٍ]
قال ابن القاسم: وإذا قال الراهن لم يحل الأجل، وقال المرتهن قد حل، صُدق الراهن؛ لأن المرتهن مقر بأجل يُدعي حلوله، وهذا إذا أتى بما لا يستنكر، وادعى أجلاً يشبه وإلا لم يصدق.
الجزء: 12 - الصفحة: 558
وقال أشهب في غير المدونة: القول قول المرتهن في الأجل، كما يصدق إن قال حال.
قال ابن القاسم: وقد قال مالك فيمن ابتاع سلعة ففاتت عنده فادعى أنه ابتاعها بثمن إلى أجل، وقال البائع بل بثمن حال أن المبتاع إن ادعى أجلاً قريبًا لا يستنكر صدق، وإن ادعى أجلاً بعيدًا لم يصدق.
وقال ابن القاسم لا يصدق المبتاع في الأجل ويؤخذ بما أقر به من المال حالاً إلا أن يقر بأكثر مما ادعاه البائع فلا يكون للبائع إلا ما ادعى، وقد تقدم إيعاب هذا في السلم الثاني.
الجزء: 12 - الصفحة: 559
[الباب التاسع]
في رجوع الرهن إلى الراهن بإجارة أو بوديعة أو عارية أو غيرها وبقية القول في حيازة الرهن
[فصل 1 - في الرهن يرجع إلى الراهن بوديعة أو إجارة]
قال تعالى: ﴿فَرِهَانٌ مَقْبُوضَةٌ﴾ [البقرة: 283] فعم فلزم بهذا استدامة القبض وهو شرط في صحته، فمتى عاد إلى الراهن بوجه ما بطل كالابتداء.
قال ابن القاسم: ومن ارتهن رهنًا فقبضه ثم أودعه للراهن أو آجره منه أو أعاره إياه أو رده إليه بأي وجه ما حتى يكون الراهن هو الحائز، فقد خرج من الرهن.
[قال] ابن المواز: قال ابن القاسم وأشهب: ثم إن قام المرتهن برده قضى له بذلك إلا أن يدخله فوت من تحبيس أو عتق أو تدبير أو بيع أو قام غرماؤه.
قال ابن القاسم فيه وفي المدونة: إلا في العارية فليس للمرتهن إن أعاره إياه رده في الرهن إلا أن يعيره على ذلك، فإن أعاره على ذلك ثم لم يرتجعه حتى قام الغرماء على الراهن أو مات كان أسوة الغرماء.
الجزء: 12 - الصفحة: 560
[قال] ابن المواز: وقال أشهب: العارية وغيرها سواء له رده، ما لم يفت بما ذكرناه.
[فصل 2 - فيمن ارتهن أرضًا فأذن للراهن بزراعتها ونحوها]
ومن المدونة: قال ابن القاسم وإن ارتهنت أرضًا فزرعها الراهن بإذنك وهي بيدك خرجت من الرهن، وكذلك لو رهنك دارًا فسكنها أو عبدًا ثم اختدمه، فإنه يخرج من الرهن ولو أكراها الراهن بإذنك، كان ذلك خروجًا من الرهن وإسلامًا من المرتهن.
قال في كتاب حريم البئر: وكذلك لو أذن المرتهن للراهن أن يسكن أو يكري، فقد خرجت الدار من الرهن وإن لم يسكن أو يكري، وقال أشهب: بل حتى يكريها.
قال ابن القاسم: وكذلك لو ارتهن بئرًا أو عينًا فإذن لربها أن يسقي بها زرعه لخرجت من الرهن، وإذا أجر المرتهن الرهن أو أعاره بإذن الراهن، وولي المرتهن ذلك ولم يسلمه للراهن لم يكن ذلك خروجًا من الرهن، وهو على حاله، فإن ضاع هذا الرهن عند المستأجر وهو مما يغاب عليه، فضياعه من الراهن لإذنه فيه، وهو بمنزلة الراهن على يدي عدل.
قال ابن المواز: ولا يكري المرتهن إلا بإذن الراهن إلا أن يكون على ذلك رهنه.
الجزء: 12 - الصفحة: 561
قال أشهب: أو شرط أن كراءه رهن مع رقبته فله أن يكريه بغير إذنه، وروى ابن عبد الحكم أن له أن يكريه دون صاحبه.
فصل [3 - في المرتهن لا يقبض الرهن حتى يموت الراهن أو يفلس]
ومن المدونة، قال مالك: وإذا لم يقبض المرتهن الرهن حتى مات الراهن أو فلس، كان أسوة الغرماء في الرهن وغيره.
[فصل 4 - في الرهن بين الزوج وزوجته]
قال ابن المواز: وقيل لمالك فيمن تسلف من امرأته ورهنها جارية، قال: أحب إلي أن يجعلها على يدي غيرها.
وقال لي أصبغ: حوزها حوز وكل ما في بيتها إلا رقبة البيت، ولا يكون سكناها فيه حوزًا له.
وقاله ابن القاسم وكذلك الصدقة لا يكون سكناها فيه حوزًا له.
م قال بعض الفقهاء: لا فرق بين الدار والخادم والقش؛ فإذ جاز أن يكون هبته للخادم حوزًا لها، مع أن عليه إخدامها، جاز أن يكون هبته للدار حوزًا لها، وإن كان عليه سكناها.
الجزء: 12 - الصفحة: 562
م وإنما قال ذلك أصبغ في خادم لا يخدمها أو قش لا يستخدمانه فهذا الذي يكون بخلاف الدار، وإلا فقد قال: إذا كانت الخادم تخدمها، فقد خرجت من الرهن لكونها تخدمها.
من العتبية من سماع ابن القاسم قال مالك: ومن تسلف من امرأته سلعًا وأرهنها خادمًا تخدمها قال: أحب إلي أن لو جعلاها بيد غيرها.
قال أصبغ عن ابن القاسم: إذا رهنها خادمًا له ببقية صداقها قبل البناء فحازتها شهرًا ثم بنى بها الزوج، فكانت الخادم تخدمها، فعدى عليها الزوج فسرقها وباعها قال: بيعه نافذ وقد خرجت من الرهن بكونها تخدمها، ولا تنتفع بمتقدم حيازتها؛ لأنها قد ردتها.
فانظر كل من ابتدئ في الرهن فلا يكون بذلك حوزًا، فهذا إذا فعل بعد حوزه، فدخله فوت، فقد انفسخ الحوز، وذلك مخالف للصدقة والهبة، وأصل هذا من قول مالك أن من حبس حبسًا، فحيز ذلك عليه سنينًا ثم سكن ذلك المحبس بكراء أو غيره، فلا يبطل ذلك حبسه فكذلك الصدقة ولو كان رهنًا فقبضه وحازه، ثم رده إلى صاحبه لبطل بعودته إلى يده.
وإذا وهب أحد الزوجين لصاحبه أو تصدق عليه بخادم فدفعها إليه فكانت في البيت تخدمها، فذلك حيازة تامة بخلاف الرهن.
الجزء: 12 - الصفحة: 563
وقال مالك في امرأة ارتهنت من زوجها خادمًا، فكانت معها في البيت تخدمها، أن ذلك ليس برهن حتى يخرجها، وقاله أصبغ، قال: هي صحيحة جيدة.
م والفرق بين الرهن والصدقة إذا رجعت بعد الحوز إلى الراهن أو المتصدق أن الرهن بعد الحوز باق على ملك الراهن وإنما فيه وثيقة للمرتهن بحوزه، فمتى عاد إلى يديه بطل حق المرتهن لبطلان حوزه، وثبت ذلك للراهن بحوزه بطلان حوزه وملكه.
وأما الصدقة فالبحوز انتقل ملك المتصدق عنها، وصحت ملكًا للمتصدق عليه لا حق فيها للمتصدق كالإستبراء، فمتى رجعت إلى يد المتصدق بعد صحة حوزه، وبعد طول مدة لا يتهمان على إظهار الحوز فيها، لم يضر ذلك الصدقة لصحة انتقال الملك كما لو رجعت إليه من يد مشتر.
والفرق أيضًا بين رهن أحد الزوجين للآخر خادمًا وهي تخدمها أو صدقته عليه بها؛ لأن عمدة صحة الرهن، إنما هو الحوز وقد شاركه في ذلك الراهن، فصار الراهن حائزًا مالكًا والمرتهن حائزًا فقط، فغلب حوز الراهن لزيادة مزية الملك، وفي الصدقة يصير المتصدق عليه حائزًا مالكًا، والمتصدق حائزًا فقط، فغلب أمر الحائز المالك في الوجهين، وهذا بين وبالله التوفيق.
الجزء: 12 - الصفحة: 564
قال عبد الملك بن الحسن عن ابن وهب في المرأة ترتهن من زوجها خادمة في حق لها قبله، ثم أراد طلبها بأجرة خدمتها، قال: إن كانت تعمل لها خاصة من غزل أو صنعة فعليها الأجرة لها، وأما خدمة البيت معها فلا شيء له عليها فيه، وقال أشهب: لا أجرة له، وقال غيره في كتاب ابن عبدوس أما خدمتها قبل البناء فتحاسب به، وأما إذا رهنها إياها بعد البناء فكانت تخدمها في البيت، فلا يكون رهنًا ولا تحاسب بخدمتها.
فصل [5 - فيمن اكترى دارًا أو عبدًا سنة ثم ارتهنه قبل انتهائها]
ومن كتاب ابن المواز قال ابن القاسم عن مالك: ومن اكترى دارًا أو عبدًا سنة وأخذ حائطًا مساقاة، ثم ارتهن شيئًا من ذلك قبل تمام السنة، فلا يكون محازًا للرهن؛ لأنه محاز قبل ذلك بوجه آخر.
قيل له فما الفرق بين هذا وبين من رهن فضلة الرهن، وقد تقدم فيه حوز الأول، قال: هذا محوز عن صاحبه، والأول هو باسم صاحبه في المساقاة والكراء والإجارة.
قال ابن المواز: هذا محاز له والرهن محاز عنه فهما وجهان مفترقان.
م والقياس أنهما سواء.
الجزء: 12 - الصفحة: 565
قال أبو محمد: ومن غير كتاب ابن المواز قاله ابن الماجشون: من ارتهن رهنًا إلى مدة ثم اكتراه ثم فلس ربه، فالمرتهن أحق به، ولو اكتراه أولاً إلى مدة ثم ارتهنه قبل المدة ثم فلس ربه لم يكن هذا أحق به؛ لأنه لم يحزه بالرهن، وحوز الكراء كان أملك به، نحو ما في كتاب محمد.
وقال سحنون في المجموعة: مذهب ابن القاسم أنه يجوز للرجل أن يرتهن ما هو في يديه بإجارة أو سقاء، ويكون ذلك حوزًا للمرتهن، مثل الذي يخدم العبد ثم يتصدق به على آخر بعد ذلك فيكون حوز المخدم حوزًا للمتصدق عليه.
[فصل 6 - فيمن ارتهن رهنًا وحازه سنة أو سنتين
ثم أقام غيره البينة أنه ارتهنه قبله]
ومن العتبية من سماع عيسى: ومن ارتهن رهنًا وحازه سنة أو سنتين، ثم أتى غيره فأقام البينة أنه ارتهنه قبله وحازه وقال: لم أعلم برهنه لهذا، قال: يبدأ الأول ويكون ما فضل لهذا الآخر دون الغرماء.
قيل قد بيعت الدار للثاني بأمر السلطان، قال: يمضي البيع ويبدأ بدين الأول، لأن حيازته سبقت، ويكون ما فضل لهذا الآخر.
الجزء: 12 - الصفحة: 566
[فصل 7 - فيمن ارتهن دارًا فأكراها من رجل بإذن الراهن
ثم أكراها المكتري من الراهن]
قال أبو زيد عن ابن القاسم: فيمن ارتهن دارًا فأكراها من رجل بإذن الراهن، ثم أكراها المكتري من الراهن فإن كان المكتري من ناحية رب الدار فالكراء لازم، وقد فسد الرهن، وإن كان أجنبيًا وصح ذلك، فذلك جائز ولا يفسد الرهن.
م قال بعض الفقهاء: لما تقدم صحة حوزه للرهن ثم غلب على رده إلى يد صاحبه لم ينتقض الحوز، كالعبد إذا أبق بعد أن حيز الرهن فأخذه الراهن.
[فصل 8 - في الحائط الرهن بيد أمين طلب ربه
أن يأخذه مساقاة من الأمين]
قال ابن القاسم عن مالك في الحائط الرهن بيد أمين طلب ربه أن يأخذه مساقاة من الأمين، قال: هذا يوهن الرهن وكأن لم يره رهنًا، قيل أفيساقيه من الذي له الدين؟
قال: لا بأس بذلك، وقاله ابن القاسم، وقال: فإن أراد الأمين أن يأخذه مساقاة لم يكن له ذلك إلا بإذن المتراهنين.
الجزء: 12 - الصفحة: 567
[فصل 9 - في موت الراهن وقد أكرى المرتهن الرهن الذي حازه
في حياة الراهن من بعض ورثته وحكم وضع الرهن على يد ابن صاحب
الرهن ونحوه]
ومن كتاب ابن المواز: قال ابن الماجشون: وإذا مات الراهن وقد أكرى المرتهن الرهن الذي حازه في حياة الراهن من بعض ورثته، فلا يخرج بذلك من الرهن، وهو أولى به من الغرماء، قال ابن المواز: صواب؛ لأنه ليس للابن فيه ميراث؛ لأنه قد غرق في الدين ولو كان ذلك والأب حي، لكان اكترى ابنه له لضعف حوزه، ويبطله.
وقد روى ابن القاسم عن مالك أنه قال: لا يوضع الرهن على يد ابن صاحب الرهن- يريد إذا كان في عياله- ولا امرأته، وذلك يوهن الرهن ويضعفه.
قال ابن القاسم في المجموعة: فإن وضع على أيديهما، فسخ ذلك، وأما الأخ فذلك رهن تام.
قال سحنون في العتبية: وهذا في الابن الصغير، فأما الكبير البائن عنه، فذلك جائز.
[قال] ابن حبيب وكذلك قال ابن الماجشون في الابن البائن عنه أو الابنة البائنة عنه أو زوجته البائنة عنه في دارها إذا قبضوه دونه، فهو كله حوز للرهن، وإن كانوا في ولايته فليس بحوز.
الجزء: 12 - الصفحة: 568
[قال] ابن المواز: قال أصبغ في حيازة الزوجة والابن ثم قام الغرماء، فإن حيز عن راهنه حتى لا يلي عليه ولا يقضي فيه فهو رهن ثابت.
[فصل 10 - فيمن ساقى حائطه ثم رهنه
ورهن ما تقدم له فيه كراء أو سقاء]
وفي كتاب محمد ومن ساقى حائطه ثم رهنه، فليجعل المرتهن مع المساقي رجلاً أو يجعلانه على يدي رجل يرضيان به.
وقال مالك: ولا يجعل الحائط الرهن بيد المساقي أو أجير له في الحائط، فإن فعل فليس برهن حتى يجعلاه بيد غير من في الحائط.
م وقد تقدم له قبل هذا، لا يجوز له رهن ما تقدم له فيه كراء ولا سقاء إلا بعد تمام ذلك، ولا يتم فيه حوز لأنه محاز قبل ذلك بوجه آخر، بخلاف حوز فضلة الرهن.
قال عبد الملك في المجموعة: وحوزه عبد الراهن ليس بحوز، كان مأذونًا أو غير مأذون.
الجزء: 12 - الصفحة: 569
[الباب العاشر]
في موت الراهن، ومن دفع رهنًا في صداق ثم طلق أو قضى مئة ثم اختلفا على ما هي، والإقالة في سلم برهن
[فصل 1 - في موت الراهن قبل أجل الدين]
قال مالك رحمه الله: وإذا مات الراهن قبل أجل الدين بيع الرهن وقضي المرتهن حقه؛ لأن من مات فقد حلت ديونه.
[فصل 2 - فيمن دفع رهنًا في صداق ثم طلق قبل البناء]
قال ابن القاسم: ومن رهن امرأته رهنًا قبل البناء بجميع الصداق جاز؛ لأن عقد النكاح يوجب لها الصداق كله، إلا أن يطلق قبل البناء، فإن طلق قبل البناء لم يكن له أخذ نصف الرهن، والرهن أجمع رهنًا بنصف الصداق، كمن قضى بعض الحق، أو وهب له، فالرهن رهن بما بقي، فإن هلك الرهن وهو مما يغاب عليه ضمن المرتهن جميعه.
وقد اختلف قول مالك في رهن من أحاط الدين بماله، وقد ذكرناه في كتاب المديان.
