الجامع لمسائل المدونةكتاب الجراح
أهل الأثرالأرشيف العلمي

[الباب الأول]

في ديات الأعضاء، وشبه العمد، والدية المغلظة، ودية العمد إذا قبلت، ودية الخطأ، وأسنان الإبل في ذلك كله.

الجزء: 23 - الصفحة: 526

[1 - فصل: في ديات الأعضاء، وكتاب عمرو بن حزم] قال سحنون: أجمع العلماء على ما في كتاب عمرو بن حزم الذي كتبه له رسول الله صلى الله عليه وسلم حين بعثه إلى نجران.
قال مالك: وعليه الأمر عندنا: (أن في النفس مئة من الإبل، وفي الأنف إذا أوعب جدعاً مئة من الإبل، وفي العين خمسون من

الجزء: 23 - الصفحة: 527

الإبل، وفي الأذن خمسون من الإبل، وفي اليد خمسون من الإبل، وفي الرجل خمسون من الإبل، وفي كل إصبعٍ مما هنالك عشر من الإبل، وفي المأمومة ثلث النفس، وفي الجائفة ثلث النفس، وفي المنقلة خمسة عشر فريضة، وفي الموضحة خمس من الإبل، وفي السن خمس

الجزء: 23 - الصفحة: 528

من الإبل).
محمد: وروي عن النبي صلى الله عليه وسلم: (أن في اللسان الدية، وفي الذكر الدية، وفي الأنثيين الدية كاملة، وفي العقل الدية، وفي الصلب الدية، وفي الشفتين الدية).

الجزء: 23 - الصفحة: 529

قال مالك: ولم أزل أسمع أن في الصوت إن انقطع الدية، وما نقص منه فبحسابه.
وقضى عمر، وعثمان، وعمر بن عبد العزيز، وجماعة من التابعين في عين الأعور بالدية.
م: وسيأتي ذلك كله في موضعه مشروحاً إن شاء الله.
[2 - فصل: في شبه العمد، وتغليظ الدية، ومن يحملها] قال مالك في المدونة: شبه العمد باطل لا أعرفه، وإنما هو عمد

الجزء: 23 - الصفحة: 532

أو خطأ.
قال أشهب في المجموعة: شبه العمد هو فعل المدلجي بابنه، وفيه الدية المغلظة، وهي ثلاثة أسنان، ثلاثون حقة، وثلاثون جذعة، وأربعون خلفة وهي التي في بطونها أولادها، وهي: ما بين الثنية إلى بازل عامها.

الجزء: 23 - الصفحة: 533

وروي مثله عن عمر، وأبي موسى الأشعري، وزيد بن ثابت.
وذكر ابن شهاب أنه ذكر عن النبي صلى الله عليه وسلم: (أن في شبه العمد دية مغلظة) على هذه الأسنان.

الجزء: 23 - الصفحة: 534

قال مالك في المدونة: ولا تغلظ الدية إلا في مثل ما فعل المدلجي بابنه رماه بسيف فقتله، فإن الأب إذا قتل ابنه بحديدة حذفه بها، أو بغيرها مما يقاد من غير الوالد فيه؛ فإن الأب يدرأ عنه الحد، وتغلظ عليه الدية، وهي: ثلاثون حقة، وثلاثون جذعة، وأربعون خلفة في بطونها أولادها، لا تبالي من أي الأسنان كانت، وكذلك حكم عمر رضي الله عنه في المدلجي.
قال مالك وابن القاسم: وتكون في مال الأب حالة؛ لأنه من العمد، والعاقلة لا تحمل العمد، ولا يرث الأب من ماله ولا من ديته شيئا؛

الجزء: 23 - الصفحة: 535

لأنه من العمد.
وقال أشهب وعبد الملك: بل هي على العاقلة حالة.
قال عبد الملك: ألا ترى أن عمر رضي الله عنه أمر سراقة أن يجمع له إبل تلك الدية، من أجل أن سراقة كان سيد ذلك الحي، ثم دفعها عمر إلى أخي المقتول؛ لأنه هو الذي انفرد بميراثه، ولم يحجبه أبوه عن الميراث؛ لأن

الجزء: 23 - الصفحة: 536

من لا يرث لعلةٍ فيه لا يحجب.
قال أشهب: ولأن من العمد ما لا قود فيه يبلغ ثلث الدية فتحمله العاقلة.
قال ابن القاسم: إنما أمره عمر رضي الله عنه أن يعدد له عشرين ومئة ليختار منها مئة.
[3 - فصل: مقدار دية العمد إذا قبلت، ومن يحملها] قال مالك: ودية العمد إذا قبلت مبهمة فهي على أربعة أسنان، وهي إناث كلها، خمس وعشرون بنت مخاض، وخمس وعشرون بنت لبون، وخمس وعشرون حقة، وخمس وعشرون جذعة، بذلك مضت السنة، وقاله الليث، وعبد العزيز.

الجزء: 23 - الصفحة: 537

وإذا قبلت دية العمد في النفس، وفيما فيه القصاص من الجراح؛ فلا شيء على العاقلة من ذلك، وذلك في مال الجاني حالا، فإن كان عديما ففي ذمته إلا عقل الجائفة، والمأمومة عمداً؛ فإن ذلك على العاقلة، كان للجاني مال أو لم يكن، وعليه ثبت مالك، وبه أقول، وكان يقول: أنها في ماله إلا أن يكون عديما فهي على العاقلة ثم رجع.
والفرق بينهما وبين اليد؛ أن الجائفة والمأمومة موضعها قائم، ولا يستطاع القود منه لأنها متلفة، واليد يقاد منها.
[4 - فصل: في صفة دية الخطأ] قال مالك: ودية الخطأ مخمسة وهي: عشرون بنت مخاض، وعشرون بنت لبون، وعشرون ابن لبون ذكراً، وعشرون حقة، وعشرون جذعة.

الجزء: 23 - الصفحة: 538

محمد: وذكره ابن وهب عن ابن مسعود وعدد من التابعين رضي الله عنهم.
قال سليمان بن يسار: وما أصيب به من الجراح خطأ فبحساب المخمسة.
وقالوا: في دية العمد إذا قبلت؛ أنها مربعة نحو ما قدمنا، إلا أن يصطلحوا على شيء بعينه فهو على ما تراضوا به.
م: وكذلك إذا عفا أحد الأولياء فجاز ذلك على من بقي قضي لمن بقي من حساب الدية المربعة أيضاً.

الجزء: 23 - الصفحة: 539

[5 - فصل: في الذين تغلظ عليهم الدية في القتل والجراح] قال مالك في المدونة: وتغلظ الدية على الأم إذا قتلت ولدها كالأب، وكذلك تغلظ على أبي الأب كالأب.

الجزء: 23 - الصفحة: 540

قال: وكذلك الجدود والجدات.
قال مالك: ولا تغلظ الدية في أخ، ولا زوج، ولا زوجة، ولا في أحد من القرابات، ولا تغلظ الدية في الشهر الحرام، ولا على من قتل خطأ في الحرم.
قال مالك: وإذا جرح الأب ولده، أو قطع له شيئا من أعضائه بحال ما صنع المدلجي، فإن دية ذلك تغلظ عليه بحساب المثلثة، ويكون في مال الأب حالا كان أقل من ثلث الدية أو أكثر، ولا تحمله العاقلة.
[6 - فصل: متى يقاد أحد الأبوين بالابن؟] قال مالك: ولو أضجع رجل ابنه فذبحه ذبحا، أو شق بطنه، مما يعلم أنه تعمد القتل، أو صنعت ذلك والدة بولدها؛ ففيه القود، إلا أن يعفو من له العفو والقيام وقد قال غيرنا: أنه لا يقاد منه في هذا أيضاً.

الجزء: 23 - الصفحة: 541

وسئل مالك: عن امرأة فجرت، فقال لها ابنها: لأخبرن أبي بذلك فقتلته؟.
قال: تقتل به.
قال: وإذا وضعت الفاجرة، فألقت ولدها في بئر فمات، فإن ألقته في مهلك كالبحر، أو بئر كبير، فما أحقها بالقتل، وإن كان مثل بئر الماشية، وما يرة أنه يؤخذ منه فلا تقتل.
[7 - فصل: في مقدار الدية من النقدين، وصفة تغليظها، ومالا يودى به] ومن المدونة قال مالك: وتغليظ الدية على أهل الذهب والورق، ينظر كم قيمة أسنان دية المغلظة، وكم قيمة أسنان دية الخطأ، وهي عشرون بنت مخاض، وعشرون بنت لون، وعشرون ابن لبون، وعشرون حقة،

الجزء: 23 - الصفحة: 542

وعشرون جذعة، فينظر كم زادت قيمة المغلظة على قيمة أسنان دية الخطأ؛ فإن كان قدر ربعها كان له من الذهب والورق دية وربع دية وكذلك فيما قل أو كثر من الأجزاء ولم يمض في هذا توقيت، ولكن ينظر في كل زمان فيزاد في الدية بقدر ما بين القيمتين.
قال مالك: "وقوم عمر رضي الله عنه دية الخطأ على أهل الذهب الف دينار، وعلى أهل الورق اثني عشر الف درهم"، فلا تتغير هذه القيمة، ولا يؤخذ في الدية غنم، ولا بقر، ولا خيل، ولا يؤخذ فيها إلا هذه الثلاثة أشياء، الإبل أو الذهب أو الورق، وعلى هذا عمل الناس ببلدنا، ولا يؤخذ من أهل صنف صنف غيره.
م: وحكى بعض أصحابنا عن شيوخه القرويين في صفة هذا التقويم: أن تقوم أسنان دية الخطأ، وأسنان المغلظة، أن لو كانت حالة، ولا تقوم أسنان الخطأ على التأجيل.
قال: ولو روعي هذا فيها لروعي في

الجزء: 23 - الصفحة: 543

المغلظة إن كانت على فقير أو مليء، فربما أدى ذلك إلى أن تكون قيمة أسنان دية الخطأ لأمنها أكثر من أسنان المغلظة على الفقير.
م: وليس الأمر على ما ذكر، بل تقوم أسنان دية الخطأ على تأجيلها حسب ما جعلت على العاقلة، وتقوم الدية المغلظة حالة حاضرة حسب ما جعلت على القاتل، لا يراعى في ذلك ملأه من عدمه؛ لأنه إن كان مليئا أدى القيمة الآن، وإن كان عديما اتبع بها دينا كما كان يؤدي الإبل إن كان من أهلها، إن كان مليئا أداها حالة، وإن كان عديماً أتبع بها ديناً، وكذلك يكون حكمه في قيمتها، وإنما نقلناه من إبل إلى عين فلا يعتبر في ذلك حال ذمته؛ لأن حكمها في الإبل حكمها في العين، وهذا بين.
والله عز وجل أعلم.

