كتاب الجامع
[الباب الأول]
باب ما يجب على المكلفين اعتقاده ولا يسع جهله
قال القاضي أبو بكر بن الطيب رحمه الله وغيره:- الواجب على كل مكلف أن يعرف به بالأوائل والمقدمات التي لا ينم فيه النظر في معرفة الله عز وجل وصفاته وحقيقة توحيده إلا بها.
الجزء: 24 - الصفحة: 7
[فصل 1 - تعريف العلم]
فأول ذلك القول في العلم وأحكامه ومراتبه.
فحد العلم: معرفة المعلوم على ما هو به.
[فصل 2 - أقسام العلم] والعلوم كلها تنقسم على قسمين:- فقسم منها علم الله سبحانه، وهو علم قديم ليس بحادث ولا عرض ولا جنس من الأجناس، ولا يحصل العلم به اضطرارا ولا استدلالا، ولا مما له ضد ينفيه، ولا يصح عدمه، ولا يختص في تعلقه بمعلوم أو معلومات مخصوصات، بل هو متعلق بما لا نهاية له منها، وهو علم الله سبحانه الذي هو لم يزل ولا يزال عالما به، وهو صفة لذاته.
الجزء: 24 - الصفحة: 8
قال الله عز وجل: ﴿أَنْزَلَهُ بِعِلْمِهِ﴾.
وقال جل من قائل: ﴿فَاعْلَمُوا أَنَّمَا أُنْزِلَ بِعِلْمِ اللَّهِ﴾، فأثبت لنفسه علما.
والقسم الآخر: علم الخلق وهو ينقسم على قسمين:-
فقسم منه: علم اضطرار.
والآخر: علم نظر واستدلال.
فالضروري: ما لزم أنفس الخلق لزوما لا يمكنهم دفعه ولا الشك في معلومه، نحو العلم بما أدركته الحواس الخمس وما أفتي في النفس من الضرورات.
والنظري: ما احتيج في معرفته إلى الفكر والرواية.
[فصل 3 - طرق تحصيل العلم]
وجميع العلوم الضرورية تقع للخلق من ست طرق، فمنها:-
درك الحواس الخمس وهي: حاسة الرؤية، وحاسة السمع، وحاسة الذوق، وحاسة الشم، وحاسة اللمس.
والسادس: العلم المبتدأ في النفس نحو: علم الإنسان بوجود نفسه وما
الجزء: 24 - الصفحة: 9
يحدث فيها من لذة وألم وغم وفرح وصحة وسقم، والعلم بأن الضدين لا يجتمعان، وأن الاثنين أكثر من واحد، وأن الثمر لا يكون إلا من شجر، واللبن لا يكون إلا من ضرع، وكالعلم بالبلدان والدول، ونحو ذلك.
وما عدا هذه العلوم لا يحصل إلا مع استيفاء النظر.
وأن تعلم أن الاستدلال هو نظر القلب المطلوب به ما غاب عن الحس، والدليل ما أمكن أن نتوصل بصحيح النظر فيه إلى معرفة ما لا يعلم باضطرار.
وأن تعلم أن المعلومات على ضربين: معدوم، وموجود.
فالمعدوم: الذي ليس بشيء، قال الله عز وجل: ﴿وَقَدْ خَلَقْتُكَ مِنْ قَبْلُ وَلَمْ تَكُ شَيْئًا﴾.
والموجود: هو الكائن الثابت، قال الله تعالى: ﴿قُلْ أَيُّ شَيْءٍ أَكْبَرُ شَهَادَةً قُلِ اللَّهُ شَهِيدٌ بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ﴾ وهو سبحانه وتعالى شيء موجود.
وقول أهل اللغة: علمت شيئا، ورأيت شيئا إشارة إلى شيء موجود، وقولهم: ليس بشيء إشارة إلى معدوم.
الجزء: 24 - الصفحة: 10
فصل [4 - أنواع الموجودات وأقسامها]
وأن تعلم أن الموجودات على ضربين:
قديم لم يزل: وهو الله عز وجل وصفات ذاته.
ومحدث: وهو لم يكن فكان.
وأن تعلم: أن المحدثات على ثلاثة أقسام: جسم، وجوهر، وعرض.
فالجسم: هو المؤلف المركب أقل ما يجتمع من جوهرين.
والجوهر: هو الذي له حيز وهو إشغال مكان، أو ما يقدر تقديرا لمكان من غير أن يوجد فيه غيره، وهو الجزء الذي لا يتجزأ.
والعرض: كالحركات، والألوان تعرض في الجواهر والأجسام، ولا يصح بقاؤه.
فيتبين من قولهم: عرض لفلان عارض من مرض إذا قرب زواله، وقوله عز وجل: ﴿فَلَمَّا رَأَوْهُ عَارِضًا مُسْتَقْبِلَ أَوْدِيَتِهِمْ قَالُوا هَذَا عَارِضٌ مُمْطِرُنَا﴾.
فكل شيء قرب زواله وصف بذلك.
[فصل 5 - الدليل على وجوب وجود الخالق] وأن يعلم: أن للعالم محدثاً أحداثه.
الجزء: 24 - الصفحة: 11
والدليل على ذلك: وجود الحوادث بعد أن لم تكن، ولأن المحدث لو لم يتعلق بمحدث أحدثه لم تتعلق الكتابة بكاتب ولا البناء ببان.
ويدل على ذلك -أيضا- علمنا بتعلق الفعل بالفاعل في كونه فعلا، كتعلق الفاعل في كونه فاعلا بفعل، وأن تعلق الكتابة والصناعة بالكاتب والصانع، كتعلق الكاتب في كونه كاتبا بالكتابة، والصانع بالصناعة، فلو جاز فعل لا من فاعل، وكتابة لا من كاتب لجاز وجود محدث لا محدث له، وذلك محال.
فصل [6 - في ذكر بعض صفات الخالق]
ومن صفات هذا الصانع أنه موجود قديم واحد حي عالم قادر مريد متكلم سميع بصير باق، وليس كمثله شيء وهو السميع البصير.
والدليل على أنه موجود: أن الأفعال يستحيل أن تقع إلا بوجود القدرة، والقدرة يستحيل أن تقوم بمعدوم، فأثبت أنها قائمة بوجوده.
-وأيضا- فلو لم يقتض حدوث العالم وجود المحدث له لم يقتض البناء وجود الباني، ولا الكتابة وجود الكاتب.
والدليل على أنه قديم: لأنه لو كان محدثا لاقتضى محدثا أحدثه، واقتضى محدثه محدثا أحدثه إلى ما لا نهاية له وذلك محال، فوجب أن يكون الصانع قديما.
والدليل على أنه عالم قادر حي: ظهور الأفعال المحكمة منه، لاستحالة ظهورها من العاجز الجاهل.
الجزء: 24 - الصفحة: 12
ولما ثبت أنه عالم قادر استحال أن يقصد إلى فعله وليس بحي، ولو جاز ذلك لم يدر فعل سائر ما يظهر من الحيوان من تدبرهم، وسائر صنائعهم تظهر منهم وهم موتى، فلما استحال ذلك ثبت أنه حي.
والدليل على أنه واحد: أنه لما ثبت أن للعالم محدثا أحدثه، ولم يكن في الأفعال ما يدل على صانع ثان، فلو أثبتنا الأفعال ثانيا لم يقم عليه دليل، ولم يكن أولى من إثبات ثالث ورابع وذلك لا نهاية له، وذلك محال، وما أدى إلى المحال محال.
-وأيضا- فلو كان للعالم أكثر من صانع لكان لا يستحيل أن يريد أحدهما خلاف ما يريد الآخر، فإن تم ما يريد أحدهما، فالذي لم يتم مراده عاجز، والعاجز لا يكون إلها، فدل أن صانع العالم واحد.
والدليل على أنه سميع بصير: أنه لما ثبت أنه حي، والحي إذا لم يكن سميعا بصيرا كان موصوفا بضد السمع والبصر، ومن ذلك من الآفات الدالة على حدث من جازت عليه وقد أثبتنا أنه قديم.
-وأيضا- فإنه لو كان غير سميع بصير لعجز عن الرؤية والسمع والعاجز لا يكون إلها.
الجزء: 24 - الصفحة: 13
والدليل على أنه مريد قاصد لمراده: لأنه يستحيل ترتيب الأفعال ووضعها مواضعها ممن ليس بمريد ولا قاصد إلى ترتيبها، واستحالة ذلك كاستحالة ظهورها ممن ليس بعالم، وقد أثبتنا أنه عالم.
والدليل على أنه ليس كمثله شيء: لأنه لو أشبه الأشياء لجاز عليه ما يجوز عليها، ولكان محدثا من حيث أشبهها، وكانت قديمة من حيث أشبهته، وذلك محال، واجتماع لضدين.
وفيما ذكرنا من ذلك كفاية.
الجزء: 24 - الصفحة: 14
[الباب الثاني]
باب البيان عن إثبات الرسل صلى الله عليهم أجمعين
[فصل 1 - الدليل على إثبات نبوة الأنبياء] لو قيل: ما الدليل على إثبات نبوة نبيكم وغيره من الرسل صلى الله عليهم أجمعين؟ قيل له: الدليل على ذلك ما ظهر عليهم من الآيات وإتيانهم بظهور المعجزات، وبعث كل رسول منهم إلى قومه لما يفوق به الضرب الذي به يعجزون وعليه يعولون، فتحداهم على الإتيان بمثله، وقرعهم بالعجز عن معارضته.
الجزء: 24 - الصفحة: 15
[فصل 2 - من معجزات موسى عليه السلام]
فبعث الله موسى على نبينا وعليه السلام إلى قوم، وجل ما يحسنون، ومعظم ما به يعجزون علم السحر، فتحداهم بقلب العصا حية، وإخراج اليد بيضاء، وفلق البحر، وإرسال الضفادع والقمل.
فتلقفت عصاه ما يأفكون، وانقلب فرعون وقومه خاسرين، وقال السحرة آمنا برب العالمين، رب موسى وهارون بعد أن قال لهم موسى: ما جئتم به السحر إن الله سيبطله.
[فصل 3 - من معجزات عيسى عليه السلام] وبعث عيسى على نبينا وعليه السلام إلى قوم عظيم عملهم الطب، فتحداهم بإحياء الموتى، وإقامة الزمنى، وإبراء الأكمه والأبرص، فأذعنوا لقومه منقادين، وتيقنوا أن ما أتاهم به خارج عن إمكان المخلوقين، وأنها شهادة له من رب العالمين
الجزء: 24 - الصفحة: 16
[فصل 4 - من معجزات محمد صلى الله عليه وسلم]
وبعث محمدا صلى الله عليه وسلم إلى قوم بلغاء فصحاء، أصحاب نثر ونظم وخطابة، وسجع وشعر، وكانوا أفصح أهل عصرهم، ومن جميع الناسبين بعدهم.
[معجزة القرآن العظيم]
فأنزل الله عز وجل عليه القرآن العزيز وأمره في قصد التلاوة بتحديهم، فتحداهم بالإتيان بمثله، وبالغ في توبيخهم بالعجز عن شبهه.
فقال عز وجل: ﴿قُلْ لَئِنِ اجْتَمَعَتِ الْإِنْسُ وَالْجِنُّ عَلَى أَنْ يَاتُوا بِمِثْلِ هَذَا الْقُرْآنِ لَا يَاتُونَ بِمِثْلِهِ وَلَوْ كَانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ظَهِيرًا﴾.
وقال عز من قائل: ﴿فَاتُوا بِعَشْرِ سُوَرٍ مِثْلِهِ مُفْتَرَيَاتٍ وَادْعُوا مَنِ اسْتَطَعْتُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾.
ثم قال عز وجل: ﴿فَاتُوا بِسُورَةٍ مِنْ مِثْلِهِ﴾، ولم يقل من طوالها دون قصارها فلم يستطيعوا ذلك، ولا تسرعوا إليه ولا تعاطوه، ولو كانوا على ذلك قادرين لتسارعوا إليه ولكان ذلك أخف عليهم وأيسر من المسابقة وبذل المهج،
الجزء: 24 - الصفحة: 17
ونصب الحرب معه، وما أداه إليه من ذهاب أنفسهم، وقتل كبرائهم وإجلائهم عن ديارهم, وتملك أرضهم واسترقاقهم.
