كتاب الجعل والإجارة
[الباب الأول]
الأصل في جواز الإجارة وما يحل ويحرم منها واجتماعها مع البيع في صفقة
] فصل: 1 - الدليل على جواز الإجارة وشروطها [
قال الله تبارك وتعالى: ﴿قَالَتْ إِحْدَاهُمَا يَا أَبَتِ اسْتَاجِرْهُ إِنَّ خَيْرَ مَنِ اسْتَاجَرْتَ الْقَوِيُّ الأَمِينُ.
قَالَ إِنِّي أُرِيدُ أَنْ أُنكِحَكَ إِحْدَى ابْنَتَيَّ هَاتَيْنِ عَلَى أَنْ تَاجُرَنِي ثَمَانِيَ حِجَجٍ فَإِنْ أَتْمَمْتَ عَشْرًا فَمِنْ عِنْدِكَ وَمَا أُرِيدُ أَنْ أَشُقَّ عَلَيْكَ سَتَجِدُنِي إِنْ شَاءَ اللَّهُ مِنَ الصَّالِحِينَ﴾ [القصص: 26، 27] فذكر تأجيل الإجارة وسمى عوضها.
الجزء: 15 - الصفحة: 356
وقال تعالى: ﴿فَإِنْ أَرْضَعْنَ لَكُمْ فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ﴾ [الطلاق:6]، وقال النبي صلى الله عليه وسلم: «من استأجر أجيراً فليعلمه أجره» / وقال في حديث آخر: «فليؤاجره بأجر معلوم إلى أجل معلوم»، وقال ابن المنذر: والإجماع على جواز الإجارة، وقال غيره: وقد شذت طائفة منهم الأصم وغيره إلى منع جواز الإجارة؛ لأنها بيع منافع لا يتوصل إلى قبضها جميعها في الحال كما كان ذلك في قبض الأعيان فكان جوازها ذا غرراً.
الجزء: 15 - الصفحة: 357
م وهذا خلاف الكتاب والسنة وإجماع الأمة، فلا يعد مثل ذلك خلافاً، مع أن الأصم مبتدع في الأصول فلا ينبغي أن يعد خلافه خلافاً، ولا بأس بالإجارة في الأعمال إذا سمى الثمن، ووصف العمل، وضرب الأجل.
وهي كالبيع فيما يحل ويحرم؛ لأنها بيع منافع فهي كبيع الأعيان.
] فصل: 2 - اجتماع البيع والإجارة في صفقة واحدة [
ومن المدونة قال مالك: ولا بأس باجتماعها مع البيع في عقد واحد؛ لأنهما كنوع واحد.
] المسألة الأولى: من باع من رجل سلعة على أن يتجر له بثمنها سنة [
قال مالك في من باع من رجل سلعة بثمن على أن يتجر له بثمنها سنة: فإن شرط في العقد إن تلف المال أخلفه له البائع حتى يتم عمله بها سنة جاز ذلك، وإلا لم يجز، فإن شرط ذلك فضاعت الدنانير فللبائع أن يخلفها حتى تتم السنة، فإن أبى قيل للأجير اذهب بسلام.
الجزء: 15 - الصفحة: 358
[المسألة الثانية: استئجار الأجير ليستعمل بهذه المئة سنة]
وكذلك لو استأجرت أجيراً يعمل لك بهذه المئة دينار سنة جاز ذلك إذا شرطت عليه إن ضاعت أخلفتها له، فإن ضاعت كان لك أن تخلفها، أو تدع وقد لزمتك الإجارة، وإن لم تشترط ذلك في أصل الإجارة لم يجز.
] المسألة الثالثة: استئجار الراعي لرعاية غنم بأعيانها [
قال مالك: وكذلك إن واجره يرعى له غنماً بأعيانها سنة، فإن شرط عليه في العقد أن ما هلك منها أو باعه أو ضاع أخلفه جاز ذلك، وإلا لم يجز، فإن شرط ذلك فضاع منها شيء قيل للأجير أوف الإجارة، وخير رب الغنم في خلف ما ضاع منها أو تركه.
] المسألة الرابعة: استئجار الأجير لرعاية غنم غير معينة [
قال ابن القاسم: ولو واجر على رعاية مئة شاة غير معينة جاز وإن لم يشترط خلف ما مات منها، وله خلف ما مات بالقضاء، وإن كانت معينة فلا بد من الشرط فيها، وليس له أن يزيد فيها.
قال سحنون: يجوز في المعينة من غنم، أو دنانير، وإن لم يشترط / خلف ما هلك، والحكم يوجب عليه خلف ما هلك.
الجزء: 15 - الصفحة: 359
ابن حبيب: وقاله ابن الماجشون، وأصبغ، وبه أقول.
م: وهو عندي أصوب والله أعلم؛ لأن الأشياء المستأجر عليها لا تتعين، ولو استأجره على حمل متاع أو طعام ما احتاج إلى اشتراط خلفه إن هلك، والحكم يوجب خلفه وكذلك في المدونة، وكتاب محمد.
وقال بعض أصحابنا: وإنما يتم بيع السلعة على أن يتجر له بثمنها سنة إذا أحضر المشتري الثمن لينتقل من ذمته إلى أمانته فتصح الإجارة به.
م: وحكاه اللبيدي عن ابن القابسي، فإن لم يحضر فسدت الإجارة خاصة، ودخله سلف جر منفعة؛ لأنه دين في الذمة شرط عليه ربه أن يتجر له به فلم يجز إلا بإحضاره لينقله من ذمته إلى أمانته خوفاً أن يكون إنما اغتزى أن يؤخره به، ويزيده فيه.
أصله الدين يكون لرجل على آخر فيقول له: أعمل لي به قراضاً، فعند ابن القاسم لا يجوز والربح للعامل، وخفف ذلك أشهب، فعلى قول ابن القاسم إن نزل في مسألة الإجارة بالثمن ولم يحضره، وعمل على ذلك كان الربح والخسارة للأجير وعليه ويرتجع البائع مع ثمن سلعته مقدار قيمة الإجارة تقوَّم إجارته بالثمن سنة، فإن
الجزء: 15 - الصفحة: 360
كان الثمن مئة وسوت الإجارة خمسين فالإجارة من الجميع الثلث فيرجع البائع بثلث قيمة سلعته، وإن كانت قائمة لضرر الشركة فيها، وعلى قول أشهب ويحي بن عمر يرجع فيها بعينها إن كانت قائمة، وإن فاتت فبثلث قيمتها.
قال بعض أصحابنا: ولو أحضر المشتري الثمن لم يجز أيضاً حتى يسمي في أي أنواع التجارات يتجر له به، ولا يلزمه أن يتجر له في ربحه، ولو شرط عليه أن يتجر له في ربحه لم يجز؛ لأنه مجهول بخلاف الراعي يشترط عليه رعاية ما تلد الغنم هذا جائز؛ لأن ما تلد الغنم معروف، وربح المال مجهول.
م: فإن نزل وتجر له بالربح والثمن فربح أو خسر فذلك للبائع / أو عليه، ويكون للمشتري إجارة مثله فيما عمل، ويرد السلعة إن كانت قائمة، وإن فاتت لزمته قيمتها؛ لأنه بيع وإجارة فاسدة في صفقة ففسد.
قال: وإذا أحضر المشتري الثمن وصحت الإجارة به فعمل به سنة فانقضت السنة والثمن في عروض فلا يلزمه بيعها بخلاف المقارض؛ لأن القراض لا يجوز فيه الأجل، وإنما أجله بيع تلك العروض، والإجارة لا تجوز إلا بأجل فإذا انقضى لم يلزمه عمل.
قال: ولو أتجر بالمال نصف سنة ثم مات فإنه تقوَّم إجارته بالثمن نصف السنة الباقية، ويرجع البائع بقيمة ذلك ثمناً أو بمقداره في عينها إن كانت
الجزء: 15 - الصفحة: 361
قائمة على قول أشهب ويحي كما وصفنا.
م: يعني فإن كانت إجارته في جميع شهور السنة سواء قيل: كم إجارته في السنة؟ فإن قيل: خمسون فكأنه باعه السلعة بمئة دينار وبخمسين من قبل الإجارة، وذلك ثلث الثمن فيقع لها ثلث السلعة فلما عمل على نصف الإجارة، ومات انفسخ بذلك نصف ثلث الصفقة وهو سدسها فيرجع بسدس قيمة الثوب ثمناً؛ لضرر الشركة، أو بمقداره في عينها على قول من لا يراعي ضرر الشركة، فإن كانت فاتت فمقدار ذلك ثمناً باتفاق.
قال: ولو استحقت السلعة المشتراه وقد تجر المشتري بالثمن نصف السنة كان له أجر المثل فيما عمل، ويرجع على البائع بثمنه، والربح والخسارة في الثمن للبائع وعليه.
قال: ولو تجر المشتري في نصف سنة ثم أطلع على عيب في السلعة المشتراة وقد فاتت فقيمة العيب قد وجبت له، فإن كانت قيمة العيب الربع رجع مشتري السلعة على البائع بربع الثمن، فإن كانت مئة رجع عليه بربعها خمسة وعشرين ويرجع عليه أيضاً بربع قيمة إجارته في الستة الأشهر الماضية، ويتجر له في الستة الأشهر الباقية بخمسة / وسبعين ديناراً؛ لأنه يحط عنه ربع ما استؤجر له.
قال: ولو أطلع على العيب قبل أن يتجر في شيء.
وقد فاتت السلعة وكان العيب
الجزء: 15 - الصفحة: 362
ينقصها الربع كما ذكرنا فإنه يرجع عليه بخمسة وعشرين ويتجر له بخمسة وسبعين ديناراً؛ لأنه يحط عنه ربع ما استؤجر له.
قال: وأكثر هذه الوجوه حفظتها عن القرويين.
م: وقوله إذا وجد عيباً ينقصها الربع رجع المشتري على البائع بربع المئة ورجع بربع قيمة إجارته في الستة الأشهر الماضية، ويتجر له في الستة الأشهر الباقية بخمسة وسبعين فيه تناقض، والقياس أن يكون على قوله يرجع بربع قيمة إجارته في الستة الأشهر الماضية، وأن يسقط عنه ربع الستة الأشهر الباقية يعمل لنفسه يوماً وللبائع ثلاثة أيام، أو يكون إنما يرجع في الستة الشهور الماضية بقيمة إجارته في خمسة وعشرين ربع المئة؛ لأنه على ما أصل ولو أطلع على العيب قبل العمل لم يعمل له إلا بخمسة وسبعين وهو قد عمل له نصف السنة بمئة فوجب أن يرجع بقيمة إجارته في الخمسة والعشرين، ويتجر له في الستة الأشهر الباقية بخمسة وسبعين.
م: والأول هو الحق، والجاري على أصولهم.
وكذلك لو أطلع على العيب قبل أن يتجر له في شيء وقد فاتت السلعة، وكان العيب ينقصها الربع.
فإنه يرجع عليه بربع المئة خمسة وعشرين، ويسقط عنه عمله في ربع السنة لا عمله في خمسة وعشرين كما ذكرنا إذ قد يكون عمله بالخمسة وسبعين وعمله بالمئة كلها مؤنتها سواء فاسقاط ربع المدة التي استؤجر فيها
الجزء: 15 - الصفحة: 363
أولى؛ لأن عمله هو بعض ثمن السلعة فيجب أن يرجع فيه كما لو اكترى داراً بعبد سنة فأعتق العبد ثم اطلع على عيب به ينقصه / الربع فإنه يكون له ربع السكنى وللمكتري ثلاثة أرباعها هذا هو القياس.
م: قال بعض فقهاء القرويين: ولو كان قيمة تجرة بثمن السلعة مئتين فمات قبل أن يعمل لرد المئة، وأخذ سلعته إن كانت لم تفت؛ لأن جل ما اشترى وهو التجر قد ذهب والمئة قائمة فوجب ردها ويأخذ سلعته.
قال: ولو تجر قليلاً ثم مات لغرم أيضاً قيمة ذلك ورد المئة؛ لأن الجل قد ذهب له من المبيع وسلعته قائمة فعليه رد قيمة الأقل الذي فات.
كمن اشترى عبداً بثوبين ففات الأدنى ووجد بالأرفع عيباً أنه يرده وقيمة الأدنى ويأخذ عبده إن لم يفت.
قال: ولو باع منه ثوبين بمئة على أن يتجر له بثمنها سنة فاستحق أحد الثوبين وهما متكافئان، أو كان المستحق هو الأدنى لم ينقض البيع، ووجب على المشتري أن يتجر في ثمن الباقي سنة؛ لأنه قد سلم له نصف ما اشترى أو أكثر من نصفه، وكذلك لو وجد بأحدهما عيباً فرده.
م: ويدخل هذا مثل ما قدمنا في المسألة الأولى من أنه يسقط عنه حصة ذلك من السنة وبالله التوفيق ...
الجزء: 15 - الصفحة: 364
[فصل: 3 - يشترط في الإجارة كون المنفعة معلومة]
[المسألة الأولى: من باع نصف سلعة من رجل على أن يبيع له نصفها]
ومن المدونة قال مالك: ومن باع من رجل نصف ثوب أو نصف دابة أو غيرها على أن يبيع له النصف الآخر بالبلد جاز إن ضرب لبيع ذلك أجلاً ما خلا الطعام فإنه لا يجوز.
قال سحنون في غير المدونة: لأنه قبض إجارته وهي طعام لا يعرف بعينه وقد يبيع في نصف الأجل فيرد حصة ذلك فتصير إجارة وسلفًا.
يريد وكذلك كل ما لا يعرف بعينه.
وأجاز ذلك في كتاب محمد، واختار محمد ألا يجوز ذلك في ثوب ولا غيره؛ ورآه نقدًا في الإجارة بشرط مع إمكان بيعه في نصف الأجل، فلا يدري بماذا يرجع بجزء من ثوب أو قيمة، وفيما لا يعرف بعينه بيع وسلف.
ومن المدونة قال مالك: فإن باع في نصف الأجل فله نصف الإجارة، وإن تم الأجل ولم يقدر على بيع ذلك فله الأجر كاملاً.
الجزء: 15 - الصفحة: 365
قال: وإن باع منه نصف هذه السلعة على أن يبيع له النصف الباقي ببلد آخر لم يجز.
قال ابن المواز: وكذلك كل ما لا ينقسم؛ لأنه لا يقدر المبتاع أن يحدث فيما ابتاع حدثًا، ولو كان مما ينقسم وكان على أن يأخذ نصفه متى شاء لجاز إذا ضرب أجلاً لبيع ذلك.
م: لا يجوز وإن ضرب أجلاً؛ لأن ما يدخل فيه المكيل والموزون وكل ما لا يعرف بعينه فيصير إذا قبض نصفه وباع النصف الأخر في نصف الاجل يرد حصته فيدخله إجارة وسلف كما قال سحنون.
قال ابن المواز: وإن لم يضرب لبيعه أجلاً لم يجز شرط بيعه في البلد أو في غيره.
قال: ولو شرط فيما ينقسم من طعام أو غيره أن يؤخر قسمته إلى البلد أو على بيعه هاهنا مجتمعًا لم يجز، وإنما يجوز على أن يصنع بنصيبه ما شاء ويضرب لبيع الباقي أجلاً.
وقال ابن المواز: ولا يعجبني هذا كله.
ومن المدونة قال ابن القاسم: وإن كان على أن يبيع بالبلد ولم يضرب أجلاً لم يجز أيضًا.
قال ابن وهب: وقاله ابن أبي سلمة.
قال ابن القاسم: وإنما لم يجز مالك هذا البيع إذا كان في البلد، ولم يضرب فيه أجلاً؛ لأنه كره اجتماع بيع وجعل في صفقة أو إجارة وجُعل معًا، وهذه السلع إن كانت يسيرة كالدابة أو الثوب والثوبين دخله جعل وبيع، وإن كانت سلعًا كثيرة لم يصلح فيها الجعل عند مالك،
الجزء: 15 - الصفحة: 366
وصلحت فيها الإجارة والجعل معًا فاجتمع في هذه الصفقة بيع وإجارة غير مؤجلة، وإن لم يضرب للإجارة أجلاً لم يجز وكانت فاسدة، وإذا اجتمع بيع وإجارة في صفقة فكان أحدهما فاسدًا فسد الجميع، وقد ذكر بعض الرواة عن مالك في هذا الأصل أنه إذا باعه نصف هذا الثوب على أن يبيع له النصف الآخر أنه لا خير فيه م: يريد وإن كان بالبلد قيل لمالك: فإن ضرب للبيع أجلاً.
قال: لم يجز فذلك أحرم.
به أخذ ابن المواز، وقال: لا يعجبني قول ابن القاسم؛ لأنه نقد في الإجارة شيء بعينه فقد انتقد نصف السلعة التي قبضها فلا خير فيه.
م: إذ قد يبيع في نصف الأجل فيرجع عليه فيما ابتاع إما بحصة ما بقى من الأجل ثمنًا لضرر الشركة أو فيه بعينه على قول من لا يراعي ضرر الشركة فلا يدري ما يصح له مما ابتاع وإلا ما ثمنه.
م: ووجه قول ابن القاسم أنه إنما باعه نصف الثوب على أن يبيع له النصف الباقي شهرًا فكأنهما دخلا على أمر تام لا إنتقاض فيه، فإن باعها قبل تمام الشهر فهو كأمر طرأ كطريان الاستحقاق وذلك لا حكم له.
م: ويجب إن صحت هذه العلة في الجواز أن يجوز هذا في الطعام وما لا يعرف بعينه، والفرق بين ذلك ضعيف والصواب ألا يجوز في الجميع.
وقال بعض فقهاء القرويين: لعل ابن القاسم أراد أن مشتري الثوب لما سلمت له جل صفقته فلا سبيل إلى نقض البيع ليسارة الإجارة في ثمن المشتري فجاز النقد كما
الجزء: 15 - الصفحة: 367
يقول في من اشترى جارية بجاريتين فخرجت المنفردة من الإستبراء وخرجت الأرفع من إحدى الجاريتين أنهما يتقابضان؛ لأن ظهور الحمل بالأدنى أو موتها لا ينقض البيع بينهما لسلامة جل الصفقة فيسهل في انتقاد ثمنها مع إمكان رجوعه إن ظهر جمل فكذلك هذا، وهذه العلة توجب إجازة نقد الطعام وما لا يعرف بعينه على ما ذكر في كتاب محمد.
وأما الفرق بينهما على هذه العلة فلا وجه له.
قال ابن المواز: إلا أن يكون آجره شهرًا إجارة ثابتة باع أو لم يبع، فإن باع قبل الشهر باع له مثلها أو أجره في مثل ذلك وإلا لم يجز.
ابن المواز قال ابن القاسم: وإذا باعه نصف ثوب بعشرة على أن يبيع له النصف الآخر شهرًا فباعه في نصف شهر فإنه ينظركم قيمة بيعه شهرًا؟ فيقال درهمان فكأنه باعه نصف الثوب بعشرة دراهم وبدرهمين من قبل الإجارة، وهي سدس الثمن فوقع لها سدس الصفقة، فلما باع في نصف الأجر انفسخ نصف الإجارة في بقية الرجل، وانفسخ بذلك نصف سدس الصفقة فيرجع بنصف سدسها وهو ربع سدس قيمة الثوب كله يرجع به ثمنًا.
م يريد لضرر الشركة فيه قال ابن المواز: إلا أن يكون ما يوزن أو يكال فيرجع فيه بعينه.
الجزء: 15 - الصفحة: 368
قال ابن المواز: وهذا أيضًا لا يصلح فيه البيع؛ لأنه إن باع فتارة يرجع بالثمن، وتارة يرجع بغيره.
م: يريد محمد أنه إذا وقع هذا البيع فيما يكال أو يوزن، وقبض حصة الإجارة فهو إن باع في تمام الأجل كان ثمن ذلك الإجارة، وإن باع في نصف الأجل رد حصة بقية الأجل فيعد ذلك سلفًا فيدخله تارة ثمنًا وتارة سلفًا نحو ما ذكر سحنون في أول المسألة.
وقال يحي بن عمر: إن كانت السلعة قائمة كان فيها شريكًا وإن كانت مما لا ينقسم يعني يحي بقوله قائمة يعني نصف الثوب الذي ابتاعه الأجير أولاً بقى بيده؛ لأن نصف رب الثوب قد بيع في نصف الأجل، ولا يدخله عنده ضرر الشركة؛ لأن فيه شركة بين الأجير وبين المبتاع.
وروى ابن المواز أن ذلك يدخله لتزيد الشركة فيه؛ لأنه إذا دخل فيه البائع صار الثوب بين ثلاثة بين ربه والأجير والمبتاع، ولفظ هذا التفسير الذي ذكرنا أنه من كتاب ابن المواز هو لأبي محمد بن أبي زيد، وهو معنى ما في كتاب ابن المواز.
ومن كتاب ابن المواز وقال في من واجر من يبيع له متاعًا شهرًا فباعه قبل الشهر فليأته بمتاع آخر يبيعه له إلى تمام الشهر.
قال ابن المواز: وهذا إذ لم يكن متاعًا بعينه، وكذلك القمح وغيره، وهذا يجوز فيه النقد.
وأما الذي بعينه فلا ينقد فيه.
وإن باع في نصف الأجل فله بحسابه.
الجزء: 15 - الصفحة: 369
[المسألة الثانية: إذا استأجر أجيرًا شهرًا على أن يبيع كل ما يجينه به]
ومن العتبية قال ابن القاسم: ولو واجره شهرًا بعشرة دنانير على أن يبيع له كل يوم ما جاءه به، وإن لم يجئه بشيء فله العشرة فلا خير فيه.
ولو كان شيئًا ثابتًا إن جاءه بشيء باعه وإلا كان له أن يواجره في مثله كان جائزًا.
ولو واجره بدنانير على أن يذهب إلى إفريقيه يبيع له هذه الدابة أو ثياب أو رقيقة فإن كان على أنه إن هلكت الدابة أو ذهب الثوب انفسخ ذلك فلا خير فيه.
وإن كان إن هلك ذلك كان له أن يسيره في مثله ويأتيه في الدابة بأخرى، وكان إلى أجل معلوم فذلك جائز.
الجزء: 15 - الصفحة: 370
[الباب الثاني]
ما يحل ويحرم في الجعل والإجارة على بيع السلف أو شرائها وذكر
ضمان الأجير وفي الإجارة على خيار.
والجعل والبيع
[فصل: 1 - الأصل في جواز الجعل والفرق بينه وبين الإجارة]
قال الله سبحانه: ﴿وَلِمَنْ جَاءَ بِهِ حِمْلُ بَعِيرٍ وَأَنَا بِهِ زَعِيمٌ﴾ [يوسف:72] فهذا من الجعل لم يؤقْت فيه أجلاً، وجعل له جعله إذا أتى بالصواع، فدل أنه إن طلبه ولم يأت به أن لا شيء له، فالجعل خارج عن معاني الإجاره لوجوه منها:
-أنه لا أجل فيه، وأنه يدع العمل متى شاء ولا شيء له فيما تقدم من سعيه حتى يتم بيع الثوب أو يجئ بالعبد الآبق ونحوه، ولو كان فيه أجل لم يكن له ترك ما دخل فيه إلى أجله ثم قد يأتي الأجل ولم يبع ولم يجد الآبق فلا يكون له شيء فلم يجز أن يلزمه التمادي إلى غاية معلومة بغير أجر فلذلك رفعنا فيه الأجل.
قال عبد الوهاب: قال أبو حنيفة: لا يجوز الجعل إلا بأجل، لأنه نوع من الإجارات فيجب أن يحل محلها ويجري مجراها، وقد نهى عليه الصلاة والسلام عن الغرر.
فترك ضرب الأجل فيه غرر.
الجزء: 15 - الصفحة: 371
قال عبد الوهاب: والأصل في جوازه قوله تعالى: ﴿وَلِمَنْ جَاءَ بِهِ حِمْلُ بَعِيرٍ﴾ ولم يقدر له مدة، وقد كان الجعل في الجاهلية فأقره النبي عليه الصلاة والسلام في الإسلام وجرى به عمل المسلمين في سائر الأمصار وأجيز للضرورة كجواز القراض والمساقاة، فإن قيل فيجب ألا يفرق بين جوازه في القليل والكثير، قيل: قد فرقت الشريعة بين القليل والكثير في مواضع، منها العرية، وجواز يسير الغرر في البيوع، وكما كانت البيوع أصنافًا مختلفة، فكذلك الإجارات.
م ولأن الجعل من شرطة: إن لم يعمل ما جعل له فيه لم يكن له شيء، فلو ضرب له أجلاً أمكن ألا يتم عمل ما جعل له فيه من بيع ثوب أو عبد آبق فيذهب عمله باطلاً، فالدخول على مثل هذا غرر لا يجوز.
[فصل: 2 - الجعل من حيث اللزوم والجواز]
ومن المدونة، قال مالك: الإجارة تلزم بالعقد ولا تجوز إلا بأجل، وليس لأحدهما الترك حتى يتم الأجل، والجعل بخلاف ذلك يدعه العامل متى شاء، ولا يكون مؤجلاً.
م: والجعل لا يلزم بالعقد كالقراض.
الجزء: 15 - الصفحة: 372
قال في المستخرجة: وليس للجاعل أن يفسخ إذا شرع المجعول له.
قال الأبهري: وله ذلك قبل العمل، وفي كتاب ابن حبيب: أن الجعل يلزم الجاعل بالعقد وإن لم يعمل المجعول له، ولا يلزم المجعول له.
م: وكذا يجب على قوله في القراض.
والصواب ما قدمنا، قال مالك والجعل يدعه العامل متى شاء، ولا شيء له يريد إلا أن ينتفع الجاعل بما عمل له المجعول له، مثل أن يجعل جعلاً على حمل خشبة إلى موضع كذا فيتركها في بعض الطريق، فيستأجر ربُّها من يأتيه بها، أو يعجز عن حفر البئر بعد أن ابتدأ فيها ثم يجعل صاحبه لآخر جعلاً فيتمَّها فهذا يكون للثاني جميع إجارته التي عاقده عليها، ويكون للأول بقدر ما انتفع به الجاعل مما حط عنه من جعل الثاني أو إجارته.
وقد وقع في المستخرجة: لو كان الجعل الأول خمسة، وجعل الثاني عشرة بعد أن بلغها الأول نصف الطريق أو
الجزء: 15 - الصفحة: 373
نصف الحفر في البئر أن الأول يأخذ عشرة؛ لأنه الذي ينوب فعل الأول من إجارة الثاني؛ لأن الثاني لما استوجر نصف الطريق بعشرة علم أن قيمة إجارته يوم استوجر عشرون فسقط عن الجاعل عشرة فهي التي يغرمها للأول.
م: انظر والأول قد رضى أن يحملها جميع الطريق بخمسة فكان يجب أن يعطى نصفها؛ لأنه حملها نصف الطريق؛ ولأن المغابنة جائزة في الجعل وغيره وقد تغلو الإجارة يوم عقد الثاني فكيف يجب أن يعطي الأول على حساب حمل الثاني.
وبعد هذا شيء من هذا.
[فصل: 3 - الجعل على البيع والشراء]
ومن المدونة قال: ولا يجوز الجعل على بيع كثير السلع والدواب والرقيق كالعشرة أثواب ونحوها، ولا على ما فيه مشقة سفر من قليلها.
ابن المواز: بخلاف الجعل في طلب الآبق ذلك جائز؛ لأنه لا يدفع إليه سلعة يحملها، ولا يتكلف حفظها؛ ولأن المجعول له إن ترك العمل لم ينتفع الجاعل بما مضى من عمله وكذلك في طلب ما ند من بعير أو دابة أو حفر بئر في غير ملك الجاعل.
الجزء: 15 - الصفحة: 374
ومن المدونة قال مالك: ويجوز الجعل في بيع قليل السلع بالبلد سموا لها ثمنًا أم لا مثل الدابة والعبد والثوب والثوبين؛ إذ لا يقطعه ذلك عن شغله، فإن باع أخذ ولا شيء له إن لم يبع.
قال: ويجوز الجعل في شراء كثير الثياب بخلاف بيعها.
قال ابن المواز: يجوز عند مالك وأصحابه الجعل على الشراء فيما قل أو كثر في الحضر والسفر لا بأس أن يجعل له على مئة ثوب يشتريها له دينارًا إذا كان على أن ما يشتري له يلزمه، فأما أن يختار عليه ما يشتري فلا خير فيه.
قال مالك: ولا يضمن المال.
ابن المواز: إلا أن يعرف منه محاباة، أو يشتري غير ما أمره به.
قال مالك: والذي يشتري.
أو يبيع بجعل، ليس عليه ضمان في الثمن إن ضاع ولا في السلعة.
قال أحمد بن ميسر: ولا ما تلف بعد الشراء، وقد وجب له جعله.
قال ابن حبيب: من جعل لرجل خارج إلى بلد جعلاً في شراء ثياب على أنه إن اشتراها فله جعله وإلا فلا شيء له، فإن كان خروجه ليس لهذا المال جاز، وإن كان المال أخرجه فلا خير
الجزء: 15 - الصفحة: 375
فيه إلا بأجل مضروب، ونحوه لابن ميسر، وهو خلاف ما تقدم لابن المواز في أول المسألة.
قال ابن حبيب: لو قال: خذ ثوبي فسر به فإن بعته بكذا فلك كذا، وإن لم تبعه فلا شيء لك: لم يجز -خرج لذلك أو لحاجته، كان ثوبًا أو ثيابًا- إلا بأجل مضروب، وإجارة معلومة.
وقاله أصبغ.
م: وحكي لنا عن بعض فقهاء القرويين في الجعل على بيع كثير السلع معناه: أنه لا يأخذ شيئًا إلا أن يبيع الجميع -هكذا العرف عندهم- وأما إن كان على أنه ما باع فله قدره من الإجارة، فذلك جائز.
م: وعلى أنه إن شاء ترك بقية الثياب، ولم تسلم الثياب إليه فيجوز.
قال قوله في الجعل على شراء كثير السلع أنه يجوز يريد لأن كل ما اشترى أخذ بحسابه -هكذا العرف عندهم أيضًا- وأما إن كان لا يأخذ شيئًا إلا بشراء الجميع فلا يجوز ذلك، فالجعل على البيع والشراء لا فرق بينهما.
م: يريد إذا وقع الشرط، فإن لم يكن شرط: حمل أمرهم على العرف.
وإذا وقع الشرط أن كل ما باع أو اشترى أخذ بحسابه وله أن يترك متى شاء جاز في الجميع، وإن كان لا يأخذ فيهما إلا بعد الفراغ: لم يجز في الجميع.