[فصل 3 - إذا كان لك على رجل مئتان فرهنك بمئة منها ثم قضاك مئة ثم اختلفا على ما هي عليه]
وإذا كان لك على رجل مئتان فرهنك بمئة منها رهنًا ثم قضاك مئة، وقال بعد ذلك هي التي فيها الرهن، وقلت أنت هي التي لا رهن فيها، وقامت الغرماء أو
الجزء: 12 - الصفحة: 570
لم يقوموا، فإن المئة يكون نصفها عن المئة الرهن، ونصفها عن المئة الأخرى- يريد بعد التحالف/ إذا ادعيا البيان.
وقال أشهب: القول قول المقتضي؛ لأنه مدعى عليه.
وحكي عن بعض فقهائنا القرويين أنه قال: إنما تصح القسمة على قول ابن القاسم إذا كانت المئتان حالتين، فأما إن كانتا مؤجلتين فالقول قول الدافع للمئة؛ لأنه يقول إنما قصدت تعجيل المئة لأخذ الرهن، فيكون القول قوله بهذا العذر بخلاف مسألة الحمالة، تلك تقسم المئة على الحقين، كانا حالين أو مؤجلين، وقد تقدم هذا في كتاب الحمالة.
[فصل 4 - في من أخذ رهنًا في المسلم فيه ثم تقايلا قبل الأجل أو بعده]
[ومن المدونة] وإن أسلمت إلى رجل في طعام إلى أجل وأخذت به منه رهنًا ثم تقايلتما بعد الأجل أو قبله ولم تقبض رأس مالك لمكان الرهن الذي في يديك لم تجز الإقالة إلا أن تقبض رأس مالك قبل أن تفترقا وإلا دخله بيع الطعام قبل قبضه.
الجزء: 12 - الصفحة: 571
[الباب الحادي عشر]
في جناية العبد الرهن والجناية عليه
[الفصل 1 - في جناية العبد الرهن]
[ومن المدونة] قال مالك رحمه الله: ومن ارتهن عبدًا فجنى العبد جناية، خير السيد أولاً، فإن فداه كان على رهنه، وإن أسلمه خير المرتهن أيضًا، فإن أسلمه كان لأهل الجناية بماله قل أو كثر، وبقي دين المرتهن بحاله- وليس للمرتهن أن يؤدي من مال العبد الجناية، ويبقى رهنًا إلا أن يشاء سيده- فإن فداه المرتهن لم يكن للسيد أخذه حتى يدفع ما فداه به مع الدين وإلا كان ما فداه به في رقبته دون ماله مبدأ على الدين ولا يباع حتى يحل أجل الدين.
قال بعض شيوخنا القرويين: ونفقته حتى يحل الأجل على سيده، الذي كان ينفق عليه قبل ذلك؛ لأنه رجع إلى [أصل] ما كان عليه.
[ومن المدونة] قال مالك رحمه الله: فإن سويت رقبته أقل مما فداه به لم يتبع السيد بما بقي من ذلك؛ لأنه فداه بغير أمره، واتبعه الأول، وإن كان فيه فضل كان ما فضل من رقبته في الدين ولا يكون ماله رهنًا بأرش ولا دين إذا لم يشترط في الدين أولاً.
قال ابن المواز: روي هذا عن مالك وري عنه: أن ماله يدخل في الرهن بالأرش لا بالدين.
الجزء: 12 - الصفحة: 572
م كما لو أسلمه في الأرش كان للمسلم إليه بماله، فإن حل الأجل وللسيد غرماء، فإنه يباع بما له، فإن كان ماله زاد قيمته مثل نصف ثمنه هذا الذي بيع به، بدئ نصفه بالجناية، وكان فضل نصف ما بقي للمرتهن في دينه وهو ما يخص رقبته، والنصف للغرماء يدخل فيه المرتهن أيضًا بما بقي له من الدين إن بقي له شيء.
ومن المدونة: قال ابن القاسم: وإن فداه المرتهن بما فداه به بإذن الراهن، اتبعه المرتهن بما فداه به وبالدين جميعًا.
م وبيان هذه المسألة في كتاب ابن المواز.
وقال في العبد الرهن يجرح، فسيده مخير بين أن يفديه ويبقى رهنًا أو يسلمه، فإن أسلمه خير المرتهن فيه في ثلاثة أوجه: إما أسلمه واتبع غريمه بدينه إلى أجله، وإن شاء إفتكه بزيادة درهم فأكثر على دية الجناية، ويكون له بتلاً، ويسقط من دينه ذلك الدرهم، ويتبع غريمه بدينه إلا الدرهم الذي زاد فيه إلى أجله، وإن شاء افتكه بديه جرحه فقط، ليكون بيدك رهنًا بما افتككته به، ثم لا يأخذه سيده حتى لا يدفع إليك ما افتككته به ودينك الأول، فإن أبى بعته، فإن استوفيت من ثمنه ما افتككته به ثم دينك الأول إن كان فيه ذلك، فإن فضل بعد ذلك شيء كان لسيده، وإن كان ثمنه قدر الجناية وبعض دينك، اتبعت الغريم بباقي دينك، ولو كان للعبد مال، فطلب المرتهن أن يؤدي منه الأرش ويبقى رهنًا، قال مالك: فليس له
الجزء: 12 - الصفحة: 573
ذلك إلا بإذن سيده، فإن أبى أسلمه بماله، وإن كان أضعاف الجناية ثم خير المرتهن في الوجوه التي ذكرنا، فإن افتككته فماله رهن لك بالجناية، وحدها ورقبته رهن بالجناية والدين، ولا يكون ماله رهنًا بالدين؛ لأنك لم تشترطه أولاً، ويبقى المال بيده كما كان قبل أن يجني حتى يتصرف فيه بالمصلحة، ويأكل ويكتسي.
وقد اختلف قول مالك في ماله إذا افتدى المرتهن العبد فقال: لا يكون ماله رهنًا بجناية ولا دين، ويقال لك إن شئت أخذت العبد بدون ماله بدية جرحك وبدينك الأول، ويرجع مال العبد لسيده وإلا فدعه، وبهذا أخذ ابن القاسم وابن الحكم، والقول الآخر به يأخذ أصحاب مالك ونحن وهو الصواب؛ لأنه إنما فداه منه ما كان بالجناية مرهونًا، فقد كان ماله مع رقبته صار رهنًا بجنايته، وهذا بين، فإن كان على السيد دين لغرماء غيره، فليدخلون معه فيما زاد مال العبد في ثمنه بعد الجناية، ينظر، فإن زاد المال نصف ثمنه نظر ما فضل بعد ثمن الجرح، فيكون نصفه للمال ونصفه للرقبة فما كان للرقبة كان للمرتهن وما كان للمال دخل فيه جميع الغرماء، ودخل معهم فيه المرتهن بما بقي له إن بقي له شيء، وكذلك إن زاد المال فيه الثلث أو الربع حسب على هذا.
م وتفسيره أن يجعل ثمن العبد بلا مال خمسين وبالمال مئة، فثمنه للمال نصفه وللرقبة نصفه، ويجعل للجناية أربعين، فيبدأ بها من ثمنه، فيفضل من الثمن ستون،
الجزء: 12 - الصفحة: 574
فنصفها ثلاثون للرقبة، ويكون المرتهن أولى بها، ويبقى ثلاثون حصة المال للغرماء، ويحاصهم فيها المرتهن بما بقي له من دينه إن بقي له شيء، وإن كان ثمنه بالمال خمسة وسبعين، فقد زاد المال ثلث ثمنه، فيأخذ المرتهن منها للجناية أربعين فيبقى خمسة وثلاثون، فثلثيها للرقبة وهو ثلاثة وعشرون وثلث، فيأخذها المرتهن وثلثها إحدى عشر وثلثان حصة المال، يدخلون عليه فيه الغرماء ثم على هذا ونحوه يحسب.
قال ابن المواز: إلا أن يفتديه مرتهنه من الجناية بإذن سيده، فقد روى ابن القاسم عن مالك أنه يتبع سيده بالجناية وبالدين الأول، ويكون ذلك في رقبة العبد، وقاله ابن القاسم وأشهب.
قال أشهب: ولكن لا يكون العبد رهنًا بما افتداه به بأمره، ولا يبدأ مرتهنه بما فداه من دية جنايته إلا أن يشترط ذلك له، يقول له: افده وهو رهن لك بما تفديه به، فيكون رهنًا بهمًا جميعًا، لا يبدأ أحدهما قبل صاحبه.
قال ابن المواز: وهذا أحب إلينا أن لا يكون بما افتداه به رهنًا؛ لأنه سلف منه لسيده إلا أن يشترط ذلك على سيده، ولو افتداه بغير أمره كان ذلك في رقبة العبد كما ذكرنا.
م قال بعض الفقهاء: إذا فداه بإذن سيده، فهو سلف ولا يكون أحق به في القياس على مذهب ابن القاسم.
وفي ظاهر كتاب محمد عن ابن القاسم أنه يكون
الجزء: 12 - الصفحة: 575
أحق به، قال: فإن افتكه بإذن ربه فأرى أن في رقبته الدين وما افتكه به.
وحكي عن أشهب أنه قال: لا يكون أحق بما افتداه به، وهذا خلاف المعروف من مذهبه؛ لأن أشهب يقول: في من أمرته أن يشتري لي سلعة، وينقد عني أنه يحل محل البائع، وله حبس ما اشترى كما كان للبائع حتى يدفع إليه الثمن.
وابن القاسم يجعله سلفًا لا يكون أحق به، قاله في مسألة اللؤلؤ الذي أمره أن يشتريه وينقد عنه، فالعبد ها هنا لما افتكه من المجني عليه حل محله على مذهب أشهب، فيكون أحق به، ولا يكون أحق به على مذهب ابن القاسم، كما قال في مسألة اللؤلؤ.
م فخالف كل واحد منهما أصله.
[فصل 2 - في إقرار الراهن أن جناية العبد وهو عند المرتهن]
ومن المدونة: قال ابن القاسم: ولو أقر الراهن أن العبد جنى جناية أو استهلك مالاً وهو عند المرتهن، ولم تقم بذلك بينة، فإن كان الراهن معدمًا لم يصدق، وإن كان مليئًا قيل له أتفديه أو تسلمه؟ فإن فداه بقي رهنًا على حاله، وإن أسلمه لم يكن له ذلك حتى يحل الأجل، فإذا حل ودى الدين ودفع العبد بجنايته التي أقر
الجزء: 12 - الصفحة: 576
بها، فإن فلس قبل الأجل فالمرتهن أحق به من أهل الجناية؛ وليس ذلك كثبوت الجناية ببينة.
م ولو كان أقر أنه جنى قبل أن يرهنه ثم رهنه، فإن رضي بافتدائه بقي رهنًا، وإن قال لا أفتديه ولم أرض بتحمل الجناية، وحلف أنه ما رضي أن يتحمل الجناية، أجبر على إسلامه وتعجيل الدين، كمن أعتق أو أقر به لغيره والدين مما يجوز له تعجيله.
ولو كان الدين عرضًا من بيع ولم يرض من هي له أن يتعجلها ما جاز إقراره على المرتهن كما لو كان معسرًا والدين مما له تعجيله، ويكون المجني عليهم مخيرين، فإن شاؤا أغرموه قيمته يوم رهنه؛ لأنه متعد عليهم، وإن شاؤا صبروا عليه حتى يحل الأجل فيباع، فيتبعوه بثمنه، وانظر إذا عتق العبد والدين عروض من بيع، فقال المرتهن لا أرضى بتعجيله، هل يغرم الراهن قيمته ويوقف رهنًا أو يأتي برهن مثله، أو يبقى رهنًا بحاله، ولا يجوز عتقه لحق المرتهن، وإن كان عبد الملك قد قال في الرهن يستحق، وقد غره أن للراهن أن يأتي برهن مثله، ولا ينقض البيع.
[فصل 3 - فيمن ارتهن عبدين فقتل أحدهما الآخر]
وإذا ارتهنت عبدين فقتل أحدهما الآخر، فالباقي رهن بجميع الدين؛ لأن مصيبة العبد المقتول من ربه.
الجزء: 12 - الصفحة: 577
[الباب الثاني عشر]
في ارتهان فضلة الرهن بدين ثان للمرتهن أو لغيره
[الفصل 1 - فيمن أراد أخذ زيادة على حقه ويكون الرهن بها]
قال ابن القاسم: وإذا أخذت من رجل رهنًا بدين لك عليه ثم استقرضك دراهم أخرى على ذلك الرهن جاز وكان بالدينين رهنًا.
م وقال أبو حنيفة: لا يكون رهنًا إلا بالدين الأول.
ودليلنا: أنه وثيقة بحق، فإذا كان فيه فضل جاز أن يشتغل بحق أخر مع الأول كالضمين؛ ولأنها زيادة في التراهن كالزيادة في الرهن، فإذا جازت في الرهن جازت في التراهن.
[فصل 2 - في ارتهان فضلة الرهن لدائن آخر]
قال مالك: وإن ارتهنت ثوبًا قيمته مائة دينار في خمسين دينارًا ثم رهن رب الثوب فضلته لغيرك لم يجز إلا أن يكون ذلك برضاك فيجوز، وتكون حائزًا للمرتهن الثاني إذا رضيت.
قال ابن القاسم: فإن هلك الثوب بيدك بعدما ارتهن الثاني فضلته وهو مما يغاب عليه، ضمنت منه مبلغ دينك وكنت في الباقي أمينًا ويرجع المرتهن الثاني بدينه على
الجزء: 12 - الصفحة: 578
صاحبه؛ لأن فضلة الرهن على يدي عدل وهو المرتهن الأول.
م وإنما يصح أن لا يضمن الأول منه إلا مبلغ دينه إذا كان قد أحضر الثوب وقت ارتهان الثاني فضلته أو علم بالبينة أنه قائم عنده وإلا كان ضمان الجميع منه، إذ قد يكون تلف الثوب قبل ذلك، ووجب عليه ضمانه، وقاله بعض أصحابنا.
[قال] ابن المواز: وقال أشهب: ضمانه كله من الأول كما لو كان بيد الثاني وغيره المبدأ عليه فضاع، لم يضمنه؛ لأنه رهن للأول، وإنما لهذا فضلة إن كانت، وأما لو رهنه لرجلين فكان على يدي أحدهما لم يضمن الذي هو على يديه إلا نصفه.
م وذكر المسألة في كتاب ابن المواز وفي السؤال.
قال ابن القاسم عن مالك: ومن رهن رهنًا وجعله بيد المرتهن ثم رهن فضلته لآخر فلا يجوز ذلك إلا أن يحوزه الآخر غير من هو على يديه؛ لأن الأول إنما حازه لنفسه فلا يكون رهنًا للآخر، قال ابن القاسم: إلا أن يكون برضا الأول فيجوز، ويبدأ الأول ثم للثاني ما فضل.
وقال أصبغ: من رهن رهنًا وجعله بيد غير المرتهن جاز أن يرهن فضله لآخر، شاء الأول أو أبى إذا علم بذلك الموضوع على يديه كائنًا من كان لتتم حيازته لهما، وقيل عن مالك حتى يرضى الأول ويكون حائزًا للثاني، والقياس ما قلت إذ لا ضرر على الأول، إذ هو مبدأ وقاله أشهب، وقال مثله ابن حبيب عن أصبغ، ولم يذكر في السؤال أن الرهن بيد غير المرتهن الأول.
الجزء: 12 - الصفحة: 579
وقال ابن حبيب: إنما استثنى مالك رضا المرتهن الأول؛ لأنه إذا رضي كان حائزًا للثاني فضلة الرهن، وإذا لم يرض لم يكن حائزًا للثاني فضلة الرهن، وكان في الفضلة أسوة الغرماء وبه أقول.
ومن العتبية وكتاب ابن المواز: وروى أشهب عن مالك فيمن ارتهن من رجل رهنًا بدين له عليه إلى ستة أشهر ثم ابتاع الراهن سلعة من رجل آخر بثمن إلى شهر، وأرهنه فضلة رهن الأول، على أن الأول مبدأ عليه، فحل أجل الآخر قبل محل أجل الأول، فقال مالك: أعَلِم الآخر أن حق الأول إلى ستة أشهر؟ فقيل له: لم يعلم، فقال: أرى أن يباع الرهن فيعجل للأول حقه كله قبل محله، ويعطى للثاني ما فضل في دينه.
[قال] ابن المواز: وقاله أشهب قال: وهذا إن بيع بعين أو بما يقضي بمثله، وحق الأول مثله، فأما إن بيع بعرض، فإن كان مثل الذي عليه أو بيع بدنانير وله عليه دراهم أو بيع بطعام مخالف لما عليه، فإنه يوضع له رهنًا إلى حلول حقه.