الجزء: 23 - الصفحة: 544

[8 - فصل: في العمد الذي يقاد منه والذي لا يقاد منه] قال مالك: ومن تعمد ضرب رجل، بلطمة، أو بلكزة، أو ببندقة، أو بحجر، أو بقضيب، أو بعصا، أو بغير ذلك، ففي هذا كله القود إن مات من ذلك.
قال مالك: ومن العمد ما لا قود فيه، كالمتصارعين، أو يتراميا بشيء على وجه اللعب فيموت من ذلك، ففي هذا كله دية الخطأ على العاقلة أخماسا، ولو تعمد هذا على وجه القتال فصرعه فمات، أو أخذ برجله فسقط فمات؛ كان في ذلك القصاص.

الجزء: 23 - الصفحة: 545

الباب [الثاني]

تفسير ما فيه دية مؤقتة أو حكومة، وأسماء الجراح، وصفاتها

[9 - فصل: ذكر ما فيه دية مقدرة] وقد تقدم في كتاب عمرو بن حزم الذي كتبه له النبي صلى الله عليه وسلم: (أن في الأنف الدية مئة من الإبل إذا أوعب جدعا).
قال سحنون: والإجماع على ما فيه.
قال مالك: واجتمع الناس أن في اللسان الدية، وفي الذكر الدية، وفي كل فرد مثل هذا الدية كاملة، وفي الأنثيين الدية كاملة.

الجزء: 23 - الصفحة: 546

قال في المدونة: وفي الأنف الدية كاملة، قطع من المارن أو من أصله، كالحشفة فيها الدية، كما في استئصال الذكر، وإذا قطع بعض الحشفة فمن الحشفة يقاس، لا من أصل الذكر، فما نقص منها ففيه بحسابه من الدية، وكذلك ما قطع من الأنف إنما يقاس من المارن لا من أصله، ألا ترى أن اليد إذا قطعت من المنكب تم عقلها، وإن قطع منها أنملة فإنما فيها بحساب الإصبع.
قال محمد: وقد (قضى النبي صلى الله عليه وسلم في أنف استؤصل بالقطع بالدية كاملة، وقضى في أنف قطع مارنه- وهي الأرنبة- بالدية أيضاً كاملة)، وقاله علي بن أبي طالب رضي الله عنه وعمر بن

الجزء: 23 - الصفحة: 547

عبد العزيز والمشيخة السبعة التابعين رضي الله عنهم أجمعين.
[10 - فصل: في الأنف إذا خرم] ومن المدونة قال مالك: ومن خرم أنف رجل أو كسره خطأ؛ فبرأ على غير عثم فلا شيء فيه، وإن برأ على عثم ففيه الاجتهاد.
قال سحنون: ليس في هذا اجتهاد؛ لأن الأنف قد جاء فيه فرض مسمى؛ فإذا برأ على عثم كان فيه بحساب ما نقص من ديته؛ لأن العثم نقص.

الجزء: 23 - الصفحة: 548

[11 - فصل: في كل نافذة في عضو، وعقل الموضحة] قال مالك: وكل نافذة في عضو من الأعضاء إذا برأ ذلك وعاد لهيئته على غير عثم فلا شيء فيه، وإن برأ على عثم ففيه الاجتهاد، وليس العمل عند مالك على ما قيل: أن في كل نافذة في كل عضو ثلث دية ذلك العضو، وليس كالموضحة تبرأ على غير عثم، وينبت الشعر في موضع الشجة فيكون فيها ديتها، وذلك نصف عشر الدية؛ لأن الموضحة فيها دية مسماة عن النبي صلى الله عليه وسلم، وليس في خرم الأنف عقل مسمى.
قال مالك: وفي الموضحة الخد عقل الموضحة، وليس الأنف واللحي الاسفل من الرأس في جراحهما؛ لأنهما عظمان منفردان، وإنما في موضحة ذلك الاجتهاد، وليس فيما سوى الرأس من الجسد إذا أوضح عن العظم عقل الموضحة، وموضحة الرأس والوجه إذا برئت على شين زيد في عقلها بقدر الشين، ولم يأخذ مالك بقول سليمان بن يسار في موضحة الوجه أنه يزاد لشينها ما بينها وبين نصف عقلها.

الجزء: 23 - الصفحة: 549

قال مالك: وما سمعت أن غيره قاله.
وعظم الرأس من حيث ما أصابه فأوضحه فهو موضحة، وكل ناحية منه سواء، وحد ذلك منتهى الجمجمة، فإن أصاب أسفل من الجمجمة فذلك من العنق؛ لا موضحة فيه.
[12 - فصل: في تحديد الموضحة والمنقلة والمأمومة والجائفة، ومقدار دية كل منها] والموضحة، والمنقلة، لا تكون إلا في الوجه أو الرأس.
وحد الموضحة: ما أفضى إلى العظم ولو بقدر إبرة فأكثر.
وحد المنقلة: ما أطار فراش العظم وإن صغر.
ولا تكون المأمومة إلا في الرأس، وهي ما أفضى إلى الدماغ ولو بمدخل إبرة.
وحد الجائفة: ما أفضى إلى الجوف ولو بمدخل إبرة.
وإذا نفذت الجائفة فقد اختلف فيها قول مالك، وأحب إلي أن يكون فيها ثلثا

الجزء: 23 - الصفحة: 550

الدية.
محمد: وبه أخذ أشهب, وابن عبد الحكم, وأصبغ.
وقد جاء هذا عن أبي بكر الصديق رضي الله عنه من غير جهة؛ وإنما كان قوم يرمون فمرَّ رجل فأصابه سهم في جوفه فخرج من الجانب الآخر, فقضى في ذلك أبو بكر بدية جائفتين ثلثي [166/أ] الدية, وقال: هما جائفتان.
أشهب: وهو قول مالك في العمد والخطأ, وإن كان قد روي عنه غير هذا.
وقد ثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم: «أنَّ في المَامُومَةِ ثُلُث الدَّيةِ, وفي الْجَائِفَةِ ثُلُثَ الدَّيةِ, وفي المُنْقَّلَةِ خَمْسَ عَشْرَةَ فَرِيضَةً, وَفي الْمُوضِحَةِ خَمْساً مِنَ الإبِلِ».
كذلك في كتاب عمرو بن حزم.
قال سحنون: وأجمع الناس عليه.
قال محمد: وأخبرنا عبد الملك, وابن عبد الحكم, وابن بكير

الجزء: 23 - الصفحة: 551

عن مالك أنه قال: الأمر المجتمع عليه عندنا: أنه ليس فيما دون الموضحة من الشجاج عقل, وذلك أن رسول الله صلى الله عليه وسلم إنما انتهى في كتاب عمرو بن حزم إلى الموضحة, ولم تقض الأئمة عندنا في القديم ولا في الحديث فيما دون الموضحة بعقل.
قالوا: وقال مالك: الأمر المجتمع عليه عندنا أن المأمومة, والمنقلة, والموضحة لا تكون إلا في الرأس والوجه, فأما ما كان في الجسد من ذلك وكان خطأً فبرأ وعاد لهيئته بلا نقص فلا شيء فيه, وإن برأ على ففيه الاجتهاد, إلا المأمومة, والجائفة, والمنقلة, والموضحة, فإن في ذلك ديته وإن برأ على غير شَيْن.
فإن برأ على شين فاختلف فيه قول مالك: فروى ابن القاسم عنه: أنَّه يُزاد على عقلها بقدر ما شَانت من قليل أو كثير.

الجزء: 23 - الصفحة: 552

وروى عنه أشهب: أنه ليس فيها إلا خمس من الإبل.
قال أشهب: وقد (قضى رسولُ الله صلى الله عليه وسلم بذلك) ولم يذكر: بِشَين ولا بغير شَين, ومما يدل على ذلك: أن الموضحة تكون بقدر إبرة وتكون شِبْراً, وديتها سواء, فكذلك إذا شانه لا يزاد فيها.
13 - فصل [في الجناية على اللسان خطأ, وكيف إن قطع ما يمنع الكلام كله أو بعضه أو لم يمنع شيئاً] ومن المدونة قال مالك: وإذا قُطع اللَّسان من أصله ففيه الدَّية كاملة, وكذلك إذا قُطع منه ما منع الكلام وإن لم يمنع من الكلام شيئاً ففيه الاجتهاد بقدر شَيْنه إن شَانه, وإن منع من بعض الكلام فبحساب ذلك إذا كان يتكلم بالحروف كلها قبل ذلك وإنما الدَّية في الكلام لا في اللسان,

الجزء: 23 - الصفحة: 553

بمنزلة الأذنين إنما الدَّية في السمع لا في الأذنين.
محمد: وقد روى أشهب أن الرسول صلى الله عليه وسلم [166/ب] قال: «في اللَّسَانِ الدَّيَةُ إذَا مُنِعَ الْكَلَامُ» , وقضى أبو بكر رضي الله عنه فيه إذا أوعب قطعه من أصله: بالدَّية, وقضى عمر رضي الله عنه فيمن ضُرب بحجر في رأسه فذهب لسانه: بالدَّية, وكان عمر بن عبد العزيز رضي الله عنه يجعل في اللسان إذا انقطع كله أو انقطع كلامه: الدَّية كاملة, وما كان دون ذلك فبحسابه, وكتب بذلك إلى عامله بالمدينة.
ومن المدونة قال مالك: وإن قُطع من لسانه ما ينقص من حروفه؛ فعليه بقدر ذلك, ولا يعمل في نقص كلامه على عدد الحروف, فرُّب حرف أثقل من حرف في المنطق, ولكن بالاجتهاد في قدر ما نقص من كلامه.

الجزء: 23 - الصفحة: 554

قال ابن القاسم في العتبية: وذلك على قدر ما يتوهم الناظر في ذلك عند الاختبار, ويقع في نفسه أنه ذهب نصف كلامه, أو ثلثه, فيعطي نصف الدية, أو ثلثها, وإن شكوا فقالوا: هو الربع أو الثلث, أعطى الثلث حملاً على الظالم.
وقال بعض الناس: على الباء والتاء, يريد على عدد الحروف.

الجزء: 23 - الصفحة: 555

والأول أحب إلينا.
قال أبو محمد: وذلك أن بعض الحروف لا حظَّ للسان فيها مثل الباء والميم والحاء ونحوها, فمراعاة الكلام أشبه.
قال ابن حبيب: قال مجاهد: تجزأ الدَّية على عدد حروف المعجم, وهي ثمانية وعشرون حرفاً, فما نقص من هذه الحروف فبحسابه.
ابن حبيب: وقال لي مثله جماعة ممن سألته من أهل العلم.
وقاله أصبغ.