ونحو هذا في كتاب ابن المواز، وهو قول مالك في من جعل له في رقيق يصيح عليهم، وله في كل رأس يبيع درهم، ولا شيء له إن لم يبع: لا يصلح ذلك إلا بإجارة مؤجلة باع أو لم يبع في يوم أو يومين أو ساعة.
ابن المواز: لأنهم قصدوا بيع الجملة بخلاف الرأس والثوب الذي لا يمنعه أن يأخذ من غيره ولا يشغله عن حوائجه، وهذا على أن يبيعها كلها كل رأس
الجزء: 15 - الصفحة: 376
على حدته، ولو قال: بع منها ما شئت لجاز، وكذلك الثياب.
وكذلك في العتبية في ذلك كله عن ابن القاسم عن مالك.
وقال سحنون: جيدة.
قال ابن المواز: الجائز في الجعل في بيع الثوب عند مالك وأصحابه أن يقول بعه بكذا ولك كذا، أو يقول بعه بما رأيت ولك كذا.
وقال ابن القاسم: الجعل على بيع السلع على ثلاثة أوجه:
[الأول] وهو أن يسمى الجعل، ويسمى الثمن الذي يبيع به.
[الثاني] أو لا يسميه ويقول: بعه بما رأيت، وإن لم تبع فلا شيء لك.
فهذان وجهان جائزان.
والثالث: أن يقول إن بعته أو لم تبعه فلك درهم فهذا لا يجوز إلا بضرب الأجل؛ لأنها إجارة، وإن قال: فإن لم تبع فلك أقل من درهم لم يجز ذلك.
ولا يجوز أن يقول: بعه بعشرة ولك ما زاد.
قيل لمالك: إنه صاحب حانوت ولا يتعب فيه، وقد أجازه بعض الناس.
قال هو يطويه وينشره فلا خير فيه.
الجزء: 15 - الصفحة: 377
قال مالك: ولا يجوز أن يقول: بعه ولا يسمي ثمنًا ولك من كل درهم كذا، ولا يقول: إن بعت بعشرة فلك درهم، وإن بعت بتسعة فلك نصف درهم.
قال ابن القاسم في العتبية: فإن قال إن بعته بعشرة فلك من كل درهم سدسه جاز، ثم إن باعه بأكثر من عشرة فليس له إلا سدس العشرة.
م: لأنه كان قال له: بعه بعشرة ولك سدسها، ولم يكن له في الزائد شيء؛ لأنه لو قال له: فما زدت على العشرة فلك بحسابه لكان الجعل فاسدًا؛ لأن ثمن غير معلوم، ولا يجوز أن يبيعه بأقل من عشرة؛ لأنه قد وقت له عشرة.
قال ابن القاسم: ولو لم يسم فقال: وما بعته به فلك من كل درهم سدسه لم يجز.
وكذلك في الواضحة.
قال: فإن باع فله جعل مثله.
قال ابن حبيب: وأما إن جعل له جعلاً في بيع متاع إن باع الجميع فله جعله، وإن لم يبع الجميع فلا شيء له، أو قال له: لك الجعل بعته أو لم تبعه: فهذا لا يجوز ويرد إلى إجارة مثله، باع أو لم يبع.
وقال ابن المواز: كل جعل فاسد فله إجارة مثله لا جعل مثله.
م قال بعض فقهاء القرويين: إذا وقع الجعل فاسدًا فينبغي أن يسلك بفاسِده مسلك صحيحه، فإن باع فله جعل مثله، وإن لم يبع فلا شيء له كالقراض إذا رد
الجزء: 15 - الصفحة: 378
إلى قراض مثله، فإنما يكون للعامل قراض مثله إن كان في المال ربح، وإن لم يكن له ربح فلا شيء له، كالصحيح إنما يكون حقه معلقًا بالربح، فإن لم يكن له ربح فلا شيء له، وقد اختلف في القراض وكذلك اختلف في الجعل فيكون إذا فسد فيه الإجارة.
وقد اختلف في من قال: إن بعت فلك درهم، وإن لم تبع فلك نصف درهم، فقيل: له إجارة مثله باع أو لم يبع، وهذا أشبه؛ لأنه أخرجه بشرطه عن حكم الجعل ورده إلى إجارة فاسدة فوجب أن يسلك به مسلك الإجارة الفاسدة.
وقيل: إن باع فله أجر مثله، وإن لم يبع فلا شيء له وقد يكون هذا على الاختلاف في القراض الذي يقول أنه إذا فسد رد إلى قراض مثله.
فأما إذا قال الجاعل لا تبع إلا بإذني فهو أيضًا جعل فاسد، والأشبه أن يرد إلى الإجارة؛ لأنه خرج عن حكم الجعل؛ لأن الجعل الصحيح إما أن يسمي له ثمنًا إذا بلغه باع، أو يفوض إليه فإذا بلغ القيمة باع، وهذا قد أمره بعمل وهو النداء والإشهار، ثم إن شاء قال: لا أبيع لا أعطيك شيئًا.
فأما إن بلغ القيمة فلا شك أن له جعل مثله؛ لأن الغرض بإخراج السوق قد وجد، وإنما الكلام لو أنه أشهره بعض الإشهار وفطن إلى هذا ففسخ ولم يبلغ الإشهار كله.
فهل له قدر إشهاره وتعبه أو لا شيء له؟ وإذا كان كالجعل الفاسد لم يكن لم شيء إلا ببلوغ القيمة.
الجزء: 15 - الصفحة: 379
[فصل: 4 - الأجل في الجعل والإجارة]
قال عن مالك: ولا يصلح الأجل في الجعل ولا النقد فيه قال فيه: وفي المدونة: وكلما جاز فيه الجعل جازت فيه الإجارة، وليس كلما جازت فيه الإجارة يجوز فيه الجعل.
قال مالك: ولو قال: بع هذا الثوب ولك درهم فذلك جائز وقَّت له في الثوب ثمنًا أم لا، وهو جعل.
فإن قال: اليوم لم يصلح إلا أن يشترط أن يترك متى شاء؛ لأنه إن مضى اليوم، ولم يبعهَ ذهَبَ عناؤه باطلاً، وإن باع في بعضه فله الجعل كاملاً، ويسقط عنه بقية عمل اليوم، فهذا خطر، والجعل لا يكون مؤجلاً إلا أن يكون إذا شاء أن يرده رده، وقد قال مالك في مثل هذا: إنه جائز وهو جُلُّ قوله الذي يعتمد عليه.
م: يريد إذا كان له أن يرده متى شاء.
قال مالك: وتجوز الإجارة على بيع قليل السلع وكثيرها، وأعْكَام البَزُّ وكثير الطعام إن ضرب للبيع أجلاً وإلا لم يجز، فإن باع لتمام الأجل فله أجره كاملاً، وإن باع في ثلثه أو نصفه فله حصة ذلك من الأجر، إلا أنه إن ضرب الأجل للبيع وسَّمى الأجر فلا يجوز النقد في هذا؛ لأنه إن باع في نصف الأجل رد
الجزء: 15 - الصفحة: 380
نصف ما قبض فيدخله بيع وسلف، وإن لم ينقده شيئًا، ومضى من الأجل يوم أو يومان، فللأجير قَبْضَ حصة ذلك من الأجر.
قال ابن المواز: وهذا في بيع متاع بعينه، أو بيع شيء بعينه، وأما إن لم يكن ذلك بعينه، وإنما قال له: تبيع لي قمحًا أو بزًا شهرًا، فعليه أن يعمل له بقية الأجل يبيع له، ويجوز فيه النقد.
قال: وليس هذا مثل الذي يستأجره ليحمل له متاعًا بعينه لا يعدوه، أو يرعى له غنمًا بعينها لا يعدوها، هذا لا يجوز؛ لأنه ممنوع من بيع ذلك لموضع الإجارة فلا خير فيه.
فصل [5 - جواز اشتراط الخيار في الإجارة]
ومن المدونة قال: ومن وَاجَرْتَهُ على بيع سلع كثيرة شهرًا، على أنه متى شاء ترك: جاز ذلك؛ لأنها إجازة على خيار، ولا يجوز فيها النقد.
م يريد ولا أن يتطوع به بعد العقد؛ لأنه لما كان له أن يترك متى شاء عد تماديه في العمل أخذًا لماله في ذمته، فقد فسخ دَيْنه فيما لا يتعجله كما لو أجره على أنه بالخيار ثلاثة أيام، ثم تطوع له بنقد الإجارة، فيصير إذا رضي بعد الثلاث بالتمادي
الجزء: 15 - الصفحة: 381
على الإجارة فسخ ما في ذمته فيها، وهو كالتطوع بالنقد في الخيار في السلم، وهذا أبين.
قال سليمان: قال سحنون: ولا أعرف هذا الخيار، وإنما يكون الخيار يومًا أو يومين أو ثلاثة ما لم يعمل.
قال حمديس: وينبغي لو كان الأمر على ما ذكر ابن القاسم من الخيار أن تفسد الإجارة؛ لأنه إنما يجوز من اشتراط الخيار في الإجارة ما يجوز في البيع، وإنما مخرج هذه المسألة عندي -والله تعالى أعلم أن- يكون معناها: أي تبيع لي هذه السلع على حساب الشهر بكذا وكذا، ولا ينقده بمنزلة ما قال مالك: إذا أكراه داره على حساب الشهر بكذا وكذا.
الجزء: 15 - الصفحة: 382
وقال أبو الحسن ابن القابسي: معنى هذه المسألة أنه بالخيار ما لم يعمل، فأما أن بكون بعد العمل بالخيار فلا ينبغي.
[فصل: 6 - اجتماع الإجارة والبيع]
ومن المدونة قال: ومن واجرته شهرًا على أن يبيع لك ثوبًا وله درهم: جاز ذلك، إذا كان إذا باع قبل الشهر أخذ بحسابه.
م: وقد تقدم: أنه لا يجوز اجتماع بيع وجعل في عقد، وذلك أن الجعل في نفسه رخصة فلا يجب أن يجمع مع شيء.
قال بعض فقهاء القرويين: وعلى هذا التعليل يجب أن كل عقدين يختص أحدهما من الأحكام بما لا يختص به الآخر، فلا يجمعان في عقد واحد كالنكاح والبيع، والمساقاة والبيع، والصرف والبيع، والجزاف مع المكيل، وقد اختلف في النكاح والبيع، والصرف والبيع، والجزاف مع المكيل، ولسحنون في المغارسة وهي من باب الجعل أنه أجاز جمعها مع الإجارة في عقد فهذا يدل على جواز البيع والجعل، وإذا
الجزء: 15 - الصفحة: 383
كان الجعل منفردًا مع ما فيه من الغرر يجوز، فما الذي يمنع من إضافته مع البيع الذي لا غرر فيه؟ إلا أن يمنع منه لعلة أخرى وهو الإطماع في العقد؛ لأن الجعل له أن يتركه متى شاء، والجاعل بالخيار قبل العمل، فأشبه ألو عقد منه كراء إلى مكة بعشرة وجيبة، وشرط في رجعته من مكة أنه مخير إن شاء أكرى بعشرة على مثل الحمولة الأولى، وإن شاء لم يكر، فهذا عند عبد الملك لا يجوز؛ لأنه أطعمه في الكراء الأول أن يكري منه الثاني فقد سمح له في الأول لأمر يكون أو لا يكون.
وابن القاسم قد أجاز هذا، وأجاز شراء سلعتين واحدة بالإيجاب والأخرى بالخيار، ولم يعتبر علة الإطماع لضعف ذلك عنده فمنع الجعل والبيع يتقوى على قول عبد الملك.
الجزء: 15 - الصفحة: 384
[الباب الثالث]
في الإجارة والسلف أو على عمل شيء أو حمله بجزء منه
[فصل: 1 - اجتماع الإجارة والسلف]
[المسألة الأول: الحائك ينسج لك الثوب بدراهم على أن يسلفك غزلاً]
والقضاء أن الإجارة بيع من البيوع يحرم منها ما يحرم من البيع، وقد ثبت النهي عن بيع وسلف، فكذلك تكون الإجارة والسلف.
قال ابن القاسم: وإذا دفعت إلى حائك غزلاً ينسج لك منه ثوبًا بعشرة دراهم على أن يسلفك فيه رطلاً من غزل لم يجز؛ لأنه سلف وإجارة.
الجزء: 15 - الصفحة: 385
قال البرادعي عن أبي محمد: فإن نزل ذلك فالثوب لصاحبه، ويعطى للحائك رطل غزل عن الذي أسلفه، ويكون للحائك الأقل من أجر مثله بلا سلف، أو من الأجر المسمى.
م: وهذا الذي ذكر عن أبي محمد إنما يصح على ما روي عن أصبغ في مسألة البيع والسلف، وهو غير صحيح على ما تأولنا أن قول سحنون في البيع والسلف وِفاق لابن القاسم؛ لأن السلف في مسألة الإجارة قد قبض، وتم الربا بينهما، فينبغي أن يكون الثوب لربه، ويرد على الحائك الرطل الذي أسلفه، ويكون للحائك أجر مثله ما بلغ.
الجزء: 15 - الصفحة: 386
وكذلك ذكر بعض أصحابنا عن بعض شيوخه القرويين قال: وليس هذا كمسألة ابن المواز في من دفع إلى صائغ خمسين دينارًا على أن يسلفه خمسين أخرى، ويعمل له سوارين ويعطيه أجرته؛ لأن عين الذهب هاهنا قائمة، والغزل مستهلك بالصنعة التي صنعها، وإنما هي كمسألة ابن المواز في اللجام يدفعه إليه ليُموَّهه ويزيده من عنده؛ لأن اللجام ما جعل فيه مستهلك فهي كمسألة الحائك.
وحكى عن الشيخ أبي الحسن أنه قال في مسألة الحائك يكون الثوب بينهما على قدر ما لكل واحد من الغزل، وللحائك أجر مثله في حصة صاحبه، قياسًا على مسألة السوارين.
والقول الأول أصوب؛ لما قدمنا والله أعلم.
وذكر أبو محمد مسألة ابن المواز في كتاب الصرف من النوادر فقال: وإن أعطيت لصائغ خمسين دينارًا ذهبًا على أن يخرج من عنده خمسين، ويعمل لك خلخالين، ويأخذ أجره: لم يجز، والخلخالان بينكما، وعليك نصف قيمة عمله لا نصف ما سميت له، ولا خير في مثل ذلك في تمويه اللجام والسيف إلا أن في هذا عليك مثل ما أسلف، ولا يكون شريكًا لك، وعليك قيمة إجارته.
م: وهذا خلاف ما ذكر البرادعي عن أبي محمد في مسألة الحائك.
الجزء: 15 - الصفحة: 387
قال أبو محمد: والفرق عندي بين مسألة الخلخالين، وبين تمويه اللجام أن الدراهم التي هي سلف في الخلخالين لم يقبضها متسلفها، ولا أمر الصائغ أن يجعلها له في عرض مثل السيف واللجام، أو يكون غزلاً فيجعله له في غزل يكون له عنده فيصير هذا كالقبض، ويصير عليه رد ما أسلفه، ولم يحصل له في الدراهم قبض ولا ما يشبه القبض فمن أَجلِ ذلك كانا شريكين.
وبالله التوفيق.
م: واحتج من ذهب إلى قول الشيخ أبي الحسن بمسألة الصائغ.
قال: وذلك أنه سلف فاسد أفادته مسلفه بأمر متسلفه فلم يكن للمسلف فيه إلا الأمر فوجب ألا يلزمه بالأمر شيء.
[المسألة الثانية: هل المشتري شراء فاسدًا يضمن قبل القبض؟]
قال: وقد اختلف فيما اشترى شراء فاسدًا، ونقد ثمنه، ودُعي إلى قبضه فتركه عند البائع فضمَّن أشهب المشتري بذلك، ولم يضمنه ابن القاسم لأن الترك عنده لم يؤثر شيئًا إذ الواجب ترك القبض لفساد البيع، والأمر بالتفويتة -لعمري- أشد من الترك، إلا أنا إذا قدرَّنا أن الملك لم ينتقل بالعقد الفاسد، فالضمان لم يحصل لعدم القبض.
[المسألة الثالثة: الصائغ يعمل لك خاتمًا على فصك بفضة
تقضيه قيمة الفضة مع أجرة عمله]
ابن المواز قال مالك: ولا يجوز أن تأمر الصائغ أن يعمل لك على فصك خاتمًا بفضته
الجزء: 15 - الصفحة: 388
لتقضيه إياها مع أجرة عمله، وذلك فضة بفضة وزيادة.
ابن المواز: ويرد على صاحب الفص فصة، ويحبس الصائغ فضته، وإن كانت مصوغة فلا شيء له غيرها.
[المسألة الرابعة: الصائغ يقرضك دنانير على أن يصوغها سوارين
فقبضتها وفارقته ثم رددتها للصياغة]
وإن استقرضت منه عشرة دنانير على أن يصوغها لك سوارين فقبضتها وفارقته، ثم رددتها إليه فصاغها: لم يجز ذلك بإجارة ولا بغير إجارة؛ لأنك على ذلك أخذتها منه، ولو أسلفك دنانير فلم تقبضها منه حتى قلت له: صغها لي: لم يجز أيضًا، ويرد إليه ما صاغ، ولا شيء له غير ذلك، ولو قبضت منه الدنانير بغير شرط، وفارقته ثم رددتها بعملها لجاز إذا صح ذلك ولم تقصد الصياغة أولاً.
فصل: [2 - الإجارة على عمل شيء بجزء منه]
[المسألة الأولى: استئجار الطَّحان يطحن أربعة أرادب قمح بدرهم
وبقفيز من دقيقه]
ومن المدونة قال ابن القاسم: قال مالك: وإن استأجرت رجلاً يطحن لك إرْدَبًا من حنطة بدرهم وبقفيز من دقيقه جاز ذلك؛ لأن مالكًا قال: ما جاز بيعه جازت
الجزء: 15 - الصفحة: 389
الإجارة به.
وقال ابن المواز: لا يجوز أن يقول له: أطحن لي هذا الإرْدَبّ بقفيز من دقيقه، أو هذا الزيتون بقفيز من زيته، بخلاف بيع ذلك؛ لأن في البيع إذا هلك ذلك رجع المبتاع بثمنه، وفي الجعل قد تم له عمل فيه ثم يهلك فلا يرجع بشيء؛ لأنه ليس بمضمون على صاحبه، فذهب عمله باطلاً إذا هلك، ولو كان مضمونًا على صاحبه كان أفسد له؛ يريد لأنه معين فهو كمن اشترى شيئًا معينًا شرط على البائع ضمانه حتى يقبضه، وذلك فاسد: وأجاز ذلك ابن حبيب، قال: ولم يجز ابن القاسم؛ لأن الدقيق إن ذهب ذهب عمله باطلاً، ونحن نرى أنه إن ذهب بعد طحنه قبل أن يأخذ الأجير القفيز أن له أخذ أجرة طحنه.
م: صواب كما لو استأجره بمد دقيق معين على حمل شيء أو عمله، فعمله ثم هلك الدقيق قبل قبضه، فإن للأجير إجارة ما عمل، وضمان ذلك من ربه حتى يقبضه الأجير، وكذلك لو استحق قبل القبض أو بعده، فإن للأجير إجارة ما عمل، وهذا أبين.
قال بعض فقهاء القرويين: ولا يخلو أن يكون المستأجر على طحن هذا القمح صانعًا أو غير صانع، فإن كان غير صانع، فلا يصح تأويل أبي محمد؛ لأنه باع عمله بدقيق وبدرهم، فإذا ذهب الدقيق قبل كيله رجع بقدر ذلك من الإجازة كما لو أجره على طحنه بثوب فطحنه ثم استحق الثوب لرجع الطاحن
الجزء: 15 - الصفحة: 390
بإجارة مثله، ولا فرق بين شراء منافع فاتت بثوب فاستحق، أو بطعام على الكيل فهلك قبل الكيل: أن صاحب المنافع يرجع بقيمتها، ولا بين عبد يشتري بثوب فيقوت ثم يستحق الثوب: أن صاحب العبد يرجع بقيمته، وإن كان الطاحن صانعًا، ويثبت ضياع الدقيق بعد طحنه، فعلى ما في المدونة: لا أجر للطاحن إلا أن يوفي الصنعة إلى يد رب الثوب أو القمح، فعلى هذا يرد الدرهم ولا يكون له في الطحين شيء، وعلى ما في كتاب محمد: أن ضمان الصنعة إذا ثبت ضياع الدقيق من صاحبه، فعلى هذا ينظر إلى قيمة القفيز الذي شرطه الصانع لنفسه، فإن كان درهمًا وقد أخذ طحينه بقفيز ودرهم رجع بنصف إجارة مثله؛ لأنها مساوية للدرهم فيأخذه بالتسمية وبنصف الإجارة لما ذهب نصف ثمنها، وكذلك يكون الجواب في هذا، في الأجير غير الصانع على مذهب ابن القاسم في المدونة، قال: وانظر إن كان قيمة القفيز درهمين حتى يكون استحق من ثمن إجارته جلها فينبغي أن يرد الدرهم، ويأخذ إجارة مثله في جميع الطحن، فإن قيل فهلا رجع بثلثي إجارة مثله، ومضى الدرهم بثلث الإجارة.
قيل: قد تأول ذلك بعض الناس وذهب آخرون: أن الدرهم كالقائم، لما كان لا يفوت فأشبه السلعة القائمة التي هي الأدنى، وقد استحقت الجل وثمنها سلعة وقد فاتت وهي الإجارة أنه يرد الأدنى، ويرجع بقيمة سلعته الفائتة وهي هاهنا طحينه الفائت م: وهذا أصوب، وهي كمن اشترى غنمًا عليها صوف تام بعبد، فجزه وباعه
الجزء: 15 - الصفحة: 391
ثم استحقت الغنم، وفات العبد، فإنه يرد مثل الصوف إذا علم وزنه، ويأخذ قيمة عبده، وقد تقدمت هذه في كتاب العيوب وأكرية الدواب، ونظيرها لو اشترى سلعة تساوي عشرة دراهم ودرهمين معها بعبد فمات العبد بيد مشتريه، واستحقت السلعة، أنه يرد الدرهمين ويرجع بقيمة عبده، وعلى التأويل الآخر تمضي الدرهمان ويرجع بخمسة أسداس قيمة العبد.
قال ابن حبيب: ولا يجوز أن يقول له: اطحنه على أن لك نصفه دقيقًا؛ لأنه جعل بغرر، والأول إجارة بشيء معلوم.
م: كأنه رأى أن نصف ما يخرج منه من الدقيق مجهول؛ لاختلاف الربع.
[المسألة الثانية: استئجار الطحان لطحن إرْدَبَ حنطة بدرهم
وبقسط من زيت زيتون قبل العصر]
ومن المدونة قال ابن القسم: ولو أجرته يطحن لك الإرْدَبّ حنطة بدرهم، وبقسط من زيت زيتون قبل أن يعصر جاز ذلك، ولو بعت منه دقيق هذه الحنطة كل قفيز بدرهم قبل أن يطحن: جاز ذلك؛ لأن الدقيق لا يختلف، فإن تلفت هذه الحنطة كان ضمانها من البائع، وإن كان الزيت والدقيق مختلفًا خروجه إذا عصر أو طحن لم يجز ذلك فيه حتى يطحن أو يعصر، وقد خفف مالك أن يبتاع الرجل حنطة على أن على البائع طحينها، إذ لا يكاد الدقيق يختلف في ريع ولا خروج.
الجزء: 15 - الصفحة: 392
قال في كتاب آخر: اختلف قول مالك فيه، وليس كبيع زيتون على عصره، أو زرع على تهذيبه، وهذا لا يجوز، يريد على غير الكيل.
قال سحنون: إذا قال: أبيعك زيت هذا الزيتون، أو دقيق هذه الحنطة لم يجز؛ إذ لا يدري ما يخرج منها إلا أن يسمى كل قفيز بكذا.
[المسألة الثالثة: هل يجوز بيع الحنطة في سنبلها
على أن كل قفيز بدرهم؟]
ومن المدونة قال مالك: وكذلك لو باعه حنطة في سنبلها على أن على البائع درسها وتذريتها، وعلى أن كل قفيز بدرهم جاز، وإن كان يتأخر دراسه وتذريته العشرة أيام والخمسة عشر يومًا فلا بأس به؛ ولأنه يصل إلى صفته بفرك سنبله فهو معروف.
الجزء: 15 - الصفحة: 393
[المسألة الرابعة: الإجارة على سلخ الشاة بدرهم ورطل من لحمها]
وبيع لحم شاة حية أو مذبوحة، أو لحم بعير كسير: بخلاف ذلك، فلا يجوز ذلك قبل الذبح والسلخ على وزن أو جزاف من حاضر أو مسافر؛ لأنه من بيع اللجم المغيَّب، وكذلك الإجارة على سلخها بشيء من لحمها أو بيع رطل من لحمها، وأجازه أشهب إن وقع، وأجاز ابن القاسم أن يستثني البائع الرطلين والثلاثة من لحمها وهو يجير المشتري على الذبح، وهذا مؤدٍ إلى شراء لحم الشاة الحية أو بعضه؛ لأن البائع باع ما بعد استثنائه، فإن قيل: إنما اشترى هذا شاة، والمُستثني هو المشتري.
قيل: هذا أشد؛ لأن مشتري الشاة صار بائعًا لأرطال من لحم شاته.
م: ويجوز شراء شاة مذبوحة قبل السلخ؛ لأنه اشترى جميعها كما يجوز له ذلك قبل ذبحها، والأول إنما اشترى لحمها مغيَّبًا والجلد للبائع، وكذلك شراء زرع قائم أو محصود جائز؛ لأنه اشترى جميعه بخلاف شراء ما يخرج منه؛ لأنه مجهول، والتبن للبائع.
م: وقد قيل: لا يجوز شراؤه محصودًا بخلاف القائم، وأجيز شراؤه قائمًا على أن على البائع حصاده.
م: وهذه مسائل استحسان، وإنما فيها التسليم والإتباع للعلماء.
الجزء: 15 - الصفحة: 394
فصل: [3 - الإجارة على دبغ الجلود ونسج الثياب بنصفها]
ومن المدونة قال مالك: وإن واجره على دبغ جلود أو عملها أو نسج ثوب على أن له نصف ذلك إذا فرغ: لم يجز.
قال ابن القاسم: لأنه لا يدري كيف يخرج؛ ولأن مالكًا قال: ما لا يجوز بيعه لا يجوز أن يستأجر به.
سحنون وقال الرسول -صلى الله عليه وسلم-: «من استأجر أجيرًا فليعلمه أجره»، وقال في حديث آخر: «فليوأجره بأجر معلوم إلى أجل معلوم» ابن المواز قال أصبغ: فإن نزل فله أجر عمله، والثوب والجلود لربها.
م: وهذا ما لم تفت الجلود بيد الصانع بعد الدباغ، فإن فاتت فعليه نصفها بقيمتها يوم خرجت من الدباغ، ولربها النصف الآخر، وعليه أجر مثله في دباغ جميعها، ولو دفع إليه نصف الجلود قبل الدباغ على أن يدبغها مجتمعة فأفاتها بالدباغ: فإن له نصفها بالقيمة يوم قبضها، وله أجر عمله في نصفها.
ونحوه عن ابن القابسي وهو بيِّن، كقولهم في من دفع وصيغة لمن يعلمه القرآن سنة وله نصفه وبعد هذا شرحه.
فصل [4 - مسائل في الإجارة بجزء منه وبيع شيء بعينه بضمان،
واجتماع الإجارة والشركة]
[وفيه مسائل]
[المسألة الأولى: الرجل يدفع الغزل لآخر ينسجه ويأخذ غزلاً آخر عجله له]
ومن المدونة قال مالك: ولو قال: انسج لي هذا الغزل بغزل آخر عجله له جاز.
الجزء: 15 - الصفحة: 395
[المسألة الثانية: الرجل يدفع غزلاً لنسجه ثوبين
أحدهما أجرة للحائك]
قال ابن المواز: قال مالك: وإن قال له انسج لي من غزلي ثوبين على أن لك واحدًا ولي واحدا لم يجز إلا أن يقول: لك نصف الغزل على أن تنسج لي نصفه.
[المسألة الثالثة: الرجل يشتري ثوبًا بقى منه ذراع على أن يتمه له]
قال مالك: ولا تشتر ثوبًا بقي منه ذراع على أن يتمه لك.
ابن المواز: وإن شرط على أن يأتي بمثل صفته؛ لأنه بيع شيء بعينه بضمان.
[المسألة الرابعة: اجتماع الإجارة والشركة]
وإن دفع إليه نصف هذا الغزل على أن ينسج له نصفه الآخر ثوبًا، وانعقد ذلك ثم تشاركا فيه فنسجه كله مشاعًا فذلك جائز ما لم يكن مع ذلك زيادة دراهم، أو شيء فتصير شركة وإجارة، ولا يجوز مع الشركة بيع أو شرط زيادة أو منفعة.
[المسألة الخامسة: إذا قال اطحن القمح، أوحِك الغزل، أو اعصر
الزيتون أو احصد الزرع ولك نصفه]
ابن حبيب: وإذا قال له: أطحن لي هذا القمح ولك نصفه، أو حِك لي هذا الغزل ولك نصفه، فإن قال بعد فراغه: لم يجز.
وإن قال: فلك نصفه قمحًا أو غزلاً
الجزء: 15 - الصفحة: 396
فجائز، وإن وقع ذلك مبهمًا فهو على الأمر الجائز حتى يصرح بقوله دقيقًا أو ثوبًا، وكذلك في عصر الزيتون والسمسم، وحصاد الزرع بنصفه فمحمله على الجواز.
وإن قال ذلك قبل العصر أو الحصاد حتى يصرح فيقول بعد عصره أو حصاده فلا يجوز، فإن نزل فله أجر عمله ويبقى الجميع لربه، وإن تلف أو ذهب قبل تمامه فلا شيء له من الإجارة.
م: ينبغي إذا هلك بأمر من الله تعالى قبل تمامه أن يكون له من الأجر بحساب ما عمل منه.
[فصل: 5 - في العمل على الدابة والسفينة بنصف الكسب أو بنصف
العمل أو يكريها أو يكري الدار بنصف الغلة]
[المسألة الأولى: إذا دفعت إليه دابة أو سفينة أو دارًا يكريها وله
نصف الكراء أو يعمل عليها والغلة بينكما]
ومن المدونة وإن دفعت إليه دابة أو إبلاً أو دارًا أو سفينة، أو حَمَّامًا على أن يكري ذلك، وله نصف الكراء لم يجز، فإن نزل كان لك جميع الكراء، وله أجر مثله، كما له قلت له بِع سلعتي فما بعتها به من شيء فهو بيني وبينك، أو قلت له: فما زاد على مئة فبيننا فذلك لا يجوز، والثمن لك، وله أجر مثله.