وقال سحنون في المجموعة: سواء علم الأول أن حق الثاني يحل قبله أو لم يعلم، فإنه إن بيع بمثل حقه فليعجل له حقه، قال في موضع آخر: إلا أن يكون حقه طعامًا من بيع فيأبى أن يتعجله فذلك له.
الجزء: 12 - الصفحة: 580
وقال ابن القاسم في العتبية: إن حل أجل الثاني فلم يكن في الرهن فضل لم يبع إلا إلى الأجل الأول، وإن كان فيه فضل، بيع الآن، عُجِّل للأول حقه، وأخذ الثاني ما فضل.
قال ابن المواز: ومن رهن رهنًا واشترط الراهن فيه مئة دينار مبدأة، فيموت الراهن أو يفلس، هل لغرمائه أن يبرأوا منه بمئة دينار على المرتهن من ثمن الرهن الذي استثناها الراهن لنفسه، فقال مالك: نعم ذلك لهم، وقال ابن القاسم في العتبية: هذا رهن لا يجوز.
الجزء: 12 - الصفحة: 581
[الباب الثالث عشر]
ما جاء في النفقة على الرهن وعلى ما يصلحه، والقضاء أن نفقة الرهن ومؤنته على الراهن لأنه مالك له وغلته له ولأن من له الغلة عليه النفقة كالبيع الفاسد
[فصل 1 - في نفقة الرهن والضالة]
قال مالك رحمه الله: وإذا أنفق المرتهن على الرهن بإذن ربه أو بغير أمره، رجع بما أنفق على الراهن.
قال ابن القاسم: ولا يكون ما أنفق في الرهن إذا أنفق بأمر ربه؛ لأن ذلك سلف إلا أن يقول له أنفق على أن نفقتك في الرهن.
- قال: فإن قال ذلك رأيتها [له] في الرهن- وله حبسه بما أنفق وبما رهنه فيه، إلا أن يقوم الغرماء على الراهن، فلا يكون المرتهن أحق منهم بفضله عن دينه لأجل نفقته، أذن له في ذلك أو لم يأذن، إلا أن يقول له أنفق والرهن بما أنفقت رهن أيضًا.
م وفي لفظ هذه المسألة تقديم وتأخير، وترتيبها هو قال ابن القاسم: فلا يكون ما أنفق في الرهن إذا أنفق بأمر ربه؛ لأن ذلك سلف، وله حبسه بما أنفق وبما رهنه فيه إلا أن يقوم الغرماء على الراهن فلا يكون المرتهن أحق منهم بفضله عن دينه لأجل نفقته، إذن له في ذلك أو لم يأذن إلا أن يقول له أنفق على أن نفقتك في
الجزء: 12 - الصفحة: 582
الرهن، أو أنفق والرهن بما أنفقت رهن أيضًا، فذلك سواء ويكون رهنًا بالنفقة، لا فرق بين أن يقول له أنفق على أن نفقتك في الرهن أو أنفق والرهن بما أنفقت رهن أيضًا، وهذا بين.
وقاله بعض فقهائنا القرويين، وذكر ابن شلبون كان يفرق بين ذلك على ظاهر الكتاب.
وليس ذلك بشيء، وعبد الحق ساوى بين اللفظين ويحتج بمسألة كتاب الوكالات في مسألة الذي أمره أن يشتري له وينقد عنه ويحبسه حتى يدفع إليه الثمن.
م وقد جرت المسألة في المجموعة وكتاب ابن المواز على نحو ما فسرنا، ولفظها في الكتابين.
قال ابن القاسم: وإذا أنفق المرتهن على الرهن بأمر ربه أو بغير أمره، فهو سلف ولا يكون في الرهن إلا أن يشترط أنه رهن في النفقة إلا أن له حبسه، بما أنفق وبدينه إلا أن يكون على الراهن دين، فلا يكون أولى بما فضل عن دينه إلا أن يشترط أن ذلك رهن في النفقة.
قال في الكتابين وفي المدونة: وليس كالضالة ينفق عليها فيكون أولى من الغرماء بها في نفقته؛ لأن الضالة لا يقدر على صاحبها ولابد له من أن ينفق عليها، والرهن ليس نفقته على المرتهن ولو شاء طلب راهنه بنفقته، فإن غاب رفع ذلك إلى الإمام.
م فإن قال له الإمام أنفق على أن نفقتك فيه، كان كذلك وكان أحق به من الغرماء حتى يستوفي نفقته ثم دينه.
الجزء: 12 - الصفحة: 583
وقال أشهب: النفقة على الرهن كالنفقة على الضالة، وهو أولى به من الغرماء حتى يستوفي نفقته، فيكون مبدأ فيه.
قال: وليس نفقتك على الرهن في ذمة صاحبه إن أنفقت بغير أمره ولكنها في الرهن إذا بيع ابتداءًا من ثمنه بالنفقة عليه ثم بدينك.
قال: وليس للراهن أن يمنعك أن تنفق على الرهن؛ لأنه يهلك إن كان حيوانًا أو يخرب إن كان ربعًا.
م وهو القياس وقال بعض القرويين في المرتهن ينفق على الرهن والراهن غائب أنه يطلبه بجميع ما أنفق عليه وإن جاوز ثمنه؛ لأن صاحب الرهن قد تركه، وقد علم أنه يحتاج إلى النفقة فهو كالإذن في ذلك، ولا حجة له.
م لعله يريد إن كان في حين النفقة عليه مليئًا، وأما إن كان عديمًا فلا يلزمه نفقته وينفق عليه المرتهن إن أحب ويكون له ذلك في ثمنه مبدأ، وإلا نظر فيه الإمام، فإن كان بيعه خيرًا له باعه وعجل للمرتهن حقه، والله أعلم.
م والقياس عندي أن لا يتبعه بما جاوز ثمنه؛ لأنه لم يأذن له في النفقة عليه على الحقيقة، ولأن من حجته أن يقول كان ينبغي لك إذا بلغت النفقة مقدار ثمنه أن
الجزء: 12 - الصفحة: 584
تدفعه إلى الأمام، فيبيعه في نفقتك ولا تدخل في ذمتي دينًا لم آذن لك فيه.
[فصل 2 - فيمن تلزمه أجرة إصلاح الرهن]
قال ابن القاسم في العتبية ونحوه في كتاب محمد: وليس على المرتهن عمل الحائط الرهن ولا مرمة الدار ولا نفقة العبد وكسوته، اشترط أن الغلة رهن أو لم يشترط، ويلزم ذلك الراهن، وليس له أن يدع الرهن يخرب ويبطل حق المرتهن.
قال في العتبية في رواية يحيى بن يحيى: وإذا تهورت بئر النخل الرهن فإصلاحها على الراهن، يجبر على ذلك إن كان له مال، وإن لم يكن له مال نظر، فإن كان بيع بعض الأصل خيرًا له، بيع منه ما يصلح به البئر، وإن تطوع المرتهن بالنفقة في إصلاحها، فإن رأى أن ذلك خير لرب النخل قبل للمرتهن/ أنفق إن شئت وتكون أولى بالنخل حتى تأخذ ما أنفقت ولا ينظر إلى قيمة النفقة ولا قيمة ما يضع من حجر أو غيره، ولكن يحسب له بما أنفق كالسلف.
ومن المدونة: وقال في باب بعد هذا: ومن ارتهن نخلاً ببئرها أو زرعًا أخضر ببئره، فانهارت البئر فأبى الراهن أن يصلح، فأصلحها المرتهن لخوف هلاك الزرع والنخل فلا رجوع له بما أنفق على الراهن، ولكن يكون له ذلك في الزرع، وفي
الجزء: 12 - الصفحة: 585
رقاب النخل يبدأ فيه بنفقته، فما فضل كان في دينه، فإن فضل بعد ذلك شيء كان لربه.
م وينبغي أن يكون أحق بنفقته وبمقدار دينه من الغرماء كافتدائه العبد الرهن إذا جنى.
قال ابن القاسم: وهذا كالمساقي أو مكتري الأرض للزرع سنين ينفق في مثل ذلك، فليس لهم ما زاد على كراء تلك السنة خاصة في الكراء أو على حظ رب النخل من ثمرة السنة في المساقاة- يريد إذا انهارت البئر بعدما سقى أو زرع- وهذا مذكور في كتاب الأكرية.
قال: وإذا خاف الراهن هلاك الزرع وأبى المرتهن أن ينفق فيه، فأخذ مالاً من أجنبي فأنفقه فيه، فالأجنبي أحق بمبلغ نفقته من ثمن الزرع من المرتهن، وما فضل كان للمرتهن، فإن لم يفضل شيء منه رجع المرتهن بدينه على الراهن.
م وذلك إذا شرط أن نفقته فيه، وحكى نحوه بعض أصحابنا عن بعض شيوخه القرويين أنه قال: إنما يكون الأجنبي أحق بمبلغ نفقته في ثمن الزرع إذا قال له تنفق في هذا الزرع ويكون لك رهنًا، وأما إن لم يقل ذلك وأخبره أنه ينفق عليه فلا يكون أحق بذلك؛ لأنه سلف في ذمة الراهن.
الجزء: 12 - الصفحة: 586
[فصل 3 - فيمن ارتهن أرضًا فأخذ السلطان خراجها]
ومن المدونة: وإذا ارتهنت أرضًا فأخذ منك السلطان خراجها لم ترجع به على الراهن إلا أن يكون ذلك الخراج حقًا وإلا فلا.
[فصل 4 - في الرهن يحل بيعه وصاحبه بعيد وفي المرتهن
يطلب جعلاً على الكراء]
ومن العتبية: قال أبو زيد عن ابن القاسم في الرهن يحل بيعه وصاحبه بعيد من السلطان فلا يجد من يُعنى ببيعه إلا بجعل، قال: الجعل على طالب البيع، وروى عيسى وأصبغ مثله، قال عيسى: وما أرى الجعل إلا على الراهن.
وقال مالك في الدار بيد المرتهن يكريها ويلي قبض كرائها ثم يطلب على ذلك أجرًا، فإن كان مثله يؤاجر نفسه في مثل ذلك فذلك له إن طلبه، وأما من مثله يعين فليس ذلك له.
الجزء: 12 - الصفحة: 587
[الباب الرابع عشر]
ما جاء في رهن الأب والوصي
قال ابن القاسم: وللوصي أن يرهن من مال اليتيم رهنًا فيما يبتاع له من كسوة أو طعام، كما يتسلف لليتيم حتى يبيع له بعض متاعه وذلك لازم لليتيم، وللوصي أن يعطي مال اليتيم مضاربة ولا يعجبني أن يعمل به الوصي بنفسه إلا أن يتجر لليتيم فيه أو يقارض له به غيره، وللوصي أن يسلف الأيتام ويرجع عليهم إن كان لهم يوم السلف عرض أو عقار، ثم يبيع ويستوفي حقه، وإن لم يكن لهم يوم السلف مال، فقال الوصي أنا أسلفه، فإن أفاد مالاً رجعت به عليه، لم يكن له ذلك، والنفقة عليه حينئذ على وجه الحسبة ولا يرجع بشيء إن أفاد اليتيم مالاً، وليس للوصي أن يأخذ عروض اليتيم بما أسلفه رهنًا إلا أن يكون تسلف له من غيره مالاً أنفقه عليه ولا يكون أحق بالرهن من الغرماء؛ لأنه حائز من نفسه لنفسه، وهو الغرماء في ذلك أسوة ولا يدفع أحد الوصيين رهنًا من متاع اليتيم إلا بإذن صاحبه، وإن اختلف نظر الإمام في ذلك، وكذلك البيع والنكاح، وإذا رهن الأب من متاع ابنه الصغير في دين على الأب ولم يستدنه للولد لم يجز الرهن؛ لأنه لا يجوز له أخذ مال ولده من غير حاجة، وإنما يجوز بيع الأب عليه على وجه النظر، وكذلك الوصي، ولا بأس أن يشتري الأب أو الوصي لبعض من يليان عليه من بعض.
الجزء: 12 - الصفحة: 588
[الباب الخامس عشر]
جامع مسائل مختلفة من غير الرهن
[ومن المدونة]: قال مالك: ومن زوج أمته وأخذ مهرها قبل البناء فاستهلكه وأعتقها ثم طلقها الزوج قبل البناء ولا مال للسيد، لم يرد عتقها؛ لأن السيد إنما لزمه الدين حين طلق الزوج لا يوم العتق.
وإنما كان يصح هذا الجواب على قول من يراه للزوج إذا طلق فائدة، وأما على قول ابن القاسم أنه شريك للزوجة في نمائه ونقصه، فينبغي أن يرد به العتق؛ لأنه كمال للزوج استهلكه السيد؛ ولأن الزوجة لا تستحقه إلا بعد الدخول ولعله رأى أن الزوج لا قدرة له على رد العتق حين أعتق إذ لا حكم له في الصداق إلا بعد الطلاق، فعد طلاقه بعد ذلك رضا باتباع السيد، وأما مسألة الذي باع له عبده سلعة وقبض الثمن فأتلفه ثم أعتق العبد لو قام يوم العتق لرده، والزوج لو قام حيئنذ لم يرده فافترقا.
قال مالك رحمه الله: وليس للسيد أن يأخذ مهر أمته ويدعها بلا جهاز، ولكن يجهزها به كالحرة.
الجزء: 12 - الصفحة: 589
قال بعض الفقهاء: إن بوأها معه بيتًا وجب عليه تشويرها به، وإن لم يبوءها معه بيتًا لم يجب أن يشورها به.
وقد تقدم هذا في كتاب الصوم، مسألة من قال: لله عليّ أن أصوم شهر متتابعًا، أنه يجزئه به التبييت أول ليلة، ولا يحتاج أن يبيت الصوم كل ليلة.
وفي كتاب الإجارة أن المسلم لا يجوز له أن يؤاجر نفسه في شيء مما حرم الله.
وفي كتاب المديان إذا عزل الورثة دين الغريم واقتسموا ما بقي ثم ضاع ما عزلوا لم يضمنه الغريم ويرجع عليهم فيما قبضوا، ولو عزله القاضي ثم قسم الباقي بين ورثة أو غرماء كان ضياع ذلك من الغريم.
الجزء: 12 - الصفحة: 590
[الباب السادس عشر]
في اشتراط منفعة الرهن وأخذ غلته في دينه
[الفصل 1 - في اشتراط المرتهن منفعة الرهن والحكم فيه إن ضاع]
قال مالك رحمه الله: وإذا اشترط المرتهن منفعة الرهن فإن كان الدين من قرض لم يجز ذلك؛ لأنه سلف جر منفعة، وإن كان الدين من بيع، واشترط منفعة الرهن أجلاً مسمى فلا بأس به في الدور والأرضين، وكرهه مالك في الحيوان والثياب وغيرها، إذ لا يدري كيف يرجع إليه.
م وقال ابن القاسم: لا بأس به في الحيوان والثياب وغيرها إذا سمى أجلاً لجواز إجارة هذه الأشياء وهو لا يدري كيف يرجع إليه، وهذا إنما باع سلعته بثمن سماه، ويعمل هذه الدابة ولباس هذا الثوب أجلاً مسمى، فاجتمع بيع وكراء فلا بأس به.
قال ابن المواز: وأجازه أشهب وأصبغ واختلف قول مالك فيه.
م قال بعض الفقهاء: إنما أجازه مالك في الدور لأنها لا تختلف صفتها وقت رجوعها، والثياب والحيوان لا يدري كيف تكون عند انقضاء الإجارة، فصار الرهن غررًا، وهو في أصل البيع، فلم يجز عنده، وعلى هذا لا يجوز رهن الثمرة التي لم
الجزء: 12 - الصفحة: 591
يبد صلاحها، ولا الآبق في أصل عقد البيع، وقد حُكي في كتاب الحمالة أن البيع إذا وقع على حمالة غرر، أنه يفسد عند ابن القاسم ويجوز عند أصبغ، وهذا من ذلك المعنى.
وقد قال في أثر كلام سحنون فيما باع من ذمي سلعة، وارتهن منه خمرًا، فإن هذا لا يفسد البيع، ويرد الخمر إلى الذمي ولو أراد بقاءها بيد النصراني إلى أجل دينه لما يخاف من عدمه فلا أرى له ذلك، فلو غفل عنها حتى تخللت كان أحق بها.
