كتاب الحج الأول من الجامع
[الباب الأول]
في فرض الحج، وعلى من يجب، ومن أخره، واستئذان الأبوين فيه، ومن أول من أقام الحج، ويوم الحج الأكبر، وأشهر الحج، وذكر البدن، والشعائر، والرفث، والفسوق، والجدال، والعمرة.
[فصل 1 - دليل فرضيته] فالحج فرض على مستطيعه من الأحرار المكلفين مرة واحدة في العمر، لقول الله تعالى: (وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا)، وقوله: (وَمَنْ كَفَرَ فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنِ الْعَالَمِينَ) قيل: معناه: من لم ير الحج واجباً.
الجزء: 4 - الصفحة: 369
وقال ابن حبيب: هو من ترك الحج.
وقوله: (وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ)، وقوله صلى الله عليه وسلم ((بني الإسلام على خمس)) فذكر الحج، وقوله- للذي سأله عن الإسلام-: ((وحج البيت)) وقوله: ((حُجوا قبل أن لا تحجوا)) ولإجماع الأمة عليه.
الجزء: 4 - الصفحة: 370
ولما نزلت: " وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ "، قيل: يا رسول الله: كل عام؟ فقال: " الحج مرة واحدة، ولو قلت نعم لوجبت".
[فصل 2 - شروط الواجب]
وشروط وجوبه خمسة، وهي: البلوغ، والعقل، والحرية، والإسلام، والاستطاعة.
فأما العقل والبلوغ: فلقوله صلى الله عليه وسلم: رُفع القلم عن ثلاثة فذكر: الصبي حتى يبلغ، والمجنون حتى يفيق، والنائم حتى يستقيظ"؛ ولأنه من عبادات الأبدان كالصلاة والصيام.
وأما الحرية: فلقوله صلى الله عليه وسلم: " أيما عبد حج فعتق فعليه الحج "، وحج صلى الله عليه وسلم بأزواجه ولم يحج بأم ولده، وقد قال تعالى: ﴿عَبْدًا مَّمْلُوكًا لاَّ يَقْدِرُ عَلَى شَيْءٍ﴾،
الجزء: 4 - الصفحة: 371
وقال في الحج: ﴿مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلاً﴾، ومن لا يقدر على شيء فهو غير مستطيع، فالعبد لا يملك نفسه، فكيف يملك ما بيده؟.
وأما الإسلام: فإن الكفار مخاطبون بالإسلام فإذا أسلموا خوطبوا بشرائعه، ومحال أن يخاطبوا بشرائعه وهم جاحدون له.
وأما الإستطاعة: فلقوله تعالى: ﴿مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلاً﴾.
واختلف في تفسير الإستطاعة، وسئل مالك عنها فقيل له: أذلك الزاد والراحلة؟ فقال: لا والله: واحد قد يجد زاداً وراحلة، ولا يقدر/ على السير، وآخر يقدر أن [167/ب] يمشي راجلاً، وربّ صغير أجلد من كبير، ولا صفة في هذا أبين مما قال الله تعالى: ﴿مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلاً﴾.
قال ابن حبيب: وروى أن الاستطاعة: مركب وزاد قال: وقاله عدد من
الجزء: 4 - الصفحة: 372
الصحابة والتابعين، وقاله ابن أبي سلمة.
قال: وذلك يرجع الى البلاغ الى مكة، ويدخل في البلاغ: الصحة، والزاد، والحمولة بشراء أو كراء لبعيد الدار الذي لا يبلغ راجلاً إلا بتعب ومشقة؛ لقوله تعالى: ﴿وَتَحْمِلُ أَثْقَالَكُمْ إِلَى بَلَدٍ لَّمْ تَكُونُوا بَالِغِيهِ إِلاَّ بِشِقِّ الأَنفُسِ﴾، وإن وجد زاداً وهو قريب الدار ليس عليه في المشي كبير مشقة فعليه الحج، وإذا كان في داره وخادمه وسلاحه وكل ما يباع عليه في دينه ما يبلغه الحج فعليه الحج.
الجزء: 4 - الصفحة: 373
وقال سحنون: الاستطاعة الزاد والراحلة لبعيد الدار والطريق المسلوكة.
وقال بعض البغداديين: لم يثبت في الراحلة حديث، وظاهر القرآن يوجب الحج على مستطيعه ماشياً أو راكباً، قال الله تعالى: ﴿وَأَذِّن فِي النَّاسِ بِالْحَجِّ يَاتُوكَ رِجَالا وَعَلَى كُلِّ ضَامِرٍ﴾.
وقال غيره: الاستطاعة: القدرة على الوصول الي البيت وفعل المناسك، فكل من أمكنه ذلك من غير تعذر أمر فهو مستطيع، ويختلف ذلك باختلاف أحوال الناس، فإذا كانت الطريق سابلة: فمن كان عادته المشي من غير حاجة الى الركوب لزمه الحج إذا وجد الزاد، وإن كان عادته المسألة واستماحة الناس لزمه الحج وإن عُدم الزاد في الحال وجرى على عادته.
وكل ذلك خلاف لأبي حنيفة، والشافعي في قولهما: إن الاستطاعة: الزاد والراحلة.
ودليلنا: أن الله تعالى قال: ﴿مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلاً﴾ فكل مستطيع من غير خروج عن عادته كالواجد للراحلة.
الجزء: 4 - الصفحة: 374
والمعضوب: الذي لا يستمسك على الراحلة غير مستطيع ولا يلزمه أن يحج غيره من ماله، خلافاً لهما لأن كل عبادة تعلق فرضها بالبدن مع القدرة لم تنتقل الى غيره مع العجز كالصلاة، والصيام.
قال ابن وهب: سئل مالك عن الرجل يؤاجر نفسه وهو حاج أيجزي عنه حجه؟ قال: نعم.
فقيل له: فمن يسأل ذاهباً وراجعاً ولا نفقة عنده؟ قال: لا بأس بذلك، وإن مات في الطريق فحسابه على الله.
وقال عنه ابن القاسم: لا أدري للذين لا يجدون ما يُنفقون أن يخرجوا الى الحج والغزو ويسألون الناس وهم لا يقوون إلا بما يسألون وإني لأكره ذلك لقول الله تعالى
الجزء: 4 - الصفحة: 375
﴿وَلاَ عَلَى الَّذِينَ لاَ يَجِدُونَ مَا يُنفِقُونَ حَرَجٌ﴾
[فصل 3 - من لا يمكنه الوصول الى الحج إلا بإخراج المال إلى السلطان الجائر، هل يسقط عنه الحج؟]
قال ابن القصار: واختلف أصحابنا فيمن لا يمكنه الوصول الى الحج إلا بإخراج المال الى السلطان الجائر، فقال بعضهم: لا يجب عليه الحج، وقال شيخنا أبو بكر الأبهري: إن لم يُمكنه إلا بإخراج المال الكثير الذي يشق ويخرج عن العادة لم يلزمه، كالثمن في ماء الطهارة والثمن في رقبة الكفارة، وإن كان شيئاً قريباً، فالحج واجب عليه.
فوجه القول الأول: إن رضاه بقطع الطريق عليهم ومنعهم من المرور إلا بثمن لا يؤمن منه متى بذلوا له شيئاً أن يحفز بهم ويقتلهم ويأخذ اموالهم فيصيرون قد غروا بأموالهم.
ووجه القول الثاني: أنه يغلب عليه وإن رضي بالظلم ما جرى من غالب عاداته أنه لا يخفر ما عاهدهم عليه.
قال أبو إسحاق: وهذا أشبه؛ لأن مثل هذا لا يكاد يخفي من عادته.
الجزء: 4 - الصفحة: 376
[فصل 4 - المرأة لا يجب عليها الحج من المكان البعيد ماشية لخوف عجزها]
وفي كتاب ابن المواز: وليس النساء في المشي كالرجال وإن قوين؛ لأنهن عورة في مشيهن، إلا المكان القريب مثل أهل مكة وما حولها أو قرب منها إذا هن أطقن المشي.
ومن لا يملك إلا قرية، وله ولد، قال: يبيعها ويحج ويترك ولده للصدقة.
وقال فيه وفي العتبية: وكره مالك حج المرأة في البحر؛ لأنها تتكشف ولتخرج في البر وإن لم تجد ولياً، قال عنه ابن المواز: وقد قال الله تعالى: ﴿وَأَذِّن فِي النَّاسِ بِالْحَجِّ يَاتُوكَ رِجَالا وَعَلَى كُلِّ ضَامِرٍ﴾، ما أسمع للبحر ذكراً.
وقال في المجموعة: أكره أن يحج أحد في البحر إلا مثل أهل الأندلس الذين لايجدون منه بُداً.
الجزء: 4 - الصفحة: 377
[فصل 5 - الرجل يكون عنده ما يتزوج به، أيتزوج، أو يحج؟]
ومن العتبية: قال ابن القاسم: سئل مالك عن الرجل العزب يكون عنده ما يتزوج به أيتزوج أم يحج به؟ قال: بل يحج، قيل: وإن كان على أبيه دين وهو صرورة أيقضي دين أبيه أم يحج؟ قال: بل يحج.
قال ابن المواز: وإن كان عليه هو دين وله به وفاء، أو كان يرجوا قضاؤه فلا بأس أن يحج، قال ابن المواز: يريد وإن لم يكن معه غير مقدار دينه فليس له أن يحج.
يريد محمد: إلا أن يقضيه أو يتسع وجده.
[فصل 6 - هل الحج واجب على الفور او على التراخي؟]
قال ابن حبيب: روى أن عمر قال: من اتصل وفره ثلاث سنين، ثم مات ولم يحج لم أصل عليه.
وقال سحنون في الكثير المال القوي على الحج إذا طال زمانه واتصل وفره وليس له سقم ولم يحج: فهي جرحة.
قيل: فهو كذلك/ من بلغ عشرين سنة الى أن بلغ ستين [168/أ] سنة؟ قال: لا شهادة له.
قيل: وإن كان بالأندلس؟ قال: نعم، لا عذر له.
[فصل 6 - استئذان الأبوين في الحج]
ابن المواز: قال مالك: ولا يحج بغير إذن الأبوين إلا حجة الفريضة، وإن قدر أن يرتاضاهما حتى يأذنا له فعل، وإن كانا إنما نذر حجة فلا يكابرهما ولينتظر إذنهما عاماً
الجزء: 4 - الصفحة: 378
بعد عام ولا يعجل، فإن أبيا فليحج.
ومن توجه حاجاً بغير إذن أبويه فإن أبعد وبلغ مثل المدينة فليتمادا.
وقال عنه ابن نافع في المجموعة: إنه يستأذنهما في الفريضة العام والعامين فإن أبيا فليخرج.
[فصل 7 - متى فرض الحج؟]
ومن العتبية، وكتاب ابن المواز: قال ابن القاسم قال مالك: وأول من أقام الحج بالناس أبو بكر سنة تسع.
وقال غير واحد من البغداديين ومثله لاسماعيل القاضي: إنه لم يأت صريحاً أن حج أبي بكر حينئذ كان عن فرض، والظاهر أنه حج لينذر المشركين بسورة براءة أن لا يحج بعد العام مشرك، ويبعد أن يُفرض الحج فيحج أبو بكر الفرض قبل النبي صلى الله عليه وسلم.
الجزء: 4 - الصفحة: 379
وأن حجه وقع في ذي القعدة، والنسيء قائم، وذلك أن النبي صلى الله عليه وسلم قال في العام الثاني: " ألا إن الزمان قد استدار كهيئته يوم خلق الله السموات والأرض"،
الجزء: 4 - الصفحة: 380
فأخبر أنه لم يكن قبل مستديرا، وأن ذلك لو كان فرضاً لم يؤخره النبي صلى الله عليه وسلم، ومع أنه لو أخره النبي صلى الله عليه وسلم لم يكن كغيره؛ لأن الله تعالى أخبره أنه يفتح عليه ويدخل مكة آمناً، فكان على ثقة من أنه سيعيش الى ذلك، ونحن لا نعلم من يموت فكيف يتأخر الإنسان بعد وجوب الفرض عليه وإمكان موته.
[فصل 8 - يوم الحج الأكبر]
قال مالك: ويوم الحج الأكبر هو يوم النحر.
قال غيره: أمر الله نبيه صلى الله عليه وسلم أن يؤذن المشركين بسورة براءة يوم الحج الأكبر
الجزء: 4 - الصفحة: 381
وهو يوم النحر بالمشعر؛ لأنه أكبر جمعهم وموقف قريش، وكان غيرهم يقف بعرفه ثم يأتون المشعر فيجتمع فيه جمعهم كلهم.
[فصل 9 - الميقات الزماني للحج]
قال مالك: أشهر الحج: شوال وذو القعدة وذو الحجة.
م: لقوله تعالى: ﴿الْحَجُّ أَشْهُرٌ مَّعْلُومَاتٌ﴾ وأقلها ثلاثة كاملة؛ ولأن كل شهر كان أوله من شهور الحج فكذلك آخره، أصله شوال.
وفائدة ذلك: تتعلق الدم بتأخير طواف الإفاضة بخروجه.
وقال ابن حبيب عن مالك: إن شهور الحج: شوال، وذو القعدة، وعشر ذي الحجة؛ لأن بانفصالها فوات الحج.
الجزء: 4 - الصفحة: 382
وروي ذلك عن عمر، وعثمان، وابن عمر، وابن عباس.
م: وهذه الرواية أصوب؛ لأن بانفصالها فوات الحج.
فصل [10]
وسئل مالك عن قوله تعالى: ﴿وَلْيُوفُوا نُذُورَهُمْ﴾ سورة الحج آية 29 قال: هو رمي الجمار وعن قوله تعالى: ﴿ذَلِكَ وَمَن يُعَظِّمْ شَعَائِرَ اللَّهِ فَإِنَّهَا مِن تَقْوَى الْقُلُوبِ﴾ قال: هي: عرفات، والمزدلفة، والصفا، والمروة، فمحمل الشعائر: البيت العتيق.
الجزء: 4 - الصفحة: 383
فصل [11]
قال ابن حبيب في قوله تعالى: ﴿فَلاَ رَفَثَ وَلاَ فُسُوقَ وَلاَ جِدَالَ فِي الْحَجِّ﴾، فالرفث: ما يلتذ به من أمر النساء من ذكر أو مراجعة أو غيره.
وأما قوله: ﴿أُحِلَّ لَكُمْ لَيْلَةَ الصِّيَامِ الرَّفَثُ إِلَى نِسَائِكُمْ﴾ فهو الجماع.
قال: والفسوق: الذبح لغير الله.
وقال ابن عباس، وابن عمر: إنها المعاصي كلها.
والجدال: المراء حتى يغاضب صاحبه.
الجزء: 4 - الصفحة: 384
قال مالك: هو ما كان من تفاخر الجاهلية بآبائها.
فصل] 13 - حكم العمرة [
قال ابن القاسم، وغيره: قال مالك: العمرة سنَة واجبة كالوتر لا ينبغي تركها.
م: قال بعض البغداديين: لأنه صلى الله عليه وسلم اعتمر هو وأصحابه وأزواجه، وقال: هي مرة واحدة في العمر.
وليست بفريضة، خلافاً للشافعي.
الجزء: 4 - الصفحة: 385
ودليلنا: أنه صلى الله عليه وسلم سُئل عن الحج أفريضة هو؟ قال: نعم، قيل: فالعمرة؟ قال: لا، ولأن تعتمر خير لك.
وقال: العمرة تطوع.
وقال: من مشى إلى مكتوبة فهي كحجة، ومن مشى إلى تطوع فهي كعمرة؛ ولأنه نسك ليس له وقت معين فلم يكن فرضاً أصْلُه طواف القدوم؛ ولأن فرائض الأبدان المتعلقة بمكان مخصوص تتعلق بزمان معين كالحج، فلما لم يكن للعمرة زمان معين انتفى بذلك كونها فرضاً.
قال أبو محمد: وقيل: إن قوله تعالى: "والعمرة لله" بعد قوله
الجزء: 4 - الصفحة: 386
﴿وَأَتِمُّوا الْحَجَّ﴾:كلام مؤتنف، وقد قرئت الرفع، وقيل: إنما أمر بتمامها من دخل فيها.
وذهب ابن حبيب إلى أنها واجبة كوجوب الحج، وذهب إليه ابن الجهم، وخالفا مالكاً وأصحابه.
الجزء: 4 - الصفحة: 387
[الباب الثاني]
في فرائض الحج، والغسل لها، ودخول المدينة، وصفة الإحرام، والتلبية
] فصل 1 - فرائض الحج [
وفرائض الحج أربعة: الإحرام، والوقوف بعرفة، وطواف الإفاضة، والسعي بين الصفا والمروة.
فأما الإحرام: فالأصل فيه: فعل النبي صلى الله عليه وسلم وأمره به؛ ولأن كل عبادة لها إحلال لم يصح الدخول فيها إلا بإحرام، كالصلاة، وذلك إجماع.
وأما الوقوف بعرفه: فلقوله صلى الله عليه وسلم: "الحج عرفة"، وقوله: "من وقف بعرفة فقدتمٌ حجه، ومن فاته الوقوف بها فقد فاته الحج"، ولا خلاف في ذلك أيضاً.
الجزء: 4 - الصفحة: 388
وأما الطواف: فالأصل فيه قوله تعالى ﴿وَلْيَطَّوَّفُوا بِالْبَيْتِ الْعَتِيقِ﴾، وفَعَلَهُ الرسول صلى الله عليه وسلم، وقال: ((خذوا عني مناسككم))، ولا خلاف فيه.
وأما السعي: فهو فرض عندنا خلافاً لأبي حنيفة.
ودليلنا: أنه صلى الله عليه وسلم سعى، وقال: ((اسعوا فإن الله كتب عليكم السعي))، ففيه أدلة ثلاثة:
أحدهما: أنه فعله، وقال: ((خذوا عني مناسككم))، والآخر: أمره به، وقال: ((اسعوا))، والثالث: إخباره أنه مكتوب علينا.
الجزء: 4 - الصفحة: 389
وليس من فرائضه رمي جمرة العقبة، خلافاً لعبد الملك؛ لأنه نسك يُفعلُ بمنى فلم يكن وجوبه كوجوب الفرائض، فهو كالمبيت والحلاق، ولأنه رمي كسائر الجمار.
فصل] 3 - في دخول المدينة والصلاة في مسجده صلى الله عليه وسلم والسلام عليه [
قال ابن المواز: قال مالك: وأحبَ لمن دخل المدينة إذا دخل المسجد أن يبدأ بركعتين قبل الوقوف بالقبر ومن دخل المسجد الحرام فليبدأ بالطواف قبل الركوع.
قال ابن حبيب: تقول إذا دخلت مسجد النبي صلى الله عليه وسلم: ((بسم الله وسلام علي رسول الله، السلام علينا من ربنا، صل الله وملائكته على محمد، اللهم أغفر لي ذنوبي وافتح لي أبوب رحمتك وجنتك واحفظني من الشيطان، ثم اقصد إلى الروضة وهي مابين القبر والمنبر فاركع فيها ركعتين قبل وقوفك بالقبر تحمد الله تعالى فيها وتسأله تمام ما خرجت إليه والعون عليه، فإن كانت ركعتاك في غير الروضة أجزأتاك، وفي الروضة أفضل، وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم: ((ما بين بيتي ومنبري روضة من رياض الجنة، ومنبري علي ترعة من ترع الجنة)).
الجزء: 4 - الصفحة: 390
قال ابن حبيب: ثم اقصد إذا قضيت ركعتيك إلى القبر من وجاه القبلة فادن منه ثم سلم على رسول الله صلى الله عليه وسلم، وصل واثن عليه، وعليك السكينة والوقار، فإنه الله صلى الله عليه وسلم يسمع تسليمك ويعلم وقوفك بين يديه، وتسليم على أبي بكر وعمر، وتدعو لهما، وأكثر من الصلاة في مسجد النبي صلى الله عليه وسلم بالليل والنهار، ولا تدع أن تأتي مسجد قباء وقبور الشهداء.
فصل] 3 - يستجيب الاغتسال لأركان الحج كلها [
ويُستحب الغسل لأركان الحج كلها، وسواء كان الرجل طاهراً، والمرأة حائضاً؛ لأنه أريد بذلك التنظيف كغسل الجمعة، وقد اغتسل رسول الله صلى الله عليه وسلم والصحابة للإحرام، واغتسل أيضاً لوقوف عرفة، وكذلك الطواف والسعي إلا أنه يكفيه لهما غسل واحد؛ لأن أحدهما مرتبط بالآخر وتابع له، ويستحب الغسل لدخول مكة؛ لأن الصحابة فعلت ذلك، وروى مالك في الموطأ: أن عبد الله بن عمر كان يغتسل لإحرامه قبل أن يحرم ولدخوله مكة ولوقوفه عشية عرفة.
الجزء: 4 - الصفحة: 391
وقال مالك - في كتاب محمد -: يغتسل المحرم لإحرامه، ولدخوله مكة، ولرواحه إلى الصلاة بعرفة، وغسل الإحرام أوجبها ويتدلك فيه ويغسل رأسه بما شاء، فأما غسل مكة وعرفة فلا يتدلك فيه، ولا يغسل رأسه إلا بالماء وحده يصبه صباً ولا يغيب رأسه في الماء.
فصل] 4 - من سنن الإحرام: الغسل حتى للحائض والنفساء [
ومن المدونة: قال مالك: ومن أراد الإحرام من رجل أو امرأة فليغتسل كانت المرأة حائضاً أو نفساء أو لا، وهي السنة، ولم يوسع لهم مالك في ترك الغسل إلا من ضرورة، وكان يستحب الغسل ولا يستحب أن يتوضأ من يريد الإحرام ويدع الغسل.