م وقال بعض فقهاء القرويين: فإن وقف وسام فلم يأته أحد: فالأشبه أن تكون له إجارة مثله إلا أن يتأول متأول أن هذا من باب الجعل الفاسد، فكأنه قال
الجزء: 15 - الصفحة: 397
له: إن أكريتها فلك نصف الكراء، وإن لم تكر فلا شيء لك، فهذا له وجه، والأشبه ما قدمنا.
وفي كتاب ابن حبيب: أما الدور والأرحاء والحوانيت إذا قال له: قم لي بذلك بنصف غلتها فلا يجوز، فإن نزل فالخراج لربها، ولهذا أجر مثله، وأما الدواب والسفن، فالكسب للعامل وعليه إجارة ذلك؛ لأن المستأجر في الدور وشبهها الرجل، وأما في الدواب والسفن فهي المستأجرة، وكله قول مالك.
م: وساوى بين الدور والدواب والسفن إذا قال له أكرها ولك نصف الكراء أن الكراء لربها، وعليه إجارة المثل للرجل، وهو أصوب.
م: ولو أعطيته الدابة أو السفينة أو الإبل ليعمل عليها فما أصاب فبينكما: لم يجز؛ فإن عمل عليها فالكسب هاهنا للعامل وعليه كراء المثل في ذلك ما بلغ، وكأنه اكترى ذلك كراء فاسدًا، والأول أجر نفسه إجارة فاسدة فافترقا.
الجزء: 15 - الصفحة: 398
م: ولو عمل ولم يجد شيئًا: كان مطالبًا بالكراء؛ لأنه متعلق بذمته.
قال ابن حبيب: إن عاقه عن العمل عائف، وعرف ذلك بأمر معروف فلا شيء عليه، إذا لم يكرها بشيء مضمون عليه.
وقال ابن المواز: وإن لم يسلم إليه الدابة والسفينة وهي بيد ربها، وهذا يعمل معه فيها فالكسب لربها، وللعامل أجر مثله.
[المسألة الثانية: دفع الدابة لمن يحطب عليها على النصف]
ومن كتاب ابن المواز قال مالك: ولا خير في أن يدفع الرجل دابته لمن يحطب عليها على النصف.
قال محمد: يريد نصف ثمن الحطب، ولو جعل له نصف النقلة كان جائزًا، وكذلك على نقلات معروفات، أو قال: لي نقله ولك نقلة فهو جائز كله.
قال يحي بن سعيد: إذا قال: ما حطبت عليها من الحطب فلي نصفه ولك نصفه فلا بأس به.
قال ابن المواز: ولا يجوز أن تعطيه دابتك على أن ما كسبت عليها اليوم فلك، وما كُسب عليها غدًا فلي.
الجزء: 15 - الصفحة: 399
[المسألة الثالثة: الدابة يعمل عليها مدة لنفسه ومدة لربها]
وقال فيه: وفي العتبية عن ابن القاسم: ولا بأس أن يعطيه دابته يعمل عليها اليوم لنفسه على أن يعمل عليها غدًا لربها.
قال في العتبية: فإن أخذها فعمل أول يوم لنفسه ثم نفقت قبل أن يعمل بها لربها فلربها عليه كراء دابته ذلك اليوم، ولو بدأ فعمل لربها يومًا ثم نفقت فليدفع ربها إليه أجرة عمله ذلك اليوم.
وقال أبو محمد: وأعرفه في غير هذا الموضع إن بدأ بيوم الأجير فلرب الدابة أن يأتيه بدابة أخرى يعمل عليها، وهذا هو أصلهم.
قال ابن المواز: ولو قال: خذ دابتي فاعمل عليها شهرًا لنفسك، وتعمل عليها شهرًا لي: لم يجز، إلا في مثل الخمسة الأيام وشبهها.
وقد قال مالك وابن القاسم: لا يصح أن يستأجر الرجل العبد، وينقده الإجارة على أن يأخذه إلى عشرة أيام.
قال ابن القاسم: وجائز النقد فيه إذا كان يقبضه إلى خمسة أيام.
قال محمد ومسألتك إنما استأجره يعمل له بعد شهر، وينقده كراه الآن؛ لأن دفعه دابته هذا الشهر هو أجرته، وأما في الخمسة أيام ونحوها فهو مثل الذي أجازه ابن القاسم، ولا يدخله
الجزء: 15 - الصفحة: 400
الدين بالدين؛ لأن مالكًا أجاز أن يكترى الرجل دارًا يسكنها سنة بسكنى دار له السنة المقبلة، ولم يجز ذلك في الحيوان م: يريد لقلة أمن الحيوان، فصار النقد فيه إذا لم يقبض غررًا، ولا غرر فيما قرب.
[المسألة الرابعة: أعطني ما كسبت اليوم وأعطيك ما كسبت غدًا]
قال ابن المواز: ولو قلت لرجل استأجرك ودابتك اليوم تنقل لي كذا بدابتي ونفسي غدًا تنقل لك جاز، وإنما يكره ذلك في الكسب أن يقول لك أعطني ما كسبت دابتك اليوم وأعطيك ما كسبت دابتي غدًا فهذا لا يحل، وكذلك لو كانت الدابة بينكما لم يجز أن تقول له: ما كسبت اليوم لي، وما كسبت غدًا فلك، وكذلك العبد بينكما.
قال مالك: فإن قال: استخدمه أنت اليوم، وأنا غدًا فهو جائز، وكذلك شهرًا وأنا شهرًا.
قال محمد: إنما يجوز في الخدمة مثل خمسة أيام فأقل، ولا يجوز في الكسب، ولا يوم واحد، وقد سهله مالك في اليوم، وكرهه في أكثر منه.
[فصل: 6 - الإجارة على حمل الأشياء]
[المسألة الأولى: الإجارة على حمل الطعام بنصفه]
ومن المدونة ولو قلت له: احمل لي هذا الطعام إلى موضع كذا ولك نصفه: لم يجز، إلا أن تنقده الآن نصفه مكانك، وإن أخرته إلى الموضع الذي يحمله إليه: لم يجز؛ لأنه شيء بعينه، بيع على أن يتأخر قبضه إلى أجل.
م: وإذا وقع الأمر مبهمًا فهو على مذهب ابن القاسم على الفساد حتى يشترط قبض جزءه الآن، وعلى مذهب أشهب وابن حبيب هو جائز حتى يشترط أن لا يقبضه إلا بعد البلوغ.
الجزء: 15 - الصفحة: 401
قال ابن أخي هشام: فإن نزل هذا وحمله إلى البلد، فإن للحمال نصفه، وعليه مثله في الموضع الذي حمله منه، وله كراؤه في النصف الآخر ما بلغ.
وأعاب هذا القول بعض شيوخنا، وقال: يلزم على هذا إذا هلك الطعام أن يضمن نصفه؛ لأنه على قوله بالقبض لزم ذمته، وهذا بعيد؛ لأن فساد المسألة منع المتكاري من قبض حصته إلى أن يصل إلى البلد المحمول إليها فكيف يضمن إذا هلك قبل البلد وهو إنما يصير له بعد الوصول إليها.
م: يريد وإنما يكون الطعام كله لربه وعليه إجارة حمله كله.
م: وهو الصواب.
كما قالوا: إذا استأجره على [دبغ] جلود، أو نسج ثوب على أن له نصف ذلك إذا فرغ فعمله على ذلك فإن له أجر عمله، والجلود والثوب لربها فكذلك هذا.
[المسألة الثانية: في الطعام والغنم بين الرجلين
فيستأجر أحدهما صاحبه على حمله]
ومن المدونة قال ابن القاسم: وإن وأجرت رجلاً على حمل طعام بينكما إلى بلد يبيعه بها، على أن له عليك كراء حصتك وسميتها ذلك، فإن شرطت ألا يميز حسته منه قبل الوصول إلى البلد: لم يجز، فإن نزل ذلك وباع الطعام كان له أجر مثله في حصتك، وإن كان على أنه متى شاء ميَّزها قبل أن يصل أو يخرج: جاز، إن ضرب للبيع أجلاً، يريد ضرب أجلاً بعد الوصول إلى البلد، ولا ينقده إجارة البيع.
الجزء: 15 - الصفحة: 402
قال ابن القاسم: وكذلك إن واجرته على طحينه، فإن كان إذا شاء أفرد طحين حصته: جاز وإن كان على ألا يطحنه إلا مجتمعًا: لم يجز، فإن طحنه كان له أجر مثله في حصتك، وكذلك إن واجرته على رعاية غنم بينكما: جاز، ولزمته الإجارة إذا كان له أن يقاسمك حصته، ويبيعها متى شاء، وضربت للرعاية أجلاً، وشرطت خلف ما هلك من حصتك.
قال غيره: واعتدلت في القسم.
قال بعض أصحابنا: ابن القاسم يحمل أمرهما على الاعتدال في القسم، وأنه إنما وأجره على نصف عددها، فإن كانت مئة فقاسمه فوقع للذي أجر صاحبه أكثر من خمسين لم يلزم صاحبه رعاية ما زاد على خمسين، وإن وقع له أقل من خمسين كان له أن يتمها خمسين.
الجزء: 15 - الصفحة: 403
[الباب الرابع]
في الإجارة في الخياطة والبناء وما يفسد منها
[فصل: 1 - الإجارة على الخياطة]
قد بينَّا أن ما يفسد البيع يفسد الإجارة؛ لأنها بيع منافع قال ابن القاسم: وإن وأجرت رجلاً يخيط لك ثوبًا على أنه إن خاطه اليوم فبدرهم، وإن خاطه غدًا فبنصف درهم لم يجز عند مالك؛ لأنه أجر نفسه بما لا يعرف وقد قال الرسول -صلى الله عليه وسلم-: «من استأجر أجيرًا فليوأجره بأجر معلوم» وهذا من وجه بيعتين في بيعه فإن خاطه فله أجر مثله زاد على التسمية أو نقص.
وقال غيره: إلا أن يكون أجر مثله أقل من نصف درهم، أو أكثر من درهم فلا يزاد ولا ينقص.
قال سحنون: وقول ابن القاسم أحسن كقول مالك في البيوع الفاسدة: إذا فاتت في يد المشتري فإن فيها القيمة ما بلغت، ولا يلتفت إلى ما سميا من الثمن.
قال ابن القاسم: وكذلك إن دفع إليه ثوبًا على أنه إن خاطه خياطة رومية فبدرهم، وإن خاطه خياطة عربية فبنصف درهم، وكذلك الصبغ في هذا إذا كانت الإجارة فاسدة فهي كالبيع الفاسد.
قال أبو محمد: قال بعض الأندلسيين وقول غير ابن القاسم يعني إن خاطها اليوم.
قلت ما قيمة خياطته على تعجيله إياها اليوم فلا يزاد على درهم، ولا ينقص من نصف درهم؟ وإن خاطه غدًا قلت ما قيمة أجر خياطته إلى غد على ما ذكرنا؟
الجزء: 15 - الصفحة: 404
م: وذكر ابن أبي زمنين عن بعض الأندلسيين تفسيرًا غير هذا، وهذا أصوب، وكذلك تكون القيمة على قول ابن القاسم تُقوَّم على تعجيل الخياطة إن عجلها فيكون له أجر مثله على ذلك ما بلغ، وكذلك إن وخرها قوَّمت على التأخير فيكون له أجر مثله على ذلك ما بلغ.
ابن المواز: قال مالك في من واجر غلمانًا يخيطون له مشاهرة، وهو يقاطع الناس على الثياب فيطرح على أحدهم ثوبًا على أنه إن فرغ منه اليوم فله بقية يومه، وإلا فعليه تمامه في يوم آخر لا يحسب له في الشهر.
قال: أما الثوب والشيء الذي لو أجتهد فيه أَتَّمهُ فلا بأس به، وأما ما كثر فلا خير فيه.
قال محمد: ولو كان هذا في أصل الإجارة كان أَكْره.
قال مالك: ومن واجر من يبلغ له كتابًا إلى ذي المروة، ثم قال بعد صحة الإجارة فإن بلغته في يومين فلك زيادة كذا وكذا، فكرهه، واستخفه في الخياطة بعد العقد.
ابن ميسر: وهما سواء.
وقال ابن عبد الحكم: قد خفف ذلك فيهما، وكره، وإجازته أحب إلينا، وبه أخذ سحنون.
الجزء: 15 - الصفحة: 405
[فصل: 2 - الإجارة على الأبنية]
قال أبو محمد: ومن الإجارات ما يكون المتعارف فيه يغني عن الصفة كالخدمة وشبهها، ومن الأعمال التي يشرع فيها ما يقوم المتعارف من أمد الفراغ منها مقام ضرب الأجل كالخياطة والنسج والبناء وشبهه.
قال مالك: وإن استأجرت رجلاً يبني لك دارًا على أن الآجُرَّ والجِصُّ من عنده فلا بأس به، وهذه إجارة وشراء جص وآجر في صفقة واحدة، ولما تعارف الناس ما يدخلها، وأمد فراغها كان عرفهم كذكر الصفة والأجل؛ لأن وجه ذلك أمر قد عرف.
وقال غيره: إذا كان على وجه القَبَالة، ولم يشترط عمل يده، فلا بأس به إذا قدم نقده.
م: وقول الغير خلاف لابن القاسم، وابن القاسم يجيز ذلك في عمل رجل بعينه؛ لأنه يشرع في العمل كإستجاره إياه سنة بخدمة، وقد قال في كتاب الحمالة: وإن دفعت إلى خياط ثوبًا على أن يخيطه بنفسه فذلك جائز.
الجزء: 15 - الصفحة: 406
قال بعض فقهاء القرويين: إنما يصح جواب ابن القاسم على أحد وجهين: إما أن يكون الأجير صاحب صنعة يعمل الآجُرَّ والجِصَّ فيصير تأخير النقد جائزًا كما يجوز أن يأخذ من الجزار والخباز كما يوم خبزًا أو لحمًا والثمن متأخر فيكون على هذا التأويل جائزًا قدم النقد إليه أو أخره، ويشرع في العمل، أو يكون المأخوذ منه من الآجر والجص يطول أخذ جملته حتى يكون أخذ المعجل منه يسيرًا في جنب ما يتأخر منه لا قدر للمتعجل منه لكثرته، فيكون أيضًا جائزًا؛ لأنه قد تأخر جله لمثل أجل السلم فسهل فيما تقدم منه ليسارته، وإنما قلنا ذلك؛ لأنه جعله في عمل رجل بعينه فلم يجز تأخير إجارته لما عقد مع عمله سلم في أجر وجص، والمضمون أيضًا يحتاج إلى أن يتأخر إلى مثل آجال السلم، فإن أخر عمله إلى أن يتأخر إلى مثل أجل سلم الآجر والجص وانتقد إجارته لم يجز؛ لأنه رجل بعينه، وأيضًا فلا تجوز إجارته إلا أن يشرع في العمل.
قال ابن حبيب: كل ما استعمل فيه الصناع فهو عمل مضمون حتى يشترط عليهم عمل أيديهم، وإلا فلهم استعمال غيرهم إلا من عرف أنه يُقْصَد لرفعة وفضل عمله، فلا يكون عليه مضمونًا إن فات ولا يستعمل هو غيره وهذا معنى قول مالك.
الجزء: 15 - الصفحة: 407
[الباب الخامس]
في إجارة حافتي النهر أو طريق من دار رجل أو مسيل مرحاض أو ميازيب وإجارة رحي الماء والتداعي في ذلك
[فصل: 1 - إجارة حافتي النهر والطريق في الدار]
قال ابن القاسم: ولا بأس أن تواجر حافتي نهرك ممن يبنى عليه بيتًا، أو ينصب فيه رحى.
قال: ويجوز أن تسأجر طريقًا في دار رجل.
قال أشهب: إن كان يصل بذلك إلى منفعة وإلا فهو من أكل المال بالباطل.
[فصل: 2 - إجارة مسيل مرحاض أو ميزاب ماء]
قال ابن القاسم: وجائز أن يستأجر مسيل مصب مرحاض من دار رجل، وأما إجارة مسيل ميازيب المطر من دار رجل فلا يعجبني؛ لأن المطر يقل ويكثر، ويكون ولا يكون.
م: وحكى لنا بعض شيوخنا عن بعض أصحابه من القرويين أنه قال: إنما افترق جوابه في مسألة مسائل المرحاض ومسائل الميازيب لافتراق السؤال، وأما إذا
الجزء: 15 - الصفحة: 408
اتفق فلا فرق بينهما، وذلك أن الذي استأجر مسيل المرحاض إنما استأجر مسيل المرحاض من داره على دار صاحبه فذلك كطريق استأجرها، وأما مسيل ماء الميازيب، فإنما اشترى الماء الذي يسيل منها، وأما لو أستأجر جواز الماء عليه فهي كمسألة جواز مصب المرحاض، وسواء طال الأمر في شراء الماء أو قرب، وذكر أن غيره يفرق بين الأمد الطويل والقصير؛ لأن القصير قد لا يقع فيه المطر أو يقع فهو غرر، والكثير جدًا يقع في المطر لا محالة على جري المتعارف.
م: والأول أحسن؛ لأن المطر يقل ويكثر فلا يجوز كما قال ابن القاسم.
[فصل: 3 - إجارة بيت رحى الماء والتداعي في ذلك]
[المسألة الأولى: كراء بيت الرحى من رجل والرحى من آخر ودابة
الرحى من ثالث في صفقة]
قال ابن القاسم: ولا يجوز أن تكتري بيت الرحى من رجل، والرحى من آخر، ودابة الرحى من ثالث في صفقة واحدة، كل شهر بكذا، إذ لا يعلم ما لكل واحد من الثمن إلا بعد القيمة، وكذلك في الاستحقاق وأجازه أشهب.
قال سحنون: وأجازه ابن القاسم في كتاب الشفعة، وإجازته خير، والذي في كتاب الشفعة في رجل اشترى من ثلاثة رجال من أحدهم قرية، ومن آخر دارًا، ومن آخر حقل أرض في صفقة.
الجزء: 15 - الصفحة: 409
م: قيل: فإن نزل فعلى مذهب ابن القاسم هاهنا يكون عليه لكل واحد إجارة شيئه.
وقيل: بل تقسم الإجارة المسماة على قدر قيمة إجارة كل واحد من هذه الأشياء؛ لأنه ليس من الحرام البين، وكذلك قال ابن دينار على قوله فيمن نكح امرأتين وأجملهما في صداق واحد، فمات فإنهما يقتسمان ما سمي بقدر صداق كل واحدة منهما، وأما على مذهب أشهب الذي يجيزه فبين أنه تقسم الإجارة المسماة على قيمة إجارة هذه الأشياء.
[المسألة الثانية: إجارة رحى الماء بالطعام وغيره]
ومن المدونة قال مالك: ولا بأس بإجارة رحى الماء بالطعام وغيره قال ابن القاسم: فإن انقطع عنها الماء فهو عذر تفسخ به الإجارة، وإن رجع الماء في بقية المدة لزمه باقيها، كقول مالك في العبد المستأجر يمرض ثم يصح.
قال غيره: إلا أن يتفاسخا قبل ذلك.
الجزء: 15 - الصفحة: 410
[المسألة الثالثة: الاختلاف في انقطاع ماء الرحى]
قال ابن القاسم: إن اختلفا في انقطاع ماء الرحى فقال ربها: انقطع عشرة أيام، وقال المكتري: بل شهرًا فإن تصادقا وفي أول السنة وفي آخرها صدق رب الرحى.
م: قال بعض القرويين: هذا إذا اختلفا في ابتداء انقطاع الماء مثل أن يكري منه سنة أولها المحرم فسكن المحرم وصفر، فيقول المكتري انقطع الماء في ربيع وربيع، وعاد في جمادى، ويقول رب الرحى: لم ينقطع إلا في ربيع الآخر وحده، فالقول قول رب الرحى عند ابن القاسم مع يمينه؛ لأن الساكن مدعى عليه في انقطاعه في ربيع الأول فلا يصدق عليه في إسقاط الكراء بدعواه، وهذا كقوله إذا استأجر منه فسطاطا ثم جاء فقال: ضاع إن الكراء كله يلزمه، ولا يُصَدَّق بدعواه الضياع؛ لأنه لم يصدقه متى ضاع، وأما لو اتفقا على انقطاع الماء، واختلفا متى عاد فالقول قول الذي استأجر الرحى مع يمينه؛ يريد ولا يختلف في هذه.
قال لأن رب الرحى قد أقر بانقطاع الماء وسقوط الكراء عنه [وهو] مدعٍ عليه إيجاب الكراء بعودة الماء فالقول قول مستأجر الرحى مع يمينه.
[المسألة الرابعة: الاختلاف في انهدام الدار في بعض المدة]
قال ابن القاسم: وكذلك اختلافهما في انهدام الدار في بعض المدة؛ لأنهما إذا تصادقا على تمام السنة فقد وجب الكراء على المكتري، فهو يريد أن يحط عن نفسه،
الجزء: 15 - الصفحة: 411
فلا يصدق بمنزلة ما لو أن السنة انقضت، فقال المتكاري: كانت الدار مهدومة السنة كلها، وماء الرحى انقطع السنة كلها، وأنكر ذلك رب الدار ورب الرحى، فالكراء له لازم إلا أن يقيم المتكاري بينة على ما قال، فهما إذا اختلفا في بعض السنة كاختلافهما في السنة كلها.
قال سحنون: هذه عراقية.
م: كأنه يريد أن يكون القول قول المكتري.
م: وهو الصواب؛ لأن المكتري يقول إنما سكنت مدة، ورب الرحى يدعي أنه سكن أكثر، فعليه البيان، كما لو قال رب الرحى قد انقضت السنة، وقال المكتري ما مضى منها إلا شهران، فقد قال في هذه: القول قول المكتري.
م: لأن رب الرحى مقر بمدة يدعي أنه أوفاها فعليه البيان، فكذلك مسألة انهدام الدار في بعض المدة.
وكذلك قال ابن المواز: القول قول مكتري الرحى؛ لأنه غارم.
قال: وأما الدار فهي بين الناس لا يخفى فيها الهدم، فإن لم يعرف ذلك أحد لم يصدق المكتري، كقول مالك في الدابة يدعي مكتريها أنها نفقت أو ضلت أنه مصدق مع يمينه، فإن ادعى أنها ماتت بموضع كذا وفيه من يسأل من الثقات ولا يعلمون ذلك فلا يصدق، وكما قال في مكتري الجفنة يدعي كسرها، فقال مالك فأين فلقتاها؟ وأما مكتري الرحى فهو مصدق مع يمينه؛
الجزء: 15 - الصفحة: 412
لأن ربها مدع عليه بأمر مؤتنف بعد الهدم، وانقطاع الماء الذي تصادقا عليه، وقد قال مالك في المكتري: يقول: لم أسكن إلا ستة أشهر، وقال رب الدار سنة إن الساكن مصدق مع يمينه فكذلك مكتري الرحى في هذا.
[المسألة الخامسة: الاختلاف في القضاء مدة العقد]
ومن المدونة قال ابن القاسم: وإن قال رب الرحى أو الدار قد انقضت السنة، وقال المكتري ما مضى منها إلا شهران، وقد انهدمت الدار الآن، أو انقطع ماء الرحى: صدق المكتري؛ لأنه ينكر أن يكون سكن أكثر من شهرين، فالقول قوله.
قال سحنون: وهذا أصلنا.
قاب ابن القاسم: ومن استأجر رحى ماء شهرًا على أنه إن انقطع الماء قبل الشهر لزمته الإجارة: لم يجز.
ومن العتبية قال ابن القاسم في من له موضع رحى، فأعطاه رجلاً يعمل له فيه رحى، على أن للعامل غلة يوم وليلة من كل جمعة، فعمل على ذلك نحو من ثلاثين سنة، ثم علم بفساده، قال تكون الغلة كلها للعامل، ويغرم لصاحب الأصل كراء ذلك
الجزء: 15 - الصفحة: 413
الموضع لجميع السنين التي انتفع فيها بقدر رغبة الناس أو زهادتهم فيه على النقد على التبعية، ويقال لصاحب الأصل إن شئت أمرته بقلع النقضن وإلا فأعطه قيمته مقلوعًا، وتكون لك الرحى.
قال يحي بن يحي: والذي أخذ به أنه يعطى قيمة عمله قائمًا، وقال غيره: بل يكون للعامل قيمة ما أدخل في الرحى من صخر أو حجارة أو خشب قيمته يوم جعله فيها، وله أجره فيما عمل في ذلك، وقيمة عمل الإجراء فيها، وتكون الغلة كلها لرب الأرض فيرد العامل على صاحب الأصل كل ما أخذ من الغلة في الطعام مثل كيله، وفي العين مثل وزنه، وإن لم يعلم كيل الطعام غرم قيمة قدره، ولا يغرم مكيلة ذلك التقدير؛ لأن ربها واجر العامل عليها، واشترى منه أداتها بغرر، كما لو قال له: اعمل رحاي هذه فإذا تمت فلك نصف غلة رحاي هذه الأخرى أو يوم من غلتها في كل جمعة.
الجزء: 15 - الصفحة: 414
[الباب الخامس]
في ضمان ما يستأجر وكراء المستأجر له
[فصل: 1 - ضمان ما يستأجر من الأشياء]
[المسألة الأولى: هل يضمن مكتري الفسطاط أو البساط أو الغرائر أو
الآنية إذا ادعى الضياع؟]
قال مالك: ومن استأجر فسطاطًا أو بساطًا أو غرائر أو آنية إلى مكة ذاهبًا وراجعًا جاز، فإن ادعى حين رجع ضياع هذه الأشياء في البداءة صدق في الضياع.
قال ابن القاسم: ويلزمه الكراء كله إلى أن يأتي ببينة على وقت الضياع، وإن كان معه قوم في سفره فشهدوا أنه أعلمهم بضياع ذلك، وطلبه بمحضرهم، حلف، وسقط عنه من يؤمئذٍ حصة باقي المدة.
قال غيره: هو مصدق في الضياع، ولا يلزمه من الأجر إلا ما قال أنه انتفع به.
وبهذا أخذ سحنون، وقال في قول ابن القاسم هذه عراقيه يصدقه في الضياع، ويغرمه الكراء فيما لم ينتفع به فكيف يكون هذا؟
م: فوجه قول ابن القاسم أن الأشياء المستأجرة يُصدَّق مكتريها في ضياعها، ولا يُصدَّق في دفع كرائها، وزواله عن ذمته إلا ببينة، فلما اجتمعا في هذه المسألة أجرى كل أصل على بابه، فرفع عنه الضمان، وأغرمه الكراء، إلا أن يقيم بينة بما يوجب رفع الكراء عنه، فإن أقام البينة على ضياعه ارتفع عنه الكراء بذهاب عين ما يوجبه، وكذلك إذا علم من معه بضياع ذلك، وطلبه بمحضرهم، وعذره بذلك، إذ ليس وقت الضياع أمر، يعلم نزوله به، فَيُعد له البينة لتشهد عليه، فكان إعلامه بذلك
الجزء: 15 - الصفحة: 415
يرفع به الكراء، كما كان رَفْعُ الزوجة إلى الحاكم أن زوجها الغائب لم يَبْعث إليها بالنفقة يوجب أن يكون القول قولها، ولو لم ترفع لكان القول قول الزوج، فكذلك هذا.
ووجه قول سحنون وغيره أنه لما صدقه في الضياع كان ذلك كقيام البينة عليه فوجب أن يسقط عنه الكراء؛ لأن ما يجب به الكراء قد ذهب، فيأتي شيء يكون له الكراء.
م: وهو الصواب إن شاء الله.
م: قال بعض أصحابنا: وقد ناقض كل واحد من ابن القاسم وسحنون أصله في هذه المسألة بجوابه في مسألة كتاب العارية، فيمن استعار دابة فركبها إلى موضع، فلما رجع زعم ربها أنه إنما أعاره إياها إلى دون ما ركبها إليه، فذهب ابن القاسم إلى أن القول قول المستعير في رفع الضمان والكراء.
وقال سحنون: القول قول المستعير في الضمان لا في الكراء.
م: وإنما اختلف جوابها في المسألتين لاختلاف السؤال، وليس ذلك بتناقض؛ لأن مسألة الإجارة: المكتري مقر بالكراء، مدعٍ فيما يسقطه فعليه البيان، وفي مسألة العارية: المُعير مقر بعارية، مدع على المستعير أنه تعدى وزاد فيها، فوجب أن يكون القول قول المطلوب بالغرم، فهذا مفترق، ووجه قول سحنون في مسألة العارية أن العارية معروف صنعه المعير مع المستعير فلا يلزمه منه إلا ما أقر به، فوجب أن يغرمه كراء زيادة المسافة على ما أقر به مع يمينه، وذلك إذا أقر المستعير بالركوب إلى ذلك الموضع، وأما إن قال: هلكت الدابة قبل الوصول إليه فلا يكون عليه في زيادة المسافة إلا ما أقر به أنه ركبه؛ لأن ما يوجب له الكراء قد ذهب، ولا ضمان عليه فيه، وإنما
الجزء: 15 - الصفحة: 416
افترق عنده الضمان من الكراء؛ لأن المستعير إنما ادعى أنه وهبه ركوبًا فلم يقبل قوله فيه، وسقط عنه الضمان في الدابة؛ لأن ربها سلَّمها إليه، وادعى أنه تعدى عليه، وطلب تضمينه فعليه البيان، وإنما يشبه ضمان الرقبة ضمان الكراء لو أنه عدا على دابة رجل فركبها فهلكت تحته، وادعى أن ربها وهبها له لكان القول قول ربها، وعلى هذا الضمان حتى يثبت ما أدعى فهذا يشبه دعواه هبة الركوب، وبالله التوفيق.
م: قال عبد الوهاب: وإنما لم يضمن المستأجر؛ لأنه مؤتمن على قبض العين المستأجرة فكان القول قوله في تلفها.
م: وقد قال الرسول -صلى الله عليه وسلم-: «الخراج بالضمان» فلما كان خراج الأشياء المستأجرة لربها وجب أن يكون منه ضمانها.
وإن كانت مما يغاب عليه، والعارية خارجة من ذلك إذ لا خراج فيها لربها فضمنت لقوله عليه الصلاة والسلام في سلاح صفوان: «بل عارية مؤداة» فما أشبه السلاح مما يغاب عليه فيضمنه المستعير.
[المسألة الثانية: هل يضمن مكتري الجفنة إذا ادعى الضياع؟]
ومن المدونة قال أشهب عن مالك في رجل اكترى جفنة وادعى الضياع أنه يضمن إلا أن يقيم بينة على الضياع.