م واختلف فقهاؤنا المتأخرون إذا ضاع هذا الرهن المشترط منفعته وهو مما يغاب عليه، فقيل يضمنه؛ لأنه رهن على حاله وحكم الرهن باق عليه، وقيل لا يضمنه كسائر الأشياء المستأجرة، وقيل ينظر إلى القدر الذي يذهب منه بالإجارة إذا كان ثوبًا، مثل أن يقال إذا استؤجر شهرًا ينقصه الربع فيكون قدر ربعه غير مضمون؛ لأنه مستأجر وثلاثة أرباعه مضمون؛ لأنه مرتهن إذا لم تقم بينة بضياعه، فإن قام بدعوى الضياع حين استأجر سقط عنه ذلك القدر من الإجارة وضمن ثلاثة أرباعه، ونظر ذلك القدر كم هو من الجملة فيرجع بجزء من قيمة الثوب المبيع، وإن لم يقم بدعوى الضياع إلا عند حلول الأجل كان مستوف لجملة ثمن ثوبه ولا يصدق
الجزء: 12 - الصفحة: 592
على مذهب ابن القاسم أن الضياع كان قبل قيامه لأن ابن القاسم يقول: إذا ادعى ضياع الثوب المستأجر حين حل الأجل وأن ضياعه كان قبل ذلك لم يصدق في إسقاط الإجارة ولزمه جميعها إلا أن تقوم له بينة على الضياع أو على التفقد والطلب له، وخالفه في ذلك غيره.
م وهذا هو القياس.
[قال] ابن المواز قال مالك: فإن لم يشترط الانتفاع بالرهن فلا يحل له أن ينتفع بشيء منه وإن كان سلاحًا ونزل به عدو فلا يفعل.
[قال] ابن المواز: ولا ينظر في المصحف ولا كتب العلم إن كانت رهنًا بشرط أو بغير شرط؛ إذ لا يجوز له إجارة ذلك وما سوى ذلك فجائز إذا اشترط ذلك في كل ما تجوز فيه الإجارة إذا كان يعرف وجه النفع به وضرب له أجلاً.
م وأجاز ابن القاسم في كتاب الإجارة إجارة المصحف ليقرأ فيه، فعلى هذا ينبغي أن يجوز اشتراط منفعته في أصل البيع.
وقال في كتاب الرهن: لا بأس برهن المصحف ولا يقرأ فيه وإن لم يشترط في أصل السلف أن يقرأ فيه ثم وسع له رب المصحف أن يقرأ فيه لم يعجبني كان الرهن من بيع أو قرض، وكذلك الثياب والعروض والحيوان لا يجوز له أن يوسع له في الانتفاع به بعد تمام البيع حين يرهنه ذلك ولا بعد ذلك.
الجزء: 12 - الصفحة: 593
[قال] ابن المواز: لأن في ذلك اصطناعًا من رب الرهن لرب الدين لئلا يعجل عليه بأخذ حقه.
قال أشهب: إن أنظر قبل الأجمل حمل أنه طمع بالإنظار، وإن أذن له بعد أن حل، فهو مخافة أن لا يطلبه بحقه، وإن سلم هذا من ذلك فهو ذريعة لغيرهما.
قال أبو محمد وغيره، وسواء كان الدين من بيع أو قرض؛ لأنه من
باب كراهية قبول هدية المديان
.
[فصل 2 - في اشتراط أخذ غلة الرهن في الدين]
قال في كتاب إحياء الموات.
وإن اشترط المرتهن أن يأخذ الغلة في دينه، فإن كان في أصل البيع لم يجز، وإن كان في القرض فجائز.
قال ابن القاسم: ولو رهنه بعد تمام البيع بهذا الشرط كان جائزًا.
قال ابن المواز: وهذا ترك من ابن القاسم لأصله إذا لم يكن له ما يوفيه إلا من الغلة؛ لأن خاطره لما رهنه على أنه يؤخره بالحق عن أجله إلى مجيء الغلة أو يعجله قبل أجله بحلول الغلة، وأما إن كان لا يزول الحق عن أجله إن تأخرت الغلة بشرط وكان عينًا فذلك جائز، وأما إن شرط أن لا يوفيه إلا من الغلة على ما ذكرنا فقد تخاطرا إلا أن يشترط تأخير ذلك إلى بعد الأجل.
الجزء: 12 - الصفحة: 594
[الباب السابع عشر]
في رهن ما لا يعرف بعينه ورهن الحلي
/ قال ابن القاسم: ولا ترهن الدنانير والدراهم والفلوس وما لا يعرف بعينه من طعام أو إدام وما يكال أو يوزن إلا أن يطبع على ذلك؛ ليمنع المرتهن من النفع به ورد مثله.
وقال أشهب في المجموعة: لا أحب ارتهان الدنانير والدراهم والفلوس إلا مطبوعًا عليها للتهمة في سلفها، فإن لم يطبع لم يفسد الرهن ولا البيع، ويستقبل طبعها إن غش على ذلك، وأما بيد أمين من ذلك فلا يطبع عليه، وما أرى ذلك عليك في الطعام والإدام وما لا يعرف بعينه، وإن كانت تجري مجرى العين؛ لأنه لا يخاف في غير العين ما يخاف في العين؛ لأن نفعك في العين أخفى وأمكن، ولا يكاد يخفى في الطعام وشبهه، وإنما هو موضع تهمة، وما قوي منها أبين فيما يتقى، ولو تعدينا بالتهمة إلى غير ذلك لأقمناها في الحلي؛ لأنه قد يلبس، والعبد يختدم، ولكن يصرف ذلك إلى ما اتهم.
ومن المدونة: قال ابن القاسم: وأما الحلي فلا يطبع عليه حذرًا للبس كما يفعل ذلك في سائر العروض؛ لأن ذلك يعرف بعينه.
وإن رهنك خلخالين من ذهب في مئة درهم فاستهلكها قبل الأجل أو
الجزء: 12 - الصفحة: 595
كسرتها وقيمتها مئة درهم لم أجعل ذلك قصاصًا بدينك ولكن تؤخذ القيمة منك دراهم فتوضع بيد عدل مطبوعًا عليها رهنًا، فإذا حل الأجل أخذتها من حقك وكذلك إن كانا من فضة فلزمتك قيمتها دنانير فإنها تكون رهنًا إلى الأجل كما ذكرنا، فإن أوفاك حقك أخذ الدنانير وإلا صرفت لك وأخذت حقك منها، وكان ابن القاسم يقول: إذا كسر الخلخالين فإنما عليه ما نقص الصياغة ثم رجع إلى أن يغرم قيمتها ويكونان له، والله الموفق للصواب وحسبي الله ونعم الوكيل.
الجزء: 12 - الصفحة: 596
[الباب الثامن عشر]
في رهن الخمر وهلاك بعض الرهن وفساد الفلوس الرهن
[الفصل 1 - في رهن الخمر]
قال ابن القاسم: ولا يجوز لمسلم أن يرتهن من ذمي خمرًا أو خنزيرًا.
قال ابن المواز: قال أشهب: فإن قبضه ثم فلس الذمي فلا رهن للمرتهن فيه، والغرماء فيه أسوة؛ لأن رهنه لم يكن يجوز في الأصل.
قال سحنون: إلا أن يتخلل الخمر فيكون أحق بها، وإذا باع من الذمي سلعة وارتهن منه خمرًا، فإن هذا لا يفسد البيع ويرد الخمر إلى الذمي، ولو أراد المسلم إيقافها بيد النصراني إلى أجل دينه لما يخاف من عدمه فلا أرى ذلك، ولو غفل عنها حتى تخللت كان أحق بها، ولو ارتهن نصراني من مسلم خمرًا أهريقت عليه، ولا يكون على المسلم أن يأتيه برهن ثان ولو ارتهن مسلم عصيرًا فصار خمرًا رفعها إلى السلطان فتهراق بأمره.
م إنما تهراق إذا كان الراهن مسلمًا وأما إن كان ذميًا فترد إليه.
فصل [2 - في الأمة الرهن تلد ثم تموت]
ومن المدونة: قال ابن القاسم: وإذا ولدت الأمة الرهن ثم ماتت كان ولدها رهنًا بجميع الدين.
الجزء: 12 - الصفحة: 597
فصل [3 - فيمن تسلف فلوسًا برهن ففسدت أو كسدت بعد السلف]
قال: ومن أسلفته فلوسًا وأخذت بها رهنًا ففسدت الفلوس فليس لك عليه إلا مثل فلوسك ويأخذ رهنه.
م ولو انقطعت فلم توجد لكان عليه قيمتها يوم تحاكماه لأنها في ذمته إلى يوم تحاكمه فيها، ويقضى عليه بها ولا يجوز أن يعطيه قيمتها يوم دفعها إليه؛ لأنها لو فسدت فوجدها لم يكن عليه إلا مثلها فوجب أن يكون عليه قيمتها يومئذ.
ومن المدونة: وإن بعته سلعة بفلوس إلى أجل فإنما لك نقد الفلوس يوم البيع، ولا يلتفت إلى كسادها وكذلك إن أقرضته درهمًا فلوسًا وهي يومئذ مئة فلس فإنما يرد إليك ما أخذ لا غير ذلك.
الجزء: 12 - الصفحة: 598
[الباب التاسع عشر]
في الرهن بالعقود الفاسدة والقضاء فيمن ارتهن رهنًا ببيع يحل أو لا يحل فتلف وهو مما يغاب عليه فليضمن قيمته
قد تقدم قول مالك لا يكون الرهن بما فيه ولكن المرتهن ضامن له بجميع قيمته قال مالك: ومن لك عليه دين إلى أجل من بيع أو قرض فرهنك به رهنًا على أنه إن لم يفتكه منك إلى الأجل فالرهن لك بدينك لم يجز، وينتقض هذا الرهن ولا ينتظر به الأجل.
- قال أبو محمد: يريد ويصير السلف حالاً- قال ولك أن تحبس الرهن حتى تأخذ حقك وأنت أحق به من الغرماء.
م وهذا إذا كان الرهن في أصل البيع أو السلف، فإن كان الأمر كذلك فسد البيع والسلف؛ لأنه لا يدري ما يصح له في ثمن سلعته الثمن أو الرهن، وكذلك في السلف لا يدري هل يرجع إليه السلف أو الرهن، فإنه عثر على ذلك قبل الأجل أو بعده فسخ البيع إن لم تفت السلعة بحوالة سوق فأعلى فتكون فيها القيمة حالة ويصير السلف حالاً، ويكون المرتهن أولى بالرهن من الغرماء حتى يأخذ حقه؛ لأنه عليه وقع البيع، ولو كان هذا الرهن بعد أن صح البيع أو السلف لم يفسخ إلا الرهن وحده
الجزء: 12 - الصفحة: 599
ويأخذه ربه، ويبقى البيع والسلف بلا رهن إلى أجله، ولا يكون المرتهن أحق بهذا الرهن في فلس ولا موت كقوله فيمن له دين على رجل، فأخذ منه قبل الأجل رهنًا على أن يؤخره إلى أبعد من الأجل أنه لا يجوز؛ لأنه سلف بنفع، قال غير ابن القاسم ولا يكون الرهن به رهنًا وإن قبضه في فلس الغريم أو موته.
م وأما إن حل الأجل في مسألة الكتاب ولم يدفع إليه ثمنه أو سلفه، فإنه يصير حينئذ كأنه باعه الرهن بيعًا فاسدًا فيفسخ ما لم يقت ويكون أحق به من الغرماء، وتستوي حينئذ هذه والتي الرهن [فيها] في عقد البيع.
قال مالك فيها: فإن حل الأجل والرهن بيدك أو بيد أمين فقبضته [أنت] الآن بشرطك ذلك لم يتم لك ملك الرهن بما شرطت فيه ولكن ترده إلى ربه ما لم يفت وتأخذ دينك، ولك أن تحبسه حتى تأخذ دينك- يريد أو قيمة سلعتك التي بعت أولاً إن فاتت- قال: وأنت أحق به من الغرماء حتى تأخذ حقك، فإن فات الرهن بيدك بما يفوت به البيع الفاسد من حوالة سوق فأعلى في الحيوان والسلع، وأما الدور والأرضون فلا يفيتها حوالة الأسواق ولا طول الزمان، وإنما يفيتها الغرس والبناء والهدم
الجزء: 12 - الصفحة: 600
وسواء هدمتها أنت أو تهدمت بأمر من الله فذلك فوت، فحينئذ لا يرد الرهن وتلزمك قيمته يوم حل الأجل؛ لأنه بيع فاسد، وقع يوم حل الأجل وأنت للسلعة قابض يومئذ، وتقاصه بدينك وتترادان الفضل.
م قال بعض الفقهاء: وبحلول الأجل تدخل في ضمان المرتهن.
م يريد وإن كان مما لا يغاب عليه؛ لأنه بيع فاسد وقع يوم حل الأجل، وهو قابض للسلعة، فوجب أن يضمنها وإن كانت مما لا يغاب عليه.
قال: واختلف إن كانت بيد أمين، فقيل: يضمنها أيضًا لأن يد ربها ارتفعت عنها، ويد الأمين كيد المرتهن؛ لأنه وكيله بعد حلول الأجل فوجب على المرتهن ضمانها، وقيل: لا يضمنها المرتهن إلا بعد قبضها من عند الأمين؛ لأن الأمين كان حائزًا للبائع فبقى على ذلك الحوز.
م والأشبه أن يكون الضمان من المرتهن وهي بخلاف من اشترى سلعة شراء فاسدًا ونقد ثمنها ودُعي إلى قبضها فهلكت بيد البائع، قال ابن القاسم: ضمانها منه؛ وقال أشهب بل من المشتري.
الجزء: 12 - الصفحة: 601
والفرق بينهما على مذهب ابن القاسم أن البائع وإن قبض الثمن لا يجوز له تسليم المبيع بفساد البيع، فكأنها مبقاة على ملكه ويده عليها بخلاف البيع الصحيح، وها هنا السلعة خرجت من يد البائع إلى يد وكيل لهما إلى وقت حلول الأجل، فيصير وكيلاً للمشتري إذا لم يأت البائع بالثمن فيد وكيل المشتري كيده، وهذا بين.
قال ابن حبيب عن أصبغ عن ابن القاسم: ومن ابتاع عبدًا بيعًا فاسدًا فعثر عليه، وقد فلس البائع، فإنه يفسخ ويباع للمبتاع في ثمنه ويكون أولى به من الغرماء بخلاف ما لو ابتاعه بيعًا صحيحًا فرده بعيب؛ لأنه فيه مخير ولو رضيه كان له، فإذا اختار رده كان أسوة الغرماء والأول يقضي عليه برده وليس هو فيه مخير قال أبو محمد وكذلك قال سحنون: أنه أحق به في البيع الفاسد.
وقال ابن المواز: لا يكون أحق به وهو أسوة الغرماء.
قال ابن حبيب عن أصبغ عن ابن القاسم: ومن ابتاع شيئًا بيعًا فاسدًا على أن يرهن بالثمن رهنًا صحيحًا أو فاسدًا فرهنه إياه وقبضه فإنه أحق به من الغرماء؛ لأنه عليه وقع البيع، وكذلك إن كان البيع صحيحًا والرهن فاسدًا، كمن قال إن جئتك بالثمن إلى سنة وإلا فالرهن لك بالثمن، فهو أحق بالرهن.
م جعل هذا بيعًا صحيحًا وهو لا يدري ما يصح له في ثمن سلعته الثمن الذي باعها به أو الرهن، وهذا بيع فاسد إلا أن يكون بعد تمام البيع كما بيناه.
الجزء: 12 - الصفحة: 602
قال ابن حبيب: وإذا وقع الرهن فاسدًا بعد تمام البيع ولم يشترط في البيع رهنًا، فلا يكون أولى بالرهن؛ لأنه لم يخرج من يده بهذا الرهن شيئًا.
[قال] ابن المواز: ومن له عليك دين لم يحل فسألته أن يؤخرك به بعد الأجل شهرًا على أن تعطيه به رهنًا أو حميلاً لم يجز، وتسقط الحمالة متى علم بذلك، وأما الرهن فيرد إلى ربه إن أدرك قبل أن يدخل في الأجل الثاني، فيصير كسلف لا يحل، وفيه رهن مقبوض، والرهن به ثابت حتى يقضى.
م وهذا خلاف ما في المدونة، وهو قول حسن وهذا مستوعب في الحمالة.
الجزء: 12 - الصفحة: 603
[الباب العشرون]
في الرهن يطلب مقاصة المرتهن بقيمة رهنه في فلسه
قال ابن القاسم: وإذا أخذت رهنًا يغاب عليه في ثمن شيء بعته أو قرض عين أو حيوان أو طعام فهلك الرهن يبدك وقامت عليك الغرماء، ولا مال لك غير الدين الذي على غريمك، فعلى غريمك غرم دينك وله محاصة غرمائك بقيمة رهنه، ولا يكون دينك عليه رهنًا [له] بذلك، ولا له المقاصة به لأنك لم ترهنه إياه.
وقد قال مالك فيمن أسلف رجلاً مالاً ثم اشترى منه سلعة بثمن ولم يذكر أن ذلك من دينه، ثم قامت الغرماء على أحدهما، فلا يكون ما في ذمته له رهنًا بما في ذمة الآخر، ولكنه يغرم ويحاص.