قال في الموطأ: وأن أسماء بنت عميس ولدت
الجزء: 4 - الصفحة: 392
محمد بن أبي بكر بالبيداء فذكر ذلك أبو بكر لرسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: ((مرها فلتغتسل ثم لتهل)).
قال مالك: وليس علي النفساء والحائض غسل لدخول مكة، قال أشهب: وذلك عليهما لوقوف عرفة.
قال سحنون: ومن ترك الغسل وتوضأ فقد أساء ولا شئ عليه، وكذلك إن ترك الغسل والوضوء.
ابن المواز: قال مال / وليس عليه في ترك الغسل عمداً أو نسياناً دم ولا فديه.
سحنون: وقد أساء.
م: وإنما لم يكن عليه شئ؛ لأنه شئ يفعل قبل انعقاد الحج.
أبو محمد: قال ابن الماجشون: ومن ركع للإحرام فسار ميلاً قبل أن يهل وقد نسي الغسل فليغتسل ثم يركع ثم يهل، وإن ذكره بعد أن أهل تمادى ولا غسل عليه.
وقال أبو القاسم بن الكاتب القروي: اختلف علماؤنا إذا أحرم بغير اغتسال: هل يغتسل بعد إحرامه أم لا يغتسل؛ لأن الإحرام الذي يغتسل له قد كان قبله.
الجزء: 4 - الصفحة: 393
ومن المدونة: قال مالك: ومن اغتسل بالمدينة وهو يريد الإحرام، ثم مضى من فوره إلى ذي الحليفة فأحرم أجزأه غسله، وإن اغتسل بها غدوة، ثم أقام إلى العشاء، ثم راح إلى ذي الحليفة فأحرم لم يجزئه الغسل أعاده.
وإنما يجوز الغسل بالمدينة لرجل يغتسل ثم يركب في فوره، أو رجل يأتي ذا الحليفة فيغتسل إذا أراد الإحرام.
م: كغسل الجمعة الذي هو متصل بالرواح.
قال في كتاب ابن المواز: وإن اغتسل بكرة وتأخر خروجه إلي الظهر كرهته، وهذا طويل.
قال مالك: والغسل بالمدينة عند خروجه، أو بذي الحليفة واسع.
قال ابن حبيب: واستحب عبد الملك: أن يغتسل بالمدينة، ثم يخرج مكانه فيحرم بذي الحليفة، وذلك أفضل، وبالمدينة أغتسل النبي صلى الله عليه وسلم وتجرد ولبس ثوبي إحرامه.
قال أبو محمد: والذي روي من الأحاديث الصحاح من غير رواية ابن حبيب: أن النبي صلى الله عليه وسلم صلي الظهر بالمدينة وصلى العصر بذي الحليفة، وبها بات، وبها أمر النبي صل الله عليه وسلم أسماء أن تغتسل حين نفست.
الجزء: 4 - الصفحة: 394
قال سحنون: إذا أردت الخروج من المدينة خروج انطلاق فأت القبر فسلم كما صنعت أول دخولك، ثم اغتسل والبس ثوبي إحرامك، ثم تأتي مسجد ذي الحليفة فتركع به وتهل.
قال مالك: ولا بأس لمن اغتسل بالمدينة أن اغتسل بالمدينة أن يلبس ثيابه إلى ذي الحليفة فينزعها إذا أحرم.
فصل] 5 - من سنن الإحرام: أن يكون عقب صلاة [
ومن المدونة: قال مالك: ويحرم من أتى الميقات أي وقت شاء يجوز فيه التنفل من ليلٍ أو نهار، ولا يُحرِم إلا بأثر صلاة نافلة، أو بأثر فريضة، كان بعدها نافلة أم لا، وأحب إلىٌ أن يُحرم بأثر صلاة نافلة، أو بأثر فريضة، كان بعدها نافلة أم لا، وأحب إلىٌ أن يُحرم بأثر نافلة، وليس لهذه النافلة حَدٌ قال بعض البغداديين: فإن أحرم بغير الصلاة فلا شئ عليه، ويكره له ذلك.
قال: وإنما اخترنا له الإحرام بأثر صلاة؛ لأن الرسول صلى الله عليه وسلم كذلك فعل، واخترنا له التنفل؛ لأنه زيادة مقصودة لأجل الإحرام، وإنما قلنا إنه إن أحرم عقيب مكتوبة جاز؛ لأن رسول الله صلى الله عليه وسلم أحرم عقيب صلاة، فقيل: نافلة، وقيل: فريضة؛ ولأن الإحرام بعد المكتوبة لم يُعرى من صلاة فكان أفضل من الإخلال بها، وإنما قلنا: إن أحرم بغير صلاة
الجزء: 4 - الصفحة: 395
فلا شيء عليه؛ فلأن ذلك مستحب غير واجب.
ومن المدونة: وإن أتى في وقت لا يتنقل فيه بعد الصبح أو العصر وقد صلاهما فلا يبرح حتى يحين وقت صلاة فيصلي ويحرم إلا أن يكون خائفاً أو مراهقاً يخشى فوات الحج وشبه ذلك من العذر فيجوز له أن يحرم وأن يصل.
قال: ولا يحرم في دبر الصلاة في المسجد، ولكن إذا خرج منه ركب راحلته، فإن استوت به في فناء المسجد لبى ولم ينتظر أن تسير به، وإن كان ماشياً فحين يخرج من المسجد متوجهاً للذهاب يحرم ولا ينتظر أن يظهر بالبيداء.
قال بعض البغداديين: أول ما يبدأ فيغتسل، ثم يتجرد الرجل دون المرأة من مخيط الثياب، ثم يدخل المسجد فيصلى، فإذا فرغ من صلاته خرج فركب راحلته وأهل بالتلبية ولم ينتظر أن تنبعث به، وكذلك فعل الرسول صلى الله عليه وسلم.
وهي حجتنا على الشافعي، وابن حبيب: انه يحرم إذا انبعث، وعلى
الجزء: 4 - الصفحة: 396
أبي حنيفة: أنه يحرم عقب الركوع.
الجزء: 4 - الصفحة: 397
قال بعض البغداديين: ولفظ التلبية: لبيك اللهم لبيك، لبيك لا شريك لك لبيك، إن الحمد والنعمة لك والملك، لا شريك لك.
وذلك منقول عن النبي صلى الله عليه وسلم بهذا اللفظ.
ويكفي منها مرة واحدة؛ لأنه أقل ما يتناوله الإسم، وما زاد على ذلك فمستحب، فإن أخل بها جملة فعلية الدم، لأنها من شرائع الحج وواجبات نسكه، وفعلها، وقال/ "خذوا عني مناسككم "، وقال: " من ترك من نسكه شيئاً فعليه الدم ".
ويستحب رفع الأصوات بها للرجال لقوله صلى الله عليه وسلم: " أتاني جبريل فأمرني أن آمر أصحابي أن يرفعوا أصواتهم بالإهلال " ورواه مالك في الموطأ، ويكره ذلك للنساء
الجزء: 4 - الصفحة: 398
خيفة الفتنة؛ ولأن إخفاءه أستر لهن.
قال أشهب في المجموعة: من اقتصر على تلبية رسول الله صلى الله عليه وسلم المعروفة اقتصر على حظ وافر، ولا بأس عليه إن زاد على ذلك، فقد زاد عمر: لبيك ذا النعماء والفضل الحسن، لبيك لبيك مرهوباً منك ومرغوباً إليك، وزاد ابن عمر: لبيك لبيك وسعديك والخير بيديك، والرغباء إليك والعمل.
قال ابن حبيب: الإهلال بالحج الاستفتاح بالتلبية، وهي إحرام الحج، كما أن التكبيرة الأولى التي بها ترفع اليدان إحرام الصلاة.
تقول رافعاً صوتك خاشعاً لربك: لبيك اللهم لبيك، لبيك لا شريك لك لبيك، إن الحمد والنعمة لك والملك، لا شريك لك.
فهذه تلبية رسول الله صلى الله عليه وسلم.
روى ذلك مالك بن أنس، وعبد العزيز بن أبي سلمة.
وكان النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه يرفعون أصواتهم بالتلبية، وقال: " إن الله يغفر للملبي مدى صوته ويشهد له
الجزء: 4 - الصفحة: 399
ما سمعه من شيء "
ومن المدونة: قال ابن القاسم: وإن توجه ناسياً للتلبية من فناء المسجد كان بنيته محرماً، فإن ذكر من قريب لبى، ولا شيء عليه، وإن تطاول ذلك، او نسيه حتى فرغ من حجة فليهريق دماً.
فصل [6 - النية تكفي في الإحرام، ولا يُسمى]
قال مالك: ويجزي من أراد الإحرام التلبية، وينوي بها ما أراد من حج أو عمرة، وتكفيه النية في الإحرام، ولا يسمى عمرة ولا حجة، وذلك أحب إلى مالك من تسمية ذلك، وإن كان قارناً فوجه الصواب فيه أن يقول: لبيك بعمرة وحجة، يبدأ بالعمرة في نيته قبل الحج، وتجزئه النية أيضاً.
قال في كتاب ابن المواز: وكانت عائشة رضي الله عنها تسمى في الإحرام بالحج والعمرة، وكان ابن عمر يحرم فينوي.
قال عنه ابن وهب: والتسمية أحب إلي.
الجزء: 4 - الصفحة: 400
قال بعض البغداديين: لأن الإحرام هو الاعتقاد بالقلب للدخول في الحج والعمرة، فلا يفتقر إلى تلبية بذلك غي انعقادها، خلافا لأبي حنيفة في قوله: إنه لا ينعقد ذلك إلا بنطق.
ودليلنا: أنها عبادة لا يجب الذكر في آخرها فلم يجب في أولها كالصيام عكسه الصلاة، وللاتفاق على أنه إذا قلد الهدى وأشعره ينوى به الإحرام ولم يلب أن إحرامه يصح.
ومن المدونة: قال مالك: ولا ينبغي للرجل أن يلبي فلا يسكت وقد جعل الله لكل شيء قدراً.
قال غيره: ولأن ذلك سرف وخروج عما يتعلق بالندب.
قال: وتستحب التلبية عند إدبار الصلوات؛ لأنها أوقات يستحب فيها، وعند كل شرف؛ لأن ذلك مروي عن الصحابة.
الجزء: 4 - الصفحة: 401
ومن المدونة: قال مالك: ولا ترفع الأصوات بالتلبية في شيء من المساجد إلا في المسجد الحرام ومسجد مني؛ لأنها مواضع الحج، بخلاف غيرها.
قال في كتاب ابن المواز: ويسمع نفسه ومن يليه في جميع المساجد غير المسجد الحرام ومسجد منى فليرتفع صوته فيهما.
قال أشهب في المجموعة: لأن ذلك يكثر فيهما ولا يشتهر بذلك الملبي؛ لأنهما موضع ذلك.
ومن المدونة: قال مالك: ويلبي الحاج والقارن في المسجد الحرام، وأهل مكة في التلبية كغيرهم من الناس، وحد ما ترفع به المرأة صوتها عند مالك قدر ما تسمع نفسها.
وكره مالك أن يلبي من لا يريد الحج ورآه خرقاً لمن فعله.
فصل [7 - الإحرام بحج أو عمرة ينعقد بالنية، وافقها لفظه أو خالفها]
ومن كتاب ابن المواز: قال مالك: ومن أراد أن يهل بالحج مفردا فأخطأ فقرن، أو تكلم بالعمرة فليس ذلك بشيء، وهو على حجه.
قال مالك: وما كان لله على نيته.
قال في العتيبة: ثم رجع مالك فقال: عليه دم، وقاله ابن القاسم.
الجزء: 4 - الصفحة: 402
قال ابن المواز: ومن لبى يريد الإحرام ولم ينو شيئاً فالاستحسان: أن يفرد، والقياس: أن يقرن، ولو نوى شيئاً فنسيه فهذا قارن لابد، وقال أشهب في المجموعة.
م: لأن القرآن يجمع الحج والعمرة، فما كان نواه لا يخرج عنه.
قال ابن المواز: وإن لبى بحجتين أو عمرتين فليس إلا حجة واحدة ولا يقضي الأخرى، قال أبو محمد: يريد: وإن نوى عمرتين لم يقض الأخرى.
الجزء: 4 - الصفحة: 403
[الباب الثالث]
جاء ما جاء في تقليد الهدى وإشعاره في الإحرام ومن السنة: تقليد الهدى، في جانبه الأيسر عرضاً، ويسمي.
الجزء: 4 - الصفحة: 404
الله عند الإشعار، وكذلك فعل النبي صلى الله عليه وسلم في جميع ذلك.
قال أبو حنيفة: الإشعار بدعة.
الجزء: 4 - الصفحة: 405
وفائدة الإشعار والتقليد: أن يعلم ما رآه إذا ضل أنه هدى قد وجب، فلا يقدم عليه.
ومن المدونة قال ابن القاسم: فمن أراد الإحرام ومعه هدي فليقلده، ثم يشعره، ثم يجلله، وكل ذلك واسع، ثم يدخل المسجد فيركع ويحرم كما وصفنا.
قيل: فإن أراد أن يقلد ويشعر بذي الحليفة ويؤخر إحرامه إلى الجحفة؟.
قال: لا يفعل ولا ينبغي له أن يقلد ويشعر إلا عندما يريد أن يحرم، ثم يحرم عقيب تقليده وإشعاره، إلا أن يكون لا يريد الحج فجائز أن يقلد بذي الحليفة.
قال: وإن لم يكن معه هدي وأراد أن يهدي فيما يستقبل فله أن يحرم ويؤخر الهدي.
قال: ومن قلد هديه وهو يريد الذهاب معه إلى مكة بالتقليد أو بالإشعار أو بالتجليل محرماً حيث يحرم.
قال إسماعيل القاضي في كتاب الأحكام: لا خلاف أنه إذا قلد هديه أو أشعره يريد بذلك الإحرام أنه محرم، وهو مذهب مالك، وإنما الخلاف إذا لم يرد الإحرام.
الجزء: 4 - الصفحة: 406
ومن المدونة: قال مالك: ويقلد هدي جزاء الصيد، وما كان من هدي عن جماع، وهدي ما نقص من حجه، والهدي كله يقلد ويشعر خلا الغنم فإنها لا تقلد ولا تشعر.
وقال ابن حبيب: تقلد الغنم ولا تشعر، وروى ذلك عن عائشة، وعطاء.
ولم ير مالك أن تقلد.
ومن المدونة: قال مالك: وإذا دخل الهدي في الحج فلا ينحره إلا يوم النحر بمنى، فإن لم يفعل نحره بمكة بعد ذلك، ويسوقه إلى الحل إن كان اشتراه من الحرم، وإن أدخله معه من الحل إلى مكة فنحره بها أجزاء عنه.
ومن جهل أن يقلد بدنته أو يشعرها من حيث ساقها حتى نحرها، وقد كان أوقفها أجرأته.
قال: وتقلد البقر ولا تشعر إلا أن يكون لها أسنمة فتشعر.
ابن حبيب: وروي عن ابن عمر، وابن شهاب: أنها تشعر، كانت لها أسنمة أو لم تكن.
وبه أقول.
الجزء: 4 - الصفحة: 407
ومن المدونة: قال مالك: ولا تقلد فدية الأذى ولا تشعر، لأنها نسك، ومن شاء قلدها وجعلها هدياً.
قال: والإشعار في الجانب الأيسر من أسنمتها عرضاً.
قال ابن حبيب، ورواه عن ابن عمر.
ومن المدونة: قال ابن القاسم: ولا تقلد بالأوتار، تقول عائشة رضي الله عنها: "وكنت أفتل لرسول الله صلى الله عليه وسلم قلائد هديه".
ومن كتاب ابن المواز: قال ملك: تقلد البدن عند الإحرام بنعلين في رقبتها، ثثم تشعر في شقها الأيسر عرضاً، ووجوهها إلى القبلة، ثم تجلل إن أحب، وليس الجلال بواجب، ويقول إذا أشعرها: بسم الله، والله أكبر، ثم يركع، ثم يحرم.
قال مالك: وكان ابن عمر يشعر بدنته من الشقين جميعا إن كانت صعابا، وإن كانت ذللا أشعرها من الشق الأيسر، قال في العتبية: ولم يشعرها من الشقين جميعاً؛ لأنه سنة، ولكن ليذللها، وإنما السنة في الشق الأيسر في الصعاب وغيرها.
وقال ابن المواز - في قوله: يشعرها من الشقين - أي: من أي الشقين /
الجزء: 4 - الصفحة: 408
أمكنه.
قال مالك: وتجزيء النعل الواحدة في التقليد، والنعلان أحب لينا.
قال مالك: ويفعل حبل القلائد فتلاً، وأحب إلينا أن يكون مما تنبت الأرض، وإنما يفعل لئلا ينقطع، وقالت عائشة رضي الله عنها: كنت أفتل لرسول الله صلى الله عليه وسلم قلائد هديه.
قال مالك: ولا تجلل بالمخلق، فأما غير ذلك من الألوان فخفيف، والبياض أحب إلينا.
قال ابن حبيب: وذلك يقدر السعة، فمنهم من يجلل بالوشي، وبالحير، وبالمشطب، والقباطي، والأنماط، وبالملاحف وبالأزر.
الجزء: 4 - الصفحة: 409
ابن المواز: قال مالك: وأحب إلينا شق الجلال عن الأسمنة إن كان قليل الثمن كالدرهمين ونحوها؛ لأنه يحبسه عن أن يسقط وأن لا تشق المرتفعة استبقاء لها.
قال أبو الحسن ابن القابسي: يشق في الجلال عن موضع الإشعار، ويظهر على الجل من الدم، وإن كان الجل رفيعا ترك شقه فهو أنفع للفقراء.
قال ابن المواز: وذكر ابن نافع أن ابن عمر كان يعقد أطراف الجلال على أنابها من البول ثم ينزعها قبل أن يصيبها الدم فيتصدق بها.
قال ابن المبارك: كان ابن عمر يجللها بذي الحليفة فإذا أمسى ليله نزعه، فإذا قرب من الحرم جللها، وإذا خرج إلى منى جللها، فإذا كان حين النحر نزعه.
الجزء: 4 - الصفحة: 410
[الباب: الرابع]
في إحرام المغمى عليه، ورفض الإحرام، ولباس المحرم وإدهانه ومالا يغطيه من بدنه.
ونهى الرسول صلى الله عليه وسلم المحرم عن لباس العمائم، ومخيط الثياب، والبرانس، والسراويلات، والخفاف، وما مسه ورس أو زعفران، وأرخص لمن لم يجد نعلين قطع الخفين أسفل من الكعبين ولبسهما.
وقال صلى الله عليه وسلم: "رفع القلم عن ثلاثة فذكر: المغمى عليه حتى يفيق".
[فصل 1 - في إحرام المغمى عليه، ووقوفه بعرفة]
ومن المدونة: قال ابن القاسم: ومن أتى الميقات مغمى عليه فأحرم عنه أصحابه بحجة أو عمرة أو قران وتمادوا، فإن أفاق فأحرم بمثل ما أحرموا به عنه أو بغيره، ثم أدرك فوقف بعرفة مع الناس أو بعدهم قبل طلوع الفجر من ليلة النحر أجزأه حجه،
الجزء: 4 - الصفحة: 411
وأرجو أن لا يكون عليه دم لترك الميقات، وأن يكون معذورا، وليس ما أحرم عنه أصحابه بشيء، وإنما الإحرام ما أحرم هو به إن نواه، فإن لم يفق حتى طلع الفجر من ليلة النحر وقد وقف به أصحابه لم يجزئه حجه.
م: لأن الإحرام هو الاعتقاد بالقلب للدخول في الحج أو العمرة، والاعتقادات والنيات لا ينوب فيها أحد عن أحد، والمغمى عليه لا تصح منه نية ولا تنعقد عليه عبادة؛ لأنه غير مخاطب بها في حال إغمائه، ولا خلاف في ذلك.
قال في الثاني: ولو أحرم بالحج، ثم أغمي عليه فوقف به أصحاب بعرفة أو المزدلفة مغمى عليه أجرأه، ولا دم عليه.
ابن المواز: وقال أشهب: لا يجزئه ويفوته الحج إن لم يفق فيقف قبل طلوع الفجر.
م: فوجه قول ابن القاسم: فلأنه قد أحرم بالحج وانعقد عليه ودخل فيه ومضى منه صدر فهو كالصائم يغمى عليه يعد الفجر وقد مضى صدر من النهار.
ووجه قول أشهب: أن الوقوف بعرفة ركن قائم بنفسه، فإذا أغمي عليه قبله فلم يفق حتى طلع الفجر فهو كمن أغمي عليه في الصوم قبل الفجر فلم يفق إلا بعدها.
وهذا أقيس.
وفي الثاني: إيعاب هذا.
الجزء: 4 - الصفحة: 412
فصل: [3 - في رفض الإحرام]
ومن المدونة: قال ابن القاسم: وإذا نوى الحاج أو المعتمر رفض إحرامه فلا شيء عليه وهو على إحرامه، وما رأيت مالكا ولا غيره يعرف الرفض.
فصل [3 - ما يلبس المحرم من الثياب]
قال مالك: ولا بأس أن يحرم في ثوب / غير جديد وإن لم يغسله، وعندي ثوب قد أحرمت فيه حججا ما غسلته.
قال ابن حبيب: ويستحب أن يحرم في ثوبين أبيضين يأتزر بأحدهما ويرتدي بالآخر.
قال الأبهري، وغيره: وإنما ذلك لقول النبي صلى الله عليه وسلم: "خير ثيابكم البياض، فليلبسها أحياؤكم، وكفنوا فيها موتاكم".