قال ابن المواز: إنما الرواية في دعواه الكسر؛ لأنه يقدر على تصديق نفسه باحضار الفلقتين، وأما الضياع فيصدق، وفي رواية أخرى قال مالك: وأين
الجزء: 15 - الصفحة: 417
فلقتاها؟.
قال ابن المواز: إلا أن يقول سرقت الفلقتان أو تَلِفت، فإن كان بموضع يمكنه إظهارها لم يصدق، وإن كان بموضع لا يمكنه صُدق.
[المسألة الثالثة: هل يضمن مكتري الثوب يلبسه
إذا ادعى الضياع أو السرقة أو الغصب؟]
ومن المدونة قال ابن القاسم: ومن استأجر ثوبًا يلبسه فادعى أنه ضاع أو سرق منه أو غصب فهو مصدق؛ لأن المستأجر لا يضمن إلا أن يتعدى أو يفرط، وإن استأجره يومين فلبسه يومًا وضاع في اليوم الثاني فأصابه بعد ذلك فرده: لم يلزمه أجر مدة الضياع.
م: يريد إذا ثبت الضياع ببينة.
قال ابن القاسم: كالدابة تكترى أيامًا فتضيع في بعضها فإنما عليه حصة الأيام التي لم تضع فيها.
[فصل: 2 - من استأجر شيئًا مدة معينة فحبسه عنده أكثر منها]
وإن استأجر ثوبًا يومًا، فحبسه شهرًا لم يَلْبَسْهُ: فعليه في اليوم المكتراه المسمى، وفي الشهر الزائد عليه كراء مثله غير ملبوس، وقال ابن نافع مثله.
وقال غيره: إذا كان ربه معه حاضرًا فله على حساب الكراء المسمى، وإن كان غائبًا فله الأكثر.
الجزء: 15 - الصفحة: 418
م: قال بعض القرويين: ومعرفة قيمة كرائه غير ملبوس أن يقال: كم كراء مثله ملبوسًا شهرًا؟ فإن قيل: عشرة.
قيل: وكم ينهكه اللباس في هذا الشهر؟ فإن قيل: خمسة كان على هذا الذي حبسه خمسة دراهم؛ لأن قد رد عليه الثوب غير ناقص، وقد كان ينهكه اللباس خمسة فإذا زاده خمسة أخرى فقد صار كأنه أكراه بعشرة خمسة منها في الثوب وخمسة أعطاه إياها، وكذلك الدابة يكريها يومًا فيحبسها بعد ذلك شهرًا الجواب واحد.
م: وفي هذا الجواب نظر إذ قد ينقصه اللبس والركوب في مدة ما حبسه مستعمْلاً قدر كرائه فيجب على هذا ألا يغرم له شيئًا، وهو قد كان ينتفع بلباس هذا الثوب وركوب هذه الدابة في طول حبسها، أو يكرى ذلك فقد أمسكه عن منافع ربه فيجب أن يقال: بكم يكري هذا الثوب شهرًا على أنه لا يلبس في هذه المدة، وهذه الدابة على أنها لا تركب إلا أنه أمسكها عن منافع ربها، فما قيل يساوي كراؤها على ذلك وجب عليه غرمه، والله أعلم.
ويجب على قياسه أن لو لم ينقصه اللبس في مدة ما حبسه شيئًا فيجب أن يغرم كراءه ملبوسًا، وهذا خلاف قوله.
الجزء: 15 - الصفحة: 419
[فصل: 3 - هل للمستأجر أن يواجر من غيره؟]
قال ابن القاسم: وإن استأجرت ثوبًا تلبسه يومًا إلى الليل فلا تعطه غيرك يلبسه لاختلاف اللبس والأمانة؛ فإن هلك بيدك لم تضمنه، وإن دفعته إلى غيرك كنت ضامنًا إن تلف.
قال سحنون: إذا دفعه إلى مثله لم يضمن ومسألة الفسطاط التي بعد هذه هي الأصل.
قال ابن القاسم: وقد كره مالك لمكتري الدابة لركوبه كراها من غيره كان أخف منه أو مثله، فإن كراها لم أفسخه، وإن تلفت لم يضمن إذا كان أكراها فيما اكتراها فيه من مثله في حالته وأمانته وخفته، ولو بدا له عن السفر أو مات أكريت من مثله، وكذلك الثياب في الحياة والممات، وليس ذلك ككراء الحمولة والسفينة والدار هذا له أن يكريها من مثله في مثل ما اكتراها له.
م: يريد في هذا أن ذلك له بغير كراهية، وفي الثوب والدابة للركوب يكره له ذلك لاختلاف اللبس والركوب، فإن أكرى ذلك في مثل لم يفسخ، ولم يضمن.
وقد قال سحنون: لا بأس بالربح في الأكرية في كل شيء.
ابن وهب: وقاله جماعة من التابعين.
قال ابن القاسم: وإن اكتريت فسطاطًا إلى مكة فأكريته مثلك في حالتك وأمانتك، ويكون صنيعه في الخباء كصنيعك وحاجته إليه كحاجتك فذلك جائز.
الجزء: 15 - الصفحة: 420
[الباب السادس]
جامع ما تجوز الإجارة فيه أو به أو بجزء منه
[فصل: 1 - إجارة متاع البيت والجسد]
ولما كانت الإجارة كالبيع كان ما لم يجز بيع ولا النفع به لا تجوز إجارته ولا أن يكون ثمنًا للإجارة، وذلك جائز فيما يجوز بيعه، وما لا يجوز لك عمله لا يجوز أن تأخذ عليه أجرًا.
قال ابن القاسم: ويجوز إجارة متاع البيت مثل الآنية والقدور والصحاف ومتاع الجسد.
[فصل: 2 - حبس المستأجر بعد انتهاء مدة الإيجار]
قال مالك: ومن استأجر ثوبًا أو فسطاطًا شهرًا فحبسه فلم يلبسه سائر المدة: لزمه جميع الأجر، ولو حبسه بعد المدة أيامًا: لزمه أجر حبسه بغير لباس ليس كأجر اللابس، وقاله ابن نافع، وقال غيره: بل بحساب ما استأجرت إن كان ربه حاضرًا.
قال في غير هذا الموضع؛ لأن ربه كان قادرًا على أخذه فتركه رضًا منه بالأجرة الأولى، وإن كان ربه غائبًا فعليه الأكثر من المسمى أو كراء المثل قاله في الدابة يكتريها يومًا فيحبسها أيامًا فهذا مثله.
الجزء: 15 - الصفحة: 421
[فصل: 3 - إجارة حلي الذهب والفضة]
قال ابن القاسم: ولا بأس بإجارة حلي الذهب بذهب أو فضه، وأجازه مالك مرة ثم استثقله مرة أخرى، وليس بحرام بيَّن، وليس كراء الحلي من أخلاق الناس، وأجازه ابن القاسم.
م: وإنما قال مالك في كراء الحلي: ليس كراء الحلي من أخلاق الناس؛ لأنهم كانوا يرون زكاة الحلي أن يعار فلذلك كرهوا أن يكرى.
[فصل: 4 - إجارة المكيال والميزان والدلو والفأس والحبل والمصحف]
قال مالك: ويجوز إجارة المكيال والميزان.
قال ابن القاسم: وكذلك الدلو والفأس والحبل وشبه ذلك، وتجوز إجارة المصحف لمن يقرأ فيه لجواز بيعه، وأجاز بيعه مالك وجماعة من التابعين.
قال ابن عباس: ما لم يجعله متجرًا، وأما ما عملته بيدك فجائز.
الجزء: 15 - الصفحة: 422
قال ابن القاسم: وتجوز الإجارة على كتابة المصحف.
وقال ابن حبيب: لا تجوز إجارة المصحف بخلاف بيعه.
وكأن إجارته ثمن للقرآن وبيع المصحف ثمن الرق والخط، وقد بيعت المصاحف في أيام عثمان فلم ينكروا ذلك، وكره إجارته من لقيت من أصحاب مالك، واختلف قول ابن القاسم فيه.
م: إجازة ابن حبيب الإجارة على تعليم القرآن يرد قوله في منع إجارة المصحف؛ لأن المصحف كالمعلم فكما جازت إجارة المعلم فكذلك تجوز إجارة المصحف، فإن قيل: فإن أجر التعليم ثمن لشغل بدن متولي ذلك قيل: وكذلك إجارة المصحف ثمن لاشغاله عن صاحبه؛ ولأن المصحف يتمرث لذلك ويفسد رقة، ويتمحص كتابته، وذلك ينقص من ثمنه فهو ثمن إجارته، وتعليم المعلم يزيده نفاذا وحفظًا، فالمصحف أولى أن تجوز إجارته، وهذا بيَّن وبالله التوفيق.
ومن المدونة قال ابن القاسم: ولا بأس بالإجارة على تعليم القرآن كل سنة أو كل شهر بكذا، أو على الحذاق للقرآن بكذا، أو على أن يعلمه القرآن كله أو سدسه بكذا، وتجوز الإجارة على تعليم الكتابة فقط، أو على الكتابة مع
الجزء: 15 - الصفحة: 423
القرآن مشاهرة.
قال ابن وهب عن مالك: ولا بأس أن يشترط مع أجره شيئًا معلومًا كل فطر أو أضحى.
ابن المواز: قال مالك: لم يبلغني عن أحد كراهية تعليم القرآن والكتاب بأجر، وكان سعد بن أبي وقاص يعطي الأجر على تعليم بنيه.
قال ابن حبيب: وما روى من النهي عن ذلك فذلك في أول الإسلام والقرآن قليل في صدور الرجال، وأما بعد أن فشى وانتشرت المصاحف فلا.
والتعليم ثمن لشغل بدن متولي ذلك كبيع المصحف ثمن للرق والخط، وقد علَّم صفوان ابن سليم، وعطاء بن أبي رباح في مبتدأ أسنانهم، وأخذوا عليه الأجر، وكان
الجزء: 15 - الصفحة: 424
مالك وجميع علماء المدينة يجيزون أخذ الأجر على تعليم الصبيان الكتاب والقرآن، والاشتراط على ذلك سنة أو سنتين ثم لبس لأبي الصبي إخراجه حتى يتم الشرط.
م: يريد إلا أن يدفع إليه جميع الأجرة فله إخراجه.
قال ابن حبيب: وإن لم يشترط شيئًا مسمى فله إخراجه متى شاء، ويؤدي قدر ما علمه.
قال ابن المواز: أجاز مالك التعليم مشاهرة، ومقاطعة، وكل شهر وكل سنة بكذا، فإن قال: تعلمه سنة أو سنتين لا ترك لأحدهما، وإن قالا كل سنة أو كل شهر بكذا فلكل واحد منهما الترك متى شاء.
ومن العتبية: سئل سحنون عن المعلم يعلم الصبيان بغير شرط فيجري له الدرهم والدرهمان كل شهر، ثم يحذقه المعلم فيطلب الحذقة فيأبى الأب من ذلك ويقول: حقك فيما قبضت.
قال: ينظر إلى سنة البلد، فيحملون عليها، إلا أن يشترط شيئًا فله شرطه، وليس في الحذقة حد معروف إلا على قدر الرجل وحاله.
قال: وإذا بلغ الصبي عند المعلم ثلاثة أرباع القرآن فقد وجبت له الختمة،
الجزء: 15 - الصفحة: 425
ووقف في الثلثين.
وقال الثلاثة أرباع أبين.
قال في كتاب ابنه: ولأبيه أن يخرجه إذا بلغ الربع ولا شيء للمعلم من حق الختمة، وإنما له إذا قارب الختمة بمنزلة المدبَر وأم الولد للسيد انتزاع أموالها ما لم يتقارب عتقهم بمرض السيد فلا ينتزع منهم شيئًا.
قيل: فإن بلغ الثلثين قال: قد قارب والثلاثة أرباع أبين.
قال ابن حبيب: نوجب الحذقة على حفظ القرآن ظاهرًا أو نظرًا، ويقضى بها للمعلم بقدر دراية الغلام وحفظه في حذقة الظاهر، وقدر معرفته بالهجاء والخط في حذقة النظر، وليس لها قدر معلوم، وهي مع ذلك بقدر ملء الأب وعدمه، وهي مكارمة جرت بين الناس وبين المعلمين كهدية العرس التي يحكم بها بقدر ملء الزوج وعدمه، وقاله أصبغ وغيره، ولا يضره في حذقه الظاهر أن يخطئ الصبي في السورة الحرف والأحرف، وليس من يخطئ كمن لا يخطئ، فأما إن كان غير مستمر في القراءة فليس ذلك بحفظ، ولا حذقة تجب به، وكذلك في النظر إن لم يحسن الهجاء ويحكم الخط، ولا يقرأ شيئًا نظرًا فلا حذقة له.
قال: وإذا اشترط المعلم أن له في الحذقة كذا، وله مع ذلك في كل شهر درهم، فللأب أن يخرجه متى شاء، وعليه من الحذقة بقدر ما قرأ منها، ولو لم يقرأ إلا الثلث أو الربع فله بحسابه من الحذقة، ولو شارطه على أنه يحذقه وله كذا: فليس له أن يخرجه حتى يتم، وإذا وقع الشرط فيها، فلا يكون إلا على أمر معلوم، وإذا لم يشترط شيئًا فهناك يحكم له بها بقدر دراية الغلام وحفظه، وملء الأب وعدمه، وإذا لم يكن شرط وأراد الأب إخراج الصبي قبل فراغها، فإن تقارب الحذقة بالأمر القريب مثل السور القليلة تبقى عليه فقد وجب له الحذقة
الجزء: 15 - الصفحة: 426
كلها، وإن بقي عليه ما له بال، مثل سدس القرآن أو أقل من ذلك فله إخراجه، ولا حذقة عليه لا كلها ولا بحسبها.
قال: ولا يلزم الأب حق الأحظار والأعياد إلا أن يشاء وهي مكارمة حسنة في أعياد المسلمين، وذلك مكروه في أعياد النصارى مثل النيروز والمهرجان.
م: وحق الإحظار عندنا عرف جار كالشريط، وأرى أن يقضي به ببلدنا.
ابن حبيب وغيره: وكره مالك أن يعلم المسلم أبناء المشركين الخط، أو يتعلم المسلم عند المشركين كتاب المسلمين أو كتاب النصارى.
الجزء: 15 - الصفحة: 427
[فصل: 5 - الإجارة على تعليم الفقه والفرائض]
ومن المدونة قال ابن القاسم: وأكره الإجارة على تعليم الفقه والفرائض؛ لأن مالكًا كره بيع كتب الفقه والشرط على تعليمها أشد.
م: وقد أجاز غيره بيع كتب الفقه والحديث والفرائض وغيرها فكذلك الإجارة على تعليمها جائز على قوله.
م: وقيل إن الفرق عند ابن القاسم بين الإجارة على تعليم القرآن تعليم الفقه والفرائض أن القرآن حق صحيح لاشك فيه، والفقه فيه حق وباطل فلذلك كرهت الإجارة على تعليمه فيه.
م: والصواب جواز الإجارة على تعليم ذلك كله؛ لأنه ثمن لشغل المعلم بالمتعلم، وتبعه بتعليمه، وتفهيمه، ولو كان الأمر كما قال لم يجب تعليم الفقه إذ لا يجب تعليم الباطل، وإنما كرهه ابن القاسم والله أعلم؛ لأنه ليس عليه العمل عندهم بخلاف القرآن الذي جرى العمل بتعليمه، وأخذ الأجر عليه؛ ولأن على الفقيه إبذال الفقه لأهله وتعليمه لهم، ولو طلب الأجرة عليه لقل تعليمه لطوله وكثرة ما كان يؤدي عليه والله أعلم.
الجزء: 15 - الصفحة: 428
[فصل: 6 - الإجارة على تعليم الشعر والنوح]
ومن المدونة قال ابن القاسم: وأكره الإجارة على تعليم الشعر والنوح.
م يعني التغبير.
قال ابن القاسم: أو على كتابه ذلك أو إجارة كتب فيها ذلك وبيعها، وكره مالك بيع كتب الفقه فكيف بهذه، وما كره بيعه فلا يواجر.
وقال ابن حبيب: ولا بأس بالإجارة على تعليم الشعر، والنحو، وأيام العرب، والرسائل، وشبهه من علم الرجال وذوي المروءات، وأكره من تعليم الشعر، وروايته ما فيه ذكر الخمر والخنى، قيح الهجاء.
وقال كله أصبغ.
[فصل: 7 - قراءة القرآن بالألحان وبيع الأمة المغنية]
ومن المدونة: وكره مالك قراءة القرآن بالألحان فكيف بالغناء، وكره مالك بيع الأمة بشرط أنها مغنية.
قال ابن القاسم: فإن وقع فسخ البيع.
قال سحنون: وينبغي أن تباع ولا يذكر غناها، فإذا تم البيع ذكر ذلك فإما رضيها المبتاع أو ردها.
الجزء: 15 - الصفحة: 429
وفي كتاب ابن المواز: ومن اشترى أمة فوجدها مغنية لم ترد؛ لأن ذلك لا ينقص من ثمنها، إلا أن يشترط ذلك في البيع فيفسخ.
وقال أشهب: لا تباع ممن يعلم أنها مغنية، وإن تبرأ من ذلك لم يكن شيئًا؛ لأنه إخبار بغناها.
وروى عيسى عن ابن القاسم: أن من ابتاع مغنية للخدمة لا للغناء ولم يزد في ثمنها أنه لا بأس بذلك.
وقد تقدم هذا في كتاب العيوب.
[فصل: 8 - الإجارة على الحج والإمامة والأذان]
ومن المدونة وكره مالك الإجارة في الحج، وعلى الإمامة في الفرض، والنافلة، وفي قيام رمضان.
قال ابن القاسم: وهو عندي في المكتوبة أشد كراهية، وأجاز ذلك ابن عبد الحكم، وهو القياس.
قال مالك: ومن استأجر رجلاً على أن يؤذن لهم ويقيم ويصلي جاز، قال ابن القاسم: لأن الأجر في هذه إنما وقع على الأذان والإقامة والقيام بالمسجد لا على الصلاة.
م: فجوازه الأجر على الإمامة يضعف منعه ذلك على الصلاة.
الجزء: 15 - الصفحة: 430
اختلف شيوخنا إن تعطل عن الصلاة لأمر عرض له هل تسقط حصة ذلك من الأجر أم لا؟ فقيل: يسقط منها بقدر الصلاة، وقال ابن إسحاق: تنفسخ الإجارة كلها.
ومن المدونة وروى ابن وهب: أن عمر أجرى لسعد القرظ، وإنما سمي سعد القرظي؛ لأنه كان يبيع القرظ وهو الدباغ.
وأعاب ابن حبيب رواية ابن القاسم عن مالك في إجازة الإجارة على الأذان أو على الأذان والإقامة، وكراهيته في الإمامة خاصة، وقال ذلك كله سواء لا يجوز على أذان ولا صلاة؛ لأن ذلك كله لله تعالى معمول وقد جاء في الحديث: «اتخذوا مؤذنًا لا يأخذ على أذانه أجرًا»،
الجزء: 15 - الصفحة: 431
وكرهه عطاء إلا إن يعطي من غير شرط، وما روى من عطية عمر وغيره على ذلك فلأن ذلك من مال الله عز وجل ونفقة لهم على قيامهم بأمر المسلمين، وكذلك كان يجري للقضاة والولاة رزقًا، وهم لا يجوز لهم الأخر من مال من حكموا له بالحق جعلاً على حكمهم.
م: جوازه أخذهم الأجر على ذلك من مال الله يضعف منعه الأخذ على ذلك من غيره إذا لم يكن ثم بيت مالي يجري لهم منه رزق؛ ولأنه وإن كان ذلك لله فتكفلهم النظر في الأوقات والإتيان إلى هذا المسجد بعينه خاصة يجب لهم عليها الأجر.
والله أعلم.
فصل [9 - الإجارة على تعليم العبد القرآن أو الخياطة]
ومن المدونة قال: ومن واجرته على تعليم عبدك الكتاب والقرآن سنة وله نصفه: لم يجز؛ إذ لا يقدر على قبض ماله فيه قبل السنة، وقد يموت العبد فيها فيذهب عمله باطلاً.
قال أبو محمد: فإن نزل هذا وكان الشرط فيه أن يقبض نصفه بعد السنة فسخ، فإن فات وعلَّمه سنة يريد وعثر عليه عند تمامها قبل فوات العبد بيد المعلم فله قيمة تعليمه والعبد لسيده، وإن فات بعد السنة بيد المعلم، فالعبد بينهما، وعلى الذي علمه نصف قيمته يوم تمام السنة معلما، وعلى رب العبد قيمة تعليمه.
الجزء: 15 - الصفحة: 432
قال أبو محمد: ولو كان الشرط فيه أن يقبض المعلم نصفه الآن على أن يعلمه سنة: لم يجز؛ فإن فات بيد المعلم فإن كان قبل تمام السنة فله نصف قيمة تعليمه وعليه نصف قيمة العبد يوم قبضه ويكون بينهما.
ومن المدونة قال مالك: وإن دفعت غلامك إلى خياط أو قصار ليعلمه ذلك العمل بأجر معلوم فلا بأس بذلك.
قال: وكذلك إن دفعته إليهم ليعلموه ذلك العمل بعمل الغلام سنة جاز ذلك.
قال يحي بن عمر: السنة محسوبة من يوم أخذه.
وقال غيره بأجر معلوم أجوز.
فصل [9 - إجارة الدفاف في الأعراس]
قال ابن القاسم: ولا ينبغي إجارة الدف والمعازف كلها في العرس، وكره ذلك مالك وضعفه.
م: يريد ضعف قول من يجيز ذلك.
م: أما الدَّف الذي أبيح ضربه في العرس ونحوه فنيبغي أن تجوز إجارته، وفي ضرب الكَبَر في العرس اختلاف.
الجزء: 15 - الصفحة: 433
فصل [11 - الإجارة على قتل القصاص وعلى الأدب]
ولا بأس بالإجارة على قتل قصاص يريد وقد ثبت بحكم قاض عدل، كما تجوز إجارة الطبيب وهو يقطع ويبط، ولا بأس بالإجارة على ضرب عبدك أو ولدك للأدب، وأما على غير ما لا ينبغي من الأدب فلا يعجبني، وإن واجره على قتل رجل ظلمًا فقتله فلا أجر له، وكل مستأجر على مالا يجوز من ذلك فعلى الأجير القصاص، وعلى الذي أجره الأدب.
قال في كتاب ابن المواز: يضرب مئة ويحبس سنة.
قال سحنون: وقال المشيخة السبعة من فقهاء التابعين في الجراح الخطأ فيما دون الموضحة إذا برئ، وعاد لهيئته فإنما أجر المداوى.
قال أبو محمد ويحي بن عمر: وروى محمد بن سحنون عن أبيه في من قال لرجل اقتلني ولك ألف درهم فقتله.
قال: قد اختلف في هذه المسألة، وأحسن ما فيها أن يجلده السلطان مئة ويحبسه سنة، ويبطل حقه في الجعل قال محمد بن عمر: والقول
الجزء: 15 - الصفحة: 434
الآخر أحب إليَّ أن للأولياء أن يقتلوه؛ أن يقتلوه؛ لأن ذلك حق لم يكن وجب للمقتول وإنما وجب لورثته.
م: ولو قال له: اقتل عبدي ولك كذا، أو بغير شيء فقتله، فإن القاتل يضرب مئة ويحبس عامً، وكذلك السيد أيضًا يضرب مئة ويحبس عامًا، واختلف هل يكون للسيد على القاتل قيمة العبد أم لا؟ فقال أشهب عليه قيمة العبد، وقال: أبو زيد لا شيء له والصواب ألا قيمة له عليه كما لو قال له أحرق ثوبي هذا، أو ألقه في البحر، ففعل أنه لا قيمة له عليه؛ لأنه أباحه ذلك.
فصل [12 - في إجارة الأطباء]
ومن المدونة قال مالك: والأطباء إذا استؤجروا على العلاج فإنما هو على البرء، فإن برئ فله حقه وإلا فلا شيء له.
قال سحنون في غير المدونة: لأن أصله جعل ولذلك لا يضرب فيه الأجل.
م: قيل: ويكون الدواء من عند العليل.
قال: ولو كان من عند الطبيب كان غررًا؛ لأنه [إن] برئ أخذ حقه، وإن لم يبرأ ذهب دواؤه باطلاً، ويدخله أيضًا إن برئ بيع وجعل وذلك لا يجوز.
الجزء: 15 - الصفحة: 435
وقال ابن القاسم وابن وهب في العتبية في مشارطة الطبيب على أنه إن برئ فله كذا، وإن لم يبرأ فله ثمن الأدوية: فلا ينبغي ذلك، وهذا من شرطين في شرط.
ومن المدونة قال مالك: إلا أن يشترطا شرطًا حلالاً فينفذ بينهما قال ابن القاسم: كالشرط أن يكحله شهرًا وكل يوم بدرهم بالإثمد أو غيره فيجوز إن لم ينقده الإجارة -يريد وهذه إجارة- قال: فإن برئ قبل الأجل أخذ بحسابه، إلا أن يواجره وهو صحيح العينين أن يكحله شهرًا بدرهم فيجوز النقد فيه إذ لا يتقي فيه رد ما بقي بالبرء، ويلزمهما تمامه.
قال ابن الجلاب في معالجة الطبيب على البرء وتعليم القرآن على الحذاق، وقد قيل: لا تجوز إلا على مدة معلومة م: وهو قول جيد.
الجزء: 15 - الصفحة: 436
فصل [13 - في إجارة القَسَّام]
ومن المدونة قال مالك: وكره مالك إجارة قَسَّام القاضي وقَسَّام الدور وحسابهم.
قال: وقد كان خارجة بن زيد ومجاهد يقسمان مع القضاة ويحسبان ولا يأخذان لذلك أجر.
قال مالك في غير المدونة: وليس بحرام ولكنه ليس من عمل الأبرار.
وقال سحنون: إنما كرهه مالك؛ لأنه كان يفرض لهم الأرزاق من أموال اليتامى، فأما إذا أجرى لهم الوالي رزقًا من بيت المال فلا بأس به.
فصل [14 - في إجارة المساجد، والبناء فوقه]
قال ولا يصلح لأحد أن يبني مسجدًا ليكريه ممن يصلي فيه.
وقد كره مالك أن يبني الرجل مسجدًا ثم يبني فوقه بيتًا يسكنه بأهله يريد؛ لأنه إذا كانت معه
الجزء: 15 - الصفحة: 437
صار يطأها على ظهر المسجد، وذلك مكروه، وذكر مالك أن عمر بن عبد العزيز كان يبيت على ظهر المسجد بالمدينة في الصيف، وكان لا تقربه فيه امرأة.
قال ابن القاسم: ومن واجر بيته من قوم ليصلُّون فيه رمضان لم يعجبني ذلك كمن أكرى المسجد.
وقال غيره: لا بأس بذلك في كراء البيت.
وقال سحنون: إنما لم يجز في المسجد؛ لأنه حَبسٌ لا يباع ولا يكرى بمنزلة الفرس المحبس.
والبيت ليس كذلك، فالكراء فيه جائز.
م: صواب: وقال بعض العلماء: إن أراد إنما يدفع إليهم البيت وقت الصلاة فقط ليصلوا فيه، وتبقى منافعه لربه، فقول ابن القاسم أصوب؛ لأنه أخذ بقدر صلاتهم فيه ثمنًا وذلك لا قدر له، وإن كان إنما أسلم إليهم ليحوزوه عنه، ويعملوا به إذا صلوا ما شاؤا فهذا جائز؛ لأن منافع البيت قد منعت من ربها، فهو كالذي أجر أرضه عشر سنين على أن يبنيها مكتريها مسجدًا.
قال ابن القاسم: ولا بأس أن يكري أرضه على أن تتخذ مسجدًا عشر سنين، فإذا أنقضت المدة رجعت الأرض إلى ربها، وكان النقض لمن بناه.
الجزء: 15 - الصفحة: 438
قال سحنون في غير المدونة: يجعله في غيره.
قال أبو محمد: وقول ابن القاسم أبين، وليس مثل الأرض تستحق وقد بنيت مسجدًا يريد فهذا يجعله في غيره؛ لأنه أخرجه من يده لله عز وجل على التأبيد؛ والآخر إنما جعله لله إلى مدة فيرجع إليه بعد تمامها.
م: كمن دفع فرسه إلى من يغزو به ثم يرجع إليه.
قال بعض فقهاء القرويين: وليس لصاحب الأرض أن يعطيه بعد انقضاء المدة فيه النقض منقوضًا؛ لأنه لا يقدر أن ينتفع ببقائه؛ لأنه على صورة المسجد، وإذا كان لا فائدة له فيه إلا الانتفاع بنقضه فأصحابه أحب قه منهم إلا أن يقول أنا أبقية مسجدًا على حاله مؤبدًا فله أخذ النقض بقيمته منقوضًا، ثم لا يكون له نقضه بل يبقيه مسجدًا.
فصل [15 - في إجارة الكنائس]
ومن المدونة قال مالك: ولا يعجبني أن يبيع الرجل داره أو يكريها ممن يتخذها كنيسه.
م: واختلف شيوخنا كيف يكون الحكم إن نزل، فقال بعضهم: يتصدق بالثمن وبالكراء.
وقال بعضهم: يتصدق بفضلة الثمن وبفضلة الكراء تقوم الدار أن لو بيعت أو أكريت على غير هذا الوجه، وتقوم أن لو بيعت أو أكريت على أن تتخذ كنيسة، فيعلم الزائد، فإن كان مثل ثلث الكراء أو ربعه تصدق بمثل ذلك الجزء من المسمى؛ لأن هذا الفضل هو ثمن ما لا يحل.
وقال بعضهم: أما في البيع
الجزء: 15 - الصفحة: 439
فيتصدق بالفضلة كما ذكرنا، وأما في الكراء فيتصدق بالجميع؛ لأنه أجر داره بما لا يحل له كمن أكرى داره لبيع الخمر أو دابته لحمل الخمر.
م: وبهذا أقول.
ومن المدونة قال مالك: ولا يكري مسلم دابته من أهل الذمة وهو يعلم أنهم إنما يركبونها لأعيادهم، أو كنائسهم، أو يبيع منهم شاة يعلم أنما يذبحونها لذلك.