[معجزة الإخبار عن الغيوب]
وقص عليهم سير الأولين، وأخبار المتقدمين، وشرائع الماضين مع علمهم بنشئه ومسكنه، ثم ما أخبرهم به من الغيوب المستقبلية، والحوادث الكائنة التي لا يعلمها إلا علام الغيوب.
فقال عز وجل: ﴿سَيُهْزَمُ الْجَمْعُ وَيُوَلُّونَ الدُّبُرَ﴾.
وقال تعالى: ﴿وَإِذْ يَعِدُكُمُ اللَّهُ إِحْدَى الطَّائِفَتَيْنِ أَنَّهَا لَكُمْ وَتَوَدُّونَ أَنَّ غَيْرَ ذَاتِ الشَّوْكَةِ تَكُونُ لَكُمْ﴾ فدخلوه كما وعدهم.
وقال تبارك وتعالى: {وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الْأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي
الجزء: 24 - الصفحة: 18
ارْتَضَى لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُمْ مِنْ بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْنًا} فمهد لهم البلاد وأذل لهم العباد حتى افتتحوا لهم البلاد ومصروا الأمصار وجبوا الأموال وسبوا الأولاد، وأزاحوا ملك الأكاسرة والجبابرة، واستقامت لهم البلاد، وصارت كلمتهم عالية إلى يوم التناد.
[معجزة العادات الخارقة] مع ما ظهر على يديه من كلام الذئب، وحنين الجذع، ومجيء الشجرة ومشيها إليه وانقلاعها من موضعها ثم انصرافها إليه، وتسبيح الحصاة، وجعل قليل الطعام كثيرا، وانشقاق القمر، وقصة شاة أم معبد، وابتلاع الأرض لقوائم فرس سراقة بن مالك، وكلام الزراع المسمومة إلى غير ذلك مما قد تظاهرت به
الجزء: 24 - الصفحة: 19
أخبار الأحاديث وبمحضرة الجماعات الكثيرة إلى غيره، وظهور ذلك بمشهد منهم، والله عز وجل لا يظهر الآيات ويخترع المعجزات إلا للدلالة على صدق رسله والإقامة لهم بالفضيلة من جميع خلقه، لأن فعل ذلك مع تحديهم قام مقام القول: صدقوا أنني أرسلتهم وأمرتهم بالإبلاغ عني، فوجب لذلك أن يكون تعالى قد يشهد بتصديقهم وقطع العذر في الدلالة على نبوتهم.
وهذا بيان شاف يكتفى به في إثبات التوحيد والنبوة لأنبيائه.
الجزء: 24 - الصفحة: 20
الباب الثالث]
[باب] ذكر ما أنعم الله على خلقه الحسي [الإدراك
[فصل 1 - نعمة إدراك اللذات وسلامة الحواس]
فأول ذلك خلقه فيهم إدراك اللذات وسلامة الحواس.
وقيل: ما يشبعون به من الشهوات التي تميل إليها طباعهم وتصلح عليها أجسامهم، ولو أحياهم وآلمهم ومنعهم إدراك اللذات لكانوا مستضرين بالآلام وبمثابة الأحياء المعذبين من أهل النار.
[فصل 2 - نعمة الإيمان]
وأفضل نعم الله تعالى على عباده المؤمنين خلقه الإيمان في قلوبهم وإجراؤه على ألسنتهم، وهذه نعمة خصهم بها دون الكافرين.
ولذلك قال الله عز وجل: ﴿وَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ لَاتَّبَعْتُمُ الشَّيْطَانَ إِلَّا قَلِيلًا﴾.
الجزء: 24 - الصفحة: 21
[وقوله]: ﴿مَا زَكَى مِنْكُمْ مِنْ أَحَدٍ أَبَدًا﴾.
وقال عز وجل: ﴿بَلِ اللَّهُ يَمُنُّ عَلَيْكُمْ أَنْ هَدَاكُمْ لِلْإِيمَانِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾.
الجزء: 24 - الصفحة: 22
[الباب الرابع]
[باب] ذكر البيان عن طرق الأدلة التي يعلم بها الحق
وهي خمسة:-
أولها: كتاب الله عز وجل.
والثانية: سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم.
والثالثة: إجماع الأمة.
والرابعة: ما استخرج من هذه النصوص وبني عليها بطريق القياس والاجتهاد.
والخامسة: حجج العقول.
[فصل 1 - الأمر باتباع الكتاب العزيز]
قال الله عز وجل آمرا باتباع كتابه: ﴿أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ أَمْ عَلَى قُلُوبٍ أَقْفَالُهَا﴾.
وقال تعالى: ﴿وَلَوْ كَانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلَافًا كَثِيرً﴾.
وقال تعالى: ﴿إِنَّ هَذَا الْقُرْآنَ يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ﴾.
الجزء: 24 - الصفحة: 23
وقال تعالى: ﴿تِبْيَانًا لِكُلِّ شَيْءٍ﴾.
وقال: ﴿مَا فَرَّطْنَا فِي الْكِتَابِ مِنْ شَيْءٍ﴾.
[فصل 2 - الأمر باتباع السنة المطهرة]
وقال عز من قائل في الأمر باتباع الرسول صلى الله عليه وسلم: ﴿وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا﴾.
وقال تعالى: ﴿فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾.
وقال تعالى: ﴿وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى (3) إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى﴾.
[فصل 3 - الأمر باتباع إجماع المسلمين] وقال سبحانه وتعالى في وصف عدالة أمة نبيه صلى الله عليه وسلم، والأمر باتباعهم والتحذير عن مخالفتهم: {وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ
الجزء: 24 - الصفحة: 24
وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًا}.
وقوله تعالى: ﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَامُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ﴾.
وقال عز وجل: ﴿وَمَنْ يُشَاقِقِ الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَى وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّى وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ وَسَاءَتْ مَصِيرًا﴾.
[فصل 4 - الأمر بالقياس]
وقال جل ثناؤه في الأمر بالقياس والحكم بالنظائر والأمثال: ﴿فَاعْتَبِرُوا يَا أُولِي الْأَبْصَارِ﴾.
وقال تعالى: ﴿وَلَوْ رَدُّوهُ إِلَى الرَّسُولِ وَإِلَى أُولِي الْأَمْرِ مِنْهُمْ لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنْبِطُونَهُ مِنْهُمْ﴾.
وقال النبي عليه السلام لقاضيه معاذ بن جبل حين أنفذه لإقامة الحدود واستيفاء
الجزء: 24 - الصفحة: 25
الحقوق بم تحكم؟ فقال: بكتاب الله عز وجل، قال: فإن لم تجد؟ قال بسنة رسول الله صلى الله عليه وسلم، قال: فإن لم تجد؟ قال: أجتهد رأي وأحكم، فقال: الحمد لله الذي وفق رسول رسوله لما يحب ويرضى رسوله، فأمره على الحكم بالاجتهاد وجعله أحد طرق الأحكام.
[فصل 5 - الأدلة على اتباع حجج العقول]
وقال تعالى في اتباع حجج العقول: ﴿وَفِي أَنْفُسِكُمْ أَفَلَا تُبْصِرُونَ﴾.
وقال تعالى: ﴿أَفَرَأَيْتُمْ مَا تُمْنُونَ (58) أَأَنْتُمْ تَخْلُقُونَهُ أَمْ نَحْنُ الْخَالِقُونَ﴾.
وقال تعالى: ﴿إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ لَآيَاتٍ لِأُولِي الْأَلْبَابِ﴾.
الجزء: 24 - الصفحة: 26
وقال تعالى: ﴿مَنْ يُحْيِ الْعِظَامَ وَهِيَ رَمِيمٌ (78) قُلْ يُحْيِيهَا الَّذِي أَنْشَأَهَا أَوَّلَ مَرَّةٍ وَهُوَ بِكُلِّ خَلْقٍ عَلِيمٌ﴾.
وقال تعالى: ﴿فَاعْتَبِرُوا يَا أُولِي الْأَبْصَارِ﴾.
وأمرهم بالاعتبار ورد الشيء إلى مثله، والحكم له بحكم نظيره.
الجزء: 24 - الصفحة: 27
[الباب الخامس]
باب ترتيب المكلفين، وتنزيل جميع فرائض الدين
وجميع فرائض الدين على أربعة أقسام:-
[فصل 1 - ما يلزم جميع الأعيان المكلفين]
فقسم منها يلزم جميع الأعيان المكلفين وهو: الإيمان والتصديق له ولرسوله وكتبه وما جاء من عنده، وإقامة الصلاة وإيتاء الزكاة وصيام شهر رمضان والحج من استطاع إليه سبيلا مرة والجهاد، والكف عن جميع المحظورات من غضب الأموال وظلم العباد، والامتناع عن دفع الحقوق ونحو ذلك، والتوبة من جميع الموبقات والخروج عن الواجبات، وتجديد التوبة عن ذكر الذنب، وما يلزم من النذور والكفارات.
فهذه فروض واجبة على جميع المتعبدين وسائر العقلاء المكلفين من راع ورعية وخاصة وعامة وذكر وأنثى وحر وعبد، ممن بلغ الحلم وجرى عليه القلم؛ غير أن العبد لا تجب عليه الزكاة ولا الحج حتى يعتق وتجتمع فيه شروط إيجاب ذلك.
الجزء: 24 - الصفحة: 28
[فصل 2 - ما يختص وجوبه بالأئمة دون العلماء والرعية] والقسم الثاني: من الفرائض يختص وجوبه بالأئمة دون الرعية من العلماء والعامة وهي: إقامة الحدود واستيفاء الحقوق وفصل الحكومات والقضايا والخصومات، وجنايات الجراح، وجنايات الأموال ووضعها في حقوقها وصرفها إلى أهلها لا يلي ذلك أحد من الرعية ولا يسوغ فيه الشروع لأحد من العامة الذين ليسوا الأئمة وخلفائهم والولاة من قبلهم.
[فصل 3 - ما يلزم العلماء دون العامة] والقسم الثالث: من فرائض العلماء دون العامة وهي: الفتوى في النوازل والأحكام من الأمر إلى العامة بما يؤدي إليه النظر والاجتهاد، هذا الفرض مقصور على العلماء من سلطان ورعية لا يحل لأحد من العامة الذين ليسوا من أهل النظر في الأحكام الدخول فيه، وفتوى الإمام وخلفائه لا يكون حكما لازما بل هم وغيرهم في ذلك سواء.
الجزء: 24 - الصفحة: 29
وإنما ما يلزم من ذلك ويصير حكما ما قضي به على الرعية عند التخاصم والترافع إليهم، ويكره للقاضي والإمام أن يفتيا فيما يتعلق بالخصومات والحقوق لئلا تعرف مذاهبهم ويسرع في التحرز من أحكامهم ويتوصل بالحيل في ذلك إلى إبطال الحقوق.
[فصل 4 - ما يختص بالعامة]
والقسم الرابع: من الفروض يختص بالعامة خاصة، وهو الاستفتاء في الأحكام والرجوع إلى قول العلماء في تعريف ما يلزمهم في حكم الحلال والحرام، وهذا فرض مقصور على العامة، ومحظور على العلماء الذين لهم آية الاستنباط، وعلم بطريق القياس والاستخراج.
وقد أجاز بعض الناس تقليد العالم للعالم عند تضيق فرضه وانغلاق طريق الحكم عليه.
وأجاز ذلك آخرون على كل حال.
وأنكره آخرون، وهو أولى، والله عز وجل أعلم.
الجزء: 24 - الصفحة: 30
[الباب السادس]
باب القول في البيان عن الإسلام والإيمان ومعنى ذلك
[فصل 1 - في معنى الإسلام والفرق بينه وبين الإيمان]
معنى الإسلام: الانقياد، قال الله عز وجل: ﴿وَلَا تَقُولُوا لِمَنْ أَلْقَى إِلَيْكُمُ السَّلَامَ لَسْتَ مُؤْمِنًا﴾ يريد: لأنه انقاد إليكم ظاهره وأذعن بكلمة الحق لكنكم لا تعرفون باطنه.
وقال تعالى: ﴿وَلَهُ أَسْلَمَ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ طَوْعًا وَكَرْهًا﴾ أي انقاد له، فكل طاعة انقاد بها العبد لربه فاستسلم فيها لأمره فهي إسلام.