ومن المدونة: وكره مالك للرجال والنساء أن يحرموا في الثوب المعصفر المقدم؛ لأنه ينتفض، وكرهه للرجال في غير الإحرام، ولا بأس أن يخدم الرجل في
الجزء: 4 - الصفحة: 413
البركانات، والطيالسة الكحلية، وفي عصب اليمن، وجميع ألوان الثياب إلا المعصفر المفدم الذي ينتفض، وما صبع بالورث والزعفران للنهي عن ذلك، فكرهه مالك، ولم يكره شيئا من الصبغ غيره، وكذلك إن غسل الذي صبغ بورس أو زعفران فقد كرهه أيضاً إلا أن يذهب لونه كله، فلا بأس به، وإذا لم يخرج لونه، ولم يجد غيره صبغة بالمشق وأحرم فيه، وأما المعصفر إذا غسل وبقي فيه أثر لونه فجائز للمحرم؛ لأنه يصير مورداً.
قال ابن القاسم: ولم يكن مالك يرى بالمشق والمورد بأساً.
قال ابن القاسم: ولا بأس بالإحرام في الثياب الهروية إن كان صبغها بغير الزعفران، وإن كانت بالزعفران فلا يصلح.
الجزء: 4 - الصفحة: 414
قال مالك: ولا يحرم في ثوب علق فيه ريح المسك حتى يذهب ريحه بغسل أو نشر، وإن أحرم فيه قبل أن يذهب ريحه فلا فدية عليه.
قال أشهب: إلا أن يكثر فيصير كالطيب.
م: وإنما كرهت هذه الثياب التي ذكرنا؛ لأنها تدعو المحرم إلى النساء والنكاح الذي يفسد الإحرام كما كره لبس ذلك والتطيب للمعتدة؛ لأنه داعية إلى النكاح.
قال مالك: وأكره للرجل الحلال أن يلبس الثوب الخز لموضوع الحرير، وكره لبس الحرير والذهب للصبيان الذكور كما كرهه للرجال.
قال ابن القاسم:
وأرجو أن يكون الخز للصبيان خفيفا.
فصل [4 - إذا لم يجد المحرم نعلين جاز له لبس الخفين]
قال مالك: وإذا لم يجد المحرم نعلين وهو ملي جاز له لبس الخفين إذا قطعهما أسفل الكعبين كما جاء في الحديث، ولا فدية عليه.
قال مالك: وإذا وجد نعلين فليشترهما وإن زيد عليه في الثمن يسيراً.
الجزء: 4 - الصفحة: 415
م: يريد: فإن لم يشترهما حينئذ ولب خفين قطعهما أسفل من الكعبين فليفتد؛ لأنه كالواجد للنعلين.
قال مالك: وأما ما تفاحش من الثمن فما عليه أن يشتريهما، وأرجو أن يكون في سعة.
وقال ابن حبيب: إنما أرخص في قطع الخفين في قلة النعال، فأما اليوم فقد كثرت ولا تعدم، فلا رخصة في ذلك اليوم، ومن فعله افتدى.
وقال ابن الماجشون.
م: والصواب أن لا فدية عليه؛ لأن له لبس الخفين وقطعهما أسفل من الكعبين إذا لم يجد النعلين كما أمر النبي صلى الله عليه وسلم.
وقول ابن حبيب هذا خلاف لمالك.
فصل [5 - في الإدهان قبل الإحرام]
ومن المدونة: قال مالك: ويدهن الرجل عند الإحرام وبعد حلاقه رأسه بالزيت وشبهه وبالبان السمح وهو غير المطيب، وأما كل شيء يبقى ريحه فلا يعجبني، ولا يدهن بشيء من ذلك بعد الإحرام، فإن فعل افتدى.
قال ابن المواز: قال مالك: ولا بأس أن تمتشط المرأة قبل إحرامها بالحناء وبما لا
الجزء: 4 - الصفحة: 416
طيب فيه، ثم يحرم، ولا تجعل في رأسها زاوقا، فإن فعلت افتدت وإن جعلته قبل الإحرام.
م: لأنه يقتل القمل.
قال في المجموعة: ولا يجعل الرجل في رأسه عند الإحرام قبل أن يحرم خلاً للأقرحة وأخاف أن يقتل القمل.
قيل: به إليه ضرورة أفيجعله ويفتدي؟ قال: لا يجعله وليصير حتى يحل أحب إلينا.
قال مالك: ولا بأس أن يقص شاربه ويقلم أظفاره ويتنور عندما يريد أن يحرم، وأما شعر رأسه فأحب إلي أن يعفى ويوفر للشعث.
قال في كتاب ابن المواز: ولا بأس أن يلبده قبل أن يحرم /، وفعله النبي صلى الله عليه وسلم قبل الإحرام خرج إلى مكة.
الجزء: 4 - الصفحة: 417
والتلبيد: أن يأخذ غاسولاً وصمغاً فيجعله في الشعر ويضفره فليلصق فيقتل قمله، ولا يشعث.
ومن لبد، أو عقص، أو ضفر، أو ربط شعره قبل أن يحرم من الرجال فلابد له من الحلاق، ومن فعل ذلك من النساء فليس عليها إلا التقصير.
قال في المجموعة: وللرجل أن يكتحل قبل أن يحرم.
قال ابن المواز: وإن كان في عنقه كتاب فلينزعه قبل أن يحرم، فإن اضطر إليه فليتركه ويفتدي.
وإذا انتفض على المرحمة شعر رأسها فلا بأس أن تعقده.
فصل [6 - إحرام الرجل في وجهه ورأسه، وإحرام المرأة في وجهها ويديها].
ومن المدونة: قال مالك: وإحرام الرجل في وجهه ورأسه، فإن غطى وجهه ورأسه حتى طال ذلك افتدى.
الجزء: 4 - الصفحة: 418
قال بعض البغداديين: ولا خلاف في الرأس.
والأصل فيه: نهيه صلى الله عليه وسلم للمحرم عن لباس العمائم والبرانس واتصل العمل بذلك.
قال: وأما الوجه: فقال ابن القاسم: لا فدية عليه.
ومن أصحابنا من يقول: يتخرج على روايتين.
وقال الشافعي: ليس عليه كشف وجهه.
ودليلنا قوله صلى الله عليه وسلم: "المحرم أشعث أغبر"، فجعل من وصفه ذلك، فاقتضى نفي ما أخرجه من هذا المعنى، والوجه أخص بذلك من سائر الأعضاء، وقياسا على المرأة، وإن كان ذلك على المرأة واجباً فالرجل أحرى.
ومن المدونة: قال مالك: وإحرام المرأة في وجهها ويديها، والذقن هما فيه سواء لا بأس بتغطيته لهما.
الجزء: 4 - الصفحة: 419
قال غيره: والأصل في ذلك: قوله صلى الله عليه وسلم: "إحرام المرأة في وجهها"، ونهيه النساء عن لبس النقاب في الإحرام.
فإذا ثبت ذلك لم يجز لها تغطية وجهها، إلا أن يكون هناك جمال يخاف فيه الفتنة فيجوز لها أن تسدل الثوب عليه بقدر ما يزول عنها ما يخاف من نظر من ينظر إليها.
وأما اليدان فيلزمهما كشفهما إلى الكوعين، خلافاً لأبي حنيفة، لنهيه صلى الله عليه وسلم ن لبس القفازين؛ لأنه عضو ليس بعورة منها فوجب أن يتعلق به حكم الإحرام في
الجزء: 4 - الصفحة: 420
التغطية أصله الوجه.
ومن المدونة: ويكره للمحرم أن يغطي ما فوق ذقنه، فإن فعل فلا شيء عليه، لما جاء فيه عن عثمان أنه غطى بعض وجهه ما دون عينيه وتطاول.
وفي الثالث: إيعاب هذا.
وقد تقدم أن المحرم يرفع صوته بالتلبية ولا يسرف، ولا يرفع صوته بها في شيء من المساجد إلا المسجد الحرام، ومسجد منى، وترفع المرأة صوتها قدر ما تسمع نفسها.
الجزء: 4 - الصفحة: 421
[الباب: الخامس]
جامع ما جاء في قطع التلبية للحاج والمعتمر
قال مالك: وإذا دخل المحرم المسجد الحرام أول ما يدخل وهو مفرد بالحج أو قارن فلا يلبي، ويقطع التلبية من حين يبتدئ الطواف الأول بالبيت إلى أن يفرغ من سعيه بين الصفا والمروة، وهذا المستحب له.
م: وروي مثل ذلك عن الصحابة.
قال مالك: فإن لبى حول البيت، أو في السعي بين الصفا المروة لم أر ذلك ضيقاً ورأيته في سعة.
قال مالك: وإذا فرغ من سعيه عاد إلى التلبية فلا يقطعها حتى يروح يوم عرفة إلى المسجد.
قال ابن القاسم: يريد: إذا زالت الشمس وراح يريد الصلاة قطع التلبية.
وثبت مالك عن هذا، وعلمنا أنه رأيه؛ لأنه قال: لا يلبي الإمام يوم عرفة على المنبر، ويكبر بين ظهراني خطبته، ولم يؤقت في تكبيره وقتاً، وكان يقول: يقطع التلبية إذا راح إلى الموقف،
الجزء: 4 - الصفحة: 422
وكان يقول: يقطع إذا زاغت الشمس، ثم رجع على ما ذكرنا.
قال ابن القاسم: وإذا قطع التلبية فلا بأس أن يكبر.
قال بعض البغداديين: إنما استحب مالك قطع التلبية بعد الزوال يوم عرفة، خلافاً لأبي حنيفة، والشافعي في أنه يقطع عند رمي الجمرة؛ لأنه ما قلناه إجماع الصحابة، روي عن الخلفاء الأربعة، وابن عمر، وعائشة، وذكر مالك أنه إجماع أهل المدينة؛ ولأن التلبية إجابة للنداء / بالحج الذي دعي إليه، فإذا انتهى فقد أتى بما لزمه ولا معنى لاستدامتها.
ومن المدونة: ومن اعتمر من ميقاته قطع التلبية إذا دخل الحرم، ثم لا يعاودها.
قال ابن القاسم: وكذلك من أتى وقد وفاته الحج أو أحصر بمرض حتى فاته يقطع
الجزء: 4 - الصفحة: 423
التلبية إذا دخل أوائل الحرم؛ لأن عملهم صار عمل العمرة.
قال مالك: ولا يحل المحصر بمرض من إحرامه إلا البيت وإن تطاول ذلك به سنين.
قال: والذي يحرم بعمرة من غير ميقاته مثل الجعرانة والتنعيم يقطع إذا دخل بيوت مكة أو المسجد الحرام، كل ذلك واسع.
وفي رواية الأبهري: يقطع المعتمر من ميقاته إذا دخل أوائل الحرم.
والمعتمر من الجعرانة إذا دخل بيوت مكة؛ لأن مدته أقصر من ذلك.
ومن التنعيم إذا دخل المسجد؛ لأن مدته أقصر منهما، وكل ذلك واسع، وقد روى عن ابن عمر أنه كان يفعل نحو هذا فاستحسنه مالك وأخذ به.
ومن المدونة: وحكم من جامع في حجة فاسدة في قطع التلبية، وغيرها، حكم من لم يفسده.
وأهل مكة في التلبية كغيرهم من الناس.
وقد تقدم أن الحاج والقارن يلبي في المسجد الحرام، وأن مالكا كره أن يلبى في المسجد الحرام، وأن مالكاً كره أن يلبى من لا يريد الحج، ورآه خرفا لمن فعله.
الجزء: 4 - الصفحة: 424
[الباب السادس]
في إفراد الحج، والقران، والتمتع، وإرداف الحج على العمرة.
قد تقدم أن الإفراد أن يحرم بحجة فيقول: لبيك بحجة، والقرآن، أن يقول: لبيك بعمرة وحجة، وتجزئة النية في ذلك كله وإن لم يسم.
قال ابن القاسم: والتمتع: أن يهل بعمرة في أشهر الحج، فإذا حل منها أقام بمكة متمتعاً بالنساء والثياب والطيب وغير ذلك مما يجتنبه المحرم، ثم يحج من عامه، ولذلك سمي متمتعاً.
ومن المدونة: قال ابن القاسم: والإفراد بالحج أحب إلى مالك من القرآن والتمتع، وأجاز الشاة في دم القرآن على تكره، يقول: إن لم يجد.
واستحب فيما استيسر من الهدي: قول ابن عمر البقرة دون البعير.
قال ابن المواز: والتمتع، والقرآن، والإفراد، كل ذلك واسع، والإفراد أفضل.
قال عبد الملك: وقد اختلف في حجة الرسول الله صلى الله عليه وسلم وأحق أن يكون أولى ذلك وأصحه الإفراد؛ لأنه أسلم، ولا هدي فيه، ولا يكون الهدي إلا ليجبر به النقص،
الجزء: 4 - الصفحة: 425
والعبادة التي لا نقص فيها أفضل، وقد اختار ذلك الأئمة، وأمتثله أهل الخبرة بالنبي صلى الله عليه وسلم، وجاء أن عائشة أفردت، وذكرت أن النبي صلى الله عليه وسلم أفرد، وهي منه بموضع الخبرة الأكيدة ليلاً ونهاراً وسراً وعلانية، وأفرد أبو بكر سنة تسع، وأفرد عتاب بن أسيد سنة ثمان، وهو أول حج قام للمسلمين، وأفرد عبد الرحمن عام الردة،
الجزء: 4 - الصفحة: 426
وأفرد الصديق السنة الثانية، وأفرد عمر عشر سنين، وأفرد عثمان ثلاث عشرة سنة، واتصل العمل به بالمدينة من الأئمة والولاة ومن علمائهم وعامتهم، فأين المعدل عن هذا؟.
م: فكذلك ذكر ابن حبيب عن عبد الله في جميع هذا، واعتذر فيما وقع من اختلاف الرواية في حجة النبي صلى الله عليه وسلم.
قال أبو جعفر في كتابه: الناسخ والمنسوخ: أحسن ما قيل في ذلك: أن
الجزء: 4 - الصفحة: 427
رسول الله صلى الله عليه وسلم أهل بعمرة فقال من رآه: تمتع، ثم أهل بحجة، فقال من رآه أفرد، ثم قال: "لبيك بحجة وعمرة"، فقال من سمعه: قرن، فاتفقت الأحاديث.
الجزء: 4 - الصفحة: 428
م: قال عبد الوهاب: الأفراد أفضل، ثم التمتع، ثم القران.
وذهب أو حنيفة إلى أن القران، والتمتع أفضل من الإفراد.
وذهب الشافعي إلى أن التمتع أفضل.
واحتج أبو محمد: عبد الوهاب بنحو ما تقدم لعبد الملك، قال: وإنما قلنا إن التمتع أفضل من القرآن؛ لأنه يأتي بالعملين مفردين على تمامهما.
وروى أشهب عن مالك في المجموعة أنه قال: أما من قدم مراهقا للحج فالإفراد أحب إلي، وأما من قدم وبينه وبين الحج طول زمان يشتد عليه فيه الإحرام ويخاف على صاحبه قلة الصبر فالتمتع أحب إلي، وأما من أتى موافياً ولم يشأ الإفراد فالقران له أحب إلي من التمتع.
الجزء: 4 - الصفحة: 429
فصل [1 - في إرداف العمرة على الحج، أو إرداف حج على حج].
ومن المدونة: وكره مالك لمن أحرم بالحج أن يضيف إليه عمرة أو حجة، فإن أردف ذلك أول دخوله مكة أو بعرفة أو في أيام التشريق فقد أساء وليتمادوا على حجه، ولا يلزمه شيء مما أردف ولا قضاؤه ولا دم قران.
م: وإنما لم ترتدف عمرة على حج، ولا حج على حج؛ لأنه لا يستفيد بهذا الإرداف زيادة فعل على ما كان لزمه بالإحرام الأول، فهو بخلاف من أردف حجا على عمرة؛ لأنه بهذا الإرداف ألزم نفسه زيادة عمل الحج على عمل العمرة، وهذا الإرداف جائز، وفعله السلف، ويكون بذلك قارناً.
فصار القران على وجهين: إما أن يبتدي في الإحرام بالعمرة والحج معاً في حال واحد ينوي بقلبه أنه دخل فيهما مقدما للعمرة في نيته، أو يكون إنما ابتدأ الإحرام بالعمرة، ثم أضاف إليها الحج قبل طوافه، فيكون أيضاً قارناً.
[فصل 3 - في وقت إرداف الحج على العمرة]
ومن المدونة: قال مالك: ومن أحرم بعمرة فله أن يضيف إليها الحج، ويصير قارناً ما لم يطف بالبيت، فإذا طاف ولم يركع كره له أن يردف الحج، فإن فعل لزمه صار قارناً، وعليه دم القران، ويتم طوافه بالركوع ولا يسعى.
الجزء: 4 - الصفحة: 430
ابن المواز: وقال أشهب، وابن عبد الحكم: لو طاف ولو شوطاً أتم عمرته، ولم يلزمه الحج الذي أردفه إلا أن يشاء.
م: فوجه رواية ابن القاسم عن مالك: فلأن الطواف ما لم يكمل بالركوع لم يتقرر حكمه، ولم يأت بركن من أركان العمرة على كماله، فلم يمنعه ذلك من إضافة الحج إليها، كالذي أحرم بها ولم يطف.
ووجه قول أشهب: هو أن شروعه في الطواف يقتضي تمامه على ما دخل فيه، فليس له نقله إلى غيره؛ ولأن في ذلك نقصاً لما أوجبه على نفسه مما لزمه إكماله، وذلك غير جائز، ويفارق الطواف الإحرام: أن الإحرام ابتداءً يراد لما بعده، وإذا لم يشرع في مقصوده وسع له أن يقصِر إرادته على ما هو أكمل مما كان عقده على نفسه.
ومن المدونة: قال مالك: وإن أردف الحج بعد أن طاف وركع ولم يسع أو سعى بعض السعي وهو من أهل مكة أو غيرها كره له ذلك، فإن فعل فليمضِ على سعيه، ثم يحل، ثم يستأنف الحج.
قال يحي بن عمر: إن شاء.
الجزء: 4 - الصفحة: 431
قال عبد الوهاب: وإنما قال ذلك: لأنه لما تم طوافه بالركوع حصل له ركن كامل كم العمرة فلزمه تمامها بالسعي على حسب ما عقد على نفسه له نقل ذلك إلى غيره، فهو بخلاف ما لم يركع؛ لأن الركوع باتصاله للطواف ومنع تراخيه عنه كأنه جزء منه، وليس كذلك السعي؛ لأن له حكم نفسه في الوجوب؛ لأنه ركن، فهو مساوٍ للطواف غير تابع له.
[فصل 3 - المحرم بالعمرة إذا أحرم بالحج بعد سعيها صح إحرامه، ويحرم عليه الحلق، ويلزمه هدي لتأخير حلاق العمرة]
قال مالك: وإن أردف الحج بعد تمام سعيه قبل أن يحلق لزمه الحج ولم يكن قارناً، ويؤخر حلاق رأسه، ولا يطف بالبيت ولا يسعى حتى يرجع من منى، إلا أن شاء أن يطوف تطوعاً، ولا يسع، ولا دم قران عليه، وعليه دم تأخير الحلاق في عمرته كان مكياً أو غير مكي؛ لأنه لما أحرم بالحج لم يقدر على الحِلاق، ولا دم عليه/ لتمتعه إلا أن يحلَّ من عمرته في أشهر الحج فيلزمه الدم إن كان غير مكي، وإن كان مكياً لم يلزمه غير دم تأخير الحلاق فقط.
م: فصار إرداف الحج على العمرة عند ابن القاسم على أربعة أوجه: فوجهان أحدهما جائز، والثاني مكروه، ويكون فيهما قارناً، وهو أن يردف الحج قبل الطواف، فهذا جائز، أو يردفه بعد الطواف وقبل الركوع، فهذا مكروه، وهو فيهما قارن.
ووجهان أحدهما جائز، والثاني مكروه، وهو قارن، وهو أن يردفه
الجزء: 4 - الصفحة: 432
بعد الطواف والسعي، فهذا جائز، أو يردفه بعد الطواف والركوع وقبل السعي، فهذا مكروه، وهو فيهما غير قارن، وعليه دم تأخير الحلاق.
م: قال بعض أصحابنا: فإن تعدى هذا لزمه تأخير الحلاق فحلق، فظهر لي أنه لا يسقط عنه دم تأخير الحلاق؛ لأنه نقص لزمه، كمن تعدى ميقاته، ثم أحرم بالحج فلزمه دم التعدي، فلا يسقطه عنه رجوعه إلى الميقات.
ويلزمه مع دم تأخير الحلاق الفدية؛ لأنه محرم حلق رأسه.
وقال بعض أصحابنا: يتخرج هذا على روايتين؛ كقولهم فيمن قام في صلاته من اثنين قبل أن يجلس فلما استوى قائماً رجع فجلس، فقال ابن القاسم: يسجد بعد السلام، وقال أشهب: قبل السلام، فعلى قول أشهب الذي رأى أن النقص ترتب عليه يجب أن لا يسقط عنه دم تأخير الحلاق، وعلى قول ابن القاسم الذي يرى أن ما جرى من فعله زيادة يجب أن يسقط عنه دم تأخير الحلاق، وإنما يجب عليه الفدية.
ومن المدونة: قال مالك: ويُقلّد هدى تأخير الحلاق ويشعر ويقف به بعرفة من هدي تمتعه، فإن لم يقف به بعرفة لم يجزه إن اشتراه من الحم إلا أن يخرجه إلى الحل فيسوقه منه إلى مكة، ويصير منحره بمكة.
وليس على من حلق أذى أن يقف بهديه بعرفة؛ لأنه نُسك.
الجزء: 4 - الصفحة: 433
[فصل 4 - في الإحرام بالعمرة أو القران من داخل الحرم]
قال مالك: ولا يحرم أحد بالعمرة أو يقرن من داخل الحرم.