قال ابن القاسم: ولأهل الذمة أن يحدثوا الكنائس في بلد صولحوا عليها؛ لأنها بلادهم يبيعون أرضهم وديارهم ليس فيها للمسلمين شيء، وليس لهم أن يحدثوا ذلك في بلد العنوة؛ لأنها فيء ليست لهم، ولا تورث عنهم، ولو أسلموا لم يكن لهم شيء، وكذلك ما اختطه المسلمون عند فتحهم، وسكنوه كالفسطاط والبصرة والكوفة وإفريقيه وشبهها من مدائن الشام، فليس لهم إحداث ذلك فيها إلا أن يكون فهم عهد فيوفي به؛ لأن تلك المدائن صارت لأهل الإسلام يبيعونها، ويتوارثونها قد سألت عن ذلك مالك فقال: ليس لأهل الذمة أن يحدثوا ببلد الإسلام كنائس إلا أن يكون لهم عهدًا أعطوه.
الجزء: 15 - الصفحة: 440
قال سحنون وقال غيره: كل بلد فتحت عنوة وأقروا فيها، وأوقفت الأرض لأعطيات المسلمين ونوابيهم فلا يمنعوا من كنائسهم التي فيها، ولا من أن يحدثوا فيها كنائس؛ لأنهم أقروا فيها على ما يجوز لأهل الذمة، ولا خراج عليهم في قرارهم التي أقروا فيها وإنما الخراج على الأرض.
ابن حبيب وقال ابن الماجشون: ولا تبنى كنيسة في دار الإسلام، ويمنعون من رمَّ كنائسهم القديمة التي صولحوا عليه إذا رَثَّت، وعلى الإمام العدل هدم ذلك إلا أن يكون ذلك شرطًا في عهدهم فيوفي لهم به، ويمنعون من الزيادة فيها كانت الزيادة ظاهرة أو باطنة.
قال: وإن شرطوا في صلحهم أن لا يمنعوا من إحداث الكنائس فلا ينبغي للإمام أن يصالحهم إلا على ما يوافق الكتاب والسنة، فإن جهل وصالحهم على ذلك لم يجز الشرط، ويمنعون من إحداثها.
وإنما يوفي لهم بما اشترطوا من الرمَّ فقط.
قال: وأما أهل العنوة فلا تترك لهم عند ضرب الجزية عليهم كنيسة قائمة إلا هدمت ثم لا يحدثوا كنيسة، وإن كانوا معتزلين عن بلد الإسلام.
فصل [16 - الكافر يواجه المسلم في حمل الخمر]
ومن المدونة قال ابن القاسم: ولا يجوز لمسلم أن يواجر نفسه أو عبده أو دابته في حمل الخمر، أو داره أو حانوته أو شيئًا مما يملكه في أمر الخمر، ولا يعطى من الإجارة شيئًا لا ما سميا، ولا أجر مثله، كمسلم باع خمرًا فلا يعطى من ثمنها شيئًا، ويفعل فيه
الجزء: 15 - الصفحة: 441
إن كان قبض الإجارة مثل ما وصفنا في ثمن الخمر يريد يؤخذ منه الثمن فيتصدق به.
قال ابن المواز: وإذا باع المسلم خمرًا من ذمي، وقبض الثمن، أخذ منه فتصدق به، وإن لم يقبضه فقد اختلف فيه قول مالك فقال مرة: لا يؤخذ من النصراني، وقال مرة: يؤخذ منه ويتصدق به، قال ابن القاسم: وهذا أحب إلينا، وقال ابن المواز: لا يؤخذ الثمن منه وإن أخذ المسلم منه رد عليه، وأغرم خمرًا مثل ما أخذ منه، وتكسر على المسلم؛ لأن أخذ الثمن منه إجازه لشرائه.
فصل [17 - المسلم يواجر نفسه من ذمي يرعى له خنازير]
ومن المدونة قال ابن القاسم: وإن واجر المسلم نفسه من ذمي يرعى له الخنازير، فإن المسلم يؤدب على ذلك إلا أن يعذر بجهل، وتؤخذ الإجارة من الذمي ولا تترك له فيتصدق بها على المساكين، كقول مالك في الخمر يبيعها الذمي من مسلم وهو يعلم أنه مسلم أن الذمي يؤدب على ذلك، ويؤخذ الثمن من المسلم فيتصدق به على
الجزء: 15 - الصفحة: 442
المساكين أدبًا للذمي، وتكسر الخمر في يدي المسلم، وإن قبض الذمي الثمن ترك له، وكسرت الخمر على كل حال.
وقال سحنون في ثمن الخمر: ينزع من الذمي إن قبضه ويتصدق به، وقد تقدم هذا كله في كتاب التجارة إلى أرض الحرب.
فصل [18 - المسلم يأخذ قراضًا من ذمي]
وكره مالك وغيره من العلماء أن يأخذ المسلم قراضًا من ذمي لئلا يذل نفسه.
م: قال محمد وقد قال الرسول عليه الصلاة والسلام: «الإسلام يعلو ولا يعلى» قال ابن القاسم: وأكره للمسلم أن يواجر نفسه من ذمي في خدمة أو حرث أو بناء أو حراسة.
قال أبو محمد: فإن فات ذلك مضى بالثمن بخلاف مالا يحل عمله من رعي الخنازير، وحمل الخمر.
فصل [19 - الإجارة على طرح الميتة والدم والعذرة،
والاستقاء في جلودها]
قال ابن القاسم: ولا بأس بالإجارة على طرح الميتة والدم والعذرة.
قال مالك: ولا يواجر على طرح الميتة بجلدها إذ لا يجوز بيعه وإن دبغ، ولا يصلي عليه، ولا يلبس للصلاة به يريد وأما لغير الصلاة فجائز.
الجزء: 15 - الصفحة: 443
قال ابن القاسم: وأما الاستقاء في جلود الميتة إذا دبغت فإنما كرهه مالك في خاصة نفسه، ولم يحرمه على الناس.
ولا بأس أن يغربل عليها ويجلس، وهذا وجه الانتفاع بها الذي جاء في الحديث عن النبي عليه الصلاة والسلام أنه قال: «ألا انتفعتم بجلدها» وأما بيعه فلا يجوز، أشهب وقد قال الرسول عليه الصلاة والسلام: «لعن الله اليهود حرمت عليهم الشحوم فباعوها، وأكلوا أثمانها».
قال جابر بن عبد الله: ما حرم أكله حرم بيعه، وأجاز ابن وهب في العتبية بيعه والصلاة عليه لقول النبي -صلى الله عليه وسلم-: «إذا دبغ الإهاب فقد طهر».
الجزء: 15 - الصفحة: 444
فصل [20 - إجارة نزو الفحل]
ومن المدونة قال مالك: ولا بأس بإجارة الفحل للإنزاء كان فرسًا أو حمارًا أو بعيرًا أو تيسًا على نزو أكوام معروفة، أو شهر بكذا.
قال ابن حبيب: فإن سمى أيامًا أو شهرًا: لم يجز أن يسمى عدد النزوات.
ومن المدونة وإن استأجره ينزيه حتى تُعِق الرمكة لم يجز؛ لأنه مجهول.
قال ابن القاسم: وقد بلغ مالكًا أن بعض العلماء كرهوا إجارة الفحل للإنزاء، ولكنه أجازه؛ لأنه ذكر أنه العمل عندهم، وأدرك الناس يجيزونه بينهم.
ابن وهب: وأجازه عبد العزيز بن أبي سلمة وجماعة من التابعين.
الجزء: 15 - الصفحة: 445
فصل [21 - بيع البئر وبيع مائها] قال مالك: وللرجل منع ما في داره أو أرضه من عين أو بئر للشفة أو للزرع ويجوز بيعها، وبيع مائها، وأما ما حفر في الفيافي والطرق كمواجل انطابُلُس، وطريق المغرب، فقد كره مالك بيعها، ولم يره حرامًا، وهذا مستوعب في كتاب التجارة بأرض الحرب.
الجزء: 15 - الصفحة: 446
[الباب السادس]
في إجارة الوصي نفسه من يتيمه أو الوالد من ولده أو الولد من والده وإجارة العبد بغير إذن سيده وإجارة الصغير بغير إذن وليه
[فصل: 1 - إجارة الوصي أو الوالد نفسه من يتيمه
أو من ابنه أو الابن نفسه من أبيه]
والقضاء: ألا يجوز شراء الوصي من يتيمه، فإن فعل: نظر في ذلك الإمام، فما كان خيرًا لليتيم أمضاه.
قال ابن القاسم: وإذا واجر الوصي نفسه من يتيم له في حجره يعمل في بنيانه أو بستانه نظر في ذلك الإمام فما كان خيرًا لليتيم أمضاه.
وقد كره مالك أن يشتري الوصي من مال يتيمه لنفسه، فإن فعل: نظر السلطان في ذلك، فما كان خيرًا لليتيم أمضاه على الوصي، فأرى الإجارة مثل البيع.
قال: وكذلك الأب في ابنه الصغير في هذا مثل الوصي في يتيمه سواء.
قال ابن القاسم: وإن واجر ابنه للخدمة، فإن كان الابن محتلمًا فالإجارة للابن؛ لأنه إذا احتلم لم تلزمه نفقته.
الجزء: 15 - الصفحة: 447
فصل [: 2 - العبد والصغير يؤاجران أنفسهما بغير أذن الأولياء]
قال ابن القاسم: ومن واجر صبيًا صغيرًا في عمل بغير أذن وليه، أو عبدًا محجورًا عليه بغير إذن سيده لم يجز ذلك؛ لأن العبد والصغير لا تجوز عقودهما إلا بإذن السيد أو ولي الصبي، فإن فعل وعملا فعليه الأكثر مما سمى أو أجر المثل، فإن عطبا وكان عملاً يعطبان في مثله فالسيد مخير في أخذ الكراء الذي سمى له ولا شيء له من قيمة العبد، أو ويأخذ قيمة العبد ما بلغت ولا كراء له.
قال أبو محمد: وإذا اختار الكراء فله الأكثر كما لو لم يعطب.
وقال ابن شيلون إذا ترك أخذ القيمة فإنما له الكراء المسمى فقط.
وقول أبي محمد أبين.
قال ابن القاسم: وأما في الصبي فعلى المتكاري الأكثر من أجر مثله أو ما سمى له، والدية على عاقلته.
وقال ابن وهب عن مالك: إذا أنكر السيد أن يكون أذن له في الإجارة: لم يضمن مستعمله بأجر هلاكه إلا أن يواجره في غرر كالبئر ذات الحَمْاة، أو الهدم تحت الجدران بغير إذن أهله، فيضمن.
قال: وكذلك إن أطلقه ربه في
الجزء: 15 - الصفحة: 448
الإجارة: ضمن من استعمله في هذا الغرر بغير إذن سيده؛ لأنه لم يؤذن له في التغرير بنفسه، وقاله ربيعة.
قال سحنون: هذا هو الأصل.
م: وهو خلاف قول ابن القاسم، وروى ابن القاسم عن مالك في العتبية نحو رواية ابن وهب هذه، قال في العبد الخياط أو النجار يستأجره رجل في غير عمله يعمل له شيئًا، أو ينقل له البناء أو غير ذلك فيهلك العبد في ذلك: فلا ضمان عليه، وقد يرسل العبد البَّنَّاء في البِنَاء فيتعذر عليه البِنَاء فيواجر نفسه في غيره إلا أن يدخله في عمل مخوف فيه خطر.
قال ابن القاسم: أو يعتمد به سفرًا فيضمن.
م: قال بعض فقهاء القرويين: وقيل: يضمن، وإن كان عملاً لا يعطب في مثله؛ لأنه وضع يده عليه بغير إذن سيده فأشبه الغاصب، فإن قيل: الغاصب متعد، وهذا غير متعد، فأشبه ما لو استأجره من الغاصب فعطب فيما استأجره أنه لا يضمن،
الجزء: 15 - الصفحة: 449
أو اشتراه من سوق المسلمين فمات في يده فلا يضمن.
قيل: من اشترى أو استأجر من غاصب هناك من يضمن للمغصوب له وهو الغاصب، ومستأجر العبد من نفسه ليس هناك من يضمن، إذ العبد هو غاصب منفعة نفسه فلا يضمنها لسيد، وإنما يضمنها من وضع يده عليها بالخطأ، إلا أن يقال: أن هذا القدر يمكن أن يتصرف فيه العبد لو لم يُواجر، فصار كمن استأجره مكانه لم ينقله عن موضعه فأشبه الحر في هذا المعنى.
[فصل: 3 - المستعين بعبد أو غلام غير بالغ بغير إجارة
هل يضمن ما أصابها؟]
ومن المدونة ابن وهب وقال ربيعة: من استعان عبدًا أو غلامًا حرًا غير بالغ بغير أجر فيما فيه الإجارة: ضمن ما أصابها، وإن كان عملاً لا يعطيان في مثله.
بخلاف أن لو استأجرهما هذا لا يضمن إلا أن يستعملهما في غرر كما ذكرنا، وأما لو استأجر كبيرًا حرًا في غرر لم يضمن ما أصابه إلا أن يستغفل أو يستجهل في أمر لا يعلم منه ما يعلم من واجره، وكذلك في كتاب محمد.
قال ربيعه: وإن استأجر عبدًا أذن له في الإجارة، فخرج به في سفر بغير إذن وليه فهو ضامن.
قال: وما كان من عبد أو صبي استعين فيما لا إجارة فيه كمناولة النعل والقدح وشبهه فلا عقل في هذا في حر ولا عبد.
الجزء: 15 - الصفحة: 450
م: واختلف إن استعان عبدًا في خياطة يسيرة، فمات العبد حتف أنفه على قول ربيعة هذا، فقال بعض أصحابنا: يضمن؛ لأنه مما فيه الإجارة، وظهر لي أنه لا يضمن إلا أن يموت بسبب الخياطة التي استعانه فيها مثل أن تضربه الإبرة فيهلك لذلك، أو ينقله إلى داره يخيط له، وإلا لم يضمن.
قال مطرف وابن الماجشون: ولا بأس أن يستأجر الرجل الغلام لم يبلغ الحلم، والجارية لم تحض من أنفسها إذا عقلا، وكان فيما فعلا نظر، ويدفع إجارتهما إليهما، ويبرأ بذلك الدافع ما لم يكن شيئًا له بال، وما كان في إجارتهما من محاباة فعلى المستأجر تمامها كان معهما ولي أو لم يكن، وكذلك إذا عقد عليهما أخو أو عم يجوز من ذلك ما يجوز إذا عقداه هما إذا قل خطب ذلك، ولم يحابا فيه، ودفعه الإجارة إلى الولي الذي أجرهما يبرأ به إن كان الولي مأمونًا، ولو كان الولي من قبل الإمام كان أحب إلينا، وقاله ابن عبد الحكم وأصبغ.
ولا يواجر إلا المأمون، ولا يواجر الجواري إلا من المأمون العفيف، ويتقدم الإمام فيه، ويعاقب على خلافه، ولا يواجر من غريب لا يعرف.
الجزء: 15 - الصفحة: 451
[فصل: 4 - الأعزب يواجر حرة أو أمة تخدمه بدون محرم]
ومن المدونة قال ابن القاسم: وأكره للأعزب أن يواجر حرة ليس بينه وبينها محرم، أو أمة تخدمه يخلو معها.
وقد كره مالك أن يعادل الرجل المرأة في محمل، وليس بينهما محرم، والأول أشد عندي كراهية من هذا.
قال مالك: ولا تكرى أم الولد للخدمة، وليس لها فيها إلا المتعة.
الجزء: 15 - الصفحة: 452
[الباب السابع]
في إجارة الحائط لغرز الخشب وإجارة الأجير على أن يغتله وأجل الإجارة
[فصل: 1 - إجارة الحائط لحمل الخشب أو بناء سترة]
قال ابن القاسم: ولا بأس بإجارة الحائط لحمل خشب، أو لبناء سترة عليه، أو لضرب وتد، أو لتعليق ستر كل شهر بكذا.
قال بعض القرويين: فإن انهدم الحائط لم يلزم ربه بناؤه؛ لأنه إنما أكرى منافعه فهو بخلاف ما لو اشترى عليه الحمل للأبد، هذا إذا انهدم: وجب على صاحبه أن يبنيه، كالسفل ينهدم وعليه علو على صاحب السفل أن يبني أو يبيع ممن يبني.
قال مالك: والحديث في غرز الخشب قوله عليه الصلاة والسلام: «لا يمنع أحدكم جاره أن يغرز خشبه في جداره» إنما هو ندب ولا يقضى به.
الجزء: 15 - الصفحة: 453
فصل [: 2 - إجارة العبد الصانع على الإتيان بالغلة]
قال مالك: ولا بأس بإجارة العبد ذي الصنعة على أن يأتيك بالغلة ما لم تضمنه في أصل الإجارة خراجًا معلومًا، وإن وضعته عليه بعد ذلك ولم تضمنه إن لم يأت به جاز ذلك.
م: لأنك قد ملكت منافعه، فلك أن تصرفها حيث شئت في مثل ما اكتريت، كما لو اكتريت دارًا فلك كراؤها من غيرك.
قال ابن وهب: قال مالك: وإن وأجرت أجيرًا سنة بدنانير ليعمل لك في السوق، على أن يأتيك بثلاثة دراهم كل يوم: لم يجز؛ لأنه إن أعطاكه فضة فهو ذهب في فضة مؤجلة، وإن كان على أن يعطيك به طعامًا فهو سلم في حنطة بغير سعر معلوم، وقد يكثر ما يعطيك بثلاثة دراهم لرخص الطعام، أو يقل لغلائه، فهو غرر لا يجوز لنهي النبي عليه الصلاة والسلام عن بيع الغرر، وأما لو ذكر أنه يأتيه كل يوم بمكيلة معلومة موصوفة فأجاز ذلك ابن المواز، وكرهه ابن القاسم، وقال بعض
الجزء: 15 - الصفحة: 454
القرويين: لعله يريد؛ لأنه سلم حال، وأجل انقضائه قريب ليس بطويل حتى يكون ما أخذ مقدمًا يسيرًا في جنب ما يتأخر، فعلى هذا يصح قول ابن القاسم الذي لا يجيز السلم إلا إلى أجل بعيد.
ومن المدونة قال ربيعة وابن شهاب: وإن استأجره ودفع إليه دابة على أن يأتيه كل يوم بكذا، فهو جائز ما لم يضمنه إن نقص عن ذلك.
فصل [: 3 - في أمد الإجارات]
ومن المدونة قال مالك: ولا بأس بإجارة العبد عشر سنين وخمس عشرة سنة، وما رأيت من فعله، وأنا أرى به بأسًا، والدُّور أبين أن ذلك فيها جائز.
قال في كتاب كراء الدور: ويجوز تقديم الإجارة فيه بشرطه.
قال: وللموصى له بخدمة عبد عشر سنين أن يكريه عشر سنين، فأما الموصى له بخدمة عبد حياته فلا يجوز أن يكريه عشر سنين يريد بالنقد، وأما إذا لم ينقده فجائز؛ لأنه كل ما عمل أخذ بحسابه، وقال غيره: لا تجوز إجارة العبد السنين الكثيرة لما في الحيوان من سرعة التغيير، وهو في الدواب أبين غررًا.
م: وإلى هذا نحا سحنون، وأما الدور فتجوز إجارتها ثلاثين سنة بالنقد والمؤجل؛ لأنها مأمونة.
ابن المواز: ورواه ابن وهب عن مالك.
الجزء: 15 - الصفحة: 455
[الباب الثامن]
في الإجارة الفاسدة وهل يواجر الأجير أو يستعمل بالليل أو يسافر به؟ وبيع العبد المستأجر وهروبه ومرضه وسرقته
[فصل: 1 - الإجارة الفاسدة]
[المسألة الأولى: الإجارة على أن يخدمه شهرًا بعينه
على أنه إن مرض قضاه في غيره]
قال ابن القاسم: ومن واجر عبدًا يخدمه شهرًا بعينه على أنه إن مرض قضاه في غيره: لم يعجبني؛ لاختلاف أيام الشتاء، والصيف إن تمادى في مرضه.
[المسألة الثانية: استئجار الأجير في شيء فيفسخ في غيره
أو يستعمل في غير ما استأجر له]
قال مالك: ومن واجر نفسه أو عبده في الخياطة شهرًا لم يجز أن يفسخ ذلك في قصارة أو غيرها؛ لأنه دين بدين إلا أن تكون الإجارة يومًا ونحوه فيجوز ذلك؛ لأنه لا يكون دينًا بدين.
وقال سحنون لا يجوز فيما قل أو كثر.
الجزء: 15 - الصفحة: 456
قال مالك وكل من كان له حق على رجل من عمل أو مال فلا يجوز له أن يحوله في غير ذلك العمل والمال، فإن حوله صار كاليًا بكأل، وقد نهى النبي -صلى الله عليه وسلم- «عن الكاليء بالكاليء».
ومن استأجر عبدًا في الخياطة كل شهر بكذا فلا يستعمله في غيرها، فإن استعمله في غيرها فعطب ضمنه إن كان عملاً يعطب في مثله.
قال سحنون: ليس هو هكذا، وإذا حوله بغير أذن أهله في غير ما استأجره ضمن بتعديه، كقول ربيعة في الذي استعان عبدًا فيما فيه الإجارة.
م: يريد سحنون أنه يضمن سواء كان عملاً يعطب في مثله أم لا كمسألة الاستعانة.
فصل [: 2 - الأجير في الخدمة يستعمل على عرف الناس]
ومن واجر أجيرًا للخدمة استعمله على عرف الناس من خدمة الليل والنهار، كمناولته إياه ثوبه أو الماء في ليله، وليس فيما يمنعه النوم إلا في أمر يعرض له المرة يستعمله فيه بعض ليله فلا بأس بذلك.
الجزء: 15 - الصفحة: 457
قال مالك: ولا ينبغي لأرباب العبيد إجهادهم، فمن عمل منهم في نهاره ما يجهده فلا يستطحن في ليله إلا أن يخف عمل نهار فليستطحنه ربه في ليله إن شاء من غير افداح وكره مالك ما أجهد [أو] قل أَمنْهُ، كعمله على الزرنوف؛ لأنه شديد يجهد وربما هلك في ذلك.
فصل [: 3 - الأجير يُسافر به]
ومن استأجر أجيرًا للخدمة فليس له أن يسافر به.
قال مالك وإن استأجره للخدمة على أنه إن سافر أو حرث استعمله في ذلك: لم يجز.
ولا بأس باشتراط ما شابه الخدمة، من طحين وطبخ وخبز وكنس، والمتباعد خطر لتفاوت قيم الأعمال.
قال ابن القاسم في العتبية: وإن شرط عليه إن احتاج إلى سفر شهرًا أو
الجزء: 15 - الصفحة: 458
شهرين في السنة سافر معه، فلا بأس به.
قال في كتاب ابن المواز: لا يشترط عليه في الخدمة سفر أيام يسميها في وسط السنة، ولا يستأجره على عملين متباعدين مثل أن يقول تحرس لي كرمي، وتبني لي هذا البيت.
وقد قال مالك في من استأجر أجيرًا يعمل له بعض الأعمال ثم بدا له أن يحوله إلى غير نوع ما استأجره قبل أن يفرغ من الأول: فلا أحب له ذلك، وكل من كان له حق على أحد من عين أو عرض أو عمل فلا يجوز أن يحوله في غيره، ويؤخره، ويدخله المخاطرة والربا، يريد إذا كان يحوله إلى غيره نوع ما استأجره، فأما إذا كان من النوع الذي استأجره عليه فله، أن يحوله إلى ما شاء منه فإن، قال الأجير في بعض ما يحوله إليه: هذا ما لا أحسنه، مثل الحصاد والحرث والقصل، فللمستأجر أن يفسخ إجارته إن شاء، إلا أن يكون يسيرًا من العمل مما لا خطب له، ولا ضرر في تركه فلا يفسخ به.
وقال ابن المواز: يجوز أن يشترط في شهر من السنة معين عملاً آخر وقد سماه، وقد قال مالك في الدار يكريها على أنه احتاج إليها في شهر من السنة بعينه سكنها: إنه جائز.
ابن حبيب: ومن واجر أجيرًا شهرين يعمل له في الشهر الأول عملاً سماه، وفي الثاني عملاً آخر سماه، أو أجره شهرًا، ثم عامله قبل الشهر بمدة على عمل
الجزء: 15 - الصفحة: 459
آخر خلافه في الشهر الثاني، فما أشبه وتقارب من العمل فجائز في المسألتين إذا كانتا إجارة واحدة، وما تباعد لم يجز؛ لأنه كما واجر رجلاً في عمل لا يشرع فيه إلى شهر.
وإن واجره شهرين شهرًا بعشرة، وشهرًا بخمسة فذلك إجارة واحدة سبعة ونصف لكل شهر، إلا أن يريد أن يكون لكل شهر ما سمى، وإنما رأيت يقع عليه المحاسبة في موت الأجير أو مرضه فلا يجوز.
وقاله ابن الماجشون عن مالك.
قال ابن القاسم في العتبية: وهو من بيعتين في بيعة، إن هلك الأجير في الأول فهو الغابن، وإن هلك في الثاني فالغابن المكتري.
فصل [: 4 - بيع العبد المستأجر]
ومن المدونة قال مالك: ومن واجر عبده ثم باعه فالإجارة أولى به.
قال ابن القاسم: فإن كانت الإجارة قريبة كيوم ويومين جاز البيع، وإن بعد الأجل فسخ البيع، ولم يكن للمبتاع أخذه بعد الأجل؛ لأن مالكًا قال لا يجوز بيع عبد على أن يقبض إلى شهر.
م: فإن كانت الإجارة شهرًا، ولم يعلم المبتاع أنه مواجر حتى انقضت الإجارة، فاختلف أصحابنا المتأخرون في ذلك.
الجزء: 15 - الصفحة: 460
فقال بعضهم: يلزم المبتاع العيب؛ لأنه كعيب ذهب، ويكون له أجرة ذلك الشهر على ما أحب البائع أو كره؛ لأنه أجرة عبده، ولا يدخله بيع عبد وذهب بذهب، لأن الحكم أوجب ذلك ولم يتعاملا عليه.
وقال آخرون: بل الإجارة للبائع، ويخير المبتاع في أن يقبله بغير الإجارة أو يرده.
ولا يجوز أن يتراضيا على أن يأخذه المبتاع ويأخذ الإجارة معه؛ لأنه بيع عبد وذهب بذهب، وقيل: بل يقوَّم العبد على أن يقبض يوم عقد البيع، ثم يقوَّم على أن يقبض بعد شهر، فما نقص رجع بحصَّة ذلك من الثمن وهذا أحسنها.
فصل [5 - هروب العبد المستأجر أو مرضه أو انهدام الدار]
ومن المدونة قال ابن القاسم: ومن واجر عبده ثم هرب السيد إلى دار الحرب، فالإجارة بحالها لا تنتقض، وأما إن هرب العبد إلى دار الحرب أو أبق: انفسخت الإجارة بينهما إلا أن يرجع العبد في بقية من المدة فيلزمه تمامها.
قال غيره: إلا أن يكون تفاسخا.
قال مالك: وكذلك لو مرض المستأجر مرضًا بيَّنًا: انفسخت الإجارة بينهما، إلا أن يصح العبد قبل تمام المدة، فيلزمه تمامها.
الجزء: 15 - الصفحة: 461
قال غيره: إلا أن يكون تفاسخا، أو فسخ ذلك بينهما قبل ذلك فلا يلزمه تمامها.
م: وكذلك الدار ينهدم بعضها ثم يصلحها ربها قبل الفسخ وقد بقى بعض المدة فيلزمه تمامها، وأما لو انهدم جميعها، وانتقل المكتري عنها، ثم بناها ربها حسب ما كانت أولاً، وقد بقى بعض المدة فلا يلزم المكتري بقية المدة؛ لأن هذه دار غير الأولى، وانهدام جميع الدار وبناؤها كموت العبد المستأجر والاتيان بغيره.
قال في العتبية: ولو تروغ العبد المستأجر حتى تمت المدة انفسخت الإجارة فيما يبطل، وإن عمل شيئًا فله بحسابه وهذا في شهر أو سنة معينة، وإنما الذي يلزمه عمله بعد ذلك، مثل أن يقول: له اعجن لي في هذا اليوم ويبة، أو اطحن لي في هذا الشهر كل يوم ويبه، فهذا لا يضر ذكر الوقت، ويلزمه العمل بعد ذلك، وليس بواقع على وقت ولكن على عمل مسمى.
وكمن قال للسقاء: اسكب لي في هذا الشهر ثلاثين قلة، فيروغ فيه فذلك باق عليه.
أشهب عن مالك: ومن واجر عبدًا شهرًا بعشرة دراهم على أن له راحة يومين، فَيُبَطَّل العبد أيامًا غير اليومين، كيف يحسب حصتها من الثلاثين أو من ثمانية وعشرين؟ قال: الذي بلغني وما هو بالبيَّن: أنه إن شرط على المستأجر أن يطعمه في
الجزء: 15 - الصفحة: 462
يومي الراحة المشترطين حسب ذلك على الشهر، وكأنه واجره يومًا على أن يترك له بعض النهار سويعة، وإن لم يكن عليه طعامه فيها حسب على ثمانية وعشرين يومًا.
فصل [: 6 - من استأجر عبدًا فألفاه سارقًا]
ومن المدونة: ومن استأجر عبدًا للخدمة، فألقاه سارقًا، فهو عيب يرد به كالبيع؛ ولأنه لا يستطيع التحفظ منه.
وأما من ساقيته حائطك، ثم ألفيته سارقًا: لم تفسخ مساقاته، وليتحفظ منه.
م: لأن أجير الخدمة قد ملكت جميع منافعه فهو كالشراء له، وهو يتصرف في مالك بعينه وجميع أمورك فلا تستطيع التحفظ منه، والمساقي إنما هو أجير في شيء بعينه فأنت تقدر على التحفظ منه؛ ولأن له حصة في الثمرة فصار كالشريك فهو بخلاف الأجير، ولك إذا وجدته سارقًا أن تساقي عليه غيره، ولا تفسخ مساقاته، ولا يجوز ذلك في الأجير؛ لأنه أجير بعينه، وليس ذلك العمل مضمونًا عليه، كما هو في المساقاة.
الجزء: 15 - الصفحة: 463
[الباب التاسع]
جامع القول في إجارة الراعي
[فصل: 1 - أجير الغنم هل له أن يرعى معها غيرها؟]
قال ابن القاسم: ومن استؤجر على رعاية غنم كثيرة لا يقوى على أكثر منها، فليس له أن يرعى معها غيرها إلا أن يدخل معه راعيًا يقوى به.
قال سحنون: قوله بعد هذا: لا يأتي الراعي بغيره، يرد هذا.