والإيمان أعلى خصلة من خصال الإسلام، وهو الذي لا تتم طاعة الله عز وجل وقربه إليه إلا به، فوجب أن يكون كل إيمان إسلاما لله عز وجل من حيث كان قربه إليه وانقيادا له واستسلاما لأمره، ولا يكون كل إسلام إيمانا؛ لأن من الإسلام تصديقا وإيمانا ومنه ما ليس بتصديق.
الجزء: 24 - الصفحة: 31
قال الله عز وجل: ﴿قَالَتِ الْأَعْرَابُ آمَنَّا قُلْ لَمْ تُؤْمِنُوا وَلَكِنْ قُولُوا أَسْلَمْنَا﴾ يريد بإسلامهم: الاستسلام بدقائق السيف دون انشراح الصدر للإيمان، فأثبت لهم الاستسلام ونفى عنهم التصديق.
فصل [2 - تعريف الإيمان]
والإيمان بالله عز وجل: هو التصديق بالقلب بأن الله عز وجل هو الفرد الواحد الصمد القديم الخالق العليم الذي ليس كمثله شيء وهو السميع البصير.
والدليل على ذلك أن الإيمان هو التصديق بالقلب قوله عز وجل: ﴿وَمَا أَنْتَ بِمُؤْمِنٍ لَنَا وَلَوْ كُنَّا صَادِقِينَ﴾ يريد: بمصدق لنا.
وقوله عز وجل: ﴿ذَلِكُمْ بِأَنَّهُ إِذَا دُعِيَ اللَّهُ وَحْدَهُ كَفَرْتُمْ وَإِنْ يُشْرَكْ بِهِ تُؤْمِنُوا﴾ أي: تصدقوا.
ويقال: فلان مؤمن بالله وبالبعث، أي: مصدق بذلك.
وقد اتفق أهل اللغة على أن الإيمان في اللغة هو التصديق.
فالإيمان بالله عز وجل هو التصديق بمضمن التوحيد له سبحانه، والوصف له
الجزء: 24 - الصفحة: 32
بصفاته، ونفي النقائص عنه الدالة على حدوث من جازت عليه.
[فصل 3 - في زيادة الإيمان ونقائصه]
قال أبو محمد بن أبي زيد رحمه الله: الإيمان قول باللسان، وإخلاص بالقلب، وعمل بالجوارح، يزيد بالطاعة وينقص بالمعصية نقصا عن حقائق الكمال لا محبطا للإيمان.
ولم يختلف أئمة الدين في الزيادة، ولا يرفع في ذلك إلا أحاديث المرجئة الذين يقولون: أن إيمان أهل الكبائر كإيمان جبريل وميكائيل وإسرافيل وسائر النبيين صلى الله عليهم أجمعين.
وقوله هذا هو الباطل الذي أكذبه القرآن، وقد نص الله تعالى على زيادته في القرآن وهو قوله عز وجل: ﴿لِيَزْدَادُوا إِيمَانًا مَعَ إِيمَانِهِمْ﴾.
وقوله تعالى: ﴿وَإِذَا مَا أُنْزِلَتْ سُورَةٌ فَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ أَيُّكُمْ زَادَتْهُ هَذِهِ إِيمَانًا فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا فَزَادَتْهُمْ إِيمَانًا وَهُمْ يَسْتَبْشِرُونَ (124) وَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ فَزَادَتْهُمْ رِجْسًا إِلَى رِجْسِهِمْ وَمَاتُوا وَهُمْ كَافِرُونَ﴾.
الجزء: 24 - الصفحة: 33
فأول الإيمان له حد ليس يكون بعده نقص إلا كان كافرا أو شاكا، فإذا سلم من هذا كان إيمانا يخرج به من الريب والشك إلى الإيمان والتصديق ثم يزيد فتقوى بصيرة من وهبه الله عز وجل المزيد فيزداد يقينه بأمور الله عز وجل ووعده ووعيده، ويعظم الله سبحانه في قلبه ويهون عليه الدنيا في طلب مرضاته لما عنده من مزيد الإيمان.
وقد سمى الله تعالى الأعمال إيمانا بقوله عز وجل: ﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُضِيعَ إِيمَانَكُمْ﴾ يعني: صلاتكم إلى بيت المقدس حين نسخت القبلة.
وإلى هذا المعنى يرجع أن العمل إيمان وأن النقص إنما يكون في تلك الزيادات فترى مؤمنين وبأحدهما من الخوف والإشفاق والزهد ما ليس بصاحبه، أفترى إيمان هذين سواء، هذا جهل من قائله، فنقص الإيمان إنما ينقص من تلك الزيادات حتى يبلغ إلى أقل الإيمان الذي النقص فيه شك وكفر.
الجزء: 24 - الصفحة: 34
قال الشيخ أبو الحسن الفاسي: اتفق أهل السنة أن الإيمان قول وعمل:-
وذلك لقول الله عز وجل: ﴿وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ حُنَفَاءَ وَيُقِيمُوا الصَّلَاةَ وَيُؤْتُوا الزَّكَاةَ﴾.
وقوله عز وجل: ﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُضِيعَ إِيمَانَكُمْ﴾ أي صلاتكم إلى بيت المقدس.
ولقوله تعالى: ﴿وَلَكِنَّ الْبِرَّ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ﴾ الآية، وفيها: وآتى المال على حبه، وفيها: وأقام الصلاة وآتى الزكاة والموفون بعهدهم إذا عاهدوا والصابرين في البأساء والضراء وحين البأس أولئك الذين صدقوا وأولئك هم المتقون.
وما في كتاب الله عز وجل من هذا فهو توكيد ويزيده بيانا.
وأما السنة فكثيرة منها:-
قوله صلى الله عليه وسلم:" بني الإسلام على خمس" فذكر بعد الشهادة إقام الصلاة وإيتاء الزكاة وصوم شهر رمضان وحج البيت.
والإيمان يزيد وينقص، ولم يختلف أهل السنة في زيادته؛ لأنه في كتاب الله تعالى.
ووقف مالك عن القول في نقصانه وإنما توقف عن إطلاق النقصان لما يؤدي
الجزء: 24 - الصفحة: 35
ذلك إليه من الخصام، إذ لم ينص على النقص في كتاب الله ولا سنة نبيه صلى الله عليه وسلم، فلما كان إطلاق ذلك يدخل الشك على العوام أن من أبى من قبول نقصه يكون ما صدق به إيمانا لا يضره ما ارتاب فيه، ووقف الكلام في نقصه.
وأما من أطلق القول من أهل السنة بأن الإيمان يزيد بالطاعة وينقص بالمعصية فمعناه: أنه إذا كان الإيمان قولا وعملا اقتضى أنه من وفى بالقول والعمل فقد جاء به كاملا بشروطه، ومن خالف بالعمل باقتراف الذنوب فقد نقص شروط الإيمان.
وقد تختلف -أيضا- معرفة المؤمنين بالإيمان من غير أن يدخل على أقل المؤمنين معرفة به ريب فيما أمر به وإن تساووا في القبول والإقرار وفي السلامة من الشك والريب في شيء من الإيمان.
فالقلوب تختلف في يقينها وشكها وحسن توكلها، وتختلف في القوة والضعف عند الابتلاء بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وفي البأساء والضراء وحين البأس.
الجزء: 24 - الصفحة: 36
قال أبو محمد بن أبي زيد: ولا يكمل قول إلا بعمل، ولا قول ولا عمل إلا بنية، ولا قول وعمل ونية إلا بموافقة السنة.
[فصل 5 - في عدم تكفير أهل القبلة]
وأنه لا يكفر أحد بذنب من أهل القبلة وإن كان كبيرا، ولا يحبط الإيمان غير الشرك بالله؛ كما قال تعالى: ﴿لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ﴾.
وقال تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ﴾.
وفيما ذكرنا من ذلك كفاية لمن يفهم، والله الموفق لمن يشاء برحمته.
الجزء: 24 - الصفحة: 37
[الباب السابع]
باب في التوحيد والأسماء والصفات وسائر الاعتقادات
[فصل 1 - في إثبات الأسماء والصفات]
والتوحيد لله عز وجل هو: الإقرار بأنه ثابت موجود، وأنه واحد ليس له ثان، فرد صمد معبود ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾ على ما ورد به قوله تعالى: ﴿إِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ﴾.
وقوله تعالى: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾.
وأنه الأول قبل المحدثات، الباقي بعد فناء المخلوقات على ما أخبر به عز وجل، وقوله عز وجل: ﴿هُوَ الْأَوَّلُ وَالْآخِرُ﴾ إلى قوله عز وجل: ﴿وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾، والعالم الذي لا يخفى عليه شيء، والقادر على اختراع كل مصنوع وإبداع كل جنس
الجزء: 24 - الصفحة: 38
معقول على ما أخبر به عز وجل من قوله عز وجل: ﴿خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ وَكِيلٌ﴾.
وأنه الحي الذي لا يموت، والدائم الذي لا يزول، وأنه إله كل مخلوق ومبدعه ومنشئه ومخترعه، وأنه لم يزل مسميا لنفسه بأسمائه الحسنى، واصفا لها بصفاته العلا قبل إيجاد خلقه، وأنه قديم بأسمائه وصفات ذاته التي منها الحياة التي فارق بها الموات والأموات، والقدرة التي بها أبدع الأجناس والذوات، والعلم الذي به أحكم جميع المصنوعات، وأحاط بالمعلومات، والإرادة التي صرف بها أصناف المخلوقات، والسمع والبصر الذي أدرك بهما جميع المسموعات والمبصرات، والكلام الذي به فارق الخرس والسكوت وذوي الآفات، والبقاء الذي به سبق المكونات ويبقى بعد فناء جميع الفانيات، كما أخبر عز وجل في قوله سبحانه: ﴿وَلِلَّهِ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا وَذَرُوا الَّذِينَ يُلْحِدُونَ فِي أَسْمَائِهِ﴾.
وقوله تعالى: ﴿أَنْزَلَهُ بِعِلْمِهِ﴾
الجزء: 24 - الصفحة: 39
[وقوله تعالى]: ﴿وَمَا تَحْمِلُ مِنْ أُنْثَى وَلَا تَضَعُ إِلَّا بِعِلْمِهِ﴾.
وقوله تعالى: ﴿أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّ اللَّهَ الَّذِي خَلَقَهُمْ هُوَ أَشَدُّ مِنْهُمْ قُوَّةً﴾.
وقوله تعالى: ﴿ذُو الْقُوَّةِ الْمَتِينُ﴾.
فنص عز وجل على إثبات أسمائه وصفات ذاته، وأخبر أنه تعالى ذو الوجه الباقي بعد انقضاء الباقيات كما قال سبحانه: ﴿كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلَّا وَجْهَهُ لَهُ الْحُكْمُ﴾.
وقوله تعالى: ﴿وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلَالِ وَالْإِكْرَامِ﴾.
[صفة اليدين]
واليدان اللتان نطق بإثباتهما له القرآن في قوله عز وجل: ﴿بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ﴾.
وقوله عز وجل: ﴿مَا مَنَعَكَ أَنْ تَسْجُدَ لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَيَّ﴾.
وأنهما ليستا بجارحتين ولا ذواتي صورة وبنية.
الجزء: 24 - الصفحة: 40
[صفة العينين]
والعينان اللتان أفصح بإثباتهما من صفاته القرآن، وتواترت بذلك أخبار الرسول عليه السلام.
فقال عز وجل: ﴿وَلِتُصْنَعَ عَلَى عَيْنِي﴾ و ﴿تَجْرِي بِأَعْيُنِنَا﴾.
وأن عينيه ليستا بجارحتين ولا بحاسة من الحواس ولا يشبه الجوارح ولا الأجناس.
[صفة الإرادة] وأنه سبحانه لم يزل مريدا وشافيا ومحبا ومبغضا وراضيا وساخطا ومواليا ومعاديا ورحيما ورحمانا، وأن جميع هذه الصفات راجعة إلى إرادته في عباده ومشيئته، لا إلى غضب يعتريه ورضى يسكن طبعا له وحنق وغيظ يلحقه وحقد يجده؛ إذا كان سبحانه متعاليا عن الميل والنفور، وأنه سبحانه لم يزل راضيا في أزليته عمن علم أنه بالإيمان يختم عمله ويوافي به ربه إذ خلقه، وأنه لم يزل غضبانا على من يعلم أنه بالكفر يختم عمله وتكون عاقبة أمره.