قال أبو بكر الأبهري: وإنما لم يصلح أن يبدأ بالعمرة من داخل الحرم؛ لأن الطوف الذي هو في الإحرام سبيله أن يجمع له الحل والحرم، كما فعل النبي صلى الله عليه وسلم، وقاله ابن عباس.
فأما الإحرام بالحج فإنه يجوز من مكة من قِبَل أن الحج لابد فيه من الجمع بين الحل والحرم؛ لأنه لابد له من الخروج إلى عرفة لا يصح حجه إلا بذلك، وعرفة هي في الحل، فلذلك جاز أن يحرم بالحج من الحرم.
قال سحنون: وكذلك إن قرن من اخل الحرم ليس عليه أن يخرج إلى الحل؛ لأنه خارج إلى عرفة، وعرفة في الحل، فقد جمع في إحرامه هذا بين حل وحرم.
الجزء: 4 - الصفحة: 434
م: ووجه قول مالك: أنه لا يقرن من داخل الحرم: لأنه محرم مع حجة بعمرة فوجب أن يكون من الحل، أصله إذا انفردت العمرة؛ ولأن تقدير القران دخول الحج على العمرة، وأن يكون المبدأ بها فغلب حكمها عند فعل الإحرام.
م: وقول سحنون أقيس.
قال: في كتاب ابن المواز: وإذا أحرم بعمرة من الحرم فلم يذكر إلا في طوافه فليتم طوافه ويخرج إلى الحل ويدخل منه.
محمد: يريد: ويبتدي.
وإن لم يذكر حتى أتم عمرته وحلق فليس ذلك بإحلال، ولابد أن يخرج إلى الحل ويدخل منه ويأتنف عمل العمرة ثانية ويمر الموس على رأسه، ولا شيء عليه في حلاقه الأول.
قال أبو محمد: وهذه أراها لأشهب، وهي في أمهات أشهب نصاً، إلا أن في كتابه: أن عليه الفدية في حلقه الأول، هكذا رأيت في أمهات يحيى بن عمر، وغيرها، وهو الصواب، وأراها وقعت في كتاب ابن المواز غلطاً.
ومن المدونة: قال مال: وإذا أحرم مكي بعمرة من مكة ثم أضاف إليها حجة لزماه وصار قارناً ويخرج إلى الحل؛ لأن الحرم ليس بميقات للمعتمرين، وليس عليه دم
الجزء: 4 - الصفحة: 435
القرآن؛ لأنه مكي.
قال: وهو إن أحرم بحجة ما بعدما سعى بين الصفا والمروة لعمرته وقد كان خرج إلى الحلّ فليس بقارن؛ لأنه أردف الحج بعد تمام عمرته، وعليه دم تأخير الحلاق والملكي وغيره في هذا سواء.
قال أبو محمد: قوله: وقد كان خرج إلى الحل معناه: أنه خرج إليه بعدما أحرم بالعمرة وقبل أن يطوف لها ويسعى، وأما إن لم يخرج إلى الحل حتى فرغ من سعيه وأحرم بالحج فهاهنا يلزمه الحج، ويصير قارناً، ويخرج إلى الحل.
م:/ لأنه لما أردف الحج قبل خروجه إلى الحل لعمرته فقد أردفه قبل تمامها فصار قارناً؛ لأن سنة العمرة أن يجمع فيها بين الحل والحرم ثم يطوف ويركع ويسعى.
ومن المدونة: قال ابن القاسم: ولو دخل مكي بعمرة فأضاف الحج، ثم أُحْصِر بمرض حتى فاته الحج؛ فإنه يخرج إلى الحلّ، ثم يرجع ثم يطوف ويحل، ويقضي الحج والعمرة قابلاً قارناً.
قال ابن المواز: قال مالك: ولا أحب لأهل مكة أن يقرنوا، وما سمعت مكياً قرن، فإن فعل فلا هدي عليه لقرانه كمتعته.
الجزء: 4 - الصفحة: 436
[الباب السابع]
بقية القول في المتمتع والقارن وما يلزمهما من هدي أو عمل
قال الله سبحانه: ﴿فَمَنْ تَمَتَّعَ بِالْعُمْرَةِ إِلَى الْحَجِّ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ﴾ على قوله ﴿حَاضِرِي الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ﴾ وكان للقارن حكمه بالسنة؛ لأن القارن يطوف ويسعى للحج والعمرة معاً مرة واحدة، فجبر ذلك بالهدي، ودخل مدخلهما في وجوب الهدي: كل من انثلم من حجه شيء.
[فصل 1 - صفة التمتع]
والمتمتع: من اعتمر في أشهر الحج فحلّ من عمرته، ثم حج من عامه قبل الرجوع إلى أفقه أو إلى أفق مثله في البعد من سائر البلدان، إلا أهل مكة وذي طوى وهي منها، كما استثنى الله تعالى.
قال غير ابن القاسم: وذلك أن غير المكي كان حقه أن يأتي بالحج في سفر
الجزء: 4 - الصفحة: 437
وبالعمرة في سفر ثان، فلما تمتع بإسقاط أحد السفرين أوجب الله عليه الهدي، والمكي فلم يسقط سفراً فيلزمه الهدي.
م: وأنكر بعض القرويين اعتلالهم بإسقاط أحد السفرين، وقال: يلزم على قولهم: أن من اعتمر في غير أشهر الحج، ثم حج من عامه أن يكون متمتعاً؛ لأنه أسقط أحد السفرين، وهذا خلاف الإجماع.
قال: وإنما سمي متمتعاً لإحلاله بين حجه وعمرته.
م: وما احتج به هذا القروي لا يلزم؛ لأنه إنما يراعى إسقاط أحد السفرين في أشهر الحج، ولو لزم ذلك في اعتماره في غير أشهر الحج لعكس الجواب عليه، فيقال له: أرأيت لو حل من عمرته في غير أشهر الحج أليس هذا قد حل بين حجه وعمرته؟ فيلزم على قوله أن يكون متمتعاً.
م: فصح إنما المراعاة بإسقاط أحد السفرين في أشهر الحج، ويصح أن يقال: إنما سمي متمتعاً؛ لأنه تمتع بإحلاله بين حجه وعمرته في أشهر الحج؛ لأن المستحب له إذا كان مريداً للحج ودخلت عليه أشهر الحج ألا يدخل بعمرة وأن يفرد كالثابت عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه أفرد، فإذا اعتمر وحل من عمرته في أشهر الحج فقد تمتع بذلك الإحلال، وحل له الحلاق ولباس المخيط ووطء النساء والطيب، فإذا حج من عامه لزمه الدم، كما قال الله تعالى، فإذا قال: أنا أحج حجاً لا تمتع فيه وأرجع إلى أفقي أو إلى مثله،
الجزء: 4 - الصفحة: 438
قلنا له: قد سقط عنك دم التمتع، وقد روي ذلك عن عمر، ولا مخالف له من الصحابة، ولأنك أتيت بحج لا تمتع فيهن وهذا كما حنث في مشي إلى مكة، فمشى فعجز فركب في الطريق أنه يرجع ثانية حتى يمشي ما ركب ويهدي، فإن رجع ومشي كل الطريق لم يكن عليه هدي، فكذلك هذا إذا رجع وأتى بحج لا تمتع فيه سقط عنه الدم.
وبالله التوفيق.
وذكر ابن الكاتب في مناسكه في المتمتع إذا مات قبل أن يرمي جمرة العقبة، قال: قال مالك: لا دم عليه.
وقال بعض أصحابنا: عليه الدم.
قال: فوجه قول مالك: أن المحرم حكمه قبل أن يرمي جمرة العقبة باقٍ في كل ما نهي المحرم عنه، وبقي عليه مع ذلك طواف الإفاضة، وهو فرض إجماعاً، فصار بذلك غير مستكمل لحجته، وإنما أوجب الله عز وجل الدم على من تمتع بالعمرة إلى الحج، وحج هذا غير متكامل.
قال: ولا يكون متمتعاً من اعتمر بعد حجه في باقي ذي الحجة لأنه لم يتمتع بالعمرة إلى الحج، وقد اعتمرت عائشة ليلة الحصبة بعد حجها بأمر النبي صلى الله عليه وسلم، ولم
الجزء: 4 - الصفحة: 439
يوجب ذلك عليها شيئاً.
[فصل 3 - صفة القران]
والقارن: من أحرم بعمرة وحجة معاً، أو بعمرة ثم أردف الحج/ قبل أن يطوف ويركع، وطوافه لهما طواف واحد وسعي واحد، فلذلك جبره بالهدي، فكان الإفراد أفضل.
وقال أبو حنيفة: على القارن طوافان وسعيان، وإن أصاب صيداً، أو ما يلزمه به فدية، فجزاءان وفديتان.
ودليلنا: قوله صلى الله عليه وسلم لعائشة رضي الله عنها: "يكفيك طوافك بالبيت وسعيك بين الصفا والمروة لحجتك وعمرتك".
الجزء: 4 - الصفحة: 440
وروى إسماعيل بن إسحاق القاضي: "يجزئك"، وهذا نص.
والدليل أن عليه في قتل الصيد جزاءً واحداً: قوله تعالى: ﴿وَمَنْ قَتَلَهُ مِنْكُمْ مُتَعَمِّدًا فَجَزَاءٌ مِثْلُ مَا قَتَلَ مِنَ النَّعَمِ﴾، ولم يفرق بين أن يكون قارناً أو مفرداً؛ ولأنهما حُرمتان لو انفردت كل واحدة بقتل الصيد فيها لزمه جزاء، فإذا اجتمعا كفاه فما جزاء واحد، أصله المحرم إذا قتل صيداً في الحرم، وهي حجتنا على أنه لا يلزمه إلا فدية واحدة فيما فيه الفدية وهدي لفساده، خلافاً له في ذلك كله.
ومن المدونة: قال مالك: ومن دخل مكة قارناً فطاف بالبيت وسعى بين الصفا والمروة في غير أشهر الحج ثم حج من عامه فعليه دم القران، ولا يكون طوافه حين دخل مكة لعمرته لكن لهما جميعاً، ولا يحل من واحدة منهما دون الأخرى حتى يتم حجه من عامه؛ لأنه لو جامع فيهما قضى قارناً.
وليس على أهل مكة: القرية بعينها أو أهل ذي طوى إذا قرنوا أو تمتعوا دم قران ولا متعة، أحرموا من الميقات أو غيره، لكنهم يعملون عمل القارن.
قال يحيى: كان مالك، وأصحابه لا يرون على مكي قرن دماً، إلا عبد الملك فإنه يراه عليه.
الجزء: 4 - الصفحة: 441
فوجه قول مالك: أن القارن من أهل مكة لا يلزمه في الأصل سفران فيسقط أحدهما فيلزمه الدم لذلك، وهذا هو الأصل في لزوم الدم للقارن.
ووجه قول عبد الملك: أنه أسقط أحد العملين، وهذا يستوي فيه المكي وغيره، فهو بخلاف المتمتع؛ لأن الدم إنما وجب على المتمتع بإسقاط أحد السفرين، وذلك يختلف فيه المكي وغيره؛ لأن المكي ليس عليه سفران كغير المكي.
ومن المدونة: قال مالك: وأما أهل منى، أو المناهل الذين بين مكة والمواقيت كقديد، وعُسفان، ومر الظهران، وغيرهم من سكان الحرم إذا هم قرنوا من موضع يجوز لهم، أو دخلوا بعمرة من موضع يجوز لهم، فحلوا من عمرتهم في أشهر الحج، ثم أقاموا بمكة حتى حجوا، فعليهم دم المتعة، ودم القران، ومن رجع منهم إلى قراره بعد أن حل من عمرته في أشهر الحج ثم حج من عامه سقط عنه دم المتعة، لرجوعه إلى منزله.
قال عبد الوهاب: وإنما قلنا: إن حاضري المسجد الحرام هم أهل مكة: القرية بعينها دون غيرهم، خلافاً لأبي حنيفة: أنهم من كان دون المواقيت إلى مكة،
الجزء: 4 - الصفحة: 442
وللشافعي: أنهم من كان من الحرم على مسافة لا تُقصر فيها الصلاة، ولغيرهما: أنهم أهل الحرم.
ودليلنا: قوله تعالى: ﴿ذَلِكَ لِمَنْ لَمْ يَكُنْ أَهْلُهُ حَاضِرِي الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ﴾، وحاضر الشيء لا يحتاج إلى قطع مسافة إليه، فدل أنه مقصور على أهل مكة؛ ولأن كل موضع ليس بمكة لا يوصف أهله بأنهم حاضروا المسجد الحرام كالمدينة والعراق.
م: وذكر ابن حبيب: أنه لا تمتع لأهل القرى المجاورة لمكة مثل: مر ظهران ضجنان ونختلتان، وعرفة، ونحوها مما لا تقصر في مثلها الصلاة، كقول الشافعي.
الجزء: 4 - الصفحة: 443
قال: هكذا روي عن ابن عباس، وهو قول مالك وأصحابه.
قال أبو محمد: والذي تأول ابن حبيب في هذا، ليس بقول مالك، وأصحابه فيما علمت.
ومن المدونة: قال مالك: ولو أقام المكي بمصر أو بالمدينة مدة لتجارة أو غيرها، ولم يوطنها، ثم رجع إلى مكة فقرن لم يكن عليه دم القران.
قال مالك: ومن كان له أهل بمكة، وأهل ببعض الآفاق فقدم مكة متعمراً في أشهر الحج، فهذا من مشتبهات الأمور، وأحوط له أن يهدي.
ابن القاسم: وذلك رأيي.
ابن المواز: وقال أشهب: إن كان إنما يأتي أهله بمكة منتاباً فعليه دم التمتع، وإن كان سكناه بمكة ويأتي أهله التي بغيرها منتاباً فلا هدي عليه كالمكي.
ومن المدونة: ومن/ دخل مكة في أشهر الحج بعمرة وهو يريد سكناها، ثم حج من عامه فعليه دم المتعة؛ لأنه اعتمر قبل أو يوطئها، وإنما أتى يريد السكنى، وقد
الجزء: 4 - الصفحة: 444
يبدو له، قاله مالك في الموطأ، وقاله أشهب، ولو انتجع لسكنى مكة في غير أشهر الحج، ثم اعتمر في أشهر الحج، ثم حج من عامه فهو كالمكي، ولا دم عليه؛ لأنه اعتمر بعد أن وطئها، فهو بخلاف الذي دخل في أشهر الحج.
ومن المدونة: ومن حل من عمرته من أهل الآفاق قبل أشهر الحج، ثم اعتمر عمرة ثانية من التنعيم في أشهر الحج، ثم حج من عامه فعليه دم المتعة، وهو أبين من الذي قدم للسكنى؛ لأن هذا لم تكن إقامته أولاً لسكنى.
[فصل 3 - المتمتع إذا عاد إلى بلده أو مثل بلده في البعد عن مكة سقط عنه الدم]
ومن حل من عمرته في أشهر الحج وهو من أهل الشام أو مصر فرجع من مكة إلى المدينة، ثم حج من عامه ذلك فعليه دم المتعة؛ لأنه رجع إلى دون أفقه، إلا أن يرجع إلى أفقه الأول، أو إلى أفق مثل أفقه ويتباعد من مكة، ثم يحج من عامه فلا يكون متمتعاً.
قال ابن المواز: مثل أن يكون أفقه في غير الحجاز فرجع إلى مثله في البعد فلا هدي عليه.
م: كان محمداً يشير إلى أنه لو كان أفقه في الحجاز لم يزل عنه التمتع إلا أن
الجزء: 4 - الصفحة: 445
يرجع إلى أفقه بعينه أو يتباعد ويخرج عن الحجاز.
م: ووجه هذا: أنه إذا رجع إلى أفقه بعينه فقد أتى بمثل السفر الأول لا محالة فحصل حجه لا تمتع فيه، وإذا رجع إلى مثله في البعد، فليس هو مثله على الحقيقة، والتمتع إنما هو الترفه بإسقاط أحد السفرين، فإذا كان ما رجع إليه قريباً فكأنه لم يسقط عنه الترفه، ولا هو أتى بمثل السفر الأول حقيقة، فوجب أن لا يسقط عنه دم المتعة، وكأن ابن المواز رأى أن الحجاز كله قريباً.
وهذا استحسان: والقياس: أنه إذا رجع إلى مثل أفقه في البعد أو أبعد منه وإن كان في الحجاز أنه يسقط عنه دم المتعة.
والله أعلم.
قال أبو محمد: إذا كان أفقه يدرك أن يذهب إليه ويعود فيدرك الحج من عامه فلا يسقط عنه التمتع إلا برجوعه إلى أفقه أو إلى مثله في البعد، فأما من كان أفقه بإفريقية فيرجع إلى مصر فهذا عندي يسقط عنه المتمتع؛ لأن موضعه لا يدرك أن يذهب إليه ثم يعود من عامه فيدرك الحج.
قال عبد الوهاب: وإنما قلنا إن المتمتع إذا رجع إلى أفقه أو مثله في البعد، ثم حج من عامه، فليس بمتمتع، خلافاً لما يُحكى عن الحسن؛ لأن ما قلناه مروي عن عمر.
الجزء: 4 - الصفحة: 446
ولا مخالف له؛ ولأنه لم يحصل له تمتع؛ لأنه قد أتى بالسفرين.
وإنما اعتبرنا أن يكون رجوعه إلى أفقه أو مثله في البعد، خلافاً للشافعي في قوله: إنه إذا رجع إلى الميقات فأحرم بالحج لم يكن متمتعاً.
لأن التمتع: الترفه بإسقاط أحد السفرين من بلده، فمتى وجدته مترفهاً بإسقاط أحدهما فهو متمتع، وقد علمنا أن البغدادي إذا حلّ من عمرته في أشهر الحج، ثم رجع إلى ذات عرق ونحوها فأحرم بالحج لم يزل عنه الترفه، إذ لا مشقة في ذلك عليه.
قال: وإنما شرطنا أن ذلك إذا حج من عامه؛ لأن ذلك مبني على أنه جمع بين العمرة والحج في أشهر الحج، وهذا لا يكون إلا في عام واحد؛ لأنه إذا كان في عامين لم يكن معتمراً في أشهر الحج الذي أتي به.
قال: وإنما شرطنا أن يأتي بالعمرة في أشهر الحج؛ لأن أصل الرخصة إنما تعلقت بإيقاع العمرة في أشهر الحج؛ لأن العرب كانت ترى ذلك فجوراً، ولذلك راجعوا النبي صلى الله عليه وسلم لما أمرهم أن يحلوا بعمرة.
الجزء: 4 - الصفحة: 447
وإنما شرطنا أن تقديم العمرة على الحج هو التمتع: لقوله تعالى: ﴿فَمَنْ تَمَتَّعَ بِالْعُمْرَةِ إِلَى الْحَجِّ﴾ فبدا بالعمرة في الفعل.
ومن المدونة قال: ومن اعتمر في رمضان فطاف وسعى بعض السعي، ثم أهل شوال فتم سعيه فيه، ثم حج من عامه كان متمتعاً.
م: يريد: أنه أتم سعيه بعد غروب الشمس من آخر يوم من رمضان؛ لأن تلك الليلة من شوال، وأما/ لو رأى هلال شوال نهاراً فتم سعيه بعد أن رآه نهاراًن فليس بمتمتع؛ لأن ذلك اليوم من رمضان.
ومن المدونة: قال ابن القاسم: ولو فرغ من سعيه في رمضان، ثم أهل شواء قبل أن يحلق، ثم حج من عامه فليس بمتمتع؛ لأن مالكاً قال: من فرغ من سعيه بين الصفا والمروة فليس الثياب قبل أن يُقصِّر فلا شيء عليه.
ومن كتاب ابن المواز: ومن اعتمر في أشهر الحج يريد التمتع وفرغ من عمرته، ثم فاته الحج قبل أن يحرم به فلا تمتع عليه.
الجزء: 4 - الصفحة: 448
قال: ولو اعتمر في أشهر الحج فأفسد عمرته بالوطء، ثم حل منها، ثم حج من عامه قبل قضاء عمرته فهو متمتع، وعليه قضاء عمرته بعد أن يحل من حجته، وحجه تام، ولو أردفه على العمرة الفاسدة لم يلزمه ذلك الحج.
وقال عبد الملك: يرتدف الحج على العمرة الفاسدة.
ابن المواز: ومن اعتمر عن نفسه في أشهر الحج، ثم حل منها، ثم حج من عامه عن غيره فهو متمتع.
[فصل 4 - المتمتع إذا مات قبل رمي جمرة العقبة فلا دم عليه، وإن مات بعد رميها لزمه هدي التمتع]
قال ابن القاسم- عن مالك-: ومن تمتع بالعمرة إلى الحج ثم مات بعد الوقوف بعرفة، فإن مات قبل رمي جمرة العقبة فلا شيء عليه، وإن مات بعد رميها فقد لزمه هدي التمتع.
قال ابن القاسم: وأشهب: من رأس مال؛ لأنه لم يفرط.
قال ابن القاسم: وكذلك إن مات يوم النحر وإن لم يرم فيه، أو مات بعده فقد لزمه ذلك، وكذلك روى عنه عيسى في العتبية.
وقال سحنون: لا يلزم ذلك ورثته إلا أن يشاءوا، كمن حلت عليه زكاته فمات ولم يفرط ولم يوص بها.
والذي ذكر سحنون عن ابن القاسم في الزكاة خالفه فيه أشهب.
