الجامع لمسائل المدونةكتاب الدِّيات
أهل الأثرالأرشيف العلمي

[الباب الأول]

في دية أهل الكفر، والعبيد، وذكر العاقلة وحملها للدية

[1 - فصل: في مقدار دية أهل الذمة والمجوس في النفس والجراح] روى ابن وهب عن عمرو بن العاص أن النَّبيَّ صلَّى اللهُ عَلَيهِ وسلَّم قال: «عَقْلُ الْكَافِرِ نِصْفُ عَقْلِ الْمُؤْمِنِ».
وقضى به عمر بن عبد العزيز، وقاله فقهاؤنا -يعني بالمدينة-: أنَّ دية

الجزء: 23 - الصفحة: 746

أهل الكتاب على النصف من دية المؤمن، واجتمع على ذلك أهل العلم، وأن دية نسائهم على النصف من دية رجالهم.
وقال مالك: ما أعرف في نصف الدية فيهم إلا قضاء عمر بن عبد العزيز، وكان إمام هدى وأنا أتبعه.
قال: ودية المجوسي ثمان مئة درهم، ودية المجوسية أربع مئة درهم.
محمد: وروي ذلك عن عمر، وعلي، وابن مسعود، وكثير

الجزء: 23 - الصفحة: 747

من التابعين.
قال: وعلى أهل الذهب ستة وستون دينارًا وثلثا دينار، والمرأة نصف ذلك، وذلك من صرف اثني عشر درهما بدينار، كذلك حسبت الديات، وجراحهم على حساب دياتهم.
محمد: وإن كانوا أهل إبل فدية الرجل منهم ستة أبعرة وثلثا بعير على أسنان المخمسة في الخطأ، بعير وثلث من كل صنف، وفي العمد على المربعة بعيران إلاّ ثلث من كل صنف، والمرأة على نصف ذلك.
قال مالك فيه وفي المدونة: وجراحهم في دياتهم على قدر جراح المسلمين من دياتهم.

الجزء: 23 - الصفحة: 748

2 - فصل [في جناية المسلم على الذمي أو المجوسي خطأ بقتل أو جراح وبالعكس] وإن قتل مسلم ذميًا خطأ حملت عاقلته الدية في ثلاث سنين.
وكذلك إن كانوا جماعة؛ فالدية على عواقلهم.
والدِّيات كلها دية المسلم والمسلمة، والذمي والذمية، والمجوسي والمجوسية؛ إذا وقعت تحملها العاقلة في ثلاث سنين.
وإن جنى مسلم على مجوسية خطأ ما يبلغ ثلث ديتها؛ حملته عاقلته، مثل أن يقطع لها إصبعين، فيحمل ذلك عاقلته؛ لأن ذلك أكثر من ثلث ديتها؛ لأن لها في الإصبعين مثل ما للرجل منهم، وذلك مئة وستون درهمًا، وإنما ثلث ديتها مئة وثلاثة وثلاثون درهما وثلث درهم.
وكذلك كل امرأة دية إصبعيها أكثر من ثلث ديتها؛ لأنها فيها كالرجل.
قال مالك: ولو جنت امرأة على رجل ما يبلغ ثلث ديتها

الجزء: 23 - الصفحة: 749

[198/ب] حملته عاقلتها أيضًا.
قال مالك: والأول أَبْيَن.
قال: وأصل هذا أن الجناية إذا بلغت ثلث دية الجاني، أو ثلث دية المجني عليه؛ حملته العاقلة، وثلث دية المجني عليه أَبْيَن.
قال: ولو جنى مجوسي أو مجوسية على مسلم ما يبلغ ثلث دية الجاني؛ حمل ذلك أهل معاقلتهم الرجال منهم دون النساء، وهم الذين يؤدون معهم الخراج.
قال مالك: وإن جنى نصراني جناية؛ حمل ذلك أهل جزيته، وهم

الجزء: 23 - الصفحة: 750

أهل كورته الذين خراجه معهم.
وإن قتل ذمي مسلمًا خطًأ؛ حمل ذلك عاقلته.
3 - فصل [فيما يلزم بالجناية على عبيد الكفار بقتل أو جراح] وعلى قاتل عبيدهم قيمتهم ما بلغت، كعبيد المسلمين؛ وإن كانت القيمة أضعاف الدية، إلا أن في مأمومة العبد وجائفته في كل واحدة ثلث قيمته، وفي منقلته عُشر قيمته ونصف عُشر قيمته، وفي موضحته نصف عشر قيمته، وفيما سوى ذلك من جراحاته ما نقصه بعد برئه.
م: إنما قال ذلك: لأن دية العبد هي قيمته فكما كان ذلك فيها من دية الحر، فكذلك يكون فيها من قيمة العبد، وكما كان للحر فيما سواها من جراحاته حكومة كان في ذلك للعبد ما نقصه؛ لأن ذلك تفسير

الجزء: 23 - الصفحة: 751

الحكومة: أن يقوّم المجروح أن لو كان عبدًا سليمًا ثم يقوّم مجروحًا فما نقص من قيمته سليمًا كان على الجارح مثله من الدية، فكذلك يكون في العبد ما نقصه من قيمته فحُكِم فيه حكم الحر في الوجهين، وهذا بين.
م: وإن برأت الجائفة أو المأمومة أو المنقلة أو الموضحة على شين؛ فقال بعض المتأخرين: ينظر إلى ما نقصه ذلك الجرح؛ فإن يكن أكثر من دية الجرح أُعطى ما نقصه، وإن يكن أقل أُعطى دية الجرح، إنما له الأكثر من دية الجرح أو ما نقصه.
وظهر لي أن دية الجرح له ثابتة على كل حال، وله زيادة عليه ما شانه، يقوّم على أنه جريح سالم مما شانه، ثم يقوّم على أنه جريح بذلك الشين، فما نقصه من ذلك غرمه مع دية الجرح، كما يصنع في الحر، وهذا على قول ابن القاسم، وأما على قول أشهب: فلا شيء

الجزء: 23 - الصفحة: 752

عليه إلا دية الجرح المفروضة، ولا شيء عليه في الشَّيْن؛ لأنه كذلك يقول في الحر فاعلم.
4 - فصل [في جناية أهل الذمة بعضهم على بعض] قال ابن القاسم: وإذا أصاب أهل الذمة بعضهم بعضا خطأ حمل ذلك عواقلهم.
قال مالك: وما تظالموا بينهم فالسلطان يحكم بينهم فيه.
5 - فصل [فيما تحمله العاقلة وما لا تحمله، والمراد بالعاقلة، ومقدار ما يحمله أحدهم، وذكر من يحمل العقل ومن لا يحمله، وما يُسقط الدية بعد توظيفها] وإن جرح مسلم ذميًا، أو قطع يديه أو رجليه أو قتله عمدًا فذلك في ماله، ولا تحمل العاقلة من عمد المسلم في [199/أ] جنايته على الذمي إلاّ المأمومة والجائفة، وإنما استحسن مالك حمل العاقلة للمأمومة والجائفة ولم يكن عنده بالأمر البين.

الجزء: 23 - الصفحة: 753

قال ابن القاسم: وقد اجتمع أمر الناس أن العاقلة لا تحمل العمد.
محمد: روى ابن وهب أن ابن عباس وغيره من الصحابة والتابعين رضوان الله عليهم أنهم قالوا: "إِنَّ الْعَاقِلَةَ لاَ تَحْمِلُ عَمْدًا، وَلاَ عَبْدًا، وَلاَ صُلْحًا، وَلاَ اعْتِرَافًا".
وبهذا قال مالك، إلاّ أنه في الاعتراف ربما جعله كشاهد على العاقلة يؤخذ بالقسامة، وأمّا في الجراح فلا، إذ لا قسامة فيها.
ومن كتاب آخر: وحمل العاقلة الدِّية أمر قديم (كان في الجاهلية فأقره النَّبيُّ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّم في الإسلام).

الجزء: 23 - الصفحة: 754

والعاقلة: عشيرة الرجل وقومه، فإن حملوا ذلك بغير إفداح وإلاّ ضُمَّ إليهم أقرب القبائل إليهم حتى يرتفعوا.
محمد: ولم يجد مالك كم يؤخذ من كل رجل، وليس المكثر كالمقل، ومنهم من لا يؤخذ منه شيء لإقلاله.
قال مالك: والمجتمع عليه عندنا أنها على أحرار الرجال البالغين، ولا عقل على النساء، وعلى الصبيان، ولا على مديان، ولا على معدم.
قال في المدونة: وإنما العقل على القبائل كانوا أهل ديوان أم لا، ومصر والشام أجناد قد جندت، فكر جند عليهم جرائرهم دون غيرهم من

الجزء: 23 - الصفحة: 755

الأجناد، لا يعقل أهل مصر مع أهل الشام، ولا أهل الشام مع أهل مصر، ولا أهل الحضر مع أهل البدو، ولا أهل البدو مع أهل الحضر، إذ لا يكون في دية واحدة إبل ودنانير أو دراهم ودنانير، وإن انقطع بدوي فسكن الحضر عقل معهم، وكذلك الشامي يوطن مصر فإنه يعقل معهم؛ بمنزلة رجل من أهل مصر.
ثم إن جنى وقومه بالشام وليس بمصر من قومه من يحمل ذلك لقتلهم؛ ضُمَّ إليه أقرب القبائل بها إلى قومه، وإن لم يكن بمصر من قومه أحد فليضم إليه أيضًا أقرب القبائل من قومه حتى يقووا على العقل، إذ لا يعقل أهل الشام مع أهل مصر.
ويحمل الغني من العقل بقدره، ومن دونه بقدره، وذلك على قدر طاقة الناس في يسرهم.
قال ابن القاسم: ولم يحد لنا مالك في ذلك حدًا، وقد كان يحمل على

الجزء: 23 - الصفحة: 756

[199/ب] الناس في أعطيتهم من كل مئة درهمٌ ونصفٌ.
قال في غير المدونة: وأَكْرَه أن يبعث فيه السلطان من يأخذه فيدخل فيه فساد كثير.
قال سحنون في كتاب ابنه: ويضم عقل أهل افريقية بعضهم إلى بعض من طرابلس إلى طُبْنَة.
محمد: وإنما يجب على كل من كان من أهل العاقلة يوم تقسم عليهم الدية وتوظف حيًا بالغًا ليس يوم مات المقتول، ولا يوم جرح، ولا يوم

الجزء: 23 - الصفحة: 757

يثبت الدم، ولكن يوم تفرّق، فتجعل على الملئ بقدره، وعلى المعسر بقدره، ثم لا يزول عن من مات بعد ذلك أو أعدم، ولا يدخل فيها بعد ذلك من يبلغ من صغير أو يقدم من غائب أو منقطع، ولا يزاد على من أيسر منهم.
قال سحنون: إذا وضعت صارت كدين ثابت لا يسقط عن من مات ويكون في ماله، وانكر قول من قال: يوظف ذلك على بقية العاقلة.
وقال اصبغ: من مات منهم ممن جعل عليه بقدره قبل أن يحل، فلا يكون ذلك في ماله، ويرجع ذلك على بقية العاقلة.
وقال سحنون: ومن استُحِقَّ بملك بعد توظيفها رجع ما كان عليه على بقية العاقلة، ولا يزاد في التوظيف على بني عمه ديته أكثر مما

الجزء: 23 - الصفحة: 758

يجعل على بقية العاقلة، وهم غيرهم سواء وذلك على قدر المال والوجد.
قال أصبغ: ولا يدخل مع العاقلة صبي ولا مجنون، وأما السَّفيه البالغ فيؤخذ من ماله بقدره.
وقاله ابن القاسم وابن نافع.
قال ابن نافع: كما توضع عليه الجزية لو كان نصرانيا.
قال سحنون: ولا يعقل معهم مولى القاتل من اسفل.
وقال أصبغ عن ابن القاسم: يعقل معهم.

الجزء: 23 - الصفحة: 759

[الباب الثاني]

في جناية الصبي والمجنون والأب على ولده

[6 - فصل: جناية الصبي والمجنون، ورأي السلف في ذلك، وما يكون في ماله من جنايته وما لا يكون، وجناية من يفيق أحيانًا] قال مالك: وإذا جنى الصبي أو المجنون عمدًا أو خطأ بسيف أو غيره؛ فهو كله خطأ تحمله العاقلة إن بلغ الثلث، فإن لم يبلغه ففي ماله ويتبع به دينًا في عدمه.
محمد: وقد قال عمر بن الخطاب رضي الله عنه: "لاَ قَوَدَ عَلَى مَنْ لَمْ يَحْتَلِمْ".
وقاله علي بن أبي طالب رضي الله عنه.
قال: "كُلُّ مَا أَصَابَ الصِّبْيَانُ مِنْ عَمْدٍ أَوْ خَطَأٍ فَهُوَ بِمَنْزِلَةِ الْخَطَأِ؛ لَيْسَ فِيهِ قَوَدٌ".

الجزء: 23 - الصفحة: 760

"وأٌتِيَ أبو بكرٍ الصدِّيق رضي الله عنه بِغُلاَمَينِ تَقَاتَلاَ فَعَضَّ أَحَدُهُمَا أُذُنَ صَاحِبِهِ فَقَطَعَ بَعْضَهَا فَأبَى أَبو بكرٍ رضيَ اللهُ عنه أَنْ يَقِيدَ مَنْهُ؛ لأَنَّهُ لَمْ يَبْلُغِ الْحُلُمَ".
وقضى عثمان بن عفان رضي الله عنه في صِبْيَان [200/أ] اقْتَتَلُوا فَجَرَحَ بَعْضُهُمْ بَعْضًا: "ألاَّ قَوَدَ بَيْنَهُمْ، وَأَنْ يَعْقِلَ ذَلِكَ عَاقِلَةُ الْجَارِحِ مِنْهُمْ".
وقضى بذلك عمر بن عبد العزيز رضي الله عنه بمشورة الفقهاء: "أَنَّ

الجزء: 23 - الصفحة: 761

عَمْدَ الصَّبيِّ خَطَأٌ لاَ قَوَدَ فِيهِ".
وقاله مالك، قال: وكذلك المجنون.
وَقَدْ أَخْبَرَنِي يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ "أَنَّ مَرْوَانَ بْنَ الْحَكَمِ كَتَبَ إِلَى مُعَاوِيَةَ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ: أَنَّهُ أُتِيَ إِلَيْهِ بِمَجْنُونٍ قَتَلَ رَجُلاً فَكَتَبَ إِلَيْهِ: أَنِ اعْقِلْهُ وَلاَ تُقِدْ مِنْهُ فَإِنهُ لَيْسَ عَلَى مَجْنُونٍ قَوَدٌ".
وقال ذلك ابن المسيب، وسليمان بن يسار، وابن شهاب رضي الله عنهم: "أَنَّ ذَلِكَ عَلَى عَاقِلَةِ الْمَجْنُونِ".
قال أشهب عن الليث عن يحي بن سعيد: ما بلغ الثلث من ذلك فعلى العاقلة، وما كان دون الثلث ففي مال المجنون.

الجزء: 23 - الصفحة: 762

قال أشهب: وقد بلغني "أن علي بن أبي طالب رضي الله عنه: أُتِيَ بِمَعْتُوهٍ عَدَاَ عَلَى رَجُلٍ بِسَيْفٍ فَقَتَلَهُ؛ فَضَمَّنَ عَقْلَهُ عَاقِلَةَ الْمَجْنُونِ، وقَالَ: عَمْدُهُ وَخَطَأُهُ سَوَاءٌ".
قال محمد: وإذا بلغ الغلام أو الجارية الحلم، فجرح أو قتل؛ أُقيد منهما ما لم يكونا معتوهين.
قال: وما أخبرتك من أمر الصبي فإنما ذلك فيمن عَرَف منهم ما يعمل، فأما الصبي الصغير فهو كلا شيء فيما أفسد.
وأُخبرت عن ابن القاسم أنه سئل عن الصبي المرضع يفسد شيئا أو يكسر لؤلؤة، أو يطرح ذلك في بئر وشبهه أنه لا شيء عليه.
محمد: يريد: لا يتبع بشيء منه.
قيل: فإن جرح هذا الصغير رجلاً أو فقًأ عينه؟ فلم يُجب فيه بشيء،

الجزء: 23 - الصفحة: 763

وقال: قد تكلم الناس في هذا، وأما ما أفسد فهو بين لا شيء عليه فيه.
قال فيه وفي المدونة: وإن كان المجنون يفيق أحيانًا؛ فما جنى في حال جنونه فهو كما وصفنا، وما جنى في حال الإفاقة فكالصحيح في حكمه في الجراح والقذف، وإذا رفع للقود وقد أخذه الجنون أُخر لإفاقته.
[7 - فصل: في جناية الأب على ولده عمدًا أو خطًأ وإرثه من ماله وديته في الحالين وتعليل ذلك] قال ابن القاسم: ومن قتل ابنه خطأ؛ فديته على عاقلته، ويرث الأب من ماله ولا يرث من ديته، وإن قتله عمدًا كفعل المدلجي فغلظت عليه الدية؛ لم يرث من ماله ولا من ديته.

الجزء: 23 - الصفحة: 764

م: وإنما ورث في الخطأ من المال؛ لأنه غير متعمد للقتل، فلا يحمل عليه أنه استعجل الميراث قبل وقته فحرمه، وإنما لم يرث من الدية؛ لأن عليه حصة منها، فمتى رجع إليه شيء منها صار كأنه لم يخرج ما عليه [200/ب] منها، وكذلك العلة في ميراثه من دية العمد؛ لأنها واجبة عليه، فمتى ورث شيئا منها صار كأنه لم يؤدها كاملة، وأما ميراثه من المال؛ فلأنه استعجل الميراث قبل وقته فحرمه، كالمتزوج في العدة؛ يحرم عليه نكاحها للأبد؛ لأنه استعجله قبل وقته، وهذا أحسن التعليل في ذلك.
والله أعلم.

الجزء: 23 - الصفحة: 765

[الباب الثالث]

في دية الجنين وما تحمله العاقلة منها وجميع أحكامه

[8 - فصل: في دية الجنين] قال مالك: (قضَىَ النَّبيُّ صلَّى اللهُ علّيهِ وَسلَّم في الْجَنِينِ يَخْرُجُ مَيِّتًا بِجِنَايَةِ جَانٍ، بِغُرَّةٍ عَبْدٍ أَوْ وَلِيدَةٍ).
قال مالك: والْحُمْرَان من الرَّقيق أحب إلي من

الجزء: 23 - الصفحة: 766

السودان، فإن قلَّ: الحمران بتلك البلاد فليؤخذ من السودان.
قال في كتاب محمد: إلا أن يقل الحمران فمن أوسط السودان.
قال في المدونة: والقيمة في ذلك خمسون دينارًا، أو ست مئة درهم، وليست القيمة كَسُنَّةٍ مجتمع عليها، وإنا لنرى ذلك حسنًا، فإذا بذل الجاني عبدًا أو وليدة؛ جبروا على أخذه، إن سوي ما بذل خمسين دينارًا أو ست مئة درهم، وإن سوي أقل من ذلك لم يجيروا على أخذه إلا أن يشاؤا، وليس على أهل الإبل في ذلك إبل، وقد قضىَ النِّبيُّ صلَّى اللهُ عليهِ وَسلَّم بالغُرَةِ والناس يؤمئذ أهل إبل، وإنما تقويمها بالعين أمر مستحسن.

الجزء: 23 - الصفحة: 767

محمد: وقال ربيعة: على أهل الإبل خمس فرائض، بنت مخاض، وبنت لبون، وابن لبون، وحقه، وجذعه، ولم يبلغنا عن مالك في الإبل شيء.
وقال ابن القاسم: لا إبل فيها.
وقال أصحابه بالإبل.
وقال أصبغ: ولا أحسب إلا أن ابن القاسم قال: بالإبل، ورواه عنه أبو زيد.
وأما توقفه وحجته فيه أن الحديث ليس فيه إبل وَهُم أهل إبل، فهذا ينكسر عليه؛ لأنه قد خرج إلى الورق على أهل الورق، والذهب على أهل الذهب.
وقال أشهب: لا يؤخذ من أهل البادية إلاّ الإبل، ولا يؤخذ من أهل الذهب إلا الذهب، ومن أهل الورق إلا الورق، وقد "قوّم عمر رضي الله عنه الغرة؛ عُشر دية الأم الحرة".

الجزء: 23 - الصفحة: 768

9 - فصل [في وراثة دية الجنين] قال مالك: وإذا ضُربت امرأة عمدًا أو خطأ فألقت جنينًا ميتًا؛ فإن عَلِم النساء أنه حمل وإن كان مُضْغَةً أو عَلَقةً أو مصورًا ذكرًا أو أنثى؛ ففيه الغرة بغير قسامة في مال الجاني، ولا تحمله العاقلة، ولا شيء فيه حتى يزايل بطنها، وتورث الغرة على فرائض الله عز وجل.
ابن حبيب: قال ابن الماجشون: قال ابن شهاب: [201/أ] الغرة موروثة على فرائض الله عز وجل.
وقال ربيعة: هي للأم خاصة؛ لأنها ثمن عضو منها.

الجزء: 23 - الصفحة: 769

وقال ابن هرمز: هي للأبوين خاصة على الثلث والثلثين، فإن لم يكن إلاّ أحدهما فجميعها له.
وقال بهذا مالك مرة، وقال به المغيرة، ثم رجع مالك إلى قول ابن شهاب: أنها موروثة على فرائض الله عز وجل.
وقال ابن أبي حازم، والدَّراوردي.
ابن حبيب: وبه قال أصحاب مالك أجمع.
قال ابن نافع: وفي التؤم غرَّتان، ولو صرخا كان فيهما ديتان.

الجزء: 23 - الصفحة: 770

10 - فصل [في الكفارة بقتل الحر والجنين والعبد والذمي] قيل لابن القاسم: فهل على الضارب كفارة.
قال: قال مالك: إنما الكفارة في قتل الحر خطأ، واستحسن مالك الكفارة في الجنين، وكذلك العبد، والذمي، إذا قُتلا ففيهما الكفارة، وفي جنينهما الكفارة.
قال أشهب: وهي في العبد المؤمن أوجب.
وروى أشهب عن مالك: أنه لا كفارة فيه.
وقاله أشهب.
ومن ضرب عبده على الأدب فمات فليعتق رقبة.
قال مالك: في امرأة شربت دواءً فأسقطت؛ فإن كان دواءً يشبه السلامة فلا بأس به، وقد (كوَى رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ علَيهِ وَسلَّم سَعْدًا فَمات).

الجزء: 23 - الصفحة: 771

قال: وإن سقت ولدها الصغير دواء فشرِق به فمات فما عليها الكفارة بواجبة، وإن كفَرت فحسن، وكذلك الطبيب يسقي الرجل الدواء فيموت.
قيل: فقاتل العمد يعفا عنه، أيُكَفِّر؟ قال: نعم، هو خير له.
والكفارة في قتل الخطأ عتق رقبة مؤمنة كما قال الله تعالى: ﴿فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ﴾ [المجادلة: 4].

الجزء: 23 - الصفحة: 772

11 - فصل [في خروج الجنين ميتا أو حيًا بعد موت الأم أو قبله، وحكمه لو استهل ثم مات، ومعنى الاستهلال] قال ابن القاسم: ولو ضربها رجل فماتت، ثم خرج الجنين بعد موتها ميتا؛ فلا غرة فيه، وإنما على قاتلها الدية؛ لأنه مات بموت أمه، وعليه كفارة واحدة.
وفي كتاب محمد: وإذا خرج الجنين بعد موتها ميتًا أو حيًا ثم مات؛ فأحب ما فيه إليّ أن تكون فيه الغرة مع دية الأم.
قال أبو محمد: يريد ولم يستهل.
ومن المدونة قال ابن القاسم: وإن ضرب بطنها خطأ فألقت جنينًا ثم ماتت بجنين في بطنها، أو مات الخارج قبل موتها أو بعد؛ ففي الأم دية واحدة والكفارة، ولا دية في الجنين الذي لم يزايلها ولا كفارة، والذي ألقته إن استهل صارخًا ففيه القسامة والدية، [201/ب] وإن لم يستهل صارخًا ففيه الغرة.

الجزء: 23 - الصفحة: 773

قال مالك في العتبية: الاستهلال: الصياح، فإذا صاح وجب له حكم الحي في الصلاة عليه، وفي دفنه، وميراثه، وليس العطاس استهلالاً.
وقال ابن وهب في غيرها: العطاس والرضاع استهلال.
12 - فصل [إرث الجنين وتوريثه، وعدم توريث القاتل] قال مالك: وإذا خرج الجنين ميتًا أو حيًا، فمات قبل موت أمه، ثم ماتت هي بعده؛ ورثته، ولو ماتت هي وقد استهل، ثم مات بعدها؛ لورثها، ولو خرج الجنين ميتًا، ثم خرج آخر حيا بعده أو قبله، أو ولد للأب ولد من امرأة أخرى، فعاش واستهل صارخًا، ثم مات مكانه، وقد مات الأب قبل ذلك كله؛ كان لهذا الذي خرج حيًا ميراثه من دية الذي خرج

الجزء: 23 - الصفحة: 774

ميتًا، ألا ترى أن أن المولود إذا خرج حيًا يرث أباه الميت أو أخاه قبل ولادته.
قال مالك: ولو ضرب الأب بطن امرأته فألقت جنينًا ميتًا؛ فلا يرث الأب من دية الجنين شيئًا، ولا يَحْجُب، ويرثها سواه.
13 - فصل [في القسامة في الجنين إذا استهل، وهل يقاد ممن تعمد إسقاطه أم لا؟ وما تحمله العاقلة من ديته وما لا تحمله] ومن ضرب بطن امرأة خطأ فألقت جنينًا حيًا، فاستهل ثم مات؛ ففيه القسامة، والدِّية على العاقلة، ولو كان ضرب بطنها عمدًا؛ ففيه القصاص بقسامة، وذلك إذا تعمد ضرب بطنها خاصة.
قال: ولم يكن في الجنين يخرج ميتًا قسامة؛ لأنه كرجل ضُرب فمات ولم يتكلم، وإذا صرخ ثم مات؛ كان كالمضروب يعيش أيامًا ففيه القسامة، إذ لا يُدرى أمات الجنين من الضربة أم لِمَا عرض له بعد خروجه.
محمد: وقال أشهب: إن كان حين استهل مات مكانه؛ فلا قسامة فيه، وإن أقام ثم مات ففيه القسامة، في العمد والخطأ، وفيه الكفارة، ولا قود فيه في العمد، وعمده كالخطأ؛ لأن موته بضرب غيره، وديته في العمد والخطأ

الجزء: 23 - الصفحة: 775

على العاقلة، وسواء ضرب بطنها أو غير بطنها؛ لأن إصابة الولد خطأ، وإنما العمد على الأم.
وقال ابن القاسم: في عمده القود بقسامة، وكذلك عنه في المجموعة إذا تعمد الأجنبي ضرب البطن أو الظهر أو موضع يرى أنه أصيب به الولد؛ ففيه القود بقسامة إذا استهل صارخًا.
فأما لو ضرب رأسها أو يدها أو رجلها، فطرحت دمًا، ثم ألقت الجنين فاستهل؛ ففيه الدية بقسامة، وتكون [202/أ] هذه الدية في ماله لازمة؛ لأن موته عن شبه ضرب عمد، وكما لو أوضح رجلاً عمدًا فتنامى الجرح إلى ذهاب عينه؛ فمذهب ابن القاسم: أن تكون دية العين في ماله.
قال ابن حبيب عن أصبغ: إذا تعمد ضرب بطنها حتى يرى أنه

الجزء: 23 - الصفحة: 776

أراد أن يُسقط ولدها فماتت ومات ولدها بعد أن استهل؛ فليقسم ولاتها وولاة الجنين، أن مِن ضربه ماتا ويقتل، وإن تعمد ضربها في غير البطن فليقسم ولاتها لمن ضربه ماتت ويقتلونه، ويقسم ولاة الجنين لمن ضربه مات، ولهم ديته على العاقلة.
وإن كان الضرب خطأ؛ أقسم ولاتها وولاة الجنين على الضرب، وكان على العاقلة ديتان، وإنما هذا إذا شُهد على الضرب، وإما بقولها فلا يكون ذلك إلاّ على نفسها وحدها يقسم ولاتها ويقتلونه في العمد، ويأخذون الدية من العاقلة في الخطأ، ولا شيء في الجنين؛ لأن ذلك بقولها، وهي شهادة لابنها.
ومن كتاب ابن المواز: وإذا خرج الجنين حيًا فلم يستهل حتى قتله رجل؛ فلا قود فيه، وفيه الغرة، وعلى قاتله الأدب.
وقال بعض العلماء: فيه الدِّية كاملة في ماله، ولا قود فيه.
قال أشهب: ولا يعجبني هذا، ولو لزم هذا لزم مثله في المضروبة في البطن يخرج جنينها حيًا فيموت ولا يستهل، وإن كان قد قاله كثير من أكابر

الجزء: 23 - الصفحة: 777

العلماء.
14 - فصل [في ضرب المجوسي أو المجوسية بطن مسلمة خطأ أو عمدا] قال في المدونة: ولو ضرب مجوسي أو مجوسية بطن مسلمة خطأ، فألقت جنينًا ميتًا حملته عاقلة الضارب؛ لأنه أكثر من ثلث ديته، وإن كان ذلك عمدًا كان في مال الجاني.
15 - فصل [في جنين الأمة وأم الولد والذمية، وجنين من أسلمت تحت نصراني أو مجوسي، وجنين النصرانية الحرة تحت عبد مسلم] وفي جنين أم الولد من سيدها، ما في جنين الحرة، وفي جنين الأمة من غير سيدها؛ عُشر قيمة أمه، كان أبوه حرًا أو عبدًا.
محمد: وقاله الحسن، وأبو الزناد.