الجزء: 23 - الصفحة: 556

ابن حبيب: والحرف الثقيل والخفيف سواء.
[14 - فصل: شروط القود في اللسان البرء والتماثل] ومن المدونة قال مالك: وفي اللسان القود إذا كان يستطاع القود منه ولم يكن مُتْلِفا, مثل الفخذ, والمنقلة, والمأمومة, وشبه ذلك فإن كان مُتْلِفاً لم يُقَدْ منه.
ابن القاسم: ولا يقاد من ذلك أو يعقل حتى يبرأ, وقد سمعت أهل الأندلس سألوا مالكاً عن اللسان إذا قطع, وزعموا أنه ينبت, فرأيت مالكاً يصغي إلى أنه لا يعجل به حتى ينظر إلى ما يصير إذا كان القطع قد منعه الكلام, قلت: في الدَّية أو في القود؟ قال: في الدِّية, وفي لسان الأخرس الاجتهاد.

الجزء: 23 - الصفحة: 557

15 - فصل [في الانتظار بالقود أو الدية برء المجني عليه] قال: ومن قُطعت حشفته فأخذ الدية, ثم قُطع عسيبه, ففيه الاجتهاد, ويُنتظر بالمقطوع حشفته حتى يبرأ؛ لأن مالكاً قال: لا يقاد من جراحه العمد, ولا يعقل من الخطأ إلا بعد البرء, وقال: ذلك الأمر المجتمع عليه عندنا.
قال ابن القاسم: فإن أراد المقطوع الحشفة تعجيل فرض الدِّية إذ لا بد منها مات أو عاش؛ لم يكن له ذلك, ولعل [167/أ] أُنثييه أو غيرها يذهب من ذلك, وكذلك إن أوضحه رجل فأراد تعجيل دية الموضحة, فلا يعجل له شيء إذ لعله يموت فتكون القسامة فيه, وكذلك إن ضربه مأمومة خطأ فالعاقلة تحملها مات أو عاش, ولكن لا يعجل له شيء حتى يبرأ؛ لأنه لو مات منها لم تجب الدية إلا بقسامة, فإن أبى ورثته أن يقسموا, كان على العاقلة ثلث الدية لمأمومته, وإنما في هذا الاتباع والتسليم للعلماء.

الجزء: 23 - الصفحة: 558

وقال أشهب: ما بلغ ثلث الدية من الخطأ مما لو برأ على غير شين, لم يكن بد من عقله كالجائفة, والمأمومة, أو مواضح, أو مناقل, تبلغ ثلث الدية, فقد وجبت ساعة جرح على العاقلة, لا محيص لهم منها, عادت بفساد, أو برئت.
م: وهذا أقيس.
16 - فصل [في دية الصلب] قال مالك: وفي الصُّلْب الدِّية.
قال ابن القاسم: وذلك إذا أقعده عن القيام, مثل اليد إذا شلّت, وإن مشي على عثل, أو حدب, ففيه الاجتهاد يعني بقدر ذلك من الدية من ما ذهب من قيامه.

الجزء: 23 - الصفحة: 559

قال أشهب: ما نقص من قيامه فله بحسابه.
محمد: وقد قال ابن المسيب: «قضى رَسُولُ اللهِ صلَّى الله علَيهِ وسلَّم في الصُّلْبِ بِالدِّيَةِ كَامِلَةً, مِئَةً مِنَ الإبِلِ» , وَيِذَلِكَ مَضَتِ السُّنَّةُ, وقاله مالك وأصحابه, وقاله عبد العزيز بن أبي سلمة, قال عبد العزيز: وما جناه بعد كسر فبحساب ما نقص من ذلك, وهذا قول أشهب.
ومن المدونة: والصُّلب إذا كُسِر خطأً فبرأ وعاد لهيئته فلا شيء فيه.
محمد: وكذلك لو كُسر عمداً فبرأ وعاد إلى هيئته فلا شيء فيه لأنه لا قصاص في عمده؛ لأنه متلف, وكل جرح لا قصاص في عمده فهو بمنزلة الخطأ.
قال فيه وفي المدونة: وكذلك كل كسر يبرأ ويعود لهيئته فلا شيء فيه إلا أربع جراحات؛ الجائفة والمأمومة والمنقلة والموضحة فإنهن وإن برئن ففيهن ديتهن إلاّ أن يكون عمداً يستطاع منه القصاص فإنه يقتص منه وإن كان عظيماً, وأما المأمومة, والجائفة, والمنقلة, فليس في عمد ذلك إلا الدية مع الأدب, وكذلك ما لا يستطاع أن يقتص منه.

الجزء: 23 - الصفحة: 560

[17 - فصل: فيما يجري فيه القصاص وما لا يجري من جراحات الجسد] قال مالك: وفي عظامك الجسد القود من الهَاشِمة وغيرها إلا ما كان مخوفا مثل الفخذ وشبهه فلا قود فيه.
قال ابن القاسم: وإن كانت الهاشمة في الرس فلا قود فيها؛ لأني لا أجد هَاشمة تكون في الرأس إلا كانت مَنَقَّلة.
ولا قصاص في الصلب, ولا في الفخذ, وعظام [167/ب] العنق؛ لأنه مخوف.
وفي كسر أحد الزندين -وهما قصبتا اليد- القصاص, وإن كان خطأ فلا شيء فيه, لا أن يبرأ على عشم فيكون فيه الاجتهاد.
وفي كسر الذراعين, والعضدين, والساقين, القدمين, والإصبَع, عمداً القصاص.
وإذا كسر الضلع خطأ فيبرأ على عثم؛ ففيه الاجتهاد, وإن برأ على غير عثم؛ فلا شيء فيه, وإن كسر عمدا, فهو كعظام الصدر إن كان مخوفاً كالفخذ فلا قود فيه, وإن كان مثل اليد والساق ففيه القصاص.

الجزء: 23 - الصفحة: 561

وفي التَرقُوة إذا كسرت عمداً القصاص؛ لأن أمرها يسير لا يخاف منه, وإن كسرت خطأً وبرئت على عثم الاجتهاد, وإن برئت على غير عثم فلا شيء فيها.
وإن قطعت اليد من أصل الأصابع, أو من المنكب خطأ؛ فقد تَمّ عقلها, وذلك على العاقلة, وإن كان عمداً ففي ذلك القصاص, ويقتص منه من المنكب أو من الأصابع, كما قطع هو.
والأنف إذا كسر عمداً اقتص منه, فإن برأ الجاني على مثل حال المجني عليه أو أكثر فقد مضى, وإن كن في الأول عثل وبرأ المقتص منه على غير عثل, أو على عثل دون عثل الأول؛ اجتهد للأول من الحكومة على قدر ما زاد شينه, وهذا مثل اليد.

الجزء: 23 - الصفحة: 562

18 - فصل [في الحكومة فيما دون الموضحة, ومعنى الحكومة] وقد تقدم أن مالكاً قال: الأمر المجتمع عليه عندنا: أنه ليس فيما دون الموضحة من شجاج الخطأ عَقْلٌ مُسَمَّى وإنما انتهى النَّبيُّ صلّى اللهُ عليهِ وسلَّم إلى المْوُضحة فيما سمى له عقل, وليس أجر الطبيب بأمر معمول به.
وقد سُئل عمن كُسرت فخذه ثم انجبرت مستوية, أَلَهُ ما أنفق في العلاج؟ قال: ما علمته من أمر الناس, أرأيت إن برأ على شَيْنٍ أيأخذ ما شَأنه وما أنفق, لا يكون قضاءان في شيء واحد, وإنما فيه ما شأنه.
قال ابن القاسم, وأشهب: وليس في الدَّامية, والبَاضعة, والسمحاق, والملطاء إذا كانت خطأ شيء إذا برأ, إلا أن يبرأ على شين ففيه

الجزء: 23 - الصفحة: 563

حكومة يقوّم ذلك أهل المعرفة بقدر شينه وضرره.
وروى عن مالك في تفسير الحكومة: أن يقوِّم المجروح على أنه عبد صحيح ويقوَّم وبه ذلك الشين فما نقصه نقص مثله من ديته, وكذلك في كتاب الأبهري.
م: يريد فيغرم الجارح ما نقص.
[19 - فصل: في أسماء الجراح وصفاتها] قال ابن حبيب: أسماء الجراح في الوجه والرأس عشر: أولها الدَّامية: تدمي الجلد, بخدش أو بغير خدش.

الجزء: 23 - الصفحة: 564

ثم الحارِصَة: تحرص الجلد, أي تشقه.
ثم السَّمْحاق: التي [168/أ] تسلخ الجلد, كأنها تكشطه عن اللحم.
ثم الباضعِة: تبضع اللحم بعد الجلد, أي تشقه.
ثم الملْطا: بينها وبين العظم صفاق رقيق.
ثم الْمُتَلاحِمة: التي أخذت في اللحم فقطعته في غير موضع.
ثم الْمُوضِحة: التي توضح عن العظم.
ثم الهاشِمة: التي تهشم العظيم.
ثم المنقَّلة: التي تطير فراش العظم مع الدواء.

الجزء: 23 - الصفحة: 565

ثم المأمومة: وهي ما أفضت إلى الدماغ.
قال ابن المواز: والْمَلْطا هي السَّمحاق, وهي التي لا تقطع الجلد ولكن تهشيم اللحم ونتنف الشعر وتدمي ولا تقطع من الجلد شيئاً, والدامية: تدمي ولا تقطع الجلد, والباضعة: هي تبضع في الرأس ولا تبلغ العظم.
20 - فصل [في دية العقل] قال مالك: وفي العقل الدية.
محمد: قال ذلك مالك وأصحابه, وجاءت به السُّنَةُ عَنِ النَّبيِّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم, وقاله عُمر وغيرُه.
قال أشهب: وقضى عُمَرُ بنُ الْخَطَّابِ رضي الله عنه في رَجُلٍ أُصيبَ بِحَجَرٍ في رَأسِهِ فَذَهَبَ سَمْعُهُ, وَلِسَانُهُ, وَعَقْلُهُ, وَذَكَرُهُ فَلَمْ يُصِبِ

الجزء: 23 - الصفحة: 566

النَّسَاءَ, فَقَضَى لَهُ عُمَرُ بِأَرْبَعِ وَهُوَ حَيَّ.
وقاله ربيعة.
21 - فصل [في دية الأذنين] قال مالك: وفي الأذنين الدية إذا ذهب السمع, أصْطُلِمَتَا أو بقيتا.
وذكر بعض البغداديين: أن مالكاً رأى مرة في أشراف الأذنين الدية كاملة, ثم قال: بل حكومة.
ومن كتاب ابن المواز: وقد رأى عمر بن عبد العزيز, وأبو الزِّناد في أشراف الأذنين الدية, ذكره أبو الزِّناد عن غير واحد من العلماء

الجزء: 23 - الصفحة: 567

وذلك لما في ظاهر كتاب عمرو بن حزم, وفي الأذن خمسون من الإبل.
ابن المواز: وقد قال فيه: وفي العين وإنما يعني بذلك البصر, وقال: وفي اليد وإنما يعني بذلك الأصابع.
وقد روى أشهب عن ابن شهاب عن النبي صلى الله عليه وسلم: أنه إنما أُريد بالأذن السَّمع, وهو معروف من كلام العرب, يقول: أذنت لك أي استمعت لك.
وقد جاء عن معاوية وغيره عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: «في السَّمْعِ الدَّيَةُ».