قال ابن المواز: وقال أشهب في مسألة الرهن: إن صاحب الرهن أولى بما عليه حتى يستوفي منه قيمة رهنه/ لأن الراهن لم يدفع رهنه إلا بما قبضه، والمرتهن لم يدفع ماله إلا بالرهن الذي أخذه، فكل واحد منهما بيده وثيقة من حقه.
قال ابن المواز: وهذا أحب إلينا، ولا يشبه هذا مسألة مالك التي احتج بها ابن القاسم، وقال سحنون في غير المدونة: قول ابن القاسم أحسن والله الموفق للصواب.
الجزء: 12 - الصفحة: 604
[الباب الحادي والعشرون]
في اختلاف المتراهنين في الدين وفي الرهن
[فصل 1 - في اختلاف المتراهنين في مبلغ الدين أو في قيمة الرهن]
قال مالك رحمه الله، وإذا اختلف الراهن والمرتهن في مبلغ الدين، فالرهن كشاهد للمرتهن إذا حازه وثيقة له، فإذا كانت قيمته يوم الحكم والتداعي- لا يوم التراهن- مثل دعوى المرتهن فأكثر صدق المرتهن مع يمينه، وإن تصادقا أن قيمته يوم التراهن أقل من ذلك فزاد سوقه، لم أنظر إلا إلى قيمته الآن زادت أو نقصت.
م وإنما كانت القيمة فيه يوم الحكم؛ لأنه يومئذ يستوجبه ويباع له إن لم يوف دينه، وكانت قيمته حينئذ كشاهد له، لاستحقاقه ذلك.
م وقال عبد الوهاب: إنما كان ذلك؛ لأن العادة جارية بين الناس أنما يرتهنون ما يساوي ديونهم أو يقاربها.
م يريد يوم يقضى لهم ببيعه.
قال: فمن ادعى ما يصدقه العرف كان القول قوله.
قال في العتبية وكتاب ابن المواز: إنما ينظر إلى قيمته يوم الحكم إذا كان الرهن قائمًا، كان مما يغاب عليه أم لا، كان على يدي المرتهن أو على يدي أمين.
الجزء: 12 - الصفحة: 605
م وإنما قال ذلك: لأنه إنما يستحق ثمن ما كان قائمًا فهو الذي يكون له شاهدًا.
قال في الكتابين: وأما إن هلك فإنما ينظر إلى قيمته يوم قبضه، ويصدق في قيمته مع يمينه إن كذبه ربه، ويصدق أيضًا فيما ادعاه من الحق إلى مبلغ تلك القيمة تكون قيمته مكانه.
م وإنما قال ذلك؛ لأنه ليس ثم رهن قائم يشهد له، فكان القول قوله إلى مبلغ قيمته يوم القبض؛ لأن عادة الناس أيضًا إنما يرهنون ما يساوي ديونهم، فصارت قيمته حينئذ مكانه.
قال في الكتابين: وأما ما لا يضمنه، فإذا هلك لم تكن قيمته شاهدًا للمرتهن، وإن علمت قيمته بالبينة، وكذلك ما قامت بينة بهلاكه مما يغاب عليه، وكذلك ما كان بيد أمين فهلك لم تكن قيمته كشاهد، ولا يلزم الراهن إلا ما أقر به وإن كان أقل من قيمته.
م لأنه صار كدين عليه لا رهن فيه، فالقول قوله فيه.
م واختلف إن كان الرهن قائمًا بيد الأمين هل يكون شاهدًا أم لا؟
ففي كتاب محمد أنه شاهد كان على يدي المرتهن أو غيره، ولو اختلفا في جنس الدين لكان الرهن شاهدًا للمرتهن فيما يبلغ قيمته مثل أن يقول هو رهن في يدك في مئة دينار، ويقول الراهن في مائة اردب قمح قرضًا، وقيمتها أقل فالمرتهن مصدق مع يمينه.
الجزء: 12 - الصفحة: 606
قال مالك في الكتابين: ومن ارتهن ثوبًا بعشرة بمحضر بينة ثم اختلفا عند الأجل، فقال المرتهن: ازددت مني خمسة أخرى سرًا، والرهن يساوي خمسة عشر، وأنكر الراهن فإن قامت بينة وإلا حلف الراهن وصدق، وهو بخلاف ما لم تكن فيه بينة في أصل المعاملة والرهن.
ومن الرهون قال ابن القاسم: وإذا قال الراهن هو في مئة، وقال المرتهن هو في مئتين، والرهن قائم صدق المرتهن فيما بينه وبين قيمة الرهن يوم الحكم، ويحلف فإن ادعى أكثر من قيمته يوم الحكم لم يصدق فيما زاد عليها، وحلف الراهن على ما قال، فإن حلف فإنما يبرأ من الزيادة على قيمة الرهن ويؤدي مبلغ قيمة الرهن ويأخذه إن أحب، وإلا فليس له أخذه.
قال ابن المواز: وإذا كان الرهن يساوي عشرة وهي التي ادعاها المرتهن أو كان يساوي أكثر من دعواه، لم تكن اليمين إلا عليه وحده، وإن كان الرهن يساوي ما قال الراهن فأقل لم يحلف إلا الراهن وحده؛ لأن يمين المرتهن لا تنفعه، وإن كانت قيمته أكثر مما أقر به الراهن وأقل مما ادعاه المرتهن فها هنا يحلفان، يبدأ المرتهن باليمين؛ لأن الرهن كالشاهد له على قيمته، فإن حلف فليحلف الآخر، فإن نكل لزمه كل ما ادعاه المرتهن وحلف عليه، وإن كان أكثر من قيمة الرهن أضعافًا، فإن حلف الراهن برئ من الزيادة، والمرتهن أولى بالرهن إلا أن يدفع إليه الراهن قيمته ويأخذ رهنه فذلك له، ولا حجة للمرتهن أن يقول لا أدفعه إليك إلا بحقي كله، ولكن
الجزء: 12 - الصفحة: 607
لو قال [المرتهن] من أول لا أحلف إلا على مقدار قيمة الرهن إذ لا آخذه إلا بقيمته، فذلك إليه، وإن نكل المرتهن عن اليمين بما ادعاه أو بمبلغ قيمة الرهن، حلف الراهن ولم يغرم إلا ما حلف عليه، فإن نكل فعليه قيمة الرهن فقط، إن أحب أخذ رهنه وودى قيمته وإلا فالمرتهن أولى به، ويكونان إذا نكلا بمنزلتهما إذا حلفا، قال: ولا ألزم الراهن إذا نكل ما ادعاه المرتهن كاملاً، لأني إنما أحلف المرتهن في الابتداء ليستوجب ما بينه وبين قيمة الرهن لا ما زاد على ذلك؛ لأن الرهن إنما يشهد له بمبلغ ذلك، والراهن إنما استحلفه للزيادة على قيمة الرهن، فلما نكل لم ألزمه الزيادة حتى يحلف عليها مدعيها، فلما تقدم نكوله عنها لم يكن له منها شيء ورجعا إلى قيمة الرهن، بخلاف من أقام شاهدًا فنكل عن اليمين معه، فأحلف المدعى عليه، فنكل أيضًا، هذا يغرم الجميع؛ لأن الشاهد يشهد له بجميع الدين.
ومن العتبية: قال يحيى بن يحيى عن ابن القاسم: وإذا اختلفا في الدين والرهن قائم بيد المرتهن وقيمته خمسة عشر، فقال المرتهن: ارتهنت في عشرين، وقال الراهن في عشرة فصدقنا المرتهن فيما بينه وبين قيمة الرهن وذلك خمسة عشر، فقال الراهن: أنا أقضيك خمسة عشر وآخذ رهني: فليس له ذلك إلا بدفع عشرين.
الجزء: 12 - الصفحة: 608
ولا للمرتهن إلزام الراهن خمسة عشر إذا برئ [الراهن] من الرهن إلى المرتهن، ولا يجبر على أخذه إلا أن يرضى المرتهن بعشرة وإلا بقي للمرتهن.
وقال ابن نافع: إذا دفع الراهن إلى المرتهن قيمة الرهن كان أولى به، وهو تفسير قول مالك في موطئه.
ومن المدونة: قال مالك: وإن قال المرتهن رهنتنيه بمئة دينار، وقال الراهن المئة لك علي ولم أرهنك إلا بخمسين فالقول قول المرتهن إلى مبلغ قيمة الرهن، فإن لم يسو الرهن إلا خمسين فعجل الراهن خمسين قبل الأجل ليأخذ رهنه، وقال المرتهن: لا أسلمه حتى آخذ المئة، فللراهن أخذ رهنه إذا عجل الخمسين قبل أجلها، وتبقى عليه خمسون بلا رهن، ويقبل قول الراهن ها هنا مع يمينه؛ لأنه لا يتهم إذا أعطاه قيمة الرهن، ألا ترى أن الراهن لو أنكر الخمسين الأخرى لم تلزمه فكذلك لا يلزمه بقاء رهنه في أكثر من قيمته.
[قال] ابن المواز: وقال أشهب: لا يأخذ الرهن حتى يدفع المئة كلها بعد يمين المرتهن: قال ابن المواز: والصواب قول ابن القاسم.
م وأما إذا لم يحل الأجل فالصواب قول أشهب إذا كان لدعوى المرتهن وجه مثل أن يكون للرهن سوق عند محل الأجل؛ لأن المرتهن يقول: الرهن يساوي عند محل الأجل مئة ولذلك ارتهنته بها، فليحلف ويبقى رهنًا إلى الأجل إلا أن يعجل
الجزء: 12 - الصفحة: 609
له الراهن المئة، فيأخذ رهنه، وكذلك لو اختلفا في الدين/ لحلف أيضًا المرتهن وبقي رهنًا إلى الأجل إذا كان لدعواه وجه كما ذكرنا.
وإن اختلفا ها هنا في الدين عند الأجل، فإذا دفع الراهن قيمة رهنه، وحلف على دعوى المرتهن، كان له أخذ الرهن، وكذلك إن لم يكن لدعوى المرتهن وجه قبل الأجل، فالصواب قول ابن القاسم في ذلك وبالله التوفيق.
فصل [2 - في اختلاف المتراهنين في قيمة الرهن بعد ضياعه]
ومن المدونة: قال ابن القاسم: وإذا ضاع الرهن عند المرتهن فاختلفا في قيمته تواصفاه ويكون القول في الصفة قول المرتهن مع يمينه، ثم يدعى لتلك الصفة المقومون، ثم إن اختلفا في الدين صدق المرتهن إلى مبلغ قيمة تلك الصفة.
قال ابن المواز: ويقبل قول المرتهن في الصفة وإن كانت قيمة ذلك يسيرة إلا في قول أشهب، فإنه يقول: إلا أن يتبين كذبه لقلة ما ذكر جدًا.
م إنما أعرف ينحو إلى مثل هذا ابن القاسم.
فصل [3 - في اختلاف المتراهنين في عين الرهن]
ومن العتبية: قال أصبغ فيمن رهن رهنًا بألف دينار فجاءه ليقبضه فأخرج المرتهن رهنًا يساوي مائة دينار، وقال الراهن ليس هذا رهني، وقيمة رهني ألف دينار، وذكر صفة تساوي ألفًا، فالراهن مصدق مع يمينه؛ لأنه ادعى ما يشبه
الجزء: 12 - الصفحة: 610
وادعى المرتهن ما لا يشبه، فإذا حلف سقط عنه من الدين مقدار قيمة رهنه، وقال أشهب: القول قول المرتهن وإن لم يساو إلا درهمًا واحدًا، فليس هذا بشيء، وقال عيسى عن ابن القاسم نحو قول أشهب.
[قال] ابن حبيب: وقاله ابن عبد الحكم وبه أقول.
م كما لو قال لم ترهني شيئًا.
[فصل 4 - في المرتهن يضيع أحد ثوبي الرهن واختلاف المتراهنين فيما وقع عليه الرهن]
ومن المدونة: قال ابن القاسم: وإن رهنته ثوبين فضاع عنده أحدهما فاختلفا في قيمته، صدق المرتهن في قيمته مع يمينه وسقط من الدين مبلغ قيمة الثوب الذاهب، وإذا كان بيد المرتهن عبدان فادعى أنهما رهن [بألف]، وقال الراهن رهنتك بالألف أحدهما وأودعتك الآخر، فالقول قول الراهن لأن من ادعى في سلعة بيده أو عبد أن ذلك رهن وقال ربه: بل عارية أو وديعة صدق ربه مع يمينه.
وفي كتاب محمد: إذا كان له دين بذكر حق لم يذكر فيه رهن، فقال رب الدين: هذا الرهن له عندي بمئة أخرى غير المئة التي في الكتاب، وقال الراهن: بل مالك عندي غير المئة التي في الكتاب وفيها هذا الرهن.
الجزء: 12 - الصفحة: 611
فقال ابن القاسم مرة أن القول قول الراهن؛ لأنه لو قال هو وديعة لكان القول قوله، وقال أيضًا قد أقر أنه رهن فيجب أن يكون رهنًا بالمئة الأخرى إلا أن تكون قيمته أقل.
م ولأنه لو كان بالمئة التي فيها الكتاب لذكر ذلك فيه، قال بعض الفقهاء: والأول أشبه؛ لأن إقراره بأنه رهن لا يوجب عليه به دين آخر مع إمكان أن يكون الرهن رهنًا بالمئة التي بذكر الحق.
ومن المدونة: ولو كان نمطًا وجبة فهلك النمط فقال المرتهن: أودعتنيه والجبة رهن، وقال الراهن: النمط هو الرهن، والجبة وديعة، فكل واحد مدع على صاحبه فلا يصدق الراهن في تضمين المرتهن لما هلك، ولا يصدق المرتهن أن الجبة رهن ويأخذها ربها- يريد ويحلفان-.
فصل [5 - في دعوى المرتهن أنه رد الرهن للراهن]
قال ابن القاسم: ومن ارتهن رهنًا بغير بينة ثم زعم أنه رده وأخذ دينه وأنكر الراهن رده، فليحلف الراهن ويضمنه المرتهن.
وقال مالك في الراهن يقبض الرهن ثم قام المرتهن بطلب دينه أو بعضه فزعم الراهن أنه دفعه إليه وأخذ رهنه، فليحلف الراهن ولا شيء عليه.
الجزء: 12 - الصفحة: 612
وقال سحنون: إذا ادعى الراهن أنه لم يقبض الرهن إلا بعد دفع الحق، وقال المرتهن بل سرقته مني أو اختسلته أو أعرتك إياه فالقول قول المرتهن في جميع ما ذكر من العذر إذا كان قيامه/ بحدثان حلول الأجل مع يمينه، فإن نكل حلف الراهن وبرئ كالصناع يقومون بالأجر بحدثان دفع المتاع.
فصل [6 - فيمن يؤمر برهن سلعة ثم يختلف مع الآمر في مبلغ الرهن]
ومن الوكالات قال ابن القاسم: وإن أمرت رجلاً يرهن لك سلعة فقال: أمرتني برهنها في عشرة ففعلت ودفعت العشرة إليك، وصدقه المرتهن، وقلت أنت: بل في خمسة وقد قبضها أو قلت لم أقبضها، فالقول قول المرتهن فيما رهنه به إن كانت قيمة الرهن مثل ما قال، والقول قول الوكيل فيه وفي دفعه إليك.
وقال المخزومي: وإن أعرته إياها ليرهنها لنفسه لم تكن رهنًا إلا بما أقررت به، والمستعير مدع.
م لأنه معروف صنعه فوجب أن يكون القول قوله فيه ثم لا تكون قيمته كشاهد المرتهن؛ لأن ربه قد استحقه وبقي الدين كدين لا رهن فيه، فيكون القول قول الراهن إلا أن يدعي أقل مما ادعاه المعير فلا يصدق حينئذ، ويصدق المرتهن لأنه رهن له بذلك، ويباع له فيه إن أعدم المرتهن.
قال ابن المواز عن مالك: ومن أرسل رسولاً يرهن له ثوبًا وقال: أمرته أن يرهنه في خمسة فوصلها إليّ، وقال الرسول: بل في خمسة عشر، وقال المرتهن في عشرين وقيمة الثوب عشرة، فإنه يحلف المرتهن ثم يحلف رب الثوب ثم يغرم ربه عشرة قيمة
الجزء: 12 - الصفحة: 613
الثوب إن أحب أخذه، ثم يحلف الرسول يمينين، يمينًا لرب الثوب لقد أوصل إليه عشرة، ويمينًا للمرتهن ما رهنه عنده إلا في خمسة عشر ويغرم له خمسة.