الجزء: 23 - الصفحة: 778

قال أصبغ: قال ابن وهب: فيه ما نقصها من قيمتها، وقول مالك أحب إلينا، وقاله ربيعة، ويحي بن سعيد، وابن القاسم، وأشهب.
قال: فإن استهل ففيه قيمته.
قال ابن القاسم في العتبية: قيمته على الرجاء والخوف.
قال في المدونة: وفي جنين الذمية -يريد: إذا لم يستهل- عُشر دية أمه، أو نصف عُشر دية أبيه، وهو سواء، والذكر والأنثى في ذلك سواء.
ولو أسلمت نصرانية حامل تحت نصراني؛ ففي جنينها ما في جنين النصراني، وذلك نصف عشر دية أبيه، [202/ب] ولو استهل صارخًا ثم مات؛ حلف من يرثه يمينًا واحدة لمات من ذلك، واستحقوا ديته؛ لأن مالكًا قال في النصراني يقتل ويقُوم على قتله شاهد عدل مسلم أن ولاته يحلفون يمينًا واحدة، ويستحقون الدية على من قتله، مسلمًا كان أو نصرانيًا.

الجزء: 23 - الصفحة: 779

وإن تزوج عبد مسلم نصرانية حرة؛ ففي جنينها ما في جنين الحر المسلم؛ لأنه حر بأمه، ومسلم بأبيه.
وإن أسلمت مجوسية حامل تحت مجوسي؛ ففي جنينها ما في جنين المجوسي، أربعون درهمًا.

الجزء: 23 - الصفحة: 780

[الباب الرابع] في الكبير والصغير يقتلان رجلاً، وما يجب على قاتل العمد إن عُفي عنه، والعافي يدعي إنما عفا على الدية، ومن أقر بقتل خطأ، أو جماعة أقروا بقتل عمد أو خطأ، والجماعة يقتلون رجلا خطأ، وفيمن قتل نفسه.

[16 - فصل: في الكبير والصغير يقتلان رجلا] قال مالك رحمه الله: وإذا قتل رجل وصبي رجلاً عمدًا؛ قُتل الرجل، وعلى عاقلة الصبي نصف الدية؛ لأن عمد الصبي كالخطأ.
م: يريد: وذلك إذا اعتمدوا جميعًا قتله، وتعاقدوا على ذلك، وتعاونوا عليه؛ فيقتل حينئذ الرجل كما لو لم يباشر قتله إلا الصبي والرجل معين له، حتى لو كانا رجلين لقتلا جميعا؛ فحينئذ يجب قتل الرجل، وأما لو لم يتعاقدوا على قتله، ولا تعاونوا عليه، وإنما رماه هذا عمدًا وهذا عمدًا، ولم يعلم من أي ضربة مات؛ لوجب أن لا يقتل الرجل عند ابن القاسم؛ لأن عمد

الجزء: 23 - الصفحة: 781

الصبي كالخطأ، ويكون كما لو رماه الصبي خطأ، والله أعلم.
قال ابن القاسم: ولو كانت رمية الصبي خطأ، ورمية الرجل عمدًا فمات منهما جميعًا فأحب إليَّ أن تكون الدية عليهما؛ لأني لا أدري من أيهما مات.
م: يريد: أن نصف الدية في مال الرجل، ونصفها على عاقلة الصبي.
وقال أشهب: عمد الصبي وخطؤه سواء، وعلى عاقلته نصف الدية، ويقتل الكبير.
قال محمد: وهذا أحب إلينا.
[17 - فصل: في اشتراك الحر مع العبد، والأب مع غيره في القتل، ومن قتله رجلان أحدهما عمدًا والآخر خطأ] مالك: ولو قتل حر وعبد عبدًا عمدًا؛ لقتل العبد، وعلى الحر نصف قيمته في ماله؛ إذ لا يقتل حر بعبد، ولو قتلا آخرًا خطأ؛ فعلى عاقلة الحر نصف الدية، ويخير سيد العبد في أن يسلمه أو يفديه بنصف الدية.

الجزء: 23 - الصفحة: 782

قال مالك في المستخرجة: يُنَجَّم ذلك عليه.
قال ابن القاسم قال مالك: ولو قتل الأب ورجلان ابنه عمدًا؛ قُتل الأب والرجلان، وإن كان بالرمية والضربة؛ لم يقتل به الأب.
قال عبد الملك: وعليه ثلث الدية مغلظة، ويُقتل الرجلان.
محمد: وإذا قتل رجلان رجلاً، جرحه أحدهما عمدًا والآخر خطأ: قال أشهب: يقسمون على أيهم شاؤا؛ فإن أقسموا على المتعمد قتلوا وكانت لهم على المخطئ دية الجناية.
قال محمد: وذلك إذا عُرفت جناية الخطأ من جناية العمد.
قال أشهب: وإن أقسموا على المخطئ كانت لهم الدية كاملة على عاقلته، واقتصوا من المتعمد جرحه إن كان مما فيه القصاص، وإن كان مما لا قصاص فيه أخذوا منه دية جنايته.
وقال فيهما ابن القاسم: إن مات مكانه؛ قتل به صاحب العمد، وعلى

الجزء: 23 - الصفحة: 783

صاحب الخطأ نصف الدية.
قال محمد: هذا إن لم يكن جرح الخطأ معروفًا بعينه.
قال ابن القاسم: وإن عاش بعد ضربهم ففيه القسامية، فإذا أقسموا على واحد برئ الآخر، أما على المتعمد ويقتلونه، ولا شيء على الآخر، وإن أقسموا على المخطئ؛ فالدية لهم على عاقلته، ويبرأ المتعمد.
قال محمد: ويضرب مئة، ويحبس سنة.
18 - فصل [فيما يجب على قاتل العمد إن عُفي عنه] قال في المدونة: ومن ثبت عليه أنه قتل رجلا عمدًا ببينة، أو بإقرار، أو بقسامة، فعفي عنه، أو أسقط عنه القتل؛ لأن الدم لا يتكافأ، فإنه يضرب مئة ويحبس عامًا، كان القاتل رجلاً أو امرأة، مسلمًا أو ذميًا، حرًا

الجزء: 23 - الصفحة: 784

أو عبدًا، لمسلم أو لذمي، والمقتول مسلم أو ذمي، حر أو عبد، لمسلم أو لذمي، وكذلك العبد يقتل وليك عمدًا، فتعفو عنه على أن أخذته فإنه يضرب مئة ويحبس عامًا.
قال أصبغ: لا يحبس العبد ولا الأمة، ولكن يجلدان.
قال مالك: وإذا أقسم على واحد من جماعة فإن من بقي ممن اتهم بالقتل يجلد كل واحد منهم مئة ويحبس سنة.
قال عبد الملك: لأن الولي ملك إشاطة دم من شاء منهم.
قال محمد: وإذا ردت اليمين على المدعى عليه فحلف؛ جلد مئة وحبس سنة، فإن كان عبدًا فلم يحلف المدعون وقد أقاموا شاهدًا على القتل، أو شاهدين على إقرار الميت، فليحلف السيد يمينًا واحدة على

الجزء: 23 - الصفحة: 785

علمه، فإن نكل أسلمه أو فداه بالدية، ويضرب مئة.
قال اصبغ: ولا يحبس.
وقد قيل: يحلف العبد خمسين يمينًا، ويجلد مئة، وإن كان ذلك من جرح أو ضرب فمات من ذلك فنكل المدعون فلا ترد اليمين هاهنا عند أشهب، وابن عبد الحكم، ويجلد [203/ب] العبد مئة.
قال أصبغ: ولا يحبس، ويصير الجرح إن ثبت، في رقبة العبد.
قال ابن القاسم: وليس في قتل الخطأ حبس ولا تعزير.
قال مالك: ومن اقتص منه من جرح عمدًا فإنه يعاقب، وكذلك إن كانت منقلة فعليه مع الغرم العقوبة.

الجزء: 23 - الصفحة: 786

19 - فصل [في العافي يدعي إنما عفا على الدية] وإذا قتل عبد وليك فعفوت عنه ولم تشترط شيئا؛ فذلك كما لو عفوت عن الحر ولم تشترط الدية ثم تطلب الدية.
قال مالك: لا شيء لك إلا أن يتبين أنك أردتها؛ فتحلف بالله ما عفوت على ترك الدية إلا لأخذها ثم يكون ذلك لك.
قال ابن القاسم: وكذلك العبد لا شيء لك إلا أن يُعرف أنك إنما عفوت لتسترقه فذلك لك ثم يخير سيده.
قال مالك: ولو عفوت عن العبد على أن تأخذه رقيقا، وقال سيده: أما أن تقتله أو تدعه؛ فلا قول له، والعبد لك إلا أن يشاء سيده دفع الدية إليك ويأخذه؛ فذلك له، وهذا إذا ثبت قتله إيَّاه ببينة، وإن كان بإقرار العبد فليس للولي أن يستحييه على أخذه، وليس له إلا أن يقتل أو يدع.

الجزء: 23 - الصفحة: 787

20 - فصل [فيمن أقر بقتل خطأ، أو جماعة أقروا بقتل عمدا أو خطأ، والجماعة يقتلون رجلاً خطأ] قال مالك: ومن أقر بقتل رجل خطأ؛ فإن اتهم أن يكون أراد غنا ولد المقتول كالأخ والصديق لم يُصدّق، وإن كان من الأباعد صُدِّق، إن كان ثقة مأمونًا ولم يخف أن يُرشا على ذلك ثم تكون الدية على عاقلته بقسامة، ولا تجب عليه بإقراره، فإن أبى ولاة الدم أن يقسموا فلا شيء لهم في مال المقر، وإذا لزمت العاقلة كانت في ثلاث سنين وإن أبى ولاة الدم أن يُقسموا فلا شيء لهم على العاقلة، ولا في مال المقر، كما لو ضرب رجل فقال: قتلني فلان خطأ؛ فإنه يُصدَّ، ويكون العقل على عاقلة القاتل بقسامة، وإلا لم يكن لهم في مال المدعى عليه شيء.
ومن غير المدونة: ولو قال رجلان: إننا وفلانًا قتلنا فلانًا عمدًا؛ لم يصدقا عليه؛ إذ لا عدالة لهما، وإن قالا: خطأ فعلى ولاة الدم القسامة مع قول هذين إذا كانا عدلين؛ لأن هذين مقران على أنفسهما فلا تحمل ذلك العاقلة بغير قسامة، ويقسمون على الثالث لأن قول هذين فلان معنا

الجزء: 23 - الصفحة: 788

لوث بينة، ولو كانت قاطعة كانت الدية بغير قسامة، وليس لولاة الدم أن يقسموا على المقرين دون المنكرين، ولا أن يقسموا على ثلثي الدية، ولا أعرف قسامة في غير دية كاملة، وقد قال مالك إذا أتى الأولياء [204/أ] يشاهد أن فلانًا وفلانًا وفلانًا قتلوه، أو شهد على قول الميت ذلك؛ فإنهم يقسمون على قاتليه الثلاثة، وتكون الدية على عواقلهم، فكذلك هذا؛ ولأنه لو شهد رجل لابنه ولأجنبي لم يجز للأجنبي ولا للابن.

الجزء: 23 - الصفحة: 789

ومن المدونة: وإذا قتل عشرة رجالٍ رجلاً خطأً وهم من قبائل شتى؛ فعلى قبيلة كل رجل عُشر الدية في ثلاث سنين، وعلى كل رجل منهم كفارة، ولو جَنوا قدر ثلث الدية حملته عواقلهم أيضًا في سنة، وما كان دون الثلث ففي أموالهم ولا تحمله عواقلهم.
21 - فصل [فيمن قتل نفسه] قال في غير المدونة: ومن قتل نفسه عمدًا أو خطأ لم تحمله العاقلة، وإنما ذكر الله عز وجل الدية فيمن قتل غيره.

الجزء: 23 - الصفحة: 790

[الباب الخامس]

في القصاص في عين الأعور والقصاص له

[22 - فصل: في دية عين الأعور] قال مالك: ودية عين الأعور دية البصر كله ألف دينار، أو اثني عشر ألف درهم، أو مائة من الإبل؛ إذا كان ذلك خطأ.
قال محمد: وذكر ذلك ابن المسيب أن عمر بن الخطاب، وعثمان بن عفان قضيا بذلك، وقاله سعيد، وقضى به عمر بن عبد العزيز، وكتب به إلى عامِلِه على المدينة

الجزء: 23 - الصفحة: 791

عبد الرحمن بن الضحاك محمد: وقاله ابن عباس، وعروة بن الزبير، وسليمان بن يَسَار، وقاله مالك، عن ربيعة، وابن شِهاب.

الجزء: 23 - الصفحة: 792

قال سليمان بن حبيب: قال علماؤنا: وسواء أخذ في الأولى عقلا أو أصابها ذلك بأمر من السماء؛ ففي الباقية الدية كاملة، وهو قول مالك وأصحابه أجمع.
23 - فصل [في أعور العين اليمنى يفقأ يمنى رجل صحيح، والقصاص في اليد والأسنان] قال مالك: وإذا فقأ أعور العين اليمين يمين رجل صحيح خطأ فعلى عاقلته نصف الدية، وإن فقأها عمدًا فعليه خمسمائة دينار في ماله، وهو كأقطع اليد اليمنى يقطع يمين رجل صحيح، فدية اليد في مال الجاني، ولا يقتص من اليد أو الرجل اليمنى باليسرى، ولا اليسرى باليمنى، وكذلك العين.
وقاله ابن عمر.
ولا يقاد سن إلا بمثلها في صفتها وموضعها، الرباعية بالرباعية، والعليا بالعليا، والسفلى بالسفلى، فإن لم يكن للجاني مثل التي طرح رجع ذلك إلى العقل.

الجزء: 23 - الصفحة: 793

قال مالك: وإن كان المفقؤة عينه أعور بعينه اليسرى فله في عينه اليمنى ألف دينار.
قال [204/ب] ابن القاسم: لأنه لا قصاص له في عين الجانين ولأن دية عين الأعور ألف دينار.
[24 - فصل: في الأعور يفقأ عين الصحيح التي مثلها باقية له] قال مالك: وإن فقأ الأعور عينَ الصحيح التي مثلها باقية للأعور فللصحيح أن يقتص، وإن أحب فله دية عينه ثم رجع مالك فقال: إن أحب أن يقتص اقتص، وإن أحب فله دية عين الأعور ألف دينار.
قال ابن القاسم: وقوله هذا أعجب إليّ.
محمد: وقاله عمر بن الخطاب،

الجزء: 23 - الصفحة: 794

وعثمان بن عفان، وقاله ابن شهاب، ويحي بن سعيد، وقاله عبد الملك وأصبغ.
رضي الله عنهم أجمعين.
قال أصبغ: وهو السُّنَّة والصواب.
قال محمد: وهو أحب إليَّ.
قال محمد: وأخذ أشهب بقول مالك الأول: أنه ليس له إلاّ القود.
قال أشهب: وبلغني ذلك عن ابن عمر أنه قال: "تُفْقأُ عَيْنُهُ، قال الله عز وجل: ﴿وَالْعَيْنَ بِالْعَيْنِ﴾ [المائدة: 45]، قال ابن عمر: الْيُمْنىَ بِالْيُمْنَى، وَالْيُسْرى بِالْيُسْرى".
قال: وقاله ربيعة، وعبد العزيز بن أبي سلمة.

الجزء: 23 - الصفحة: 795

قال محمد: وليس ما احتج به أشهب من قول ابن عمر، وربيعة، وغيره، حجة له؛ لأنه مخالف لقولهم في هذا بعينه؛ "لأنهم يقولون في الأعور إذا فقئت عينه: ليس له إلا القصاص".
حتى أن ربيعة يقول: "القصاص في كل شيء حتى الجائفة والمنقلة والمأمومة"، وهذا خلاف للأثر.
وأما حجته في قول الله عز وجل: ﴿وَالْعَيْنَ بِالْعَيْنِ﴾ [المائدة: 45]، فقد قال في الأعور تفقأ عينه: أنه بالخيار، إن شاء استقاد، وإن شاء دية عينه ألف دينار.
وهو الصواب، وهو خلاف من احتج بقوله.
[25 - فصل: في الأعمى يفقأ عين رجل عمدا، في الأعور يفقأ عيني رجل عمدًا] ومن المدونة قال مالك: وإن فقأ أعمى عين رجل عمدًا؛ فديتها في ماله لا على العاقلة.
قال مالك: وإن فقأ أعور العين اليمنى عيني رجل جميعًا عمدًا؛ فله القصاص من عينه ونصف الدية من العين الأخرى.

الجزء: 23 - الصفحة: 796

قال ابن المواز: وقاله أشهب، قال: وقاله عطاء، وربيعة.
وقال القاسم، وسالم: "تفقأ عينه الباقيه بعينيه كلتيهما، وليس عليه غير ذلك".
قال أشهب: ولسنا نرى ذلك صوابًا.
قال محمد: أما إن فقأهما عمدًا في ضربة واحدة، أو في فور واحد فللمجني عليه دية عينه اليمنى خمس مئة دينار، إذ لا قصاص له فيها، ويخير في عين الأعور اليسرى، فإن شاء [205/أ] فقأها أو تركها وأخذ منه ديتها ألف دينار، وإن كان ذلك خطأ فليس له إلا ألف دينار في عينيه جميعًا، وإن فقأهما واحدة بعد واحدة فإن كان ذلك خطأ ففيهما ألف وخمس مئة دينار على عاقلة الجاني لا تبالي بأيهما بدأ، وإن كان ذلك عمدًا، نُظرت: فإن بدأ بفقأ اليمنى فله فيها خمس مئة دينار إذ لا نظير لها،

الجزء: 23 - الصفحة: 797

ويخير في اليسرى فإن شاء استقاد منها فتركه أعمى، وإن شاء تركها وأخذ ألف دينار، وإن بدأ باليسرى التي مثلها باقية للأعور فله أن يستفيد منها ويأخذ في عينه اليمنى ألف دينار، وإن شاء تركها وأخذ ديتين ألفي دينار.
محمد: وقاله مالك وأصحابه.
[26 - فصل: في السمع يذهب من الأذن، ودية ما منه زوج في الإنسان] ومن المدونة قال مالك: ومن ذهب سمع أحدى أذنيه فضربه رجل فذهب سمع الأخرى فعليه نصف الدية بخلاف عين الأعور.
قال ابن القاسم: وليس الدية عند مالك في شيء واحد مما هو زوج في الإنسان مثل اليدين والرجلين وشبههما إلا في عين الأعور وحدها لما جاء فيها من السنة، وإنما في كل واحد من ذلك نصف الدية سواء

الجزء: 23 - الصفحة: 798

ذهب أولاً أو آخرًا.
قال محمد: وذلك أن الناظر بالعين الواحدة يبصر بها ما يبصر بالعينين جميعًا، ولا تجد أحدًا من الخلق يقوى بيد واحدة، ولا برجل واحدة قوته بكلتيهما.
م: وبهذا احتج أشهب في المجموعة على العراقيين؛ لأنهم يقولون: في عين الأعور نصف الدية كأحدى اليدين.
قال أشهب: وأما السمع فيسأل عنه، فإن كان يسمع بالأذن ما يسمع بالاثنين فهو كالبصر، وإلا فهو كاليد والرجل.
[27 - فصل: الجناية على البصر الذي قد ذهب بعضه بجناية] قال فيه وفي كتاب محمد: وإذا أصيب من كل عين نصف بصرها ثم أصيب باقيهما في ضربة؛ فإنما له خمس مئة دينار؛ لأنه إنما ينظر بهما

الجزء: 23 - الصفحة: 799

نصف نظرهما، وكذلك إن أصيب بباقي أحدهما فإنما له مئتان وخمسون دينارًا، ثم إن أصيب بباقي بصر الأخرى فله هاهنا خمس مئة دينار؛ لأن ذلك قام مقام نصف جميع بصره، كما فيها لو كانت صحيحة ألف دينار.
محمد: وقال عبد الملك عن مالك: إذا أصيب النصفان الباقيان من كل عين بضربة واحدة؛ كان فيهما ألف دينار لأنهما كعين واحدة، وإن كان ذلك مفترقا ففي الأولى على حساب خمس مئة، وفي الثانية على حساب ألف.
ولو ضرب صحيح ضربة أذهبت نصف [205/ب] بصر إحدى عينيه، فأخذ نصف ديتها مئتين وخمسين، ثم أصيب ما بقي من عينيه

الجزء: 23 - الصفحة: 800

جميعًا بعد ذلك فله ألف دينار، لأنه بصره كله، ولو لم يصب إلا نصف العين الناقصة وبقيت الصحيحة فليس فيها إلا تمام ديتها مئتان وخمسون ديناراً ما دامت له عين أخرى، وهذا مالا اختلاف فيه بين أصحاب مالك.
قيل: فإن أصيب الصحيحة أو نصفها وبقي نصف المصابة بحاله؟ قال: قد اختلف في هذا أصحاب مالك.
فقال أشهب: له في الصحيحة إن ذهبت كلها ثلثا الألف، وإن ذهب نصفها؛ فثلث الألف، ثم على حساب هذا ما دام نصف الأولى قائما.
محمد: فصار عنده فيما ذهب من العين المصابة على حساب خمس مئة، وفيما ذهب من العين الصحيحة على حساب ثلثي الألف.

الجزء: 23 - الصفحة: 801

وقال ابن القاسم، وعبد الملك: ليس له فيما يصاب به من العين الصحيحة إلا على حساب خمس مئة، ذهبت كلها أو بعضها ما دام في الأخرى بصر، وإذا لم يبق في الواحدة بصر فما ذهب من الثانية فعلى حساب ألف دينار.
قال عبد الملك: ولو بني ذلك على القياس حتى يجعل في الأخرى ثلث الألف لخرج ذلك إلى خلاف الحق.
قال سحنون في المجموعة: وناقض أشهب في هذا أصحابه بقوله: إذا أصيب بقية المصابة والأخرى صحيحة أن له تمام ديتها مئتان وخمسون.
قالوا: وإن كان يلزمه أن يجعل فيها ثلث الألف كما حكم في الصحيحة بثلثي الدية، وأحسن ذلك أن يكون في الصحيحة خمس مئة، لأنه بقي له نصف عين، ثم إن يكن في الصحيحة خمس مئة؛ لأنه بقي له نصف عين، ثم إن أصيب هذا النصف عين فله في قولهم أجمع خمس مئة دينار نصف دية عين الأعور.

الجزء: 23 - الصفحة: 802

[الباب السادس]

فيمن يضرب فيدعي ذهاب بصره أو سمعه أو بعض ذلك

[28 - فصل: كيفية اختبار بصر أو سمع من ضرب فأدعى تأثره بذلك] قال مالك رحمه الله: ومن أصيب إحدى عينيه فنقص بصرها، غلفت له الصحيحة، ثم جعل له بيضة أو شيء في مكان يختبر به منتهى السقيمة، فإذا رآها حولت إلى موضع آخر؛ فأن تساوت الأماكن أو تقاربت صدق، وقيست الصحيحة ثم أعطى بقدر ما انتقضت المصابة من الصحيحة، والسمع مثله يختبر بالأمكنة أيضا حتى يعرف صدقه.
محمد: [206/أ] قال ابن القاسم وأشهب عن مالك: ويحلف

الجزء: 23 - الصفحة: 803

على ذلك.
قال أشهب وابن نافع: وإن اختلف قوله ل يصدق.
قال أشهب: ولا تبالي بأي عين بدأت.
قال: وإذا اختلف قوله بأمر بين؛ لم يكن له شيء.
قال أصبغ: وهذا قول مالك وأصحابه.
وقال عيسى بن دينار: إذا اختلف قوله؛ عقل له الأقل مع يمينه.
قال ابن القاسم في المدونة: وإن ادعى المضروب أن جميع سمعه أو بصره قد ذهب اختبر، إن قدر على ذلك، بما وصفنا.
قال في كتاب محمد: يختبر بالإشارة في البصر، والصوت في السمع، ويغتفل مرة بعد مرة.
قال في الكتابين: فإن لم يقدر على اختباره على حقيقته وأشكل أمره؛ صدق المضروب مع يمينه، وقاله مالك، وقال: الظالم لم أحق أن يحمل

الجزء: 23 - الصفحة: 804

عليه.
محمد: وقال أشهب: وروى ما ذكرنا من اختبار البصر بالبيضة عن علي بن أبي طالب رضي الله عنه، وقاله عطاء، وابن شهاب رضي الله عنهما.
قال أشهب: وكذلك لو أدعى أنه نقص بصر عينيه جميعا، أو أذنيه، فإنه يقاس بالبيضة في البصر، والصوت في السمع، كما وصفنا؛ فإذا اتفق قوله أو تقارب، قيس له بصر رجل وسط مثله، فيحسب منتهى بصر ذلك الرجل، وسمعه، ثم يعتبر ما نقص من ذلك المضروب ثلثاً أو ربعاً، أو نصفا أو ما كان فيعطي بقدر ما نقص من سمعه وبصره بعد يمينه على ما ادعى، والظالم أحق بالحمل عليه، ولم يذكر ابن وهب عنه اليمين.

الجزء: 23 - الصفحة: 805

[الباب السابع]

فيمن جرح رجلاً عمداً أو خطأ فترامي الجرح إلى أكثر من ذلك

قال مالك رحمه الله: ومن شج رجلاً موضحة خطأ فذهب من ذلك سمعه عقله؛ فعلى عاقلته ديتان، ودية الموضحة؛ لأنها ضربة واحدة.
قال ابن القاسم: وكما لو شجه موضحة ومأمولة في ضربة فعقلهما على العاقلة، وأما لو شجه موضحة ومأمومة في ضربة عمداً لاقتص منه امن الموضحة، وحملت العاقلة المأمومة.

الجزء: 23 - الصفحة: 806

[29 - فصل: في الجاني يقتص منه فإن ماثل وإلا فالعقل في الزائد] قال: وإن ضربه موضحة عمداً فذهب منها سمعه وعقله؛ فإنه يقاد من الموضحة بعد البرء، ثم ينظر إلى المقتص منه، فإن برأ ولم يذهب سمعه وعقله من ذلك كان في ماله عقل سمع الأول وعقله، وقد يجتمع في ضربة واحدة قصاص وعقل.
محمد: وقال أشهب: إذا برأ المقتص منه ولم يذهب سمعه [206/ب] عقله؛ كان عقل ذلك على العاقلة.
قلت لمحمد: كيف يكون ذلك على العاقلة، وقد أخبرتني أن ابن القاسم وأشهب قالا فيمن ضرب يد رجل عمداً فشلت: أنه يقتص من الضارب فإن شلت يده وإلا كانت دية اليد في مال الضارب؟ قال محمد: أما ابن القاسم، وعبد الملك، وأصبغ، فيجعلون ذلك كله في ماله، ترامى الجرح إلى زيادة فيه، أو ذهاب عضو غيره؛ لأن العمد جر ذلك كله.
أما أشهب فيقول: كل جرح ترامى إلى زيادة لم يخرج إلى شيء غيره مما لو كان خطأ لم يكن له دية الجرحين إنما له دية الأكثر فذلك في العمد في

الجزء: 23 - الصفحة: 807

ماله؛ مثل أن يجرحه موضحة فتعود مأمومة، فعقل المأمومة فقط في الخطأ على العاقلة، وفي العمد في ماله، وقاله مالك أصحابه في هذا.
قال أشهب: وأما كل جرح ترامى حتى ذهب غيره فكان فيه في الخطأ دية الجرحين؛ مثل أن يوضحه فيذهب بصره أو سمعه، فذلك في العمد يكون ترامى إليه على العاقلة، يتقص من الجرح الأول إن كان مما فيه القصاص، جعل ذلك من العمد الذي لا يقدر على القصاص منه، وهو في الجاني قائم.
قال محمد: وأحب إلينا أن يكون ذلك كله في ماله؛ لأنه مما جره العمد، لو كان ذلك كالخطأ لكان إن ترامى ذلك إلى النفس أن يكون فيه الدية على العاقلة، وهذا لم يقل به أحد من العلماء بل فيه القصاص؛ لأن أصله كان عمداً، قد قال ذلك أشهب ولم يقدر يخالف فيه، ولكان أيضا من جرح يد رجل عمداً فشلت، فاقتص من الجارح فلم تشل يده أن يكون عقل المجروح الأول على العاقلة، وقد قال أشهب مع

الجزء: 23 - الصفحة: 808

أصحابه/: أنه في مال الجاني، فهذا كله في نوع واحد، والله عز وجل نسأله التوفيق.
م: وقال أشهب في المجموعة كقول ابن القاسم، عبد الملك، أن ذلك كله في مال الجاني ولا شيء على العاقلة، قاله: في إذا أوضحه فذهب من ذلك سمعه عقله.
قال في المدونة: ولو قطع إصبع رجل عمداً فشلت من ذلك يده أو أصبع أخرى؛ اقتص من الجاني في الأصبع، ويستأني به فإن برأ ولم تشل يده، عقل ذلك في ماله.
قال مالك: وهذا أحب ما في ذلك إلى من الاختلاف.
وإن ضرب [207/أ] رجلا خطأ فقطع كفه فشل الساعد، فعلى عاقلته دية اليد لا غير؛ لأنه ضربة واحدة.