الجزء: 23 - الصفحة: 568

وقضى بذلك عُمر وعُثمان, وعلي رضي الله عنهم, وزيد, وابن عبَّاس, وكَعْب بن سُوْر رضي الله عنهم, وقضي أن ما نقص من السمع أعطى بحسابه.
وقضى أبو بكر الصديق رضي الله عنه في اصطلام الأذنين بالاجتهاد بخمس عشرة فريضة, ولم يقض فيهما بالدَّية, وقال: «يُوَارِيِهِمَا الشَّعَرُ وَالعِمَامَةُ وَالْقَلَنْسُوَةُ».

الجزء: 23 - الصفحة: 569

[22 - فصل: فيمن ردّ أذنه أو سنه بعد الجناية عليها أو القصاص منها فنبتت] قال في المدونة: ومن قُطعت أذنه عمداً فردها فنبتت؛ فله القود فيها, والسن كذلك, ولو ردَّ السَّن في الخطأ لكان له العقل.
وقال أشهب: إذا رُدت الأذن أو السَّن [168/ب] في الخطأ فنبتت فلا عقل لها؛ لأن جراح الخطأ إذا برئت فلا شيء فيها, إلاّ أن تَبْرَأَ على شَيْنٍ, إلاّ الْمُوضِحة, والْمُنَقَّلة, والمامُومة, والجائِفة.
ومن العتبية قال يحيى عن ابن القاسم: ومن قطع أذن رجل فردها فنبتت, فإن عادت لهيئتها فلا عقل له فيها, وإن كان في نبوتها ضعف فله بحساب ما يُرى من نقص قوتها.
قيل له: فالسن تطرح ثم يردها بعد ذلك صاحبها فتنبت؟ قال: يغرم عقلها تاماً.
والفرق بينهما: أن الأذن إذا ردت استكملت وعادت لهيئتها, وجرى فيها الدم, والسَّن لا يجري فيها دمها أبداً, ولا ترجع كما كانت

الجزء: 23 - الصفحة: 570

أبداً, وإنما تراد للجمال.
ومنه ومن كتاب محمد قال أشهب عن مالك: وإن كُسرت سن الكبير خطأ, فأخذ ديتها ثم ردها فنبتت؛ فإنه لا يرد شيئاً؟ محمد: وقال ابن القاسم, وليس السَّن عند ابن القاسم كغيرها؛ لأنه يرى فيها ديتها وإن نبتت قبل أن يأخذ.
وقال أشهب: هي كغيرها من الجراح لا شيء له إن نبتت أو ردها فنبتت -إلا أن يكون ذلك [بعد] أن يأخذ لها عقلا- فلا شيء له إلا في العمد, فله القصاص.
قال فيه وفي المجموعة عن مالك: ولو طرح سن رجل عمداً, أو

الجزء: 23 - الصفحة: 571

قطع أذنه عمداً, فردها فلم تثبت, فاقتص من الجاني فردها الجاني فنبتت؛ فإن للمجروح عقل أذنه وسنه.
قال: وكذلك لو ردهما الأول فنبتا ثم اقتص من الجاني فردهما الجاني أيضاً فنبتا, فللأول العقل, وإن لم ينبتا للجاني؛ فلا شيء له.
23 - فصل [في دية الأسنان] ومن المدونة قال مالك: وفي كل سن خمس من الإبل, والأضراس والأسنان سواء.
محمد: وقاله ابن القاسم وأشهب عن مالك, واجتمع عليه رأي أهل العلم؛ لقول النَّبيَّ صلَّى اللهُ علَيهِ وسلَّم: «في السِّنِّ خَمْسٌ مِنَ الإبِلِ».
والضَّرسُ سِنٌ, رُوي ذلك عنه من غير طريق.

الجزء: 23 - الصفحة: 572

وفي حديث ابن شهاب: «في كُلِّ سِّنِّ خَمْسٌ مِنَ الإبِلِ».
قال مالك: وأخبرني داود بن الحُصَين أنَّ أَبَا غَطَفَانَ الْمُرِّيَّ أخبره أنّ مَرْوانَ بنَ الحَكَمِ أَرْسَلَهُ إلى عَبْدِا للهِ بْنِ عَبَّاسٍ فَسَأَلَهُ عَنْ مُقَدَّمِ الفَمِ مِثْلُ الأضْرَاسِ؟ فَقَالَ ابنُ عَبَّاسٍ: "لَوْ لمْ يُعْتَبَرُ ذَلِكَ إلاّ بِالأَصَابِعِ, عَقْلُهُمَا سَوَاءٌ".
قال أشهب: وأخبرني بعض أهل العلم من هل المدينة عن عطاء بن أبي

الجزء: 23 - الصفحة: 573

رباح عن عبيد بن عمير الليثي أن عمر بن الخطاب رضي الله عنه قال: "الأسْنَانُ كُلُّهَا سَواءٌ الضَّرْسُ وَغَيْرُهُ".
وإن كان قد [169/أ] اختلف في ذلك عن عمر, فروي عنه: أنه قضى في الضِّرسِ بِجَمَلٍ, وفي التَّرْقُوَةِ بِجَمَلٍ, وَفي الضَّلْعِ بِجَمَلٍ.
وقال سعيد بن المسيب: إنما قضى مُعَاوِيَة في الضَّرْسِ بِخَمْسَةِ أَبْعِرَةِ, تزيد الدية في قضاء معاوية,, وتنقص في قضاء عمر, ولو كنت أنا لجعلت في الأضراس بعيرين بعيرين فيتم عقل الفم الدية سواء, واستحسن هذا عبد العزيز بن أبي سلمة.

الجزء: 23 - الصفحة: 574

محمد: ولسنا نرى ذلك صواباً, ويكتفي في ذلك بقول الرَّسُولِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّم: «إنَّ في السَّنِ خَمْساً مِنَ الإبِلِ» , فلو كان الضرس خلاف السِّن لذكره مع ما وافق ذلك.
ومن قول عمر, وابن عباس: "إن الأضراس والأسنان سواء", وقاله عروة بن الزُّبير, وشُريح, ومسْرُوق, وقاله مالك وأصحابه.

الجزء: 23 - الصفحة: 575

قال مالك: وذلك الأمر المجتمع عليه عندنا.
ابن مزين: الأضراس عشرون, والأسنان اثنتا عشرة سناً, أربع ثنايا, وأربع رباعيات, وأربعة أنياب, وهذا جارٍ على قول سعيد بن المسيب.
وغير ابن مزين يقول: الأضراس ستة عشر, ويزيد في الأسنان أربع

الجزء: 23 - الصفحة: 576

ضواحك, وهي التي تلي الأنياب.
قال في المدونة: وفي السن السوداء خمسٌ من الإبل كالصحيحة.
محمد: لأنه قد أذهب منفعتها, ولو ضربه فاسودَّت سنه؛ قد تم عقلها؛ لأنه قد أذهب جمالها, وأن عمر رضي الله عنه لما صنَّف أمر العقول قال: "وفي السنَّ إذَا اسْوَدَّتْ فَقَدْ تَمَّ عَقْلُهَا, وإذَا طُرِحَتْ بَعْدَ ذَلِكَ فَقَدْ تَمَّ عَقْلُهَا أيضاً مَرَّةً أُخْرَىَ", وقاله سعيد بن المسيب, وقاله مالك, وكفى بقول مالك حجة.
قال علي بن أبي طالب رضي الله عنه: "يُنْتَظَرُ بِالْسِّنِّ حَوْلاً كَامِلاً إذَا أُصِيبَت, فَإِن اسْوَدَّتْ فَفِيهَا دِيَتُهَا كَامِلَةً, وإلاَّ فَبِحِسَابِ ذَلِكَ".

الجزء: 23 - الصفحة: 577

وكتب بذلك عمر بن عبد العزيز رضي الله عنه إلى عامله بالمدينة: "أنَّ السَّنِّ إذَا اسْوَدَّتْ فَقَدْ تَمَّ عَقْلُهَا".
قال مالك في المدونة: إلا أن تكون السِّن السوداء تظطرب اظطرابا شديداً فليس على من قلعها إلا الاجتهاد, وإن كانت سن أو ضرس مأكولة قد ذهب بعضها, فقلعها رجل عمداً أو خطأً؛ ففيها على حساب ما بقي من ديتها؛ لأنها غير تامة.
وإذا كانت السِّن سوداء, أو صفراء, أو حمراء, فأسقطها رجل؛ ففيها العقل كاملاً, والسوداء أشد.
قيل: فإن ضربه فاسودَّت [169/ب] سنه, أو احمرَّت, أو اصفرَّت أو اخضرَّت؟ قال: إذا اسودت فقد تم عقلها, فإذا كان ذلك كالسواد فقد عقلها, وإلا فعلى حساب ما نقص.

الجزء: 23 - الصفحة: 578

قال أشهب: الخضرة أقرب إلى السواد, ثم الحمرة ثم الصفرة, وفي ذلك كله بقدر ما ذهب من بياضها إلى ما بقي منه إلى اسودادها.
قال ابن القاسم في المستخرجة نحو قول أشهب هذا.
ومن المدونة قال مالك: وإذا ضُربت السِّن فتحركت؛ فإن كان اظطراباً شديداً, ثم عقلها؛ وإن كان تحريكاً خفيفاً عقل لها بقدر ذلك.
قال ابن القاسم: والسّنُّ الشديدة الاظطراب ينتظر بها سنة.
قال في الديات: ومن كسر بعض سن رجل عمداً ففيها القصاص بِرَأي أهل المعرفة.
24 - فصل [فيما جاء في الأجفان والحاجبين, وشعر الرأس, والظفر] قال مالك: وليس في جفون العين, وأشفارها, إلا الاجتهاد.
وفي حلق الرأس إذا لم ينبت الاجتهاد, وكذلك اللحية.
وليس في عمد ذلك قصاص.
وكذلك الحاجبين إذا لم ينبتا.