الجزء: 4 - الصفحة: 449
م: ويحتمل أن يكون معنى قول ابن القاسم: أنها تلزمه في رأس ماله إذا أوصى بها، كزكاة العين تحل عليه في مرضه، ولا يكون ذلك تناقضاً، ويحتمل أن أراد أنها في رأس ماله، وإن لم يوص بها أن يكون الفرق بين ذلك: أن زكاة العين يخفى إخراجها وتختلف أحواله، فيحتمل إذا لم يوص بإخراج ذلك أن يكون حول ذلك قد حل من قبل موته فأخرجه، أو حل عند موته فأخرجه ولم يعلم ورثته، فلا يلزمهم ذلك إلا أن يوصي به فيعلم أنه لم يخرجه.
وأما الهدي فحلول وقته معلوم، وهو يوم النحر، وهو أمر لا يخفى إخراجه كخفاء إخراج العين، فكان بزكاة الثمار تحل عند موته أشبه، والله أعلم.
ابن المواز: ومن صام ثلاثة أيام في الحج لتمتعه، ثم مات بعد تمام حجه بمكة أو بعد رجوعه إلى بلده قبل أن يصوم السبعة فليهد عنه هدي.
قال: والمعتمر مراراً في أشهر الحج إذا حج من عامه فهدي واحد يجزئه لتمتعه.
الجزء: 4 - الصفحة: 450
[الباب الثامن]
ما جاء في المواقيت وتعديها، ومن أحرم قبلها
[فصل 1 - الميقات المكاني للحج والعمرة]
ووقَت الرسول صلى الله عليه وسلم لأهل المدينة من ذي الحُليفة، ووقَت لأهل الشام الجحفة، فدخل في ذلك من وراءهم من أهل مصر، وأهل المغرب.
وفي رواية ابن حبيب: أن النبي صلى الله عليه وسلم وقَت لأهل الشام وأهل مصر ومن دونهم من أهل المغرب الجحفة.
الجزء: 4 - الصفحة: 451
قال: هو، وغيره: ووقت لأهل اليمن يلملم، ولأهل نجد من قَرْن، وفتح عمر العراق فوقت لهم ذات عرق.
الجزء: 4 - الصفحة: 452
وروى جابر أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "ويهل أهل العراق من ذات عرق"، وبهذا أخذ مالك وأصحابه.
قال: وميقات من منزله دون الميقات إلى مكة من منزله، فإن جاوزه فعليه دم، وهو من رواية ابن حبيب عن النبي صلى الله عليه وسلم.
الجزء: 4 - الصفحة: 453
واستحب مالك لأهل مكة أو لمن دخلها بعمرة أن يحمر بالحج من المسجد الحرام، قال أشهب: من داخله، قال الأبهري: إنما ذلك لفضيلة المسجد وليكن ركوعه فيه، ثم يحرم عقيب ركوعه.
ومن المدونة: قال مالك: ويهل أهل قديد وعسقان ومر ظهران من منازلهم، وكذلك كل من كان من وراء الميقات إلى مكة فميقاته من منزله.
قال: وذو الحليفة ميقات أهل المدينة ومن يمر بها من الناس كلهم خلا أهل الشام ومصر ومن وراءهم من أهل المغرب فإن ميقاتهم الجُحْفة لا يتعدوه، ولهم إذا مروا بالمدينة أن يؤخروا إحرامهم إلى الجحفة، والفضل لهم أن يحرموا من ذي الحليفة ميقات النبي صلى الله عليه وسلم، لأنها طريقهم، فإن أخروا إلى الجحفة لم يكن عليهم شيء؛ لأن الجحفة بين أيديهم، وهي ميقاتهم، فلهذا خُفف لهم ما ذكرنا، ولا يكون ذلك في غيرهم.
ومن كان بلده بعيداً عن الميقات مشرقاً عنه أو مغرباً فإذا قصد إلى مكة من موضعه لم ير ميقاتاً، وإذا قصد إلى الميقات شق ذلك عليه لإمكان أن تكون مسافة بلده إلى الميقات مثل مسافة بلده إلى مكة، فإذا حاذى الميقات بالتقدير والتحري أحرم/ ولم يلزمه المسير إلى الميقات.
قال: ومن مر بالمدينة من أهل العراق فليحرم من ذي الحليفة ولا يؤخر إلى الجحفة، وإن مر أهل الشام ومصر قادمين من العراق فليحرموا من ذات عرق، وإذا مر مكي بأحد المواقيت فجاوزه ثم أحرم بالحج أو العمرة، فإن لم يكن حين جاوزه مريداً
الجزء: 4 - الصفحة: 454
إحراماً بأحدهما فلا دم عليه وإلا فعليه دم، وكذلك لو لم يُحرم حتى دخل مكة فأحرم، فإذا كان إذ جاوزه مريداً وإلا فلا شيء عليه، وقد أساء في دخوله مكة بغير إحرام، وكذلك جميع أهل الآفاق من مر منهم بميقات ليس له فليحرم منه خلا أهل الشام ومصر ومن وراءهم إذا مروا بالمدينة على ما وصفنا.
قال ابن حبيب، وغيره: إنما قال ذلك لقول النبي صلى الله عليه وسلم: "المواقيت لأهلها ولكل آت أتى عليها من غير أهلها ممن أراد الحج أو العمرة".
وقال ابن المواز: وسئل مالك: أيحرم من الجحفة من المسجد الأول أو الثاني؟ قال: ذلك كله واسع، ومن الأول أحب إلينا.
قال مالك: ومن حج في البحر من أهل مصر وشبههم فليحرم إذا حاذى الجحفة، ومن كان منزلة حذاء الميقات فليحرم من منزله، وليس عليه أن يأتي الميقات.
ومن منزله دون المواقيت إلى مكة فليحرم من داره أو مسجده ولا يؤخر ذلك، وقد أحرم ابن عمر من القُرْع، حين أراد الخروج منه إلى مكة.
ومن أحرم من بلده وقبل الميقات فلا بأس بذلك، غير أنا نكره لمن قارب الميقات أن يحرم قبلهن وقد أحرم ابن عمر من بيت المقدس، وأحرم من
الجزء: 4 - الصفحة: 455
الفرع، كان خروجه لحاجة، ثم بدى له فأحرم منه.
ومن المدونة: قال مالك: ومن دخل مكة من أهل الآفاق في أشهر الحج بعمرة وعليه نَفَس، فأحب إلي أن يخرج إلى ميقاته فيحرم منه بالحج، ولو أقام حتى يحرم من مكة كان ذلك له.
[فصل 3 - فيمن تعدى ميقاته بغير إحرام]
قال مالك: ومن جاوز الميقات ممن يريد الحج جاهلاً ولم يحرم منه فليرجع فيحرم منه ولا دم عليه.
قال ابن المواز: وقيل: يرجع ما لم يشارف مكة، فإن شارفها أحرم وأهدى.
م: يريد: ولو لم يُحرم ورجع فأحرم من الميقات لم يكن عليه دم.
قال ابن حبيب: من تعدى ميقاته ثم أحرم بعد أن جاوزه فعليه دم، إلا أن يحرم وهو قريب منه فلا دم عليه.
ومن المدونة: قال مالك: ولو أنه لما تعدى ميقاته خاف إن رجع إليه فوات الحج فليحرم من موضعه ويتمادى وعليه دم.
الجزء: 4 - الصفحة: 456
ولو أحرم بعد أن جاوز الميقات لم يرجع وإن لم يكن مراهقاً، وتمادى وعليه دم.
قال عبد الوهاب: وقال الشافعي: رجوعه بعد إحرامه يُسقط عنه الدم.
ودليلنا: أن الدم لم يجب بتجاوز الميقات على انفراده، وإنما هو للإحرام بعده، وهو لا يقدر على إزالته ولا حله بعد عقده ناقصاً، فلم يسقط عنه الدم، أصله إذا أتى بنقص في بعض أفعال الحج من الطواف والسعي، ثم عاد إلى الميقات، فإن الدم لا يسقط عنه باتفاق؛ ولأن كل فعل من أفعال الحج لزم الدم في تركه، فإن العودة إليه بعد فوته لا يسقط الدم عنه، كالمبيت بالمزدلفة.
ومن المدونة: ومن أهل من ميقاته بعمرة، فلما دخل مكة أو قبل أن يدخلها أردف حجاً على عمرته، فلا دم عليه لترك الميقات في الحج؛ لأنه لم يجاوز الميقات إلا محرماً، وإن تعدى الميقات ثم قرن، أو تعداه ثم أحرم بعمرة، ثم لما دخل مكة أو قبل أن يدخلها أردف الحج فعليه دم لترك الميقات، ودم للقران؛ لأن كل من أتى من بلده فجاوز ميقاته متعمداً، أو كان ميقاته من منزله فجاوزه وهو يريد أن يحرم بحجة أو عمرة فأحرم بعد ذلك فعليه دم، ولا يُشبه الذي جاء من عمل الناس في الذين يخرجون من مكة ثم يعتمرون من الجعرانة أو التنعيم؛ لأن ذلك رخصة لهم، وإن لم يبلغوا مواقيتهم.
قال مالك: ومن تعدى الميقات وهو صرورة، ثم أحرم فعليه دم.
الجزء: 4 - الصفحة: 457
قيل لابن القاسم: فإن تعداه ثم أحرم بالحج بعد أن جاوزه وليس بصرورة؟ قال: إن كان جاوزه وهو مريد للحج، ثم أحرم فعليه دم.
وحكي عن أبي محمد أنه قال: الصرورة وغير الصرورة سواء، لا دم عليه إلا أن يجاوزه مريداً للحج.
وحكي عن ابن شبلون: أن الصرورة يلزمه الدم إذا تعداه ثم أحرم، كان مريداً للحج أو غير مريد؛ لأنه متعد في تعديه غير محرم بالحج وهو صرورة، وأما غير الصرورة فلا يلزمه الدم، إلا أن يتعداه وهو مريد للحج.
م: وهذا على ظاهر الكتاب، وقول أبي محمد هو الصواب./
ومن المدونة: قال ابن القاسم: ومن تعدى الميقات ثم أحرم بالحج ففاته الحج، فلا دم عليه لتعديه، لرجوعه إلى عمل العمرة، وأنه يقضي حجه قابلاً.
م: يريد: لأنه لما فاته الحج ورجع أمره إلى العمرة، وهو لم يردها، صار كأنه جاوز الميقات غير مريد لها ثم أحرم.
قال ابن القاسم: وأما إن تعداه، ثم جامع فأفسد حجه، فعليه دم لترك الميقات؛ لأنه على عمل حجة متمادٍ، وإن قضاه.
الجزء: 4 - الصفحة: 458
ابن المواز: وقال أشهب: عليه الدم في الفوات والفساد، وبه قال ابن المواز.
م: ووجه ذلك: لأنه جاوز الميقات مريداً للحج، ثم أحرم بعد ذلك، فوجب عليه دم التعدي، فلا يزيله عنه فوات ولا فساد، وهو الصواب.
ومن المدونة: قال: ومن وجب عليه الدم لتعدي الميقات أو لتمتع لم يجزه مكانه طعام، وأجزأه الصوم إن لم يجد هدياً، وإنما يكون الصيام أو الطعام مكان الهدي في فدية الأذى أو في جزاء الصيد.
وإذا أحرم بالحج من خارج الحرم مكي أو متمتع فلا دم عليه لتركه الإحرام من داخل الحرم؛ لأنه زاد ولم ينقص وعليه أن يطوف بالبيت ويسعى بين الصفا والمروة قبل أن يخرج إلى عرفات إن لم يكن مراهقاً، ويكون بخلاف من أحرم بالحج من الحرم.
قال: ولو أنه إذْ أحرم بالحج من الحل أو من التنعيم مضى إلى عرفات ولم يدخل الحرم وهو مراهق فلا دم عليه.
قال مالك: وإذا أحرم مكي أو متمتع من مكة بالحج فليؤخر طوافه الواجب وسعيه حتى يرجع من عرفات فيطوف ويسعى.
الجزء: 4 - الصفحة: 459
قال في الموطأ: وله أن يطوف تطوعاً ما بدى له ويصلي الركعتين كلما طاف سبعاً، وقد فعل ذلك أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم، وكذلك كان يفعل ابن عمر يُهِل لهلال ذي الحجة ويؤخر الطواف والسعي حتى يرجع من منى.
قال في المدونة: ولو عجل الطواف والسعي قبل خروجه إلى عرفات لم يجزه وليعدهما إذا رجع من عرفات، فإن لم يعدهما حين رجع حتى رجع إلى بلده أجزأه السعي الأول، وعليه هدي، وذلك أيسر شأنه.
الجزء: 4 - الصفحة: 460
قال مالك: وأحب إلى أن يحرم أهل مكة إذا أهل هلال ذي الحجة، كما فعل ابن عمر، وكره مالك أن يحرم أحد قبل أن يأتي ميقاته، أو يحرم بالحج قبل أشهر الحج، فإن فعل الوجهين جميعاً لزمه ذلك.
م: وقد حج النبي صلى الله عليه وسلم واعتمر فلم ينقل أحد أنه أحرم قبل الميقات، فلو كان فيه فضيلة لبينه أو فعله.
الجزء: 4 - الصفحة: 461
[الباب التاسع]
جامع ما جاء في دخول مكة بغير إحرام
] فصل 1 - كل من دخل مكة من غير مكثري التردد فإنه يحرم عليه دخولها حلالاً، وإن لم يرد نسكاً [
قال ابن القاسم: ولا يدخل أحد مكة بغير إحرام، فمن دخلها من أهل مصر أو غيرها بغير إحرام متعمداً أو جاهلاً ثم رجع إلى بلده فقد عصى وفعل مالم يكن ينبغي له أن يفعل، ولا أرى عليه حجة، ولا عمرة، ولا دماً، لأن ابن شهاب كان لا يرى بأساً أن يدخل مكة بغير إحرام، وخالفه مالك، وقال: لا أرى للأحد أن يقدم من بلده فيدخل مكة بغير إحرام قال: وإنما رأى ذلك واسعاً في مثل الذي صنع ابن عم حين خرج إلى قديد فبلغه خبر فتنة المدينة فرجع فدخل مكة بغير إحرام، أو مثل أهل الطائف، وعسفان وجدة الذين يختلفون بالفواكه والطعام والحطب أن يدخلوا مكة بغير إحرام لأن ذلك يكثر عليهم.
م: فصارت ضرورة أباحت لهم دخول مكة بغير إحرام.
الجزء: 4 - الصفحة: 462
قال ابن القاسم: ورأيت قوله في أهل قديد وما هو مثلها من المناهل إذا لم يكن شأنهم الاختلاف، ولم يخرج أحد منهم من مكة فيرجع لأمر كما صنع ابن عمر، ولكنه أراد مكة لحاجة عرضت له في السنة ونحوها أنهم لا يدخلوا مكة إلا بإحرام.
قال عبد الوهاب: وإنما لم يجز أن يدخل مكة بغير إحرام، لقوله صلى الله عليه وسلم: "إن إبراهيم حرم مكة" فهي حرام من كل وجه إلا ما قام دليله، ولقوله صلى الله عليه وسلم: "أحلت لي ساعة من نهار، ولم تحل لأحد قبلي، ولا تحل لأحد بعدي".
قال عبد الوهاب: فمن دخلها ممن يقل دخوله من أهل الآفاق لتجارة أو حاجة وجاوز ميقاته غير محرم ثم أحرم، فقيل: يسقط الدم عنه، وقيل: لا يسقط، فوجه سقوطه: فلأنه غير مريد لحج أو لعمرة، ووجه وجوبه: فلأنه مخاطب بالإحرام، كمريد الحج أو العمرة.
فصل] 3 - من لا يخاطب بفريضة الحج كالعبد والأمة له دخول مكة بغير إحرام [
ومن المدونة: قال مالك: وللسيد أن يدخل عبده أو أمته مكة بغير إحرام، ويخرجهما إلى منى وعرفات غير محرمين، ومن ذلك الجارية يريد بيعها، فلا بأس أن يدخلها بغير إحرام.
الجزء: 4 - الصفحة: 463
ابن المواز: قال مالك: ولا أحب أن يدخل بالعبد الفارة ذي الصفة إلا محرماً، وأما الصغير والأعجمي والجارية يريد بيعها فما ذلك عليه، وإن سألته الإحرام فخير له أن لا يمنعها، وإن نقص من ثمنها.
ومن المدونة: قال ابن القاسم: فإن أذن السيد لعبده بعد ذلك فأحرم من مكة فلا دم على العبد لتركه الميقات.
م: لأن سيده منعه، فهو غير متعد في تركه.
قال: وإذا أسلم نصراني، أو أعتق عبد، أو بلغ صبي أو صبية بعد دخولهم مكة أوهم بعرفة فأحرموا حينئذ بالحج عشية عرفة ووقفوا أجزأتهم عن حجة الإسلام، ولا دم عليهم لترك الميقات.
م: لأنهم جاوزوه قبل توجه فرض الحج عليهم.
قال ابن القاسم: ولو أحرم العبد قبل عتقه، والصبي والجارية قبل البلوغ تمادوا على حجهم، ولم يجز لهم أن يحدثوا إحراماً، ولا يجزئهم حجهم ذلك عن حجة الإسلام.
الجزء: 4 - الصفحة: 464
[الباب العاشر]
جامع ماجاء في حج العبد، والصبي، والمرأة
قال الله تبارك وتعالى: ﴿عَبْدًا مَّمْلُوكًا لاَّ يَقْدِرُ عَلَى شَيْءٍ﴾ والسيد أن ينتزع ماله أي وقت شاء، وهو مما يقوي به، وليس له إتلافه، وليس ملكه عليه ملكاً مستقراً.
وحج الرسول صلى الله عليه وسلم بأزواجه ولم يحج بأم ولده، فلا يلزم العبد فرض الحج حتى يعتق.
قال الله تعالى: ﴿وإذَا بَلَغَ الأَطْفَالُ مِنكُمُ الحُلُمَ فَلْيَسْتَاذِنُوا﴾ فجعل الفرض عليهم بالبلوغ، وقال الرسول صلى الله عليه وسلم: "رفع القلم عن ثلاثة: فذكر "الصبي حتى يحتلم" إلا أنه قال للتي سألته ألهذا حج؟ وكان صغيراً، فقال: "نعم ولك أجر" ورواه مالك في الموطأ، فكان ذلك تطوعاً لا يجزي عن حجة الإسلام، لأنه لا يؤدي شيء قبل وجوبه، وكذلك حج العبد قبل عتقه بإذن أو بغير إذنه.
وأما المرأة ذات الزوج: فالفرض عليها لقوله سبحانه: ﴿ولِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ البَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إلَيْهِ سَبِيلاً﴾ فكانت منهم، والاستطاعة منها موجودة، وليس للزوج منعها من الفرض ولتستأذنه
الجزء: 4 - الصفحة: 465
ومن المدونة: قال ابن القاسم: ومن أذن لعبده، أو لأمته، أو لزوجته في الإحرام فليس له أن يحلهم بعد ذلك، وإن خاصموه قضى لهم عليه في قول مالك، وإن باع عبده أو أمته وهما محرمان جاز بيعه، وليس للمبتاع أن يحلهما، وله إن لم يعلم بإحرامهما الرد كعيب بهما إن لم يقربا من الإحلال، وإن أحرم العبد بغير إذن سيده محرمة فحلله منها، ثم أذن له في عام آخر في قضائها حج أجزأته منها، وعلى العبد الصوم لما حلله السيد، إلا أن يهدي عنه سيده أو يطعم.
قال يحيى: لا أعرف في هذا إطعاماً، وإنما هو هدى أو صيام.
م: والذي أراد ابن القاسم والله أعلم أن العبد لما كان ****أن لسيده أن يمنعه الحج ويحلله من إحرامه وذلك سائغ له صار كأن العبد الذي تعمد الإحلال إذ عرض نفسه لذلك بتعديه، فلزمه لهذا الإحلال الفدية، والفدية فيها الصوم، والإطعام، والنسك كما قال الله تعالى فلذلك قال: إلا أن يهدي عنه سيده أو يطعم لأجل إحلاله، قال أبو محمد: يريد: وعليه الهدى كمن فاته الحج.
قال في كتاب ابن المواز: وليس للعبد أن ينسك أو يهدي عما لزمه في ذلك
الجزء: 4 - الصفحة: 466
من ماله إلا بإذن سيده فإن لم يأذن له، ولا أهدى عنه فليصم، ولا يمنعه من الصوم إلا أن يضر به.
قال أشهب: إذا أحرم فحلله سيده ثم عتق، أو حلل الصبي وليه ثم بلغ فليحرما الآن بالحج، ****عن حجة الإسلام.
ابن المواز: لأن قضاء ما حللهما منه لا يلزمهما، ولو نذر ذلك العبد نذراً فلم يرد ذلك عليه حتى عتق، أو نذر سفيه بالغ ثم رشد، فذلك يلزمها، وأما الصبي فلا يلزمه إن بلغ.
وكله قول مالك لا اختلاف فيه.
قال: ولو أذن له سيده في الحج ... الحج فعليه القضاء والهدى إذا عتق
قيل لأشهب: فهل يمنعه سيده أن يحل من ذلك في عمرة؟ قال: إن كان قريباً فلا يمنعه، وإن كان بعيداً فإما أن ... إلى قابل على إحرامه، وإما أن يأذن له في فسخه في عمرة.
قال: وإن فسد حجه فلا يلزم سيده أن يأذن له في القضاء، وذلك عليه
الجزء: 4 - الصفحة: 467
إذا عتق.
وقال أصبغ: على سيده أن يأذن له.
قال ابن المواز: والصواب: قول أشهب.
ومن المدونة: قلت: فإن أحرمت المرأة بالحج بغير إذن زوجها وهي صرورة فحللها منه، ثم أذن لها من عامها فحجت أيجزئها حجها من التي حللها منها زوجها ومن حجة الإسلام؟ قال: أرجو ذلك.
قلت: فإن أحرم عبد بغير إذن سيده فحلله، ثم أعتقه فحج حجة ينوي بها عن التي حلله منها وعن حجة الإسلام؟ قال: لا يجزئه.