قال ابن القاسم: وإن كانت غنمًا يسيرة فذلك له إلا أن يشترط عليه ربها ألا يرعى معها غيرها، وقد قال مالك في المقارض: له أن يأخذ من غير الأول مالاً ثانيًا يعمل به، إلا أن يكون الأول كثيرًا يخاف إذا دخل معه غيره ألا يقوى عليهما فليس له ذلك: أنكرها سحنون، وقال: ليس القراض والإجارة سواء.
الجزء: 15 - الصفحة: 464
م: وقول ابن القاسم أبين؛ لأن القراض ضرب من الإجارة المجهولة، أرخصت السنة في جوازه، فإذا كان يجوز في القراض مع ضيقه فجوازه في الإجارة أحرى، وإنما يختلفان إذا وقع الشرط فيجوز في الإجارة؛ لأنها أوسع.
قال ابن القاسم: وقد كره مالك لرب المال القليل أن يشترط على العامل أن لا يأخذ من أحد غيره بخلاف الراعي؛ لأن القراض ليس بإجارة معلومة، فهذا يحيله عن وجه رخصته، والإجارة تجوز مؤجلة، أو على بيع متاع أو شرائه ببلد آخر، بخلاف القراض.
قال ابن القاسم: فإن رعى الراعي معها غيرها بعد هذا الشرط.
فالإجارة لرب الأولى، وكذلك أجيرك للخدمة يواجر نفسه من غيرك يومًا أو أكثر، فلك أخذ الأجر أو تركه، وإسقاط حصة ذلك اليوم من الأجر عنك.
م: وهذا فيما يشابه ما أجرته أو يقاربه، وأما أن يواجره في الرعاية شهرًا بدينار، فيذهب يواجر نفسه في الحصاد أو في أمر مخوف يومًا بدينار، أو تواجره يومًا لخدمتك في الغزو فيذهب يقاتل فيقع له في سُهمانه عشرة دنانير، فهذا وشبهه لا يكون لك إلا إسقاط ما عطل من عملك من الأجر.
وقال غير واحد من أصحابنا.
الجزء: 15 - الصفحة: 465
ومن المدونة وقال غير ابن القاسم: إن لم يدخل الراعي برعاية الثانية على الأولى تقصيرًا في الرعاية فأَجْر الثانية للراعي.
م: وقول ابن القاسم أحسن؛ لأنه لما اشترط ألا يرعى معها غيرها فقد ملك جميع خدمته، وزاده للشرط على أجرته، فوجب أن يكون له أجر ما رعى مع غنمه، فإن لم يكن شرط فلا خلاف بينهما أن أجر الثانية للراعي.
قال ابن حبيب: وهذا إذا استأجره على رعاية عدد غنم، وأما لو استأجره على رعاية غنمه، وضمه إلى نفسه فكان تحت يده فليس عليه أن يسمى له عدد ما يرعى له، وله أن يسترعيه ما يقوى مثله على رعيته، وليس للأجير أن يرعى غير ذلك لغيره.
وإن لم يضر ذلك بغنمه؛ لأنه أجيره وله خدمته كلها كالدابة يكتريها ليحمل عليها، فليس لربها أن يحمل لغيره عليها، إلا أن يكري منه على حمل وزن مسمى أو كيل، فله أن يحمل لغيره ما لم يدخل على الأول ضررًا، وهذا مثل إجارته على رعاية عدد غنم معلومة.
[فصل: 2 - الأجير يُستأجر لرعاية غنم بغير أعيانها أو بأعيانها
فمات بعضها فهل للمؤجر أن يخلف مكانها؟]
ومن المدونة ومن استأجرته على رعاية مئة شاة، ولم تقل بأعيانها، فمات بعضها فلك خلف ما مات منها، وإن لم تشترط ذلك عليه، فإن كانت بأعيانها فلا تجوز
الجزء: 15 - الصفحة: 466
الإجارة، حتى يشترطا أنها إن ماتت أو باعها أخلف مكانها غيرها.
وقال سحنون وابن حبيب: والحكم يوجب له ذلك، ويستغنى عن الشرط.
قال ابن حبيب: والأمر على الجواز حتى يشترط تصريحًا إن ماتت أو بيعت، فليس عليه أن يرعى له غيرها فتفسد الإجارة؛ ولأن الغرض في رعاية الغنم العدد لا الأعيان، وقد تقدم هذا في أول الكتاب.
[فصل: 3 - الأجير يرعى غنمًا بأعيانها فتتوالد أو يزاد فيها]
ومن المدونة قال ابن القاسم: وإذا استؤجر على رعاية غنم بأعيانها وشرط ربها أن ما مات منها أخلفه فتوالدت الغنم حُمِلا في رعاية الولد على عرف الناس، فإن لم تكن لهم سنة لم تلزمه رعايتها.
قال أبو بكر اللباد: وعلى ربها أن يأتي براعي يرعى معه للتفرقة.
[فصل: 4 - هل لأجير الغنم أن يأتي بمن يرعى مكانه؟ وهل له أن
يسقي من ألبانها؟]
قال ابن القاسم: وليس للراعي أن يأتي بعبده أو بغير يرعى مكانه، ولو رضى بذلك رب الغنم: لم يجز.
م: لأنه فسخ دين في دين.
قال مالك: ومن مرَّ براعٍ، لم يعجبني أن يستسقيه لبنًا.
الجزء: 15 - الصفحة: 467
فصل [: 5 - ما جاء في تضمين الرعاة]
[المسألة الأولى: الراعي لا يضمن إلا بالتعدي والتفريط]
قال مالك: ولا ضمان على الرعاة إلا فيما رعوا فتعدوا فيه، أو فرطوا في جمع ما رعوا من الغنم والدواب لناس شتى أو لرجل واحد.
ابن حبيب: وقال ابن الماجشون وقال ابن المسيب والأوزاعي ومكحول والحسن: يضمن الراعي المشترك، ولا يضمن من يرعى لرجل واحد خاصة.
م: رأوا الراعي المشترك كالصانع؛ لأنه أجير مشترك.
[المسألة الثانية: هل يضمن الراعي ما سُرق أو هرب؟]
ومن المدونة قال مالك: ولا يضمن الراعي ما سرق، إلا أن تشهد بينة أنه ضَيَّع أو فَرَّط.
قال أبو الزناد: وإلا لم تلزمه اليمين.
الجزء: 15 - الصفحة: 468
ومن كتاب ابن سحنون وسأل حبيب سحنونًا عن الراعي يرعى للجزارين لهذا شاة ولهذا شاتين فهربت من الذود شاة فطلبها قليلاً ثم رجع إلى الذود وتركها، فقيل له لِمَ رجعت وتركتها؟، قال خفت الضيعة على الذود، هل هذا تفريط؟ قال: ليس هذا بتفريط، ولا ضمان عليه.
[المسألة الثالثة: هل يضمن الراعي ما ضاع وهو نائم، أو انتحر؟]
قال ابن حبيب: ولا يضمن إن نام فضاعت الغنم، وإن كان نومه نهارًا في أيام النوم إلا أن يأتي من ذلك ما يستنكر، ويجر إلى الضيعة فيضمن، أو يكون بموضع مخوف.
ومن المدونة: قال ابن وهب عن مالك: ولا ضمان على العبد الراعي إلا أن ينتحر شيئًا فيضمنه.
م: ويجب أن يضمن على قول ابن القاسم في ذمته، وعلى قول سحنون تكون جناية في رقته كاختلافهما إذا تعدى على الوديعة فأتلفها.
قال أبو الزناد: وإن استراعى بغير إذن سيده فانتحر، أو باع: فليس على سيده ولا في رقبة العبد شيء من ذلك.
الجزء: 15 - الصفحة: 469
[المسألة الرابعة: اشتراط الضمان على الرعي]
قال مالك: وإذا اشترط على الراعي الضمان: فسدت الإجارة، ولا ضمان عليه فيما هلك منها، وله أجر مثله بغير ضمان.
قال ابن القاسم: ناف ذلك على التسمية أو نقص، وقال غيره: إن كان ذلك أكثر من التسمية: لم يزد عليها.
قال: ومحال أن تكون أكثر.
قال ابن القاسم: وكذلك إن اشترطوا على الراعي أنه إن لم يأت بسمة ما مات منها ضمن.
فلا يضمن وإن لم يأت بها، وله أجر مثله ممن لا ضمان عليه.
[المسألة الخامسة: هل ما ذبحه الراعي خشية الموت يضمنه؟]
وإذا خاف الراعي الموت على الشاة فذبحها لم يضمن، ويُصدَّقُ إذا جاء بها مذبوحة.
وقال غيره: يضمن ما انتحر.
ابن حبيب: وقال ابن كنانه وأصبغ، كقول مالك أنه لا يضمن.
قال: ولا يصدق على مثله مستعير البقرة يدعي ذلك فيها.
الجزء: 15 - الصفحة: 470
[المسألة السادسة: هل الراعي مصدق فيما ادعى هلاكه أو سرقته؟]
ومن المدونة قال ابن القاسم: والراعي مصدق فيما هلك أو سرق، ولو قال: ذبحتها ثم سرقت صدق.
وقال غيره: بالذبح ضمن.
[المسألة السابعة: في تعدي الراعي]
قال ابن القاسم: وإن أنزى الراعي على الإبل والرمك والبقر والغنم بغير أذن أهلها ضمن.
وقال غيره لا يضمن.
قال ابن القاسم: وإن شرط عليه الرعاية بموضع فرعى في غيره ضمن قيمتها يوم تعدى كالتعدي في الدابة، وله الأجر إلى يوم تعديه.
وقال في الأكرية: وكل شيء صنعه الراعي مما لا يجوز له فعله، فأصاب الغنم من فعله عيب فهو ضامن، فإن صنع ما يجوز له أن يفعله، مثل أن يضربها كضرب الرعاة ففعل، فعيبت الغنم: فلا ضمان عليه.
الجزء: 15 - الصفحة: 471
قال ابن حبيب: إذا رمى شاة أو بقرة ففقأ عينها، أو كسرها: ضمن ما نقصها، وإن أبطلها ضمن قيمتها تعمد أو لم يتعمد، وكذلك إن رمى كما ترمي الرعاة الغنم فحدث عن ذلك ما لم يرده، فإنه يضمن.
م: وهذا خلاف لمالك.
ابن حبيب: وكذلك الرجل يضرب زوجته، والمعلم يضرب الصبي على وجه الأدب فيكون عن ذلك ما لم يرده، فإنه يعقل ذلك، ولو كان أجنبيًا كان فيه القود، وإنما لا يضمن ما حدث عن رميته مثل أن تنزو الشاة لرميته، أو تحيد فتقع في مهواة فتنكسر، أو تغرق في نهر، أو تنطح صخرة فتنكسر، فلا يضمن هذا، بخلاف ما تؤثر الرمية نفسها.
وهذا إذا رمى كما يرمى الرعاة، فإن رمى متعينًا ضمن كيف ما عطبت بسبب رميته ويصير كأجنبي، قال: ويدل أنه يضمن ما أصابت رميته أنه لو رمى صيدًا فأخطأه فأصاب شاة فعطبت لضمنها.
م: ويظهر لي أن الفرق بينهما أن الرعاة لا تستقيم لهم الرعاية إلا بذلك؛ إذ لو ذهب إلى رد كل شاة تخرج من الغنم أو تتأخر عنها بنفسه لتعذر ذلك عليه ولم يستطعه، فكان ذلك من شأن الرعاة، وجرت به عادتهم، وصار لهم ذلك عرفًا فهم كالمأذونين لهم فيه.
الجزء: 15 - الصفحة: 472
وأما رميهم الصيد فتصيب الشاة فهذا ليس هم مضطرين إليه، ولا هو من مصالح الغنم كالأول فافترقا، ومما يضعف قول ابن حبيب تفرقته بين ما أصاب الرمية أو تولد عنها ألا ترى أن المحرم إذا رمى صيدًا فنزى لرميته فيقع في مهواة فيهلك انه يَدِيه كما لو أصابته الرمية، فإن قيل: إن الراعي مأذون له في مثل هذا، والمحرم منهي عن ذلك قيل: هو يشبه أن لو رمى ظبيًا يظنه سبعًا فنزى في رميته فوقع في مهواة فمات، فإنه يضمن جزاءه، فإن قيل: قتل الخطأ والعمد في قتل الصيد سواء.
قيل: والخطأ والعمد في أموال الناس سواء، فدل ذلك أن لا فرق بين ما أصاب برميته أو ما حدث عنها، وإنما لم يضمن الراعي؛ لأنه مضطر إلى ذلك فكأنه مأذون له فيه.
وبالله التوفيق.
الجزء: 15 - الصفحة: 473
[الباب العاشر]
جامع القول في إجارة الظِئْر
[فصل: 1 - الأصل في استئجار الظئر وحكمه]
قال الله تعالى في المطلقات: ﴿فَإِنْ أَرْضَعْنَ لَكُمْ فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ﴾ [الطلاق: 6] وقال تعالى: ﴿فَسَتُرْضِعُ لَهُ أُخْرَى﴾ [الطلاق: 6].
قال مالك: لا بأس بإجارة الظئر على رضاع الصبي حولاً أو حولين بكذا، وكذلك إن شرطت عليهم طعامها وكسوتها فهو جائز.
ابن حبيب: وذلك معروف على قدرها وهيئتها، وقدر أبي الصبي في غناه وفقره.
م: ولا يدخل ذلك طعام بطعام إلى أجل؛ لأن النهي إنما ورد في الأطعمة التي جرت عادات الناس أن يقتاتونها ويأتدمونها، وأما الرضاع فقد جرى العمل على جوازه في مثل هذا ولا خلاف فيه؛ ولأن اللبن الذي يرضعه الصبي لا قدر له من
الجزء: 15 - الصفحة: 474
الثمن، وإنما أكثر الإجارة لقيامها بالصبي، وتكلفها جميع مؤنته، فكان اللبن في جنب ذلك لا قدر له.
[فصل: 2 - الظئر هل لزوجها وطؤها ويسافر بها؟]
ومن المدونة قال مالك: وليس لزوجها وطئها إن أجرت نفسها بإذنه، وإن كان بغير إذنه فله أن يفسخ إجارتها.
ابن حبيب وقال أصبغ: لا يمنع الوطء إلا أن يشترطوا ذلك عليه، وإلا لم يمنع إلا أن يتبين ضرر ذلك على الصبي فيمنع؛ لأن النبي عليه الصلاة والسلام إنما قال: «لقد هممت أن أنهى عن الغيلة» ولم ينه عنها.
قال ابن حبيب: وقول ابن القاسم أحب إليَّ، اشترط ذلك أو لم يشترط، ألا ترى أن الزوج لا يكون موليًا باليمين بتركه الوطء.
الجزء: 15 - الصفحة: 475
قال محمد بن عبد الحكم: وكذلك إن أراد الزوج أن يسافر بها فإن، أَجَّرت نفسها بإذنه لم يكن له ذلك، وإن كان بغير إذنه فله ذلك وتفسخ الإجارة.
[فصل: 3 - الظئر ترضع الطفل حيث اشترط وما يلزمها غير الإرضاع]
ومن المدونة قال: وترضعه حيث اشترطوا، فإن لم يكن شرط فشأن الرضاع عن الأبوين، إلا امرأة لا يرضع مثلها عند الناس، أو يكون الأب وضيعًا لا يرضع مثلها عند مثله فذلك لها، وإنما ينظر في هذا إلى أفعال الناس.
قال محمد بن عبد الحكم: وإن مات زوج الظئر فإنها تبيت في منزلها بالليل، وتنفسخ الإجارة إن طلبوا ذلك، وإن رضوا بمصير الصبي إلى منزلها ثبتت الإجارة.
ومن المدونة قال: ويحملون فيما يحتاج الصبي من المؤونة في غسل خَرقه، وحميمه، ودَهنه، ودق ريحانه وطيبه على ما تعارفه الناس.
الجزء: 15 - الصفحة: 476
قال ابن حبيب: وإن لم يكن عرف فليس عليها غير الرضاع فقط، إلا أن يشترط ذلك.
قال أبو محمد: وقال محمد بن عبد الحكم: على الظئر المستأجرة أن تغسل خَرق الصبي ولحافه وما يحتاج إليه، وتدق ريحانه، وتقوم من أمره بما تقوم به الأم، وتوضئه إن احتاج إلى ذلك، وتحمله إلى الطبيب إن احتاج إلى ذلك، وأما ما ترقد فيه الظئر من لحاف وفراش فذلك على ما تعارفه الناس، فإن لم يكن عرف فذلك عليها، وكون على الأب لحاف الصبي ودثاره وما يرقد فيه.
[فصل: 4 - الظئر تحمل فيخشى منه على الصبي]
ومن المدونة: وإذا حملت الظئر، فخيف على الصبي: فلهم فسخ الإجارة، ولا يلزمها أن تأتي بغيرها ترضعه؛ لأنها إنما اكتريت على رضاعة بعينها، وإن سافر الأبوان فليس لها أخذ الصبي، إلا أن يدفعا إلى الظئر جميع الأجر.
[فصل: 5 - هل تنفسخ الإجارة بفوات المقصود منها]
قال مالك: وتنفسخ الإجارة بموت الصبي، ولها بحساب ما أرضعته.
ابن القاسم: وإن أراد والد الصبي أن يواجرها ترضع غير ابنه، أو يأتي بصبي سوى ابنه ترضعه، ويعطيها جميع أجرها: لم يكن له ذلك، ولا لها إن طلبته.
قال ابن المواز: وكذلك في الرائض إذا مات الفرس.
ابن ميسر: وكذلك معلم الكتاب إذا مات
الجزء: 15 - الصفحة: 477
الصبي لتفاوت اختلاف مؤنهم، واختلف في من استوجر على حصاد زرع فهلك الزرع قبل الحصاد، فقيل: يحصد له زرعًا غيره.
وقيل: تنفسخ الإجارة؛ لاختلاف الزرع، فإن كان أجره بنصفه وقد طاب فيضمن الأجير نصف قيمة الزرع.
م: لأنه ثمن إجارته، وهلاكه منه بعد عقد الإجارة كالشراء له، فكذلك وجب عليه رد قيمته.
ومن المدونة، قال ابن القاسم: وقد قال مالك في من اكترى دابة ليركبها بنفسه: ليس له أن يكريها من غيره، وإن كان في مثل حاله وخفته؛ لأنه قد يجد من هو مثله في الأمانة والحال والخفة ولا يكون مثله في الرفق، وكذلك الظئر ليس عليها أن ترضع غير ما استؤجرت على رضاعة.
قال سحنون: ليست مثلها.
م: والجواب صحيح، وإنما أنكر عليه سحنون التمثيل؛ لأنه يقول في الدابة: إذا مات الراكب أكريت من مثله، وفي الصبي إذا مات انفسخت الإجارة؛ لأن الرضاع والمؤونة تختلف اختلافًا بينًا والركوب متقارب فافترقا.
الجزء: 15 - الصفحة: 478
[فصل: 6 - الشريفة تواجر نفسها للرضاع]
قال ابن القاسم: وإذا وأجرت الشريفة نفسها لرضاع صبي: لزمها ذلك، وإن لم يقض على مثلها برضاع ولدها؛ لأنها ألزمت ذلك نفسها، كما لو شاءت رضاع ولدها لم تمنع.
[فصل: 7 - الظئر تمرض مرضًا لا تقدر معه على الإرضاع]
وإذا مرضت الظئر مرضًا لا تقدر معه على رضاع: فسخت الإجارة، ولو صحت في بقية المدة جُبرت على الرضاع بقيمتها، ولها من الأجر بقدر ما أرضعت، وليس عليها أن ترضع قدر ما مرضت.
قال غيره: إلا أن يكون الكراء فسخ بينهم فلا يعود.
قال ابن القاسم: وإذا تمادى مرضها حتى انقضى وقت الإجارة فلا تعود إلى رضاع.
قال محمد بن عبد الحكم: ولو تكفَّلت الظئر بوجه رجل فغاب، وقام عليها رب الدين فلا تحبس له؛ لأن الحمالة تطوع منها، وليس لها أن تتطوع بما يفسخ إجارتها، فإذا انقضى وقت الإجارة طولبت.
الجزء: 15 - الصفحة: 479
م: كلما صنعته الظئر أو والد الصبي مما تنفسخ به الإجارة فليس له ذلك إلا بالطوع من الأخر، وكلما نزل به من أمر الله تعالى، مما لا صنع لهما فيه، فهذا يفسخ الإجارة، وإن كره الآخر.
[فصل: 8 - الظئر تؤاجر على إرضاع صبيين فيموت أحدهما،
والظئران تؤاجران على إرضاع صبي فتموت واحدة]
ومن المدونة قال ابن القاسم: ولو واجرها على رضاع صبيين حولين، فمات أحدهما بعد حول، ووضع عنه قدر ما ينوبه، وذلك ربع الإجارة، إلا أن يختلف ذلك رخص الكراء أو غلائه باختلاف الأزمنة من شتاء وصيف، وصبي صغير وكبير فيحسب ذلك، ثم لها أن ترضع مع الباقي غيره بإجارة.
وقال سحنون: تفسخ الإجارة؛ إذ لا يحاط بذلك.
قال ابن القاسم: ولو واجرها على رضاع صبي، لم يكن لها أن ترضع معه غيره.
ومن واجر ظئرين، فماتت واحدة فللباقية ألا ترضع وحدها، قال سحنون: تنفسخ الإجارة؛ لاختلاف من يأتي بها مكان الميتة.
الجزء: 15 - الصفحة: 480
قال ابن القاسم: وكذلك الأجيرين في رعاية غنم يموت أحدهما فله ألا يرعى وحده حتى يأتيه رب الغنم بمن يرعى معه عوضًا عن الميت.
قال: وإن واجر ظئرًا.
ثم واجر أخرى تطوعًا فماتت الثانية، فالرضاع للأولى لازم كما كانت، وإن ماتت الأولى فعليه أن يأتي بمن يرضع مع الثانية.
[فصل: 9 - الأب الموسر يستأجر ظئرًا ثم يموت فهل أجرتها باقي
المدة في ماله أم من مال الولد؟]
قال: وإن هلك الأب: فحصة باقي المدة من الأجر في مال الولد، قدمه الأب أو لم يقدمه، ويرجع بحصة باقي المدة إن قدمه الأب ميراثًا؛ لأن ذلك نفقة للصبي قدمها الأب لم تكن تلزمه إلا ما دام حيًا، فإذا مات، انقطع عنه ما كان يلزمه من أجر الرضاع، وليس ذلك عطية وجبت، إذ لو مات الصبي لم تورث عنه، وكان ذلك للأب خاصة دون أمه، ففارق معنى الضمان في الذي يقول لرجل: اعمل لفلان عملاً، أو بعه سلعتك والثمن لك على، فالثمن في ذمة الضامن إن مات، ولا طلب على المبتاع، ولا على الذي عمل له.
الجزء: 15 - الصفحة: 481
م: والفرق بينهما: أن أجر الرضاع أمر يلزم الأب فأنما قدمه وهو يظن أن الصبي يحي، وأن ذلك لازم له، فلما مات الصبي بان أن ذلك لم يكن يلزمه، فوجب أن يرجع فيه.
والذي قال: بع من فلان سلعتك والثمن لك عليَّ، هو متطوع بذلك ولم يكن يلزمه، فلما تطوع به وضمن للبائع ثمن سلعته لزمه ما تطوع به، ولم تكن له حجة.
وقال بعض فقهاء القرويين: وإذا قدرنا أن الأب دفع ما هو واجب عليه من رضاع الولد لم يكن ذلك هبة منه لوجوبه عليه، إلا أن عقد الإجارة في الظئر يجب أن تكون لازمة للأب وإن مات؛ إذ هو العاقد لذلك فهو المطلوب بثمنها سواء نقد ذلك أو لم ينقده، ويصير على هذا إنما أعطى للابن اللبن الذي ظن أنه لازم له، فلما مات سقط عند بقيته كما سقطت عنه نفقته، فيجب على هذا أن يكون الرضاع هو الموروث عن الأب، وإذا كان الرضاع هو الموروث، لم يكن أن يأتي كل وارث بصبي يرضعه، وإذا لم يكن هذا: فسخ الكراء، وكان حينئذٍ الكراء هو الموروث.
وقال مالك في مختصر ابن عبد الحكم: إذا نقد الأب أجر مدة الرضاع، ثم مات الأب قبلها فما بقي للصبي، إلا أن يموت الصبي قبل ذلك فيكون ما بقي بين ورثة الأب أو للأب إن كان حيًا.
م: وهذا استحسان، ووجهه: كأن الأب لما نقد الإجارة إنما نقد ذلك للصبي إن حيي؛ لأن ذلك يلزمه فإنما نقد له ما يلزمه، فإن مات فقد بان أن ذلك لم يكن
الجزء: 15 - الصفحة: 482
يلزمه، فوجب أن يرجع إليه أو إلى ورثته، وكضمانه صداق ابنه البالغ ودفعه إياه عنه، ثم يطلق الابن قبل البناء: أن نصف الصداق يرجع للأب؛ لأنه إنما دفعه وهو يظن أن ذلك يلزمه فموت هذا الابن كطلاق هذه.
م قال بعض فقهاء القرويين: وكذلك قال أشهب: يكون الصبي أحق به إن نقده الأب، وهذا تفريق ضعيف؛ لأن الكراء قد انعقد في حياة الأب فهو المطلوب بثمنه سواء نقده الأب أو لم ينقده ويجب على هذا أن لو مات الأب لكان موروثًا عنه، وأشهب يقول: إن مات الابن لا يكون موروثًا عنه، وإن مات الأب كان للابن.
وشبَّه ذلك بالمُخَدّم حياته، إن مات المُخدِّم رجع إلى المُخدِّم، وإن مات المخدم بقى في يد المُخَدِّم حياته.
قال: وإنما ينبغي أن تكون هبة للابن ما كان يبقى، ولا يلزمه إن فعله مثل أن يستأجر له معلمًا فيما لا يلزمه أن يعلم، فيكون ذلك للابن إن مات الأب؛ لأنه قد وهبه الإجارة وحازها الابن بتعليم المعلم إياه، وذلك بخلاف تعليم ما يلزمه فذلك كأجرة الرضاع.
قال: وانظر إذ مات الأب وقد استأجر لابنه ظئرًا -على مذهب ابن القاسم- فرأى وصي الصبي أن يشتري جملة الرضاع خلا نصيب الولد، فينبغي أن يكون ذلك له؛ إذ تَرْكُ شرائه يؤدي إلى فسخ الإجارة.
الجزء: 15 - الصفحة: 483
[فصل: 10 - هل تنفسخ إجارة الظئر التي لم تأخذ
أجرتها بوفاة الأب الذي لم يدع مالاً؟]
ومن المدونة وإن مات الأب، ولم يدع مالاً، ولم تأخذ الظئر من إجارتها شيئًا: فلها فسخ الإجارة، ولو تطوع رجل بأدائها: لم تفسخ، يريد ولو قبضت أجرتها ثم مات الأب ولم يدع شيئًا، لم يكن للورثة أن يفسخوا الإجارة، ويأخذوا منها حصة باقي المدة، ولكن يتبعون الصبي بما ينوبهم من أجرة باقي المدة.
م: وهذا أيضًا استحسان وتوسط بين القولين.
ومن المدونة، قال ابن القاسم: ولو لم تقبض شيئًا حتى مات الأب، فحصة ما مضى في ذمة الأب، ولا طلب فيه على الصبي، ولو أرضعته باقي المدة: لم تتبعه بشيء، وكذلك لو قالت: أنا أرضعته باقي المدة على أن أتبعه: فهي متطوعة، كمن أنفق على يتيم لا مال له، وأشهد أنه يتبعه إن طرأ له مال فذلك غير لازم له، وهذا على وجه الحسبة.
[فصل: 11 - الرجل يواجر أمة أو أخته أو ذات رحمه على رضاع ولده]
ولا بأس أن يواجر الرجل أمه أو أخته أو ذات رحمه على رضاع ولده، أو يواجر زوجته أو خادمها على رضاع ولده من زوجة له أخرى.
الجزء: 15 - الصفحة: 484
[فصل: 12 - استرضاع الفاجرة والكافرة والحمقى]
واتقى مالك استرضاع الفاجرة ولم يره حرامًا.
ابن حبيب: وكره استرضاع الكافرة، والحمقى، والمأبونة لما في الرضاع من الطباع.
[فصل: 13 - أجرة رضاع اللقيط ومن لا مال له]
قال في المدونة: وأجرة رضاع اللقيط، ومن لا مال له على بيت المال، وكثير من هذا المعنى في الرضاع.
الجزء: 15 - الصفحة: 485
[الباب الحادي عشر]
في ضمان الأجير لما أفسد أو كسر وضمان الحارس في الحمام
[فصل: 1 - ضمان الأجير لما أفسد أو كسر]
[وتحته مسائل]
[المسألة الأولى: هل يضمن حامل الطعام والدهن إذا هلك بالعثار؟]
قال مالك رحمه الله: ومن استأجرته يحمل لك دهنًا أو طعامًا، فحمله فعثر به فاهراق: لم يضمن؛ لأنه أجير، والأجير لا يضمن إلا أن يتعدى.
وإن أكذبته في ذلك وقلت له: لم تعثر، ولم يذهب لك شيء، فهو ضامن في الطعام والإدام.
[المسألة الثانية: هلي يضمن حامل الأمتعة؟]
وأما في البز والعروض إذا حملها: فالقول قوله، إلا أن يأتي بما يدل على كذبه.
الجزء: 15 - الصفحة: 486
قال ابن وهب عن مالك: ومن حمل على دابته شيئًا بكراء فانقطع حبل من أحبله فسقط ذلك وانكسر، أو ربضت الدابة فانكسر، أو زاحمت شيئًا، فإن عرف أنه غرر في رباطه أو، أخرق في سوق دابته حتى زاحمت، أو عرف أن دابته ربوض: فهو ضامن، وإن لم يعرف من ذلك شيء لم يضمن، وفي كتاب الأكرية إيعاب هذا.
[المسألة الثالث: هل يضمن أجير الخدمة ما أتلفه؟]
قال ومن استأجرته يخدمك في بيتك شهرًا فكسر آنية من بيتك، أو قدورًا، أو أمرته أن يخيط لك ثوبًا فأفسده أو تلف: لم يضمن إلا أن يتعدى؛ لأنك لم تسلم إليه شيئًا يغيب عليه، ولا ائتمنته على شيء، وحكم الأجير غير حكم الصَّناع.
وكذلك أجير الخدمة لا يضمن ما أفسد من طحين، أو اهراق من لبن، أو ماء أو نبيذ، أو وطئ عليه فكسره من قلال أو قصاع، أو أحرقه من ثيابهم،
الجزء: 15 - الصفحة: 487
أو خبز لهم فأحرق.