الجزء: 23 - الصفحة: 579

وفي الظفر القصاص؛ إلا أن يقلع خطأ فلا شيء فيه إذا برأ وعاد لهيئته, فإن برأ على عثم ففيه الاجتهاد.
25 - فصل [في الجناية على العين, وكيف لو أخذت الدية وبرئت العين, ومدة الانتظار بالجراح, وتأخير القود إلى البرء, ونماء جرح المستقاد منه] قال مالك: ومن ضرب عين رجل خطأ فانخسفت, أو أبيضت, أو ذهب بصرها وهي قائمة؛ ففيها ديتها, وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم: «في الْعَيْنَيْنِ الدَّيَةُ, وفي البَصَرِ الدَّيَةُ».
قال أشهب: فإذا ذهب البصر فليس فيه إلا ما فرض النبي صلى الله عليه وسلم, ولا يزاد لشينها, برئت أو انخسفت.
قال مالك: وإن كان ذلك عمداً فانخسفت؛ خسفت عينه, وإن كان يستطاع القود من البياض والعين قائمة؛ أقيد, وإلا فالعقل.
ومن ضرب عين رجل, فنزل فيها الماء أو ابيضَّت, فأخذ ديتها,

الجزء: 23 - الصفحة: 580

ثم برئت؛ فليرد الدية.
محمد: وقال أشهب: لا يرد شيئا إذا كان قد استونى بها, وبلغت حقيقتها, ولعل ذلك بقضية قاض مجتهد.
ابن المواز: إن كان ذلك بقضية, وبعد الاستقصاء, والأناة؛ فلا يرد, وإن عادت لهيئتها قبل أن يقبض شيئا وقبل الاستيناء بها فلا شيء له.
قال في المدونة: وينتظر بالعين سنة؛ فإن مضت السَّنة والعين منخسفة لم تبرأ, فلينظر برؤها, ولا يكون قودا ولا دية إلا بعد البرء.
محمد: وذكر ذلك مالك عن أبي بكر الصديق رضي الله عنه.
[170/أ] وقاله مالك.
وقال أيضاً: ينتظر سنة.
وبالسَّنة أخذ أشهب قال: وينتظر بالعين تبيض إلى تناهي أمرها, فإن استقر مفرها؛ عُقِل ما ذهب منا, وإن كان قبل السنة, وليس وراء السنة

الجزء: 23 - الصفحة: 581

انتظار, وذلك في الخطأ؟ قيل لأشهب: فإن مضت السنة والجرح بحاله؟ قال: يعقل مكانه ثم إن برأ فله ما أخذ, وإن ترامى إلى أكثر من ذلك, طالبه بما زاد, والظالم أولى بالحمل عليه.
ومن المجموعة: روى ابن القاسم, وابن وهب, عن مالك قال: الأمر المجتمع عليه عندنا أنه لا يقاد من كسر اليد, والرجل, ولا يقاد من الجراح, ولا يعقل في الخطأ حتى يبرأ المجروح فيستقيد, ثم إذا نما جرح المستقاد منه إلى غيره, أو إلى النفس؛ فلا شيء له على الأول, ولو برأ وشل الأول, أو برأ جرحه على عثم, فلا قود عليه في ذلك, ويعقل له بقدر ذلك الشين, قال عنه علي: في مال الجاني دون العاقلة, ويتبع به في عدمه, وكذلك جراح الجسد.
قال أشهب: وإنما لا يقاد من الجراح حتى يبرأ؛ لأنه قد يتفرع إلى

الجزء: 23 - الصفحة: 582

النفس فلا تؤخذ بقصاص جرح ونفس، وإن كان جرح لا يقاد منه؛ فلا تجتمع عليه دية جرح، وقود نفس، وإن كان خطأ فقد تعود نفساً، أو تصير إلى ما تحمله العاقلة، وقد كان مما يكون في ماله، وأما كل جرح تحمل العاقلة أوّله كالجائفة، والمأمومة، أو مواضح تبلغ ثلث الدية؛ فقد لزم العاقلة الثلث لا يزول فله تعجيل ما حل منها، وما تنامى من زيادة فله إذا تنامى.
ولم ير ابن القاسم: أن يعجل له شيء، إذ قد يجب على العاقلة دية النفس بقسامة، وقد تقدم هذا.
قال ابن القاسم: وكذلك مقطوع الحشفة لو قال: لي الدية بكل حال، فلم يؤخرونني؟ لم يكن بد من تأخير ذلك، ولعل ذلك تؤول إلى جراحة أخرى.
وقال أشهب في هذا أيضاً: لولا ماضي من فعل السلاف ألا قود ولا دية حتى يبرأ المجروح، وبلغني ذلك عن الصدِّيق، لكان هذا لا يؤخر، ولا أدري لعل هذا أصل لا ينبغي خلافه، ولعل من يتوقف في هذا إذ قد تنبت

الجزء: 23 - الصفحة: 583

الحشفة، وقد قيل لمالك: إن اللسان ينبت، فقال: لا يعجل فيه بالدية.
قال أشهب: فلا تفرض عليهم الدية حتى تبرأ الحشفة، فإن تمت سنة ولم تبرأ؛ فلتفرض عليهم الدية في ثلاث سنين مؤتنفة لا يحسب فيها ما تقدم.
قال في المدونة: وإن ضُربت العين فسال دمعها؛ انتظر بها سنة فإن لم يرقأ دمعها ففيها حكومة.
26 - فصل [في الجناية على اليد أو الرجل، ومن يقتص في الجراح والقتل] ومن ضرب يد رجل، أو رجله، فشلت؛ فقد تم عقلها، وإن كانت الضربة عمداً؛ فإن الضارب يضرب مثلها قصاصاً، فإن شلت يده وإلا كان

الجزء: 23 - الصفحة: 584

العقل في ماله دون العاقلة.
قال أشهب: وهذا إذا كانت الضربة بجرح فيه القود، وأما إن ضربه على رأسه بعصا فشلت يده؛ فلا قود عليه، وعليه دية اليد.
قال في المدونة: ولا يمُكَّن الذي له القود في الجراح أن يقتص لنفسه لئلا يتجاوز، ولكن يقتص له من يعرف القصاص، وأما القتل فإنه يدفع إلى ولي المقتول فيقتله وينهى عن العبث عليه.
قال مالك: وفي شلل الإصبع ديته كاملة، ثم إن قطع هذا الإصبع بعد ذلك عمداً أو خطأ؛ ففيه حكومة، ولا قود في عمده.
27 - فصل [في دية الإبهام والكف وتقطيع اليد، وخلقتها بنقص أو زيادة] وفي المفصلين من الإبهام عقل الإصبع تام، عشر من

الجزء: 23 - الصفحة: 585

الإبل، في كل مفصل خمس من الإبل، وإبهام الرجل مثلها.
قال مالك: وهو شيء ما سمعت فيه بشيء، ولكنه رأيي.
ومن قطعت إبهامه فأخذ دية الإصبع، ثم قطع رجلٌ بعد ذلك العقد الذي بقي من الإبهام في الكف؛ فليس فيه إلا حكومة، وإذا لم يكن في الكف إصبع؛ فعلى من قطعها أو بعضها حكومة، وإن كان فيها إصبع واحدة؛ ففي الإصبع ديته، واستحسن في الكف حكومة.
وقال أشهب: لا شيء في الكف ما دام بقي شيء له دية.

الجزء: 23 - الصفحة: 586

قال ابن القاسم: وأما إن كان فيها إصبعان؛ فلا شيء في الكف، ومن قطعت له إصبعان بما يليهما من الكف؛ ففيهما خمسا دية الكف، ولا حكومة له بعد ذلك.
وقال أشهب: إلا أن ينقص بذلك شيء من قوة بقية الأصابع؛ فله بحساب ذلك.
قال في غير المدونة: وإذا كانت خِلقَة يد على أربع أصابع؛ ففي كل واحدة منهن عشر من الإبل، وفي جميعهن أربعون، وكذلك من في يده ثلاث أصابع، أو إصبعان، فقطعت يده؛ فيها بقدر الأصابع.
ومن بيده، أو برجله إصبع زائدة، فإن كانت قوية كسائر الأصابع؛

الجزء: 23 - الصفحة: 587

فعقلها تام، وإن قطعت عمداً؛ فلا قصاص فيها، إذ لا نظير لها، ولو قطعت يده كلها خطأ ففيها ستون من الإبل، وإن كانت الزائدة ضعيفة، فقطعت اليد، لم يزد في ديتها، وإن قطعت الإصبع فقط؛ ففيها حكومة، ثم إن قطعت اليد؛ ففيها ديتها كاملة لا يحاسب بالحكومة فيها.
[28 - فصل: الجناية على الأنثيين، وقطعهما مع الذكر أو قبله أو بعده] ومن المدونة قال مالك: وفي الأنثيين إذا أخرجهما أو رضاهما الدية كاملة.
قيل لابن القاسم: فإن أخرجهما ورضهما عمداً؟ قال: قال مالك في الأنثيين القصاص، ولا أدري ما قول مالك في الرض، إلا أني أخاف أن يكون رضهما متلفاً؛ فإن كان رضهما متلفاً فلا قود فيهما، وكذلك كل ما علم أنه متلف فلا قود فيه.
قال مالك: وإن قطعت الأنثيان مع الذكر ففيهم ديتان؛ وذلك أن

الجزء: 23 - الصفحة: 588

النبي -صلى الله عليه وسلم- «قضى في الذكر بالدية، وفي الأنثيين بالدية».
قال مالك: وإن قُطعتا قبل الذكر أو بعده ففيهما الدية، وإن قطع الذكر قبلهما أو بعدهما؛ ففيه الدية، ومن لا ذكر له ففي أنثييه الدية، ومن لا أنثيين له، ففي ذكره الدية.
والبيضتان عند مالك سواء اليمنى أو اليسرى؛ في كل واحدة نصف الدية، وقاله علي بن أبي طالب، وأبو الزناد رضي الله عنهما عن من لقي من فقهاء المدينة من كبار التابعين رضي الله عنهم.
وذكر ابن حبيب أن ابن الماجشون، ومطرفاً رويا عن مالك: إنه إن