قلت: فلم أجزأ المرأة حجها عن القضاء والفريضة، ولم يجزأ العبد حجه عنهما؟ قال: لأن المرأة إنما حللها من فريضة، فقضت الفريضة التي حللها منها، والعبد: إنما حلله من تطوع، فلما حج بعد عتقه ونوى بها الفريضة والتطوع التي حلله منها لم
الجزء: 4 - الصفحة: 468
يجزئه عن الفريضة، وأجزأته عن التطوع التي حلله السيد منها، كمن ****في المشي إلى مكة فمشى في حجة ينوي فرضه ونذره، فإنها تجزئه لنذره، وعليه حجة الإسلام، فمسألة العبد مثل هذا.
قال يحيى بن عمر: ليس له أن يحلل المرأة، يريد: وإن أحرمت بغير إذنه في الفريضة.
قال أشهب: وإحلاله باطل، وهي على إحرامها.
ومن المدونة: قال ابن القاسم: ولو كان إنما حللها من تطوع فهذه قضاء لها، وعليها حجة الإسلام.
قال سحنون: إذا أحرمت المرأة بغير إذن زوجها تطوعاً فحللها منها، فلا قضاء عليها إن طلقت، وكذلك العبد لا قضاء عليه إن عتق فيما أحرم بغير إذن سيده فحلله منه سيده.
وقال ابن المواز في التي حللها زوجها من حجة الفريضة: إن إحلاله باطل، وهي على إحرامها.
قال أبو محمد: والذي قال ابن المواز هو قول أشهب.
قال ابن المواز: وعليها من الفدية وغيرها ما على المحرم، وإن وطنها فسد حجها وتتمه وتقضي ويجزيها عن حجة الإسلام وتهدي في القضاء وترجع في الهدي على
الجزء: 4 - الصفحة: 469
الزوج، وإن كان قد فارقها فتزوجت غيره قبل القضاء فنكاحها باطل، لأنها محرمة بعد.
م: ولو تزوجت غيره بعد تمام الفاسدة وقبل القضاء جاز النكاح، لأنها حلت من الفاسدة، ثم تقضي بعد ذلك.
قال بعض شيوخنا: ونفقتها في قضاء ما أفسد عليها على الزوج، من كراء، ونحو ذلك.
قال ابن حبيب عن مالك: إذا أحرمت المرأة بفريضة الحج فليس على الزوج نفقة في خروجها، وذلك في مالها.
م: يريد: نفقة لوازمها في الحج من كروب وغيره، وأما ما كان يلزمه لها من مطعم ومشرب وكسوة في إقامتها، فذلك عليه ولا حجة له في امتناعه، فذلك عليه ولا حجة له في امتناعه من وطنها، لأن الحج فرض عليها فعذرت بذلك كالحيض والمرض.
م: فصار في المرأة إذا أحرمت بفريضة بغير إذن زوجها قولان:
قول: إن له أن يحللها.
وقول: ليس له ذلك، وهي على إحرامها.
وإن أحرمت بتطوع فقولان:
قول: إنه يلزمها قضاء ما حللها.
وقول: لا يلزمها
الجزء: 4 - الصفحة: 470
والعبد إذا أحرم بغير إذن سيده كذلك، قيل: يلزمه قضاء ما حلله منه.
وقيل: لا يلزمه.
م: ويحتمل أن يكون ابن القاسم إنما تكلم إذا حجت قضاء عما كانت فيه أنه يجزيها، ولم يتكلم هل للزوج إحلالها، أو أنه لا يجب له ذلك عنده، كما قال محمد.
والله أعلم.
ومن ... قال عيسى عن ابن القاسم في التي تركت مهجرها لزوجها حتى تركها أن تحج الفريضة قال: يلزمه الصداق، لأنه يلزمه أن يدعها.
قال يحيى بن عمر في ... : يروى ابن أبي جعفر: أن ابن القاسم عنها بعد أن روى فيها عن مالك نحو ما ذكرنا، فقال: إن كانت ... أن لها أن تحج وإن لم يأذن لها فإن العطية للزوج جائزة، وإن كانت جاهلة تظن أن له ... فأعطته ليتركها فإنها أن ترجع عليه بما أعطته.
فقال يحيى بن عمر: ويقول ابن القاسم هذا أقول
الجزء: 4 - الصفحة: 471
م: ويحتمل أن يكون هذا وفاقاً للقول الأول، ويكون معناه: أن لها أن ترجع عليه إذا كانت جاهلة تظن أن له منعها فأعطته ليتركها، وأما إن كانت عالمة أن ليس له منعها فلا ترجع عليه.
فصل] للولي أن يحرم عن الصبي الذي لا يميز، ويحضره المواقيت فيحصل الحج للصبي ... [
ومن المدونة: قال مالك: وإذا حج بالصبي أبوه، وهو لا ... مايؤمر به، مثل ابن سبع سنين، وثمانية فلا يجرده حتى يدنو من الحرم، والذي قد ناهز يجرده من الميقات، لأنه يدع ما يؤمر بتركه وإذا كان لا يتكلم فلا يلبي عنه أبوه.
قال: وإذا جرده أبوه يريد بتجريده: الإحرام فهو محرم، ويجنبه ما ... الكبير، فإن احتاج إلى دواء أو طيب فعل به، ويهدي عنه وإن لم يقو على الطواف طيف به محمولاً، ويرمل الذي يطفو به الأشواط الثلاثة بالبيت، ويسعى في المسيل، ولا يركع عنه ركعتي الطواف إن لم يعقل الصلاة.
وقال حمد يس عن محمد بن عبد الحكم: إنه يصلي عنه ركعتين الطواف.
وقال حمد يس كقول مالك فيمن أوصى أن يحج عنه رجل: فإنه يصلي عنه ركعتي الطواف.
الجزء: 4 - الصفحة: 472
ومن المدونة: ولا يطوف به إلا من طاف لنفسه لئلا يدخل في طواف واحد طوافين، وأما السعي فلا بأس أن يسعى لنفسه وللصبي سعياً واحداً يحمله في ذلك ويجزئه عنهما، والسعي في هذا أخف من الطواف، لأن الطواف عند مالك كالصلاة ولا يطوف إلا متوضئ، وقد يسعى من ليس على وضوء.
قال ابن المواز: قال ابن القاسم: وإن طاف عنه وعن الصبي طوافاً واحداً أجزأ عن الصبي وأحب إلى أن يعيد عن نفسه.
وقال أصبغ: بل ذلك واجب عليه، كقول مالك فيمن حج حجة عن فرضه ونذره أنه يعيد الفريضة ويجزئه عن النذر.
قال أصبغ: وما هو بالقوي، والقياس: أن يعيد النذر، وأن يعيد عن الصبي وذلك أحب إلي.
وقال عبد الملك: يجزئ عن الرجل، ولا يجزئ عن الصبي كمن حج ينوي فرضه ونذره يريد: على قوله:
قال أبو محمد: وإنما ذلك إذا حمله، فأما إذا كان يفعل ما يؤمر به، فأمره
الجزء: 4 - الصفحة: 473
بالطواف معه وسايره في الطواف حتى **** أجرأ ... لأنه لم يشركه في عمله إذا كان يفهم ما أمره به وهو كصلاته الركعتين إذا فهم ما أمره به.
قال ابن حبيب: لا بأس لمن طاف عن نفسه أن يطوف ... أو ثلاثة يحملهم طوافاً واحداً.
ومن المدونة قال مالك: ولا يرمي عنه إلا من رمى عن نفسه كالطواف.
لأنه رمى جمرة ... سنة مؤكدة وعبد الملك يقول: بل هي فريضة، فلذلك لم يجر له أن يرميها عنه إلا من رمى عن نفسه فإن فعل فقد أساء ويجزيه لأنه لم يشركه في رميه عن نفسه.
ابن حبيب: قال عبد الملك: فإن جهل فرمى عن نفسه جمرة ثم رماها من ... عن الصبي ثم أنتقل إلى الجمرة الثانية ... فيها كذلك ثم الثالثة كذلك فقد أساء وذلك يجزيه
ومن المدونة قال ابن القاسم **** في جميع أمره كالصبي
الجزء: 4 - الصفحة: 474
[فصل- **** نفقة السفر فعلى الصبي إن خالف الولي عليه ضيعه بتركه وعلى الولي أن لم ... عليه] قال: وليس لأبي الصبي أو لأمه أو من هو في حجره من**** أو ذي قرابة أو يخرجه ويحجه وينفق عليه مال الصبي إلا أن يخاف من ... بعده إذ لا كافل له فله أن يفعل ذلك به وإلا ... ما **** وأنفق عليه إلا قدر ما كان ينفق عليه في مقامه ابن المواز: قال مالك: ما أصاب الصبي من صيد أو من ... فدية ففي مال الأب، إلا أن يخرج به نظراً لأنه لو تركه ضاع فيكون ذلك في مال الصبي، فإن لم يكن له مال اتبعه ... وقد قيل: إن ما أصاب الصبي من صيد ففي ماله، يريد: **** م: وقيل: إن ذلك على من أحجه وإن خرج به نظراً لأنه هو أدخله في الحج ولو شاء لخرج به ولم يحجه فكل ما أصابه من أجل الحج فهو على من أحجه وفي الثالث من هذا ومن المدونة: قال مالك: ولا بأس أن يحرم بالأصاغر الذكور وفي أرجلهم الخلاخل وعليهم الأسورة من الفضة، وكره لهم حلى الذهب.
الجزء: 4 - الصفحة: 475
[الباب الحادي عشر]
فى دخول مكة واستلام الأركان وتقبيلها وذكر الطواف والسعر
قال الله تعالى: ﴿وليطوفوا بالبيت العتيق﴾ وبين الرسول صلى الله عليه وسلم بفعله أنها سبعة أشواط, رمل منها فى ثلاث, وركع ركعتين, وبدأ باستلام الحجر, ودخل مكة من كداء, وخرج من كدى.
ومن المدونة: قال مالك: ومن أتى مكة ليلاً فواسع له أن يدخل, ويستحب له أن
الجزء: 4 - الصفحة: 476
يدخلها نهاراً, وأحب للحاج أن يدخلها من كداء لمن أتى من طريق المدينة فمنه دخل النبى صلى الله عليه وسلم, وذلك واسع.
قال ابن الحبيب: ودخل النبى صلى الله عليه وسلم المسجد من باب بنى شيبة, وخرج إلى الصفا من باب بنى مخزوم, وخرج إلى المدينة من باب بني سهم.
الجزء: 4 - الصفحة: 477
قال ابن المواز: وكان ابن عمر يدخل مكة من عقبة كداء ويخرج/ من كدى.
قال ابن المواز: فالتى دخل منها هى الصغرى التى بأعلى مكة التى يهبط منها على الأبطح, والمقبرة عن يسارك وأنت نازل منها, فإذا نزلت أخذت كما أنت إلى المسجد, قال: وعقبة كدى التى خرج منها هى الوسطى التى بأسفل مكة, قال: ومن دخل من السفلى وخرج من العليا فلا حرج.
قال: وكان ابن عمر يدخل المسجد من باب بنى شيبة, وكان لا ينخ راحلته إلا بباب المسجد.
قال ابن الحبيب: فإذا دخلت مكة فأت المسجد ولا تعرج على شئ دونه فإذا
الجزء: 4 - الصفحة: 478
وقفت على باب بنى شيبة ونظرت إلى البيت ورفعت يديك وقلت: اللهم أنت السلام ومنك السلام فحيينا ربنا بالسلام, اللهم زد هذا البيت تشريفاً وتعظيماً ومهابة, وزد من شرفه وكرمه من حج إليه أو اعتمر تشريفاً وتعظيماً وتكريماً.
قال: ويقال عند استلام الركن: بسم الله, والله أكبر, اللهم إيماناً بك وتصديقاً بما جاء به محمد نبيك.
ويستحب من الدعاء ... ربنا آتنا فى الدنيا حسنة وفى الآخرة حسنة وقنا عذاب النار, اللهم إليك بسطت يدى, وفيما عندك عظمت رغبتى, فاقبل مسحتى, وأقل عثرتى.
وكان ابن عمر يقول فى الرحل فى طوافه: اللهم اغفر وارحم, واعف عما تعلم,
الجزء: 4 - الصفحة: 479
إنك أنت الأعز الأكرم.
قال: ويقال ذلك فى بطن المسيل, وكان عروة يقول فى الرمل: اللهم لا إله إلا أنتا, وأنت تحيى بعد ما أمتا يخفى بها صوته.
قال مالك فى المجموعة, وكتاب محمد فى قول عروة هذا: ليس بمعمول به, وكذلك لا توقيت فيما يقال فى بطن المسيل ومحاذات الركن, ولكن ما تيسر.
قال مالك: ولا يحسر عن منكبيه فى الرمل ولا يحركهما, ولا يسجد على الركن وليقبله إن قدر وإلا لمسه بيده ويضعها على فيه من غير تقبيل.
قيل له: كان بعض الصحابة يقبله ويسجد عليه فأنكره, وقال: ما سمعت إلا التقبيل.
قال ابن حبيب: قد روى ذلك عن عمر, وابن عباس, ولعل مالكاً إنما
الجزء: 4 - الصفحة: 480
كرهه خيفة أن يرى واجباً, ومن فعله فى خاصته فذلك له.
ومن المدونة: قال مالك: فإذا دخل البيت بدأ باستلام الحجر الأسود بفيه إن قدر.
م: كما فعل الرسول صلى الله عليه وسلم, وفعله عمر, وقال: «إنى لأعلم أنك حجر لا تتفع ولا تضر, ولكنى رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم بقبلك فقبلتك».
قال مالك: فإن لم يقدر أن يقبله لمسه بيده ثم وضعها على فيه من غير تقبيل.
م: لأن ذلك عوض من التقبيل, وقد فعله جماعة من الصحابة.
الجزء: 4 - الصفحة: 481
قال مالك: فإنه لم يصل إليه كبير إذا ... ولا يرفع ... ثم يمضى الطواف ولا يقف وكل ما مر به فواسع: إن شاء استلم أو ترك ولا يقبل المركز اليمانى ولكن يلمسه بيده ويضعها على فيه من غير تقبيل, فإذا لم يستطع لزحام الناس كبير ... , وكل ما مر به فى طواف واجب أو تطوع فواسع: إن شاء استلم وإن شاء ترك ولا يدع للتكبير كلما ... فى الطواف واجب أو تطوع.
ولا يستلم المركز الذين ... *** ولا يقبلانه ولا يكبر إذا ... .
قال عبد الوهاب: إن قال ذلك: إن النبى صلى الله عليه وسلم بدأ باستلاك الحجر, ثم طاف والبيت على يساره, فطاف سبعة أشواط, وكل ما مر بلحجر استلمه, وهذا ** ** الأمة بالمصلى, وقال صلى الله عليه وسلم: «خذوا عنى مناسككم».
الجزء: 4 - الصفحة: 482
وإذا بدأ بالطواف لأنه تحية للبيت, كالركوع تحية لسائر المساجد
وقال ابن المواز: قال مالك: لا آخذ بقول عروة فى استلام الأركان كلها.
ومن المدونة: و** مالك قول الناس إذا حذوا الركن الأسود اللهم ايماناً بك وتصديقاً بكتبك ورأى أنه ليس عليه ... , وقال: لا يزيد على التكبير شيئاً, وأنكر وضع الخدين والجبهة على الحجر الأسود, وقال: هذه بدعة و ... لا يرى بأساً بالزحام عليه عند استلامه ما لم يكن مؤدياً وليس عليه أن يستلم الركن فى إبداء طوافه إلا من طوافه الواجب إلا أن يشاء.
قال مالك: فيطوف سبة أشواط, الثلاثة الأولى خ**, والأربعة مشياً كما فعل الرسول صلى الله عليه وسلم.
قال عبد الوهاب: وروى عنه / عن أبى بكر, وعمر, وعثمان, وابن مسعود
الجزء: 4 - الصفحة: 483
وغيرهم رضي الله عنهم.
وذكر ابن عباس السبب فى ذلك فقال: قدم رسول الله صلى الله عليه وسلم مكة فقال المشركون: إنه يقدم عليكم قوم محمد, وقد هتتهم حمى يثرب ولقوا منها شراً فأطلع الله نبيه صلى الله عليه وسلم على ذلك فأمرهم أن يرملوا الأشواط الثلاثة, فلما رأوهم قالوا: هؤلاء الذين ذكرتهم أن الحمى وهتتهم, هؤلاء أجلد منا.
ومن المدونة: قال مالك: وإذا فرغ من طوافه الواجب وصلى الركعتين عند المقام فلا يخرج إلى الصفا حتى يستلك الحجر, فإن لم يفعل فلا شئ عليه.
قال ابن المواز: ولا يستلم عند خروجه الركن اليمانى, بخلاف الحجر الأسود.
قال فى المختصر: ولا يستلم الركن إلا طاهر.
ومن المدونة: قال مالك: وإذا فرغ من سعيه وأراد الخروج إلى منزله فليس عليه أن يستلم الحجر إلا أن يشاء.
قال: ومن طاف بالبيت فى حج أو عمرة طوافه الواجب فلم يستلم الحجر فى شئ من ذلك فلا شئ عليه.
وكان مالك يوسع فيما خف من الحديث فى الطواف, ولا ينشد فيه شعراً.
الجزء: 4 - الصفحة: 484
قال مالك: وليس من السنة القراءة فى الطواف, قال ابن القاسم: فإن باع واشترى فى طوافه فلا يعجبنى.
ابن حبيب: وينبغى للطائف الطواف بسكينة ووقار, ولا يطوف مع النساء, ولتكن النساء خلف الرجال.
محمد: قال مالك: وليقل الكلام فى الطواف, وتركه فى الواجب أحب إلينا, وما القراءة من عمل الناس القديم, ولا بأس به إذا أخفاه, ولا يكثر منه, ولا بأس أن يسرع الطائف فى مشيه أو يتأتى, وكره أن يطوف أحد مغطى الفم, أو امرأة منتقبة, كالصلاة, وقال أشهب: ومن فعل ذلك أجزأة.
ومن المدونة: قال مالك: وإذا زوحم فى الرمل ولم يجد مسلكاً رمل بقدر طاقته.
فصل [1 - فيمن ترك الرمل]
قال مالك: يرمل من الحجر الأسود إلى الحجر الأسود.
قال: ومن جهل أو نسى فترك الرمل فى الأشواط الثلاثة بالبيت, أو السعى بين الصفا والمروة, فهذا خفيف, وكان مالك يقول: عليه الدم, ثم رجع, وقال: لادم عليه, وكان يقول فى تارك الرمل: إن قرب أعاد الطواف والسعى, وإن بعد فلا شئ عليه, ثم خففه, ولم ير أن يعيد.
الجزء: 4 - الصفحة: 485
قال: ومن قضى حجة ... فليرمل بالبيت, ويسعى فى المسيل, ويستحب لمن اعتمر من الجحرائة أو التنعيم أن يرمل, وليس وجوبه عليه كوجوبه على من حج أو اعتمر من المواقيت, وأما السعى فواجب على من اعتمر من التنعيم, أو غير ذلك.
م: وإنما قال ذلك؛ لأن الاعتمار من المواقيت آكد منه من الجغرافية أو التعيم؛ لأن الاعتمار من هذين إنما هو رخصة ... كان الرمل فيما كان من المواقيت آكد.
وإنما استووا فى السحى؛ لأن السحى آكد من الطواف فى الحج, فكان الرمل فيه آكد فى الحج والعمرة إلا طواف الإفاضة فينبغى أن يستوى ذلك فيهما لأنهما فرضان.
ومن المدونة: قال مالك: وإذا ذكر فى الشوط الرابع أنه لم يوصل فى الثلاثة الأشواط حتى ولا شئ عليه.
م: لأن الرمل ... , فلا يبطل ما تقدم له من عمل الأمر مستحب لا واجب, لقوله تعالى ﴿ولا تبطلوا أعمالكم﴾.
م: وهذا على قوله الذى لم يوجب عليه الإعادة إذا ذكره بعد تمام طوافه, وأما على قوله: إن قرب أعاد فينبغى أن يبتدى ويلغى ما مضى.
وكذلك قال -فى كتاب محمد- يبتدى ويلغى ما مضى
وقال أشهب -فى ترك الرمل والسعى فى المسيل أو أحدهما-: أنه يعيد طوافه ما كان بمكة, فإن فات ***
الجزء: 4 - الصفحة: 486
وقال عبد الملك: لا يعيد وعليه دم.
م: وهذا كله مأخوذ من اختلاف قول مالك
قال ابن المواز: وكان ابن عمر إذا أنشأ الحج من مكة لم يرمل, والرمل أحب إلينا ولا رمل / على التساعد ولا سعى يبطن المسيل.
[فصل 3 - من شروط الطواف الترتيب]
ومن المدونة: قال مالك: ومن طاف بالبيت منكوساً لم يجزه.
قال أشهب: وهو كمن لم يطف, رجع إلى بلده أم لا.
م: لأن النبى صلى الله عليه وسلم طاف, والبيت على يساره, وقال «خدوا عنى مناسككم» , وكان ذلك آكد من ترك الرمل؛ لأن الرمل إنما كان ... , فإذا ارتفعت ... ارتفع الحكم بارتفاعها.
ومن المدونة: قال مالك: ومن طاف محمولاً أو راكباً, سحتون: يريد: على أعناق الرجال, فإن كان من عذر أجزأه, وإن كان لغير عذر أعاد الطواف بالبيت إلا أن يكون رجع إلى بلده فليهريق دماً.