الجزء: 24 - الصفحة: 41
فقد قال عز وجل: ﴿فَعَّالٌ لِمَا يُرِيدُ﴾.
وقال عز وجل: ﴿إِنَّمَا قَوْلُنَا لِشَيْءٍ إِذَا أَرَدْنَاهُ أَنْ نَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾.
وقال تعالى: ﴿رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ﴾
وقال تعالى: ﴿وَمَا تَشَاءُونَ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ﴾.
فدل أنه يشاء ويريد.
قال ابن فورك: وأن تعلم أن الله عز وجل ما خلق شيئا لعلة موجبة لخلقه سوى خلقه، وأن قول المعتزلة: خلق الخلق لينفعهم كلام باطل، وأنه سائغ في حكمه أن يخلق خلقا ينفعهم كلام باطل دائما أبدا دون وقت، أو يضرهم أو يضر بعضهم دائما أو منقطعا كل ذلك منه حكمة وصواب.
فصل [2 - في الاستواء]
قال القاضي رضي الله عنه: وأنه سبحانه مستو على عرشه كما قال عز وجل: ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾ بغير مماسة ولا كيفية ولا مجاورة.
وأنه تعالى في السماء إله وفي الأرض إله كما أخبر بذلك.
الجزء: 24 - الصفحة: 42
قال أبو محمد: قال رجل لمالك: يا أبا عبد الله، الرحمن على العرش استوى، كيف استوى؟
قال: الاستواء غير مجهول، والكيف غير معقول، والسؤال عنه بدعة، والإيمان به واجب، وأراك صاحب بدعة، أخرجوه.
وأن تعلم أن الله عز وجل فوق سماواته وعلى عرشه دون أرضه، وأنه في كل مكان بعلمه، وأن له تعالى كرسيا كما قال تعالى: ﴿وَسِعَ كُرْسِيُّهُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ﴾.
ولما جاءت به الأحاديث أن الله عز وجل يضع كرسيه يوم القيامة لفصل القضاء.
قال مجاهد: وكانوا يقولون: ما السماوات والأرض في الكرسي إلا كحلقة في فلاة من الأرض.
الجزء: 24 - الصفحة: 43
[فصل 3 - في رؤية المؤمنين ربهم في الآخرة]
قال القاضي: وأنه تعالى يتجلى لعباده المؤمنين في المعاد فيرونه بالأبصار على ما نطق به القرآن في قوله عز وجل: ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاضِرَةٌ (22) إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ﴾، وأكد ذلك بقوله في الكافرين: ﴿كَلَّا إِنَّهُمْ عَنْ رَبِّهِمْ يَوْمَئِذٍ لَمَحْجُوبُونَ﴾ تخصيصا منه تعالى برؤية المؤمنين، والتفرقة بينهم وبين الكافرين، وعلى ما وردت به السنن الصحيحة في ذلك عن رسول الله صلى الله عليه وسلم فمن ذلك:-
حديث أبي هريرة: أن الناس قالوا يا رسول الله: هل نرى ربنا يوم القيامة؟
فقال عليه السلام: "هل تضارون في القمر ليلة البدر؟ " قالوا: لا يا رسول الله.
قال: "هل تضارون في الشمس ليس دونها سحاب؟ "، قالوا: لا يا رسول الله.
قال: " فإنكم ترونه كذلك"
ومنه حديث أبي سعيد الخدري قلنا يا رسول الله: هل نرى ربنا؟ قال: " هل تضارون في رؤية الشمس إذا كانت صحوا؟ " قلنا: لا، قال: "فإنكم لا تضارون في رؤية ربكم يومئذ كما لا تضارون في رؤيتها".
الجزء: 24 - الصفحة: 44
ومنه حديث ابن شهاب عن قيس بن حازم عن جرير بن عبد الله قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " إنكم سترون ربكم عيانا".
وقال محمد بن يحيى النيسابوري: السنة عندنا، وهو قول أئمتنا مالك بن يونس، والأوزاعي، والثوري، وابن عيينة، وابن حنبل، وعليه عهدنا أهل العلم قالوا: إن الله عز وجل يرى في الآخرة بالأبصار، يراه أهل الجنة دون من سواهم من بني آدم، وفي ذلك سنن كثيرة يطول ذكرها، وعليه حذاق أهل الكلام والله الموفق للصواب.
الجزء: 24 - الصفحة: 45
فصل [4 - في الإدراك]
وأن تعلم مع كونه سميعا بصيرا أنه مدرك لجميع المدركات التي يدركها الخلق من الطعوم والروائح واللين والخشونة والحرارة والبرودة بإدراك غير مكيف.
وأنه مع ذلك ليس بذي جوارح وحواس توجد بها هذه الإدراكات، فتعالى عن التصوير والجوارح والآلات.
وأن تعلم أنه مع إدراك سائر الأجناس المدركات وجميع الموجودات أنه غير ملتذ، فلا ألم لإدراك شيء منها ولا شبيه لها ولا نافر عنها ولا منتفع بإدراكها ولا متضرر بها ولا يجانس شيئا منها.
وأن تعلم أنه سبحانه ليس بمغاير لصفات ذاته وأنها في أنفسها غير متغايرة؛ إذ كان حقيقة الغيرين ما يجوز مفارقة أحدهما للآخر بالزمان أو المكان أو الموجود أو العدم، فإنه سبحانه يتعالى عن المفارقة لصفات ذاته عن أن توجد الواحدة منها مع عدم الأخرى.
فصل [5 - في أقسام الصفات] وأن تعلم أن صفات ذاته التي لم تزل ولا يزال موصوفا بها، وأن صفات أفعاله
الجزء: 24 - الصفحة: 46
هي التي سبقها.
قال ابن شاذان: والذي تقول به في أسماء الله عز وجل أنها على ثلاثة أضرب:-
منها ما يرجع إلى مجرد الذات لا إلى معنى، كقولنا: أنه موجود وذات ونفس وقديم، وهو الله عز وجل.
ومنها ما يرجع إلى صفات الذات كعالم وقادر وحي ومتكلم وسميع وبصير ومريد وما أشبه ذلك فهو من العلم والقدرة والحياة والكلام والإرادة، وهذه الصفات خطأ أن يقال هي هو، وخطأ أن يقال هي غيره.
وصفات أفعال كرازق وخالق ومحي ومميت وما أشبه ذلك، وما كان من ذلك فهو من الخلق والرزق وحياتها وموتها وهذه غيره.
وزعمت المعتزلة أن أسماء الله عز وجل هي غيره, وأنها مخلوقة، وأسماؤه: الله الرحمن الرحيم، والمخلوقات تبيد، وأنه كان تعالى في الأزل بلا اسم ولا صفة، وهذا ما اجتمعت الأمة على خلافه.
الجزء: 24 - الصفحة: 47
ويجب أن يكون النبي صلى الله عليه وسلم دعا الناس إلى عبادة غير الله عز وجل؛ لأنه قال لهم: اعبدوا الله، والله اسم مخلوق، ويجب أن يكون قوله تعالى: ﴿سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى﴾ فيسبح معنى: سبح غير ربك، وكذلك قوله تعالى: ﴿تَبَارَكَ اسْمُ رَبِّكَ﴾ معناه: تبارك غير اسم ربك إذا كان اسمه غيره، وهذا كفر صراح من قائله.
قال القاضي أبو بكر: وتعتقد أن مشيئة الله سبحانه ورضاه ورحمته وكراهيته وغضبه وسخطه وولايته وعداوته هو أجمع راجع إلى إرادته، وأن الإرادة صفة لذاته غير مخلوقة لا على ما يقوله القدرية، وأنه مريد لكل حادث في سمائه وأرضه مما ينفرد سبحانه بالقدرة على إيجاده، وما يجعله منه كسبا لعباده من خير وشر، ونفع وضر وهدى وضلال وطاعة وعصيان، ولا يخرج حادث عن مشيئته، ولا يكون إلا بإرادته وقصده.
الجزء: 24 - الصفحة: 48
قال أبو بكر بن فورك: وأن الله عز وجل علم أن أقواما يسعدون بتوفيقه إذا خلقهم وكلفهم، فكان مريدا في الأزلية أن يسعدوا بذلك كما علمهم فخلقهم سعداء.
وعلم أن آخرين يشقون عند خلقه بحرمانه إياهم العطا والتوفيق فأراد أن يكونوا كما علمهم فخلقهم أشقياء، وهو ما ذكره عز وجل في كتابه: ﴿فَرِيقٌ فِي الْجَنَّةِ وَفَرِيقٌ فِي السَّعِيرِ﴾.
وقوله تعالى: ﴿فَرِيقًا هَدَى وَفَرِيقًا حَقَّ عَلَيْهِمُ الضَّلَالَةُ﴾.
وأنه عز وجل قد أراد الخير لأهل الخير، وأن يكونوا هم الخيرين به، وأراد الشر لأهل الشر وأن يكونوا هم الشريرين به.
وأنه تعالى لا يخرج عن الحكمة بإرادة شيء من أفعاله، كما لا يخرج عنها بعلمه بها، بل يجب أن يكون كلما جرى في ملكه قصورا على علمه وحكمته وقضائه.
الجزء: 24 - الصفحة: 49
فصل [6] في الكلام
وأن تعلم أن كلام الله عز وجل صفة لذاته لم يزل ولا يزال موصوفا به، وأنه قائم به ومختص بذاته، وأنه لا يصح وجوده لغيره، وإن كان محفوظا في القلوب ومتلوا بالألسن ومكتوبا في المصاحف، ومعزوا في المحاريب على الحقيقة لا المجاز، وغير حال في شيء من ذلك، فإنه لو حل في غيره لكان ذلك الغير متكلما به وآمرا وناهيا ومخبرا وقائلا إنني أنا الله لا إله إلا أنا فاعبدوني، وذلك خلاف دين المسلمين.
وأن كلامه سبحانه لا يجوز أن يكون جسما ولا جوهرا ولا عرضا، وأنه لو كان كذلك لكان من جنس كلام البشر ومحدثا كهو فتعالى الله عز وجل عن ذلك علوا كبيرا أن يتكلم بمثل كلام المخلوقين.
وتعلم أن كلامه مسموع بالآذان وإن كان مخالفا لسائر اللغات وجميع الأصوات، وأنه ليس من جنس المسموعات، كما أنه عز وجل مرئي في القيامة بالأبصار وإن كان مخالفا لأجناس المرئيات، وكما أنه موجود مخالف لسائر الحوادث الموجودات.
الجزء: 24 - الصفحة: 50
وأن سامع كلامه سبحانه منه بغير واسطة ولا ترجمان كجبريل وموسى ومحمد صلى الله عليهم وسلم سمعوه من ذاته غير متلو ولا مقروء، ومن عداهم ممن لم يتول الله عز وجل خطابه بنفسه، إنما سمع كلاما متلوا مقروءا.
وكذلك قال الله عز وجل: ﴿كَلَّمَ اللَّهُ مُوسَى تَكْلِيمًا﴾.
وقال تعالى: ﴿مِنْهُمْ مَنْ كَلَّمَ اللَّهُ﴾.
وإن قراءتنا للقرآن كسب لنا نثاب عليها ونلام ونذم على تركها إذا وجبت علينا في الصلوات، وأنه لا يجوز أن يحكى كلام الله عز وجل ولا أن نلفظ به لأن حكاية الشيء مثله أو مقاربة، وكلام الله عز وجل لا مثل له من كلام البشر، ولا يجوز أن يلفظ به ويتكلم الخلق به؛ لأن ذلك يوجب كون كلام الله عز وجل للمتكلمين قائم بذاتين قديم ومحدث؛ وذلك فاسد بالإجماع والمعقول.
وأن كلامه عز وجل غير منتقض ولا متغاير.
قال ابن شاذان: الدليل على أن القرآن غير مخلوق:-
الجزء: 24 - الصفحة: 51
قوله عز وجل: ﴿أَلَا لَهُ الْخَلْقُ وَالْأَمْرُ﴾ ففصل بين الخلق والأمر، فلو كان أمره مخلوقا لكان كأنه قال: ألا له الخلق والخلق، وهذا تكرار من الكلام ولا فائدة فيه، فعلمنا أن أمره غير مخلوق.