الجزء: 23 - الصفحة: 589

قطع الذكر أولاً أو آخراً، ففي الذي قطع بعده حكومة، بخلاف رواية ابن القاسم.
وقال أهل العراق: إن قطع الذكر قبل ففيه الدية، وإن قطعت الأنثيين قبل ففيهما الدية، وإن قطعتا بعد الذكر ففيهما حكومة فإن قطع الجميع معاً فإن بدأ من أسفل فديتان وإن بدأ من فوق الذكر فدية وحكومة.
وأخذ ابن حبيب: بأنهما إن قطعتا بعد الذكر فلا دية فيهما، وفي الذكر الدية قطع قبل أو بعد، وإن قطع الجميع في مرة واحدة ففي ذلك ديتان، كان القطع من فوق أو من أسفل.
قال ابن حبيب: وقد قيل في اليسرى من البيضتين الدية كاملة، وفي

الجزء: 23 - الصفحة: 590

العليا من الشفتين ثلثا الدية، وهو قول شاذ.
29 - فصل [في دية الشفتين] قال مالك: وفي الشفتين الدية، في كل واحدة منهما نصف الدية، كانت السفلى أو العليا، ولم يأخذ مالك بقول سعيد بن المسيب: "إن في السفلى ثلثي الدية".
قال محمد: وجاءت السنة أن في الشفتين الدية.
قال مالك وجميع أصحابه: في كل واحدة منهما نصف الدية.
قال أشهب: ومن قال بقول ابن المسيب: أن في السفلى ثلثي الدية؛

الجزء: 23 - الصفحة: 591

لأنها أحمل للطعام واللعاب، فالذي تستر به العليا من الوجه أعظم، مع انفراده بهذا القول الذي لم يقله أحد من أهل العلم، واليد اليمنى أشد من اليسرى لفضل منفعتها وقوتها، وأن الأكل بها، ولم يفضل أحد من أهل العلم بينهما.
وقد قال النبي -صلى الله عليه وسلم-: «في الشفتين الدية»، ولم يقل في السفلى ثلثي الدية، "وأن عمرو بن عبد العزيز كان يساوي بينهما يجعل في كل واحدة نصف الدية"، وقاله أبو الزناد، والشعبي، والنخعي، وهو قول مالك، وابن أبي سلمة رضي الله عنهم، وليس بعد

الجزء: 23 - الصفحة: 592

هذا شك لغير مخذول.
30 - فصل [في الجناية على الألتين والشفرين والثديين] قال ابن القاسم: وأليتي الرجل والمرأة سواء فيهما حكومة.
محمد وقال أشهب: في أليتي المرأة ديتها كاملة؛ كما أن في ثدييها ديتها كاملة وهما أقل ضرراً عليها في الجمال والمنفعة من أليتيها وإن كان لها في ثدييها جمال لصدرها، ونماء لولدها، فإن لها في أليتيها جمالاً لجميع جسدها، ونفاقاً عند زوجها، ولمصيبتها بأليتيها أعظم وأجل.
قال ابن حبيب: روى ابن وهب أن عمر بن الخطاب رضي الله عنه

الجزء: 23 - الصفحة: 593

: "قضى في شفري المرأة بالدية إذا سلبا حتى يبدو العظم.
يعني: شفري فرجها.
وقاله ابن الماجشون ومطرف، في شفريها وفي أليتيها، وأن ذلك أعظم عليها مصيبة من ذهاب ثدييها، أو عينيها، أو يديها.
ومن المدونة قال ابن القاسم: وليس في ثدي الرجل إلا الاجتهاد، وأما ثديا المرأة ففيهما الدية.
محمد: قال أشهب: وقاله أبو الزناد عن المشيخة السبعة.
قال ابن القاسم: وإن قطع حلمتيها؛ فإن كان قد أبطل مخرج اللبن أو أفسده فيه الدية، وإن قطع ثديي الصغيرة؛ فإن استوقن أنه أبطلهما فلا يعودان أبداً فيهما ديتهما، وإن شك في ذلك وضعت ديتها واستوني

الجزء: 23 - الصفحة: 594

بها، كسِّن الصبي؛ فإن نبتا فلا عقل لها، وإن لم ينبتا، أو انتظرتا فيبستا أو ماتت قبل أن يعلم ذلك ففيهما دية ذلك.

الجزء: 23 - الصفحة: 595

[الباب الثالث]

ما يؤخذ في الدية من العين، والإبل، وذكر تأجيلها، وما تحمل العاقلة منها

وقد (كتب النبي صلى الله عليه وسلم: أن في النفس مئة من الإبل)، فهذا أصل الدية.
"وقوم عمر رضي الله عنه الدية على أهل الذهب ألف دينار، وعلى أهل الورق اثني عشر ألف درهم"، حين صارت أموالهم ذهباً وورقاً، وترك دية الإبل على أهل الإبل على حالها.
[31 - فصل: الأصل في الدية الإبل وتقسط على ثلاث سنين] قال مالك: فلا يؤخذ في الدية إلا الإبل والدنانير والدراهم، وتؤخذ في ثلاث سنين، كانت إبلاً أو ذهباً أو ورقاً، وثلث الدية في سنة، وإن كان أقل من الثلث ففي مال الجاني حالاً، وثلثا الدية في سنتين.

الجزء: 23 - الصفحة: 596

وأما نصفها فقال فيه مالك مرة: تؤخذ في سنتين، وقال أيضاً: يجتهد فيه الإمام؛ إن رأى أن يفعله في سنتين أو في سنة ونصف فعل.
قال ابن القاسم: وفي سنتين أحب إلى؛ لما جاء "أن الدية تقطع في ثلاث سنين أو أربعة".
قال ابن القاسم: وثلاثة أرباعها تؤخذ في ثلاث سنين، قيل له فخمسة أسداسها؟ قال: يجتهد الإمام في السدس الباقي.
قال مالك: وإنما قوّم عمر رضي الله عنه الدية على أهل الذهب والورق حين صارت أموالهم ذهباً وورقاً، وترك أهل الإبل على حالهم.

الجزء: 23 - الصفحة: 597

قال مالك: وأهل الذهب أهل الشام ومصر، وأهل الورق أهل العراق، وأهل الإبل أهل البادية والعمود.
وقال أصبغ في العتبية: أهل مكة والمدينة الآن أهل ذهب.
قال مالك: ولا يقبل من أهل صنف من ذلك صنف غيره، ولا يقبل في الدية بقر ولا غنم ولا عروض ولا غيرها.
31 - فصل [إذا عُدمت عاقلة الرجل فكل سكان مدينة يعقلون عن أفرادهم] قال في الديات: ومصر والشام أجناد قد جندت، فكل جند عليهم جرائرهم، لا يعقل أهل مصر مع أهل الشام، وأفريقية وطرابلس جند

الجزء: 23 - الصفحة: 598

واحد يُضم بعضهم إلى بعض، ولا يعقل أهل البدو مع أهل الحضر.
وفي الديات إيعاب هذا.

الجزء: 23 - الصفحة: 599

[الباب الرابع]

في معاقلة المرأة مع الرجل فيما دون النفس إلى ثلث دية

قال أبو بكر بن الجهم: لم يختلف أن دية المرأة في النفس مثل نصف ادية الرجل، وأنها على النصف منه في الميراث والشهادة، والإجماع في جملة الدية حتى تنزل إلى الثلث ففيه اختلاف، فقال الفقهاء السبعة رضي الله عنهم من تابعي أهل المدينة منهم ابن المسيب: أنها مثل دية الرجل في الجراح إلى ثلث ديته، فترجع حينئذ إلى عقلها، وما روى مخالفاً عن عمر وعلي رضي الله عنهما بإسناد ضعيف، ولنا عنهما خلافة، وروى عُروة البارقي عن عمر: أنهما سواء في السن

الجزء: 23 - الصفحة: 600

والموضحة، وروى عنه شريح إلى ثلث ديته، وقاله عمر بن عبد العزيز، والزهري وعروة وغيرهم رضي الله عنهم.
وروى محمد بن علي عن علي رضي الله عنهما فيما بلغ من الجراح

الجزء: 23 - الصفحة: 601

أربعين فعلى نصف دية الرجل.
وقال أشهب في كتابه: وروى عن علي: أنها تساويه في ثلث عقلها.
قال ابن الجهم: ولم يختلف عن ابن عباس، وزيد أنها مثل الرجل إلى ثلث ديته.
وروي عن ابن مسعود: أنهما في السن والموضحة سواء.
فلا يجد مخالفنا عن صاحب أنها على النصف منه فيما قل؛

الجزء: 23 - الصفحة: 602

لأن عمر وعلياً رضي الله عنهما اختلف عنهما مع ضعف روايتهم عنهما فلا حجة لهم من قول السلف.
قال غيره: ودلت السنة على تساوي الذكر والأنثى في القليل من الدية، من ذلك دية الجنين: الذكر والأنثى فيه سواء.
قال ابن الجهم: وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم: «في كل إصبع عشر»، فظاهره لا يفرق بين الذكر والأنثى.
فإن قيل: فألا قلته في الأربع أصابع؟ قلت: لاجتماعهم فيها، ولا نقيس القليل على الكثير لمخالفته له، كمجامعتنا بين الأخذ بالنهي عن بيع ما ليس عندك، وإجازة السلم بالإجماع.

الجزء: 23 - الصفحة: 603

ويحتمل قول ابن المسيب: هي السنة، أنه مستنبط من هذا، ويحتمل أن يكون عن سنة البلد، فأنه متظاهر في التابعين.
قال ابن هرمز: أخذنا ذلك عن الفقهاء.
قال مالك رحمه الله: فالمرأة تعاقل الرجل في الجراح إلى ثلث ديته لا تستكمله.
قال ابن القاسم: فإذا بلغت ذلك رجعت إلى عقل نفسها، وتفسير ذلك: أن لها في ثلاث أصابع ونصف أنملة إحدى وثلاثين بعيراً وثلثي بعير، وهي والرجل في هذا سواء، وإن أصيب منها ثلاث أصابع وأنملة رجعت

الجزء: 23 - الصفحة: 604

إلى عقلها، فكان لها في ذلك ستة عشر بعيراً وثلثا بعير.
قال مالك: وإن قطع لها إصبع ففيه عشرة من الإبل، وكذلك في ثاني وكذلك في ثالث، ولو قطع لها ثلاث أصابع معاً من كف واحدة؛ فلها ثلاثون من الإبل، ثم إن قطع لها من تلك اليد الإصبعان الباقيان في مرة واحدة أو مرتين؛ فإن في كل إصبع خمساً من الإبل.
قال: ولو قطع لها ثلاث أصابع فأخذت ثلاثين بعيراً، ثم قطع لها من اليد الأخرى إصبع أو إصبعان أو ثلاث في مرة أو مرتين، لابتدئ فيها الحكم كالأولى، فيكون لها في الثلاث أصابع ثلاثون بعيراً.
قال: وإن قطع لها إصبعان من كل يد في ضربة واحدة؛ كان لها عشرون بعيراً.