الجزء: 23 - الصفحة: 809

30 - فصل [في جراح العمد تنتشر إلى النفس، والفرق بين التنامي إلى النفس والتنامي إلى العضو] ومن المجموعة/ نحوه في كتاب محمد، قال مالك في جراح العمد تنتشر فيعظم الجرح: فليس عليه قود إلا مثل ما أصاب، وليس عليه فيما انتشر إليه قود وإنما فيه العقل إلا أن ينتهي إلى النفس؛ فيقتل به بقسامة.
قال ابن الماجشون: والفرق بين التنامي إلى النفس وبين التنامي إلى ما يزيد من الجرح إلى عضو: أن النفس لا بعض فيها للقود والجرح فيه للقود بعض، فليجعل الجديد موضعا جعله الأول.
م: يريد: ثم يعقل له ما تنامي إليه الجرح.

الجزء: 23 - الصفحة: 810

وقال في كتاب ابن المواز: الفرق بين تنامي الجرح إلى النفس فيقتص منه، ولا يقتص فيما تنامي إلى غير النفس، أنه إذا بلغ إلى النفس، كان القصاص بالنفس، فسقط كل جرح لهذا أو لغيره؛ لأن الجرح عاد نفسا ألا ترى أن الجارح لو قطع يدي رجل ورجليه، وفقاً عينيه، ثم ضرب عنقه بعد الجراح؛ لاقتص منه بالقتل وسقطت عنه الجراح.
وكذلك لو كان إنما فعل بغير هذا، ثم قتل هذا لكان القصاص بالقتل يسقط كل جرح لهذا أو لغيره؛ فإذا قطع يده خطأ ثم مات مكانه، فدية نفسه على العاقلة فقط، وسقطت دية يده، إن كان ذلك عمداً اقتص منه بالقتل فقط.
م: يريد: فلما كان القتل يسقط كل جرح قبله صار لا حكم للجراح الأولى معه، ولما كان الجرح لا يسقط ما تقدمه من الجراح التي موضعها في الجارح قائم، وجب أن يكون حكم الجرح الأول باق، فإذا تنامى إلى

الجزء: 23 - الصفحة: 811

جرح أكثر منه اقتص من الجارح الأول، فإن تنامي إلى ما تنامي إليه جرح الأول فأكثر مضي ذلك، وإن لم يتنام إلى غيره؛ كان له فضل عقل الثاني على الأول.
[31 - فصل: في الموضحة تتنامى منقله، أو تذهب منها العيم، والملطا والباضعة والدامية تتنامى موضحة] محمد: وقال مالك مرة: إذا شجه موضحة عمداً ليس فيها هشم فتنقلت على الدواء حتى صارت منقلة؛ أرى أن يستقاد من الجارح موضحة، فإن انتقلت بالمستقاد منه أو زادت أو مات فذلك بذلك وإن لم ينتقل كان له بقية دية المنقلة، وهو ما بين المنقلة والموضحة، وذلك عشر فرائض، ومن الذهب مئة دينار.
قال مالك: وكذلك [207/ب] لو شجه ملطا فصارت موضحة؛ أقيد أيضا منه ملطا، فإن صارت موضحة إلا عقل له ما بقي.

الجزء: 23 - الصفحة: 812

قال محمد: وقال مالك أيضا في الموضحة وحدها إذا آلت إلى منقلة: أنه يؤخذ من الجارح عقل المنقلة، وإن كان عمداً، ولا يقتص منه بشيء، وقال: أخاف أن يكون كانت منقلة من أول، والبطء لا يأتي منه نقل العظام لولا أن الضربة هشمت العظم.
قال ابن القاسم وهو أحب إلى، إليه رجع مالك، وليس هكذا ما سواه من الجراح.
قال مالك: ولو شجة موضحة خطأ فصارت منقلة، كان فيها عقل المنقلة، وكذلك لو شجه ملطا، أو باضعة أو دامية، فانتشرت حتى صارت موضحة؛ كان في ذلك عقل الموضحة فقط، وهو الأكثر.
قال أشهب: ول استغررت الموضحة حتى ذهب من ذلك العين لأعطى العقلين عقل الموضحة مع عقل العين.
قال محمد/ ولا يشبه هذا الشجاج؛ لأن هذا جرح آل إلى جرحين

الجزء: 23 - الصفحة: 813

مفترقين، فلذلك أعطاه مالك الديتين، دية الموضحة ودية العين.
فأما الموضحة إذا صارت منقلة فهو جرح واحد في موضع واحد، فليس فيه إلى عقل واحد، وهو الأكثر الذي ترامى إليه، هذا كله في الخطأ.
وقد فسرت لك قول مالك في العمد: أنه لا يقتص إلا من الجرح الأول، إن كان مما يستقاد منه ثم يكون فيما ترامى إليه فضل ديته على الأول إلا أن يترامى جرح المستقاد من أيضا إلى مثله أو أكثر، وهذا كله قول مالك وأصحابه إلا ما بينا من اختلاف قول مالك في الموضحة تعود منقلة.

الجزء: 23 - الصفحة: 814

[الباب الثامن]

في الصلح عن الدم، وجناية النائم ومن جنى ما لا تحمله العاقلة

[32 - فصل: في الصلح عن الدم في العمد الخطأ] قال مالك: وقاتل العمد إذا صولح على أكثر من الدية فذلك جائز؛ كان من أهل الإبل أو غيرهم لأنه إنما فدى نفسه فما تراضوا به جاز.
قال: وإذا قبلت دية العمد مبهمة فهي في مال القاتل مربعة، ولا شيء على العاقلة.
ومن جني خطأ وهو من أهل الإبل، فصالح الأولياء عاقتله على أكثر من ألف دينار؛ فذلك جائز إن عجلوها، فإن تأخر لم يجز؛ لأنه دين بدين.
ولو جني عمدا فصولح الجاني على مال إلى أجل جاز ذلك؛ لأن هذا دم [208/أ] وليس بمال.
ولو صالح الجاني على العاقلة، والجناية خطأ مما تحملها العاقلة،

الجزء: 23 - الصفحة: 815

فقالت العاقلة: لا نرضى بصلحه ولكنا نحمل ما علينا من الدية؛ فذلك لهم.
33 - فصل [فيما أصاب النائم والنائمة] وما أصاب النائم من شيء يبلغ به ثلث الدية؛ فهو على عاقلته.
وقال مالك في امرأة نامت على ولدها فقتلته: إن ديته على عاقلتها وتعتق رقبة.
34 - فصل [في جناية من كان من أهل الإبل، ومقدار دية الإصبع منها] قال مالك: ومن جني من أهل الإبل ما لا تحمله العاقلة؛ فذلك في ماله من الإبل فإن قطع أصبع رجل خطأ؛ كان في ماله ابنتا مخاض، وابنتا لبون وابنا لبون، وحقتان، وجذعتان وكذلك لو جني ما هو أقل من بعير؛ كان ذلك عليه في الإبل.

الجزء: 23 - الصفحة: 816

[الباب التاسع]

في القسامة، وما يوجبها من شهادة، إقرار، أو تهمة.

[35 - فصل: في العمل بالقسامة] محمد: قال أشهب: والقسامة سنة لا رأى لأحد فيها، و (كانت

الجزء: 23 - الصفحة: 817

في الجاهلية فأقرها النبي صلى الله عليه وسلم في الإسلام

الجزء: 23 - الصفحة: 818

قال غيره: وكذلك قال ابن شهاب لعمر بن عبد العزيز رضي الله عنه.
قال مالك: وما ذكر الله عز وجل من شأن البقرة التي ضرب القتيل

الجزء: 23 - الصفحة: 819

بلحمها فحيي، وأخبر من قتله؛ دليل أنه يقسم مع قول الميت.
قال أبو محمد: فإن قيل: إن ذلك آية؟ قيل: إنما الآية حياته، فإذا صار حيا لم يكن كلامه آية وقد قبل قوله فيه.
و (سن الرسول عليه السلام الإيمان في القسامة) قال ابن المواز: فإن قيل: قد يدعي على عدوه؟

الجزء: 23 - الصفحة: 820

قيل: فالعدواة مزيدة في الظنة واللطخ ومما يقوي قوله مع الأيمان.
قال غيره: و (لم يدع النبي صلى الله عليه وسلم الحارثيين إلى الإيمان حتى ادعوا على اليهود القتل)، بينهم يومئذ عدواة ظاهرة، وأمر قوي به دعواهم.
قال غيره: وقد فرق الله عز وجل بين حكم الدماء وغيرهم تعظيما للدماء، فجعل الدية على من لم يجن.
وغيرنا يحكم بالدية مع القسامة في القتيل يوجد في المحلة فأخرجوا

الجزء: 23 - الصفحة: 821

ذلك عن سائر الحقوق، فهي مع قول الميت أو الشاهد العدل أولى.
36 - فصل [فيما يوجب القسامة من قول الميت أو لوث، وما يكون لوثا وما لا يكون] قال مالك: الأمر المجتمع عليه عندنا، وما أدركت الناس عليه؛ أن القسامة لا تجب إلا بأحد أمرين: إما أن يقول الميت: دمي عند فلان، أو يأتي ولاته [208/ب] من بينة وإن لم تكن قاطعة.
واختلف في المدونة: هو الشاهد العدل الذي يرى أنه حاضر الأمر، ولا يقسم مع شهادة المسخوط، ولا النساء، ولا العبيد، ولا الصبيان، قال: وإنما يقسم مع الشاهد العدل.
وبه أخذ ابن القاسم، وابن وهب، وابن عبد الحكم.

الجزء: 23 - الصفحة: 822

محمد: وروى عنه أشهب: أن اللوث الشاهد وإن لم يكن عدلا.
قيل له: أفترى شهادة المرأة من ذلك؟.
قال: نعم، وليس شهادة العبد من ذلك.
وبهذا أخذ أشهب وأما شهادة العبد، والصبي، والذمي؛ فلم يختلف فيه قول مالك وأصحابه: أنه ليس بلوث.
قال ابن عبد الحكم: ولا شهادة للنساء في قتل عمد، ولا يكون لطخا.
محمد: يريد: في امرأة واحدة، وأما امرأتان فيقسم مع شهاتهما إن كانتا عدلتين، ويقتل بذلك، قاله ابن القاسم.
قال ابن الحكم عبد الحكم: ويوجب القسامة ما يدل على قتل القاتل بأمر

الجزء: 23 - الصفحة: 823

بين؛ مثل أن يرى يجره ميتاً، أو يرى خارجاً ملطخا بالدم من منزل يوجد فيه القتيل وليس معه غيره ومثل أن يعدو عليه في سوق عامر فيقتله فيشهد بذلك من حضره.
يريد: وإن لم يعرفوا، فإن تظاهر ذلك كاللوث تكون معه القسامة، قاله من أرضي.
وقال ابن حبيب: وروى ابن وهب عن مالك: أن شهادة النساء لوث؛ ومثل أن يرى المتهم بحذاء المقتول وقربه، ولم يره حين أصابه.
وقال ربيعة، ويحيى بن سعيد: إن شهادة المرأة لطخ توجب القسامة،

الجزء: 23 - الصفحة: 824

قالا: وكذلك شهادة العبيد، والصبيان، واليهود، والنصارى، والمجوس، إذا حضروا قتلاً فجأة، أو لضرب أو لجرح فذلك يوجب القسامة.
قال في المجموعة/ هذا لا يقوله مالك ولا أحد من أصحابه.
قال ابن حبيب: قال مطرف عن مالك/ ومن اللوث الذي تكون به القسامة؛ اللفيف من السواد، والنساء والصبيان، وغير المعدول، يحضرون ذلك.
ومن روى عنه: أن اللوث الشاهد العدل فقد وهم، وإنما كان يسأل: هل الشاهد العدل لوث؟ فيقول: نعم، واللوث مثل ما أخبرتك، وقد حكم به عندنا.
[209/أ] وقال ابن الماجشون، وأصبغ مثل قول مطرف.
قال ابن المواز: إن شهد عدل أنه قتله غيلة لم يقسم مع شهادته.

الجزء: 23 - الصفحة: 825

ولا يقتل هاهنا إلا بشاهدين.
قال أبو محمد: ورأيت ليحيى بن عمر: أنه يقسم معه.
قال ابن المواز: إنما يقسم مع شهادة الواحد على معاينة القتل، بعد أن تثبت معاينة جسد القتيل، فيشهدون على موته، ويجهلون قاتله؛ كما عرف موت عبد الله بن سهل.
وكذلك لو شهد امرأتان ورجل على قتله، ولم يعرف موته؛ فلا قسامة فيه إلا أنه يحبس المشهود عليه ولا يعجل بتخليته، فعسى أن يأتي بشاهد آخر، ويثبت موت الميت.
يريد: برجلين.
قال ابن الماجشون/ لأن القتل يفوت والجسد لا يفوت.

الجزء: 23 - الصفحة: 826

37 - فصل [في شهادة المحدود في قذف، وشهادة النساء، وشهادة الواحد على قتل الخطأ أو الإقرار به] قال في المدونة: وإذا حسنت حال المحدود في القذف جازت شهادته في الدم وغيرهن وتجوز شهادة النساء في جراح الخطأ، وقتل الخطأ؛ لأن ذلك مال، وإن شهدت على رجل على منقلة أو مأمومة عمدا، جازت شهادتهن؛ لأن العمد والخطأ فيهما إنما هو مال ليس فيه قود.
قال مالك: وإذا شهد شاهد على رجل أنه قتل فلانا خطأ؛ فليقسم أولياء القتيل، ويستحقون الدية على العاقلة، ولو شهد رجل على رجل أنه قتل فلانا خطأ، وشهد آخر على إقرار القاتل؛ فلا يجب على العاقلة بذلك شيء إلا بالقسامة.
قال أشهب: ويقسمون مع الشاهد على علم القتل.
قال ابن القاسم: وإن شهد شاهد على إقرارا القاتل أنه قتله خطأ؛ فلا يثبت ذلك من إقراراه إلا بشاهدين، فيقسمون حينئذ معهما ويستحقون.
يريد: إذا لم يعرف منه نكر.
قال أشهب: وإذا أنكر القاتل قول الشاهد لم تجز الشهادة، وهو

الجزء: 23 - الصفحة: 827

كشاهد شهدوا على شهادته وهو ينكرها.
قال ابن القاسم/ وذلك بخلاف من أقام شاهدا على إقرار رجل بدين؛ هذا يحلف مع شاهده ويستحق.
[38 - فصل: الخلاف في وجوب القاسمة بشهادة رجل على قول المقتول: إن فلانا قتله] قال ابن المواز: وإن شهد شاهد على قول المقتول إن فلاناً قتله؛ فقال عبد الملك: [209/ب] إنه يقسم مع شهادته، وقال ابن عبد الحكم وغيره: لا يجوز على قول المقتول إلا شاهدان، وقاله ابن القاسم في العتيبة قال: لأن الميت كشاهد فلا يثبت قوله إلا بشاهدين، وبه قال ابن المواز: قال: وإنما تكون القسامة حيث يكون اليمين مع الشاهد.
ومن المدونة قال ابن القاسم: ولو قال المقتول: دمي عند فلان، وشهد شاهد أنه قتله لم يحتزأ بذلك ولابد من القسامة.

الجزء: 23 - الصفحة: 828

[الباب العاشر]

فيمن قال: دمي عند فلان واختلاف الأولياء في صفته قتله، ويمينهم، ونكولهم في ذلك

[39 - فصل: هل التدمية لوث] قال مالك رحمه الله: وإذا قال المقتول: دمي عند فلان قتلني عمدا، أو قال: خطأ؛ فولاته أن يقسموا ويقتلوا في العمد، ويأخذوا الدية في الخطأ من العاقلة.
ابن القاسم: وليس للورثة أن يقسموا على خلاف ما قال المقتول.
[40 - فصل: في اختلاف الأولياء في صفة القتل، ويمينهم، ونكولهم في ذلك، ورد اليمين على المدعى عليهم، واشتراك الجاني في القسامة، ونكوله، وحبسه] قال أشهب في غير المدونة: إن قال المقتول: قتلني خطأ، وقال ولاته: بل عمداً؛ فقد أبطلوا ما وجب لهم من ديته، ولا سبيل لهم إلى القتل بقولهم، وإن

الجزء: 23 - الصفحة: 829

قال هو: عمداً، وقالوا هم: خطأ، فقد أبطلوا القود، ولا شيء لهم من الدية.
قال ابن القاسم في المدونة: وإن قال: قتلني، ولم يقل عمداً ولا خطأ؛ فما ادعى ولاة الدم من عمد أو خطأ أقسموا عليه واستحقوه.
وإن قال بعضهم: عمداً، وقال بعضهم: خطأ، فإن حلفوا كلهم استحقوا دية الخطأ بينهم أجمعين، ولا سبيل إلى القتل وإن نكل مدعوا الخطأ، فليس لمدعي العمد أن يقسموا ولا دم لهم، ولا دية.
قال مالك: وإن قال بعضهم عمداً، وقال الباقون، لا علم لنا بمن قتله، ولا نحلف، فإن دمه يبطل.
وإن قال بعضهم: خطأ، وقال الباقون/ لا علم لنل، أو نكلوا عن اليمين؛ حلف مدعوا الخطأ، وأخذوا نصيبهم من الدية، ولا شيء للآخرين، ثم إن أراد الآخرون أن يحلفوا بعد نكولهم، ويأخذوا نصيبهم من

الجزء: 23 - الصفحة: 830

الدية، لم يكن لهم ذلك.
قال مالك: وإذا نكل مدعوا الدم عن اليمين، وردوا الأيمان على المدعي عليهم، ثم أرادوا بعد ذلك أن يحلفوا؛ لم يكن لهم ذلك، وكذلك من أقام شاهدا على مال وأبي أن يحلف معه، ورد اليمين على المطلوب [210/أ] ثم بدى له أن يحلف؛ فليس له ذلك، فإن نكل المطلوب هاهنا غرم، ولا يرد اليمين على الطالب؛ لأنه هو ردها، فإن لم يكن للمقتول إلا وارث واحد فاجعى الخطأ؛ فليحلف خمسين يمينا، ويستحق الدية كلها، وإن ادعى العمد؛ لم يقتل المدعي عليه إلا بقسامة رجلين فصاعدا فإن حلف معه آخر من ولاة الدم وإن لم يكن مثله في القعدد؛ قتلوا، وإلا ردت الإيمان على المدعي عليه؛ فإذا حلف خمسين يمينا برأ، وإن نكل حبس حتى يحلف، وكذلك من أقام شاهداً على جرح عمداً؛ فليحلف ويقتص، فإن نكل قيل للجارح: احلف وابرأ، فإن نكل حبس حتى يحلف.

الجزء: 23 - الصفحة: 831

قال مالك: والمتهم بالدم إذا ردت اليمين عليه لا يبرأ حتى يحلف خمسين يميناً، ويحبس حتى يحلفها.
م: قال بعض أصحابنا: وإذا ادعى القاتل أن ولي الدم عفى عنه فطالبه باليمين فنكل عنها؛ فليلحف القاتل يمينا واحدة لا خمسين يمينا، لأنها اليمين التي ردت عليه؛ ولأنه تناغ في عفو يجري الحكم فيه كسائر التداعي، بخلاف نكول الورثة عن القسامة فيردوها على المدعي عليه؛ هذا يحلف اليمين التي ردت عليه خمسين يمينا.
ومن كتاب ابن المواز قال ابن القاسم: وإذا ردت الأيمان على أولياء القاتل لنكول أو لفقد من يحلف أنه إ حلف أولياء القاتل خمسون منهم خمسين يمينا، فإن لم يكن له إلا اثنان حلفوا خمسين يمينا دون القاتل، وبرأ المدعي عليه، ولا يحلف هو معهم، وليس يجبرون على

الجزء: 23 - الصفحة: 832

الأيمان إلا أن يطوعوا لصاحبهم، فإن قالوا: نحلف بعضها، ويحلف المدعي عليه بعضها، لم يجز ذلك، ولابد أن يحلف من ولاته رجلان فأكثر، فإن لم يجد إلا رجلا واحداً لم يجز أن يحلف المدعي عليه معه؛ لأنه إذا حلف المدعي عليه لم يبرئه إلا خمسون يمينا، يحلفها كلها وحده.
قال مالك: فإن نكل حبس أبداً حتى يحلف.
وقال عبد الملك: يحلف فيها المدعي عليه، ومن استعان به من عصبته، ويتساوون في الأيمان وإن شاء حلف هو الأكثر، [210/ب] ويحلفون هم أقل منه، فإن لم يجد حلف هو وحده.
قال محمد: وقول ابن القاسم أشبه بما قال مالك في موطأه.

الجزء: 23 - الصفحة: 833

[41 - فصل: إذا ردت الأيمان على المدعي عليه في التدمية وكانت القسامة بجراحه أو بقوله قبل الموت] قال محمد: وإذا وجبت القسامة بقول الميت، أو بشاهد على القتل فردت الأيمان على المدعي عليه، فإنه يحلف هو أو ولاته أنه ما قتله، فإن نكل هاهنا حبس حتى يحلف، وإن أقر قتل.
هذا قول مالك وأصحابه.
وأما إن كانت القسامة بضرب أو بجرح ثم مات بعد ذلك:- فقال ابن القاسم، وعبد الملك: يحلف ما من ضربي ولا من جرحي مات، فإن نكل حبس حتى يحلف، وإن حلف ضرب مئة وحبس سنة، وإن لم يحلف واعترف أن من ضربه مات، لم أقتله ولابد أن يحلف.
وقال أشهب، وابن عبد الحكم، وأصبغ: لا يحلف في هذا، وهذا غموس وهو أحب إلينا، وإن كان المدعون يباح لهم اليمين فيما لم

الجزء: 23 - الصفحة: 834

يحضروا، فإن ذلك لا يشبه يمين المدعي عليه؛ لأن نكول المدعي يبطل به الدم، وترد لهم الأيمان على المدعي عليهم، فإن نكلوا لم يحكم عليهم بنكولهم، وكيف يحلفون يمينا، وهو لو أقروا أو نكلوا لم يؤخذوا بذلك.

الجزء: 23 - الصفحة: 835

[42 - فصل: في عدم القسامة في الجراح] ومن المدونة قال ابن القاسم/ وليس في شيء من الجراح قسامة، ولكن من أقام شاهداً عدلاً على جرح عمداً أو خطأ، فليحلف معه يمينا واحدة، ويقتص في العمد، ويأخذ العقل في الخطأ، وإنما يحلف خمسين يمينا في النفس لا في الجراح.
قيل لابن القاسم: قال ذلك مالك في جراح العمد، وليست بمال؟ فقال: كلمت مالكاً في ذلك فقال: إنه لشيء استحسناه، وما سمعت فيه بشيء.
قال أشهب: كما يقسم مع شاهد واحد في النفس، كذلك يقتص معه بيمين واحدة في الجراح إذ لا قسامة فيها، وقاله غير واحد من أهل العلم.

الجزء: 23 - الصفحة: 836

[الباب الحادي عشر]

في أيمان القسامة، ومن يحلفها، ومن نكل عنها أو عفا، وكيف إن كان في الأولياء صغير، أو غائب، أو مجنون

[43 - فصل: فيمن يبدأ بحلف أيمان القسامة] قال مالك في غير كتاب: السنة التي لا اختلاف فيها عندنا، وما أجمعت عليه الأمة في القديم والحديث: أن يبدأ المدعون للدم في القسامة، و (كذلك فعل الرسول عليه [211/أ] السلام في الحارثيين)، فإن حلفوا استحقوا الدم.
والفرق بين ذلك وبين سائر الحقوق: أنك تقدر في غير الدم أن تستثبت والدماء إنما يترصد بها الخلوات، فلو فعل فيها كغيرها لاجترأ الناس عليها.

الجزء: 23 - الصفحة: 837

وقد روى ابن وهب عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده

الجزء: 23 - الصفحة: 838

(أن النبي صلى الله عليه وسلم: بدأ المدعين في العمد والخطأ خمسين يميناً) [44 - فصل: الذين يقسمون في العمد وأقل ما يقبل فيه] قال مالك رحمه الله: الأمر المجتمع عليه: أنه لا يقسم في دم العمد أقل من رجلين.
قال ابن القاسم: ولا أراه أخذه إلا من قبل الشهادة؛ إذ لا يقتل أحد إلا بشاهدين.
قال أشهب: وقد جعل الله تعالى مكان شهادة رجل في الزنى يمينا من الزوج في لعانه.

الجزء: 23 - الصفحة: 839

وقال عبد الملك: ألا ترى أنه لا يحلف النساء في العمد إذا لا يشهدون فيه، وإنما (عرضها النبي صلى الله عليه وسلم على جماعة) والجماعة اثنين فصاعدا.
[45 - فصل: صيغة اليمين في القسامة] قال في المدونة: ويحلف الورثة في القسامة بالله الذي لا إله إلا هو أن فلانا قتله، لو لهو ضربه، ومن ضربه مات إن كان حيي، ولا يزاد في أيمانهم "الرحمن الرحيم" وكذلك سائر الأيمان.
قال أبو محمد: المغيرة يزيد: الرحمن الرحيم، ولم يره مالك.
محمد: قال أشهب: فإن قال: والذي لا إله إلا هو، أو قال: والله فقط، فلا يقبل حتى يقول: والله الذي لا إله إلا هو لهو ضربه ومن ضربه مات.
وقال عبد الملك: يحلف والله الذي لا إله إلا هو عالم الغيب.

الجزء: 23 - الصفحة: 840

والشهادة لقد مات من الذي شهد عليه به فلان وفلان، يردده هكذا.
قال أشهب: قال مالك: لم يستحلف بهذا في القسامة إلا قريبا، ولا أرى ذلك، وهو من أيمان الأعراب.
[46 - فصل: في أيمان القسامة هل هي على البت أو على العلم؟ ومواطن الحلف، ووقته] قال في المدونة وغيرها: ويمين القسامة على البت وإن كان أحدهم أعمى أو غائبا حين القتل، وقد دعا النبي صلى الله عليه وسلم من لم يحضر القتل إلى اليمين، والصبي يحلف إذا كبر في دين أبيه مع شاهده، كما يجوز له أن يدعي بالخبر الصادق.
قال أشهب: ولو لم يجز على البت لم يجز على العلم؛ لأنه إذا لم يعلم لم يجز أن يقول: علمي، ولكن يحلف في القسامة ومع الشاهد، كما

الجزء: 23 - الصفحة: 841

جاءت السنة، ويسلم لذلك.
قال مالك: ويحلفون في المدينة عند منبر النبي صلى الله عليه وسلم [211/ب] وفي غيرها في المسجد الجامع، ويحلفون قياماً دبر الصلوات وعلى رؤس الناس.
قال مالك: ويجل من بأغراض المدينة، ومكة وبيت المقدس إليها، وإن كانوا على عشرة أيام، ولا يجلب إلى غيرها من البلدان إلا من مثل عشرة أميال.
[47 - فصل: في عدد من يحلف في القسامة، وقسمة الأيمان فيها، وكيف إن كان للمقتول جد وأخوة، أو ابن وعشيرة، وفي استعانة الولي ببعض عصبته] قال مالك: فإن كان في الولاة خمسون رجلا حلف كل رجل يميناً، فإن لم يكونوا ردت عليهم الأيمان.