وآخر قوله عز وجل: ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ تَقُومَ السَّمَاءُ وَالْأَرْضُ بِأَمْرِهِ﴾ والسماء والأرض لا تقوم بمخلوق، فعلمنا أن أمره غير مخلوق.
وجواب آخر: قوله عز وجل: ﴿وَلَوْ أَنَّمَا فِي الْأَرْضِ مِنْ شَجَرَةٍ أَقْلَامٌ وَالْبَحْرُ يَمُدُّهُ مِنْ بَعْدِهِ سَبْعَةُ أَبْحُرٍ مَا نَفِدَتْ كَلِمَاتُ اللَّهِ﴾ وما لا نفاذ له فغير مخلوق.
وقد روي أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "أعوذ بكلمات الله التامات"، والنبي عليه السلام لا يستعيذ بمخلوق، وإنما يستعيذ بالله وصفاته.
وروي عنه أنه صلى الله عليه وسلم قال: "القرآن كلام الله ليس بمخلوق".
الجزء: 24 - الصفحة: 52
وروي عنه أنه قال: "فضل كلام الله على سائر الكلام كفضل الله على سائر خلقه" فلما كان الله عز وجل غير مخلوق وهو مخلوقين كان كلامه غير مخلوق، وكلامهم مخلوق.
وقال علي بن أبي طالب رضي الله عنه في قصة الحكمين: ما حكمت مخلوقا إنما حكمت القرآن.
ودليل عقلي: أنه لو كان القرآن مخلوقا لكان لا يخلوا:-
أن يكون الباري خلقه في نفسه، أو قائما بنفسه، أو قائما بغيره.
فيستحيل أن يحدث بنفسه؛ لأنه تعالى ليس بمحل للحوادث.
ويستحيل أن يحدثه قائما بنفسه؛ لأنه صفة، والصفة لا تقوم بنفسها.
ويستحيل أن يحدثه في غيره؛ لأنه لو خلقه في غيره لوجب أن يكون كلاما لذلك الغير.
فلما فسد جميع ذلك صح أنه غير مخلوق.
آخر: أن الباري سبحانه لا يخلوا:-
أن يكون لم يزل متكلما، أو غير متكلم؟
فإن كان لم يزل متكلما ثبت أن كلامه غير مخلوق.
وإن كان لم يزل غير متكلما ثبت أن كلامه غير مخلوق.
وإن كان لم يزل غير متكلم وجب أن يوصف بضد الكلام كالسكوت والآفات الدالة على حدث من جازت عليه، وقد أثبتنا قدمه تعالى.
الجزء: 24 - الصفحة: 53
-وأيضا- فلو لم يزل غير متكلم لكان عاجزا عن الكلام، والعاجز لا يكون إلها.
فثبت أنه لم يزل متكلما، وأن كلامه قديم كهو.
وفيما ذكرنا من ذلك كفاية مقنعة.
فصل [7 - في مسائل شتى من الاعتقادات]
قال القاضي أبو بكر بن الطيب: وأن تعلم أن صفة الشيء ما قامت بالشيء الموصوف، وأن الوصف: هو قول الواصف الدال على الصفة، بخلاف ما تذهب إليه القدرية.
وأنه عز وجل مقدر لأرزاق جميع الخلق ومؤقت لآجالهم، وخالق لأفعالهم، وقادر على مقدوراتهم، وأنه رب لها لا خالق لها غيره، ولا رازق سواه.
كما أخبر تعالى في قوله عز وجل: ﴿اللَّهُ الَّذِي خَلَقَكُمْ ثُمَّ رَزَقَكُمْ ثُمَّ يُمِيتُكُمْ ثُمَّ يُحْيِيكُمْ﴾.
وقال عز وجل: ﴿فَإِذَا جَاءَ أَجَلُهُمْ لَا يَسْتَاخِرُونَ سَاعَةً وَلَا يَسْتَقْدِمُونَ﴾.
وقال تعالى: ﴿هَلْ مِنْ خَالِقٍ غَيْرُ اللَّهِ﴾.
وقال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ لَا يَخْلُقُونَ شَيْئًا وَهُمْ يُخْلَقُونَ﴾.
وأن بيده الخير والشر, والنفع والضر, وأنه مقدر جميع الأفعال لا يكون حادثا إلا
الجزء: 24 - الصفحة: 54
بأمره وإرادته، ولا يخرج مخلوق عن مشيئته، ما شاء كان وما لم يشأ لم يكن، وأنه عز وجل فعال لما يريد، وأنه يهدي من يشاء ويضل من يشاء، ولا هادي لمن أضله، ولا مضل لمن هداه.
كما قال تعالى: ﴿مَنْ يَهْدِ اللَّهُ فَهُوَ الْمُهْتَدِ وَمَنْ يُضْلِلْ فَلَنْ تَجِدَ لَهُ وَلِيًّا مُرْشِدًا﴾.
وكل ينتهي إلى سابق علمه، ولا محيص لأحد عنه.
وأنه موفق لأهل محبته وولايته لطاعته، وخاذل لأهل معصيته، عدل ذلك من تدبيره وحكمته.
وأنه عادل على خلقه بجميع ما يبتليهم به ويقضيه عليهم من خير وشر، ونفع وضر، وغنى وفقر، ولذة وألم، وصحة وسقم، وهداية وضلالة، لا يسأل عما يفعل وهم يسألون ﴿قُلْ فَلِلَّهِ الْحُجَّةُ الْبَالِغَةُ فَلَوْ شَاءَ لَهَدَاكُمْ أَجْمَعِينَ﴾.
وأن على العباد حفظة يكتبون أعمالهم كما قال تعالى: ﴿مَا يَلْفِظُ مِنْ قَوْلٍ إِلَّا لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ﴾، ولا يسقط شيء من ذلك عن علم الله عز وجل ﴿يَعْلَمُ خَائِنَةَ الْأَعْيُنِ وَمَا تُخْفِي الصُّدُورُ﴾.
الجزء: 24 - الصفحة: 55
وأن ملك الموت يقبض الأرواح كلها بإذن الله عز وجل كما قال تعالى: ﴿قُلْ يَتَوَفَّاكُمْ مَلَكُ الْمَوْتِ الَّذِي وُكِّلَ بِكُمْ﴾.
وأن الخلق ميتون بآجالهم، وأنه ينفخ في الصور فيصعق من في السماوات ومن في الأرض إلا من شاء الله ثم نفخ فيه أخرى فإذا هم قيام ينظرون، كما بدأهم يعودون حفاة عراة غرلا.
وأن الأجساد التي أطاعت أو عصت هي التي تبعث يوم القيامة لتجازى، والجلود التي كانت في الدنيا والألسنة والأيدي والأرجل هي التي تشهد عليهم يوم القيامة على من يشهد عليه منهم.
وأنه سبحانه يعيد العباد، ويحي الأموات، وأنه يجيء يوم القيامة لفصل القضاء، ويجيء بالملائكة صفا صفا.
ويمد الصراط، وتوزن صحائف الأعمال كما قال عز وجل: ﴿وَنَضَعُ الْمَوَازِينَ الْقِسْطَ لِيَوْمِ الْقِيَامَةِ فَلَا تُظْلَمُ نَفْسٌ شَيْئًا﴾، ﴿فَمَنْ ثَقُلَتْ مَوَازِينُهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾.
وأنهم أهل يمين وشمال، يؤتون كتبهم بأيديهم، فمن أوتي كتابه بيمينه فأولئك هم المفلحون، ومن أوتي كتابه وراء ظهره فأولئك هم الخاسرون.
الجزء: 24 - الصفحة: 56
وأنه سبحانه قد خلق الجنة والنار وأعدهما لأهل الثواب والعقاب، وقد أخبر بذلك في كتابه في قوله تعالى: ﴿مَثَلُ الْجَنَّةِ الَّتِي وُعِدَ الْمُتَّقُونَ﴾.
وقال تعالى: ﴿النَّارُ يُعْرَضُونَ عَلَيْهَا غُدُوًّا وَعَشِيًّا وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ أَدْخِلُوا آلَ فِرْعَوْنَ أَشَدَّ الْعَذَابِ﴾.
وقال تعالى: {}.
وقال تعالى: ﴿وَنَضَعُ الْمَوَازِينَ الْقِسْطَ لِيَوْمِ الْقِيَامَةِ فَلَا تُظْلَمُ نَفْسٌ شَيْئًا﴾.
وذكر الصراط في غير موضع من كتابه، وورد بثبوته صحيح الروايات، وما يلحق الناس عليه من الأهوال، ﴿وَيُنَجِّي اللَّهُ الَّذِينَ اتَّقَوْا بِمَفَازَتِهِمْ﴾.
فيجوزه العباد بقدر أعمالهم مناجون متفاوتون في سرعة النجاة عليه من نار جهنم، وقوم أوبقتهم فيها أعمالهم فيطرحون في غير الحياة فينبتون كما تنبت الحبة.
وأن الله عز وجل لا يغفر أن يشرك به ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء لمجتنبي الكفر، وهو الذي أراد بقوله تعالى: ﴿إِنْ تَجْتَنِبُوا كَبَائِرَ مَا تُنْهَوْنَ عَنْهُ نُكَفِّرْ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ وَنُدْخِلْكُمْ مُدْخَلًا كَرِيمًا﴾.
الجزء: 24 - الصفحة: 57
وأنه يقبل التوبة عن عباده ويعفو عن السيئات، وأنه يغفر لمن يشاء من المذنبين من أمة نبيه محمد صلى الله عليه وسلم مع المقام على ظلمهم كما قال عز وجل: ﴿وَإِنَّ رَبَّكَ لَذُو مَغْفِرَةٍ لِلنَّاسِ عَلَى ظُلْمِهِمْ﴾.
وأنه يشفع نبيه محمد صلى الله عليه وسلم وأهل بيته وأصحابه ومن يشاء من صالح عباده في عصاة أهل ملته ويخرج بشفاعة رسوله صلى الله عليه وسلم قوما من النار بعد أن صاروا جمعا وامتحشوا فيها.
وأنه لا يديم عذابه إلا على الكافرين، ولا يخلد في ناره إلا الجاحدين المكذبين، كما قال تعالى: ﴿لَا يَيْأَسُ مِنْ رَوْحِ اللَّهِ إِلَّا الْقَوْمُ الْكَافِرُونَ﴾، ﴿وَإِنَّ جَهَنَّمَ لَمُحِيطَةٌ بِالْكَافِرِينَ﴾.
وأنه تعالى يجازي بالحسنة عشر أمثالها، وبالسيئة مثلها، ويعفو عن كثير، ولا يضيع عمل عامل من المؤمنين، كما قال سبحانه: ﴿مَنْ جَاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ عَشْرُ أَمْثَالِهَا وَمَنْ جَاءَ بِالسَّيِّئَةِ فَلَا يُجْزَى إِلَّا مِثْلَهَا﴾.
الجزء: 24 - الصفحة: 58
﴿أَنِّي لَا أُضِيعُ عَمَلَ عَامِلٍ مِنْكُمْ مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى﴾.
﴿وَإِنِّي لَغَفَّارٌ لِمَنْ تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ صَالِحًا﴾.
﴿وَأَنَّ السَّاعَةَ آتِيَةٌ لَا رَيْبَ فِيهَا وَأَنَّ اللَّهَ يَبْعَثُ مَنْ فِي الْقُبُورِ﴾.
وأن ورود حوض النبي صلى الله عليه وسلم لحق، لا يظمأ من شرب منه من المؤمنين، ويمنع منه من انحرف عن الدين وخالف الطريق المستقيم.
وأن المؤمنين والكافرين يحيون في قبورهم، وأنهم يفتنون ويسألون، ويثبت الله الذين آمنوا بالقول الثابت في الحياة الدنيا وفي الآخرة، وأن أرواح المؤمنين منعمة إلى يوم الدين، وأرواح الكافرين في سجين في العذاب الأليم إلى يوم الدين.