الجزء: 4 - الصفحة: 487
م: إنما قال سحنون: يريد: على أعناق الرجال؛ لأن الدواب لا تدخل المسجد والحكم فيهما إن نزل سواء, لا فرق بين ركوبه على دابة أو رجل, وإنما أبيح الطواف راكباً لعذر كما أبيحت الصلاة راكباً لعذر, وإنما قال: إن كان لغير عذر فليعد إلا أن يرجع إلى بلده؛ فلأنه إذا لم يرجع لا ضرر عليه فى إعادته, وإذا رجع إلى بلده دخل عليه الضرر فى رجوعه, فأبيح له جبره بالدم, ولم يكن كمن لم يطف؛ لأنه قد طاف راكباً.
وقد روى أن النبى صلى الله عليه وسلم طاف راكباً, فلما فرغ من الطواف نزل على راحلته, وصلى الركعتين, ذكره عبد الوهاب.
فصل [3 - من شروط الطواف: الطهارة من الحدث]
ومن المدونة: قال مالك: ومن طاف الطواف الواجب وفى ثوبه أو جسده نجاسة لم يعد, كمن صلى بذلك ثم ذكر بعد الوقت.
قال ابن المواز: وإن صلى بذلك الركعتين فليعدهما فقط إن كان قريباً ولم ينتقض وضوؤه, فإن انتقض وضوؤه, أو طال ذلك فى شئ عليه, كزوال الوقت.
وقال أصبغ: سلامه منهما كخروج الوقت, وليس إعادتهما بواجب, والأحسن أن يعيدهما بالقرب.
فقال أشهب: إن علم به فى طوافه نزعه إن كان الدم كثيراً, وأعاد طوافه, وإن علم بعد فراغه أعاد الطواف والسعى فيما قرب إن كان واجباً, وإن تباعد فلا شئ
الجزء: 4 - الصفحة: 488
عليه, ويهدي, وليس بواجب.
م: والقياس عندى: قول أصبغ: إن الفراغ من الطواف أو من الركوع كخروج الوقت إذ لا وقت معلوم لذلك, وإنما وقته حين يفعله كوقت الصلاة المنسية حين يذكرها, ففراغه من ذلك ذهاب وقته.
والاستحسان: أن يعيد ذلك كله بالقرب ما لم ينتقض وضوؤه إذ لا كبير ضرر عليه فى ذلك؛ ولأن ما قارب الشئ فله حكمه.
[فصل 4 - من شروط الطواف: أن يخرج بجملة جسده عن البيت]
ومن المدونة: قال مالك: ولا يعتد بما طاف داخل الحجر, ويلغيه, ويبنى على ما طاف خارجاً منه, وإن لم يذكر حتى رجع إلى بلده فليرجع, وهو كمن لم يطف.
قال عبد الوهاب: إنما لم يجز الطواف داخل الحجر, -خلافاً لأبي حنيفة-
الجزء: 4 - الصفحة: 489
لقوله صلى الله عليه وسلم: «الحجر من البيت» , وإذا ثبت أنه من البيت لم يجيزه أن يطوف فيه لقوله تعالى: «وليطوفوا بالبيت العتيق» , وذلك يقتضى استيفاء جمعه, واعتبارً بطواف داخل البيت, ولأنه صلى الله عليه وسلم طاف خارج الحجر, وقال: «خذوا عنى مناسككم».
ومن المدونة: قال مالك: ومن طاف من وراء زمزم من زحام الناس فلا بأس بذلك.
قال ابن القاسم: وكذلك إن طاف فى سقائق المسجد من زحام الناس فلا بأس به, وإن طاف فى سقائف ... زحام, أو فراراً من الشمس أعلا, وكذلم عنه فى المجموعة.
وقال أشهب فيها: لا يجزئ من طاف فى السقائف وهو كالطائف من خارج المسجد, ومن وراء الحرم.
قال سحنون: ولا يمكن أن ينتهى الزحام إلى السقائف.
وحكة عن ابى محمد أنه قال: من طاف فى سقائف المسجد لا يرجع لذلك.
الجزء: 4 - الصفحة: 490
[من بلده.
وقال ابن شبلون: يرجع من بلده وهو كمن لم يطف.
م: قول أبي محمد: «إنما يجري على قول ابن القاسم، وهو كمن طاف راكباً من غير عذر» لأنه طواف يجزئه فعله مع العذر، فإذا فعله من غير عذر أعاده إلا أن يرجع إلى بلده فليهرق دماً كالطائف راكباً، وقول ابن شلبون على قول أشهب الذي جعله كالطائف من وراء الحرم فاختلافهما جار على اختلاف قول ابن القاسم وأشهب.
ومن «المدونة»: قال ابن القاسم: ولم يكره مالك الطواف بالبيت بالنعلين والخفين، وكره أن يدخل بهما البيت أو يرقى بهما الإمام أو غيره منبر النبي عليه السلام.
وكره مالك أن يجعل نعله في البيت إذا جلس يدعو، قال: وليخلعها في حجرته، وأباح دخول الحجر بالنعلين والخفين.
قال ابن القاسم: ولا بأس أن يدخل بهما الحجر.
وقال حمديس: ينبغي على أصله ألا يدخل بهما الحجر، لأنه من البيت عنده، وكره أشهب أن يدخل الحجر بنعل أو خف، لأنه عنده من البيت.
قال وكراهيتي لذلك في البيت أشد وكان سعيد بن جبير يخلع نعليه إذا دخل الحجر ويضعهما على جدران الحجر.
ومن «المدونة»: قال ابن القاسم: والطواف بالبيت للغرباء أحب إلي من الصلاة ولم مالك [يجيب] في مثل هذا.
]
الجزء: 4 - الصفحة: 491
الباب الثاني عشر
في طواف القارن، والمتمتع، والمراهق، ومن أحرم من مكة قال مالك رحمه الله: ومن قرن الحج والعمرة أجزأه طواف واحد لهما، وهي السنة من قرن الحج والعمرة أجزأه طواف واحد لهما.
قال بعض البغداديين: وقد قال الرسول (صلى الله عليه وسلم) لعائشة (رضي الله عنها): "يجزئك طوافك بالبيت وسعيك بين الصفا والمروة لحجك وعمرتك"، وقد تقدم هذا
ومن المدونة: قال مالك: ومن دخل مكة مراهقا وهو مفرد بالحج أو قارن فخاف إن طاف بالبيت أن يفوته الحج فليدع الطواف والسعي وليمض إلى عرفات ولا دم عليه لترك الطواف، وسواء دخل مكة أو الحرم، أو لم يدخل ومضى كما هو إلى عرفات؛ لأنه مراهق، وقد فعله بعض الصحابة.
من خاف فوات الحج سقط عنه طواف القدوم
قال مالك: وإن كان غير مراهق وهو مفرد بالحج أو قارن فدخل الحرم فلم يطف بالبيت حتى خرج إلى عرفات، أو لم يدخل الحرم ومضى إلى عرفات وأفاض وهو يقدر على الدخول والطواف فتركه فعليه دم لترك الطواف؛ لأنه غير مراهق، وعلى القارن دم آخر لقرانه.
الجزء: 4 - الصفحة: 492
م: وإنما أوجب عليه ترك الدم لتركه طواف القدوم؛ لأنه من سنن الحج المؤكدة وفعله النبي (صلى الله عليه وسلم) وأمر به؛ ولأنه شرط في ركن من أركان الحج وهو السعي.
وقال أشهب - في الذي أخر طواف القدوم وليس بمراهق -: لا هدي عليه.
م: لأن طواف الإفاضة ينوب عنه.
ومن المدونة: قال مالك: وأما إن دخل مكة معتمرا يريد الحج، وهو مراهق أو غير مراهق ففرض الحج وتمادى صار قارنا ولا دم عليه لتأخير الطواف، إذ له
الجزء: 4 - الصفحة: 493
إرداف الحج ما لم يطف بالبيت وإنما عليه دم القران فقط.
قال ابن القاسم: وإذا أحرم بالحج من خارج الحرم مكي أو متمتع ومضى إلى عرفات ولم يدخل الحرم، وهو مراهق فلا دم عليه، ولو لم يكن مراهقا كان عليه أن يطوف بالبيت ويسعى بين الصفا والمروة قبل أن يخرج إلى عرفات، فإن لم يفعل فعليه دم.
م: لأن الإحرام من الحل سبيله أن يجمع معه حرم كما فعل النبي (صلى الله عليه وسلم)، فإذا تركه جبره بالدم، وأما من أحرم من مكة بالحج فليؤخر طوافه؛ لأنه يخرج إلى عرفة، وعرفة في الحل.
وقد تقدم هذا.
الجزء: 4 - الصفحة: 494
الباب الثالث عشر
في الطواف والسعي على غير وضوء، وكيف إن أحدث فيهما، أو طاف بنجاسة
فصل 1 - من شروط الطواف: الطهارة من الحدث
م: ولا يجزي الطواف بالبيت عند مالك إلا بطهارة لقوله (صلى الله عليه وسلم): "الطواف بالبيت صلاة إلا أن الله أباح فيه النطق"، وقالت عائشة (رضي الله عنها): "كان رسول الله (صلى الله عليه وسلم) إذا أراد أن يطوف توضأ، ثم طاف"، وفي حديثها قالت: قدمت مكة حائضا، فشكوت ذلك لرسول الله (صلى الله عليه وسلم) فقال: "أفعلي ما يفعل الحاج غير أن لا تطوفي بالبيت حتى تطهري".
وخالف ذلك أبو حنيفة، ,أجاز الطواف بغير طهارة.
الجزء: 4 - الصفحة: 495
ومن المدونة: قال مالك: والمفرد بالحج إذا طاف الطواف الواجب أول ما يدخل مكة وسعى بين الصفا والمروة على غير وضوء، ثم خرج على عرفات فوقف المواقف، ثم رجع إلى مكة يوم النحر فطاف للإفاضة على وضوء ولم يسع بين الصفا والمروة حتى رجع إلى بلده، وأصاب النساء والصيد والطيب ولبس الثياب فليرجع حتى يطوف بالبيت ويسعى بين الصفا والمروة، ثم يعتمر ويهدي.
م: وإنما قال ذلك: لأنه لما طاف على غير وضوء كان كمن لم يطف، وعذره بالنسيان وجعله كالمراهق، والمراهق حكمه إذا أخر الطواف والسعي أن يسعى مع طواف الإفاضة، فلما لم يسمع هذا مع طواف الإفاضة حتى أصاب النساء والصيد والطيب، من أصاب بعد ذلك رمي جمرة العقبة وقبل الإفاضة، فلذلك جعل عليه العمرة والهدي لوطئه.
م: قيل لبعض شيوخنا: فإن سعى مع طواف الإفاضة؟
قال: يُجزئه.
وقال بعض أصحابنا: لا يجزئه؛ لأن السعي لا يكون إلا في حجة أو عمرة، فهو بخلاف الطواف الذي يكون في غير الحج.
م: والذي أرى: أن يجزئه؛ لأنه كان عليه أن يأتي به، وقد أتى به، وإنما عُدم النية فيه، فإذا كان بمكة أو قريبا منها أعاد، وإن تطاول، أو رجع إلى بلده أجزأه، كمن طاف أول دخوله مكة لا ينوي بها فريضة ولا تطوعا وسعى، فلم يذكر إلا بعد رجوعه إلى بلده فإنه يجزئه، وعليه الدم، وهو خفيف، فكذلك هذا.
والله أعلم.
قال ابن القاسم: وهو يرجع حلالا إلا من النساء والصيد والطيب حتى يطوف ويسعى، ثم يعتمر ويهدي،
الجزء: 4 - الصفحة: 496
وليس عليه أن يحلق إذا رجع بعد فراغه من السعي؛ لأنه قد حلق بمنى.
قال مالك: ولا شيء عليه في لبس الثياب؛ لأنه لما رمى جمرة العقبة حل له اللباس، وهو إذا رجع إلى مكة رجع وعليه الثياب حتى يطوف بخلاف المعتمر؛ لأن المعتمر لا يحل له لبس الثياب حتى يفرغ من السعي.
قال: ولا شيء عليه في الطيب؛ لأنه بعد رمي جمرة العقبة فهو خفيف، قال: وعليه لكل صيد إصابة الجزاء.
قال ابن القاسم: ولا دم عليه لما أخر من الطواف الذي طافه حين دخل مكة على غير وضوء، وأرجو أن يكون خفيفا؛ لأنه لم يتعمد ذلك، فهو كالمراهق، وقد جعل مالك عليه العمرة مع الهدي، وجُل الناس يقولون: لا عمرة عليه، فالعمرة مع الهدي تجزي عن ذلك كله.
قال ابن المواز: فإن لم يطأ فليرجع فيفعل كما وصفنا ويهدي هديا واحدا، ولا عمرة عليه، ولو ذكر ذلك بمكة بعد أن فرغ من حجه فليعد طوافه وسعيه، ولا دم عليه، بخلاف المتعمد، أو الناسي لبعض طوافه، هذا عليه الدم.
فصل 3 - فيمن أحدث في طوافه أو بعد تمامه قبل أن يركع
ومن المدونة: قال مالك: ومن انتقض وضوؤه في طوافه أو بعد تمامه قبل أن يركع
الجزء: 4 - الصفحة: 497
فليتوضأ ويأتنف الطواف إن كان واجبا، وليس عله في التطوع ابتداؤه.
إلا أن يشاء إذا لم يتعمد الحدث.
م: كمن أحدث في صلاة التطوع.
قال ابن القاسم: وإن أحدث بعد الطواف الواجب قبل أن يركع فتوضأ وركع ولم يعد الطواف جهلا حتى فعل فليركع بموضعه ويبعث بهدي.
قال ابن المواز: ولا تجزئه الركعتان الأولتان.
قال ابن القاسم: ولو أحدث في الطواف فتوضأ وبنى وركع فليرجع، وهو كمن لم يطف.
م: لأن الطواف كالصلاة.
وقال ابن حبيب عن مالك: إنه إذا أحدث في الطواف فليتوضأ ويبني، وكذلك إن أحدث في السعي فلا يقطعه وليتمه.
م: أما الطواف فكالصلاة لا يجوز البناء لمن أحدث فيه، كما لا يجوز ذلك في الصلاة، ورواية ابن حبيب ضعيفة، ووجهها: فلأن الطواف أخف من الصلاة إذ قد أبيح فيه الكلام فجاز فيه البناء، وأما السعي فيجوز أن يسعى غير متوضئ، وكذلك إذا أجدث فيه فه أن يتمه كذلك.
الجزء: 4 - الصفحة: 498
قال ابن حبيب: وأما الرعاف فإنه يبني فيه في الطواف والسعي بعد غسل الدم.
ابن المواز: قال ابن القاسم: ,لو طاف بثوب نجس فعلم به بعد فراغه من طوافه فنزعه، وصلى الركعتين بثوب طاهر فلاشيء عليه، وإن ركعهما به أعادهما فقط إن كان قريبا ولم ينتقض وضوؤه، وإن انتقض وضوؤه، أو طال فلاشيء عليه كزوال الوقت.
وقال أشهب: يعيد الطواف والسعي فيما قرب، وإن بعد فلا شيء عليه.
وقد تقدم هذا.
ابن المواز: ولو بدأ في طوافه من الركن اليماني فليلغ ذلك ويتم إلى الركن الأسود، فإن لم يذكر حتى رجع إلى بلده أو تباعد أجزأه ويبعث بهدي، وكذلك إن بدأ بالطواف من باب البيت فليلغ ما مشى من باب البيت إلى الركن الأسود.
قيل: فلو ابتدأ الطواف من بين الحجر الأسود والباب؟ قال: هذا يسير ويجزئه ولا شيء عليه.
فصل 3 - فيمن طاف لعمرته على غير وضوء فذكر ذلك بعد أن حل منها بمكة، أو ببلده
ومن المدونة: قال مالك: ومن طاف لعمرته على غير وضوء فذكر ذلك بعد أن حل منها بمكة أو ببلده فليرجع حراما كما كان، وهو كمن لم يطف، فيطوف بالبيت
الجزء: 4 - الصفحة: 499
ويركع ويسعى ولا دم عليه إذا لم يطأ.
قال مالك: وإن كان قد حلق بعد طوافه اقتدى، وإن كان أصاب النساء والصيد، والطيب فعليه لكل صيد أصابه الجزاء.
قال في كتاب محمد: وعليه إذا أصاب النساء أن يعيد العمرة ويهدي، يريد: وعليه في الطيب الفدية.
ومن المدونة: قال مالك: ومن طاف للإفاضة على غير وضوء رجع لذلك من بلده ليطوف للإفاضة إلا أن يكون طاف بعد ذلك تطوعا فيجزئه من طواف الإفاضة، (من طاف للإفاضة على غير وضوء)، يريد: ولا دم عليه.
قال ابن القاسم: وطواف الإفاضة، والطواف الذي يصل به السعي بين الصفا والمروة هذا الطوافان واجبان عند مالك يرجع لما ترك منهما فيطوفهما، وعليه الدم، والدم في هذا خفيف.
فصل 4 - من شروط الطواف: إكمال العدد
ومن طاف أول دخوله مكة ستة أشواط ونسي الشوط السابع وصلى الركعتين وسعى بين الصفا والمروة فإن كان قريبا بمنى طاف شوطا واحدا وركع وأعاد السعي، فإن طال ذلك، أو انتقض وضوؤه، أو ذكر ذلك في طريقه أو ببلده رجع وابتدأ الطواف من أوله وركع وسعى، وإن كان قد جامع بعد ما رجع فليفعل كما وصفت لك قبل هذه
الجزء: 4 - الصفحة: 500
المسألة، يعني: مسألة الذي طاف وسعى على غير وضوء.
ابن المواز: قال ابن القاسم: إن سعى قبل أن يركع الركعتين أنه يبتدي الطواف والسعي، وقيل: يركعهما ويعيد السعي.
فصل 5 - فيمن نسي ركعتي الطواف
من المدونة: وإذا ذكر المعتمر ببلده أنه نسي الركعتين، وقد أصاب النساء فليركعهما ويهدي، وإن ذكر أنه لم يكن طاف بالبيت إلا ستا رجع وابتدأ الطواف وركع وسعى وأمر الموسى على رأسه وقضى عمرته وأهدى.
قال يحيى بن عمر: وعليه الفدية.
قال ابن القاسم: ولو كان حين دخل مكة فطاف بالبيت وسعى بين الصفا والمروة، ثم أحرم بالحج، فلما صار بعرفة ذكر أنه لم يطف بالبيت إلا ستا، فهذا قارن، يعمل عمل القارن المراهق.
فصل 6 - يجب في الطواف الذي يسعى بعده أن يكون فرضا
وإذا طاف حاج أول دخوله مكة، ولم ينو بطوافه هذا فريضة ولا تطوعا ثم سعى بين الصفا والمروة لم يجزه سعيه إلا بعد طواف ينوي به طواف الفريضة، فإن لم يتباعد رجع فطاف وسعى، وإن فرغ من حجه، ثم رجع إلى بلده وتباعد وجامع النساء أجزأه ذلك وعليه دم، والدم في هذا خفيف.
الجزء: 4 - الصفحة: 501
فصل 7 - من شروط الطواف: الموالاة
ومن طاف بعد طوافه، ثم خرج فصلى على جنازة، أو خرج لنفقة نسيها فيبتدئ الطواف ولا يبْني.
ابن المواز: وقال أشهب: بل يبني في الجنازة.
قال مالك: ولا يخرج من طوافه لشيء إلا لصلاة الفريضة، قال عنه ابن المواز: ثم يبني على ما بقي من طوافه قبل أن ينتفل، ولا يبتديه كان طوافه واجبا أو غيره، قال: وإن أقيمت الصلاة وقد بقي له طواف أو طوافان فلا بأس أن يتم ذلك إلى أن تعتدل الصفوف، وأما المبتدئ فأخاف أن يكثر ويطول من الناس فلا ينقطع ورخص فيه.
الجزء: 4 - الصفحة: 502
الباب الرابع عشر
ما جاء في طواف القدوم، والإفاضة، والصدر
والطواف في الحج ثلاثة: طواف القدوم، طواف الإفاضة، طواف الوداع، والسعي واحد يؤتى به عقيب طواف القدوم إلا أن يفوت فيؤتي به عقيب طواف الإفاضة.
م: ولا يرمل إلا في طواف السعي، وهو طواف القدوم، أو طواف الإفاضة الذي يسعى بعده المراهق، ولا يكون الرمل في طواف التطوع.
حكم طواف القدوم
قال غير واحد من البغداديين: طواف القدوم سُنة، وفد فعله النبي (صلى الله عليه وسلم)؛ ولأنه طواف في ركن من أركان الحج وهو السعي فكان من متأدي السنن.
حكم طواف الإفاضة
وطواف الإفاضة فرض لا يسقط بحال، قال الله سبحانه: (ثُمَّ لْيَقْضُوا تَفَثَهُمْ وَلْيُوفُوا نُذُورَهُمْ وَلْيَطَّوَّفُوا بِالْبَيْتِ الْعَتِيقِ)، وقال: (ثُمَّ أَفِيضُوا مِنْ حَيْثُ أَفَاضَ النَّاسُ)، فكان هذا هو المفترض في كتاب الله عز وجل، وأجمع أهل العلم على ذلك.
حكم طواف الوداع
وطواف الوداع مستحب لقوله (صلى الله عليه وسلم): "لا يَنفرن أحدكم حتى يكون آخر عهده
الجزء: 4 - الصفحة: 503
الطواف بالبيت"، وروي عن عمر، وغيره.
وليس بواجب خلافا لأبي حنيفة لقوله (صلى الله عليه وسلم) في حديث صفية حين حاضت: "أحابستنا هي؟ "، قالوا: إنها قد أفاضت، قال: "فلا إذا"، فلو كان واجبا لكان يقف عليها كطواف الإفاضة؛ ولأنه طواف يُعل خارج الإحرام كالتطوع.