وقال غيره: ما عثر عليه أو وطئ فهي جناية، وأما ما سقط من يده أو عثر به لم يضمن.
فصل [2 - صاحب الحمَّام وجميع الحراس والرعاة هل يضمنون؟]
[المسألة الأولى: هل يضمن حارس الحمام الثياب؟]
قال مالك: ومن جلس يحفظ ثياب من يدخل الحَمَّام، فصاع منه شيء: لم يضمن؛ لأنه بمنزلة الأجير.
وقال في العتبية: وقد أمرت صاحب السوق أن يُضَمِّن أصحاب الحمَّامات ثياب الناس [فيضمنونها] أو يأتوا بمن يحرسها.
م: ورأيت في بعض الخوارج مثله عن ابن عبد الحكم، وزاد فيه: ولا ضمان على من يحرسها، وإن سعيد بن المسيِّب، ومكحولاً وغيرهما يُضَمِّنون حارس ثياب من يدخل الحمام، وحارس الفندق والراعي، ولم ير ذلك مالك.
الجزء: 15 - الصفحة: 488
[المسألة الثانية: المُسْتَأجر على حراسة هل يضمن؟]
قال ابن المواز: قال مالك: ومن استؤجر يحرس بيتًا فينام فيُسْرَق ما فيه: فلا يضمن، وإن غاب عليه، وله جميع الأجر، وكذلك حارس النَّخل.
قال ابن المواز: لا يضمن جميع الحراس إلا أن يتعدوا، كان ما يحرسونه مما يغاب عليه أم لا، طعامًا أو غيره، وكذلك من يعطي متاعًا يبيعه، فيضيع أو يضيع ثمنه إلا أن هذا لا أجر له ولا ضمان عليه.
وفي العتبية، قال مالك في من بُعث معه بخادم [يبلغه] موضع كذا بأجر مسمى فنام في الطريق [فأبق] أو [مات]: فإن [أبق] حوسب من إجارته، وإن [مات] فله الإجارة كلها.
قال ابن القاسم: الموت والإباق واحد وله الإجارة كلها، ويستعمله في مثل ذلك حتى يتم أو يبلغ، وقال ابن وهب: له من الإجارة حيث ما بلغ فقط.
الجزء: 15 - الصفحة: 489
[الباب الثاني عشر]
في الإجارة والجعل في البناء والحفر
[فصل: 1 - الإجارة على البناء] [المسألة الأولى: المستأجر على بناء الدار عليه الآلة والماء على مقتضى العادة] قال ابن القاسم: ومن واجرته على بناء دار فالأداة والفؤوس والقفاف والماء والدلاء على من تعارف الناس أنه عليه، وكذلك حثيان التراب على حافر القبر، ونقش الرحى وشبهه فإن لم تكن لهم سنة فآلة البناء على رب الدار، ونقش الرحى على ربه.
الجزء: 15 - الصفحة: 490
[المسألة الثانية: ومن واجرته على بناء حائط ثم
انهدم فله بحساب ما بنى]
ومن واجرته على بنا حائط، ووصفته له، فبنى نصفه ثم انهدم فله بحساب ما بنى من أجره؛ لأنك قابض لكل ما بنى، وليس عليه بناؤه ثانية، كان الآجر والطين من عندك أو من عنده.
وقال غيره: لا يكون هذا في عمل رجل بعينه، ولا يكون إلا مضمونًا وعليه في المضمون تمام العمل.
م: هكذا في الأمهات، ونقلها أبو محمد، قال غيره: هذا في عمل رجل بعينه، وعليه في المضمون تمامًا العمل.
م: فعلى ما في الأمهات، قول الغير خلاف لابن القاسم في الرجل المعين، وعلى نقل أبي محمد، قول الغير كله وفاق، وقال سحنون: أَردُ مسألة الحائط إلى مسألة القبر.
الجزء: 15 - الصفحة: 491
م: وقال بعض فقهاء القرويين: ويحتمل أن يكون ابن القاسم أراد أن صاحب الحائط يبني القدر الذي انهدم، ويبني له البنَّاء تمام البِناء، ولا تنفسخ الإجارة فيما بقي إذا أمكن أن يبنى الذي انهدم له، أو يجد موضعًا مثله يبنيه له البنّاء، إلا أن يتعذر ذلك فتنفسخ بقية الإجارة، كما قال أشهب: إذا استأجره على أن يحصد له شيئًا من الأرض فهلكت: أن الكراء لا ينفسخ، وإن كان ابن القاسم قال فيها: أن الكراء ينفسخ، وأما ما كان على طريق الجعل، مثل البئر يحفرها له، ومثل القبر فيما لا يملك من الأرض، فينهدم قبل تمامه، فلا يلزم الجاعل شيئًا إلا أن ينهدم بعد تمامه.
[فصل: 2 - الإجارة على الحفر]
[المسألة الأولى: من واجرته على حفر بئر فحفر نصفها ثم انهدمت]
قال ابن القاسم: ولو واجرته على حفر بئر من صفتها كذا وكذا، فحفر نصفها ثم انهدمت فله بحساب ما عمل، ولو انهدمت بعد فراغها: أخذ جميع الأجر، حفرها في ملكك أو في غير ملكك.
م: لأنها إجارة، والإجارة تجوز في ملكك، أو في غير ملكك من الفلوات، إلا أن تكون بمعنى الجعل، تجعل له دراهم معلومة على أن يحفر لك بئرًا من صفتها كذا
الجزء: 15 - الصفحة: 492
وكذا، فحفر نصفها ثم انهدمت، فإن انهدمت في هذا قبل إسلامها إليك فلا شيء له، وإسلامها إليك فرغه من حفرها.
وقد قال مالك في الأجير على حفر قبر: إن انهدم قبل فراغه فلا شيء له، وإن انهدم بعد فراغه فله الأجر.
قال ابن القاسم: وهذه الإجارة فيما لا يملك من الأرضين.
م: يريد أنه جعل.
قال ابن المواز: ولا يكون الجعل في شيء إذا أراد المجعول له ترك العمل بعد أن شرع فيه يبقى من عمله شيئ ينتفع به الجاعل.
وقال أبو محمد: وهذا أبين.
فرق بينه وبين الإجارة.
قال ابن المواز: فأما البناء والحفر فيما يملك من الأرضين، فلا تجوز فيه إلا الإجارة، فإن انهدم ذلك قبل تمام، كان على الأجير أن يعمل له قدر ما بقي له من ذلك فيما يشبه ذلك من حفر أو بناء، وليس عليه أن يعيده له، أو قال له: احفر لي بئرًا في موضع كذا، فيما لا يملك من الأرضين: جاز فيه الجعل؛ لأنه إن ترك لم ينتفع الجاعل بما عمل فيه، وليس له شيء إن انهدم قبل تمامه، ولو تركها بعد أن حفر بعضها فواجر الجاعل غيره، أو جعل لأحد جعلاً فأتمها، كان للأول بقدر ما
الجزء: 15 - الصفحة: 493
انتفع به الآخر من عمله.
قال ابن القاسم: بالاجتهاد فقد يصادف الأول أرضًا رخوة أو صلبة، ويصادف الثاني خلافها.
وقال مالك في العتبية.
قال عيسى: قال ابن القاسم: ويعطى الثاني جعله كاملاً وعلى رب البئر للأول قدر ما انتفع به من عمله كان أقل من جعل الأول أو أكثر.
وقال أشهب عن مالك: إذا جعل له على حفر قبر فانهار قبل تمامه، فليحفر لهم ثانيًا، وإن انهار بعد تمامه فلا شيء عليه، وله جعله كاملاً؛ لأنه قد فرغ من عمله وبرئ منه، فإن شاؤا عجلوا بميَّتهم أو أَخْرُوه.
[المسألة الثانية: الإجارة على حفر بئر يصف موضعها وعمقها]
ومن المدونة قال مالك: ولا بأس بالإجارة على حفر بئر بموضع كذا عمقها كذا وقد خبرا الأرض، وإن لم يخبراها لم يجز.
قال يحي بن يحي عن ابن القاسم: إن عرفا الأرض يلين أو شدة أو جهلاها جميعًا: جاز، وإن علم ذلك أحدهما وجهله الآخر: لم يجز الجعل فيه.
الجزء: 15 - الصفحة: 494
[المسألة الثالثة: الإجارة على حفر بئر بحيث يخرج الماء]
ومن المدونة قال أبو الزناد: وعلى حافر البئر إخراج الماء.
قال ربيعة: إنما ذلك في أرض متقاربة في خروج الماء، وأما المختلفة فمذارعة أحب إليَّ.
م: حفر المختلفة بالأيام أجوز.
[المسألة الرابعة: إذا حفر القبر شقًا فقلت أردته لحدًا حملا على العادة]
قال ابن القاسم: ومن واجرته على حفر قبر فحفره شقًا فقلت له: ما أردته إلا لحدًا حملته على سنة الناس.
[المسألة الخامسة: مواجرة رجلين على حفر بئر فحفرا بعضها ثم
مرض أحدهما فَأَتَمَّها الآخر فالأجر بينهما]
قال ابن القاسم: وإن وأجرت رجلين على حفر بئر بكذا، فحفرا بعضها، ثم مرض أحدهما فَاَتَّمها الآخر، فالأجر بينهما، ويقال للمريض: أرض الحافر من حقك، فإن أبى: لم يقض عليه، والحافر متطوع له.
الجزء: 15 - الصفحة: 495
وقال سحنون في غير المدونة: هو متطوع لرب البئر لا للمريض، ووجه بعض القرويين قول ابن القاسم قال: لمَّا لم يكونا شريكين يلزم أحدهما ما عجز عنه صاحبه، صار على كل واحد حفر حصته فلما حفر أحدهما ما يجب على صاحبه، لم يلزم صاحبه أن يعطيه فيه أجرًا كمن خاط ثوب رجل، أو حرث أرضه متعمدًا فلا شيء له.
قال: ووجه قول سحنون: كأنه رأى أن بمرض الآخر تنفسخ الإجارة؛ لأنه أمر لا يمكن التراخي فيه، كموت الدابة في السفر، فإذا كان الفسخ واجبًا بمرضه وإن لم يحكم به حاكمًا للضرورة صار الحافر متطوعًا لرب لابئر، ولو كانا شريكين لم يكن متطوعًا لرب البئر ولا لشريكه؛ إذ عليه أن يعمل ما على صاحبه من الحفر إذا مرض صاحبه.
الجزء: 15 - الصفحة: 496
[الباب الثالث عشر]
في دفع إجارة الأجير والصُّناع والتداعي في ذلك أو غيره
[فصل: 1 - هل للصناع والأجراء منع ما عملوا حتى يأخذوا أجرهم؟]
قال مالك: وللصَّناع منع ما عملوا حتى يقبضوا أجرهم، وهم أحق به في الموت والفلس، وكذلك حامل الطعام والمتاع على رأسه أو على دابته أو في سفينته.
[فصل: 2 - إذا أراد الصُّناع أو الأُجراء تعجيل الأجرة]
قال مالك: وإذا أراد الصناع أو الأجراء تعجيل الأجر قبل الفراغ، وامتنع رب العمل: حملوا على المتعارف بين الناس فيه، فإن لم تكن لهم سنة: لم يُقض لهم إلا بعد فراغ أعمالهم، وأما في الأكربة في دار، أو راحلة، أو في إجارة بيع السلعة ونحوه: فبقدر ما مضى، وليس للخياط إذا خاط نصف الثوب أخذ نصف الأجرة حتى يتم العمل؛ إذ لم يأخذه على ذلك.
الجزء: 15 - الصفحة: 497
م: ولأنه لو خاطه كله ثم ضاع الثوب ببينة لم يكن له أجر عند ابن القاسم، فكذلك إذا خاط بعضه.
فصل [: 3 - رب المتاع يدعي أنه عمله بغير أجر والصانع ينكره]
وإذا ادعى رب المتاع أن الصانع عمله له باطلاً، وقال الصانع: بل بأجر كذا، صدق الصانع فيما يشبه من الأجر، وإلا رد إلى أجر مثله.
وقال غيره: يحلف الصانع ويأخذ الأقل مما أدعى أو من أجر مثله.
م: فوجه قول ابن القاسم: أن رب الثوب قد أقر أنه استعمل الصانع، وقال: بغير أجر، فقد ادعى أن الصانع وهب له عمله، والصانع يقول: بل بعته عملي، فكان القول قول الصانع؛ لأنهم إنما جلسوا يعملون بالأجر لا ليهبوا أعمالهم، فصار الصانع ادعى ما يشبه، ورب الثوب ادعى ما لا يشبه، وكمن قال: وهبتني هذا الثوب، وقال ربه: بل بعته منك.
ووجه قول الغير لم يصدق واحدًا منهما؛ لأن رب الثوب ادعى الهبة والصانع مدع [ثمنًا] في ذمة رب الثوب، وهو يقول: ما اشتريت شيئًا، فكل واحد منهما مدع على صاحبه، فيحلفان جميعًا ثم تكون عليه
الجزء: 15 - الصفحة: 498
القيمة يحلف الصانع ليكون له الأجر الذي ادعى، ويحلف رب الثوب ليسقط ما زاد على إجارة المثل.
وقول ابن القاسم أبين.
[فصل: 4 - رب المتاع يدعي الوديعة فيما صُنع والصانع ينكره]
وقال ابن القاسم: ومن ادعى على صانع أو صباغ فيما قد عمله أنه أودعه إياه، وقال الصانع: بل استعملتني فيه فالصانع مصدق؛ لأنهم لا يُشهدون في هذا، ولو جاز هذا لذهبت أعمالهم.
وقال غيره: بل الصانع مُدَّع.
وقاله ابن حبيب.
قال: وكذلك لو قال ربه: سرق مني، ويحلف ثم يأخذ ثوبه مصبوغًا أو مغسولاً بغير غرم، إلا أن ينقصه الصبغ ويفسده فربه مخير في أخذه أو تركه وأخذ قيمته، وإن [زاده] الصبغ فله أخذه بلا غرم.
فوجه قول ابن القاسم أن الصانع لما كان جلوسه للصنعة صار كأنه أتى بما يشبه والآخر بما لا يشبه، فكان القول قول الصانع إذا أتى بما يشبه من الأجر.
الجزء: 15 - الصفحة: 499
ووجه قول غيره: أن الصانع مدَّع أنه باع منه صنعته، ورب الثوب يقول ما اشتريت منه شيئًا، فهو كمُدَّع عليه الشراء لثوب أو غيره، فوجب أن يكون القول قوله.
[فصل: 5 - المصنوع له يدعي على الصانع فيما قد عمله أنه سرقه]
ومن المدونة، قال ابن القاسم: وإن قال الصانع استعملتني هذا المتاع، وقال ربه بل سرق مني، تخالفا، ثم قيل لربه: ادفع إليه أجر عمله وخذه، فإن أبي قيل للعامل ادفع إليه قيمة ثوبه غير معمول، فإن أبى كانا شريكين، هذا بقيمة ثوبه غير معمول، وهذا بقيمة عمله؛ لأن كل واحد منهما مُدَّع على صاحبه.
قال أبو محمد وغيره: يُحَلَّف أولاً صاحب الثوب أنه ما استعمله، ثم يقال للصانع ادفع إليه ثوبه وإلا فاحلف أنه استعملك، فإن حلف، قيل لربه: ادفع إليه أجر عمله وخذه، فإن أبى قيل للصانع: أعطه قيمة ثوبه، فإن أبى كانا شريكين.
وقال غير ابن القاسم: العامل مدَّع، ولا يكونان شريكين.
قال ابن القاسم: وكذلك إن ادعى أنَّ الصانع سرقه منه، إلا أنه هاهنا إن كان الصانع ممن لا يشار إليه بذلك، عوقب رب الثوب وإلا لم يعاقب.
الجزء: 15 - الصفحة: 500
[مسألة: الرجل يقيم بينة في قميص بيد
أنها كانت ملحقةً له]
وكذلك إن قمت بينة في قميص بيد رجل/ أنها كانت ملحفة لك لم تأخذها إلا بغرم قيمة الخياطة, وإلا قضى بما ذكرنا في السرقة
وقاله مالك في يتيم باع ملحفة فتداولتها الأيدي بالبيع, وقد صَبَغَها أحدهم: فإنهم يترادون الربح, وفي بعض الكتب: الثمن فيما بينهم, ولا شيء على اليتيم من الثمن إلا أن يكون قائماً بيده فيرده, ويكون اليتيم والذي صبغها آخراً شريكين, هذا بقيمة الصبغ, وهذا بقيمة الملحفة بيضاء, وبيعه للملحفة كلابيع.
وقال بعض فقهاء القرويين: إذا قال رب الثوب: سرق مني, وقال الصائغ -وقد صبغه- بل استعملني: لا يتحالفان حتى يقال لصاحب الثوب ما تريد, فإن قال: أريد تضمين الصانع؟ قيل له: فاحلف أنك ما استعملته, فإن حلف, قيل للآخر احلف لقد استعملك لتبرأ من الضمان, ثم يقال لرب الثوب: ادفع إليه
الجزء: 15 - الصفحة: 501
قيمة الصبغ؛ لأنه قد برئ من المسمى بيمينه أولاً, فإن أبى, قيل للآخر ادفع إليه قيمة ثوبه, فإن أبيا كانا شريكين, وإن قال صاحب الثوب أولاً: أريد أن آخذ ثوبي: نظر إلى قيمة الصَّبغ, فإن كانت مثل دعوى الصانع فأكثر, فلا أيمان بينهما؛ لأنه يقال لرب الثوب: هبك أن الأمر كما قلت: أنه سرق لك, وأردت أخذه, لم تقدر على أخذه إلا بدفع الإجارة التي قال الصانع, إذا كانت مثل الإجارة أو أقل, ولا يمين هاهنا.
وإن كان ما ادعاه الصانع أكثر حلف المستحق وحده ليحط عن نفسه الزائد على قيمة الإجارة من التسمية التي ادعاها الصانع, فعلى هذا يصح الجواب في قوله سرق مني.
قال: وأما قوله سرقته أنت فهو مُدعٍ عليه أنه يضمن الثوب بتعديه, فاليمين عليها جميعاً بيَّن؛ ليوجب أحدهما الضمان ويبرأ منه الآخر.
[فصل: 6 - اختلاف الصانع والمصنوع له في رد المتاع]
ومن المدونة: قال مالك: وإذا أقر الصَّانع بقبض متاع وقال: قد علمته ورددته: ضمن, إلا أن يقيم بينة برده.
قال ابن المواز: فإن لم يقم بينه حلف ربه, وأخذ قيمته بغير صنعته.
ولو قال مكتر/ ما يغاب عليه: قد رددته لصدق مع يمينه, كما يصدق في تلفه, أخذه ببينه, بخلاف العارية والقراض.
الجزء: 15 - الصفحة: 502
وقال أصبغ: الكراء والقراض والوديعة سواء يصدق في التلف وفي الرد, إلا أن يأخذه ببينة, فلا يصدق في الرد خاصة إلا ببينة.
وقال ابن حبيب عن ابن الماجشون: الصَّناع مصدقون في رد المتاع إلى أهله مع أيمانهم؛ إلا أن يأخذوه ببينة, فلا يبرؤا إلا ببينة.
[فصل: 7 - رب السلعة يدعي دفع المتاع للصانع وهو ينكر ذلك]
ومن المدونة: وإن أدعى أحد على صانع أنه دفع إليه متاعاً فأنكر, لم يؤخذ إلا ببينة أن المتاع قد دفع إليه, وإلا حلف وبرئ.
[فصل: 8 - الحجام يقلع ضرساً غير التي أمر بقلعها هل عليه شيء؟]
وإذا قلع الحجام ضرس رجل بأجر, فقال له: لم آمرك إلا بقلع الذي يليه, فلا شيء له عليه؛ لأنه علم به حين قلعه فتركه, وله أجره إلا أن يصدقه الحجام فلا يكون له أجر.
يريد ويكون عليه العقل في الخطأ والقصاص في العمد.
وقال غيره: الحجام مُدع.
قال سحنون في غير المدونة -يريد في الأجر-.
قال سحنون: كل
الجزء: 15 - الصفحة: 503
واحد مدع على صاحبه فيتحالفان, ويكون للحجام أجر مثله ما لم يجاوز التسمية, يريد إنما يتحالفان إذا كانت التسمية أكثر من أجر مثله؛ لأن يمين الحجام ترفع عنه حكم العِداء, وتوجب له التسمية, ويمين الآخر ترفع ما زاد على أجر مثله, وإذا كانت التسمية كأجر المثل أو أقل, فلا معنى ليمين المقلوع ضرسه, إلا أن ينكل الحجام عن اليمين فيحلف الآخر ويسقط عنه الأجر.
وقاله بعض شيوخنا, وهو أبين.
[فصل: 9 - تعدى الصانع وغلطه]
ومن المدونة: قال ابن القسام: ومن لَتَّ سويقاً بسمن, وقال لربه: أمرتني أن ألتَّه بعشرة, وقال ربه: لم أمرك أن تلتَّه بشيء, قيل لصاحب السويق: إن شئت فاغرم له مثل ما قال, وخذ السويق ملتوتاً, فإن أبى, قيل للاتِ: أغرم له مثل سويقه غير ملتوت, وإلا فأسلمه إليه بلتاته ولا شيء لك, ولا يكونان شريكين في الطعام لوجود مثله.
قال أبو محمد: يحتمل أن يكون معنى قول ابن القاسم أنه لم يقر أنه دفعه إليه إيداعاً ولا لصنعة, إذ لم يقر بإسلامه, إليه ففارق/ الصانع الذي أقرَّ أنه حوَّزه إياه بإيداع, فيصدق الصانع, إذ الغالب منهم إنما يدفع إليهم للصنعة, فينبغي على هذا أن يقال لربه: إن شئت فادفع إليه أجره وخذ السويق ملتوتاً, أو فاحلف أنك لم
الجزء: 15 - الصفحة: 504
تستعمله إياه, فإن حلف, قيل للات: ادفع إليه مثل سويقه, أو أسلمه إليه بلتاته كما قال ابن القاسم.
وقال غير ابن القاسم في المدونة: إذا امتنع رب السويق أن يعطيه ما لتَّه به: قضي على اللَّات بمثل سويقه غير ملتوت.
م: وهذا وفاق لابن القاسم على تأويل أبي محمد؛ لأنه لابد من يمين رب السويق ويقضي له بمثل سويقه, فإن دفع إليه اللَّات سويقه ملتوتاً لم يجبر على أخذه إلا أن يشاء والله أعلم.
قال ابن المواز: وهذا غلط, واللَّات مصدق, ويحلف إن كان أسلم إليه السويق, فإن نكل: حلف ربه وأخذ منه مثل سويقه, وليس لربه أخذه بعينه, إلا أن يدفع إليه ثمن السمن, أو يشاء رب السمن أن يدفعه إليه بلتاته.
م: وهذا أيضاً على تأويل أبي محمد في المسألة لا يخالف ابن القاسم؛ لأن ابن المواز اشترط في جوابه إن كان رب السويق أسلمه إليه, وابن القاسم لم يذكر ذلك, فترجع الأقوال على هذا إلى قول واحد والله أعلم.
قال بعض فقهاء القرويين: إذا كان معنى المسألة أنه سرق مني وكان اللَّاتُ على قول صاحبه إنما لتَّه بوجه شُبَّهة, فكيف يقال لصاحبه: ادفع إليه الأجر وخذ السويق
الجزء: 15 - الصفحة: 505
ملتوتاً, إذا كان له أن يضمن اللات مثله؟ لأنه أفاته كقطع الثوب, وذبح الشاة على قول أبي محمد.
فيصير على هذا قد وجب له في ذمته سويق, فتركه ودفع معه درهماً, وأخذ سويقاً ملتوتاً, وهذا لا يحل, فإن قيل: إنما هذا على القول الذي يرى ألا يضمن المشتري بالقطع, كذلك لا يضمن باللَّتات, قيل كان الأمر هكذا منع من الشركة.
وقال: إذا امتنع/ من دفع الأجر, وامتنع الأجير من دفع مثل السويق أمره أن يسلمه بلتاته, وهو متعد, ولم يجب عليه ضمان.
وقد وقع في كتاب محمد في من اشترى جديدة من رجل, وسمناً من آخر فخلطهما ثم فلس: أنهما يكونان أحق بذلك.
قال: يكونان شريكين على قدر ما لكل واحد منهما, فعلى هذا, كان يجب أن يكونا شريكين.
[فصل: 10 - اختلاف الصانع والمصنوع له في الأجرة]
ومن المدونة, قال ابن القاسم: وإن قال اللات: أمرتني أن ألتَّه بعشرة ففعلت, وقال ربه: بل أمرتك بخمسة وبها لنتَّته, فاللَّات مصدق مع يمينه إن أشبه أن يكون فيه سمن بعشرة؛ لأنه مدعي عليه الضمان, مقول مالك في الصَّباغ إذا صبغ الثوب بعشرة دراهم عصفراً, وقال لربه: بذلك أمرتني, وقال ربه: ما أمرتك أن تجعل فيه إلا بخمسة دراهم عصفراً: أن الصَّباغ مصدق مع يمينه, إن
الجزء: 15 - الصفحة: 506
أشبه أن يكون فيه بعشرة, وإن أتى بما لا يشبه صدق رب الثوب مع يمينه, فإن أتيا بما لا يشبه فله أجر مثله.
قال ابن القاسم: واللَّات مثله سواء.
قال سحنون في غير المدونة, وقال غيره: يتحالفان ثم يكون له أجر عمله, ما لم يجاوز عشرة فهذا أصل جيج.
ومن المدونة ولو قال رب الثوب: كان لي فيه صبغ متقدم, أو في السويق لتات متقدم: لم يصدق؛ لأن ائتمن الذي أسلمه إله, والقول قول الصباغ واللات مع أيمانهما.
وهذا في جميع ما ذكرنا إذا أسلم إليه السويق أو الثوب, فأما إن لم يسلمه إليه, ولم يغب عليه: فرب السويق مصدق في قوله: أمرتك بخمسة إذ لم يأتمنه, فهو كمبتاع يقول: لم اشتر إلا بخمسة, فالقول قوله, فإن قال أهل النظر فيه سمن بعشرة, فإن لم يَدعِ ربه أنه تقدم له فيه سمن فاللات مصدق, وإن قال ربه: كان لي فيه لتات فهو مصدق إذ لم يسلمه إليه, ولو أسلمه إليه لصدق رب السمن, ولم يصدق ربه أنه تقدم له فيه لتات.
قال أبو محمد: أخبرني أبو بكر قال: قال يحيى بن عمر في من دفع ثوباً إلى صباغً/يصبغه أحمر بدرهمين, فصبغه أحمر بستة دراهم ويدعي الغلط: فربه مخير بين دفع قيمة الصبغ وأخذ ثوبه, أو يأخذ قيمة ثوبه يوم دفعه, وإن سوى ثلاث دراهم أو أقل بما لا يغلط الصباغ في مثله, فإن لربه أن يأخذه, ولا يغرم شيئاً غير ما سمي وهذا قريب.
الجزء: 15 - الصفحة: 507
[الباب الرابع عشر]
في إجارة الوصي من يلي عليه وإجارته ربْعَه
[فصل: 1 - إجارة الوصي ليتيمه ثم يحتلم قبل ذلك]
قال ابن القاسم: ومن واجر يتيماً في حجره ثلاث سنين, فاحتلم بعد سنة, ولم يظن ذلك به, فلا تلزمه باقي المدة إلا أن يبقى كالشهر ويسير الأيام, ولا يواجر وصي يتيمه, ولا أب ولده بعد احتلامه.
قال يحيى: ورشده.
[فصل: 2 - إجارة الوصي لربع يتيمه ودوابه ورقيقه]
وإن أكرى الوصي رَبَع يتيمه ودوابه ورقيقه سنين, فاحتلم بعد مضي سنة, فإن كان يظن بمثله إلا يحتلم في مثل تلك المدة, فعجَّل عليه الاحتلام, وآنس منه الرشد فلا يفسخ له ويلزمه باقيها؛ لأن الوصي صنع ما يجوز له.
وقال غيره: لا يلزمه إلا فيما قل.
الجزء: 15 - الصفحة: 508
م: يريد مثل إجارة نفسه.
قال ابن القاسم: وأما إن عقد عليه أمراً يعلم أنه يبلغ فيه: لم يلزمه في نفسه, ولا فيما يملك من ربع وغيره, وكذلك الأب.
وأما سفيه بالغ وأجر عليه ولي أو سلطان رَبْعَه ورقيقه سنتين أو ثلاثاً, ثم انتقل إلى حال الرشد فذلك يلزمه؛ لأن الولي عقد يومئذِ ما يجوز له, قال غيره: إنما يجوز لولي هذا أن يكري عليه هذه الأشياء, كالسنة ونحوها؛ لأنه جل كراء الناس, وإذ ترجي إفاقته كل يوم, وأما ما كثر فله فسخه.
الجزء: 15 - الصفحة: 509
[الباب الخامس عشر]
بقية القول في الجعل على البيع والشراء وطلب الآبق
[فصل: 1 - جعل السمسار]
وقد تقدم في باب ما يحل ويحرم في الجعل, أن جعل السمسار جائز في شراء كثير الثياب بخلاف بيعها.
قال مالك: ومن دفع إلى بزاز مالاً, وجعل له قي كل مئة دينار يشتري له بها بَزَاً كذا وكذا جاز, وهذا جعل.
قال ربيعة: إن كان ذلك موجوداً فإن اشترى/ أخذ وإلا فلا شيء له.
قال مالك: وله رد المال متى شاء, وإن ضاع بيده لم يضمن, وإن فوَّض إليه في شراء مئة ثوب, ولم يصفها له, فاشترى له ما يشبهه في تجارته أو في كسوته لزمه ذلك.
الجزء: 15 - الصفحة: 510
[المسألة الأولى: صاحب البستان يجعل لرجل جعلاً إن باعه ثم يبيعه
هو فهل للمجاعل شيء؟]
قال ابن المواز: قال مالك في من قال لرجل: بع ثمر حائطي هذا ولك كذا, ثم جاء صاحب الحائط قوم فساوموه حتى باع منهم, فطلب الرجل جعله فلا شيء له, إنما جعل له على أن يبيع ويماكس فهذا بايعهم وماكسهم ليس هو.
[المسألة الثانية: من قال لرجل إن جئتني بمثل ثوبي فلك كذا فجاء به]
قال ابن أبي أويس عن مالك في من قال لرجل: إن جئتني بمثل ثوبي هذا فلك كذا, فجاءه به فأراد الرجل ألا يأخذه.