الجزء: 23 - الصفحة: 605

م: كما لو قطعها من يد واحدة.
قال ابن القاسم: ثم إن قطع لها من إحدى اليدين إصبع؛ أخذت عشراً من الإبل، وكذلك لو قطع لها إصبع من اليد الأخرى ففيها عشرة من الإبل، وكذلك لو قطع لها هاتان الإصبعان من اليدين معاً؛ ففيهما عشرون، فما زاد بعد ثلاث أصابع من كل كف ففي كل إصبع خمس خمس، كان القطع معاً أو مفترقاً؛ وإن قطع لها ثلاث أصابع من يد وإصبع من يدها الأخرى في ضربة؛ أخذت خمساً خمساً، ثم إن قطع لها من اليد المقطوع منها الثلاث رابع، ومن اليد الأخرى إصبع أو إصبعان؛ أخذت في الرابع من أحد اليدين خمسة أبعرة، وفي الإصبع أو الإصبعين من

الجزء: 23 - الصفحة: 606

اليد الأخرى عشرة عشرة، افترق القطع أو كان في ضربة واحدة، ما لم يقطع لها من اليدين في مرة واحدة أربعة أصابع، وكذلك رجلاها على نحو ما فسرنا في اليدين.
قال ابن القاسم: ولو قطع لها إصبعان عمداً فاقتصت أو عفت، ثم قطع لها من تلك الكف إصبعان أيضاً خطأ؛ فلها فيهما عشرون بعيراً، وإنما يضاف بعض الأصابع إلى بعض في الخطأ.
ولو ضربها منقلة ثم منقلة؛ فلها في كل ذلك مثل ما للرجل إذا لم يكن في فور واحد، وكذلك لو كانت المنقلة الثانية في موضع الأول نفسه بعد برئها؛ فلها فيها مثل ما للرجل، وكذلك المواضح.
ولو أصابها في ضربة واحدة بمناقل أو بمواضح تبلغ ثلث الدية؛ رجعت فيها إلى عقلها.
يريد: وكذلك لو كان ذلك في فور واحد، وقاله أشهب في المجموعة وكتاب ابن المواز.

الجزء: 23 - الصفحة: 607

قال أشهب: كالسارق ينقل من الحرز قليلاً قليلاً في فور واحد إما لضعفه أو لئلا يُقطع؛ في سرقة واحدة ويقطع.
قال في كتاب محمد: واختلف في هذا مالك وعبد العزيز.
فقال مالك: إذا كان الضرب في فور واحد فهو كضربة واحدة، إلا أن يريد ضربة واحدة ثم يبدو له فيضرب أخرى.
وقال عبد العزيز: ما كان مفترقاً فلا يضم بعضهم إلى بعض وإن كان في فور واحد، وليس كالضربة الواحدة.
أشهب: وقول مالك أحب إلي، كالسارق يواصل سرقته.
قال ابن المواز: واختلف قول ابن القاسم في الأسنان: فجعلها مرة كالأصابع يحاسب بما تقدم إلى ثلث الدية.
قال أصبغ: وقوله الأول: في كل سن خمس من الإبل، ولا يحاسب بما تقدم وإن أتى على جميع الأسنان ما لم يكن في ضربة واحدة بخلاف الأصابع، وإلى هذا رجع ابن القاسم، وهو أحب إلي.

الجزء: 23 - الصفحة: 608

قال محمد: الأسنان عندي كالرأس يصاب بمواضح أو مناقل؛ فلا يجمع عليها إلا ما كان في ضربة ما لم يكن من شيء واحد له دية، فيحسب منه ما ذهب كالأرنبة، والسمع، والبصر، وأما المواضح والمناقل فلا يضم شيء منها إلى ما قبله.
محمد: والف عبد العزيز مالكاً في الأصابع فجعلها وإن كانت من كف واحدة كالأسنان والمواضح؛ أن لها في كل إصبع عشرة من الإبل، وإن أتى على جميع الأصابع ما لم يكن ذلك في ضربة واحدة، وقاله ابن وهب وعبد الملك.

الجزء: 23 - الصفحة: 609

وقال عبد العزيز: وإن قطع لها أربع أصابع في ضربة فأخذت فيها عشرين بعيراً، ثم قطعت لها الخامسة ففيها خمس فرائض.
وقال عبد الملك: بل فيها عشر فرائض.
وهو أقيس لقول أبيه.
وهذا كله خلاف لمالك وأصحابه.
وقولهم: فيه خمسة كان قطع الأربعة مجتمعاً أو مفترقاً.
وعبد العزيز يقول: فيه خمسة بعد ضربة واحدة في الأربع، ويخالف في ضربة بعد ضربة، فيرى حينئذ في الخامس عشرة.

الجزء: 23 - الصفحة: 610

[الباب الخامس]

فيمن جنى على عضو ضعيف أو ناقص، عمداً أو خطأ

[32 - فصل: في الجناية على لسان الأخرس، واليد الشلاء، وذكر الخصي، والرجل العرجاء، وما كان ناقصاً بأصل الخلقة، أو ضعف لكبر أو مرض] قال مالك رحمه الله تعالى: وفي لسان الأخرس الاجتهاد.
قال أصحاب مالك في كتاب محمد والمجموعة: أن المجتمع عليه عندهم أن ليس في لسان الأخرس، وفي العين القائمة التي ذهب بصرها، وفي اليد الشلاء، وفي الأصابع إذا تم شللها، وفي ذكر الخصي إذا قطع ذلك؛ إلا الاجتهاد، وليس في هذا كله مما ذهب منافعه قصاص.
قال مالك: وفي ذكر الخصي هذا عسيب قد قطعت حشفته، فأما مقطوع الأنثيين فقط؛ ففي ذكره الدية كاملة.

الجزء: 23 - الصفحة: 611

قال مالك: وكذلك الرجل العرجاء التي لم يبق فيها منفعة؛ فإنما فيها الاجتهاد كاليد الشلاء.
ومن المدونة قيل لابن القاسم: كم في الرجل العرجاء؟ قال: العرج مختلف، وما سمعت من مالك فيه شيئاً، إلا أني سمعته يقول: كل شيء من الإنسان إذا أصيب منه شيء وانتقص ثم أصيب بعد ذلك الشيء؛ فإنما له على حساب ما بقي من ذلك العضو.
قال مالك: وما كان من خلقة خلقها الله تعالى لم ينتقص منها شيء مثل استرخاء البصر، أو العين الرمدة يضعف بصرها، أو ضعف في يد أو رجل من كبر أو علة إلا أنه يبصر بالعين، ويستمتع بيده ورجله، ويبطش بيده؛ ففي هؤلاء الدية كاملة.
وكذلك الذي يصيبه أمر من السماء مثل العرق يضرب في رِجل رَجُل فصيبه منه عرض، أو رمد، إلا أنه يمشي على الرجل، ويبصر بالعين،

الجزء: 23 - الصفحة: 612

وقد مسها ضعف؛ ففيها إن أصيبت الدية كاملة، ولو كان ضعف هذه العين، أو اليد، أو الرجل بجانبه خطأ أخذ فيها عقلا، ثم أصيبت بعد ذلك فإنما له ما بقي من العقل.
قال ابن القاسم: والعرج عندي مثل هذا، قال: وإن كان الذي أصيبت به بعد ذلك عمداً اقتص منه ولم يحاسب، بخلاف الدية، وأما أصابع الكف يصاب بعضها عمداً، أو خطأ، أو من السماء، ثم يقطع باقيها؛ خطأ ففيها حصة ذلك من الدية.
[33 - فصل: في الجناية على عضو سبقت عليه جناية] قال مالك في باب بعد هذا في العين يصيبها الرجل بالشيء فينقص بصرها، أو اليد فيضعفها ذلك، وبصرها قائم، واليد تبطش، ولم يأخذ لها عقلاً: فعلى ما أصابها بعد ذلك العقل كاملاً، وذلك أن في السن السوداء إذا أصيبت العقل تاماً.
قيل لمالك: فإن كان أخذ لنقصان العين واليد شيئاً؟ قال: ذلك

الجزء: 23 - الصفحة: 613

أشكل، أي ليس له إلا ما بقي، ويقاص بما أخذ.
قال ابن القاسم: وقد قال لي قبل ذلك: ليس له بحساب ما بقي.
م: فظاهر هذا إنما اختلف قول مالك إذا لم يأخذ لنقص ذلك عقلاً، فقال مرة: يحاسب الثاني ينقص ذلك.
وقال مرة: لا يحاسب، ويكون عليه العقل تاماً، فأما إن أخذ لنقصان ذلك شيئاً فإنه يحاسب بلا اختلاف من قوله، هذا ظاهر المدونة.
وفي كتاب ابن المواز، قال ابن القاسم: اضطرب في هذا قول مالك.
م: يريد وإن أخذ للنقص عقلاً.
قال: فقال فيمن أصيب على بصره بشجة أو بشيء، فنقص لذلك بصره، ثم تفقأ بعد ذلك: فإن كان نقص الأول نقصاً إلا أنه يبصر بها كلها وينتفع فله الدية كاملة.
فقلت له: فإن كان أخذ لذلك عقلاً.

الجزء: 23 - الصفحة: 614

فقال: ذلك أشكل.
ثم قال قد قال ابن المسيب في السن: إذا اسودت ففيها العقل، ثم إن طرحت بعد ذلك كان فيها عقلها ثانية أيضاً.
فهذا مثله، ولا يضربه ما نقص من بصره إذا كان يبصر به ففيه الدية كاملة وقال أيضاً مالك إن كان أخذ لما نقص بصره عقلاً، وكان ذلك من جناية بها أو ضربة في رأسه فنقص بذلك بصره، ثم فقأت بعد ذلك؛ لم يعط إلا بحساب ما بقي، وإن كان من ضعف الكبر، أو الرمد، أو خلقة؛ لم يوضع لذلك شيء.
قال محمد: هذا أحسن ذلك عندنا، وهو وجه ما قال مالك، ومذهب ابن القاسم وأشهب، وإن كان لأشهب فيه اختلاف: أن العين إذا أصيبت خطأ، وقد كان أصابها قبل ذلك شيء نقص بصرها؛ فإن كان من جناية وقد أخذ لها عقلاً حوسب به قل أو كثل؛ لأنه لم يأخذ إلا من نقص معروف، وجزء مسمى، فأما من ضعف البصر فلا يأخذ

الجزء: 23 - الصفحة: 615

لذلك شيئاً أبداً، إلا أن ينقص لذلك شيئاً معلوماً وإن قل.
يريد: فيأخذ له.
قال: ثم لا يكون على الفاقئ إلا ما بقي، وإن كان عمداً اقتنص منه، ولم يحاسب.
م: يريد وإن كان ضعف لا يؤخذ له شيء لقلته، فعلى الفاقئ بعد ذلك العقل تاماً.
قال: وكذلك إن كان ذلك بأمر من السماء ليس من جناية، ولا ضربة؛ لم يحاسب مما كان من ضعف يسير، وكان لها عقلها تاماً.
34 - فصل [في الجناية على العين القائمة، والسن السوداء والحمراء والخضراء والصفراء] وقد تقدم أن في العين القائمة الاجتهاد.