ولا يجب الدم بتركه خلافا للشافعي؛ لأن الحائض تتركه ولا دم عليها؛ ولأنه يُفعل خارج الإحرام.
الجزء: 4 - الصفحة: 504
فصل [طواف الإفاضة تعجيله يوم النحر أفضل]
ومن المدونة: قال مالك: وطواف الإفاضة تعجيله يوم النحر أفضل، وإن أخره حتى مضت أيام التشريق وانصرف من منى إلى مكة فلا بأس به، وإن أخره أياما وتطاول ذلك، فعله وأهدى.
م: وإنما قال ذلك: لما روى جابر أنه (صلى الله عليه وسلم) نحر يوم النحر، ثم ركب فأفاض وصلى بمكة الظهر، وفي حديث عائشة (رضي الله عنها): "ثم رجع إلى منى فمكث بها ليالي أيام التشريق"، وإنما كان له تأخيره إلى آخر أيام التشريق: لما روى مالك أن بعض الصحابة فعلوه، فإذا طال ذلك فقد خالف، فوجب أن يهدي.
ومن المدونة: قال مالك: وإن آخر المراهق أو من أحرم بمكة الإفاضة والسعي بعدما انصرف من منى أياما وتطاول ذلك فليطف ويسعى ويهدي، وإنما لهذا أن يؤخر الطواف والسعي إلى الموضع الذي يجوز له أن يؤخر الإفاضة.
قال مالك: وبلغني أن بعض الصاحبة كانوا يأتون مراهقين فينفرون لحجهم ولا يطوفون ولا يسعون، ثم يقدمون منى فلا يفيضون من منى إلى آخر أيام التشريق،
الجزء: 4 - الصفحة: 505
فيأتون فينيخون إبلهم عند باب المسجد، ثم يدخلون فيطوفون بالبيت ويسعون، ثم ينصرفون، فيجزئهم طوافهم ذلك لدخولهم مكة ولإفاضتهم ولوداعهم البيت.
م: ففي هذا الحديث أدلة: منها: أنه يجوز للمراهق تأخير الطواف الأول والسعي، ثم لا دم عليه، وأنه لا يفيض إلى آخر ايام التشريق، وأن هذا الطواف يجزي عن طواف القدوم والإفاضة والوداع.
ومن المدونة: قال مالك: وطواف الإفاضة: هو الذي يسمى طواف الزيارة وكره أن يقال: طواف الزيارة، أو أن يقال: زُرنا قبر النبي (صلى الله عليه وسلم).
م: كأنه كره اسم الزيارة، لما روي من قوله (صلى الله عليه وسلم): "لعن الله زوارات القبور"، أو كما قال، وفي حديث آخر: "لعن الله اليهود اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد"، وقد سمى الله الإفاضة بقوله: (ثُمَّ أَفِيضُوا مِنْ حَيْثُ أَفَاضَ النَّاسُ)، وسمى الطواف بعدها بقوله: (ثُمَّ لْيَقْضُوا تَفَثَهُمْ وَلْيُوفُوا نُذُورَهُمْ وَلْيَطَّوَّفُوا بِالْبَيْتِ الْعَتِيقِ) فسمى لذلك طواف الإفاضة فلا يجوز مخالفته.
الجزء: 4 - الصفحة: 506
ومن المدونة: وكان مالك يستحب طواف الصدر وهو طواف الوداع، ولا يراه واجبا لما قدمناه، وكان مالك يقول: من نسي طواف الوداع ثم ذكره ولم يتباعد رجع إلى مكة فطافه، وإن تباعد مضى، ولا شيء عليه.
من نسي طواف الوداع، ثم ذكره رجع له إن كان قريبا.
وذكر مالك أن عمر بن الخطاب (رضي الله عنه) رد رجلا من مر الظهران خرج ولم يطف طواف الوداع.
قلت فهل حد مالك أنه يرجع له من مر الظهران؟
قال: لم يحد مالك أكثر من قوله: يرجع إن كان قريبا.
قال ابن القاسم: وأنا أرى أن يرجع له ما لم يخش فوات أصحابه أو لا يقيم عليه كريه، فإن خاف ذلك فليمض حينئذ، ولا شيء على من تركه.
قال مالك: ومن طاف للوداع، ثم باع واشترى بعض حوائجه أقام في ذلك ساعة، ثم خرج فلا يرجع إلى الوداع.
قال ابن القاسم: ولو أقام بمكة بعد طواف الوداع يوما أو بعض يوم، رجع فطافه، ولو طافوا للوداع، ثم برز بهم الكريّ إلى ذي طُوى فأقام بها يومه وليلته فلا يرجعوا للوداع.
قال مالك: ويتموا الصلاة بذي طوى ماداموا بها؛ لأنها من مكة، وإذا خرجوا منها إلى بلدهم قصروا.
الجزء: 4 - الصفحة: 507
قال مالك: وطواف الوداع على من حج من النساء، والصبيان، والعبيد، وعلى كل واحد، وليس على أهل مكة طواف الوداع إذا حجوا، ولا على من دخلها حاجا يريد أن يستوطنها.
م: لقوله (صلى الله عليه وسلم): "لا ينفرن أحدكم حتى يكون آخر عهده الطواف بالبيت"، وهؤلاء غير نافرين من مكة.
ومن المدونة: قال مالك: ومن فرغ من حجة، ثم خرج يعتمر من الجعرانه أو التنعيم فليس عليه طواف الوداع، وأما إن خرج يعتمر من ميقاته كالجحفة وغيرها فليودع.
قال: وإذا سافي مكي فليودع، ومن حج من مر الظهران، أو من عرفة فليودع إذا خرج، وليس من يخرج من مكة إلى منزله يريد الإقامة وإن كان منزله قريبا بمنزله من يخرج إلى موضع قريب ثم يعود.
ومن اعتمر ثم خرج من فوره أجزأه طواف عمرته من الوداع، وإن أقام ثم خرج ودع.
وكذلك من فاته الحج فسخه في عمرة أو فسد حجة عليه طواف الوداع إذا أقام هذا المفسد بمكة بعد طواف الإفاضة أو أقام الذي فاته الحج بعد طواف العمرة؛ لأنه لما فاته الحج عاد عمله إلى عمرة، وإن خرجا مكانهما فلا شيء عليهما.
الجزء: 4 - الصفحة: 508
وفي الأمهات في هذه المسألة نقص، وهذا هو تمامها.
طواف الوداع يسقط عن الحائض
قال مالك: وإن حاضت امرأة بعد طواف الإفاضة فلتخرج قبل أن تودع، وإن حاضت قبل الإفاضة أو نفست حبس على الحائض كريّها أقصى ما كان يمسكها الدم، ثم تستظهر بثلاث، وفي النفساء يُحبس عليها كريها أقصى ما يحبس النساء دم النفاس من غير سقم، ولا يحبس عليها أكثر من هذا.
وأبو محمد: وقال غيره: أما في زماننا فإنه يفسخ للخوف.
الجزء: 4 - الصفحة: 509
الباب الخامس عشر
جامع ما جاء في ركعتي الطواف
حكم ركعتي الطواف
وركعتا الطواف الواجب سنة مؤكدة؛ لأن الرسول (صلى الله عليه وسلم) لما فرغ من طوافه ركع له، وروي أنه طاف راكبا فلما فرغ نزل فصلاهما، وهذا يدل على تأكدهما؛ ولأن الطواف من أركان الحج فوجب أن يكون من توابعه سُنة، كالوقوف بعرفة من توابعه المبيت بالمزدلفة، وقد قال الله تعالى: (وَاتَّخِذُوا مِنْ مَقَامِ إِبْرَاهِيمَ مُصَلًّى).
قال ابن حبيب: ويستحب أن يقرأ في ركعتي الطواف بـ (قُلْ يَا أَيُّهَا الْكَافِرُونَ) و (قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ).
ومن المدونة: قال ابن القاسم: ولا تجزي المكتوبة من ركعتي الطواف في قول
الجزء: 4 - الصفحة: 510
مالك، ومن طاف أسبوعا فلم يركع ركعتيه حتى دخل في أسبوع ثان قطع وركع، فإن لم يذكر حتى أتمه ركع لكل أسبوع ركعتين للاختلاف فيه.
قال: وغن طاف في غير إبان صلاة آخر الركعتين وإن خرج إلى الحل ركعهما ويجزئانه ما لم ينتقض وضوؤه، فإن انتقض وضوؤه، وكان الطواف الواجب ابتدأه؛ لأن الركعتين من الطواف توصلان به إلا أن يتباعد فليركهما ويهدي.
تأخير ركعتي الطواف حتى خروج وقت النهي
أبو محمد: يريد: وقد سعى.
قال مالك: وإن دخل مكة حاجا أو معتمرا فطاف وسعى ونسي ركعتي الطواف وقضى جميع حجته أو عمرته، ثم ذكر ذلك بمكة أو قريبا منها رجع فطاف وركع وسعى، ولا هدي على المعتمر إلا أن يكون حلق أو لبس الثياب وتطيب فليفتد، وأما الحاج فإن كانتا من طواف السعي فعليه الهدي، وإن كانتا من طواف الإفاضة، أو من طواف السعي الذي يؤخره المراهق والمكي حتى يرجع من عرفة فلا هدي عليه؛ لأنهما من طواف بعد وقوف عرفة.
من نسي ركعتي الطواف ثم ذكرهما بمكة أو قريبا منها
قال ابن المواز: وكذلك تارك الركعتين من كل طواف بعد وقوف عرفة فلا دم عليه ما لم يبلغ بلده، وهذا كله إذا لم يطأ، فإن وطئ في أي طواف كان مما فيه الركعتان فلابد له من العمرة بعد أن يطوف ويركع ويسعى، وذلك ما لم يبلغ بلده، أو يبعد جدا، فإذا بلغ بلده أو بعد ركعهما وأهدى وطئ أو لم يطأ.
من نسي ركعتي الطواف فذكرهما بعد أن بلغ بلده أو تباعد من مكة (182/ أ).
ومن المدونة: قال مالك: وإذا ذكرهما بعد أن بلغ بلده أو تباعد من مكة فلا يبالي من أي طواف كانتا، من طواف عمرة، أو حجة، قبل وقوف عرفة، أو بعده
الجزء: 4 - الصفحة: 511
فليركعهما حيث هو ويهدي، ومحل هدية مكة، وطيء أو لم يطأ.
ومن كتاب ابن المواز: ومن ركع الركعتين بثوب نجس أعادهما فقط إن كان قريبا ولم ينتقض وضوؤه، فإن انتقض وضوؤه، أو طال فلا شيء عليه، كزوال الوقت، وقال أصبغ: سلامة من الركعتين كزوال الوقت، وحسن أن يعيدهما بالقرب.
من صلى ركعتي الطواف في ثوب نجس.
ابن القاسم: عن مالك: وإن أخر الركعتين بعد العصر فليصلهما بعد أن يصلي المغرب، فإن ركعهما قبل المغرب وبعد الغروب أجزأتاه، وبعد المغرب أحب إلينا.
قال مالك: وإن نسي الركعتين حتى سعى فليركعهما ويعيد السعي، وقبل: يأتنف الطواف ويركع ويسعى.
ابن حبيب: ومن نسي الركعتين: فإن لم ينتقض وضوؤه ركعهما ولم يعد الطواف، وإن انتقض وضوؤه ابتدأ الطواف إن كان واجبا، وهو مخير في التطوع.
م: قيل لأبي بكر بن عبد الرحمن: فإن ذكر أنه ترك الركعتين بالقرب فوجب عليه أن يطوف ويركع ويسعى هل يكون إذا قتل صيدا كمن لم يطف ويسعى، ويكون عليه جزاؤه أم لا؛ لأنه لو بلغ بلده لم يكن عليه الرجوع؟ قال: لا جزاء عليه؛ لأنه ليس بمحرم؛ ولأنه طاف وسعى؛ وإنما أمرنا بإعادة ذلك استحسانا.
الجزء: 4 - الصفحة: 512
قيل له: فإن كانتا من طواف عمرته فذكر في الموضع الذي يؤمر فيه بإعاة الطواف والسعي ثم أحرم، قال: يكون قارنا.
قال بعض أصحابنا: وهذا منه تناقض.
وقال غيره: لا يكون قارنا، والحج الذي عقده يقوم له مقام الطواف، وأما الجزاء فيؤمر به استحسانا؛ لأن أصل الإعادة ليس بواجب، وهذا الصواب.
قال ابن حبيب عن مالك: وإذا ترك ركعتي طواف الوداع حتى بلغ بلده أو تباعد فإنه يركعهما، ولا هدي عليه في ذلك.
من ترك ركعتي طواف الوداع
وإذا فرغ من طوافه عند الفجر بدأ بركعتي الطواف قبل ركعتي الفجر، ولو لم يبق عليه إلا شوط أو شوطان فأقيمت الصلاة فأراد أن يتم بقية طوافه إلى أن تعتدل الصفوف فلا أرى به بأسا.
قيل: فإن أراد أن يركعهما والصلاة تقام؟ قال: عسى هذا أن يكون بمكة خفيفا.
قلت له: وركعتا الفجر مثله؟ قال: نعم.
الجزء: 4 - الصفحة: 513
الباب السادس عشر
جامع ما جاء في الخروج إلى الصفا والمروة والسعي بينهما
قال الله تعالى: (إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ فَمَنْ حَجَّ الْبَيْتَ أَوِ اعْتَمَرَ فَلا جُنَاحَ عَلَيْهِ أَنْ يَطَّوَّفَ بِهِمَا)، وبين الرسول (صلى الله عليه وسلم) بفعله أنها سبعة أشواط، وبدأ في سعيه بالصفا وختم بالمروة، وسعى وخب في بطن المسيل.
ومن المدونة: قال ابن القاسم: فإذا فرغ من طوافه خرج إلى الصفا والمروة، ولم يحد مالك من أي باب يخرج.
من شروط صحة السعي البدء من الصفا.
قال مالك: وأحب أني صعد من الصفا والمروة أعلاهما حيث يرى الكعبة منهما فيكبر ويهلل ويدعوا، قال: "ولا يعجبني أن يدعوا قاعدا عليهما إلا من علة، ويقف النساء أيضا إلا من بها ضعف أو علة، ويقفن في أسفل الصفا والمروة، وليس عليهن أن يصعدن إلا أن يخلوا من الزحام فيصعدن، وذلك أفضل لهن، ولم يحد مالك في الدعاء على الصفا والمروة حدا، ولا طول القيام مكثا، واستحب المكث عليهما في الدعاء، وإن رفع يديه عليهما، أو في وقوف عرفة فرفعا خفيفا، وترك الرفع في كل
الجزء: 4 - الصفحة: 514
شيء أحب إلى مالك إلا في ابتداء الصلاة فإنه يرفع، ولا يرفع يديه في المقامين عند الجمرتين.
ويبتدي في سعيه بالصفا ويختم بالمروة، فيكون الوقوف عليهما أربعة على الصفا، وأربعة على المروة.
إن بدأ من المروة لم يعتد بذلك الشوط.
قال: فإن بدأ بالمروة زاد شوطا ليصير بادئا بالصفا.
قال ابن حبيب: إذا خرجت إلى الصفا فارتقيت عليه حيث ترى البيت وأنت قائم فارفع يديك حذو منكبيك، وبطونهما على الأرض، ثم تقول: الله أكبر، الله أكبر، الله أكبر كبيرا، والحمد لله كثيرا، ثم تقول: لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك، وله الحمد وهو على كل شيء قدير، ثم تدعو بما استطعت، ثم ترجع فتكبر ثلاثا وتهلل مرة كما ذكرنا، ثم تدعوا، ثم تعيد التكبير والتهليل، ثم تدعو، تفعل ذلك سبع مرات، فتكون إحدى وعشرين تكبيرة، وسبع تهليلات، والدعاء بين ذلك، ولا تدع الصلاة على النبي (صلى الله عليه وسلم) وهذا كله مروي، وليس بلازم، ومن شاء زاد أو نقص أو دعا
الجزء: 4 - الصفحة: 515
بما أمكنه.
قال أبو محمد: ووري ذلك عن ابن عمر وغيره.
قال ابن حبيب: ثم تفعل على المروة كما فعلت على الصفا، هكذا تفعل في كل وقفة حتى تتم سبعة أشواط بين الصفا والمروة، فتصير بذلك أربع وقفات على الصفا، وأربعا على المروة.
قال بعض البغداديين: فإذا وقف على الصفا وكبر وهلل ودعا انحدر ماشيا وسعى في بطن المسيل، ثم يصعد المروة، فإذا ظهر عليها فعل مثل ذلك حتى يكمل سبعة أشواط، وذلك يمان وقفات: أربع على الصفا، وأربع على المروة، قال: وكذلك فعل النبي (صلى الله عليه وسلم) على الصفة التي ذكرنا.
قال: والسعي ركن لا ينوب عنه الدم، خلافا لأبي حنيفة.
في أنه واجب، وينوب عنه الدم.
السعي ركن من أركان الحج.
ودليلنا: أنه (صلى الله عليه وسلم) سعى، وقال: "اسعوا فإن الله كتب عليكم السعي".
الجزء: 4 - الصفحة: 516
وهذا من أبلغ ما يدل على فرضه؛ ولأنه مشي ذو عدد سبع كالطواف.
ومن المدونة: قال: قال: ومن رمل في جميع سعيه بين الصفا والمروة أجزأه، وقد أساء.
قال مالك: وإن لم يرمل في بطن المسيل فلا شيء عليه.
قال ابن المواز: ولا رمل على النساء في بطن المسيل، ولا في الطواف.
المرأة لا ترمل في طواف ولا سعي
السعي بين الصفا والمروة ليس من شرط صحته الطهارة لا يسعى راكبا إلا من عذر
قال مالك: وإن سعى جُنبا أجزأه إن كان طوافه وركوعه طاهرا.
قال في المستخرجة: وتسعى المرأة حائضا إذا كانت في وقت الطواف والصلاة طاهرا.
ومن المدونة: قال مالك: ولا يسعى أحد بين الصفا والمروة راكبا إلا من عذر، ونهى عن ذلك أشد النهي.
قال عنه ابن المواز: وإن ركب في سعيه من غير عذر أعاد سعيه إن كان قريبا، وإن بعد ذلك وطال أجزأه وأهدى.
ومن المدونة: قال مالك: وإن جلس بين ظهراني سعيه شيئا خفيفا فلا شيء عليه.
قال ابن القاسم: وإن تطاول ذلك حتى صار كالتارك لما كان فيه فليبتدي.
الجزء: 4 - الصفحة: 517
قال أبو محمد: يريد: يبتدئ الطواف والسعي.
قال ابن القاسم وكذلك أن تحدث مع أحد، أو باع أو اشترى، أو صلى على جنازة بنى فيما خلف من ذلك ولم يتطاول، وأجزأه، بخلاف الطائف.
قال ابن حبيب: وعن كثر ذلك ابتدأ سعيه ولا يبني.
وظاهر قول ابن حبيب: أنه يبتدئ السعي فقط، وعلى ما ذكر أبو محمد: يبتدئ الطواف والسعي.
قال مالك في العتبية، وكتاب محمد: وإن أقيمت عليه الصلاة في السعي فليتمادا إلا أن يضر بوقت تلك الصلاة فليصل، ثم يبني على ما مضى له.
ومن المدونة: قال مالك: وإن أصابه حقن في سعيه توضأ وبنى، ولا يستأنف.
م: بخلاف الطواف.
قال مالك: ومن ترك السعي بين الصفا والمروة، أو شوطا منه في حجة أو عمرة صحيحة أو فاسدة فليرجع لذلك من بلده.
م: يريد: أنه لم يفعله مشيا ولا سعيا، فهذا يرجع إليه من بلده، بخلاف تارك الرمل.
الجزء: 4 - الصفحة: 518
الباب السابع عشر
جامع ما جاء في المقام وفي معالم الحرم
قال مالك: كان المقام في عهد إبراهيم عليه السلام في مكانه اليوم، وكانت الجاهلية ألصقوه إلى البيت خيفة السيل، فكان كذلك على عهد النبي (صلى الله عليه وسلم) وعهد أبي بكر، فلما ولي عمر وحج أخرج خيوطا كانت في خزائن الكعبة قاسوا بها في الجاهلية مابين موضعه وبين البيت إذ قدموه فقاسه عمر وأخرجه إلى الموضع الذي هو فيه اليوم.
قال مالك: وعمر الذي نصب معالم الحرم بعد أن بحث عن ذلك، وبلغني أن الله تعالى أوحى إلى الجبال فتنحت حتى أرى الله إبراهيم مواضع المناسك، فهو قوله: (وَأَرِنَا مَنَاسِكَنَا).
قال ابن حبيب عن ابن عباس لما فرغ إبراهيم وإسماعيل عليهما السلام من بنيان الكعبة أمره الله تعالى أن يؤذن في الناس بالحج فقام على المقام فتطأطأ له كل
الجزء: 4 - الصفحة: 519
شيء حتى لم يبق له شيء إلا أبصره، ثم نادى بصوته أسمع مابين المشرق والمغرب عباد الله: أجيبوا الله إلى بيته فإن لله بيتا أمركم أن تحجوه، فأجابه من قضى الله له بالحج إلى يوم القيامة وهم في أصلاب آبائهم بلبيك اللهم لبيك، فمن هنالك كانت التلبية في الحج، وأجابه كل من سمعه من حجر أو شجر أو مدر أو تراب: بلبيك اللهم لبيك.
قال ابن حبيب: فبلغني أنه من أجابه يومئذ بلبيك مرة فهو ممن قضى الله له بالحج مرة، ومن أجابه مرتين قضى له بالحج مرتين، وإن ثلاث فثلاث، ومن لم يجبه فهو ممن لم يقض له بالحج.
تم الأول من الحج، والحمد لله تعالى.
الجزء: 4 - الصفحة: 520