وأن الله سبحانه قد احتج على عباده برسله، وكشف قناعهم، وقطع عذر العباد في الدلالة على صدقهم بما آتاهم به من الآيات وظاهر المعجزات، وتابع الرسل وأنزل عليهم الكتب، وشرع الشرائع وفرض الفرائض، وختم النبوة برسالة محمد عليه السلام، وقال صلى الله عليه وسلم: "لا نبي بعدي"، فجعله آخر
الجزء: 24 - الصفحة: 59
المرسلين، وفضله على العالمين، وجعل دينه وكتابه مقدما على جميع الكتب والأديان.
ـ[فصل 8 - في فضل الصحابة ومراتبهم والكف عنهم]
وأن خير القرون قرنه الذي بعث فيه، وأفضل أمته الذين شاهدوه فصدقوه ونصروه، وأخذوا عنه وبلغوا الخطاب عنه، ثم الذين يلونهم، كما قال صلى الله عليه وسلم: "خيركم قرني ثم الذين يلونهم، ثم الذين يلونهم".
وقال في أصحابه رضي الله عنهم: "لو أنفق أحدكم مثل أحد ذهبا ما بلغ مد أحدهم ولا نصيفه".
وأفضل أصحابه رضي الله عنهم أهل عصره المهاجرون معه الذابون عنه، ثم الأنصار، ثم التابعون لهم بإحسان إلى يوم الدين رضي الله عنهم أجمعين.
وأن أفضل المهاجرين رضي الله عنهم العشرة المعدودون في الجنة.
وأن أفضل العشرة رضي الله عنهم الأئمة الأربعة أبو بكر ثم عمر ثم عثمان ثم علي رضوان الله عليهم أجمعين.
الجزء: 24 - الصفحة: 60
وقيل: ثم عثمان وعلي، ويكف عن التفضيل بينهما، وروي ذلك عن مالك، وقال: ما أدركت أحدا أقتدي به يفضل أحدهما على صاحبه، ويرى الكف عنهما.
وروي عنه القول الأول وعن سفيان وغيره، وهو قول أهل الحديث.
ثم بقية العشرة، ثم أهل بدر من المهاجرين، ثم من الأنصار، ومن جميع أصحابه على قدر الهجرة والمسابقة والفضيلة.
وكل من صحبه ولو ساعة ولو رآه مرة فهو بذلك أفضل من أفضل التابعين رضي الله عنهم أجمعين.
والكف عن ذكر أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم إلا بخير ما يذكرون به، وأنهم أحق أن تنشر محاسنهم، ويلتمس لهم أفضل المخارج، ويظن بهم أحسن المذاهب، وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "لا تؤذوني في أصحابي، فوالذي نفسي بيده لو أنفق أحدكم مثل أحد ذهبا ما بلغ مد أحدهم ولا نصيفه".
فصل [9 - في الإمامة]
وأن الإمامة في قريش محصورة عليهم دون سواهم من جميع العرب والعجم.
وأن إقامة الإمام مع القدرة عليه والإمكان منه فرض على الأمة لا يسع تركه ولا التخلف عنه، وأنه موكول إلى أهل الحل والعقد دون النص من الرسول صلى الله عليه وسلم، وأنه
الجزء: 24 - الصفحة: 61
من فروض الكفاية، وإذا قام به البعض سقط عن الباقين، وأنه واجب طاعة الأئمة وإعظامهم وتوقيرهم، وطاعة خلفائهم والنائبين عنهم، وترك المسابقة لهم، وذلك متفق في عليه العادل المستقيم منهم.
وأما العادل عن ذلك منهم بظلم وتعطيل حد فإنه بجب وعظه وترك طاعته فيما هو عاص فيه ومعونته على ذلك، ويلزم إذكاره بالله عز وجل ودعاؤه إلى طاعته ومراجعته وإقامة العدل والقسط.
قال أبو محمد: وكل ولي المسلمين عن رضى أو عن غلبة فاشدت شوكته [و] وطأته من بر وفاجر فلا يخرج عليه جار أو عدل، ويغزى معه العدو، ويحج البيت، وتدفع الصدقات إليهم وهي مجزية إذا طلبوها، وتصلي خلفهم الجماعة والعيدين.
قال غير واحد من العلماء، وقاله مالك: لا تصلي خلف المبتدع منهم إلا أن تخافه فصل وراءه، واختلف في الإعادة.
ولا بأس بقتال من دافعك من الخوارج واللصوص من المسلمين وأهل الذمة عن نفسك ومالك.
الجزء: 24 - الصفحة: 62
قال الرسول عليه السلام: "تركت فيكم أمرين لن تضلوا ما تمسكتم بهما كتاب الله وسنة نبيه صلى الله عليه وسلم.
وقال صلى الله عليه وسلم: "عليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين من بعدي عضوا عليهم بالنواجذ، وإياكم ومحدثات الأمور فإن كل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة وكل ضلالة في النار".
وحذر صلى الله عليه وسلم من الفتن والأهواء والبدع، ومن زلة العالم.
فصل [10 - في التزام السنن وتأويل السلف] ويلزم تسليم السنن وأن لا تعارض برأي ولا ترفع بقياس، وما تأوله منها السلف الصالح تأولناه، وما عملوا به عملناه، وما تركوه تركناه، ويسعنا أن نمسك عما أمسكوا، ونتبعهم فيما بينوا، ونقتدي بهم فيما استنبطوه ورأوه في الحوادث، ولا نخرج عن جماعتهم فيما اختلفوا فيه وفي تأويله.
الجزء: 24 - الصفحة: 63
وكل ما قدمنا ذكره هو قول أهل السنة وأئمة الناس في الفقه والحديث على ما بيناه، وكله قول مالك رضي الله عنه، فمنه منصوص من قوله ومنه معلوم من مذهبه.
قال مالك: قال عمر من عبد العزيز رضي الله عنه: سن رسول الله صلى الله عليه وسلم سنة الأخذ بها تصديق لكتاب الله عز وجل، واستكمال لطاعته سبحانه، وقرة على دين الله عز وجل، ليس لأحد تبديلها ولا تغيرها، ولا النظر فيما خالفها، من اهتدى بها مهتد، ومن استنصر بها منصور، ومن تركها واتبع غير سبيل المؤمنين ولاه الله ما تولى وأصلاه جهنم وساءت مصيرا.
قال مالك: أعجبني عزم عمى في ذلك.
قال مالك: والعمل أثبت من الأحاديث، قال من اقتدى به: وإنه لضعيف أن يقال: حدثني فلان عن فلان، وكان رجال من التابعين يبلغهم الحديث عن غيرهم فيقولون: ما نجهل هذا ولكن مضى العمل على خلافه.
وكان أبو بكر محمد بن أبي بكر بن حزم ربما قال له إخوة: لم لم تقض
الجزء: 24 - الصفحة: 64
بحديث كذا! فيقول: لم أجد الناس عليه.
قال النخعي: لو رأيت الصحابة رضي الله عنهم يتوضؤن إلى الكوعين لتوضأت.
كذلك، وأنا أقرؤها إلى المرفقين؛ وذلك لأنهم لا يتهمون في ترك السنن، وهم أرباب العلم وأحرص خلق الله على اتباع رسوله صلى الله عليه وسلم، ولا يظن ذلك بهم أحد إلا ذو ريبة في دينه.
قال عبد الرحمن بن مهدي: السنة المتقدمة من سنة أهل المدينة خير من الحديث.
وقال ابن عيينة: الحديث مضلة إلا للفقهاء.
يريد: أن غيرهم قد يجهل شيئا على ظاهره وله تأويل من حديث غيره، أو دليل يخفى عليه، أو متروك أوجب تركه غير شيء مما لا يقوم به إلا من استبحر وتفقه.
قال ابن وهب: كل صاحب حديث ليس له إمام في الفقه فهو ضال، ولولا أن الله عز وجل أنقذنا بمالك والليث لضللنا.
وروي أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "يحمل هذا العلم من كل خلف عدوله ينفون
الجزء: 24 - الصفحة: 65
عنه تحريف الضالين، وانتحال المبطلين، وتأويل الجاهلين".
وقال ابن مسعود: من كان مستنا فليستن بمن قد مات، أولئك أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم كانوا أفضل هذه الأمة وأنورها قلوبا، وأعمقها علما، وأقلها تكلفا، قوم اختارهم الله عز وجل لصحبة نبيه صلى الله عليه وسلم وإقامة دينه، فاعرفوا لهم فضلهم، واتبعوهم في آثارهم، وتمسكوا بما استطعتم من أخلاقهم وسيرهم، فإنهم كانوا على الهدى المستقيم.
قال عمر رضي الله عنه: قد سننت لكم السنن وفرضت لكم الفرائض وتركتكم على الواضحة إلا أن تميلوا بالناس يمينا وشمالا.
قال مالك: وإنما فسدت الأشياء حين تعدى لها منازلها، وليس هذا الجدل من الدين بشيء.
وقال عمر بن عبد العزيز رضي الله عنه: من جعل دينه عرضا للخصومات أكثر الشغل، والدين قد فرغ منه، وليس بأمر يتوقف فيه النظر.
قال عمر بن عبد العزيز: لست بمبتدع ولكني متبع.
الجزء: 24 - الصفحة: 66
قال مالك: وكان يقال: لا تمكن زائغ القلب من أذنيك؛ لأنك لا تدري ما يبلغك من ذلك.
ولقد سمع رجل من أهل المدينة شيئا من بعض أهل القدر، فعلق بقلبه، فكان يأتي إخوانه الذين ينصحهم فإذا نهوه قال: فكيف بما علق بقلبي، ولو علمت أن لله رضى ألقي نفسي من فوق هذه المنارة فعلت.
قال مالك: ولقد قال رجل: دخلت هذه الأديان كلها فلم أر شيئا مستقيما، فقال له رجل من أهل المدينة من المتكلمين: أنا أخبرك لم ذلك؛ لأنك لم تتق الله عز وجل، ولو اتقيته لجعل لك مخرجا.
قال مالك: ولقد قال رجل: دخلت هذه الأديان كلها فلم أر شيئا مستقيما، فقال له رجل من أهل المدينة من المتكلمين: أنا أخبرك لم ذلك؛ لأنك لم تتق الله عز وجل، ولو اتقيته لجعل لك مخرجا.
الجزء: 24 - الصفحة: 67
ومن قول أهل السنة: أن لا يعذر من أداه اجتهاده إلى بدعة؛ لأن الخوارج اجتهدوا في التأويل فلم يعذروا إذ خرجوا بتأويلهم عن الصحابة فسماهم النبي صلى الله عليه وسلم: مارقين في الدين، وجعل المجتهد في الأحكام مأجورا وإن أخطأ.
قال مالك: والقدرية أشر الناس، ورأيتهم أهل طيش وسخافة عقول، ونزع بآي كثيرة عليهم منها:-
قول الله تعالى: ﴿لَا يَزَالُ بُنْيَانُهُمُ الَّذِي بَنَوْا رِيبَةً فِي قُلُوبِهِمْ﴾.
ومنها: ﴿وَأُوحِيَ إِلَى نُوحٍ أَنَّهُ لَنْ يُؤْمِنَ مِنْ قَوْمِكَ إِلَّا مَنْ قَدْ آمَنَ﴾.
وقال عز وجل: ﴿وَلَا يَلِدُوا إِلَّا فَاجِرًا كَفَّارًا﴾.
فصل [11 - في ثبوت بعض الأحاديث] قيل لمالك: فمن يحدث بالأحاديث: أنه الله عز وجل خلق آدم على صورته، وأن الله يكشف عن ساقه يوم القيامة، وأنه يدخل يده في جهنم فيخرج منها من
الجزء: 24 - الصفحة: 68
أراد، وأن ابن عجلان يحدث بذلك!
فأنكر ذلك إنكارا شديدا، وقال: لم يكن ابن عجلان من الفقهاء.
ولم ينكر حديث التنزيل ولا حديث الضحك، وأنكر حديث أن العرش اهتز لموت سعد.