ومن العتبية: قال سحنون روى عيسى عن ابن القاسم: وإذا قال الراهن بخمسة أمرته وأقام بينة وصدقه الرسول، غرم الآمر خمسة وأخذ رهنه، وحلف الرسول للمرتهن وبرئ ولم يطالبه المرتهن بشيء وإن لم تكن له بينة وقال المرتهن بعشرة، فالمرتهن مصدق فيما بينه وبين قيمة الرهن مع يمينه، ثم يقال للآمر افتك رهنك بقيمته أو دعه بما فيه، وإن كانت دعوى المرتهن أكثر من قيمة الرهن أحلف الرسول ما رهنه إلا بخمسة وبرئ ولم يطالبه الآمر ولا المرتهن بشيء.
قلت لابن القاسم: فإذا أقام الراهن بينة وأخذ رهنه وودى خمسة لم لا يرجع المرتهن على الرسول بخمسة إذا كان الرهن يساوي عشرة؟ قال: لأن الرهن الذي كان يصدق به انتزع بالبينة منه، وإنما هو مدع لا حجة له بقيمة الرهن، وقد حلف له الرسول، وكل رهن استحق فأخرج من يدر المرتهن فلم يبق له ما يصدق قوله به فالقول فيه قول الراهن مع يمينه فيما يقول أنه رهنه فيه.
وقد قال مالك: إذا مات العبد الرهن فكانت قيمته عشرة وقال المرتهن هو في عشرة، وقال الراهن في دينارين، أن الراهن مصدق مع يمينه، وكل رهن رهنه فيه رجل فكان عنده وديعة أو عارية فاستحقه ربه فأخذه، فإنه يرجع القول قول
الجزء: 12 - الصفحة: 614
الراهن في الدين، ويحلف، وهذا قولنا وأما العراقيون أجمع فيقولون إن المرتهن مدع، وإن كان الرهن قائمًا بيده، وفي قيمته ما يدعى، فكيف إذا زال الرهن من يده والصواب ما قلت لك إن شاء الله.
[فصل 7 - فيمن مات وبيده رهن]
قال في النوادر: وكذلك من مات وبيده رهن، وقد قال لورثته هو رهن لفلان، ولم يذكر بكم هو رهن، فإن القول قول الراهن في الدين مع يمينه، ولا ينظر إلى قيمة الرهن في هذا.
م العلة في هذا أن الراهن يدعي علمًا، وهؤلاء لا يعلمون ولا يدعون تكذيبه فكان القول قوله، والعلة في الأولى أن الراهن أقيم كالشاهد مع دعوى المرتهن، فإذا زال من يده صار مدعيًا بلا شاهد، والراهن غارم مدعى/ عليه، فكان القول قوله.
الجزء: 12 - الصفحة: 615
قال في العتبية وكتاب ابن المواز فيمن هلك وبيده سيف رهن قيمته خمسة دنانير، وقال ربه رهنته في دينار، وجهل الورثة في كم رهنه، فليحلف ربه ويأخذه ويؤدي دينارًا.
ولو قال رهنته في خمسة وقضيت أربعة لم يصدق ولا يأخذه حتى يؤدي خمسة إذا كان يساوي خمسة، لإقراره بأصل الحق، مع أن الورثة لا حقيقة عندهم من دعواه القضاء.
قال ابن المواز: ولا يأخذه حتى يؤدي خمسة، سَويِ السيف خمسة أو دينارًا أو أقل.
قال سحنون عن أشهب: ويحلف له من كان بالغًا من ورثته ممن يظن به علم ذلك أنه ما علم أن أباه اقتضى منها شيئًا ولا يمين على صغير أو غائب.
الجزء: 12 - الصفحة: 616
[الباب الثاني والعشرون]
فيمن باع على رهن فلم يقبضه حتى فلس الراهن أو باعه ولم يوجد له رهن
قال: وإن بعت من رجل سلعة على أن يرهنك عبده ميمونًا بحقك، ففارقته قبل أن يقبضه لم يبطل الرهن، ولك أخذه منه رهنًا ما لم يقم عليه الغرماء، فتكون أسوتهم، فإن لم تقبضه منه حتى باعه مضى البيع، وليس لك أخذه برهن غيره؛ لأن تركك إياه حتى باعه كتسليمك لذلك، وبيعك الأول غير منتقض.
قال أبو محمد: يريد لطول تركك إياه حتى باعه، وأما إن بادر الراهن فباعه بقرب ذلك لم يبطل الرهن، ويكون ثمنه رهنًا.
وكذلك ذكر ابن المواز وكما قال أشهب إذا كاتبه قبل القبض، تكون الكتابة رهنًا.
وضعف محمد يمين الراهن لعدم من يدعي خلاف ذلك، وهذا أيضًا إذا دفع البائع السلعة المشتراة، وأما إذا لم يدفعها فباع المشتري الرهن قبل القبض فها هنا لا يلزمه تسليم إلا أن يدفع إليه رهنًا، وسواء ها هنا تراخي في قبض الرهن أو أقام بالحضرة، ولم يختلفوا إذا دبّره قبل القبض أن خدمته لا تكون رهنًا لأنها غلة.
الجزء: 12 - الصفحة: 617
ومن المدونة: قال ابن القاسم: وإن بعت منه سلعة بثمن إلى أجل على أن تأخذ به رهنًا ثقة من حقك فلم تجد عنده رهنًا، فلك نقض البيع وأخذ سلعتك أو تركه بلا رهن.
[قال] ابن المواز: قال أشهب: وكذلك على أن يعطيه حميلاً، قال: ويجبر ها هنا على أن يعطيه رهنًا أو حميلاً إن طلبه البائع حتى يعلم أنه لا يقدر على ذلك.
قال ابن القاسم فيه وفي المدونة: وإن باعه على أن يرهنه عبدًا غائبًا فجائز وتوقف السلعة حتى يقدم العبد، فإن هلك العبد الغائب لم يكن للراهن أن يقول له: أنا أدفع إليك رهنًا مكانه إلا أن يرضى البيع البائع.
[قال] ابن المواز: قال أشهب: وإن كانت غيبة الرهن بعيدة لم يجز البيع إلا أن يكون الرهن دارًا أو أرضًا ويقبض السلعة المشتري؛ لأن النقد في بيع الدور الغائبة يجوز، وأما إن كان العبد الرهن قريب الغيبة مثل يوم أو يومين فالبيع جائز.
قال ابن الماجشون في المجموعة: وإن باعه وشرط رهنًا بعينه فاستحق ولم يغره فلا بدل عليه، فإن اتهم على أن يكون غره حلف أنه ما رهنه عالمًا بذلك، فإن قامت عليه بينة فعليه البدل، فإن قبضه فمات فلا شيء له غيره والبيع تام.
قال ابن القاسم: وإن مات بيد راهنه قبل أن يحاز عنه فالبائع مخير بين إمضاء البيع أو رده؛ لأنه باعه على أن يوصله إليه.
الجزء: 12 - الصفحة: 618
الباب الثالث والعشرون]
في ارتهان العصير والخمر وتخليله وما يجوز ارتهانه ومن يجوز ارتهانه
[الفصل 1 - في ارتهان العصير والخمر وتخليله]
قال ابن القاسم: ومن ارتهن عصيرًا فصار خمرًا فليرفعها إلى الإمام لتهراق بأمره؛ لأن مالكًا قال: إذا وجد الوصي في التركة خمرًا فلا يهرقها إلا بأمر السلطان، خوفًا من أن يتعقب بأمر يأتي من يطلبه فيها.
قال بعض فقهائنا القرويين: إنما يعني خوفًا من أن يكون الإمام ممن يرى تخليلها وإذا رفعت إليه، فلذلك أمره برفعها إليه.
قال مالك: وإذا ملك المسلم خمرًا أهريقت عليه ولا يخللها، فإن أصلحها فصار خلاً فقد أساء ويأكله.
[الفصل 2 - في ارتهان جلود السباع ورهن ما لا يجوز بيعه
في وقت دون آخر]
ولا بأس برهن جلود السباع المذكاة وبيعها، دبغت أم لا، ويجوز ارتهان ما لا يجوز بيعه في وقت، وقد يجوز بيعه بعد ذلك مثل زرع أو ثمر لم يبد صلاحه.
م لأن ذلك مبقى على ملك صاحبه وهو لا يباع حتى يبدو صلاحه.
قال مالك: فإن ارتهنت ذلك منه ذلك ثم مات الراهن قبل أجل الدين ولم يبد صلاح الزرع أو التمر، حل الدين الذي لك عليه بموته وتعجلت دينك من ماله، وسلمت الرهن لورثته، وإن لم يدع مالاً انتظرت إلى أن يحل بيع ما ذكرنا فيباع،
الجزء: 12 - الصفحة: 619
وتأخذ دينك من ثمنه، وإن فلس الراهن أو مات فقام غرماؤه، والذي بيدك من الرهن لم يبد صلاحه، فإن المرتهن يحاص الغرماء بجميع دينه الآن ويترك الرهن، فإذا حل بيعه بيع، فإن كان ثمنه مثل دينه أو أزيد قبض منه دينه، ورد زيادة إن كانت مع ما كان أخذ في الحصاص فكان بيد الغرماء، وإن كان ثمنه أقل من دينه نظر إلى ما كان بقي له من دينه بعد مبلغ ثمن الزرع، فعلمت أن بمثله كان يجب له الحصاص أولاً، فما وقع له على ذلك أخذه، فليحسبه مما كان أخذ أولاً ويرد ما بقي فيتحاص فيها الغرماء، وقد تقدم هذا في كتاب التفليس.
قال في كتاب الصلح: وقد جوز أهل العلم ارتهان الغلات ولم يجوزوا ارتهان الأجنة.
[قال] ابن المواز: ويجوز ارتهان البعير الشارد والعبد الآبق إن قبضه قبل موت صاحبه أو فلسه، قلت له: أيجوز ارتهان ما تلده هذه الجارية أو هذه الغنم؟ فلم يذكر محمد جوابًا.
قال أبو محمد: والمعروف لمالك أنه لا ترهن الأجنة.
قال أحمد بن ميسر: ذلك جائز كما يرتهن العبد الآبق والبعير الشارد، ويصح بالقبض، وكذلك إذا ولدت الغنم كان أولادها رهنًا وإن كان أوله مكروهًا.
فصل [3 - في الحكم بين أهل الذمة في الرهن والمكاتب يرهن
أو المأذون له في التجارة]
ومن المدونة: قال ابن القاسم: ويحكم بين أهل الذمة في تظالمهم في الرهان، وإذا رهن المكاتب أو ارتهن جاز ذلك إن أصاب وجه الرهن؛ لأنه جائز البيع والشراء، وكذلك العبد المأذون له في التجارة، وإذا وجد السيد مع المكاتب قبل حلول أجل الكتابة مالاً فيه وفاء بالكتابة أو أقل فليس له أخذه، وإن أعطاك أجنبي رهنًا بكتابة مكاتبك لم يجز ذلك، كما لا يجوز الحمالة بها، وإذا خاف المكاتب العجز جاز أن يرهن أم ولده، وأما ولده فلا كالبيع.
الجزء: 12 - الصفحة: 620
[الباب الرابع والعشرون]
في الراهن يحدث في الرهن عتقًا أو كتابةً أو تدبيرًا أو وطئ الأمة هو أو المرتهن او أقر الراهن أن الرهن لغيره
[الفصل 1 - في الراهن يحدث في الرهن عتقًا أو كتابةً أو تدبيرًا]
ولما كان الرهن وثيقة للمرتهن لم يجز للراهن أن يحدث فيه ما يبطله، فإن فعل عجل دينه.
قال مالك: ومن رهن عبدًا ثم أعتقه، قال ابن القاسم: أو كاتبه جاز ذلك إن كان مليئًا وعجل له الدين، زاد في رواية أخرى/ أو يكون في ثمن الكتابة إذا بيعت وفاء للدين فتجوز الكتابة.
م ويعد عتقه للعبد رضا منه بتعجيل الدين؛ لأن الرجوع في الرهن لا يجوز، ورد العبد في الرق لا يجوز، فلم يبق إلا تعجيل الحق.
قال ابن القاسم: وأما عن دبره جاز وبقي رهنًا على حاله؛ لأن للرجل أن يرهن مدبره، وروى ابن وهب عن مالك: أن التدبير مثل العتق سواء.
الجزء: 12 - الصفحة: 621
قال سحنون في المجموعة: ورواية ابن وهب أحسن من قول ابن القاسم الذي قال فيه يبقى رهنًا مدبرًا كما يرهن المدبر.
قال سحنون: هذا والتدبير سابق للرهن، فدخل فيها أن لا يباع إلا بعد موت الراهن وهذا أحدث التدبير فأضر به بتأخير بيعه في عدمه، وقد يحل حقه إلى قريب، وأما في الكتابة فتمضي إن كان له مال يؤخذ منه الدين، وإن لم يكن له مال، وفي الكتابة إن بيعت وفاء الدين جازت وبيعت.
م ولعل ابن القاسم يريد في المدبر بعد الارتهان أنه يبقى مدبرًا، وهو رهن بيد المرتهن، فإن مات السيد وهو ملئ تعجل المرتهن دينه من تركته، وعتق المدبر في ثلثه، وإن حل الأجل والسيد حي وهو ملئ ودى الدين وبقي العبد مدبرًا، فإن لم يكن له مال بيع المدبر في الدين كما قال ابن المواز، ولا تلزمه علة سحنون أنه يضربه في تأخير بيعه في عدمه.
م وقال بعض الفقهاء: وقول ابن وهب أبين، وذلك أنه إذا كان موسرًا يوم دبره، فإن أنت ألزمته آداء الثمن ثم التدبير وتمت الكتابة، وإن أبقيته حتى يحل الأجل فقد يعسر بالثمن، فيؤدي ذلك إلى إبطال التدبير، وكذلك إذا كاتب وهو موسر أدى الدين وتمت الكتابة، وقد اتفق ابن القاسم وابن وهب على هذا.
وقال محمد: يبقى مكاتبًا، والصواب أن يعجل الدين في ملائه، إذ قد يعسر عند الأجل، فلا يكون في ثمن الكتابة إن بيعت وفاء بالدين فتبطل الكتابة كلها عنده.
الجزء: 12 - الصفحة: 622
ومن المدونة: قال ابن القاسم: وإن أعتقه قبل محل الدين لم يكن له أن يرهنه سواه حتى يحل الأجل، وليعجل له حقه في ملائه، وإن كان عديمًا بقي العبد كما هو رهن، فإن أفاد السيد قبل الأجل مالاً أخذ منه الدين ونفذ العتق، وإن لم يفد السيد شيئًا بيع في الدين كله إن لم يكن في ثمنه فضل وإن كان في ثمنه فضل بيع منه ما بقي بالدين وعتق ما بقي.
وفي كتاب ابن المواز قال: وتعدي الراهن في العتق كتعديه في البيع عند مالك، قبل قبض الرهن أو بعده إن كان مليئًا، وقاله ابن القاسم وأشهب.
وقال ابن القاسم في الكتابة هي مثل العتق، يمضي ذلك ويعجل للمرتهن حقه عن كان ذلك بعد أن قبض الرهن، وأما التدبير فإنه يبقى رهنًا بحاله بيد مرتهنه؛ لأن المدبر يرهن.
[قال] ابن المواز: وكذلك الكتابة مثل التدبير، وقال أشهب: هما مثل العتق، إن كان مليئًا أخذ منه الحق معجلاً إن كان ذلك بعد الحيازة، وإن لم يكن مليئًا بقي ذلك مرتهنًا بيد المرتهن بحاله، فإن ودى المرتهن الدين نفذ ما صنع الراهن، وإن لم يؤده بطل صنعه وبيع ذلك، فإن كان في بعض ثمنه وفاء بيع في العتق بقدر الدين، وعتق ما بقي.
قال أشهب: وأما في الولادة والتدبير والكتابة فيباع ذلك كله، فيكون فضل ثمنه لسيده، إذ لا يكون بعض أم ولد ولا بعض مكاتب ولا بعض مدبر.
الجزء: 12 - الصفحة: 623
قال ابن المواز: وأما في التدبير والكتابة فيبقى رهنًا بحاله؛ لأن الكتابة مما يباع، فإن تم الأجل وفيها وفاء بيعت، وإن كان فيها فضل لم يبع منها إلا بقدر الدين، وإن لم يكن فيها وفاء إلا بيع الرقبة بيعت الرقبة، وكذلك المدبر إذا حل الأجل بيع كله، ولا يجوز بيع شيء منه على أنه مدبر على حالة ولا على أن يقاويه فيه، وأما إذا أولد الراهن الأمة فيجوز أن يباع بعضها ويبقى باقيها بحساب أم ولد.