الجزء: 23 - الصفحة: 842

أشهب: وإن كانوا أكثر من خمسين وهم في القعدد سواء؛ فليس عليهم أن يحلف منهم إلا خمسون رجلاً، قال: لأن من لم يقسم فوق الخمسين لم يعد ذلك نكولا.
قال أشهب وعبد الملك: وليس لهم أن يحلف اثنان منهم خمسين يميناً.
قال عبد الملك: فإن أبوا إلا ذلك لم يجزهم وهو كالنكول حين لم تتم خمسين يمينا من كل رجل يمين.
قال أشهب: فإن كانوا أربعين حلفوا يميناً يميناً، ثم قيل لهم: ليحلف بقية الأيمان منكم من شئتم إلا أن يكونوا خمسة وعشرين فيحلفون يمينين يمينين.
محمد: وقال ابن القاسم: يجزئ أن يحلف من أولياء المقتول وإن كثروا رجلان، وذلك عندي إذا تطاوعوا، ولم يترك باقيهم اليمين نكولا، وهذا أحسن من قول أشهب وكما يحلف الخمسون عن من

الجزء: 23 - الصفحة: 843

بقي، والكبير عن الصغير، وكذلك يحلف اثنان عن بقيتهم.
قلت: فإن كان للمقتول جد واخوة، كيف تقع القسامة عليهم؟ قال: أما ابن القاسم فقال: يقسم الجد مع الأخوة على قدر حقه معهم في الميراث، ويقسم الأخوة على قدر حقوقهم معه في دم العمد والخطأ.
وهذا من ابن القاسم إذا تشاحوا في قسامة العمد.
وقال أشهب: إنما يكلف الجد أن يحلف على قدر حقه في الخطأ، وأما في العمد فأيمان العصبة فيه على قدر العدد.
ومن المجموعة قال ابن القاسم: فإن كان له ابن وعشيرة وهو من العرب، فإنه يقسم مع الابن من قرابته من هو معروف، وينتهي معه إلى جد يوارثه، وأما من هو من العشيرة هكذا بغير نسب معروف فلا يقسم كان للمقتول ولد أو لم يكن.

الجزء: 23 - الصفحة: 844

قال عبد الملك: ويستعين الولي من عصبته بمن شاء إلى منتهى خمسين رجلا، ولو حلف أحد الوليين ثم أصاب الآخر من يعينه فذلك له، وإن حلف الذي أعين مع من أعانه لم يكن على [212/أ] الثاني إلا شطر ما بقي بعد طرح أيمان المعينين له، ولم يحسب للحالف ما حلف عنه ويزاد عليه إلى مبلغ ذلك، وليس لأحد الوليين أني يحلف أكثر من خمسة وعشرين يمينا، كما لا يحلف رجل وحده في القسامة.
[48 - فصل: فيمن نكل عن القسامة أو أكذب نفسه] قال في المدونة: وإن نكل واحد من ولاة الدم الذين يجوز عفوهم إن عفو فلا سبيل إلى القتل، كانوا اثنين أو أكثر.
قال محمد: فرق مالك بين نكول الأولياء عن القسامة؛ قبل القسامة، وبعد أن تحلف جماعتهم، فقال: إن نكل منهم من له العفو قبل

الجزء: 23 - الصفحة: 845

القسامة؛ فلا قسامة لبقيتهم، ولا دم، ولا دية، ويحلف المدعي عليه خمسين يمينا إن لم يجد من عصبته من يحلف معه، ويضرب معه، ويضرب مئة ويحبس سنة، وإن نكل بعد يمين جماعتهم؛ لم يسقط حظ من بقي من الدية، ويكون هذا كعفوه، وقاله أصحابه المدنبون والمصريون إلا أشهب فقال: ذلك سواء، نكل قبل القسامة أو بعدها، ولمن بقي حظه من الدية إذا حلف خمسين يميناً، ورواه عن مالك.
وقال أشهب: وعلى العاقلة الدية، وتسقط حصة الذي أكذب نفسه، وإن كان ممن لا يجوز عفوه لم ينظر إليه، وقتل الذين أقسموا إن شاؤا.
وقال في باب بعد هذا: وإذا حلف الورثة في قسامة العمد وهم رجال عدد ثم أكذب نفسه واحد منهم قبل القتل؛ فلا سبيل إلى القتل إذا كان ممن لو أبي اليمين لم يقتل المدعى عليه.

الجزء: 23 - الصفحة: 846

[49 - فصل: في انتظار الصغير والغائب والمجنون إذا كانوا من أولياء الدم وكان القتل بقسامة أو بغير قسامة، وهل يجوز عليهم العفو أم لا؟] قال مالك: وإذا كان للمقتول ولد صغار لم ينتظر بلوغهم، ونظر لهم وليهم في القتل، أو أخذ الدية، وليس له أن يعفوا عن القتل والدية.
قال أشهب في غير في غير المدونة: فإن لم يكن لهم وصي جعل السلطان لهم ناظراً، وله أن يأخذ في العمد أقل من الدية؛ لأنه كبيع من البيوع وأولى بالتجاوز فيه.
قال سحنون وأشهب يقول: إن طلبت من القاتل الدية؛ فذلك يلزمه، فكيف يجوز للوصي أن ينقص منها، والصبي لو بلغ كان له أن يلزمه إياها.
ومن المدونة: وإذا كان للمقتول أولاد صغار، والقتل بقسامة فللأولياء المقتول تعجيل القتل، ولا ينتظر أن يكبر أولاده فيبطل الدم، وإن عفوا

الجزء: 23 - الصفحة: 847

[212/ب] لم يجز عفوهم إلا على الدية لا أقل منها، وإن كان أولاد المقتول صغاراً وكباراً، فإن كان الأكابر اثنين فصاعداً؛ فلهم أن يقسموا ويقتلوا، ولا ينتظر بلوغ الصغار، فإن عفا بعضهم فللباقين منهم وللأصاغر حظهم من الدية، وإن لم يكن له إلا ولد صغير وكبير فإن وجد الكبير رجلا من ولاة الدم يحلف معه إن لم يكن ممن له العفو، حلفا خمسين يميناً، ثم للكبير أن يقتل، فإن لم يجد من يحلف معه حلف هو خمسة وعشرين يميناً واستوني بالصغير فإذا بلغ حلف أيضا خمسة وعشرين يميناً ثم استحق الدم.
وإن كان القتل بغير قسامة وللمقتول ولدان أحدهما حاضر والآخر غائب، فإنما للحاضر أن يعفو فيجوز عفوه على الغائب، ويكون له حظه من الدية، وليس له أن يقتل حتى يحضر الغائب، ويحبس القاتل حتى يقدم الغائب، ولا يكفل إذ لا كفالة فيما دون النفس من القصاص، وإن كان للمقتول أولياء

الجزء: 23 - الصفحة: 848

صغار وكبار، فللكبار أن يقتلوا ولا ينتظروا الصغار، وليس الصغير كالغائب.
الغائب يكتب إليه فيصنع في نصيبه ما أحب، والصغير يطول انتظاره فيبطل الدم، إلا البعيد الغيبة فيكون لمن حضر القتل.
قال سحنون: وذلك فيمن بعد جداً، أو يئس منه كالأسير بأرض الحرب وشبهه، فأما من غاب من أفريقية إلى العراق فليس كالأول، وكذلك الصبي إن كان قد راهق وقارب فلينتظر بلوغه، وإن كان صغيراً لا يبلغ إلا إلى سنين؛ فللكبير أن يقتل، ولا أقول بقول عبد الملك: إن الصغير ينتظر.

الجزء: 23 - الصفحة: 849

ومن المدونة: وإن كان أحد الوليين مجنوناً مطبقاً فللآخر أن يقتل، وهذا يدل أن الصغير لا ينتظر، وإن كان في الأولياء مغمى عليه أو مبرسماً فإنه ينتظر إفاقته؛ لأن هذا مرض من الأمراض.

الجزء: 23 - الصفحة: 850

[الباب الثاني عشر]

جامع القول في القسامة في الخطأ

[50 - فصل: في الذين يبدأون القسامة في الخطأ، والقسامة بشهادة النساء، وبقول الميت: قتلني فلان خطأ] قال مالك رحمه الله: الأمر المجتمع عليه عندنا أن المبدئين بالأيمان في الخطأ الذين يدعون الدية.
قال ابن القاسم: ويقسمون مع الشاهد قال عبد الملك: ومع شهادة النساء [213/أ] وبقول الميت يجري مجرى قسامة العمد، إلا أن النساء يشهدن فيها، ولا يشهدن إلا فيمن علم الناس موته، وأما من لم يعلم موته فلا شهادة لهم فيه، ولا بشاهد واحد، ولا برجل وامرأتين، وقد تقدم هذا.
قال أشهب/ وإذا قال المقتول: دمي عند فلان قتلني خطأ؛

الجزء: 23 - الصفحة: 851

فَلِولاته أن يقسموا ويأخذوا الدية من العاقلة، وهو أمر مجتمع عليه عند أهل المدينة؛ لأن القتل أوجب حرمة من المال، فكما يقسمون بقوله في العمد يقسمون بقوله في الخطأ.
قال ابن المواز: اختلف قول مالك: في قول الميت في القسامة في الخطأ فروى عنه أصحابه: أنه يقسم إلا ان وهب فروى: أنه لا يقسم مع قوله إلا بلوث من شهادة.
محمد: ولم تثبت عندنا هذه الرواية إلا في قوله: أنا قتلت فلانا خطأ، فأما في قوله: قتلني فلان خطأ أو عمدا فما علمنا فيه اختلافا من قول مالك وأصحابه كلهم، وهو قول أهل العلم.
قال ابن القسام في العتبية: أخبرني من أثق به أن قول مالك قديما: لا يقسم مع قول الميت في الخطا، ثم رجع فقال: يقسم مع قوله.

الجزء: 23 - الصفحة: 852

قال محمد: ويبدأ ولاة المقتول في القسامة في الخطأ مثل العمد، قال: ولو اتهم في الخطأ أن يريد غنا ولده لاتهم في العمد أن يريد قتل عدوه، وقاله مالك: وقال: إن السنة عنده أن يبدأ مدعوا الدم في العمد والخطأ.
[51 - فصل- في رد الأيمان على المدعي عليهم بنكول أولياء الدم أو أحدهم عن القسامة في الخطأ] قال ابن القاسم: وإذا نكل أحد من أولياء الدم عن القسامة في الخطأ فهو حق قد وجب على عاقلة المدعي عليه، وليس يبرؤهم إلا اليمين، ولو كانوا عشرة آلاف، فإن نكلوا غرموا الدية، والقاتل كرجل منهم في الغرم والإيمان.
قال عنه سحنون قلت: فمن قال: دمي عند فلان قتلني خطأ، فامتنع ولاته أن يقسموا وردوا الأيمان على المدعي عليهم، فمن هؤلاء الذين يرد

الجزء: 23 - الصفحة: 853

عليهم: المدعى عليهم أو العاقلة؟ قال: ذلك على المدعي عليهم وعلى العاقلة؛ يحلف منهم خمسون رجلا، فإن أبوا وحلف عشرة؛ برأ العشرة، وسقط عنهم ما وقع عليهم على قدر قلة العاقلة وكثرتهم، ويكون بقية العقل على من بقي.
وقال لي أيضا غير هذا: أن مالكا قال: هو مثل الحق؛ فإذا نكل أولياء الدم عن القسامة، فهو حق قد وجب على عاقلة [213/ب] المدعي عليه، فلا يبرأهم إلا اليمين، وإن كانوا عشرة آلاف فمن حلف منهم سقط عنه ما ينوبه، من نكل غرم.
وقال عبد الملك: إذا قال الميت: دمي عند فلان خطأ فأبا الورثة أن يقسموا، فإن الأيمان لا ترد لهم، لأنها لا ترد على أقوام بأعيانهم، إنما هم العاقلة.

الجزء: 23 - الصفحة: 854

قال ابن وهب عن مالك: إذا نكل الفريقان في الخطأ؛ لم يكن على عاقلته عقل.
[52 - فصل: في قسامة النساء في العمد والخطأ، وكون القسامة في الخطأ على قدر الميراث من الميت، والعمل في اليمين المنكسرة، وفي عفو الجدود والإخوة] قال في المدونة: ولا يقسم النساء في العمد، ويقسمن في الخطأ، وإنما يحلف ولاة الدم في الخطأ على قدر مواريثهم من الميت، فإن لم يدع الميت إلا ابنته بغير عصبة حلفت خمسين يمينا وأخذت نصف الدية، وإن جاءت مع العصبة حلفت خمسة وعشرين يمينا، والعصبة مثلها، فإن نكلوا لم تأخذ البنت نصف الدية حتى تحلف خمسين يمينا، ولو ترك مع ابنته ولداً غائبا، لم تأخذ البنت ثلث الدية حتى تحلف خمسين يمينا ثم إذا قدم الولد الغائب حلف ثلثي الأيمان وأخذ ثلثي الدية، وإذا انكسرت

الجزء: 23 - الصفحة: 855

عليهم يمين نظر من يقع عليه أكثر ذلك الكسر فيجبر عليه، فإن لزم واحد نصف اليمين، وآخر ثلث، وآخر سدس، حلفها صاحب النصف.
وإن كان للمقتول أخ وجد، وأتوا بلوث من بينة وادعوا الدم عمداً أو خطأ، فليحلفا ويستحقان.
فإن كانوا أخوة وجد، فعفا الجد في العمد عن القتل؛ جاز عفوه، وهو كأحدهم.
وإن كانوا عشرة إخوة وجدا، حلف الجد في الخطأ ثلث الإيمان، وأخذ ثلث الدية، وحلف الإخوة ثلثي الأيمان واخذوا ثلثي الدية.
قال أشهب في المجموعة: إن كان الإخوة اثنان فأكثر؛ فعليهم ثلاثة وثلاثون يمينا، وتجبر اليمين المنكسرة على الجد فيحلف سبعة عشر يمينا؛ لأنه يقع عليه أكثر الكسر.
وإن كان مع الجد أخ وأختان؛ حلف الأخ نصف الثلاثة وثلاثين يميناً،

الجزء: 23 - الصفحة: 856

وتجبر اليمين المنكسرة على الأخ خاصة.
يريد: فيحلف الجد سبعة عشر يمينا، ويحلف الأخ مثله، وتحلف كل أخت ثمانية أيمان، وإنما ذلك لأن الجد شريك لهم في جميع الأيمان، وقد وقع عليه ثلثا يمين، وعليهم هم ثلثا فجبرت عليه؛ لأن عليه أكثر الكسر، والأخ والأختان شركاء في ثلثي الأيمان، فوقع على الأخ من ذلك ستة عشر ونصف، ولكل أخت ثمانية وربع، فجبرت على الأخ؛ لأن له الأكثر.
[53 - فصل: في قسامة الغائب لو حضر، وإرث القسامة، وكون المقتول مدياناُ، وهبة القتيل ديته] ومن المجموعة: [214/أ] قال عبد الملك: ولو حلف من استوعب الأيمان من ولد أو عصبة، ثم جاء آخر في درجتهم فليحلف بقدر ما يلزمه لو حضر، ويأخذ حقه منهم، وهو كغريم قدم على غرماء بعد ما أخذوا دية بالقسامة بقدر حقوقهم؛ فإنه يحلف بقدر ما لو حضر معهم، ثم يرجع على كل رجل منهم.

الجزء: 23 - الصفحة: 857

وإذا وجبت القسامة في الخطأ لرجل فمات، فإن لورثته من ذلك ما كان له يرثونه عنه يحلفون الأيمان التي كانت تجب عليه.
وإذا أقسم ورثة المقتول وهو مديان، ولم يعلموا بالغرماء، ثم قدم الغرماء، ولهم دين محيط، أجزأهم أيمان الورثة إلا أنهم يحلفون للورثة ما قبضوا من دينهم شيئا، ولو لم يحلف الورثة وقام غرماء المقتول والدين محيط؛ فلهم أن يقسموا ويأخذوا الدية، بعد أن يحلفوا ما سقط من دينهم شيء، ولا يجوز أن يحلف الورثة عنهم؛ لأنه لا يحمل أحد عن احد يمينا في مال، وكأنه قام له شاهد بمال أخذه بيمين غيره؛ ثم إن قدم غريم حلف بقدر دينه ورجع عليهم.
قال ابن القاسم: وإذا وهب القتيل ديته في الخطأ لرجل، والثلث يحملها أو أجاز له الورثة؛ فذلك الرجل يحلف في الدم دون الورثة.

الجزء: 23 - الصفحة: 858

[54 - فصل: في اشتراك الأب مع رجلين في قتل ابنه خطأ، وتوزيع ديته فيما لو ترك مع الأب أمه وأختيه وعصبة، وكم يقع على كل واحد من الأيمان حضروا جميعا أو مفترقين] قال مالك في غير كتاب فيمن حمل خشبة مع رجلين أعاناه فيها، فمشى ابن له صغير معهم فلما ألقوها وقعت عليه فلم يلبث إلا يسيراُ حتى مات، وشهد بذلك رجلان، قال: فإن مات في غمرته لم يتكلم؛ فالدية على عواقلهم بغير قسامة، وعلى كل رجل منهم عتق رقبة، وإن عاش شيئا من النهار ثم مات، وقامت على ذلك بينة، وقد ترك أمه وأختيه وأباه وعصبة؛ فليحلف ورثته خمسين يمينا لمات من ذلك، وتلزم الدية عواقلهم أثلاثا، فللأم سدس جميعها، وتحلف الأختان والعصبة ويأخذون بقية الثلث الذي على عاقلة الأب.
م: يريد لأن الأب لا يرث، ولا يحجب في الثلث الذي يلزم عاقتله، فتأخذ الأم سدس ذلك الثلث، ويأخذ الأختان والعصبة خمسة أسداسه، ثم تأخذ الأم بقية مورثها من العاقلتين، فيكمل لها جميع السدس.

الجزء: 23 - الصفحة: 859

قال مالك/ ويحلف الأب [214/ب] لمات من ذلك، ويأخذ بقية الثلثين من عاقلة الرجلين.
وإذا لم يأتوا كلهم، فحلفت الأختان والعصبة، يريد: والأم، قال: ثم إن جاء الأب بعد ذلك فإنه يحلف خمسين يمينا، وتقسم الدية على ستة وثلاثين سهما، للأم السدس ستة، وللأب عشرون، وللأختين ثلثا الثلث ثمانية وللعصبة سهمان.
قال ابن القاسم: ويحلف الأب لمات من فعل الرجلين، ويحلف الأختان والعصبة؛ لمات من صنيع الأب، وتخلف الأم لمات من صنيعهم أجمع.
وذكر ابن المواز المسألة نحو ما تقدم وزاد قال مالك: وإذا كانت في ذلك قسامة كانت الأيمان في ذلك على كل واحد بقدر ميراثه.
يريد: إذا أتوا مجتمعين.
قال: وإذا كان في الأيمان كسر جبرت اليمين على من عليه أكثر ذلك الكسر.
م: ثم فسر محمد كم يقع على كل واحد من اليمين، فوهم

الجزء: 23 - الصفحة: 860

في الحساب ونقلها أبو محمد في النوادر ولم يتبين وهمه.
وذلك أنه قال: يقع على كل أخت خمسة أيمان إلا ثلث، فيجبر عليها، فتحلف خمسة.
قال: وعلى العصبة أربعة أيمان.
م: والذي يقع على كل أخت من الأيمان خمسة أيمان وخمسة أتساع يمين، وعلى العصبة يمينا وسبعة أتساع يمين، فتجبر على العصبة، فيحلفون ثلاثة أيمان، وتحلف كل أخت خمسة أيمان وتبقى يمين تحلفها أحدة الأختين، فإن تشاحا؛ حلفت كل واحدة ستة أيمان.
م: ويحتمل إذا تشاحا فيمن يحلف اليمين الباقية؛ أن يقرع بينهما فيها، ومن وقعت عليه حلفها.
وبيان ذلك: أن فريضتهم تصح من ثمانية عشر سهما إذا كان العصبة واحداً، وذلك أن للأم في الثلث الذي على عاقلة الأب سدسه، وللأختين ثلثاه، وللعصبة ما بقي، ولا يرث منه الأب، ولا يحجب؛ لأنه قاتل فيه وللأم أيضا في

الجزء: 23 - الصفحة: 861

ثلثي الدية التي على عاقلة الرجلين سدسها، وللأب ما بقي، لأنه هاهنا يرث ويحجب.
وأقل مال لثلاثة سدس ثمانية عشر، فللأم سدس الجميع ثلاثة، وللأختين ثلثي الثلث أربعة، لكل واحدة سهمان، وللعصبة ما بقي منه وهو سهم، وللأب خمسة أسداس الثلثين، وذلك عشرة [215/أ] أسهم، فيصير للأب خمسة أتساع الميراث، فعليه خمسة أتساع الأيمان، وذلك سبعة وعشرون يمينا، وسبعة أتساع يمين، فيجبر عليه فيحلف ثمانية وعشرين يمينا، وللأم من الجميع السدس، فيجب عليها سدس الأيمان، فتحلف ثمانية أيمان ويسقط عنها ثلث يمين ويجبر على غيرها ولكل أخت تسع الدية، فيجب عليها تسع الأيمان، وذلك خمسة أيمان وخمسة أتساع، فتحلف كل واحدة خمسة أيمان، ثم لابد أن يجبر على أحداهما يمين، فإن

الجزء: 23 - الصفحة: 862

تشاحا في ذلك حلف كل واحدة ستة أيمان، وإلا فلا شيء لها، هكذا يجب عندي فيها، والله أعلم.
ويحلف العصبة إذا كان واحداً ثلاثة أيمان؛ لأن له نصف تسع الميراث، فيجب عليه نصف تسع الإيمان، وذلك يمينان وسبعة أتساع يمين، فيجبر عليه فيحلف ثلاثة أيمان، وإنما جبرنا السهم الباقي على إحدى الأختين، ولم نجبره على الأم؛ لأن كسر الأم ثلث، وكسر كل أخت خمسة أتساع فهو أكثر، فإذا طاعت إحدهما جبر عليها، وإلا جبر على كل واحدة منهما لأنهما قد تساويا، وأما الأب والعصبة فقد جبرت عليهما كسورهما.
والله الموفق للصواب.

الجزء: 23 - الصفحة: 863

[الباب الثالث عشر]

في حبس المشهود عليه في الدم، وهي يؤخذ منه كفيل، وفي القتيل يوجد في المحلة

[55 - فصل: في حبس المشهود عليه في الدم، وهل يؤخذ منه كفيل] قال ابن القاسم: وإذا شهد شاهد على دم عمد أو خطأ كانت القسامة، ولا يحبس المشهود عليه في الخطأ؛ لأن الدية إنما تجب على العاقلة، ويحبس في العمد حتى يزكي الشاهد؛ فيجب القسامة، وإن لم يزك فلا قسامة، إذ لا يقسم إلا مع الشاهد العدل، ولا يقسم مع شاهد مسخوط، وقد تقدم هذا.
قال: ولا يكفل في القصاص، ولا في الحدود، وليس في قتل الخطأ حبس ولا تعزيز.
56 - فصل [في القتيل يوجد في المحلة] قال مالك: الأمر عندنا: إذا وجد قتيل في قرية قوم أو دارهم ولا يدرون من قتله؛ أن لا يؤخذ به أحد، وذلك أنه قد يقتل ويلقى على

الجزء: 23 - الصفحة: 864

باب قوم ليلطخوا به، ولو أخذ بهذا لم يشأ قاتل أن يقتل القتيل فيلقيه على قوم آخرين إلا فعل.
قال ابن القاسم، وأشهب: وليس من اللطخ الذي يوجب قسامة، ولا قود فيه ولا دية، ويبطل دمه، ولا يكون فيه دية في بيت مال ولا غيره.
يريد: وهذا إذا لم يوجد معه أحد، وأما إذا وجد [215/ب] في دار ومعه رجل، وعليه من أثر قتله ما يدل أنه قتله؛ فإنه يقتل به مع القسامة.
وقد تقدم هذا.
وغيرنا: يحكم يالدية مع القسامة في القتيل يوجد في المحلة.

الجزء: 23 - الصفحة: 865

[57 - فصل: في اتهام امرأة بقتل رجل نزل عندهاي وقد سئل مالك: عن رجل نزل عند امرأة فمات، فجاء وليه فقال: إنا انهمناها به.
فقال مالك: يكشف أمرها فإن كانت غير متهمة، لم تحبس وخلي سبيلها.

الجزء: 23 - الصفحة: 866

[الباب الرابع عشر]

فيمن قال: دمي عند فلان، وهو مسخوط، أو صبي، أو ذمي، أو يدعي ذلك على أحد منهم.

[58 - فصل: في القسامة على قول المقتول: دمي عند فلان، وهو مسخوط أو امرأة] قال ابن القاسم: وإذا قال المقتول: دمي عند فلان وهو مسخوط أو غير مسخوط؛ فلا يتهم، وليقسم ولاته على قوله، وإن كانوا مسخوطين أيضا فذلك لهم في العمد والخطأ.
ورواه عن مالك في المجموعة.
قال ابن المواز: ومن لم يقبل قول المقتول حتى يكون عدلا فقد أخطاً، ويلزمه ألا يقسم مع قول المرأة، وإنما جعله العلماء لطخاً لا شهادة.
وقال ابن القاسم في هذه الكتب: وكذلك المرأة تقول: دمي عند فلان فليقسم مع قولها ولاتها، ولا يشبه المقتول الشاهد إذا كان

الجزء: 23 - الصفحة: 867

مسخوطا، ألا ترى أن المدعي يحلف مع شاهده في الحقوق وإن كان المدعي مسخوطاً أو امرأة، ويقسم مع قول المرأة وهي غير تامة الشهادة، ولا يقسم مع شهادتها.
59 - فصل [في القسامة على قول الصبي: دمي عند فلان، وفي أخذه بإقراره بالقتل] قال مالك: وإذا قال الصبي المقتول: فلان الصبي قتلني، وقام على قوله بينة، وأقر القاتل بذلك؛ فلا يقسم على قوله، ولا يقبل إقرار الحي، ولا يجوز في ذلك إلا عدلان على معاينة القتل.
يريد: فتجب الدية على عاقلة القاتل، أو يشهد به عدل فيقسمون مع شهادته.
قال ابن القاسم: والصبي في هذا بخلاف المسخوط والمرأة؛ لأن الصبي لو أقام شاهدا على حقه لم يحلف معه، ولو أقام المسخوط أو امرأة، أو نصراني، أو عبد، شاهدا على حق له حلف معه واستحق.

الجزء: 23 - الصفحة: 868

قال أشهب في المجموعة: وقول كل أحد على نفسه أوجب من دعواه على غيره، فإذا لم يقبل إقرارا الصبي على نفسه بقتل أو جرح؛ فدعواه في ذلك على غيره أبعد.
قال ابن المواز: قال بعض العلماء: يقسم [216/أ] مع قول الصبي وأباه مالك وأصحابه.
وقول مالك وأصحابه أصوب.
قال ابن سحنون: ويلزم قائل ذلك أن يقوله في النصراني.
قال ابن حبيب: قال مطرف، ورواه عن مالك: لا يقسم على قول

الجزء: 23 - الصفحة: 869

الصبي إلا أن يكون قد راهق وأبصر وعرف، فيقسم على قوله، وقاله ابن الماجشون، وأصبغ.
م: وهذا خلاف.
ولا يقسم على قوله حتى يبلغ كما لا يحلف مع شاهده حتى يبلغ.
60 - فصل [في القسامة بقول النصراني: دمي عند فلان] قال مالك: وإذا قال النصراني: دمي عند فلان؛ لم يقسم على قوله؛ لأن النصاري لا يقسمون، وإنما يقسم المسلمون.
قال ابن المواز: وذهب عبد العزيز بن أبي سلمة: إلى أن لأهل الذمة القسامة، وأباه مالك وأن تحاكموا إلينا.
قال محمد: لا يقبل قول ذمي على ذمي ولا على غيره، ولا عبد على عبد ولا على غيره، ولا صبي على صبي ولا على كبير، كما ليس

الجزء: 23 - الصفحة: 870

لواحد منهم أن يقسم.
قال أشهب في المجموعة: سنة القسامة كانت في حر مسلم، فلا يقسم في دم عبد وإن كان مسلماً، ولا في دم غير مسلم وإن كان حرا.
61 - فصل [في القسامة على قول المقتول إذا رمي بدمه على رجل ورع، أو صبي أو ذمي، أو عبد] وإذا قال المقتول: دمي عند فلان، فذكر رجلا، أورع أهل البلد؛ أقسم مع قوله، وإن رمي به صبيا؛ أقسم ورثته مع قوله، كما يقسمون في الخطأ، وكانت الدية على عاقلة الصبي، وإن رمي ذميا، أو عبدا؛ كان لورثته أن يقسموا ويقتلوا في العمد.
قال ابن المواز: ولا يقسم هاهنا إلا العصبة، ويسقط الدم بنكول أحدهم، ولا يقسم فيها النساء، فإن أقسم عصبة في العمد ثم عفوا على الدية، كانت الدية لورثة المقتول دونهم بلا قسامة، ولا يمين عليهم، كان ذلك في ذمي أو عبد أو حر مسلم، في العمد كان ذلك بدعوى الميت، أو

الجزء: 23 - الصفحة: 871

بشاهد على القتل.
قال في المدونة: فإن استحيوا العبد على استرقاقه خير سيده بين أن يفديه بالدية أو يسلمه، وإن ادعى الميت الخطأ أقسموا أيضا، وخير سيد العبيد في غرم الدين الدية أو اسلامه بها، وقيل لأهل جزية هذا الذمي احملوا العقل.