[فصل 12 - في جملة اعتقاد المكلفين] قال القاضي وغيره: ويجب أن يعتقد المكلف، ويقول إن أمكنه القول: إنني رضيت بالله وبمحمد صلى الله عليه وسلم نبيا، وبالقرآن إماما، وبالسنة والأثر حجة وبيانا، وبالكعبة قبلة، وبالمسلمين إخوانا، وبالسلف الصالح والتابعين لهم بإحسان والذين جاؤا من بعدهم والمتمسكين بهديهم أئمة للدين أعلاما، وإنني دائن بكل ما أوجبه الله على خلقه من الإقرار بالشهادتين، وتصديق جميع ما أتت به الرسل والكتب،
الجزء: 24 - الصفحة: 69
وجميع فرائض الله في الدين، وما ندب الله عز وجل إليه ورغب في فعله، وإباحة جميع ما أحله وأطلقه لعباده، وتحريم جميع ما حرمه من سفك الدماء والسرقة والزنا واستحلال الأموال، وترك الواجبات، ونكاح ذوات المحارم من النسب والرضاع والصهر والمحصنات إلى غير ذلك من جميع المحرمات.
واعتقاد هذه الجملة التي ذكرنا والتصديق بها وبما جاء من خبر الإسراء بالنبي صلى الله عليه وسلم إلى السماوات على ما صحت به الروايات، وأنه رأى من آيات ربه الكبرى، وبما ثبت من خروج الدجال، ونزول عيسى عليه السلام وقتله إياه، وبالآيات التي بين يدي الساعة من طلوع الشمس من مغربها، وخروج الدابة، وغير ذلك مما صحت به الروايات.
الجزء: 24 - الصفحة: 70
[الباب الثامن]
باب في مبعث النبي صلى الله عليه وسلم وأيامه ونسبه وعمره وصفته، وذكر ولده وزوجاته والعشرة من أصحابه رضي الله عنهم أجمعين وشيء من التاريخ، ومتى فرضت الشرائع؟
[فصل 1 - في مبعثه وأيامه]
قال الإمام أبو محمد رضي الله عنه: قال غير واحد من أهل العلم ومنه كثير مما حفظ عن مالك في هذا المعنى: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم ولد يوم الإثنين لاثني عشرة ليلة خلت من شهر ربيع الأول عام الفيل.
ونبئ يوم الإثنين، قال مالك وغيره: وهو ابن أربعين سنة.
قال محمد بن عبد الله بن عبد الرحيم البرقي: ويقال: إنه نزل عليه القرآن
الجزء: 24 - الصفحة: 71
وهو ابن ثلاث وأربعين سنة.
قال مالك: وأقام بمكة عشرا، وبالمدينة عشرا.
قال وفرضت: الصلوات الخمس ليلة الإسراء بمكة، وأتمت الصلاة بالمدينة.
قال مالك: وأقام أبو بكر للناس الحج سنة تسع بعد خروج أبي بكر لإقامة الحج من غير فرض ولكن لإقامة الحج على ما تقدم، ولو كان مفروضا ما أخره رسول الله صلى الله عليه وسلم.
قال مالك: وصرفت القبلة قبل بدر بشهرين.
وقالوا توفي رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم الإثنين لاثني عشرة ليلة خلت من شهر ربيه الأول حين اشتد الضحى لإحدى عشرة سنة
الجزء: 24 - الصفحة: 72
خلت من الهجرة، وهو ابن ثلاث وستين سنة، فيما قالت عائشة وابن عباس رضي الله عنهما، وفيما روى مالك عن أنس بن مالك أنه كان ابن ستين سنة.
قال مالك: توفي النبي صلى الله عليه وسلم وأبو بكر وعمر ابنا ستين سنة.
[فصل 2 - في صفاته] قال مالك: قال أنس بن مالك: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم ليس بالطويل البائن، ولا بالقصير، وليس بالأبيض الأمهق ولا بالأدم، وليس بالجعد القطط، ولا
الجزء: 24 - الصفحة: 73
بالسبط، بعثه الله عز وجل على رأس أربعين سنة، وتوفاه الله عز وجل على رأس ستين سنة، وليس في رأسه ولحيته عشرون شعرة بيضاء.
[فصل 3 - في ذكر أولاده] وقالوا: مات صلى الله عليه وسلم ولم يخلف من ولده غير فاطمة رضي الله عنها، وكان جميع ولده ثمانية، ويقال: سبعة، فالذكور منهم القاسم وبه كان صلى الله عليه وسلم يكنى، والطاهر والطيب وإبراهيم، ويقال: أن الطاهر هو الطيب، ويقال: هو عبد الله، وبناته:
الجزء: 24 - الصفحة: 74
زينب ورقية وأم كلثوم وفاطمة رضي الله عنهم أجمعين.
وولده كلهم من خديجة بنت خويلد إلا إبراهيم فإنه من مارية القبطية مات وهو ابن ثمانية عشر شهرا، ويقال: ستة عشر شهرا، وبناته كلهن أدركن الإسلام وهاجرن، وكانت زينب تحت أبي العاص بن الربيع زوجها إياه النبي
الجزء: 24 - الصفحة: 75
صلى الله عليه وسلم قبل أن ينزل عليه الوحي، وأسلم أبو العاص زوجها بعدها، وتوفيت سنة ثمان، وتوفي أبو العاص في ذي الحجة سنة اثني عشرة.
وأما رقية وأم كلثوم فتزوجهما عثمان بن عفان رضي الله عنه، فتوفيت رقية في خروج النبي صلى الله عليه وسلم إلى بدر.
قال أسامة بن زيد: خلفني رسول الله صلى الله عليه وسلم مع عثمان عليها.
ثم تزوج بعدها أم كلثوم، ويقال: توفيت أم كلثوم سنة تسع.
وتزوج علي فاطمة سنة اثنتين من الهجرة، فولدت له الحسن والحسين، وتوفيت بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم بستة أشهر.
الجزء: 24 - الصفحة: 76
[فصل 4 - في ذكر زوجاته] وتزوج رسول الله صلى الله عليه وسلم أربع عشرة امرأة كلهن من العرب إلا صفية، وتوفي رسول الله صلى الله عليه وسلم وعنده من زوجاته تسع: عائشة بنت أبي بكر الصديق، وحفصة بنت عمر بن الخطاب، وسودة بنت زمعة العامري، وأم سلمة بنت أبي أمية بن المغيرة المخزومية، وجويرية ويقال: برة وهي بنت أم حبيبة بنت أبي سفيان بن حرب الأموية هؤلاء قرشيات.
الجزء: 24 - الصفحة: 77
ومن قيس ميمونة بنت الحارث الهلالية أخت أم الفضل امرأة العباس بن عبد المطلب، وزينب بنت جحش الأسدية أسد خزيمة، وجويرية بنت الحارث ابن أبي ضرار الخزاعي، وصفية بنت حيي بن أخطب الإسرائيلية.
وأول زوجاته خديجة بنت خويلد تزوجها وهو ابن خمس وعشرين سنة، وتوفيت بمكة قبل مخرجه إلى المدينة بثلاث سنين، وتزوج عائشة بمكة وهي بنت ست سنين، وقيل سبع سنين، وأدخلت عليه بنت تسع سنين بعد مقدمه المدينة بثمانية
الجزء: 24 - الصفحة: 78
أشهر، ومكثت عنده تسع سنين، ثم مات صلى الله عليه وسلم وعاشت بعده ثمانية وأربعين سنة، وتوفيت في شهر رمضان سنة ثمان وخمسين سنة.
ومات من أزواجه قبله خديجة وزينب.
ولم يدخل بالعامرية، ولا بالتي تزوج من كندة حتى فارقهما صلى الله عليه وسلم.
وفارق العالية بنت ظبيان بعد أن جمعها إليه.
وتسرر مارية القبطية، وريحانة بنت زيد وهي من بني قريظة، ثم أعتقها فلحقت بأهلها، وقيل: إنه تزوجها ثم طلقها، وقيل: أنه مات عنها وهي زوجة له.
قال ابن حبيب: وتزوج رسول الله صلى الله عليه وسلم فاطمة بنت الضحاك بن سفيان
الجزء: 24 - الصفحة: 79
الكلابية من قيس، وقد بنى بها.
واللائي لم يبن بهن: مليكة بنت داود الليثية، وأسماء بنت الحارث، وامرأة من بني كلاب، وليلى بنت الخطيم الأنصارية.
فصل [5 - في نسبه]
ونسب النبي صلى الله عليه وسلم: محمد بن عبد الله بن عبد المطلب بن هاشم بن عبد مناف من قصي بن كلاب بن مرة بن كعب من لؤي بن غالب بن فهر بن مالك بن النضر بن كنانة بن خزيمة بن مدركة بن إلياس بن مضر بن نزار بن معد بن عدنان.
الجزء: 24 - الصفحة: 80
وأمه آمنة بنت وهب بن عبد مناف بن زهرة بن كلاب بن مرة.
[فصل 6 - في ذكر سيرة مختصرة عن العشرة المبشرة]
واسم أبي بكر الصديق رضي الله عنه: عبد الله بن عثمان بن عامر بن عمرو بن كعب بن سعد بن تميم بن مرة، ويقال: عتيق بن عثمان.
وتوفي أبو بكر لثمان بقين من جمادى الآخرة يوم الإثنين سنة ثلاث عشرة، وكانت خلافته: سنتين وأربعة أشهر إلا عشر ليال.
واستخلف أبو بكر: عمر رضي الله عنهما وهو: عمر بن الخطاب بن نفيل بن عبد العزى بن عبد الله بن قرط بن رباح بن رزاخ بن عدي بن كعب بن لؤي بن غالب، ويقال: عبد العزى بن رباح بن عبد الله بن قراط بن رزاخ.
وقتل عمر رضي الله عنه في ذي الحجة سنة ثلاث وعشرين.
قال مالك: طعنه أبو لؤلؤة غلام نصراني للمغيرة عند صلاة الصبح قبل أن يدخل
الجزء: 24 - الصفحة: 81
في الصلاة, فصلى بهم: عبد الرحمن بن عوف بأمره.
ويقال: كانت خلافته: عشر سنين وخمسة أشهر وتسعة عشر يوما.
ويقال: مات أبو بكر وعمر وهما ابنا ثلاث وستين سنة، ويقال: توفي عمر ابن خمس وخمسين سنة.
ومات عمر وقد جعلها شورى إلى ستة نفر وهم: عثمان وعلي وطلحة والزبير وعبد الرحمن بن عوف وسعد بن أبي وقاص، فاجتمعوا على خلافة عثمان.
وهو عثمان بن عفان بن أبي العاص بن أمية بن عبد شمس بن عبد مناف، يكنى: أبا عمر، ويقال: أبا عبد الله.
وكانت خلافته: اثنتي عشرة سنة، ويقال: إلا اثني عشرة ليلة.
وقتل رضي الله عنه سنة خمس وثلاثين، وهو ابن تسعين سنة، ويقال: ثمان وثمانين سنة، ويقال: ست وثمانون سنة.
ودفن ليلا، وصلى عليه: جبير بن مطعم.
ثم بويع علي رضي الله عنه بالخلافة.
وهو: علي بن أبي طالب بن عبد المطلب بن هاشم بن عبد مناف.
الجزء: 24 - الصفحة: 82
وملك رضي الله عنه العراق على رأس ستة أشهر من مقتل عثمان، ويقال كانت خلافته: خمس سنين إلا ثلاثة أشهر.
وأصيب غداة الجمعة لتسع عشر ليلة مضت من شهر رمضان، ومات رضي الله عنه ليلة الأحد لتسع بقين من شهر رمضان سنة أربعين، وهو ابن سبع وخمسين سنة، ويقال: ابن ثمان وخمسين.
وروى شعبة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "الخلافة ثلاثون سنة، ثم تكون ملكا".
وكانت الجماعة على معاوية سنة أربعين.
وطلحة بن عبيد الله بن عثمان بن عامر بن كعب بن سعد بن تميم بن مرة، قتل يوم الجمعة سنة ست وثلاثين، أصابه سهم فقطع من رجله عرق النساء فشج حتى نزف فمات، يقال: ابن خمس وسبعين سنة.
وعبد الرحمن بن عوف بن الحارث بن زهرة بن كلاب، يكنى: أبا محمد، توفي بالمدينة سنة اثنتين وثلاثين.
والزبير بن العوام بن خويلد بن أسد بن عبد العزى بن قصي بن كلاب، يكنى: أبا عبد الله، قتل يوم الجمل وهو منصرف في جمادى الأولى، ويقال: في رجب سنة
الجزء: 24 - الصفحة: 83
ست وثلاثين، قتله: ابن جرموز من بني تميم، وهو ابن أربع وستين سنة.