م وكذلك يباع بعض المدبر على أنه رقيق للمبتاع، ويبقى باقيه مدبرًا لجواز تدبير أحد الشريكين نصيبه بإذن شريكه، ولا يجوز ذلك في المكاتب.
[قال] ابن المواز: قال أشهب: وإن كان هذا كله قبل حوز الرهن، فهو كله نافذ ولا رهن له في العتق وحده، ولا يعجل له الحق، وأما في التدبير والكتابة فللمرتهن قبض رهنه، فيبقى بيده رهنًا وهو مكاتب أو مدبر، وتكون الكتابة رهنًا معه، ولا تكون خدمة المدبر رهنًا إلا أن تشترط في أصل الرهن، وأما الكتابة فكالرقبة ولا كالغلة والخدمة.
قال ابن المواز: الكتابة كالغلة؛ لأنها لا تكون رهنًا إلا أن يشترطها في أصل الرهن.
قال: ولو كان عتق الراهن بعد قبض المرتهن وليس بملئ فإن لم يكن في ثمنه فضل لم يبع منه شيء، ولم يعتق [منه شيء] حتى يحل الأجل، وقاله مالك، وإن كان
الجزء: 12 - الصفحة: 624
فيه فضل بيع بقدر الدين وعتق ما بقي، وإن لم يوجد من يبتاع بعضه بيع كله، فما فضل عن الدين فلسيده أن يصنع به ما شاء.
م لأنه لا يباع كله إلا أن يحل الأجل، لعل السيد أن يفيد مالاً فيعتق كله أو بعضه.
قال أشهب: وإن كان للسيد مال عتق مكانه وإن لم يحل الأجل وقضى المدين الدين الآن، فإن لم يكن له مال فقضى العبد الدين من ماله فهو أيضًا حر مكانه، ولا رجوع له بذلك على سيده.
ومن المدونة: وكذلك قال ابن القاسم إذا أعتق المديان- يريد أو الراهن- عبده الرهن فأراد الغرماء رد العتق وبيع العبد، فقال لهم العبد: خذوا دينكم مني ولا تردوا عتقي، أو تبرع لهم بذلك أجنبي، فذلك للعبد ولا يرد العتق.
م قال بعض الفقهاء: وينبغي أن لو رضي أن يسلف سيده ذلك، أن له الرجوع عليه به؛ لأن الغرماء لو شاؤا أن يصبروا بدينهم ويجيزوا عتقه، كان
الجزء: 12 - الصفحة: 625
ذلك لهم؛ لأنه يعتقه رضي ببقاء الدين في ذمته، إلا أن يقال أن عتقه في العبد لم يكن عتقًا يتم إلا بقضاء الدين، فصار كأنه أدى الدين وهو في ملك سيده، وفي هذا نظر؛ لأن السيد لو أعتقه وللعبد على سيده دين ولم يكن استثنى ماله لوجب أن يجوز عتقه ويبقى دينه في ذمة سيده، وليس له أن يرد عتق نفسه لمكان ماله على سيده من دين؛ لأنه إذا رد عتق نفسه كان أضر به؛ لأن السيد حينئذ أخذ ماله فلا فائدة له في هذا، فلأن يكون حرًا ويتبع السيد بدينه أولى من أن يرد عتق نفسه ويأخذ سيده ماله إذا شاء، كما قيل إذا زوج عبدًا من أمته وقبض صداقها وأعتقها ولا مال للسيد، فاختارت نفسها فقال الزوج أنا أطلب السيد بالصداق الذي قبض مني، فأراد فيه عتق الأمة.
فقيل: لا يكون لها خيار وتبقى حرة تحته؛ لأن اختيارها للطلاق يوجب سقوط عتقها، فوجب أن لا يكون لها خيار؛ فلأن تبقى حرة تحت عبد خير من إرقاقها المؤدي إلى اسقاط اختيارها، ولم يجعل أن العتق بمضي؛ لأن إيجاب الصداق على السيد إنما حدث بعد العتق باختيارها كما قال في المدونة إذا أخذ مهر أمته وأعتقها ثم طلقها الزوج أنه دين حدث بعد الطلاق، ولا يرد به العتق.
م ولا فرق بينهما، وإنما ذلك اختلاف قول، فهذا يجري على قول من قال أن الزوج إذا طلق قبل البناء أن نصف الصداق الذي يرجع إلى الزوج فائدة، وقد تقدم هذا.
الجزء: 12 - الصفحة: 626
[الفصل 2 - في الراهن أو المرتهن يطآن الأمة الرهن]
قال ابن القاسم: ومن رهن أمته ثم وطئها فأحبلها، فإن وطئها بإذن المرتهن أو كانت مخلاة تذهب وتجيء في حوائج المرتهن، فهي أم ولد الراهن، ولا رهن للمرتهن فيها، وإن وطئها على وجه التسور والغصب بغير إذن المرتهن، عجل الحق إن كان مليئًا وكانت له أم ولد، وإن لم يكن له مال بيعت الجارية بعد الوضع وبعد حلول الأجل، ولا يباع ولدها وهو حر ولا حق النسب، فإن نقص ثمنها عن دين المرتهن اتبع السيد بذلك.
وروى ابن القاسم أيضًا عن مالك أنه إذا لقيها في تصرفها فوطئها فحملت فلتباع دون الولد- يريد تباع بعد الأجل والوضع- إلا أن يكون له مال، وقال به سحنون.
ومن المدونة: وإن وطئها المرتهن فولدت منه لزمه الحد ولم يلحق به الولد، وكان مع الأم رهنًا وعليه للراهن ما نقصها الوطء، بكرًا كانت أو ثيبًا إذا أكرهها، وكذلك إن طاوعته وهي بكر، وإما إن كانت ثيبًا فلا شيء عليه، والمرتهن وغيره في ذلك سواء.
الجزء: 12 - الصفحة: 627
م والصواب أن عليه ما نقصها وإن طاوعته بكرًا كانت أو ثيبًا، وهو أشد من الإكراه؛ لأنها في الإكراه لا تعد زانية وفي الطوع هي زانية، فقد أدخل على سيدها فيها عيبًا، فوجب عليه غرم قيمته، ونحو هذا في كتاب المكاتب أن الأجنبي عليه بكل حال ما نقصها.
م وقال أشهب: إن طاوعته فلا شيء عليه مما نقصها وإن كانت بكرًا كالحرة.
م ووجه هذا كأنه رأى أن ذلك من مهر البغي كالحرة، وقول ابن القاسم أولى؛ لأن الأمة كسلعة، أدخل على سيدها فيها نقصًا، وكما لو قطع يدها فوجب عليه غرم ما نقصها ولم يكن ذلك من مهر البغي؛ لأنه لم يصل إلى الزانية كما هو في الحرة، وذلك مفترق والله أعلم.
ومن المدونة: قال ابن القاسم: ولو اشترى المرتهن هذه الأمة وولدها لم يعتق عليه ولدها؛ لأنه لم يثبت نسبه منه.
فصل [3 - في الراهن يقر أن العبد لغيره]
قال ابن القاسم: ومن رهن عبدًا ثم أقر أنه لغيره لم يجز إقراره في هذا.
قال ابن حبيب: قال ابن القاسم وأشهب: إذا أقر أنه لغيره قبل أن يقبضه المرتهن فالمقر له أولى به، كان الراهن مليئًا أو معدمًا، وإن كان بعد أن قبضه، فإن كان للمقر مال أخذ منه الدين ودفع للمرتهن وإن لم يحل أجله، ودفع العبد إلى المقر له، وإن كان المقر عديمًا، فالمقر له مخير في أن يضمنه قيمته ويتبعه بها دينًا، وإن شاء انتظر بالعبد إلى حلول أجل الحق لعل المقر يفيد مالاً إلى ذلك الأجل فيقضي منه المرتهن حقه ويأخذ هذا عبده، وإن حل الأجل ولم يفد شيئًا بيع العبد في الدين واتبع المقر له المقر بقيمة العبد يوم أقر به.
وقد تقدم أن من ارتهن عبدًا بماله أنه لا يدخل ما وهب له من مال في الرهن وقيل يجب أن يدخل.
الجزء: 12 - الصفحة: 628
[الباب الخامس والعشرون]
فيمن استعار شيئًا ليرهنه وكيف إن تعدى هو فيه أو أعتقه المعير
[فصل 1 - فيمن استعار سلعة ليرهنها]
قال مالك رحمه الله: ومن استعار سلعة ليرهنها جاز ذلك، ويقضى للمرتهن ببيعها إن لم يؤد الغريم ما عليه، ويتبع المعير المستعير بما أدى عنه من ثمن سلعته.
وقال في رواية يحيى بن عمر يتبعه بقيمتها.
قال يحيى: بما أدى عنه أصوب، وقاله أشهب.
ولو هلكت السلعة عند المرتهن وهي مما يغاب عليه لأتبع المعير المستعير بقيمتها- يريد وكذلك يلزم المرتهن-.
قال مالك: وإن كانت مما لا يغاب عليه لم يضمنها المستعير ولا المرتهن.
ومن أعرته سلعة ليرهنها في دراهم مسماة فرهنها في طعام فقد خالف، وأراه ضامنًا.
م وإنما يضمن إذا أقر له المستعير بذلك وخالفها المرتهن ولم يشأ المعير أن يحلف فيكون رهنه رهنًا فيما أقر به من الدراهم، فإذا لم يحلف كان له تضمين المستعير بتعديه، ونقلها أبو محمد: ومن أعرته عبدًا ليرهنه في دراهم فرهنه في طعام، فهو ضامن بتعديه، قال: وقال أشهب: لا ضمان عليه في العبد، ويكون رهنًا في عدد الدراهم التي رضي بها السيد.
م يريد إذا حلف أو أقر له المرتهن بذلك فيتفق القولان والله أعلم.
الجزء: 12 - الصفحة: 629
[فصل 2 - من استعار عبدًا ليرهنه فرهنه ثم أعتقه المعير]
ومن المدونة: ومن استعار عبدًا ليرهنه فرهنه ثم أعتقه المعير، فإن كان المعير مليئًا جاز العتق وقيل له عجل الدين لربه إذ أفسدت عليه رهنه إلا أن تكون قيمة العبد أقل من الدين فلا يلزمه إلا قيمته، ويرجع المعير على المستعير بذلك بعدما حل أجل الدين لا قبله.
قال ابن المواز: وخالفه أشهب ولم يره بمثل الذي عليه الدين نفسه يعتق عبده بعد أن رهنه، ورآه، مثل من أعتق عبده بعد أن جنى، أن يحلف المعير ما أعتقه ليؤدي الدين ويبقى رهنًا حتى يقبض حقه من ثمنه إن بيع أو يبرأ فينفذ فيه العتق، وإن نكل غرم الأقل من قيمته أو الدين ونفذ عتق العبد.
قال ابن المواز: وقول ابن القاسم أحب إلي؛ لأن الجناية أخرجت العبد من ملك ربه إلا أن يفديه، وهذا لم تخرجه عاريته من ملكه ولا من ماله، وغيره يفديه إلا أن يكون المستعير قد هلك عن إياس أن يكون له شيء فيكون كما قال أشهب والله أعلم.
الجزء: 12 - الصفحة: 630
[الباب السادس والعشرون]
جامع القول في مسائل مختلفة من الرهون وغيرها
[فصل 1 - في الراهن يشترط إن مضت السنة فليس برهن وفيمن قال
لعبده أد إليّ الغلة والمأذون له يشتري من يعتق على سيده]
قال مالك رحمه الله: ومن رهن رهنًا على أنه إن مضت سنة خرج من الرهن، ولا يعرف هذا من رهون الناس ولا يكون هذا رهنًا.
قال ابن المواز: وإن مات الراهن أو أفلس دخل فيه الغرماء.
ومن قال لعبده أدّ إليّ الغلة لم يكن بهذا مأذونًا له، وإذا اشترى المأذون من قرابة سيده من لو ملكهم سيده عتقوا عليه وهو يعلم لم يجز ذلك، كما لو أعطاه [سيده] مالاً يشتري له عبدًا فاشترى من يعتق على سيده لم يجز ذلك، ولم يجز له ان يتلف مال سيده.
م واختلف فقهاؤنا هل يفسخ شراؤه أم لا؟
فقال بعضهم: لا يفسخ شراؤه ويباعوا، لئلا يظلم البائع منه.
وقال غيره: يفسخ شراؤه؛ ولا حجة للبائع لأن العبد تعدى في شرائه.
م وهو الصواب إذ قد يخسر فيه، فيصير قد أتلف مال سيده، أو يربح فيه فيصير ابتاع حرًا ممن يعتق عليه.
الجزء: 12 - الصفحة: 631
م وأنا أقول يفسخ شراؤه إن كان في ثمنه إذا بيع نقص، فإن كان فيه فضل بيع منه بقدر ثمنه وعتق ما بقي.
م وظاهر الكتاب يدل أنه يفسخ على كل حال والله أعلم.
[الفصل 2 - في المأمور يأخذ رهنًا في ثمن سلعة والمقارض يرهن
والمرتهن يصح بئر الزرع أو أجنبي وفيمن رهن أرضًا فيها نخل]
ومن المدونة: ومن أمرته ببيع سلعة فباعها وأخذ بثمنها رهنًا لم يجز ذلك عليك، كما ليس له بيعها بالدين إلا بأمرك، وإن أمرته أن يبيع بالدين فباع وأخذ رهنًا، فأنت مخير في قبوله، ويكون ضمانه منك إن تلف، وإلا رددت الرهن إلى ربه وبقي البيع على حاله، وإن تلف الرهن قبل علمك فضمانه من المأمور، ولا يجوز للمقارض الشراء بالدين على القراض، فإن اشترى بجميع المال عبدًا ثم اشترى عبدًا ثانيًا بدين فرهن فيه الأول لم يجز ذلك.
قال أشهب في غير المدونة: إن اشترى الثاني لنفسه فلا رهن في الأول وليأتيه برهن غيره- يريد إذا باعه على رهن غير معين- قال أشهب: فإن اشتراه للقراض فلرب المال أن يجيز ويصير رهنًا أو يرد فيسقط الرهن.
قال ابن القاسم: ولو أمره رب المال أن يشتري بالدين على المضاربة، كانت مضاربة لا تحل، ولو جاز هذا لجاز أن يقارضه بغير مال.
الجزء: 12 - الصفحة: 632
م وقد تقدم في باب النفقة على الرهن أن من ارتهن نخلاً أو زرعًا أخضر ببئره فانهارت، فأبى الراهن أن يصلحها فأصلحها/ المرتهن لإحياء رهنه، فلا رجوع له بالنفقة على الراهن ولكن يكون له ذلك في الزرع وفي رقاب النخل، يبدأ فيه بنفقته، فما فضل كان في دينه، وإن أخذ ربه مالاً من أجنبي فأنفقه في ذلك، فالأجنبي أحق بمبلغ نفقته في ثمن الزرع من المرتهن، فما فضل كان للمرتهن وإلا رجع بدينه على الراهن، ومن ارتهن أرضًا ذات نخل لم يسمها أو رهن النخل ولم يذكر الأرض، فذلك موجب لكون الأرض والنخل رهنًا، وكذلك في الوصية والبيع.
وإذا ارتهنت أرضًا فأخذ منك السلطان خراجها لم ترجع به على الراهن إلا أن يكون ذلك الخراج حقًا وإلا فلا.
الجزء: 12 - الصفحة: 633
[الباب السابع والعشرون]
في الرجلين يرتهنان رهنًا فيضيع بيد أحدهما أو بيد أمين وهل له إن قضى أحدهما أخذ حصته أو يدخل عليه الآخر وفي العبدين الرهن يقتل أحدهما الآخر
[الفصل 1 - في الرجلين يرتهنان ثوبًا فضاع بيد أحدهما]
قال ابن القاسم: وإذا ارتهن رجلان ثوبًا فرضيا ورضي الراهن كونه بيد أحدهما جاز، فإن هلك ضمن الذي هو في يديه حصته [ولم يضمن الآخر شيئًا] وضمان حصة الآخر من الراهن وإن لم يجعله ربه بيد أحدهما جعلاه حيث شاءا وهما ضامنان [له].
قال أشهب في المجموعة: وإن لم يقبضاه ولم يرضيا بكون بيد أحدهما جعل بيد أمين ولا يضمناه وإنما يضمنان إذا قبضاه وجعلاه هما بيد أمين.