الجزء: 23 - الصفحة: 872

[الباب الخامس عشر]

في قول ابن الملاعنة: دمي عند [216/ب] فلان، ومن قام على قتله شاهدان، وصفة القسامة، ومن تلزمه الدية

[62 - فصل: فيمن يقسم على قول ابن الملاعنة: دمي عند فلان، وفي العفو عن دمه في العمد، والخطأ، أو قام على قتله شاهدان، أو واحد] قال ابن القاسم: وإذا قال ابن الملاعنة: دمي عند فلان؛ فإن كانت أمه معتقة، فلمواليها أن يقسموا، ويستحقوا الدم في العمد، والدية في الخطأ.
وقال أشهب في المجموعة: يقسم مواليها وعصبتها في العمد، وأما في الخطأ فليقسم ورثته بقدر مواريثهم من رجال أو نساء، ويستكمل من حضر منهم خمسين يميناً.

الجزء: 23 - الصفحة: 873

قال في المدونة: وإن كانت من العرب أقسمت في الخطأ أمه واخوته لأمه، وأخذوا حظهم من الدية، وإن كان عمدا فلا قسامة فيه، وهو كمن لا عصبة له، فلا يقتل إلا ببينة، وليس لأخوته لأمه من الدم في العمد شيء.
قال ابن المواز: إذا كانت من العرب فلا قسامة فيه في العمد؛ لأن العرب خؤولته ولا ولاية للخؤولة، وكذلك من لا ولاة له ولا موالي؛ لأن ماله لبيت المال.
قال ابن القاسم في المدونة: وإذا قتل ابن الملاعنة ببينة فلأنة أن تقتل، كمن قتل وله أم وعصبة فصالحوا العصبة وأبت الأم إلا أن تقتل؛ فذلك لها، فإن ماتت الأم فلورثتها ما كان لها، وكذلك ابن الملاعنة.

الجزء: 23 - الصفحة: 874

قال في كتاب ابن المواز: إذا قال بالقتل شاهدان كان لأمه القتل أو العفو، كانت من العرب أو مولاة.
محمد: وخالفه أشهب في عفو الأم، وقال أشهب: لا عفو لأمه في العمد والخطأ إذا ثبت القتل بشاهدين، ولها القتل في العمد كانت عربية أو مولاة، ولا يجوز عفوها، لأنها إن كانت عربية فالمسلمون ولاته يعقلون عنه، والسلطان ينظر لهم، ومن قام بالدم فهو أحق، وإن كنت مولاة فلمواليها أن يقتلوا، ومن قام بالدم منهم أو منها فهو أحق، وكذلك المنبوذ، والمعتق سائبة، ومن أسلم على يدي رجل؛ فهو مثل ما ذكرنا من ابن الملاعنة.
قال أشهب: وإذا كانت أمه من العرب والقتل بقوله أو بشاهد؛ فلا قسامة فيه، في عمد ولا خطأ- وكذلك في [217/أ] النوادر- إذ

الجزء: 23 - الصفحة: 875

لا عصبة له تعرف، كشاهد قام على حبس دار حياة رجل، فلو كانت على رجل بعينه؛ حلف معه، وإن كانت على المساكين أو في السبيل؛ لم يحلف معه، وكذلك في الوصايا للمساكين أو في السبيل يقوم به شاهد، ولو كان لمعينين لحلفوا معه، وكذلك القسامة لا تكون في العمد إلا بأيمان عصبة تعرف، وأما في الخطأ فتكون بقدر مواريثهم من الدية.
63 - فصل: [فيمن قام على قتله شاهدان، أو واحد عدل] وإذا شهد رجلان على رجل بالقتل لم يكن في ذلك قسامة قال أشهب: وذلك إن شهد أنه قتله [فقضى] وإن قالا: إنه ضربه وإنه مات بعد ذلك من ذلك الضرب؛ فهذا يشبه الغموس، وأدنى أمرهما أن يكون لطخا فتكون مع قولهما القسامة.

الجزء: 23 - الصفحة: 876

وقال ابن القاسم: وأما لو قال المقتول: دمي عند فلان، وشهد شاهد أنه قتله؛ لم يجتزأ بذلك، ولابد من القسامة وقد تقدم هذا.
وإن شهد رجل عدل أن هذا الرجل ضرب فلانا حتى قتله؛ فلأوليائه أن يقسموا ويقتلوا، وإن شهد أنه ضربه وعاش الرجل وتكلم وأكل وشرب، ولم يسألوه أين دمك؟ حتى مات؛ ففيه القسامة.
[64 - فصل: صفة القسامة، ومن تلزمه الدية] وقد تقدم: أن إيمان القسامة بالله الذي لا إله إلا هو أن فلاناً قتله أو مات من ضربه، وأنها على البت، وإن كان أحدهم أعمى أو غائبا حين القتل، وقد تقدم في كتاب الجراح":أن ما لزم العاقلة من الدية فهو على الرجال خاصة دون النساء والذرية، ويؤدي الغني على قدره ومن هو دونه على قدره، وقد كان يحمل على الناس في أعطياتهم من كل مئة درهم ونصف.

الجزء: 23 - الصفحة: 877

الباب السادس عشر]

في القسامة في الجماعة يقتلون الرجل عمداً أو خطأ

[65 - فصل: فيمن ضربه جماعة عمداً وعاش أياما ثم مات ففيه القسامة على واحد فقط، وكيف لو كانت الدعوى على رجال ونساء وصبين] قال مالك رحمه الله: وإذا ادعى الدم ورثة المقتول على جماعة، وأتوا بلوث من بينة، أو تكلم بذلك المقتول، أو قامت بينة على أنهم ضربوه، أو حملوا صخرة فرموا بها رأسه، فعاش بعد ذلك أياما وأكل وشرب ثم مات؛ فلورثته أن يقسموا على واحد، أيهم شاؤوا ويقتلوا، ولا يقسمون على جميعهم ويقتلونهم.
قال في كتاب محمد: ولا يقسمون على جميعهم ثم يقتلون واحداً.

الجزء: 23 - الصفحة: 878

قال في المدونة: ولا يقسم في العمد إلا على واحد.
قال في المجموعة: ولم يعلم قط قسامة كانت إلا على واحد.
قال عبد الملك: لأنه [217/ب] لابد أن يكون قتله انصرف إلى من جعلناه منهم إما واحد أو أكثر، فاليقين واحد منهم والشك في أكثر منه، فلذلك يقسمون على واحد؛ ليصرفوه إذا لا يبطل دمه في سنة القسامة.
قال مالك: وإذا أقسموا على واحد قالوا في القسامة: لمات من ضربه ولا يقولون: من ضربهم.
قال أشهب: لهم أن يقسموا على واحد منهم أو على اثنين أو

الجزء: 23 - الصفحة: 879

أكثر أو على جميعهم، ثم لا يقتلون إلا واحدا ممن أدخلوه في قسامتهم، كان ذلك بقول الميت: قتلني فلان فلان وفلان وفلان، أو قال: ضربوني أو كان بشهادة شاهد على الفعل ومات مكانه، أو بشاهدين ثم عاش أياما.
وإذا كانت الدعوى على رجال ونساء وصبيان فأقسموا أنهم قتلوه جميعاً؛ فلا يقتلون من البالغين إلا واحداً إما رجلا أو امرأة، وعلى عواقل الصبيان حصتهم من الدية، فإن كان الرجال والنساء عشرين والصبيان خمسة؛ فعلى عواقلهم خمس الدية، خمس الخمس على عاقلة كل صبي منهم لأنه من أصل دية كاملة.
[66 - فصل: في القسامة على الجماعة في الخطأ، وفي تعيين المقتول واحدا منهم] ومن المدونة قال ابن القاسم: وإن ادعوا الخطأ على جماعة وأتوا بلوث من بينة، أقسم الورثة عليهم بالله الذي لا إله إلا هو أنهم قتلوه ثم تفرق الدية على قبائلهم في ثلاث سنين، وكذلك إن قامت بينة أنهم

الجزء: 23 - الصفحة: 880

جرحوه خطأ فعاش بعد ذلك أياما ثم مات فليس للورثة أن يقسموا على واحد ويأخذوا الدية من عاقتله ولكن يقسمون على جميعهم وتفرق الدية على عواقلهم في ثلاث سنين.
والفرق بين العمد والخطأ أنه يقول في الخطأ: الضرب منا أجمعين فلا تخصوا عاقتلي بالدية، ولا حجة له في العمد ألا يقسم فيه عليه، لأن في القسامة على الجميع إيجابا لدمه إن شاؤا قتله.
ومن المجموعة، وكتاب محمد، قال مالك: وإذا قال: ضربني فلان وفلان وفلان، وقال: إن فلانا منهم أنفذ مقاتلي، فليس للأولياء أن يقسموا إلا عليه.
محمد: وليس على الباقين ضرب ولا سجن وهذا قول مالك، قاله لي عبد الملك، وابن عبد الحكم، وأصبغ.
قال في المجموعة، إذا وجب الدم بقسامة فقال لهم: أقسموا على فلان؛ فليس لهم أن يقسموا على غيره كما كان لهم اختيار من يقسمون عليه فالميت أولى بذلك لعلمه بأشد ذلك عليه، وإن قال ذلك في الخطأ [218/أ] فالذي يقع في القلب أن لا يقبل منه، وليقسموا على جميعهم، ثم ينظر إلى

الجزء: 23 - الصفحة: 881

حصة من عافاه، فإن حمل ثلثه ما يقع عليهم سقط عنهم.
وروى يحي بن يحي عن ابن القاسم وأشهب في العتيبة مثل ما ذكرنا في العمد وقال فيه: وإن قال: دمي خطأ عند فلان وفلان وفلان ولا يقسموا إلا على فلان دونهم فإن كان ثلثه يحمل ما يصير على من نهاهم أن يقسموا عليه فليس لورثته أن يقسموا إلا على من أمرهم، ويلزم عاقلته بقدر ما كان يصير عليهم من الدية وإن قل، ولا شيء على الآخرين من الدية، وإن لم يبلغ ذلك الثلث خير الورثة فإن شاؤا أقسموا على الذي أمر به وحده ويجيزوا وصيته، ويزول عن الباقين حصتهم من الدية فذلك لهم، وإن أبوا اقسموا عليهم، ويحاص الموصي لهم ألا يقسم عليهم في الثلث، ثم يوضع عن كل واحد من الدية بقدر ما نابه من الثلث ويكون ما بقي على عواقلهم، ويثبت على الذي أمر أن يقسم عليه ما ينوبه من الدية أقسموا عليه وحده أو عليهم كلهم.
ولو قالت الورثة: لأنقسم إلا على جميعهم، فذلك لهم ضاق الثلث

الجزء: 23 - الصفحة: 882

أو اتسع، ثم يسقط عن الموصي لهم ما يجب عليهم من الدية.
[67 - فصل: فيمن جرحه واحد عمداً والآخر خطأ ومات من ذلك وقامت البينة، أو قال ذلك الميت، ومخالفة البينة قول الميت] قال: وإن جرحه واحد خطأ وآخر عمداً، وقامت البينة بذلك ومات المجروح؛ فإن شاء الأولياء أقسموا على جارح العمد وقتلوه وأخذوا من الآخر عقل الجرح محمد: وذلك إذا عرفت جناية المخطئ من جناية المتعمد- فإن شاءا أقسموا على الخطأ وأخذوا الدية من عاقلته، واستقادوا من جرح العمد، وليس لهم أن يقسموا عليهما ليستقيدوا من جرح العمد، ويأخذوا الدية من جرح الآخر في

الجزء: 23 - الصفحة: 883

الخطأ، ولكن على ما فسرت لك.
وإن لم يثبت الجرحان ببينة وإنما هو من قول الميت فهو كما ذكرنا في قيام البينة على الجراح.
قال سحنون في المجموعة: البينة تخالف قول الميت إن اختاروا أن يقسموا على أحدهم بقول الميت بطل الجرح الآخر كان العمد أو الخطأ، لأنه لا يستحق بقول الميت إلا بقسامة، ولا قسامة في الجراح.
م: يريد سحنون: إنما يخالف قول الميت للبينة إذا مات مكانه، وأما إذا عاش بعد الضرب حتى يستحق دمه بالقسامة فهما سواء.
وكذلك روى أبو زيد [218/ب] عن ابن القاسم: أنه إذا عاش بعد

الجزء: 23 - الصفحة: 884

ضربهما ثم مات بعد ذلك فإن شاء ولاته أقسموا على المعتمد وقتلوه، ولا شيء على الآخر، وإن شاؤا أقسموا على المخطئ وكانت الدية على عاقلته، وبرأ الآخر- محمد: ويضرب مئة ويحبس سنة- قال: إلا أن يعلم أن ضربة أحدهما لا يموت من مثلها؛ فلا يكون عليه شيء.
م: وهذا وفاق لقول سحنون، ومخالف لرواية يحي المتقدمة.
قال ابن القاسم: وإن مات من ضربهما مكانه؛ فليقتل المتعمد، وعلى عاقلة الآخر نصف الدية.
قال محمد: هذا إذا لم يكن جرح الخطأ معروفاً بعينه.

الجزء: 23 - الصفحة: 885

[68 - فصل: في القسامة تجب في الجماعة فيقر غيرهم بالقتل، وهل يصح للأولياء النزع عمن أقسموا عليه من الجماعة إلى غيره؟ وفي قول الميت: قتلني فلان وأناس معه، وأثبتت البينة اشتراكهم] قال مالك، وابن عبد الحكم، واصبغ: إذا وجبت في نفر القسامة فأتي غيرهم فأقر بالقتل؛ فإنه يقتل المقر، ويقسم الأولياء على واحد من هؤلاء ويقتلون أيضا.
وقال ابن القاسم: لا يقتل إلا واحد، إما من هؤلاء بقسامة، أو المقر، وقال مرة: يقتل المقر أيضا.
وقال ابن القاسم: لا يقتل إلا واحد، إما من هؤلاء بقسامة، أو المقر، وقال مرة: يقتل المقر أيضا بقسامة, وقال مرة: بغير قسامة، ولكن بإقراراه وأنكر قوله بقسامة ابن المواز، وأصبغ.
وإذا أقسم الأولياء على واحد من جماعة ثم أرادوا أن يقسموا على غيره ويدعوا الأول؛ فليس ذلك لهم، وينظر فإن كان تركهم الأول على أن الآخر صاحبهم وبراءة للأول فلا سبيل لهم أيضا إلى قتل الأول، وإن كان انتقالهم إلى الآخر غضب عليه وندامة في تركهم قتله ولم يبرءوا الأول؛ فلهم قتل

الجزء: 23 - الصفحة: 886

الأول بقسامتهم.
وإن قال: قتلني فلان وأناس معه؛ فلهم قتل الرجل الذي سمي بقسامة، وقوله: وأناس معه، فإن أثبتتهم البينة أنهم ضربوه [معه] أقسموا على أيهم شاؤا.

الجزء: 23 - الصفحة: 887

[الباب السابع عشر]

في العبد يقتل أو يقتل، والقسامة في ذلك

[68 - فصل: في العبد يشهد على قتله رجل، أو يقول هو: دمي عند فلان الحر] قال ابن القاسم: ومن أقام شاهداً أن فلانا قتل عبده عمداً أو خطأ حلف يميناً واحدة مع شاهده؛ لأنه مال، وغرم له القاتل قيمته.
قال ابن المواز: ولم يختلف في هذا ابن القاسم، وأشهب، ويضرب القاتل مئة ويحبس سنة.
قال محمد: واختلفنا إذا قال العبد: دمي عند فلان الحر: فقال أشهب: يحلف خمسين يمينا ويبرأ ويضرب مئة، ويحبس سنة، فإن نكل حلف سيد العبد يمينا واحدة واستحق قيمة عبده [219/أ] مع ضرب مئة وسجن عام.
وحجته في ذلك: أنه ممن يوجب القسامة بين الأحرار، ولو أن

الجزء: 23 - الصفحة: 888

حراً ادعاه على العبد لكانت فيه القسامة، وإنما تركت في هذا لأنه عبد ولا قسامة في عبد، ورواه أشهب عن مالك.
قال ابن القاسم: يحلف المدعي عليه يميناً واحدة، ولا قيمة عليه، ولا ضرب ولا شجن، فأن نكل غرم القيمة وضرب مئة وسجن سنة.
وقال ابن الماجشون: يحلف يميناً واحدة، فإن نكل ضرب أدبا، وليس يضرب مائة ويسجن سنة إلا من ملكت إشاطة دمه بقسامة أوغيرها.
[70 - فصل: فيمن أقام شاهداً أن عبدا فلان قتل عبده عمداً، حلف يميناً واحدة أيضا، وخير سيد القاتل بين أن يغرم قيمة المقتول أو يسلم عبده، فإن أسلمه لم يقتل، ولأنه لا يقتل بشهادة واحد، ولأنه لاقسامة في العبيد في عمد ولا خطأ، ولم أسمع أحدا من أهل العلم قال ذلك.
محمد: قال أصبغ: وإن كان إنما نزي في جرحه فمات، فإنه يحلف السيد يمينين، يمينا مع الشاهد على الجرح،/ ويمينا لمات منه، قاله ابن القاسم.

الجزء: 23 - الصفحة: 889

قال ابن القاسم: فإن نكل السيد لم يحلف سيد الجارح إلا أن يحلف: بالله ما أعلم.
ولو كان المدعي عليه حراً ضرب في ذلك مئة وسجن سنة.
وقال أشهب: وكذلك العبد يجلد مئة ويحبس سنة.
[71 - فصل: في العبد يقتل الحر ويشهد بذلك شاهد ففيه القسامة] ومن المدونة قال مالك: وإذا قتل العبد رجلا حراً فأتي ولاة الحر بشاهد على ذلك؛ فلهم أن يحلفوا خمسين يميناً ويستحقوا دم صاحبهم؛ فيقتلوا العبد إن شاءوا أو يستحيوه، فإن قالوا: نحلف يميناً واحدة ونأخذ العبد نستحييه، لم يكن لهم ذلك، إذ لا يستحق دم الحر إلا ببينة عادلة، أو يحلفون خمسين يمين مع شاهدهم.

الجزء: 23 - الصفحة: 890

[الباب الثامن عشر]

فيمن قتل بين الصفين

[72 - فصل: في القسامة فيمن قتل بين الصفين] قال مالك رحمه الله: وليس فيمن قتل بين الصفين قسامة.
قال سحنون في العتيبة عن ابن القاسم: لاقسامة فيه وإن شهد شاهد على قتله أو على إقراره.
قال محمد: رجع ابن القاسم عن هذا إلى أنه يقتل بالقسامة من ادعى عليه المقتول وهو قول [219/ب] مالك، وأشهب وابن عبد الحكم، واصبغ.
وكذلك إن شهد شاهد على قتله بعينه، وقد قال مالك في الجماعة يقتتلون فينكشفوا عن قتيل أو جريح لا يدري من فعل ذلك: أن فيه العقل

الجزء: 23 - الصفحة: 891

على الذين نازعوا أصحابه فتضمن كل فرقة ما أصابت من الفرقة الأخرى، وإن كان القتيل أو الجريح من غير الفريقين؛ فعقله على الفريقين جميعاً، ولا قسامة في ذلك ولا قود.
قال أشهب: وهذا إذا لم يثبت دمه عند أحد بعينه.
قال ابن القاسم: وقول مالك: لا قسامة في هذا، يعني بدعوى الأولياء: أن فلاناً قتله، وأما لو قال الميت: فلان قتلني، أو قام شاهد أن فلانا قتله لكانت فيه القسامة.
[73 - فصل: في البينة على قتيل أو جريح بين الصفين] قال أشهب: وكذلك لو قام شاهدان أن فلانا قتله بين الصفين لقتل به.
قال ابن القاسم: وإن شهد [شاهدان] أن فلاناً جرحه ثم مات بعد أيام من تلك الجراحة ففيه القسامة.

الجزء: 23 - الصفحة: 892

ابن وهب: قال مالك: في قوم قامت عليهم بينة أنهم شرعوا إلى رجل فضربوه فافترقوا وبه موضحة لا يدري أيهم شجه/ فإن العقل على جميعهم.
قال ابن القاسم: إن أثبت المجروح أن أحدهم جرحه؛ حلف واقتص منه؛ لأنه يتهم أن يعرف الفاعل فينكره ليلزمهم العقل.

الجزء: 23 - الصفحة: 893

[الباب التاسع عشر]

في الحامل تقول: دمي عند فلان، والولد يقول: دمي عند أبي.

[74 - فصل: في المرأة تضرب فتلقي جنينا ميتا، وتقول: دمي عند فلان، ففيها القسامة وفي الجنين الدية] قال ابن القاسم: وإن ضربت امرأة فألقت جنيناً ميتاً، وقالت: دمي عند فلان؛ ففي المرأة القسامة، ولا شيء في الجنين إلا ببينة تثبت؛ لأنه كجرح من جراحها /، ولا قسامة في جرح، ولا يثبت إلا ببينة أو بشاهد عدل فيحلف ولاته معه يمينا واحدة ويستحقون ديته.
يريد: يحلف من يرث الغرة كل واحد منهم يمينا أنه قتله يستحقون الغرة في مال الضارب، وكذلك في كتاب محمد.

الجزء: 23 - الصفحة: 894

[75 - فصل: في المرأة تضرب فتلقي جنينا حيا، وقالت: دمي عند فلان، أو قالت: دمي ودم فلانة عند فلان] قال في المدونة: وإن قالت: دمي عند فلان فخرج جنينها حياً واستهل صارخاً ثم مات ففي الأم القسامة، ولا قسامة في الولد؛ لأن المضروب غيره.
قال في كتاب محمد: لأنها تجر بشهادتها إلى نفسها أو إلى زوجها إن كان أبوه أو إلى [220/أ] إخوته إن كانوا ولدها.
قال فيه وفي المدونة: ولأنها لو قالت: قتلني وقتل فلاناً معي لم يكن في فلان قسامة.
يريد: في قول ابن القاسم

الجزء: 23 - الصفحة: 895

قال: وكذلك لو قالت: ضربني فلان فألقت جنينها حياً فاستهل صارخاً ثم مات وعاشت الأم؛ لم يكن فيه قسامة.
ولو قالت وهي حية: قتل ابني، لم يقبل قولها، ولا قسامة في ابنها.
محمد: قال أشهب: إذا قالت امرأة: دمي ودم فلانة عند فلان عمداً أو خطأ، فالقسامة بذلك فيهما في العمد والخطأ، يقسم ولاة القائلة في دمها بقولها، ويقسم ولاة الأخرى بشهادتها وكذلك لو لم تشهد إلا للأخرى فالقسامة تجب مع شهادتها لأنها لوث.

محمد: ما لم تكن شهدت لمن يرثها؛ لأنها شاهدة هاهنا بخلاف قولها في دم نفسها.

الجزء: 23 - الصفحة: 896

محمد: هذا قول أشهب، ومن يرى شهادة المرأة لوث توجب القسامة وخالفه ابن القاسم وابن عبد الحكم وأصبغ، ولم يوجبوها إلا بشهادة عدل على القتل.
قال ابن القاسم فيه وفي العتبية فيمن قال: قتلني فلان وقتل فلاناً معي: قبل قوله في نفسه وفي غيره، وأقسم ولاته في نفسه وإن لم يكن عدلا، ولا يقسم في غيره إلا أن يكون عدلا.
قال: ولو قال: قتل ابني معي؛ لم يقبل قوله في ابنه.
76 - فصل [فيمن قال: دمي عند أبي، أو قال: ذبحني أو بقر بطني] قال ابن القاسم: ومن قال: دمي عند أبي، أقسم على قوله، وكانت الدية في الخطأ على العاقلة، وإن قال: عمداً أو لم يفسر عمداً من خطأ، أقسم على قوله، ولم يقد منه، وكانت الدية في مال الأب مغلظة.

الجزء: 23 - الصفحة: 897

قال في العتبية: ولو قال: أضجعني أبي فذبحني أو بقر بطني، فإنه يقسم مع قوله، ويقتل الأب إن شاء الأولياء أو يعفون.
وقال أشهب: لا يقتل في العمد والد ولا والدة بالقسامة، ورأى ذلك مالا، وقد رأى أهل العلم: أن يقتل عشرة بواحد، ولم يروا أن يقتل عشرة بواحد في القسامة.
77 - فصل [في بطلان دم من سمي الجاني عليه ثم رجع عنه إلى غيره] ومن غير المدونة: ومن ضرب فسئل من بك؟ فقال: فلان وفلان، ثم سئل وخوف، فقال: بي فلان وفلان غير الأولين، ولم يذكر تبرئة الأولين؛ فليس للورثة أن يقسموا على الأولين ولا على الآخرين، وقوله الآخر تكذيب للأول، وكالذي أبرأ الأولين وادعى [220/ب]

الجزء: 23 - الصفحة: 898

على آخرين، فلا يقسم على الأولين ولا على الآخرين.
قال سحنون: وإن قال: دمي عند فلان وفلان ثم أبرا أحدهما فقد أبطل قوله في الآخر.

الجزء: 23 - الصفحة: 899

[الباب العشرون]

جامع القول في القصاص في النفس والجراح ومن قتل أو جرح جماعة، والجماعة يخرجون أو يقتلون رجلا.

[78 - فصل: في القصاص في النفس والجراح] قال مالك رحمه الله: أحسن ما سمعت في قول الله سبحانه وتعالى: ﴿الْحُرُّ بِالْحُرِّ وَالْعَبْدُ بِالْعَبْدِ وَالْأُنْثَى بِالْأُنْثَى﴾ أن القصاص بين الأناث كما هو بين الذكور، والحرة بالحرة كالحر بالحر، والأمة بالأمة كالعبد بالعبد.
والقصاص بين الرجال والنساء في النفس والجراح بقول اله سبحانه وتعالى: ﴿النَّفْسَ بِالنَّفْسِ﴾ إلى قوله عز وجل ﴿وَالْجُرُوحَ قِصَاصٌ﴾ فيقتل الرجل بالمرأة وتقتل المرأة بالرجل، وكذلك في الجراح بينهما القصاص ونفس الأمة بنفس العبد، وجرحها بجرحه.

الجزء: 23 - الصفحة: 900

وإذا قتل الصحيحُ [سقيماً] أجذم كان أو أبرص أو مقطوع اليدين والرجلين عمداً؛ قُتل به, وإنما هي النفس بالنفس لا يُنظر إلى نقص البدن 79 - فصل: [هل يُقتل الجاني بما قتل به؟] قال: ومن قتل رجلا بحجر قتل بحجر, وإن خنقه فقتله قُتل به خنقاً, وإن كتفه وطرحه في نهر فليُصنع به مثل ذلك.
قال مالك: يُقتل بمثل ما قتل به قال في آخر الكتاب: وإن كان على وجه العداوة والقتل قتل به, وإن كان على غير ذلك ففيه الدية ولا يقتل به.
م: يريد: وتكون الدية على العاقلة.

الجزء: 23 - الصفحة: 901

قال مالك: وإن قتله بعصا قُتل بعصا, وليس في هذا عدد, فإن ضربه عصاتين فمات فإن القاتل يضرب بالعصا أبدا حتى يموت.
وقال عنه ابن نافع: ذلك إذا كانت الضربة مُجهزة, فإما أن يضربه ضربات فلا.
وقال أيضاً: ذلك إلى الولي يستقيد بالسيف أو بما قتل به.
وقال أشهب: إذ خيف ألا يموت من مثل ما فعله به أقيد منه بالسيف, وغن رجي ذلك فضرب ضربتين كما ضرب فلم يمت فإن رُجي إذا زيد ضربه أو ضربتين أن يموت فُعل ذلك به.

الجزء: 23 - الصفحة: 902

وقال عبد الملك: [21/أ] لا يقتل بالنبل ولا بالرمي ولا بالحجارة؛ لأنه لا يأتي على ترتيب القتل وحقيقته فهو من التعذيب, ولا يقتل بالنار؛ لأنه من التعذيب, ويقتل بالعصا وبالخنق وبالحجر الذي يشدخ.
فإن قطع يديه ثم رجليه ثم ضرب عنقه؛ فإنه يقتل ولا يقطع يديه ولا رجليه م: يريد: إلا أن يفعله على وجه العذاب والمثلة به فيصنع به كذلك, وإلا فالقتل على كل قصاص.

الجزء: 23 - الصفحة: 903

وكذلك قال: فيمن قطع أصابع رجل عمداً ثم قطع بقية كفة: فإنما عليه أن يقطع يده من الكف إلا أن يكون فعل ذلك به على وجه العذاب فيصنع به مثل ذلك.
[80 - فصل: من قطع طرفاً لجماعة ثم قتل آخر من غيرهم, أو قطع أصابع رجل ثم كف آخر] قال مالك: وإن قطع يد رجل, وفقأ عين آخر, وقتل آخر؛ فالقتل يأتي على ذلك كله.
قال أشهب في المجموعة: فإن عفا عن دمه فللمجروح قصاص جرحه.
قال ابن القاسم: ولو قطع لرجل أصبعين, ثم قطع لآخر كفاً فيها ثلاث أصابع؛ فليس لصاحب الكف غير ثلاثة أخماس دية اليد, ولصاحب الإصبعين القصاص بإصبعيه, ولو لم يقم صاحب الكف حتى اقتص منه للإصبعين؛ كان لصاحب الثلاث أصابع القصاص.