قال مالك: فيلزمه ذلك, وإني لأستحب أن يوقت في ذلك وقتاً يأتيه به؛ لئلا يتباعد ذلك فيأتيه به بعد شهر ولا حاجة له به.
[فصل: 2 - الجعل على الاتيان بالعبد الآبق]
[المسألة الأولى: من أبق له عبد فقال من جاء به فله كذا]
ومن المدونة, قال مالك: ومن قال لرجل: إن جئتني, أو قال: من جاءني بعبدي الآبق فله أو فلك عشرة دنانير, وسمى موضعاً هو فيه.
أو لم يسم ولم يعرف السيد موضعه: جاز ذلك, ولمن جاء به العشرة.
الجزء: 15 - الصفحة: 511
[المسألة الثانية: من أبق له عبد فقال من جاء به فله نصفه]
وإن قال: من جاءني به فله نصفه: لم يجز, كما لا يجوز بيعه؛ لأنه لا يدي ما دخله ولا كيف يجده, وما لا يجوز بيعه فلا يجوز أن يكون ثمن الإجارة أو الجعل, فإن جاء به على مثل هذا: فله أجر مثله هذا, وإن لم يأت به فلا شيء له.
[المسألة الثالثة: من جعل لرجل في عبدين أبقا له عشرة دنانير
إن أتى بهما]
قال: ومن جعل لرجل في عبدين أبقا له عشرة دنانير إن أتى بهما: لم يجز, فإن أتى بأحدهما: فله أجر مثله في عنائه لا خَمْسة, وقال ابن نافع: له خَمْسَةَ.
م: يحتمل في قول ابن نافع, أن له خمسة إذا استوت قيمتها, ويحتمل أن يكون إنما قسم العشرة على عددهما؛ إذا الكلفة فيهما سواء, وكذلك قال ابن القاسم في كتاب ابن المواز: أن له خمسة, وقال فيه أشهب وأصبغ: أن له الجعل بقدر قيمته من قيمة الآخر.
م: يريد من العشرة.
وكذلك لو كان عبداً ودابة.
م: كما لو باعهما في صفقة, فاستحق أحدهما وفات الآخر.
قال بعض الفقهاء القرويين على قوله في من جعل لرجل في عبدين أبقا له عشرة دنانير: إن أراد وإن لم يأت بهما جميعاً فلا شيء لك, فهذا بيَّن أنه لا يجوز؛ لأنه إن أتاه
الجزء: 15 - الصفحة: 512
بأحدهما انتفع الجاعل, ولم يأخذ المجعول له شيئاً, وإن أراد إن جاء بأحدهما فض الجعل على ما يعرف من قيمتهما يوم أبقا, فلا يجوز أيضاً على مذهب من منع جمع السلعتين لرجلين في البيع, ولم يسم ثمن كل واحدة؛ لأنه لا يدري إن أتى بأحدهما ما ينوبه من جملة الجعل, وقيل: إنما يكون الجعل على الأعداد لا على القيم, فعلى هذا يجوز؛ لأن حق ما يأتي به معلوم.
م: والاختلاف الذي جرى في المسألة إنما هو إذا أبهم اللفظ ولم يبين, فأما أن بيَّن فقال: إن أتيت بهما فلك عشرة, وإن أتيت بأحدهما فلا شيء لك, فهذا فاسد عند جميعهم.
[المسألة الرابعة: من أبق له عبدان فقال لرجل لك من الجعل قدر قيمة
من أتيت من الآخر يوم الآباق]
وإن قال: فلك من الجعل قدر قيمة من أتيت به قيمة الآخر يوم أبقا, فهذا يدخله الاختلاف الذي في جمع السلعتين في البيع, وإن بيَّن أن الجعل يقسم على العدد فلا يختلفوا: أن هذا جائز.
والله تعالى أعلم.
الجزء: 15 - الصفحة: 513
[المسألة الخامسة: من أبق له عبيد فقال لرجل إن أتيت بهم فلك كذا
أو في كل رأس كذا, أو لك في فلان كذا وفي الآخر كذا ..]
قال ابن المواز: إن قال له: فلك في كل رأسٍ خمسة, فقول ابن القاسم أحسن, وقد أجاز مالك في بيع الثياب: فلك في كل ثوب درهم, ولم يجز: فلك في كل دينار درهم, وكذلك قال في الإباق إن شارطه في كل رأس يأتي به دينار أنه لا بأس به إذا انتهى عددهم.
قال ابن ميسر: لا يضر ترك تسمية العدد.
وقد روى عيسى عن ابن القاسم في العتبية في العبدين: لا أحب أن يقول: إن جئتني بهما فلك عشرة, حتى يسمى في كل واحد شيئاً معلوماً, فإن وقع على الوجه الأول وقيمتهما سواء فله في الذي جاء به خمسة, وإن لم يستويا فله من العشرة بقدر قيمته الآخر.
قال أبو محمد: يريد قيمتهم حين أبقوا.
قال في كتاب محمد: إن قال: إن جئتني بهم وهم خمسة, فلك عشرة دنانير, أو قال: في كل رأس ديناران, فإن كان/ على أن لم يأت بجميعهم فلا شيء له: لم يجز.
قال: فإن قال له: إن جئتني بفلان فلك ديناران, وإن جئت بفلان فلك ثلاثة, وإن جئت بفلان فلك أربعة, هكذا حتى يسمى لكل رأس منهم شيئاً مسمى, فلا بأس بذلك كله إذا كان المجعول له عارفاً بهم قبل إباقهم, ثم قال: ذلك جائز عرف أو لم يعرف.
قال: ولو كان عارفاً بهم قبل إباقهم وغير عارف بما حدث لهم في إباقهم من قطع أو عور أو عمى فهو جائز, لم يزل ذلك من عمل الناس.
الجزء: 15 - الصفحة: 514
[المسألة السادسة: من أبق له عبيد فقال لرجل لك كذا إن جئت بهم
فإن جئت ببعضهم فلك من الجعل بقدر ما جئت به من قيمة من لم تجد]
قال مالك: فإن قال فلك في الخمسة أعبد عشرة دنانير, فإن لم تجد إلا بعضهم, فلك من العشرة بقدر قيمته من قيمة من لم تجد, فإن شرط على قيمة ما كان يعرف منهم قبل الإباق فهو جائز, وإلا فلا خير فيه.
[المسألة السابعة: الرجل يجعل جعلين مختلفين
لرجلين في عبد أبق منه]
ومن المدونة: قال مالك: ومن جعل لرجلين في عبد أبق منه جعلين مختلفين لواحد أتى به عشرة.
وللآخر إن أتى به خمسة, فآتيا به جميعاً, فالعشرة بينهما على الثلث والثلثين.
م: لأن جعل أحدهما [مثلي] جعل الآخر.
وقال ابن نافع: لكل واحد منهما نصف ما جعل له.
ابن المواز وقاله ابن عبد الحكم: وكذلك لو خرج في طلبه ثلاثة نفر فوجدوه كلهم, لكان لكل واحد منهم ثلث ما جعل له.
ابن المواز: وهذا أحب إلينا؛ لأن كل واحد جاء بثلثه.
الجزء: 15 - الصفحة: 515
[المسألة الثامنة: العبد يأبق فيجعل صاحبه لمن يأتيه به جعلاً فيتعيَّب
قبل الوصول عيباً لا يساوي الجعل, أو قبل وجدانه أو يستحق أو يظهر
أنه حر]
قال ابن المواز: ومن جعل لرجل في عبد أبق له جعلاً, فقطعت يده أو فقئت عينه قبل أن يصل به إلى ربه فصار لا يساوي الجعل, أو نزل ذلك به قبل أن يجده, ثم وجده: فله جعله كاملاً, لا ينظر أزاد العبد أم نقص.
وقاله مالك.
وقال: فإن لم يصل به إلى ربه حتى استحقه مستحق, فالجعل على الجاعل, ليس على مستحق ذلك شيء, وكذلك لو استحق بحرية, فالجعل على الجاعل, ولا يرجع به عليه.
قال أصبغ: ولا على أحد, وهو قول ابن القاسم.
وقال أصبغ في العتبية: إذا استحق بحرية من الأصل, فلا جعل له على أحد.
وقال ابن المواز: إذا استحقه رجل, فأحب إليَّ أن يغرم ذلك الجاعل, ويرجع على المستحق بالأقل من ذلك, أو من جعل مثله.
وقاله من أرضى؛ لأن من أتى بآبق ممن/ يطلب الإباق فله جعل مثله بلا نفقة, وأما من لا يتكلف ذلك فله نفقته, ولا جعل له.
الجزء: 15 - الصفحة: 516
[الباب السادس عشر]
في الجعل والإجارة على حصاد زرع, أو لقط زيتون, أو تقاضي دين بجزء منه
[فصل: 1 - الإجارة على حصاد الزرع أو َجّدِّ النخل
أو لقط الزيتون بنصفه]
قال مالك: ومن قال لرجل: احصد زرعي هذا ولك نصفه, أو وجُدً نخلي هذا ولك نصفها: جاز وليس له تركه؛ لأنها إجارة, وكذلك لقط الزيتون, وهو كبيع نصفه.
ابن حبيب: والعمل في تهذيبه بينهما, يريد: ولو شرط في الزرع قسمته حباً: لم يجز, وإن كان إنما يجب له بالحصاد فجائز, وكذلك في كتاب ابن سحنون.
[فصل: 2 - الجعل على حصاد الزرع وجَدِّ النخل والزيتون بنصفه]
ومن المدونة, وإن قال: فما حصدت أو لقطت فلك نصفه جاز, وله الترك متى شاء؛ لأن هذا جعل.
وغيره لا يجيز هذا.
قال في كتاب محمد: اختلف قول مالك في قوله: فما لقطت من شيء فلك نصفه أو ثلثه فقال مرة: لا خير فيه, كما لا يجوز بيعه لا تجوز الإجارة به, وقال أيضاً: لا بأس به؛ لأنه من الجعل لا من الإجارة, وهو بمنزلة من قال لرجل: لي على فلان مئة دينار فما اقتضيت لي منها من شيء فلك نصفه, فإذا علم كم الدين؟ وعلم الزرع, ونظر إليه: لم يكن به بأس, ومتى شاء أن يترك ترك؛ لأنه جعل, وإذا لم يعلم كم الدين أو الزرع؟: لم يكن فيه خير؛ إذ لعله ينفق في سفره ديناراً ويجد الحق ديناراً فلا
الجزء: 15 - الصفحة: 517
يصلح بجزء منه, ولا لكل دينار شيء معلوم إلا أن يعرف الدين, ويعرف موضعه, وإلا فلا يخرج إلا بإجارة معلومة, وأجل معلوم, فيكون ذلك له اقتضى الدين أو بعضه أو لم يقتضيه.
[فصل: 3 - الجعالة على أن ما حصد أو لقط اليوم فله نصفه]
ومن المدونة, وإن قال: احصد اليوم أو القط اليوم فما اجتمع فلك نصفه: فلا خير فيه؛ إذ لا يجوز بيع ما يحصد اليوم, وما لم يجز بيعه: لم يجز أن يستأجر به مع ضرب الأجل في الجعل, ولا يجوز في الجعل إلا أن يشترط أن يترك متى شاء/ فيجوز.
ولم يجزه في العتبية في رواية عيسى منه, وإن اشترط أن يترك متى شاء.
م: وماله ومن المدونة أصوب؛ لأنه إذا شرط أن يترك متى شاء فيجوز؛ لأنه لم يضرب أجلاً, وشبهه في العتبية بالتقاضي كما لو قال له: تقاضي مالي شهراً ولك نصفه, وما تقاضيت فلك بحسابه, ومتى شئت أن تخرج خرجت: فهذا لا يجوز إذ لو تم الشهر ولم تتقاض شيئاً ذهب عناؤه باطلاً.
م: والتقاضي لا يشبه الالتقاط؛ لأن الالتقاط بيده لا مانع له منه, والدين قد يلدُّ له الغريم حتى يذهب الأجل ولم يتقاضى شيئاً, فهو مفترق.
والله تعالى أعلم.
الجزء: 15 - الصفحة: 518
[فصل: 4 - إذا استأجره على نفض الزيتون أو تحريك الشجرة
بنصف ما نفض أو سقط]
ومن المدونة, وإن قال: انفض زيتوني هذا فما نفضت منه فلك نصفه, أو ثقال: حرك شجرتي هذه فما سقط منها فلك نصفه: لم يجز؛ لأنه مجهول.
وهي إجارة, فكأنه عمل بما لا يدري ما هو, واللقط غير هذا, وهو كلما لقط شيئاً وجب له نصفه.
ولو قال: انفضه كله ولك نصفه: جاز؟ قال ابن حبيب: إذا قال: انفض زيتوني أو اللقطة ولك نصفه فهو جائز, وحمل ابن القاسم النفض محمل التحريك وليس كذلك.
[فصل: 5 - إذا استأجره على عصر زيتون أو جلجلان بنصفه]
ومن المدونة, وإن قال: أعصر زيتوني أو جلجلاني ولك نصفه, أو ما عصرت فلك نصفه: لم يجز؛ لأنه لا يعرف ما يخرج منه وإذا لا يقدر على الترك إذا شرع فيه؛ لأنه لو طحنه لم يقدر على تركه حتى يخرج زيته, وليس هكذا الجعل, وفي
الجزء: 15 - الصفحة: 519
الحصاد يدعه متى شاء إذا قال: فما حصدت من شيء فلك نصفه, فما حصد فقد وجب له نصفه, وأما قوله: احصد ولك نصفه, فتلك إجارة.
قال ابن حبيب: قوله احصده أو أعصره أو اطحنه ولك نصفه, فذلك جائز كله, حتى يقول: فما خرج فلك نصفه: فلا يجوز, ومحمل الأول على أنه مَّلكه نصفه الآن, حتى يقول تصريحاً: فلك نصفه بعد الحصاد أو الجداد أو القطاف أو العصر: فلا / يجوز؛ لأنه لم يملكه الآن شيئاً, وقد يهلك ذلك الشيء بعد أن عمل فيه فيذهب عمله باطلاً, ويصير كمن واجر نفسه بنصف ما يخرج, وذلك كبيعه فلا يجوز.
[فصل: 6 - إذا استأجره على حصد زرعه ودرسه بنصفه]
ومن المدونة, ولو قول: احصد زرعي هذا وادرسه ولك نصفه: لم يجز؛ لأنه استأجره بنصف ما يخرج من الحب, وهو لا يدري كم يخرج؟ ولا كيف يخرج؟.
وكذلك لو بعته زرعاً جزافاً وقد يبس, على أن عليك حصاده ودراسه وذرية: لم يجز؛ لأنه اشترى حباً جزافاً لم يعاين جملته -يريد لم يعاين تصبيره -.
الجزء: 15 - الصفحة: 520
ولو قال على أن كل قفيز بدرهم: جاز؛ لأنه معلوم بالكيل, وهو يصل إلى صفة القمح بفرك سنبله, وإن تأخر في درسه إلى مثل عشرة أيام أو خمسة عشر يوماً فهو قريب, وليس كحنطة في بيتك, تِلْكَ لا بد فيها من صفة أو عيان, وهذا معين.
ومن العتبية روى يحيى بن يحيى عن ابن القاسم في الذي واجره فقال احصد زرعي ولك نصفه فيحصده أو بعضه, ثم تحرقه نار: فهو منهما, وعلى الأجير إن كان لم يحصده أو لم يحصد إلا بعضه أن يستعمله رب الزرع في مثله, أو في مثل ما بقي منه, وقال سحنون: عليه قيمة نصف الزرع, وليس عليه حصاد مثل نصفه.
قال يحيى بن عمر: لأن الزرع يختلف.
وقاله ابن القاسم.
قال سحنون: ولو قال له: احصد منه ما شئت فما حصدت فلك نصفه, فحصد بعضه ثم هلك الزرع: فضمان ما كان حصد منهما, وضمان ما كان بقي من صاحبه, ولا يتبع أحدهما صاحبه بشيء.
ولو قال: احصده كله وادرسه, وصُفَّه ولك نصفه, فهلك بعد حصاده: فضمانه كله من ربه, وللآخر أجر مثله لفساد الإجارة.
الجزء: 15 - الصفحة: 521
وفي سماع أشهب عن مالك, قال مالك: في من طاب زرعه وحل بيعه, فقال لرجل: احصد وادرسه على النصف فقال: لا بأس به/.
م: وهذا نحو ما ذهب إليه ابن حبيب, أن محمل ذلك على أن له نصفه الآن على أن يحصد النصف الآخر ويدرسه لربه.
والله أعلم.
قال عيسى عن ابن القاسم: في الرجل تكون له الشجر التين وقد طابت, فيقول لرجل: احرسها واجنها وتحفظ بها, ولك نصفها أو ثلثها أو جزء منها قال: لا بأس بذلك؛ لأنه لا بأس أن يكري نفسه بما يحل بيعه.
الجزء: 15 - الصفحة: 522
[الباب السابع عشر]
ما جاء في الجعل على الخصوم
[فصل: 1 - الجعل على أن يخاصم عنه على أن لا يأخذ إلا بإدراك
الحق]
وكره مالك الجعل على الخصوم, على أنه لا يأخذ إلا بإدراك الحق.
قال ابن القاسم في كتاب محمد: إذ لا يعرف لفراغه حد.
قال في المدونة: فإن عمل على هذا فله أجر مثله.
قال سحنون: وقد روى عن مالك أنه جائز.
قال في كتاب محمد: والحلال من ذلك أن يواجره بأجر معلوم وأجل معلوم, فيكون له ذلك ظفر أو لم يظفر, قال: ولا بأس أن يواجره بإجارة معلومة, ظفر أو لم يظفر, ويصف له أصل الحق, وكيف هو عليه, حتى يعرف ذلك فيجوز, وإن لم يضرب لذلك وقتاً.
قال ابن القاسم: ثم ليس له أن يخرج منها حتى يستخرجها.
قال أصبغ: كالإجارة على بيع السلع إن لم يسم وقتاً إذا كان لذلك وقت قد عرفه الناس, والأجل على كل حال أحسن.
الجزء: 15 - الصفحة: 523
[فصل: 2 - الميراث ببلد آخر فيجعل جعلاً لمن يأتيه به,
أو بيع ما وقع له منه]
قال أشهب: قال مالك: ومن له ميراث ببلد آخر, فجعل لمن يخرج إليه يأتيه به شيئاً معلوماً, فذلك جائز, وأما أن يخاصم فيه فلا.
وكذلك إن قال: فلك ربعه فجائز إن كان مالاً معروفاً موضوعاً ولا يخاصم فيه.
وأجاز في رواية ابن القاسم: الجعل على بيع ما وقع له في بلد آخر من ميراثه وقبض ثمنه, والخصومة فيه بجعل مسمى, وإن لم يضرب أجلاً إذا عرف ذلك الميراث ووجه مطلبه, ثم كرهه في الحاضر والغائب إلا بالإجارة وأجل على أن يبيع ويتقاضى, فإن باع دونه فله بحسابه, وبه قال ابن القاسم وأصبغ.
قال ابن القاسم: ولو وقع على الأمر الآخر رجوت أن يجوز.
قال أصبغ: وأما في الحاضر فلا أفسخه إذا عرف وجه ذلك, فإن كان سفراً أو خصومة فسخته, وإن فات رددته إلى إجارة مثله, قال ابن المواز: يريد أصبغ في الحاضر إذا كان البيع فيه يسيراً.
[فصل: 3 - إذا واجره على الخصومة ثم ادعى تقصيره]
قال ابن القاسم: وإذا واجره على الخصوم ثم ادعى أنه مقصر في حجته: نظر السلطان, فإن رأى ذلك أمره بالقيام بحجته وإلا فسخ إجارته بتقصيره.
[فصل: 4 - إذا واجره على الخصومة ولم يضرب أجلاً
وترك المخاصم الطلب]
وكذلك إن لم يضرب للخصوم أجلاً, فيترك الطلب, ولا يعاوده بقربه, ويرى ضرراً, فيفسخ ذلك؛ لأن تركه يدخل في وقت يجري عليهم في ذلك حق؛ ولأنه إذا واضب بالحرص, ومضى وقت يستتم في مثله أمر ذلك الخصوم, وتأخر ذلك بسبب ما كان قد بلغ وتمَّ, كالأجل المضروب.
م: وقد بقى من هذا الكتاب أصول مسائل ليست في المدونة, أنا أذكر بعضها لئلا يخلو الكتاب منها.
وبالله التوفيق.
الجزء: 15 - الصفحة: 524
[الباب الثامن عشر]
في الدلالة على البيع والنكاح وغيره
[فصل: 1 - الدلالة على البيع والنكاح]
ومن كتاب ابن المواز واستحب مالك الجعل في الدلالة على البيع, وكرهه في النكاح, ابن القاسم: وهو أن يقول: دُلني على من ابتاع منه, أو يبتاع مني, أو يستأجرني أو نستأجره ولك كذا, فذلك جائز ولهما لازم, ودلالة المرأة والرجل في النكاح سواء, لا يجوز ذلك على شيء, ولا شيء له إن زوج.
قال أصبغ: لأن النكاح لا بيع فيه ولا كراء وما ذلك فرق بيَّن.
ولا حجة قوية.
وكذلك في كتاب ابن حبيب عن ابن القاسم عن مالك, وروى عنه ابن الماجشون: أنه لا بأس بالجعل على الدلالة في النكاح والبيع.
وقاله أصبغ وابن حبيب.
وقاله سحنون في العتبية.
ابن المواز: قال ابن القاسم: وأما إن قال له: أسعى لي في نكاح ابنة فلان فذلك لازم إن لم يكن فيه سفر, ولا يجوز أن يشخص فيه إلى بلد
الجزء: 15 - الصفحة: 525
آخر.
قال أصبغ: فهذا والدلالة في نكاح امرأة بعينها أو بغير/ عينها سواء, وكذلك من المرأة وذلك لازم كالدلالة على البيع.
[فصل: 2 - الدلالة على الطريق وعلى انتقاد المال]
قال ابن حبيب: ولا بأس بالجعل على الدلالة على الطريق, وعلى انتقاد المال, وقد ذكرنا الغلط في ذلك, في كتاب تضمين الصناع.
الجزء: 15 - الصفحة: 526
[الباب التاسع عشر]
في العمل لغير تسمية أجر, أو بعد تسوم مختلف أو بغير أمر ربه أو يعمل غير ما استؤجر عليه
[فصل: 1 - الجعل والإجارة بغير تسمية ثمن]
ومن العتبية من سماع ابن القاسم وعن الخياط المخالط لي لا يكاد يخالفني استخيطه الثوب, فإذا فرغ راضيته على أجرة: فلا بأس به.
وفي كتاب محمد وابن حبيب: لا تصلح الإجارة والجعل بغير تسمية الثمن.
[فصل: 2 - في الجعل والإجارة بعد تساوم مختلف]
ابن المواز: من دفع ثوباً إلى خياط فقال: لا أخيطه إلا بدرهمين, وقال ربه: لا أخيطه إلا بدرهم, وجعله عنده فخاطه: فليس له إلا درهم.
قال: ومن سكن منزلاً فقال ربه: بدينارين تسكن في هذا السنة وقال الساكن: لا أعطي إلا ديناراً وإلا خرجت إن ترض, فسكت ولم يجبه بشيء حتى تمت السنة, فلا يلزمه إلا دينار واحد.
الجزء: 15 - الصفحة: 527
فصل [3 - من عمل لغيره عملاً بغير أمره هل يستحق جعلاً؟]
[المسألة الأولى: من حمل لرجل حملاً بغير أمره]
ومن العتبية قال مالك: ومن ماتت راحلته بفلاة, فأسلم متاعه فأتى رجل فجعله في منزله, فأصابه ربه عنده, فليأخذه ويدفع إليه أجر حمله.
[المسألة الثانية: الدابة تقوم في السفر
فيتركها صاحبها فأتى من قام بها]
ومن قامت دابته في السفر فتركها موئساً منها, فأتى من قام بها وأنفق عليها حتى أفاقت: فلربها أن يأخذها ويعطيه ما أنفق عليها, وليس له في قيامه عليها شيء.
[المسألة الثالثة: من تفرغ لخدمة رجل ثم يطلب أجراً لذلك]
قال ابن القاسم: ومن انقطع إلى رجل يصحبه شهراً يقوم عليه في حوائجه, ثم مات المنقطع إليه فقام الذي خدمه بأُجرة وله بينة على عدد الشهور, فإن كان مثله إنما يفعل ذلك لما يرجوه من مثله, فليحلف ما أثابه شيئاً, وله أجر قيامه في أمانته وجزائه.
الجزء: 15 - الصفحة: 528
[المسألة الرابعة: الأب ينفق على ابنته الأمة
ثم يطلب من سيدها النفقة]
قال مالك: في من له وصيفة عندها أبوها حر, فتركها عند أبيها حتى كبرت ثم أخذها, فطلبه أبوها بنفقته عليها.
قال: يحلف ما أنفق عليها/ احتساباً, ولا ليضعه عن السيد, ويرجع بذلك عليه.
[المسألة الخامسة: الرجل يخرج ثوب غيره من البئر الساقط
فيها بغير أمر صاحبه]
قال سحنون في من سقط له ثوب في بئر, فنزل رجل فأخرجه بغير أمر ربه, فطلب منه أجره فأبى وقال: لم آمرك بإخراجه, فرد الرجل الثوب في البئر, فطلبه ربه فلم يجده, فعلى الذي رده في البئر إخراجه وإلا ضمنه.
[المسألة السادسة: من حفر لرجل كرمة أو حرث أرضه ..
بغير أمر ربه ثم طلب أجره]
ومن الواضحة: ومن حفر لرجل كرمه, أو حرث أرضه, أو حصد زرعه اليابس, أو قطع ثوبه وخاطه, أو طحن قمحه, بغير أمر ربه, ثم طلب أجرة, فإن كان رب هذه الأشياء لا بد له من الاستئجار عليها, ولم يكن يكتفي فيها بعمل يديه أو غلمانه أو دابته: فعليه لهذا إجارته, وإن كان مثله لا يحتاج إلى شيء من ذلك, وكان ممن يليه بنفسه أو بغلمانه أو أعوانه أو دوابه ولا يؤدي فيه إجارة: فلا كراء عليه.
الجزء: 15 - الصفحة: 529
م: لم يذكر هل فعل ذلك العامل غلطاً و [إلا] تعديا؟ وظاهر كلامه أن ذلك عنده سواء؛ لأن العمد والخطأ في أموال الناس سواء, وقد قيل: إن فعل ذلك متعمداً فلا شيء له بحال كان للمعمول له من يعمله له, أو يعمله بنفسه أو لا.
وهو كالغاضب, وأما الغالط فيعذر بغلطه, فينظر هل لرب ذلك من يعمله أم لا؟
فصل [: 4 - في العمل في ما استؤجر عليه]
[المسألة الأولى: من واجر على حرث أرضه فيعمل الإجراء في أرض جاره]
ابن المواز: ومن واجرته على حرث أرضك, فحرث أرض جارك غلطاً, وقد كان يريد حرثها, ولجارك عبيد ونفر فلا شيء عليه للأجير, وعلى الأجير أن يحرث لك أرضك.
وقال أحمد بن ميسر: للأجير أن يستعمل دواب جارك في مثل ما عمل.
م: إذا كان له أن يستعمل دوابه فكذلك يستعمل عبيده.
ومن العتبية قال ابن القاسم: إن زرعها جارك, وانتفع بالحرث فذلك عليه, وإن لم ينتفع بها وقال: إنما أردت أن أكريها فلا شيء عليه.
الجزء: 15 - الصفحة: 530
[المسألة الثانية: من واجرته على حصاد زرعك فحصد زرع جارك]
قال: وإن واجرته على حصاد زرعك فغلط فحصد زرع جارك, فإن كان الغلط من الأجير: نظر, فإن كان لجارك عبيد أجراء يكفونه ذلك: فلا شيء عليه, وإن كان الخطأ من قبل صاحب/ الزرع, وكان جاره لا أُجراءَ له ولا عبيد: فليدفع المحصود زرعه إلى الذي واجر الحصَّادين قيمة عملهم, ويدفع الغالط للأجير ما استأجره به.
فصل [: 5 - الأجرة في حراسة الأعدال والمقاثي والكروم على عدد
الرؤوس دون عدد الأعدال والمساحات]
قال سحنون في القوم يستأجرون أجيراً يحرس لهم أعكام البز, ولرجل منهم عشرة, ولآخر خمسة وثلاثة, قال: الإجارة بينهم على عدد الرجال لا على عدد الأحمال؛ لأنهم يتمّون في القليل بالنظر وترك النوم ما يتموَّن في الكثير.
وكذلك حبال مقاثي مختلفة الطول والعرض لهذا حبلين, ولهذا ثلاثة, قال: وكذلك الكروم.
الجزء: 15 - الصفحة: 531
قال: وأما على جمع ثمرة الكروم والمقاثي فهذا عمل, والعمل القليل بخلاف عمل الكثير, وهذا فاسد؛ لأن الكراء يقسم على قيمة ما عمل لكل واحد, فلا يعرف أجره فيه إلا بعد القيمة كجمع الرجلين سلعتيهما في البيع في صفقة واحدة, وقد اختلف قول ابن القاسم في إجازته.
وأجازه أشهب.
فصل [6 - الجعل الفاسد]
[المسألة الأولى: إعطاء الأجرة على طلوع موضع في الجبل بعينه]
قال عبد الملك في من جعل لرجل جعلاً, على أن يرقى له إلى موضع من الجبل وسماه له: أنه لا يجوز, ولا يجوز الجعل إلا فيما ينتفع به الجاعل يريد؛ لأنه من أكل المال بالباطل.
[المسألة الثانية: الرجل يجل النفقة أو المتاع أو الدابة فيحبسها حتى
إذا جعل للإتيان بها جعل أحضرها]
قال عبد الملك: مما لا يجوز أخذ الجعل فيه, أن يجد الرجل النفقة أو المتاع أو الدابة قبل أن يجعل فيها جعل, ثم يجعل فيها, فيأتي بها ليأخذ الجعل, فلا يجوز له؛ لأن الجعل إنما جعل في طلبها ليكشف العلم عنها, ولم يجعل الأجعال في أدائها إلى ربها, ولو كان الجعل إنما هو في أن يؤدي مؤتمن إلى مؤتمن ما لا يحل له إمساكه عنه؛ لكان حراماً مأخوذاً بغير وجهه, ولكن من وجد بعد الجعل, ممن علم بالجعل أو لم يعلم به فحقه ثابت, وهو له سائغ, وذلك الأمر عندنا.
الجزء: 15 - الصفحة: 532