[فصل 2 - في الرجلين يأخذان من رجل رهنًا بدين لهما وكيف إن قضى
أحدهما هل يأخذ حصته من الرهن وهل يقتضي أحدهما دون صاحبه؟]
ومن المدونة: قال ابن القاسم: وإذا كان لرجلين على رجل دين مفترق، لهذا مال ولهذا طعام أو لهذا قرض ولهذا سلم، فأخذا بذلك رهنًا واحدًا جاز
الجزء: 12 - الصفحة: 634
ذلك إلا أن يكون أحدهما أقرضه قرضًا على أن يبيعه الآخر بيعًا ويأخذ بذلك رهنًا فلا يجوز؛ لأنه قرض جر منفعة، وأما إن وجب الدين من بيع ومن قرض بغير هذا الشرط فذلك جائز، ولو أقرضاه جميعًا معًا واشترطا أن يرهنهما فلا بأس به، وإن قضى الراهن أحدهما حقه فله أخذ حصة هذا من الرهن.
م وهذا من قوله يدل أن من رهن نصف داره يجوز أن تبقى يده على النصف الآخر يليه ويكريه مع المرتهن، وقد ذكرنا الاختلاف في ذلك في أول الكتاب.
قال ابن القاسم ها هنا وقد قال مالك في رجلين رهنا دارًا في دين فقضى أحدهما الغريم حصته من الدين، كان له أخذ حصته من الدار، فكذلك مسالتك إلا أن مسألتك إن كتبا دينهما بكتاب واحد، وكان دينهما واحدًا، فليس لأحدهما أن يقبض شيئًا دون صاحبه، وإن كان دينهما مفترقًا شيئين، لهذا مال وللآخر قمح، فلا يدخل أحدهما فيما اقتضى الآخر، كتبا الصنفين في كتاب واحد أم لا، وإنما الذي ليس لأحدهما أن يقبض دون الآخر أن يكتبا كتابًا بينهما بشيء واحد، يكون ذلك الشيء بينهما أو يكون الرهن لهما في شيء واحد، وإن لم يكتبا به كتابًا مثل
الجزء: 12 - الصفحة: 635
أن يكون [دينهما] دنانير كلها أو قمحًا كله أو نوعًا واحدًا فليس لواحد أن يقبض دون صاحبه.
قال بعض الفقهاء: وينبغي لو أسلفه هذا منفردًا ثم أسلفه الآخر منفردًا، ألا يدخل أحدهما على صاحبه ولو جمعا ذلك في ذكر حق واحد، إنما يصح اجتماعها في كتاب واحد إذا باعاه جميعًا سلعة وأقرضاه جميعًا واشتركا فيه قبل ذلك، فإن قيل فما أنكرت أن تقرضه أحدهما عشرة ثم يبيعه الآخر سلعة بعشرة أو يقرضه عشرة ثم يكتبان بذلك ذكر حق واحد، فيكونان شريكين اشتركا لما كتبا ذكر الحق في واحد.
قيل لا ينبغي لهما أن يشتركا في دين بعد أن كانا/ منفصلين فيه؛ لأن ذلك غرر، وقد اختلف في قسمة ما على الرجل الواحد من الدين فابتداء الشركة في ذلك أبعد.
الجزء: 12 - الصفحة: 636
[فصل 3 - فيمن جنى جناية لا تحملها العاقلة
وفيمن رهن عبدين فقتل أحدهما صاحبه]
وفي كتاب التفليس ذكر من جنى جناية لا تحملها العاقلة فرهن فيها رهنًا ثم فلس، فصاحب الجناية أحق بذلك لأنها في الذمة كالدين.
وإذا ارتهنت عبدين فقتل أحدهما الآخر فالباقي رهن بجميع الدين؛ لأن مصيبة العبد المقتول من الراهن.
الجزء: 12 - الصفحة: 637
[الباب الثامن والعشرون]
في سكنى الأب ما حبس والغاصب يرد العبد وقد جنى أو المرتهن يعيد الرهن
[فصل 1 - في سكنى الأب ما حبسه على صغار بنيه]
قال ابن القاسم: ومن حبس على صغار ولده دارًا أو وهبها لهم أو تصدق بها عليهم فذلك جائز، وحوزه لهم حوز إلا أن يكون الأب ساكنًا في كلها أو جلها حتى مات فيبطل جميعها، وتورث على فرائض الله عز وجل، وأما الدار الكبيرة ذات المساكن، يسكن أقلها وأكرى لهم باقيها، فذلك نافد [لهم] فيما يسكن، وفيما لم يسكن.
قال مالك: وقد حبس زيد بن ثابت وعبد الله بن عمر داريهما وسكنا من ذلك منزلاً حتى ماتا، فنفذ حبسهما فيما سكنا وفيما لم يسكنا.
وفرق غيره بين الحبس والصدقة فلم يجزه في الصدقة، قال مالك: ولو سكن الجل وأكرى الأقل بطل الجميع، وكذلك دور يسكن واحدة منها هي أقل حبسه أو أكثر على ما ذكرنا.
م وحكي عن بعض فقهائنا أنه قال إذا سكن الأكثر من الدور، فإن كان الولد كبارًا صح لهم ما حازوه وإن كانوا صغارًا بطل الجميع، ولو سكن الأقل مضى
الجزء: 12 - الصفحة: 638
الجميع للولد صغارًا كان أو كبارًا.
م يريد إذا حاز الكبار الأكثر، فإن لم يحوزوه بطل الجميع.
م فصار الحكم إنما يتم لهم ما حازوه، سكن الأب الأقل أو الأكثر؛ لأن الأب لا يجوز حوزه لهم.
وقال غيره إذا سكن أب الأصاغر بيتًا أنه على ثلاثة أوجه: إن سكن أكثر من النصف بطل الجميع، وإن سكن أقل من النصف صح الجميع، وإن سكن النصف صح ما لم يسكن وبطل ما سكن.
م وقال شيخنا أبو بكر بن أبي العباس: إذا سكن القليل وأبقى الكثير خاليًا لم يجز [لهم ذلك] حتى يكريه للأصاغر؛ لأن تركه لكرائه منع له، فكأنه أبقاه لنفسه ويشغله بسكناه، واستدل بظاهر لفظ الكتاب، وأكرى لهم باقيها.
م قال بعض الفقهاء: واختلف في الصغار إذا سكن الأكثر وحوزهم الأقل، فقيل يمضي ما حوزه لهم؛ لأن يده خارجة عنه فأشبه الكبار، وقيل لا يجوز لأن يده باقية عليه كما كان هو يحوز لهم، وإذا لم يرد أن يحوز الصغار.
وقال: أضعه لهم
الجزء: 12 - الصفحة: 639
على يدل عدل غيري، ثم مات قبل ان يضعه لهم بطل؛ لأنه لم يحزه لهم هو ولا حازه لهم غيره، وإذا حاز الكبار ما تصدق به عليهم السنة فأكثر لم يضرهم رجوعها إلى يدي المتصدق بخلاف الصغار، ولو اشتروها من يد من أوقفها على يديه للصغار بطلت إن مات، إلا أن يتبين أنه أراد أن يكون هو الحائز لهم وإنه لم يستردها إلا ليكون هو الحائز لهم فإن أبان هذا تم لهم، وإذا لم يرد الدين قبل الصدقة أو بعدها، فقيل الصدقة باطلة كانت على صغار أو كبار حازوا لأنفسهم، وقيل إن كانت على صغار فهي باطلة، وإن كانت على كبار فوجدت في أيديهم فهم أولى.
وقيل هي جائزة كانت على صغار أو كبار حازوا لأنفسهم حتى يثبت أن الدين تقدمها، وكأنه حكم بالظاهر من الأمر، وعلى هذا إذا وجد الرهن بيد المرتهن والصدقة بيد المتصدق عليه بعد الفلس أو الموت فهو أحق به؛ لأن معه دليلاً/ وهو الحوز وإن لم تعاين البينة أصل الحوز، وقد تقدم أنه لا تتم الحيازة في الرهون والصدقات إلا بمعاينة الحوز، ولا ينفع من كانت بيده بعد التفليس أو الموت إذا لم تعاين البينة الحيازة قبل ذلك.
الجزء: 12 - الصفحة: 640
فصل [2 - في الغاصب يرد العبد وقد جنى عنده وفيمن ارتهن عبدًا
فأعاره فهلك]
ومن المدونة: قال: ومن غصبك عبدًا فجنى عنده جناية ثم رده إليك والجناية في رقبته فأنت مخير في إسلامه، وتأخذ قيمته من الغاصب أو تفتكه بدية الجناية، ولا يرجع على الغاصب بشيء.
قال: ومن ارتهن عبدًا فأعاره لرجل بغير أمر الراهن فهلك عند المعار بأمر من الله، لم يضمن هو ولا المستعير وكذلك إن استودعه رجلاً إلا أن يستعمله [المودع أو المستعير] عملاً أو يبعثه بعثًَا يعطب في مثله فيضمن.
وقال سحنون: المرتهن ضامن بتعديه.
م وقيل الأشبه في هذا وأمثاله أنه يضمن؛ لأنه نقل الرقبة بغير إذن صاحبها على وجه الاستعمال، فوجب عليه الضمان كتعديه على الدابة الميل ونحوه فعطبت في ذلك أنه يضمن، مع علمنا أن الميل لا يعطب في مثله، فإن قيل يحتمل أن يكون مثل هذا في العبد ليس نقبل رقبة؛ لأن للمرتهن أن يسيره في مثل ذلك، وإن لم يؤذن له في استخدامه، فصار إنما يضمن بالاستعمال قبل نقله إلى دار غيره يستعمله تعديًا من المرتهن في نقل رقبته على هذه الصورة؛ لأنه إنما يجوز له أن يبعثه في حاجة خفيفة، وأما بعثه ليستعمل فذلك تعد، والمتعدي على المنافع إذا كان لا يوصل إليها إلا بنقل الرقاب يضمن كما قلنا في الذي تعدى على المنفعة الميل ونحوه فهلك أنه يضمن.
الجزء: 12 - الصفحة: 641
[الباب التاسع والعشرون]
في من رهن أمة لها زوج أو رهن أمة عبده أو رهنهما معًا وهل يزوج العبد الرهن، ومن اقرضته مئة درهم ثم مئة أخرى على أن يرهنك بهما رهنا
[فصل 1 - في الأمة الرهن يطؤها زوجها وفيمن رهن أمة عبده أو رهنهما معًا]
قال ابن القاسم: قال مالك: ومن ارتهن جارية لها زوج أو ابتاعها لم يمنع زوجها من وطئها، ومن رهن أمة عبده أو رهنهما معًا فليس للعبد وطؤها في الرهن ثم هي في الوجهين بعد فداء الرهن للعبد كما كانت، وارتهانهما وافتكاكهما جميعًا أبين.
ومن كتاب ابن المواز: قلت: فللعبد المرهون أن يطأ جاريته وأم ولده، وقال: إن كان لم يشترطها المرتهن ولا مال له فله أن يطأ وإن كان قد رهنهما جميعًا، لم يكن للعبد أن يطأ لأن ذلك انتزاع من السيد لأم ولده ولجاريته إذا رهنهما.
م قال بعض أصحابنا: إذا ارتهن عبدًا وشرط أن ماله رهن معه للعبد جارية أن للعبد أن يطأ بخلاف ما لو رهنه وجاريته.
م وهذا بخلاف ما قدمنا لابن المواز، ولا فرق في ذلك أنه إذا جعله رهنًا وجاريته كأنه انتزاع، فكذلك إذا رهنه وماله كأنه انتزاع ماله، فوجب أن لا يطأ جاريته في الوجهين.
الجزء: 12 - الصفحة: 642
[فصل 2 - هل يزوج العبد الرهن]
ومن المدونة: ومن رهن أمته وحيزت ثم زوجها لم يجز له تزويجها؛ لأن ذلك عيب إلا أن يرضى المرتهن.
قال محمد بن عبد الحكم: فإن زوجها فلم يرض المرتهن فسخ النكاح دخل بها أو لم يدخل، ولو بنى بها بغير علم المرتهن فافتضها فعليه صداق المثل يوقف معها في الرهن كالجناية عليها، فإن نقصها الافتضاض أكثر مما أخذ من الصداق غرم ذلك السيد ويوقف مع الصداق رهنًا معها.
وقال أشهب: يفسخ قبل البناء ويثبت بعده ويحال بينه وبين وطئها ما كانت/ رهنًا، ولها الأكثر من المسمى أو صداق المثل، ولو افتكها السيد قبل البناء لم يفسخ.
قال ابن عبد الحكم: وقول أشهب ليس بقياس وليفسخ وإن دخل؛ لأنه نقص الرهن، ولو لم يكن نقصًا لكان منعه الوطء يفسد النكاح، كمن تزوج على أن لا يطأ سنة، فهذا فساد في العقد [لا في الصداق] وقول مالك أنه لا يجوز نكاحها.
الجزء: 12 - الصفحة: 643
وقال سحنون في المجموعة: لو كان فاسدًا ما صح بالبناء؛ لأن فساده في عقده، وأرى النكاح جائزًا بمنزلة أن لو أعتقها وتعجل للمرتهن دينه.
م وقول سحنون أبينها.
م فإن لم يكن للسيد مال فسخ النكاح وإن لم يشعر بذلك حتى بنى، فإن كان له مال عجل للمرتهن دينه وثبت النكاح، وإن لم يكن له مال فسخ، وكان على الزوج الأكثر من التسمية أو صداق المثل، وإن نقصها الافتضاض أكثر من ذلك، غرم السيد الزائد ويوقف مع الصداق رهنًا، ولو دفع الزوج للمرتهن جميع دينه رغبة في بقاء النكاح لتم له ذلك، وجبر المرتهن على قبض دينه وبالله التوفيق.
فصل [3 - فيمن أقرضته مئة درهم ثم مئة أخرى
على أن يرهنك بها رهنًا]
ومن المدونة: ومن أقرضته مئة درهم وأخذت منها بها رهنًا قيمته مئة درهم ثم استقرضك مئة أخرى، ففعلت على أن يرهنك بالمئتين رهنًا آخر قيمته مئتا درهم لم يجز ذلك؛ لأنك انتفعت بزيادة توثقه في المئة الأولى، فهو سلف جر منفعة، وكذلك إن كانت المئة الأولى بغير رهن، فإن نزل ذلك وقامت الغرماء على المتسلف في موت أو فلس، فالرهن الثاني رهن بالدين الآخر خاصة.
الجزء: 12 - الصفحة: 644
قال ابن المواز: وقال بعض أصحابنا إن نصف الرهن رهن بالمئة الأخرى، ويبطل نصفه عن المئة الأولى، فيكون الغرماء أولى بنصفه.
وقلت أنا بل يكون كله رهنًا بالمئة الآخرة كرهن بثمن سلعتين تستحق إحداهما أنه رهن كله بحصته الباقية، وكالمرأة تأخذ رهنًا بالصداق ثم تطلق قبل البناء، فجميعه رهن بنصف الصداق، فإن قلت هذا أصله جائز، قيل [لك] فمن دفع دينارًا في دراهم إلى أجل وأخذ رهنًا ثم فلس [الراهن]، فالمرتهن أحق بالرهن حتى يأخذه ديناره أو قيمة الدراهم التي رضي بها أقل الأمرين.
قيل: فمن ارتهن رهنًا بحقه، فقال له قبل الأجل زدني في الأجل وأرهنك رهنًا آخر؟
قال: إن كان الرهن الأول فيه وفاء لا شك فيه مأمون فذلك جائز، وإن لم يكن فيه وفاء لم يجز.
م قيل إن كان الرهن الثاني مثل الأول وأمنه، وفي الأول وفاء بالدين فيجوز إذ لا فائدة في ذلك ولا انتفاع، ولو كان الآخر يقرب بيعه والأول يعسر بيعه، أو كان الأول غير مأمون ما جاز هذا لأنه رهنه بشرط على أن يؤخره وصار سلفًا بنفع، وقد أجاز أشهب أن يقول له أسقط عني بعض الدين على أن أعطيك رهنًا، أو يبيع منه بيعًا على أن يرهنه بالدين الأول وثمن السلعة الآخرة رهنًا، وكره هذا ابن القاسم، وقد ذكرتا علل ذلك وما يتعلق به في كتاب الحمالة.
الجزء: 12 - الصفحة: 645
تم كتاب الرهون بحمد الله وقوته وعونه وتوفيقه من الجامع يتلوه إن شاء الله كتاب الآجال جامع القول في ضالة الماشية وكان الفراغ من نسخ هذا الكتاب يوم الثلاث الذي هو الخامس من شهر الله المعظم رمضان عام تسعة وتسعين ومئة وألف وكتبه العبد الذليل الفقير إلى الله تعالى محمد بن محمد الزعو بالمسناحي غفر الله له ولوالديه ولأشياخه ولجميع المسلمين والمسلمات يا أرحم الراحمين يا رب العالمين.
الجزء: 12 - الصفحة: 646
/ بسم الله الرحمن الرحيم وصلى الله وسلم على سيدنا ومولانا محمد وآله وصحبه وسلم