الجزء: 23 - الصفحة: 904

قال غيره مثله فيمن قطع كف رجل ثم قطع من آخر ذراعاً بغير كف ثم اجتمعا على أن يقطعاه من المرفق: فليس ذلك لهما؛ لأن صاحب الذراع لم يكن له قصاص يوم قطعه, وإنما وجبت له حكومة, ولو قطع الذراع بعد أن اقتص منه للكف؛ لصاحب الذراع القصاص.
ومن المدونة: وإن شهد شاهد أنه قطع يد رجل خطأ ثم قتله بعد ذلك عمداً؛ فدية يده على العاقلة, ويقتل به القاتل, ويستحقون دية اليد بيمين واحدة, ولا يستحقون النفس إلا بقسامة.
81 - فصل [في الجماعة يقتلون امرأة أو صبياُ عمداً, والقتل وقطع الطرف غيلة] وإذا اجتمع نفر على قتل امرأة, أو صبي أو صبية عمداً؛ قُتلوا بذلك, وكذلك إن اجتمعوا على قتل عبد أو ذمي قتل غيلة؛ قتلوا به, وكذلك المحاربون يجتمعون على قتل أحد ممن [221/ب] ذكرنا, وقد قال عمر رضي الله عنه: "لَوْ تَمَالأَ عَلَيْهِ أَهلُ صَنْعَاءَ لَقَتَلْتُهُمْ بِهِ جَمِيعْاً".

الجزء: 23 - الصفحة: 905

وإذا اغتالت المرأة رجلا على مال فقتلته؛ حُكم عليها بحكم المحارب.
ومن قطع يد رجل أو فقأ عينه على وجه الغيلة؛ فلا قصاص له والحكم فيه إلى الإمام إلا أن يتوب قبل أن يُقدر عليه فيكون عليه القصاص.
ومن قُتل وليه قتل غيلة فصالح فيه على الدية فذلك مردود, والحكم فيه إلى الإمام فإما أن يقتله أو يصلبه حيا ثم يقتله على ما يرى من أشنع ذلك.
82 - فصل [في القصاص بين الحر والعبد, والمسلك والكافر] قال مالك: ولا يقتل الحر بالمملوك لقوله تعالى: ﴿الْحُرّ بِالْحُرِّ﴾ [البقرة:178]. قال: ولا يقتل المسلم بالكافر إذا قتله عمداً, ولا قصاص بينهما في جرح ولا نفس إلا أن يقتله قتل غيلة, وإن قطع يديه ورجليه غيلة؛ فهذا يحكم فيه الإمام بحكم المحارب.

الجزء: 23 - الصفحة: 906

قال مالك: ويقتل الكافر بالمسلم, والعبد بالحر.
قال: وإذا جرح العبد حراً فأراد القصاص وترك العقل؛ فليس له أن يقتص منه.
وقال عبد العزيز, وابن عبد الحكم: الحر مخير بين أن يقتص منه أو يأخذه بدية الجرح إلا أن يفديه سيده.
قال مالك: وليس بين النصراني والعبد المسلم قصاص.
قال سحنون: في نفس ولا حرج.
قال مالك: ويًقتل اليهودي بالنصراني, والنصراني باليهودي, والمجوسي بهما, ويقتلان به.

الجزء: 23 - الصفحة: 907

وإن قتل مسلم كافراً أو عبداً مسلماً عمداُ؛ ضرب مئة وحبس عاماً, وإن قتل الذمي خطأ فديته على عاقلته, وكذلك إن كانوا جماعة فالدية على عواقلهم, وإن جرحه المسلم أو قطع يديه أو رجليه أو قتله عمداً؛ فذلك كله في ماله, ولا تحمل العاقلة من عمد المسلم في جنايته على الذمي وإلا المأمومة والجائفة, وإنما استحسن مالك حمل العاقلة للمأمومة والجائفة, ولم يكن عنده بالأمر البين.
قال ابن القاسم: وقد اجتمع أمر الناس أن العاقة لا تحمل العمد وفي كتاب الجنايات ذكر القصاص بين العبيد.
83 - فصل [في شهادة الواحد على المسلم بقتل نصراني عمداً] محمد: ولو قام شاهد بأن مسلماً قتل نصرانيا [222/أ] عمداً فاختلف قول مالك فيه:- فالذي قال به أشهب وابن الحكم: أن يحلف المشهود عليه خمسين يميناً, قال أشهب: ويضرب مئة, ويحبس سنة, حلف أو نكل.
والذي قال به ابن القاسم وعبد الملك: أن يحلف ورثة الذمي يميناً واحدة كل واحد منهم ويأخذ ديته, يضرب مئة ويحبس سنة.

الجزء: 23 - الصفحة: 908

محمد: وهذا أحب إلينا إن كان القتل بشاهد عدل, فأما بقول النصراني أو العبد: أن فلاناً قتلني فأحب إلى أن يحلف المدى عليه خمسين يميناً ويبرأ, ولا يجلد ولا يحبس بقول النصراني.
ولو جُرح نصراني بشاهد فنزي في جرحه فمات؛ فقال ابن عبد الحكم: يحلف ولاته يميناً واحدة ويستحقون الدية, لا قسامة لهم, ولا يستقيم أن يحلف أنه مات من الجرح, فلم أجد بداً من أن أحلفهم أحب إلي من أعطيهم بلا يمين, ولا قسامة في النصراني.
84 - فصل [في النصراني يُجرح ثم يُسلم, والعبد يُجرح ثم يعتق ويقول كل منهما: دمي عند فلان] قال مالك: وإذا جُرح النصراني أو العبد المسلم ثم أسلم هذا وعتق هذا, وقال كل واحد منهما: دمي عند فلان؛ فإن كان للنصراني أولياء مسلمون, أو للعبد أولياء أحرار؛ أقسموا مع قوله واستحقوا

الجزء: 23 - الصفحة: 909

الدية في مال الجاني, ولا قود فيه, وقال المغيرة في النصراني يقتل النصراني عنداَ فلما خاف القتل أسلم: فإنه يقتل وإن أسلم وقال عبد الملك: في العبد يجرح العبد ثم يعتق الجارح: فلسيد المجروح أن يستقيد منه بعد العتق.
85 - فصل [في القود من الجماعة للواحد, ومن قطع بضعة لحم من رجل, والقود من اللطمة وضربة السوط] قال في المدونة: وإذا قطع جماعة يد رجل مداً؛ فله أيديهم كلهم, بمنزلة القتل, والعين كذلك.
ومن قطع يد رجل من نصف الساعد اقتص منه كذلك, وإن قطع بضعة من لحمه ففيها القصاص.
قال مالك: ولا قود في اللطمة.
قال ابن القاسم: وفي ضربة السوط القود.
قال سحنون وروى عن مالك: أنه لا قود فيه كاللطمة, وفيه الأدب.

الجزء: 23 - الصفحة: 910

وقد تقدم في كتاب الشهادات: إذا شهد صبيان على كبير قبل أن يفترقوا أنه جرح رجلا أو قتله؛ لم تجز شهادتهم, وإنما تجوز شهادتهم فيما بينهم [222/أ] فقط, وهناك إيعاب هذا.
[86 - فصل: من جنى على جماعة جناية واحدة فقام عليه أحدهم فلا شيء للباقي, وكذلك لو ذهب العضو المماثل من الجاني بأمر من الله تعالى] ومن فقأ أعين جماعة اليمين وقتا بعد وقت ثم قاموا عليه فلتفقأ عينه لجميعهم, وكذلك اليد والرجل, كما لو قتل جماعة فإنما عليه القتل, ولو قام أحدهم وهو أولهم أو آخرهم؛ فله القصاص, ولا شيء لمن بقي, وكذلك لو قتل رجلا عمداً, ثم قتل بعد ذلك رجلا عنداً, فقتل بالأول؛ فلا شيء عليه لمن بقي, ولو قطع يمين رجل ثم ذهبت يد القاطع بأمر من الله عز وجل, أو سرق فقطعت يمينه؛ فلا شيء للمقطوعة يده.
[87 - فصل: في أقطع الكف اليمين يقطع يمين رجل صحيح من المرفق, وفي القصاص من الناقص بالتام وبالعكس] وقال في أقطع الكف اليمين يقطع يمين رجل صحيح من المرفق:

الجزء: 23 - الصفحة: 911

فالمجني عليه مخيّر في أخذ عقل يده, وأما قطع اليد الناقصة من المرفق, ولا عقل له.
محمد: وقال أشهب: لا قصاص له, وإنما مثل ذلك القائم العين يفقأ عين رجل صحيحة فيرضى بالاستقادة فلا يكون ذلك له؛ لأنه مضار حين يرضى بأخذ ما ليس له بعوض مما أصيب به, وإنما له في ذلك الدية في مال الجاني, فإن لم يكن له مال اتبع به دينا.
قال ابن القاسم: وكذلك من قطع يد رجل صحيح والقاطع قد ذهب من يده ثلاثة أصابع؛ فلصاحب اليد أن يقتص من اليد الناقصة ولا عقل له, أو يأخذ العقل ولا قصاص له.
وقال أشهب وعبد الملك: ليس له أن يسقيد إذا كان قاطعه مقطوعاً من يده أكثر من إصبع؛ لأن ذلك من وجه العذاب.
وقد تقدم بعض هذا.

الجزء: 23 - الصفحة: 912

وإذا قطع أشل اليد اليمنى يمين رجل صحيحة فليس له إلا العقل ولا قصاص له.
محمد: وقال أشهب: وذلك إذا يبست وبطلت؛ لأنها غير اليد وهذا من باب التعذيب والضرر وعليه العقل في ماله.
قال أشهب: قال مالك: وأما إن كان فيها منفعة إلا أن بها عيبا أو شللا بيّنا وهو ينتفع بها فرضي أن يستقيد منه من هذه الناقصة وله فيها استمتاع؛ فذلك له إن رضي؛ تُقطع في السرقة, وإن لم تكن منفعة فليس ذلك له.
واليد الشلاء يقطعها رجل صحيح فلا قصاص منها, وكذلك الإصبع قال أشهب: وكذلك إن كان أشل بعضها؛ لأنها لا يستطاع فيها

الجزء: 23 - الصفحة: 913

قود, لأنا نعطيه أكثر من حقه, وإنما فيها العقل بقدر تمام الشلل أو نقصه.
قال مالك: ويكون ذلك في مال الجاني.
قال مالك: ومن قطع أصابع كف منهن أصبعان شلاً [223/أ] فعليه القصاص في الثلاث, وله في الأصبعين حكومة وتكون في مال الجاني, وإن كان ذلك خطأ وبلغ ثلث الدية حملته عاقلته.
[88 - فصل: [في كيفية القود من الجراح من حيث التساوي وعدمه بين عضو الجاني وعضو المجني عليه في القياس] قال في المدونة: ومن شج رجلا موضحة فأخذت مابين قرينه وهى لا تبلغ من الجاني إلا نصف رأسه, أو أخذت نصف رأس المشجوج وهي تبلغ من الجاني ما بين قرنية؛ فإنما ينظر إلى قياس الجرح فيشق في رأس الجاني بقدره.

الجزء: 23 - الصفحة: 914

وقال في غير المدونة: وإن استوعب الرأس ولم يف بالقياس فلا شيء له غيره, ولا يتم له ذلك من الجبهة, وقاله ابن القاسم, وعبد الله وقال أشهب: إذا أوضحه فأخذت ما بين قرنيه؛ فليؤخذ ما بين قرني الجاني كان أكثر في القياس أو اقل' وإن نصفاً فنصف.
وقد قال مالك: فيمن قطع بعض إصبع وإصبعه أول من إصبع الجاني: فلا يقطع بقدره ولكن إن كان قدر ثلث إصبعه قطع من إصبع الآخر ثلثه, وكذلك قصاص الأنملة.
قال في المدونة: وإن أوضحه من قرنه في ضربة فهي موضحة واحدة, وإن ضربه فأوضحه موضحتين؛ فله عقل موضحتين, وما دون الموضحة في العمد ففيه القصاص.

الجزء: 23 - الصفحة: 915

[الباب الواحد والعشرون]

في القاتل أو الجاني يُجنى عليه قبل أن يُقتص منه, أو يقتله الولي بغير أمر السلطان, وفيمن يستقيد في الجراح والقتل

[89 - فصل: في القاتل أو الجاني يُجنى عليه قبل أن يُقتص منه] قال مالك رحمه الله: ومن قتل رجلا عمداً, فعدا عليه أجنبي فقتله عمدا؛ فدمه لأولياء الأول, ويقال لأولياء المقتول الثاني: أرضوا أولياء الأول وشأنكم بقاتل وليكم, في القتل أو العفو, فإن لم يرضوهم فلأولياء الأول قتله أو العفو عنه, ولهم أن لا يرضوا بما بذلوا لهم من الدية أو أكثر منها.
قال مالك: وإن قتل خطأ فديته لأولياء الأول.
قال: ومن قطع يد رجل عمداً ثم قطعت يد القاطع خطأ فديتها للمقطوع الأول, وإن كان عمداً فللأول أن يقتص من قاطع قاطعه.

الجزء: 23 - الصفحة: 916

قال أشهب في غير المدونة: إلا أن يرضيه قاطعه, ويلي هو القصاص لنفسه فذلك له.
قال: ومن فقأ عين رجل ففقأ آخر عين الفاقئ ثم مات الفاقئ الثاني؛ فلا شيء للمفقؤ الأول.
ومن قطع يد رجل من المنكب ثم قُطعت يد القاطع من الكف؛ فالأول مخير [223/ب] إن شاء قطع كف قاطع قاطعه, وإن شاء قطع من المنكب بقية يد قاطعه.
قال في المدونة: ومن قتل رجلا عمداً, فحبس للقتل, ففقأ رجل عينه أو جرحه في السجن عمداً أو خطأ؛ فله القود في العمد, والعقل في الخطأ, وله العفو في عمده, ولا شيء لولاة المقتول في ذلك كله, وإنما لهم سلطان على من أذهب نفسه, وكذلك لو حكم القاضي بقتله فأسلمه إليهم ليقتلوه فقطع رجل يده عمداً, فله القصاص بمنزلة ما وصفنا ومن قتل وليك عمداً فقطعت يده؛ فله أن يقتص منك, ثم تقتله

الجزء: 23 - الصفحة: 917

بوليك, ولو قطعت يده أو فقأت عينه خطأ؛ حملت ذلك عاقلتك, ويستقاد له ما لم يقد منه, وتحمل عاقلته ما أصاب من خطأ, وما أصيب به من الخطأ حملته عاقلة من أصابه.
[90 - فصل: في الولي يقتل القاتل بغير أمر السلطان, وفيمن يستقيد في الجراح والقتل, وفي خطأ الطبيب] ومن وجب لهم الدم قِبَل رجل فقتلوه قبل أن ينتهوا به إلى الإمام؛ فلا شيء عليهم غير الأدب؛ لئلا يجترأ على الدماء.
ولا يُمكن الذي له القود في الجراح أن يقتص لنفسه ولكن يقتص له من يعرف القصاص بأرفق ما يقدر عليه, وأجرة ذلك على من يقتص له.
وأما

الجزء: 23 - الصفحة: 918

في القتل فإنه يدفع إلى ولي المقتول فيقتله ويُنهي عن العبث عليه.
وقال أشهب: النفس والجراح لا ليليه بنفسه خوفا أن يتعدى.
وفي كتاب الجراح من هذا قال ابن القاسم: وإن أخطأ الطبيب فزاد في الجرح فذلك على عاقلته إن بلغ ثلث الدية, وإن اقتص له من موضحة أقل من حقه, أو من أصبع فأبقى أنملة؛ لا يعاد عليه القصاص.

الجزء: 23 - الصفحة: 919

[الباب الثاني والعشرون]

فيمن سقى رجلا ستماً أو سيكراناً فمات منه

[91 - فصل: في القود من ساقي السُّم والقسامة على قول المسموم أو بشاهد واحد] قال ابن القاسم: ومن سقى رجلا سماً فقتله؛ فإنه يقتل به بقدر ما يرى الإمام.

الجزء: 23 - الصفحة: 920

قال ابن حبيب: إذا قال الرجل: فلان سقاني سماً وقد تقيأ منه أو لم يتقيأ فمات منه؛ ففيه القسامة, ولا يقاد من ساقي السم بالسم, بخلاف العصا والخنق, ولا يقاد من حرق النار بالنار, ألا ترى أنه لا يقاتل العدو بها, وكذلك لو شهد شاهد أن فلاناً سقاه سماً فمات؛ كانت فيه القسامة.
قال فيه وفي المدونة: والذين يسقون [224/أ] الناس السيكران فيموتون منه, ويأخذون أموالهم فهم بمنزلة المحاربين.
قال في كتاب أبن حبيب: ولو قالوا: لم نرد قتلهم؛ لم يصدقوا, كما لا يصدق الضارب بالعصا, وقد قتل النبي صلى الله عليه وسلم اليهودية التي سمّت له الشاة, فمات منها ابن معرور, وهو بشر بن

الجزء: 23 - الصفحة: 921

البراء بن معرور.
[92 - فصل: في المرأة تضع السّم لزوجها في طعامه, والشهادة على قوله: أن زوجته وخالتها فعلا ذلك, والقسامة] قال أصبغ: فيمن قرَّبت إليه طعاماً فأكله فتفقأ مكانه أمعاءه فلما أيقن بالموت من ساعته: أشهد أن به امرأته وخالتها فلانة ثم مات, فأقرت امرأته أن ذلك إنما أتتها به خالتها هذه؛ قال: ففي ذلك القسامة.

الجزء: 23 - الصفحة: 922

وقوله: امرأتي وخالتها يكفي, وإن لم يقل: منه أموت, كما يكتفي بذلك في الجرح, وضربة السيف والعصا, وإن لم يقل منه أموت, كما يكتفي بقوله: فلان قتلني, وإن لم يكن به أثر جرح ولا ضرب ولا وصف ضربا, فيقسم على قوله ويقتل به, وقال مالك وجميع أصحابه في العمد والخطأ يقسم ولاته لفلان ضربه ومن ضربه مات إن سمى ضرباً, أو أن فلاناً قتله إن سمى قتلا, ولا يحتاج إلى كشف كيف قتله, أو كيف ضربه.
فإذا ثبت قول الذي تقيأ أمعاءه بشاهدين فليقسم ولاته على إحدى المرأتين وتقتل, ولا ينفع المرأة قولها: خالتي أتتني به, وتضرب الأخرى مئة سوط وتحبس سنة.

الجزء: 23 - الصفحة: 923

[الباب الثالث والعشرون]

فيمن صالح من جرح أو عفا ثم مات منه وفيمن ضُرب فمات مكانه, أو عاش ثم مات, أو أنفذ مقاتله

[93 - فصل: في القسامة فيمن صالح من جرح أو عفا ثم مات منه] قال مالك رحمه الله: ومن صالح من موضحه خطأ على شيء أخذه, ثم نزي فيها فمات, فليقسم ولاته أنه مات منها, ويستحقون الدية على العاقلة, ويرجع الجاني فيما دفع, ويكون في العقل كرجل من قومه, وإن قطع يده عمداً فعفا عنه, ثم مات منها, فلأوليائه القصاص في النفس بقسامة, إن كان عفوه عن اليد لا عن النفس, وللمقتول أن يعفو عن قاتله عمداً, وكذلك في الخطأ إن حمل ذلك الثلث.

الجزء: 23 - الصفحة: 924

94 - فصل [فيمن ضُرب فمات مكانه, أو عاش ثم مات, أو أنفذ مقاتله] ومن ضُرب فمات تحت الضرب أو بقي مغموراً لم يأكل ولم يشرب ولم يتكلم ولم يفق حتى مات؛ فلا قسامة فيه, وإن أكل أو شرب أو عاش حياة تعرف, ثم مات بعد ذلك, ففيه القسامة في العمد والخطأ, إذ لعله مات من أمر عرض له غير ذلك, وكذلك إن قطع [224/أ] فخذه فعاش يومه, فأكل وشرب ثم مات آخر النهار؛ ففيه القسامة, وأما إن سقت حشوته فتكلم وأكل وعاش يومين أو ثلاثة؛ فإنه يقتل قاتله بغير قسامة إذا كان قد أنفذ مقاتله, ألا ترى أن الشاة إذا خرق السبع بطنها فشق أمعاءها ونثرها أنها لا تؤكل؛ لأنها غير ذكية, وهي لا تحيا بحال.

الجزء: 23 - الصفحة: 925

[95 - فصل: من ضُرب وبه أثر جراح فقال: فلان وفلان قاتلاني, ومن جُرح ثم ضربته دابة, أو وقع من فوق جدار, أو طرحه إنسان من على ظهر بيت فمات] ومن سماع ابن القاسم: وعمن كان بينه وبين رجل قتال فأتى وبه أثر ضرب [و] جراح, فقال: فلان وفلان قاتلاني , وعملا بي هذا, وقد أثرت فيهما في مواضع ذكرها, قال: يسجنان حتى يكشف أمرهما, والصلح في مثل هذا أحب إلي.
وروى عيسى عن ابن القاسم فيمن جُرح ثم ضربته دابة فمات, فلا يُدري من أي ذلك مات, قال: نصفه الدية على عاقلة الجارح وقال في المجموعة: إذا جرحه رجل ثم ضربته دابة, أو وقع من فوق

الجزء: 23 - الصفحة: 926

جدار فأصابته جراح أخرى ثم مات, فلا يُدرى من أي ذلك مات, فلهم أن يقسموا لمات من جرح الجارح, وهو كمرض المجروح بعد الجرح, وقد قال مالك: إذا مرض المجروح فمات فليقسموا لمات من ضربه, في الخطأ والعمد.
قال ابن المواز: ولو كان أنما طرحه إنسان من على ظهر البيت بعد جرح الأول أقسموا على أيهم شاؤا, على الجارح أو الطارح وقتلوه, وضُرب الآخر مئة وسجن سنة.

الجزء: 23 - الصفحة: 927

[الباب الرابع والعشرون]

عفو الأولياء, وقتلهم, واختلافهم في ذلك, ومن أولى به, وتعديهم فيه

[96 - فصل: في عفو الأولياء, وقتلهم واختلافهم في ذلك, ومن أولى به] قال مالك رحمة الله: وإذا قتل جماعة رجلا عمداً, فللولي قتل من أحب منهم, والعفو عمن أحب والصلح مع من أحب, ولو عفا المقتول عن أحدهم كان للورثة قتل من بقي.
قال ابن القاسم: أولى الأولياء الولد الذكور, ولا حق للأب أو الجد معهم في عفو ولا قيام, وإن كان مع الأب أو الجد بنات فلا عفو لهن إلا به, ولا له إلا بهن فإن لم يكن إلا أب وأم فلا حق للأم مع الأب في عفو ولا قيام, وكذلك إن كان مع الأب [225/أ] إخوة وأخوات فلا حق لهم

الجزء: 23 - الصفحة: 928

معه في عفو ولا قيام, وأما الأم والأخوة فلا عفو لهم إلا بها ولا لها إلا بهم.
وإذا كان له أم وأخوات وعصبة؛ فإن اجتمعت العصبة والأم على العفو جاز على الأخوات, وإن عفا العصبة والأخوات فللأم القيام بالدَّم, وأما الأم والبنات والعصبة؛ فإن عفا البنات والعصبة جاز على الأم, وإن عفت الأم والعصبة لم يجز إلا بعفو البنات؛ لأنهن أقرب.
ومن قُتل عمداً وله أخوة وجد, فمن عفا من الأخوة أو الجد جاز عفوه.
وقال أشهب: ليس للجد معهم عفو ولا قيام, ولا مع بني الأخ, كالولاء بالقعدد.
قال ابن القاسم: وليس للأخوة للأم في العفو في الدم نصيب.
قال عبد الملك: وإذا قُتل رجل وله ابن عبد فعتق بعد القتل فلا

الجزء: 23 - الصفحة: 929

مدخل له مع الأولياء في دم ولا ميراث, ولو ألحق بأبيه بعد القتل لدخل في الولاية وورث المال.
قال ابن القاسم: وإذا قامت بينة بالقتل عمداً وللمقتول بنون وبنات, فعفو البنين جائز على البنات, ولا أمر لهن مع البنين في عفو ولا قيام, فإن عفو على الدية دخل فيها النساء وكانت على فرائض الله عز وجل, وقُضي منها دينه, وإن عفا واحد من البنين سقط حظه من الدية وكان بقيتها بين من بقي الفرائض, وتدخل في ذلك الزوجة وغيرها, وكذلك في هذا إذا وجب الدم بقسامة, ولو أنه عفا على الدية كانت له ولسائر الورثة على المواريث, وإذا عفا جميع البنين فلا شيء للنساء من الدية, وإنما لهن إذا عفا بعض البنين.
الأخوة والأخوات إذا استووا فهم كالبنين والبنات فيما ذكرنا, وإن كن الأخوات شقائق والأخوة للأب فلا عفو إلا باجتماعهم؛ لأن الأخوة لأب معهن عصبة, وإن كان للمقتول بنات وعصبة أو أخوات وعصبة؛ فالقول قول من دعا إلى القتل كان من الرجال أو من النساء ولا عفو إلاّ

الجزء: 23 - الصفحة: 930

باجتماعهم إلا أن يعفو بعض البنات وبعض العصبة أو بعض الأخوات وبعض العصبة فلا سبيل إلى القتل, ويُقضى لمن بقي بالدية.
وإن قال بعض البنات: نقتل, بعضهن: نعفو, نُظر إلى قول العصبة, فإن عفوا تمَّ العفو.
وإن قالوا: نقتل فذلك لهم.
وإن قال بعض البنات وبعض العصبة: نقتل, وعفا من بقي من العصبة والبنات؛ فلا سبيل إلى القتل.
والبنات [225/ب] والأخوات إذا اجتمعن فلا كلام للعصبة؛ لأنهن يحزن الميراث دونهم.
وروى ابن وهب عن مالك: أن البنت يجوز عفوها مع ولاة الدم, ولا يجوز عفو الولاة دونها.
ورواية ابن القاسم: ألا عفو لها إلا بهم, ولا هم إلا بها.
قال في المدونة: وإن لم يترك إلا ابنته وأخته؛ فالابنة أولى بالقتل وبالعفو, وهذا إذا مات مكانه, وإن عاش وأكل وشرب ثم مات؛ فليس لهما أن يقسما؛

الجزء: 23 - الصفحة: 931

لأن النساء لا يقسمن في العمد, وليقسم العصبة, فإن أقسموا وأرادوا القتل وعفت الابنة فلا عفو لها, وإن أرادت القتل وعفا العصبة فلا عفو لهم إلا باجتماع منها ومنهم أو منها ومن بعضهم.
قال مالك: إذا لم يثبت الدم بشاهدين وهو موضع قسامة؛ فللعصبة أو الموالي أن يقسموا ويستحقوا الدم, ولا عفو للنساء معهم؛ لأن الدم بأيمانهم وجب, ولو عفوا بعد وجوب الدم بأيمانهم وأراد البنات القتل فذلك لهن؛ لأن من قام بالدم أحق ممن ترك.
م: وتحصيل مسائل هذا الباب أنه إذا كان الولاة رجالا وهم في القعدد سواء, فالقول قول من دعا إلى العفو, وإن كان بعضهم أقرب فلا قول للأبعد في عفو ولا قيام, وإن كانوا رجالا ونساء وهم في القعدد سواء فلا قول للنساء في عفو ولا قتل, فإن كان النساء أقرب فلا عفو إلا باجتماعهم, وإن انفرد بميراثه النساء واستحقوا الدم بقسامة فلا عفو إلا باجتماع منهن ومن العصبة الذين أقسموا, وإن كان القتل ببينة فليس للعصبة عفو ولا قتل.

الجزء: 23 - الصفحة: 932

97 - فصل [فيمن قُتل ولا عصبة له, وفي الذمي يُسلم ثم يُقتل, وقتل ابن الملاعنة] قال ابن القاسم: وإن كان رجل لا عصبة له وكان القتل خطأ؛ أقسمت ابنته وأخته وأخذتا الدية, وإن كان عمداً لم يجب القتل إلا ببينة.