الجزء: 23 - الصفحة: 616

ولم يأخذ مالك بما ذكر عن زيد: أن فيها مئة دينار.
وأن في السن السوداء، والحمراء، والصفراء؛ العقل كاملاً، وإذا ضربت سِنة فاسودت، أو احمرت أو اخضرت، أو اصفرت، ففي السواد تم عقلها، وإن كان ذلك كالسواد فقد تم عقلها، وإلا على حساب ما نقص، وإن اضطربت اضطراباً شديداً تم عقلها، وإن كان خفيفاً؛ عقل لها بقدر ذلك وينتظر بالشديدة الاضطراب سنة.
35 - [فصل]: فيمن جنى على يد ناقصة، أو كانت يد الجاني ناقصة قال: وإذا ذهب إصبع من الكف بأمر من الله سبحانه، أو بجناية وقع فيها قصاص أو عقل، ثم أصيبت الكف خطأ؛ ففيها أربعة أخماس الدية، ولو ذهب منها أنملة قد اقتص منها لقوصص بها في دية الكف، ومن قطع كفاً خطأ وقد ذهب بعض أصابعهما؛ فإنما عليه بحساب ما بقي من الأصابع في الكف، فإن لم يبق في الكف إلا أصبع واحدة؛ فعليه في الإصبع

الجزء: 23 - الصفحة: 617

ديته، وأستحسن في الكف حكومة.
وقال أشهب: لا شيء في الكف ما دام يبقى شيء له دية.
قال ابن القاسم: ومن قطع كف رجل عمداً وقد ذهب منها إصبعان أو ثلاثة بأمر من الله تعالى، أو بجناية وقع فيها قصاص، أو عقل، لم يقتص منه، ولكن عليه العقل في ماله، ولو ذهب منها إصبع واحدة؛ فقطعت يده قصاصاً، وسواء كانت المقطوعة الإبهام أو غيرها.
محمد: وقال أشهب: لاقتصاص له مثل الإصبعين؛ وإنما له أربعة أخماس دية اليد في ماله، وكذلك في الأنملتين مثل الإصبع؛ لأنه إذا ذهب أكثر الشيء جعلت أقله تبعاً، ولكني أستحسن في الأنملة أن يقتص منه.
ابن القاسم: ولو كانت المقطوعة صحيحة وقد ذهب من يد القاطع إصبع؛ لاقتص منه أيضاً.

الجزء: 23 - الصفحة: 618

وقال في المدونة: ولو كان قد ذهب منها إصبعان أو ثلاثة؛ لخير المقطوعة يده بين أن يقتص من اليد الناقصة، أو يغرمه دية يده.
محمد: قال ابن القاسم: قال مالك: إذا ذهب من يد القاطع إصبع فقطعت هذه اليد قصاصاً؛ فإنه يغرم دية الإصبع الخامس.
قال ابن القاسم: وأنا أرى أن ليس له إلا قطع كفه بأربع أصابع، ولا دية له في الإصبع الخامس، ولا خيار له في غير ذلك.
محمد: وقد قال ابن القاسم: إن شاء استقاد من يد [ذي] الإصبع، وإن شاء غرمه دية يده، مثل ما لو ذهب من يد القطاع إصبعان.
وقال مالك وابن القاسم: إنه مخير في الإصبعين، إن شاء استقاد، أو أخذ دية يده.
وقال أشهب وعبد الملك: ليس له أن يستقيد إذا كان قاطعه مقطوع

الجزء: 23 - الصفحة: 619

أكثر من إصبع؛ لأن ذلك من وجه العذاب، إلا أن يكون إنما نقصت بعد أن قطع كف الأول فإنه يقتص منه فيقطع ما بقي ثم يرجع على من قطع من كف قاطعه، فإن شاء أخذ منه عقل ذلك، أو اقتص منه إلا أن يرضيه قاطع قاطعه.

الجزء: 23 - الصفحة: 620

[الباب السادس]

فيمن جنى على عضو وليس له مثله، أو له مثله وهو مما لا يقاد منه، وما تحمله العاقلة من ذلك

قال: ومن قطع يمين رجل عمداً ولا يمين له فديته في ماله لا على العاقلة، فإن كان عديماً ففي ذمته، ولا تغلظ عليه الدية كدية العمد إذا قبلت.
وعقل المأمومة والجائفة عمداً على العاقلة، كان للجاني مال أو لم يكن، وعليه ثبت مالك، وبه أقول، وكان مالك يقول: إنه في ماله إلا أن يكون عديماً فيكون على العاقلة، ثم رجع.
والفرق بين ذلك وبين اليد: أن الجائفة والمأمومة موضعها قائم ولا يستطاع منه القود؛ لأنه متلف، واليد المقطوعة لا نظير لها عند القاطع.
قال أشهب: ولأن عمد الجائفة والمأمومة بمنزلة الخطأ إذ لا قود فيها وموضعها قائم؛ فمنزلة المجنون والصبي يقتل أو يجرح رجلاً عمداً، فلما ارتفع عنهما القصاص للجنون والصغر وفيهما موضع ذلك القود وعد فعلهما كالخطأ فكذلك الجائفة والمأمومة والمنقلة.

الجزء: 23 - الصفحة: 621

ومن المدونة قال مالك: كل ما يجنيه الجاني عمداً وفي جسده مثله ولا يستطاع منه القود فعل ذلك على العاقلة، وعلى الجاني الأدب، وذلك في المأمومة والجائفة وكذلك كل ما لا يستطاع منه القود لأنه متلف إذا بلغت الحكومة فيه ثلث الدية.
وأما ما ذهب من جسد الجاني ولو كان قائماً لاقتص منه فعقل ذلك في ماله، أو في ذمته في عدمه ولا تحمل العاقلة أقل من الثلث، وإنما تحمل الثلث فصاعداً إذا كان خطأ.
ومن شج رجلاً ثلاث مأمومات في ضربة واحدة خطأ ففيها الدية كاملة على العاقلة.
وإن شجه ثلاث منقلات في ضربة واحدة حملته العاقلة؛ لأن هذا يبلغ أكثر من ثلث الدية، وإن كان ذلك في ثلاث ضربات وكان ضرباً متتابعاً لم يقلع عنه؛ فهي كضربة وا حدة تحمله العاقلة، فإن كان متفرقاً في غير فور واحد؛ لم تحمله العاقلة.

الجزء: 23 - الصفحة: 622

[الباب السابع]

فيمن طرح سن صبي لم يُثغر

قال مالك: ومن طرح سن صبي لم يثغر خطأ؛ وقف العقل بيد عدل، فإن عادت لهيئتها رجع العقل إلى مخرجه، وإن لم تعد؛ أعطي الصبي العقل كاملاً، وإن هلك الصبي قبل أن تنبت سنه؛ فالعقل لورثته، وإن نبتت أصغر من قدرها الذي قلعت منه؛ كان له من العقل قدر ما نقصت، ولو قلعت عمداً؛ وقف له العقل أيضاً، ولا يعجل بالقول حتى يستبرأ أمرها، فإن عادت لهيئتها فلا عقل فيها ولا قود، وإن عادت أصغر من قدرها؛ أعطي الصبي ما نقصت، وإن لم تعد لهيئتها حتى مات الصبي؛ اقتص منه، وليس فيها عقل، وهو بمنزلة ما لم ينبت.
تم كتاب الجراح بحمد الله وعونه وصلى الله على محمد رسوله وعبده

الجزء: 23 - الصفحة: 623

بسم الله الرحمن الرحيم وصلى الله على سيدنا محمد وآله وصحبه وسلم

فصول الكتاب · 78 فصل
فصول الجامع لمسائل المدونة
المقدمةالمقدمةكتاب الصلاة الأولكتاب الصلاة الثانيكتاب الجنائز من الجامعكتاب الصوم من الجامعكتاب الاعتكافكتاب الزكاة الأولكتاب الزكاة الثاني من الجامعكتاب الحج الأول من الجامعكتاب الحج الثاني من الجامعكتاب الحج الثالث من الجامعكتاب الصيد من الجامعكتاب الذبائح من الجامعكتاب الضحايا من الجامعكتاب العتق الأول من الجامعكتاب المكاتب الأولكتاب السلم الأولكتاب السلم الثانيكتاب السلم الثالثكتاب الصرفكتاب الرهنكتاب بيوع الآجالكتاب البيوع الفاسدةكتاب بيع الخياركتاب المرابحةكتاب اشتراء الغائبكتاب الوكالاتكتاب التجارة إلى أرض الحربكتاب جامع لأبواب متفرقةكتاب العراياكتاب العيوب والتدليسكتاب الصلحكتاب الجوائحكتاب الجعل والإجارةكتاب المساقاةكتاب القراضكتاب الأقضيةكتاب كراء الرواحل والدوابكتاب كراء الدور والأرضينكتاب الشركةكتاب الشهادة الأولىكتاب الشهادة الثانيكتاب الرجوع عن الشهاداتكتاب المديانكتاب الرجوع عن الشهاداتكتاب التفليسكتاب الحمالةكتاب المأذون له في التجارةكتاب اللقطةكتاب الضوالكتاب الإباقكتاب حريم الآبار وإحياء المواتكتاب الغصبكتاب الوديعةكتاب العاريةكتاب العدةكتاب الاستحقاقكتاب الحبسكتاب الصدقةكتاب الهبة والهباتكتاب الهباتكتاب الوصايا الأولكتاب الوصايا الثانيكتابً الوصايا الثالثكتاب الشفعة الأولىكتاب الشفعة الثانيكتاب القسم الأولكتاب القسم الثانيكتاب الفرائض الثانيكتابكتاب المحاربين والمرتدينكتاب القذفكتاب الأشربةكتاب الجراحكتاب الجناياتكتاب الدِّياتكتاب الجامع
جارٍ التحميل