الجزء: 23 - الصفحة: 933

ومن أسلم من أهل الذمة أو رجل لا تعرف عصبته, فقُتل عمداً ومات مكانه وترك بنات؛ فلهن أن يقتلن, فإن عفا بعضهن وطلب بعضهن القتل؛ نظر السلطان بالاجتهاد في ذلك إذ كان عدلاً, فإن رأى العفو أو القتل أمضاه.
وإذا قُتل ابن الملاعنة ببينة؛ فلأمه أن تقتل كمن قُتل وله أم وعصبة فصاحوا وأبت الأم إلا أن [226/أ] تقتل؛ فذلك لها, فإن ماتت الأم فلورثتها ما كان لها, وكذلك ابن الملاعنة.
قال ابن وهب عن مالك: في أم وأخ وابن عم فعفت الأم وقاما: فلا عفو للأم دونهما.
والجدة للأب أو للأم لا تجري مجرى الأم في عفو

الجزء: 23 - الصفحة: 934

ولا قيام.
[98 - فصل: في القاتل يدعي عفو الولي, أو ادعي بينه غالبة على ذلك, وفي المقتول يترك ولداً صغيراً وعصبة, ومن صالح عن ابنه الصغير عن دم] قال في المدونة: وإن ادعى القاتل أن ولي الدم عفا عنه؛ فله أن يستحلفه, فإن نكل ردت اليمين على القاتل.
م: فيحلف يميناً واحدة لا خمسين يميناً؛ لأن المدعى عليه إنما كان يحلف يميناً واحدة أنه ما عفى عنه فهي اليمين المردودة.
قال ابن القاسم: وإن ادعى القاتل ببنة غائبة على العفو تلوَّم له الإمام.
وإذا كان لمقتول عمداً ولد صغير وإخوة أو بنو عم

الجزء: 23 - الصفحة: 935

فلعصبته تعجيل القتل, أو يأخذون الدية ويعفون, ويجوز ذلك على الصغير, وليس لهم أن يعفوا على غير مال, وكذلك من وجب لابنه الصغير دم عمد أو خطأ؛ لم يجز للأب أن يعفو فيه إلا على الدية لا أقل منها, فإن عفا الأب في الخطأ, وتحمل الدية في ماله؛ جاز ذلك 'ن كان الأب مليئا يعرف ملاؤه, وإن لم يكن مليئا لم يجز عفوه, وكذلك العصبة وإن لم يكونوا أوصياء.
[99 - فصل: في اليتيم يُجرح أو يُقتل] وإذا جُرح الصبي عمداً وله وصي؛ فللوصي أن يقتص له, وأما إن قُتل فولاته أحق من الوصي بالقيام بذلك, وليس للأب أن يعفو عمن جرح ابنه الصغير إلا أن يعوضه من ماله, وليس للوصي أيضاً أن يعفو في ذلك إلا على مال على وجه النظر, والعمد في ذلك والخطأ سواء, ولا يأخذ الأب أو الوصي في ذلك أقل من الأرش إلا أن يكون الجارح عديماً, فيرى الأب أو

الجزء: 23 - الصفحة: 936

الوصي من النظر صلحه على أقل من دية الجرح فذلك جائز.
وقال أشهب في غير المدونة: ذلك في العمد جائز على النظر؛ لأنه ليس له دية معلومة.
قال ابن القاسم: وإن قُتل للصغير عبد عمداً فأحب إليَّ أن يختار أبوه أو وصيه أخذ المال إذ لا نفع له في القصاص.
وفي آخر الكتاب ذكر تفضيل الصحابة مع ما يشبهه.
[100 - فصل: في تعدي الأولياء بقتل القاتل قبل أن ينتهوا به إلى الإمام] قال ابن القاسم: ومن وجب لهم الدم قِبَلَ رجل فقتلوه قبل أن ينتهوا به إلى الإمام؛ فلا شيء عليهم غير الأدب.

الجزء: 23 - الصفحة: 937

[الباب الخامس والعشرون]

في عفو المقتول خطأ عن ديته, ووصيته بثلثه, وفي القاتل يُطلب منه دية العمد في نفس [226/ب] أو جرح فيأبى, ومن عفا عن نصف جرحه

[101 - فصل: في عفو المقتول خطأ عن ديته, ووصيته بثلثه] قال ابن القاسم: قال مالك: وإذا عفا المقتول خطأ عن ديته جاز ذلك في ثلثه, فإن لم يكن له مال, وأوصى مع ذلك بوصايا, فليتحاص العاقلة وأهل الوصايا في ثلث ديته.
ولو أوصى لرجل بثلثه بعد الضرب, دخلت الوصية في ديته؛ لأنه قد علم أن قتل الخطأ مال, وكذلك إن أوصى بثلثه قبل أن يُضرب, وعاش بعد الضرب ومعه من عقله ما يعرف به ما هو فيه, فلم يغير الوصية؛ فإنها تدخل في ديته إلا أن تختلس نفسه ولا يعرف له بعد الضرب حياة, فلا تدخل الوصايا في ديته, ولو كان القتل عمداً فقبل

الجزء: 23 - الصفحة: 938

الأولياء الدية لم تدخل فيها الوصايا, وإن عاش بعد الضرب, وتورث على الفرائض إلا أن يكون عليه دين فأهل الدين أولى بذلك إذ لا ميراث إلا بعد قضاء الدين.
102 - فصل: [في القاتل يُطلب منه دية العمد في نفس أو جرح فيأبى] قال مالك: في قاتل العمد يطلب منه الأولياء الدية فيأبى إلا أن يقتلوه فليس لهم إلا القتل, قال الله عز وجل: ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصَاصُ فِي الْقَتْلَى﴾ [البقرة: 178] فإن قال بعض الأولياء: نعفوا ولم يعف بعضهم؛ فنصيب من لم يعف من الدية في مال الجاني.
قال ابن القاسم: إذ لا سبيل إلى تبعيض الدم فزال القتل وصار كعمد المأمومة الذي لا يقدر فيه على القصاص.
قال مالك: وكذلك جراح العمد إن طلب المجروح الدية فليس له إلا

الجزء: 23 - الصفحة: 939

القصاص إذا أبى الجاني.
قال محمد: هذا قول مالك وأصحابه؛ ابن القاسم وأشهب وابن وهب قال أشهب: فأما قاتل العمد تطلب منه الدية فيأبى فليس له أن يأبى ويُجبر على ذلك إن كان مليئا؛ لأنه في قتل نفسه ليترك ماله لغيره مضار, ورواه عن النبي صلى الله عليه وسلم: (أنه جعل للأولياء إن أحبوا فليقتلوا وإن أحبوا أخذوا الدية).
وقاله ابن المسيب.

الجزء: 23 - الصفحة: 940

[103 - فصل: فيمن عفا عن نصف جرحه] قال سحنون في المجروح يعفو عن نصف جرحه: فإن أمكن القصاص من بعضه اقتص, وإن كان إذا سقط نصفه لم يكن في باقيه قصاص؛ فالجارح يخير, إن شاء أجاز ذلك وأدى نصف عقل الجرح, وإن أبى قيل للمجروح إما أن تقتص أو تعفو.
وقال أشهب: يجبر على أن يعقل له النصف.

الجزء: 23 - الصفحة: 941

[الباب السادس والعشرون]

في القاتل أو غيره يرث بعض الدم, وفي الولي ولد [227/أ] القاتل, وفي هروب القاتل

[104 فصل: في القاتل أو غيره يرث بعض الدم] ومن قتل رجلا عمداً فلم يُقتل حتى مات أحد ورثة المقتول, وكان القاتل وارثه, بطل القصاص؛ لأنه ملك من دمه حصة فهو كالعفو, ولبقية أصحابه عليه حظهم من الدية.
قال أشهب: إلا أن يكونوا من الأولياء؛ الذين من قام بالدم منهم فهو أولى, فإن للباقين أن يقتلوا.
ومن المدونة قال ابن القاسم: وإذا مات وارث المقتول؛ الذي له القيام بالدم, فورثته مقامه في العفو والقتل, وإن مات من ولاة الدم رجل وورثته

الجزء: 23 - الصفحة: 942

رجال ونساء, فللنساء من القتل أو العفو ما للذكور؛ لأنهم ورثوا الدم عمن له العفو والقتل, فهم كإياه.
وقال أشهب في غير المدونة: إن مات من البنين واحد, وترك بنين وبنات؛ فأمر الدم لبنيه دون بناته, فإن عفو جاز عفوهم, كما إذا عفا أعمارهم.
قال ابن القاسم: ومن قُتل عمداً وله بنون وبنات فماتت واحدة من البنات وتركت بنين ذكوراً فلا شيء لهم في الدم من عفو ولا قيام, كما لم يكن لأمهم, وإنما لهم إن عفا بعض البنين الذكور عن الدم حصة أمهم من الدية لا غير.

الجزء: 23 - الصفحة: 943

105 - فصل [في ولي الدم يكون ولد القاتل, وفي قتل الأب ابنه عمداً] ومن قتل رجلا عمداً فكان ولي الدم ولد القاتل فقد كره له مالك القصاص منه, وقال يكره أن يحلفه في الحقوق, فكيف يقتله.
قال أشهب: وقد اختلف في الأب يقتل ابنه عمداً.
فقال أكثر العلماء: لا يقاد من؛ لأنه لا يطلب الدم إلا من هو أبعد من ابنه رحماً منه, ومن لا يلزمه ما يلزم في الأب فكيف يقتل إياه والله عز وجل يقول: ﴿فَلَا تَقُلْ لَهُمَا أُفٍّ وَلَا تَنْهَرْهُمَا﴾ [الإسراء:23] ما أرى فيه إلا الدية على العاقلة.

الجزء: 23 - الصفحة: 944

106 - فصل [في هروب القاتل] قال ابن القاسم: وإذا هرب القاتل فلولاة الدم أن يقيموا عليه البينة في غيبته, ويقضى عليه؛ لجواز القضاء على الغائب, فإذا قدم كان على حجته ولا تعاد البينة.
وقد تقدم في كتاب التفليس: أن المرأة إذا أفلست ثم تزوجت وأخذت مهراً فليس لغرمائها [227/ب] فيه قيام بدينهم, ولا يقضى منه دين ويبقى زوجها بلا جهاز إلا أن يكون الشيء الخفيف كالدينار ونحوه.

الجزء: 23 - الصفحة: 945

[الباب السابع والعشرون]

في من استعمل صبيباً, أو عبداً محجوراً عليه في عمل أو ركوب دابة؛ فهلك في ذلك أو أهلك غيره, وضمان ما أصاب السائق, والقائد والراكب, وشهبه

[107 - فصل: في من استعمل صبيا أو استأجر عبداً بغير إذن أهلها في عمل أو ركوب دابة فهلك أو أهلك غيره] وقد تقدم في كتاب الإجازة أن من استعمل صبياً, أو عبداً بغير إذن أهلها في شيء له بال؛ فهو ضامن لما أصابها؛ مثل: أن يأمر صبياً صغيراً أن ينزل في بئر أو يرقاً نخلة فالآمر ضامن لما أصابه.
ابن وهب: قال مالك: وهو الأمر الذي عليه الفقهاء.
وقال في باب بعد هذا: من استأجر عبداً في بئر يحفرها له ولم يأذن له

الجزء: 23 - الصفحة: 946

سيده في الإجازة ولا في العمل, أو بعثه بكتاب إلى سفر بغير إذن سيده فعطب فيه فهو ضامن, وفي الإجازة إيعاب هذا.
ومن الدِّيات قال ابن القاسم: ومن دفع إلى صبي دابته, أو سلاحه يمسكه فعطب بذلك, فديته على عاقلته, وقاله مالك فيمن دفع دابته إلى صبي ابن اثنتي عشرة سنة أو ثلاث عشرة سنة يسقيها له فعطب أن ديته على عاقلته, ويكفر بعتق رقبة.
محمد: وإن كانت دون الثلث ففي ماله.
قال في المجموعة: وإن كان كبيراً فلا شيء عليه, وأما العبد فيضمنه صغيراً كان أو كبيراً.
يريد: في ماله.
قال محمد: وأما السلاح يدفعه إلي الصبي الحر يمسكه له؛ فإن كان مثله يمسك ذلك السلاح ويقوي عليه, ويعرف مايضره في إمساكه وما ينفعه؛ لم يضمن, وإن كان على غير ذلك ضمن, كما لو أمر صبياً أن يناوله

الجزء: 23 - الصفحة: 947

حجراً لا يثقل على مثله, فذهب ليناوله إياه فسقط على إصبعه فقطعه؛ لم يضمن, - ولو أمره أن يحمل له حجراً يثقل على مثله فناله ذلك منه لضمن؛ لأنه خطر -, وأما إمساكه الدابة له فيلزمه ما أصابه؛ لأنه خطر.
قال في المدونة: ومن حمل صبياً على دابة يمسكها, أو يسقيها له فوطئت رجلاً فقلته؛ فالدية على عاقلة الصبي.
قال ابن القاسم: ولا رجوع لعاقلته على عاقله الرجل الذي حمله على الدابة بشيء.
قال في كتاب محمد: ولو كان المحمول على الدابة عبداً صغيراً فوطئت رجلاً فقتلته؛ فديته على سيد [228/أ] العبد.
م: يريد: يخير سيد العبد بين أن يفديه بدية الحر أو يسلمه فيها.

الجزء: 23 - الصفحة: 948

قلت لمحمد: فهل ترجع عاقلة الصبي على حامله أو يرجع عليه سيد العبد؟ قال: قد اختلف فيه قول ابن القاسم, وأشهب.
فقال ابن القاسم: وذكره عن مالك: أنه لا يرجع على الحامل ولا على عاقلة من ذلك بشيء, كما لو بعث العبد فيما لم يؤذن له فيه, أو الحر الصغير, فقتلا رجلا في الطريق؛ لم يكن على الباعث من ذلك بشيء.
وقال أشهب: أري أن ترجع عاقلة الصبي بما لزمها من ذلك على عاقلة حامله, وإن كان دون الثلث فلزم مال الصبي فليرجع به الصبي في مال حامله.
قال: ويخير سيد العبد في إسلام عبده يجنايته هذه أو يفديه بديتها؛

الجزء: 23 - الصفحة: 949

فإن أسلمه بها رجع على مستعينه بالأقل من قيمته يوم أسلمه أو من عقل جنايته.
م: يريد: وإن فداه رجع عليه بما فداه به إلا أن يدفع أكثر من الأرش فيرجع عليه بدية الجرح فقط.
قال محمد: قيل لأشهب: فإن أحب المجني عليه أن يتبع المستعين بما لزم الصبي أو عاقلته, أو بما لزم العبد؟ قال: ذلك له, وإنما يرجع عليه بما كان يرجع عليه الصبي أو سيد العبد أن لو غرما هما للمجني عليه.
قال ابن المواز: وقول أشهب أحب إلي, وقاله من أرضي ممن لقينا, وذلك أن المستعين ضامن لما أصيب به الصبي والعبد من استعانته ولو فات الصبي والعبد من سبب الدابة, فكذلك إذا أتلف رقبة العبد فأخذت

الجزء: 23 - الصفحة: 950

في ذلك نفسه، أو أخذ مال الصبي أو مال عاقلته؛ لأنه الذي أتلف ذلك وفعله به، وهذا أبين.
وما احتج به ابن القاسم لو أرسلهما فركبا دابة بغير أمره فأوطأ بها أحدًا قتلاه أو جرحاه لم يضمن، هذا قول صحيح ولا يشبه المسألة الأولى؛ لأن هذا فعل حادث لم يأمره به الباعث، وليس أصله غضبًا فيضمن جناياته، ولأنه لو نزل عن الدابة التي ركب، وركب غيرها برأيه فسقط فمات لم يضمنه، ولو كان غضبا ضمنه، وكذلك لو نزل عن النخلة التي أمره بطلوعها ثم طلع أخرى برأيه فهلك؛ لم يضمنه، ولو سقط من التي أمره بطلوعها لضمنه، وكذلك إن سقط منها أو من البداية التي أمره بركوبها على أحد فقتله لضمنته عاقلة المستعين، وبقول أشهب أخذ أصبغ وقال: إن قول ابن القاسم إنما بلغه عن مالك.
قال أشهب: "وأخبرت عن ابن شهاب فيمن أمر عبد غيره أن ينزل البئر فيسقي له ففعل فخر فيها على عبد آخر فماتا أو مات

الجزء: 23 - الصفحة: 951

أحدهما؛ أنه ضامن".
"وعن ربيعة فيمن حمل عبدًا بغير إذن سيده، أو صبيًا بغير إذن أبيه على فرس: أن عليه ما أصابت الدابة، وعليه ضمان العبد والصبي، وإن استأذنهما فلا شيء عليه، وذلك على أبي الصبي وسيد العبد".
فهذا يرد ما قال صاحبنا، وذكر أنه بلغه عن مالك، وما علمت أن أحدًا كان أشد استقصاء لقول مالك ولا استخبارًا عنه في حياته وبعد وفاته مني فما سمعت بما زعم صاحبنا هذا أنه بلغه عن مالك قط.
قال ابن المواز: ويشبه قول ربيعة قول ابن القاسم فيمن كان له ولد يجري الخيل فسأله رجل أن يجري له فرسه فأذن له فوقع عنه فمات، قال: فلا شيء على الذي حمله إلا عتق رقبة مؤمنة فإن لم يجد فصيام شهرين متتابعين، ورأى أن إذن الأب كالعفو عن ديته، وأما غير الأب فلا يجري إذنه مثل اليتيم للرجل وابن أخيه فذلك على عاقلته، ولا ينفعه

الجزء: 23 - الصفحة: 952

إذنه، وكذلك هذه المسألة عن ابن القاسم في العتيبة.
ومن كتاب محمد: وإن استعنت صبيًا يجرى لك فرسًا فصدم رجلا فقتله ومات الصبي؛ فدية الصبي على عاقلتك، وأولياء المصدوم بالخيار إن شاءوا أخذوا ديته من عاقلتك، ثم لا طلب لعاقلتك على عاقلة الصبي، وإن شاءوا أخذوها من عاقلة الصبي ثم ترجع بها عاقلة الصبي على عاقلتك مع عقل الصبي؛ فذلك ديتان، ولو كان موضع الصبي عبدًا كان عليك غرم قيمته مرتين؛ لأن سيده يضمنك قيمته، وإن كانت مثل الجناية فأقل لم يلزم السيد غيرها فيؤديها ثم يرجع بها عليك ثانية؛ لأنك أتلفتها عليه بتعديك، وإن كان فيها فضل عن الجناية لم يرجع عليك إلا بما أدى منها.
م: وهذا كله على قياس قول أشهب المتقدم شرحه.

الجزء: 23 - الصفحة: 953

108 - فصل [في ضمان ما أصاب السائق والقائد والراكب وشبهه] قال ابن القاسم: وإذا كان رجلان مرتدفين على دابة فوطئت رجلا بيديها أو برجليها فقتلته؛ فأراه على المقدم إلا أن يعلم أن المؤخر حركها أو ضربها فيكون عليهما؛ لأن المقدم بيده لجامها، أو يأتي من فعلها أمر يكون من المؤخر لا يقدر المقدم على دفعه، مثل أن يضربها المؤخر فترمح لضربه فتقتل رجلًا، فهذا وشبهه على عاقلة المؤخر خاصة.
ولا يضمن المقدم النفحة إلا أن يكون سببها من فعله.
قال ابن القاسم: وإذا كان منها لفعل المؤخر شيء لم يعلم به المقدم ولا استطاع حبسها؛ فذلك على المؤخر خاصة.

الجزء: 23 - الصفحة: 954

وإن كان المقدم صبيًا قد ضبط الركوب فهو كالرجل فيما ذكرناه.
قال سحتون: وإن كان الصبي ليس له قبض ولا بسط فهو كالمتاع المحمول؛ فما كان من ذلك فعلى المؤخر.
قال محمد: ولو كان عليها هذا الصغير الذي لم يضبط الركوب وحده، أو كان عليها نائم أو مريض فوطئت أحدًا فذلك عليه إلا أن يكون لها قائد أو سائق فلا يكون على الراكب شيء لأنه كالمتاع.
ومن المدونة: قال ابن القاسم: ولا يضمن المقدم ما كدمت أو نفحت إلا أن يكون ذلك من سببه، وكذلك الراكل على الدابة لا يضمن ما كدمت أو نفحت؛ لأنه جبار، وقال النبي صلى الله عليه

الجزء: 23 - الصفحة: 955

وسلم: (جرح العجماء جبار) -يعني لا دية فيه- إلا أن يكون ذلك من شيء فعله بها الراكب فيضمن.
قال مالك: وما أصابت الدابة وعليها راكبان في محمل ولا يقودها أحد فهما ضامنان بخلاف المرتدفين.
قال ابن القاسم: ويضمن الراكب ما وطلعت الدابة بيديها أو رجليها؛ لأنه هو سيرها.
محمد: قال أشهب فيمن ركب دابة فطارت من تحت يدها حصاة ففقأت عين رجل: فلا شيء عليه، قال محمد: إلا أن تكون الدابة دفعتها بحافرها فضربتها حتى اندفعت ففيها الدية، فأما إذا طارت من تحت الحافر من غير دفع فلا شيء فيها.
قال ابن القاسم: وإن جمحت دابة براكبها فوطئت إنسانًا فعطب

الجزء: 23 - الصفحة: 956

فهو ضامن.
قال ابن نافع عن مالك: وكذلك الصبي تجمح به فتصدم وهو لا يملك حبسها؛ فهو ضامن في ماله فيما دون الثلث؛ وما بلغ الثلث فعلى عاقلته.
محمد: قال أشهب: لأن عمر ضمن مجرى الفرس وهو مغلوب؛ لأن بإجرائه إياه ضمن، بخلاف السفينة تغلب من الريح.
قال ابن القاسم: ولو كان الفرس في رأسه اعترام فحمل بصاحبه فصدم؛ فراكبه ضامن؛ لأن سبب جمحه وفعله من فارسه، إما أذعره فخاف منه، أو غير ذلك إلا أن يكون إنما نفر من شيء مر به في الطريق من غير سبب راكبه؛ فلا ضمان عليه، وإن كان غيره فعل به ما جمح

الجزء: 23 - الصفحة: 957

به، فذلك على الفاعل، والسفينة لا يذعرها شيء والريح هو الغالب، فهذا فرق ما بينهما.
قال محمد: ومن أفلتت دابته فنادى رجلا ليحبسها له فذهب ليحبسها فضربته فقتلته؛ فلا شيء عليه، وهذا من العجماء جبار.
قال محمد: إلا أن يكون المأمور عبدًا لغيره، أو حرًا صغيرًا، فإن دية الحر على عاقلته، وقيمة العبد في ماله.
قال محمد: ولو لم يرض أن يعترض ليمسكها حتى صدمته فقتلته؛ لنظرت: فإن كانت أفلتت من يد رجل؛ لزمت الدية عاقلته، وإن كانت أفلتت من مدودها؛ فهو جبار.
وقد سمعت أصبغ ونزلت في رجل أخرج دابته يمرغها فخرمت الرسن من يده وشردت فصدمت إنسانًا فقتلته أن على عاقلته الدية، مثل مالو كان راكبها فغلبته وصدمت به

الجزء: 23 - الصفحة: 958

فقتلته.
قال ابن القاسم في المدونة: ومن نخس دابة رجل فوثبت فقتلت رجلا؛ فديته على عاقلة الناخس.
محمد: قال أشهب: وسواء كانت هملًا أو مساقة أو مركوبة أو مقودة فنخسها رجل آخر فكدمت إنسانًا أو ضربته بيديها أو برجليها، أو سقطت عليه فلا شيء على أحد فيه إلا على الناخس وحده إن كان دون الثلث ففي ماله، وإن كان الثلث فعلى عاقلته، ألا ترى أن الدابة لو ضربت بيد أو برجل أو بذنب، أو كدمت وهي مركوبة أو مسوقة لم يضمن أحد من ذلك شيئا إلا أن يكون فعل بها أحدهم شيئا

الجزء: 23 - الصفحة: 959

حتى فعلت ذلك فيضمن، والناخس هو فعل ذلك بها، وقد قال ابن مسعود في دابة مركوبة نخسها رجل: "إنه ضامن لما أصابت".
ومن المدونة: ومن قاد قطارًا فهو ضامن لما وطئ البعير في أول القطار أو آخره، وإن نفحت رجلًا فأعطته لم يضمن القائد ذلك إلا أن يكون ذلك من شيء فعله بها.
قال: والقائد والسائق والراكب كلهم ضامنون لما وطئت الدابة بيديها أو برجليها.
قال: وإن اجتمع قائد وسائق وراك؛ فما وطئت الدابة فعلى القائد

الجزء: 23 - الصفحة: 960

والسائق.
وقاله ابن القاسم، وأشهب في المجموعة.
قال أشهب: لأن الراكب كالمتاع لا يقدمها ولا يؤخرها.
قال ابن القاسم فيها وفي المدونة: إلا أن يكون فعلها بسبب الراكب فذلك عليه خاصة إذا لم يكن فيه عون من القائد أو السائق.
محمد: وقال أشهب: إذا اجتمع قائد وسائق وراكب على دابة فأوطأت رجلا فقتلته فعلى عاقلة كل واحد منهم ثلث الدية إلا أن ترمح من غير أن يفعل بها شيء.
قال أبو محمد: يريد أن الراكب شهركم في فعل فعلوه بها كان منه فعلها.
م: وظاهر الكتاب خلاف ما تأول أبو محمد، ولكنه رده إلى الأصل.

الجزء: 23 - الصفحة: 961

قال: ومن قاد دابة فمرت به جارية فصاح بها: إياك إياك، فوطئتها الدابة فقطعت أنملتها؛ فعليه الغرم لها يحمل ويقول: إياك إياك.
ومن المدونة قال مالك في حمال حمل عدلين على بعير لغيره بإذنه وهو أجير فسار به وسط السوق فانقطع الحبل فسقط عدل على أحد فقتله: أن الحمّال ضامن دون صاحب البعير.
محمد: قال أشهب: وذلك إذا كان الذي يقوده هو الذي حمل المتاع عليه، وإن كان غيره الذي حمله فذلك على حامله إلا أن يكون من قوده ما يطرح لخوفه المتاع فيكون عليه.
قال مالك: ومن سقط عن دابته على أحد فقتله فالساقط ضامن وذلك

الجزء: 23 - الصفحة: 962

على عاقلته.
قال في غير المدونة في بصير قاد أعمى فوقع في شيء ووقع الأعمى عليه فقتله: فديته على عاقلة الأعمى.
109 - فصل [في من نفّر دابة عمدا أو خطأ] قال ابن شهاب فيمن جاء يحمل متاعاً على دابة فنظرت إلية دابة رجل فنفرت براكبها فطرحته فقتلته، قال: يضمن من نفرها ما أصابه من ذلك إن كان خطأ فالدية على عاقلته، وفي عمده القود.
وقال ربيعة فيمن رقد على قارعة الطريق فنفرت منه دابة براكبها وهو نائم فهو ضامن، وإن كان نائما على غير الطريق لم يضمن إلا أن يتحرك.
قال ابن المواز: ووجدت لبعض أصحابنا: أنه هدر.
ولا شيء عليه

الجزء: 23 - الصفحة: 963

فيه وإن كان على الطريق إلا أن تنفر من حركته فتلزم عاقلته، ولو نفرها فعليه القصاص.
110 - فصل [في من أمسك غريقاً فخشي على نفسه فأطلقه، وفي من ربط آخر بحبل ودلاه في بئر ثم تركه، ومن اتقى رمية فأصابت غيره] ومن طلب غريقاً فلما أخذه خاف على نفسه الموت فسرحه فلا شيء عليه، ولو ذهب ليعلمه العوم فلما خشي على نفسه تركه فمات فهو ضامن.
ولو تردى رجل في بئر فسأل رجلا أن يدلي له حبلا فدلاه إليه فجره فخشي على نفسه فسرحه فمات فهو ضامن، وكذلك لو انفلت من يده فإنه يضمن، ولو انقطع لم يضمن شيئا.
وقال مالك فيمن ربط رجلا بحبل فدلاه في بئر لطلب حمام وربط حبلا آخر في خشبة فانقطع الحبل الذي في الخشبة فخشي الرجل أن يذهب معه في البئر فترك هو الحبل الآخر فخر الرجل فمات؛ فهو ضامن.

الجزء: 23 - الصفحة: 964

ومن رمى رجلا بحبل فاتقاها بيده فرجعت على غيره فقتله فإن ردها حتى أوقعها على غيره؛ فالدية على المرمي، -يريد: على عاقلته-، وإن كان إنما اتقاها دون أن يرد الحجر بشيء فالعقل على الرامي.
م: يريد: على عاقلته؛ لأنه إنما رمى غيره.
وروى ابن وهب حديثا للنبي صلى الله عليه وسلم: (فيمن عض يد رجل فجذبها فقلع أسنانه، أن أسنانه هدرٌ)، وهذا الحديث ليس من رواية مالك.
قال يحيى بن عمر: وبهذا الحديث أقول؛ لأنه روي في ذلك عن مالك وغيره من أصحابه أن يضمن.

الجزء: 23 - الصفحة: 965

[111 - فصل: في صبي عبث بسقا فطاحت القلة فأصابت الصبي أو غيره، وفي الجماعة يتهاوون في بئر أو حفرة، وفي البئر تنهار على اثنين بداخلها] وقال ابن القاسم في صبي عبث برجلٍ سقّاء على عنقه قُلّة حتى سقطت القلّة على الصبي فمات فلا شيء على السقّاء، ولو سقطت على غير الصبي كانت الدية على عاقلة الصبي.
قال مالك: ومن ارتقى في بئر فيدركه آخر في أثره فحبذ الأسفل الأعلى فيخران فيهلكان فعلى عاقلة الأسفل دية الأعلى.
قال ابن حبيب: وروي عن ابن المسيب في خمسة فسهم أسد فتعلق الذي يلي الأسد بالثاني وتعلق الثاني بالثالث وتعلق الثالث بالرابع والرابع بالخامس فقضي علي بن أبي طالب رضي الله عنه: "أن الأول

الجزء: 23 - الصفحة: 966

فرسه الأسد وأن الأول عليه دية الثاني وعلى الثاني دية الثالث وعلى الثالث دية الرابع وعلى الرابع دية الخامس".
قال ابن حبيب: يريد على عواقلهم.
قال أشهب: وإن حفر رجلان بئراً فانهارت عليهما فمات أحدهما فعلى عاقلة الثاني نصف الدية والنصف هدر؛ لأنه شريك في قتل نفسه، وإن ماتا فعلى عاقلة كل واحد نصف الدية.

الجزء: 23 - الصفحة: 967

[الباب الثامن والعشرون]

في الفارسين أو السفينتين أو الحاملين يصطدمان

[112 - فصل: في الفارسين يصطدمان] قال مالك: وإذا اصطدم فارسان فمات الفرسان والراكبان؛ فدية كل واحد على عاقلة الآخر، وقيمة فرس كل واحد في مال الآخر.
محمد: وقاله ابن القاسم وأشهب.
قال أشهب: وقال ذلك ابن شهاب وربيعة، وقد أخبرني بعض أهل العلم يرفعه إلى علي بن أبي طالب رضي الله عنه أنه قال في رجلين اصطدما فماتا: "فإن عقل كل واحد منهما على صاحبه".
قال أشهب: وقد خالف في ذلك بعض أهل العراق فقال: على

الجزء: 23 - الصفحة: 968

عاقلة كل واحد منهما نصف دية صاحبه، زعم أن كل واحد منهما قاتل نفسه مع صاحبه، ولسنا نرى ذلك، ولو كان كما قال؛ لكان إذا سلم أحدهما لم يكن عليه للميت إلا نصف ديته.
-يريد: على عاقلته- ولكن الذي يهوي في البئر قاتل نفسه مع حافرها، ولكان الواطئ على الحسك وقد نصبها رجل فيما لا يملك ولا يجوز له قاتلاً لنفسه مع ناصبها، وقد قال أهل العراق: إن دية الواقع في البئر على حافرها فخالف بينهما.
وقد روى عن علي بن أبي طالب رضي الله عنه وغيره من صاحب وتابع مثل ما ذكرنا.

الجزء: 23 - الصفحة: 969

[113 - فصل: في اصطدام الحر والعبد، واصطدام الحاملين] قال مالك فيه وفي المدونة: ولو أن حراً وعبداً اصطدما فماتا جميعاً فقيمة العبد في مال الحر، ودية الحر في رقبة العبد بتقاصان، فإن كان ثمن الغلام أكثر من دية الحر كان الزائد لسيد العبد في مال الحر، وإن كانت دية الحر أكثر لم يكن على السيد من ذلك شيء.
قال محمد: إلا أن يكون للعبد مال فيكون بقية العقل في ماله.
وقال في رجلين اصطدما وهما يحملان جرتين فإن انكسرتا؛ غرم كل واحد منهما ما كان على صاحبه، وإن انكسرت إحداهما غرم ذلك له صاحبه.
[114 - فصل: في السفينتين تصطدمان] قال مالك: في السفينتين يصطدمان فتغرق إحداهما بما

الجزء: 23 - الصفحة: 970

فيها، فلا شيء في ذلك على أحد؛ لأن الريح تغلبهم إلا أن يعلم أنه لو أراد النواتية صرفها قدروا فيضمنوا، وإلاّ فلا شيء عليهم.
محمد: قال ابن القاسم: ولو قدروا على حبسها إلا أن في ذلك هلاكهم فلم يفعلوا؛ فلتضمن عواقلهم دياتهم، ويضمنوا هم الأموال في أموالهم، وليس لهم أن يطلبوا نجاتهم بغرق غيرهم، ولكن لو غلبتهم الريح أو غفلوا لم يكن عليهم شيء.
وقال فيها أشهب: إذا عُلم أن ذلك من أمر غلبهم لم يغلبهم من خوفة كانت منهم؛ فلا شيء عليهم، وإن لم يعلم ذلك فذلك عليهم تحمله عواقلهم.
وبالله التوفيق.

الجزء: 23 - الصفحة: 971

[الباب التاسع والعشرون]

فيمن أحدث شيئاً أو أوقف دابة في طريق المسلمين أو داره، وما أصاب الكلب العقور والجمل الصؤول والحائط المائل، وما أفسدت المواشي.

وقال النبي صلى الله عليه وسلم: (لا ضرر ولا ضرار).

الجزء: 23 - الصفحة: 972

[115 - فصل: فيمن أحدث شيئاً كحفر ونحوه أو أوقف دابة في طريق المسلمين أو داره] قال مالك: فمًا أحدثه الرجل في طريق المسلمين من ميزابٍ أو ظُلَّةٍ أو حفر بئراً أو سرباً للماء أو للريح في داره أو أرضه، أو حفر شيئا مما يجوز له في داره أو في طريق المسلمين مثل بئر المطر أو مرحاض يحفره إلى جنب حائطه؛ فلا غرم عليه لما عَطب في ذلك كله.
قال أشهب: هذا إن لم يضر ما حفر من بئر أو مرحاض بالطريق.
قال مالك: ولا بأس بإخراج العساكر والأجنحة إلا أن يخرجه في

الجزء: 23 - الصفحة: 973

أسفل حائطه مما يضر بالناس في طريقهم فإنه يمنع من ذلك.
قال: وما صنعه في طريق المسلمين مما لا يجوز له فعله من حفر بئر أو ربا دابة ونحوه فهو ضامن لما أصيب بذلك إن كان دون ثلث الدية ففي ماله، وإن كان الثلث فأكثر فعلى العاقلة، وإن صنع من ذلك ما يجوز له؛ كمن نزل عن دابته ويدخل لحاجته وهي واقفة في الطريق فلا يضمن، وكذلك على باب المسجد أو باب الإمام أو في السوق فلا يضر شيئاً.
قال أشهب: أو يغشى رجلاً في منزله فيوقف دابته على الباب؛ فلا يضمن شيئاً وليس ذلك كمن اتخذ لها مربطا في طريق المسلمين.

الجزء: 23 - الصفحة: 974

قال مالك: ومن حفر حفيراً في دار رجل بغير إذنه فسقط فيه إنسان ضمنه الحافر، وإذا حفر حفيراً في داره أو جعل حبالة ليعطب بها سارقا فعطب بها السارق أو غيره؛ فهو ضامن لما عطب في ذلك.
قال أشهب: لأنه احتفره لما لا يجب.
قال في آخر الكتاب: ومن وضع سيفاً في طريق المسلمين، أو في موضع يرصد به قتل رجل فعطب به ذلك الرجل؛ فإنه يقتل به، وإن عطب به غيره فديته على عاقلته.
قال مالك: وإن جعل في حائطه حفيراً للسباع أو حبالة لم يضمن ما عطب بذلك من سارق أو غيره، وإن جعل بباب جنانه نصباً يدخل في رجل من يدخله، أو اتخذ تحت عتبته مسامير لمن يدخل، أو رش

الجزء: 23 - الصفحة: 975

فناءه يريد به زلق من يدخله من دابة أو إنسان، أو اتخذ فيه كلباً عقوراً؛ فهو ضامن لما أصيب من ذلك، ولو رش لغير ذلك لم يضمن ما عطب فيه؛ كحافر البئر في داره لحاجته، أو لإرصاد سارق فهو مفترق.
116 - فصل [فيما أصاب الكلب العقور وضمان ذلك] ولو ربط كلباً للصيد بداره فدخل إنسان فعقره؛ لم يضمن إلا أن يعلم أنه يفترس الناس، ولو ربطه لعقر من يدخل؛ لضمن، وكذلك إن ربطه في غنمه يذب السباع عنها؛ لم يضمن إن أصاب إنساناً، وإن ربطه ليعدو على من أرادها من طارق أو سارق؛ فهو ضامن لما أصاب.

الجزء: 23 - الصفحة: 976

وقيل في مثل هذا: كله في ماله.
وقيل: على العاقلة.
قال مالك: ومن اتخذ كلباً عقوراً فهو ضامن لما أصاب إن تقدم إليه فيه.
قال ابن القاسم: وذلك إذا اتخذه حيث يجوز له فلا يضمن ما أصاب حتى يتقدم إليه فيه، وإن اتخذه بموضع لا يجوز لله اتخاذه فيه كالدور وشبهها وقد عرف أنه عقور؛ فيدخل الصبي والخادم والجار فيعقره؛ فإنه ضامن لما أصاب.
117 - فصل [فيما أصاب الجمل الصؤول وغيره من العجماء] ومن كتاب محمد وغيره: والجمل إذا صال على الرجل فخافه على نفسه فقتله؛ فلا شيء عليه إذا قامت له بينة أنه أراده وصال عليه، وإن لم تقم له بينة ضمن.

الجزء: 23 - الصفحة: 977

قال ابن القاسم: والجمل الصؤول، والثور النطاح، وغير ذلك من العجماء إذا عرف بالعداء على الناس: فإنه يؤمر صاحبه ويتقدم إليه فإن عقر بعد التقدم فهو ضامن؛ فما بلغ الثلث فصاعداً فعلى العاقلة، وما كان دون الثلث ففي ماله، كالكلب العقور في موضع يجوز له.
قيل له: أفتكون في ذلك قسامة مع الشاهد أو مع قول الميت؟ قال: لا تكون القسامة فيما أصابت العجماء، ولا يثبت إلا بشاهدين عدلين، وإن شهد له واحد حلف ورثة المقتول مع العدل يميناً واحدة ويستحقون ديته مثل الحقوق.
118 - فصل [فيما أصاب الحائط المائل] قال مالك: والحائط المائل المخوف إذا شهد على ربه ثم عطب به أحد فربه ضامن.
قال ابن القاسم: وإن لم يشهدوا عليه لم يضمن وإن كان مخوفاً، وإن

الجزء: 23 - الصفحة: 978

كانت الدار مرهونة أو مكتراة لم ينفعهم الإشهاد غلا على ربها، فإن غاب رفع أمره إلى الإمام، ولا ينفعهم الإشهاد على السكان إذ ليس لهم هدم الدار.
محمد: قال أشهب: إما إذا بلغ الحائط ما لا يجوز لصاحبه تركه لشدة ميله والتغرير به فهو متعد ضامن لما أصيب به وسواء أشهد عليه أو لم يشهد.
وكذلك لو كان السلطان قد تقدم إليه في هدم حائطه على حسن النظر للرعية؛ فهو ضامن أيضاً لما أصاب جداره.
وأما نهي الناس وإشهادهم فليس بلازم له.
م: وحكي عن بعض فقهائنا القرويين في مثل هذا: أن ينظر إلى

الجزء: 23 - الصفحة: 979

صاحب الحائط؛ فإن كان منكرا لما قيل له من غرر حائطه، ويقول: ليس فيه تغرير بل يؤمن سقوطه، فها هنا يحتاج التقدم فيه إلى الحكم، وإما إن كان يقر بأن حائطه مخوف فها هنا ينفع الإشهاد عليه دون الحكم.
قال: وكذلك في الشفعة إذا أبى الشفيع الأخذ وأبى أن يسلم؛ فلا ينفع الإشهاد عليه حتى يرفع إلى السلطان، وإن رضي بترك الشفعة ينفع الإشهاد عليه دون الحكم.
وكذلك في اقتضاء أحد الشريكين ديناً أصله بينهما إن أبى صاحبه أن يخرج ولم يرض أن يسلم لصاحبه أن يقتضي فلابد من حكم، وإن رضي بأن يقتضي صاحبه دونه نفع صاحبه الإشهاد دون الحكم.
والله أعلم.

الجزء: 23 - الصفحة: 980

119 - فصل [فيما أفسدت المواشي] وما أفسدت المواشي والدواب بالليل ضمنه أربابها من زرع أو حوائط وإن لم يحل بيعه قوِّم على الرجاء والخوف فيغرم ذلك وإن كان أكثر من قيمة الماشية، كان على ذلك حارس أو لا حارس له، أو عليه تحظير أو لا تحظير عليه.
وما أفسدت بالنهار لم يضمنه، ولو وطئت على رجل إنسان بالليل فقطعتها لم يضمن ربها، وإنما الغرم في الزرع والحوائط والحروث كلها.

الجزء: 23 - الصفحة: 981

[الباب الثلاثون]

جامع القول في بقية جنايات الأحرار والعبيد

وهذا باب قد تقدم أكثره في كتاب الجنايات والجراح وهناك تمامه فلذلك اقتصرت عليه ولم أكرر زياداته.
[120 - فصل: في اشتراك الحر والعبد في القتل خطأ، ومن جرح رجلا جرحين، وفي العبد يقتل رجلا له وليان، أو قتيلين وليهما واحد، أو لكل قتيل ولي، وفي برء الجرح ثم انتقاضه، واشتراك العبيد في القتل ومالكهم واحد أو جماعة] قال ابن القاسم: وإذا قتل حر وعبد جميعاً رجلاً خطا فعلى عاقلة الحر نصف الدية، ويقال لسيد العبد: ادفع عبدك أو افده بنصف الدية.
ومن جرح رجلاً جرحين خطأ، وجرحه آخر جرحا خطأ فمات من ذلك فأقسمت الورثة عليهما؛ كانت الدية على عاقلتهما نصفين لا على

الجزء: 23 - الصفحة: 982

الثلث والثلثين.
وإن قتل العبد رجلاً له وليان فعفا أحدهما، قيل لسيده: ادفع نصفه أو افده بنصف الدية.
وإن قتل قتيلين وليهما واحد فليس له أن يسلم نصفه بدية أحدهما ويفتك نصفه بدية الآخر، ولكن يسمله كله أو يفتكه كله بديتهما.
وإن كان لكل قتيل أولياء فعفا أولياء أحدهما فلأولياء الآخر قتله، فإن استحيوه ليأخذوه، قيل لسيده: إما أن تسلم نصفه أو تفديه بنصف الدية.
وإن جرح العبد رجلاً فبرأ جرحه وفدا العبد سيده، ثم انتقض الجرح فمات منه؛ فليقسم ولاته ولهم قتله في العمد، فإن استحيوه على استرقاقه صار الجرح كالخطأ، وخير سيده بين أن يسلمه أو يفديه بالدية، فإن أسلمه

الجزء: 23 - الصفحة: 983

رجع بما دفع أولاً في الجرح، وإن فداه قاصه به في الدية.
ولو أن عبيداً قتلوا رجلا خطأ أو جرحوه وهم لمالك واحد، أو لجماعة فدية النفس أو الجرح تقسم على عددهم، فمن شاء سيده منهم فداه بما يقع عليه أن اسلمه فيه قلّت قيمته أو كثرت، قلَّ ما يصير عليه أو كثر، كانوا لواحد أو لجماعة.
121 - فصل [فيما يلزم من أبطل عبداً بجنايته عليه] ومن فقأ عيني عبد لرجل أو قطع يديه جميعا فقد أبطله، ويعتق عليه، ويضمن قيمته، وإن لم يبطله مثل أن يفقأ [233/أ] له عيناً واحدة أو يجدع أذنه وشبهه؛ فعليه ما نقصه، ولا يعتق عليه.
قال ابن القاسم: وقد سمعت أنه يسلم إلى من فعل ذلك به فيعتق

الجزء: 23 - الصفحة: 984

عليه وذلك رأيي إذا أبطله على صاحبه.
122 - فصل [في العبد يقطع يد رجل ويقتل آخر خطأ] وإن قطع عبدك يد رجل خطأ وقتل آخر خطأ؛ فإن أسلمته فهو بينهما أثلاثاً، ولو استهلك مع ذلك مالاً حاصّ أهل المال أهل الجراح في رقبته بقيمة ما استهلك لهم، ولو قتل واحداً خطأ وفقأ عين آخر خطأ فلك أن تفدي ثلثيه في القتل بجميع الدية وتسلم إلى صاحب العين ثلثه فيكون معك في العبد شريكاً.
123 - فصل [في جناية العبد المدبر] قال مالك في المدبر يجني فيسلم سيده خدمته في الجناية فيموت السيد قبل أن يفي ما خدم بالجناية فإن جمله الثلث عتق واتبع بما بقي عليه من الجناية، وإن لم يحمله الثلث عتق منه ما حمل الثلث ثم نظر ما بقي لأهل الجناية فيقسم على مارق منه وما عتق فأما فدى الورثة مارق منه بما ينوبه

الجزء: 23 - الصفحة: 985

أو أسلموه فيه وما وقع على العتيق منه أتبع به.
قيل: أفيأخذون جميع كسبه حتى يستوفوا بقية الجناية مما على العتيق منه؟ قال: قد قال مالك في العبد نصفه حر يجني فيفدي السيد حصته: أن ما بيد العبد من مال يؤخذ في نصف الجناية التي لزمته، وكذلك المدبر فيما بيده من المال، وأما ما اكتسب فلا يؤخذ منه من الجزء العتيق إلاّ ما فضل عن عيشه وكسوته، والذي أخذ من العبد في جنايته إنما هو قضاء لنصيبه الذي عتق منه، فإن كان كفافا لم يتبع بشيء، وإن كان فيه فضل وقف الفضل بيده.
ابن عبدوس: وقال غيره: إنما هذا في كل ما استفاده المدبر في مرض السيد أو بعد موته، فأما كل ما استفاده في صحة السيد بعد الجناية أو قبلها فذلك قد وجب عليه لأهل الجناية أخذه حتى يستوفوا منه جنايتهم أو لا يكون فيه وفاء فيقسم ما بقي منها على ما عتق منه ومارق.
قال ابن المواز في الثاني من الجنايات: وإنما يؤخذ مال المدبر فيما جنى

الجزء: 23 - الصفحة: 986

قبل أن يعتق أو بعضه، وسواء أقيم عليه في حياة السيد أو بعد موته فإنه يؤخذ ذلك من ماله، فأما ما جنى بعد أن عتق بعضه في ثلث سيده فهو بمنزلة المعتق بعضه يجني جناية فينظر ما يفضل من كسبه بعد عيشه وكسوته، فيؤخذ منه عن ما يصير على جزئه العتيق، وغن استوعب ذلك كل ما يبقى بيده.
قال ابن القاسم في المدونة: وإن قصر ذلك اتبع به في حصة الجزء العتيق، وأما مارق لهم منه فلا يتبعونه فيه بشيء من الجناية؛ لأنه رقيق لهم وعليهم أن يطعموه ويكسوه بقدر الذي رقَّ لهم.
124 - فصل [في إقرار العبد بالجناية] قال مالك في عبد على برذون مشى على إصبع صبي فقطعه

الجزء: 23 - الصفحة: 987

فتعلق به يقول: هذا فعل ذلك بي وصدقه العبد: فما كان مثل هذا يتعلق به وهو يدمى ويقر به العبد فهو في رقبته؛ إما فداه سيده أو أسلمه، وأما على غير هذا من إقرار العبد فلا يقبل إلا ببينة، وإن أقر العبد بقتل عمداً فلهم قتله وإن استحيوه ليأخذوه فليس ذلك لهم؛ للتهمة أن يكون أقر ليفر إليهم.
[125 - فصل: في جناية العبد المودع أو العارية] وإن جنى عبد في يديك عارية أو وديعة أو رهنا أو بإجاره ومولاه غائب ففديته ثم قدم فإما دفع إليك ما فديته به وأخذه، وإلا أسلمه إليك ولا شيء عليه.
126 - فصل [في عجز العبد المكاتب وعليه دين] وإذا عجز المكاتب وعليه دين فدينه في ذمته إلا أن يكون له مال حين عجز فيؤدي منه الدين، وكلما أفاد بعد عجزه فللغرماء أن يأخذوه في دينهم إلاّ ما كان من كسب يده وعمله في الأسواق فإن ذلك لسيده.

الجزء: 23 - الصفحة: 988

وإذا أذن المكاتب لعبده في التجارة فرهق العبد دين، وعلى المكاتب دين فقام الغرماء فالعبد يباع في دين المكاتب ويبينون أن عليه ديناً، ويبقى دين العبد في ذمته يتبع به.
127 - فصل [في جناية المكاتبة] وإذا جنت مكاتبة ثم ولدت فماتت فلا شيء على الولد من جنايتها، ولا مما في ذمتها من دين.
وكذلك المدبرة تلد بعد الجناية فلا يدخل ولدها في الجناية.
وكذلك الأمة تجني وهي حامل، او حملت بعد أن جنت ثم وضعت؛ فلا يسلم ولدها معها في الجناية، وتسلم بمالها كسبته قبل الجناية أو بعدها.
وإذا جنت الأمة منع السيد من وطئها حتى يُحكم فيها.
128 - فصل [في جناية أم الولد] وإذن قتلت أم الولد رجلا عمداً وله وليان فعفا أحدهما فعلى السيد للآخر الأقل من نصف قيمتها أو نصف الدية، فإن قال السيد:

الجزء: 23 - الصفحة: 989

لا أدفع شيئاً إنما لكم قتل فليس ذلك له؛ كالحر يقتل رجلا له وليان فيعفو أحدهما فعليه للآخر نصف الدية، ويجبر على ذلك.
بخلاف أن لو كان له واحد فعفا على الدية وأبى القاتل إلاَ القتل فذلك له.
وقال أشهب: يجبر على الدية وقد تقدم هذا.
129 - فصل [في مسائل متفرقة: بعضها في طرف من شهادة النساء في الجراح، وبعضها في المماثلة في القود] ولا تجوز شهادة النساء في دم العمد ولا في العفو عنه، وتجوز شهادتين في قتل الخطأ وجراح الخطأ؛ لأن ذلك مال.
وإن شهدن على منقلة لرجل أو مأمومة عمداً جازت شهادتهن، لأن العمد والخطأ فيهما إنما هو مال، ليس فيه قود.
وإن شهد رجل أن فلاناً قتل فلاناً بالسيف وشهد آخر أنه قتله بالحجر؛ فذلك باطل ولا يقسم في ذلك.

الجزء: 23 - الصفحة: 990

قال سحنون: وذلك إذا ادعى الولي شهادتهما جميعاً، وأما إن ادعى شهادة أحدهما ففيه القسامة مع ذلك الشاهد.
وقد تقدم: أن من قطع أصابع رجل عمداً ثم قطع بقية كفه، فإنما عليه أن تقطع يده من الكف إلا أن يكون فعل ذلك به على وجه العذاب فيصنع به مثل ذلك.
ولو طرح رجلاً في نهر ولم يدر أنه لا يحسم العوم فمات؛ فإن كان على وجه العداوة والقتال قتل به، وإن كان على غير ذلك ففيه الدية.
م: يريد على العاقلة ولا يقتل به.
ومن وضع سيفاً في طريق المسلمين، أو في موضع يرصد به قتل رجل فعطب به ذلك الرجل فإنه يقتل به، وإن عطب به غيره فديته على عاقلته.

الجزء: 23 - الصفحة: 991

قال محمد بن عبد الله بن يونس: وإنما كررت هذه المسائل لأني نقلتها إلى ما يشبهها ثم كررتها لجهة التوالي، وأن لا يفوت قاريَّ موعد ما في الأمهات حسب ما شرطناه في أول هذا الديوان، والله عزَّ وجلَّ نسأله العصمة والتوفيق بمنِّهِ.
مسائل من غير المدونة مما يتعلق بهذا الكتاب.
1 - فصل [فيمن أمر رجلاً بقتل رجل فأطاعه، أو أمسك رجلاً لمن قتله، أو أمر عبده أو ابنه بشيء من ذلك] من المختصر قال ابن القاسم: ومن أمر رجلاً أن يقتل رجلا فقتله قُتل به القاتل دون الآمر.

الجزء: 23 - الصفحة: 992

م: كالمحرم يأمر محرماً بقتل صيد أن الجزاء على القاتل.
قال ابن القاسم: ومن أمسك رجلاً لآخر فقتله فإن أمسكه وهو يرى أنه يريد قتله قُتِلا به جميعاً.
م: كمحرم أمسك صيداً لمحرم فقتله فعليهما جزاؤه.
قال ابن القاسم: وإن لم يظن ذلك وظن أنه يضربه كضرب الناس قتل القاتل وبولغ في عقوبة الممسك وسجن ولم يُقتَل.
وإذا أمر السيد عبده أو العامل الظالم بعض أعوانه بقتل رجل بغير حق؛ فإنه يقتل به الآمر والمأمور كما قال في جزاء الصيد.
قال ابن القاسم: وأما الأب يأمر ابنه، أو المعلم يأمر بعض صبيانه، أو الصانع يأمر متعلمه؛ فإنه إن كان المأمور منهم محتلماً فالقتل عليه وليس على الآمر قتل ولا على عاقلته دية وعليه العقوبة، وإن لم يحتلم فالقتل على الآمر، وعلى عاقلة الصبي نصف الدية، وإن كثر الصبيان فالدية على

الجزء: 23 - الصفحة: 993

عواقلهم، وإن لم يجب على كل عاقلة إلا أقل من الثلث فإنها تحمله.
والسكران يقتل رجلا في حال سكره فإنه يقتل به.
قال أشهب: وليس كالصبي والمجنون.
2 - فصل [فيمن أذن لرجل في الجناية عليه أو على عبده] ومن قال لرجل اقطع يدي أو يد عبدي أو افقأ أعيننا ففعل؛ فعلى المأمور العقوبة، ولا غرم عليه في الحر ولا في غيره.
3 - فصل [في القتل والقصاص في الحرم، والقصاص من المحرم] قال مالك: ومن قتل رجلاً في الحرم فلا بأس أن يقاد منه في الحرم، ولو قتله في الحل فظفر به في الحرم فلا بأس بالقود منه فيه.
قال ابن القاسم: ويقتل وهو محرم ولا يترك حتى يحل.
قال مالك: يقاد من حدود الله عز وجل كلها غي الحرم، ولا ينتظر

الجزء: 23 - الصفحة: 994

بها، ولا يخرج به إلى الحل فعسى أن ينفلت من الأسر أو يأتيه من يقتله قبل خروجه.
4 - فصل [في خير الناس بعد نبينا محمد صلى الله عليه وسلم] سُئل مالك: عن خير الناس بعد نبيهم؟ فقال: أبو بكر، ثم قال: أو في ذلك شك؟ قيل له: فعلي وعثمان رضي الله عنهما أيهما أفضل؟ فقال: ما أدركت أحداً يفضل أحدهما على

الجزء: 23 - الصفحة: 995

صاحبه.
ويرى الكف عنهما.
وروى عنه أيضاً: أن أفضل الصحابة رضي الله عنهم أبو بكر ثم عمر ثم عثمان ثم علي.
م: وسنذكر بيان ذلك في الجامع لهذا الكتاب مع ما يشبهه من الاعتقادات والآداب والسِّير والسنن والأخبار إن شاء اله عز وجل.
تم كتاب الديات من الكتاب الجامع وصلى الله على سيدنا محمد وآله وسلم.

الجزء: 23 - الصفحة: 996

بسم الله الرحمن الرحيم صلى الله على سيدنا محمد وآله وصحبه

فصول الكتاب · 78 فصل
فصول الجامع لمسائل المدونة
المقدمةالمقدمةكتاب الصلاة الأولكتاب الصلاة الثانيكتاب الجنائز من الجامعكتاب الصوم من الجامعكتاب الاعتكافكتاب الزكاة الأولكتاب الزكاة الثاني من الجامعكتاب الحج الأول من الجامعكتاب الحج الثاني من الجامعكتاب الحج الثالث من الجامعكتاب الصيد من الجامعكتاب الذبائح من الجامعكتاب الضحايا من الجامعكتاب العتق الأول من الجامعكتاب المكاتب الأولكتاب السلم الأولكتاب السلم الثانيكتاب السلم الثالثكتاب الصرفكتاب الرهنكتاب بيوع الآجالكتاب البيوع الفاسدةكتاب بيع الخياركتاب المرابحةكتاب اشتراء الغائبكتاب الوكالاتكتاب التجارة إلى أرض الحربكتاب جامع لأبواب متفرقةكتاب العراياكتاب العيوب والتدليسكتاب الصلحكتاب الجوائحكتاب الجعل والإجارةكتاب المساقاةكتاب القراضكتاب الأقضيةكتاب كراء الرواحل والدوابكتاب كراء الدور والأرضينكتاب الشركةكتاب الشهادة الأولىكتاب الشهادة الثانيكتاب الرجوع عن الشهاداتكتاب المديانكتاب الرجوع عن الشهاداتكتاب التفليسكتاب الحمالةكتاب المأذون له في التجارةكتاب اللقطةكتاب الضوالكتاب الإباقكتاب حريم الآبار وإحياء المواتكتاب الغصبكتاب الوديعةكتاب العاريةكتاب العدةكتاب الاستحقاقكتاب الحبسكتاب الصدقةكتاب الهبة والهباتكتاب الهباتكتاب الوصايا الأولكتاب الوصايا الثانيكتابً الوصايا الثالثكتاب الشفعة الأولىكتاب الشفعة الثانيكتاب القسم الأولكتاب القسم الثانيكتاب الفرائض الثانيكتابكتاب المحاربين والمرتدينكتاب القذفكتاب الأشربةكتاب الجراحكتاب الجناياتكتاب الدِّياتكتاب الجامع
جارٍ التحميل