وقال له علي بن أبي طالب رضي الله عنهما: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: "بشر قاتل ابن صفية بالنار".
وسعد بن أبي وقاص، واسم أبي وقاص: مالك بن أهيب بن عبد مناف بن زهرة بن كلاب من مرة بن كعب، يكنى: أبا إسحاق.
توفي سنة خمس وخمسين، ويقال: سنة ست وخمسين، ويقال أن ابن عمر خرج إليه إلى العقيق أول النهار يوم الجمعة وهو على أربعة أميال من المدينة، وترك الجمعة.
وسعيد بن زيد بن عمر بن نفيل بن عبد العزى بن قرط بن رباح بن رزاي بن عدي، يكنى: أبا الأعور.
توفي سنة إحدى وخمسين، وكان قدم من الشام منصرف إلى النبي صلى الله عليه وسلم من بدر، فضرب له النبي صلى الله عليه وسلم بسهمه وأجره.
الجزء: 24 - الصفحة: 84
وأبو عبيدة بن الجراح، اسمه: عامر بن عبد الله بن الجراح بن هلال بن أهيب بن ضبة بن الحارث بن فهر.
توفي بالشام بالأردن سنة ثماني عشر من التاريخ.
الجزء: 24 - الصفحة: 85
[الباب التاسع]
باب في فضل المدينة، وذكر القبر والمنبر والمسجد والكعبة
[فصل 1 - في فضل المدينة]
قال مالك رضي الله عنه: اختار الله سبحانه لرسوله صلى الله عليه وسلم المدينة لمحياه ومماته، وافتتحت القرى كلها بالسيف حتى مكة، وافتتحت المدينة بالقرآن.
قال مالك: ولو علم عمر موضعا أفضل منها لم يدع الله أن يدفن فيها.
قال مالك: وبها حدث رسول الله صلى الله عليه وسلم، وبها آثاره ومنبره، ومنها يحشر خيار الناس.
وقد بارك فيها النبي صلى الله عليه وسلم في مدهم وفي صاعهم.
ورغب في سكانها، والصبر على لأولئها وشدتها.
الجزء: 24 - الصفحة: 86
وروي أنه قال صلى الله عليه وسلم: "اللهم إنك أخرجتني من أحب البقاع إلي، فأسكني أحب البقاع إليك" , فأسكنه المدينة.
ومن ذلك أن عمر بن الخطاب رضي الله عنه: أنكر على ابن عباس قوله: إن مكة خير من المدينة.
قال مالك: قال عمر: إن المسجد الذي أسس بيانه على التقوى مسجد النبي صلى الله عليه وسلم.
وقال صلى الله عليه وسلم: "صلاة في مسجدي هذا أفضل من ألف صلاة فيما سواه من المساجد إلا المسجد الحرام".
قيل: إن تفسيره بأنه مفضول بدون الألف.
وقال صلى الله عليه وسلم: "ما بين منبري وقبري روضة من رياض الجنة، ومنبري على حوضي".
وفي حديث آخر: "على ترعة من تراع الجنة".
الجزء: 24 - الصفحة: 87
[فصل 2 - في ذكر المنبر]
قال مالك: والمنبر من طرفاء الغابة نحته للنبي صلى الله عليه وسلم غلام نجار لسعد بن عبادة، وقال غيره: غلام لامرأة من الأنصار.
وهو من ثلاث درجات.
[فصل 3 - في ذكر القبر]
وقيل لمالك: كيف كان أبو بكر وعمر رضي الله عنهما من رسول الله صلى الله عليه وسلم في حياته؟
قال: بمنزلتهما في مماته، يريد في القرب؛ إذ دفنا معه في البيت.
وروى ابن وهب عن مالك: أن موضع قبر الرسول عليه السلام في الجدار الذي يلي القبلة، وأن أبا بكر رضي الله عنه رأسه عند رجلي النبي صلى الله عليه وسلم، وأن عمر رضي الله عنه خلف ظهر النبي صلى الله عليه وسلم، وبقي موضع قبر آخر.
الجزء: 24 - الصفحة: 88
ويقال: إن قبر النبي صلى الله عليه وسلم في البيت مما يلي القبلة، وأبو بكر من خلف رأسه بحذاء كتفي النبي صلى الله عليه وسلم، وعمر خلف رأسه بحذاء كتفي أبي بكر رضي الله عنهما، وقيل: غير هذا، والأول أثبت.
وبقي في البيت موضع قبر آخر دفن فيه عيسى بن مريم صلى الله على نبينا وعليه وعلى جميع النبيين والمرسلين وسلم تسليما.
الجزء: 24 - الصفحة: 89
[الباب العاشر]
باب في العلم وفضله، وهدي العلماء وآدابهم، وذكر الفتيا
[فصل 1 - في حكم طلب العلم]
روي أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "طلب العلم فريضة على كل مسلم".
وقال صلى الله عليه وسلم: "اطلبوا العلم وإن كان بالصين".
وأن طلب العلم فريضة على كل مسلم.
وقال صلى الله عليه وسلم: "من يرد الله به خيرا يفقه في الدين".
وقال عمر رضي الله عنه: تعلموا العلم وعلموه الناس، وتعلموا الوقار والسكينة، وتواضعوا لمن تعلمونه العلم، ولا تكونوا جبابرة العلماء، فلا يقوم علمكم بجهلكم.
وقال النبي صلى الله عليه وسلم: "العلم بالتعلم والخير عامة، وإذا أراد الله بعبد خيرا فقهه في الدين".
الجزء: 24 - الصفحة: 90
وقال صلى الله عليه وسلم: قال أخي موسى: يا رب أرني الذي كنت أريتني في السفينة؟ فلم يلبث إلا يسيرا حتى أتاه الخضر وهو طيب الريح شديد بياض الثياب مشمرها، فقال: السلام عليك يا موسى ورحمة الله، إن ربك يقرأ عليك السلام، فقال موسى عليه السلام: هو السلام ومنه السلام وعليك السلام، الحمد لله الذي لا أحصي عدد نعمه، ولا أقدر على أداء شكره إلا بمعونته.
ثم قال: أوصني بوصية ينفعني الله بها بعد ذلك.
فقال: يا طالب العلم إن القائل أقل ملالة من المستمع فلا تمل جلساءك إذا حدثتهم، واعرف أن قلبك وعاء، فانظر ما تحشوا في وعائك، واهرب من الدنيا وانبذها وراءك، فإنها ليست بدار ولا لك فيها محل قرار، وإنما جعلت بلغة للعباد ليتزودا منها للمعاد، يا موسى وطن نفسك على الصبر تلقى الحكم، وأتبع قلبك إلى التقوى تنل العلم، روض نفسك على الصبر تخلص من الإثم، تفرغ للعلم إن كنت تريده، فإنما العلم لمن تفرغ له، ولا تكن مكثارا بالنطق مهدارا، فإن كثرة النطق تشين العلماء، وتبدي مساوئ السخفاء، وعليك بالاقتصاد فإنه من التوفيق والسداد، وأعرض عن الجهال، واحلم عن السفهاء، فإن ذلك فعل الحكماء ورأي
الجزء: 24 - الصفحة: 91
العلماء، وإذا أسمعك كلمة تغضبك فأعرض عنه حلما وجانبه حزما، فإن ما بقي من جهله عليك وشمته إياك أغيظ وأكثر.
يا ابن عمران: لا تفتح بابا لا تدري ما غلقه، ولا تغلق بابا لا تدري ما فتحه، فإن الاندلات والتعسف من الانقحام والتكلف.
يا ابن عمران من لا ينقضي من الدنيا اتهمته كيف يكون عابدا، ومن يحقر حاله ويتهم عز وجل على ما قضى به كيف يكون عالما، كيف يكف عن الشهوات من غلب عليه هواه، أو ينفعه طلب العلم والجهل قد حواه؛ لأن سفره إلى آخرته وهو مقبل على دنياه.
يا موسى تعلم ما تعلمت لتعمل به، ولا تعلمه لتحدث به فيكون عليك وزره، ويكون على غيرك نوره.
يا موسى اجعل الزهد والتقوى لباسك، واجعل الذكر والعلم كلامك، وزعزع بالخوف قلبك؛ فإن ذلك يرضي ربك، واستكثر من الحسنات فإنك مصيب السيئات، واعمل خيرا فإنك لا بد عامل شرا.
الجزء: 24 - الصفحة: 92
قد وعظت يا موسى إن حفظت.
فولى عنه الخضر، وبقي موسى في مكانه حزينا كئيبا متخشعا.
[فصل 2 - في فضل العلم]
وروي أن رجلا دخل على رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: ما الذي تطلب، فقال العلم، فقال: "إن الملائكة لتضع أجنحتها لطالب العلم رضا بما يطلب".
وروي عن مالك وغيره أن عبد الله بن سلام قال لكعب الأحبار: من أرباب العلم الذين هم أهله؟ قال: الذين يعملون بعلمهم، قال: بما ينفى العلم من صدور العلماء بعد أن علموه؟ قال: الطمع.
وقال: محمد بن عبد الحكم: أخبرني ابن وهب قال: كنت عند مالك قاعدا أسائله،
الجزء: 24 - الصفحة: 93
فرآني أجمع كتبي لأقوم، فقال مالك: أين تريد؟ فقلت: أبادر الصلاة لئلا تفوتني، فقال: ليس الذي أنت فيه بدون ما تذهب إليه إذا صحت منك فيه النية وما أشبه هذا.
وقال سفيان: ما علمت عملا أفضل من طلب العلم.
ومر رجل بابن حنبل فقال له: هذا العلم، فمتى العمل؟ قال: أليس نحن في عمل.
وقال الرسول عليه السلام: "خير دينكم أيسره، وأفضل العبادة الفقه".
وقال صلى الله عليه وسلم: "الكلمة من كلام الحكمة يسمعها الرجل خير له من عبادة على سنة ذنبها".
[فصل 3 - في فضل العلماء]
وقال صلى الله عليه وسلم: "فقيه واحد أشد على إبليس من ألف عابد".
وقال ابن عباس: إن الشياطين قالوا لإبليس: يا سيدنا ما لنا نراك تفرح بموت
الجزء: 24 - الصفحة: 94
العالم ما لا تفرح بموت العابد، والعالم لا تصيب منه والعابد تصيب منه؟
فقال: انطلقوا، فانطلقوا إلى عابد قائم في عبادته، فقال: أنا أريد أن أسألك، فقال له إبليس: هل يقدر ربنا أن يجعل الدنيا في بيضة؟ قال: لا أدري، فقال: أترونه قد كفر من ساعته.
ثم جاء إلى عالم في حلقته يضاحك أصحابه، فقال: أريد أن أسألك، قال: هل يقدر ربك أن يجعل الدنيا في بيضة؟ قال: نعم، قال: وكيف ذلك؟ قال: يقول له كن فيكون.
قال: أترون ذلك لا يعدوا نفسه.
وقال كعب: مؤمن عالم أشد على إبليس وجنوده من مائة ألف عابد؛ لأن الله عز وجل به من الحرام.
وروى عيسى بن سكين عن عون عن رجاله قال: أربعة لا تأكل لحومهم
الجزء: 24 - الصفحة: 95
الأرض: الأنبياء والفقهاء والشهداء والمؤذنون.
وروي أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: من بث علما ابتغاء وجه الله أعطي بكل حرف من ذلك من رمل عالج حسنات، وكان له مثل أجر من عمل به إلى يوم القيامة".
وقال النبي صلى الله عليه وسلم: "من حفظ على أمتي أربعين حديثا في إصلاح دينهم جاء يوم القيامة فقيها وكنت له شفيعا أو شهيدا".
وقال صلى الله عليه وسلم: "من حمل من أمتي أربعين حديثا لقي الله عز وجل فقيها عالما".
وروي عن أبي الدرداء قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: "من سلك طريقا يطلب فيها علما سلك الله له طريقا إلى الجنة، وإن الملائكة لتضع أجنحتها لطالب
الجزء: 24 - الصفحة: 96
العلم رضى عنه بما يطلب، وإنه ليستغفر للعالم من في السموات والأرض حتى الحيتان في جوف الماء، ولفضل العالم على العابد كفضل القمر ليلة البدر على سائر الكواكب، وإن العلماء هم ورثة الأنبياء، إن الأنبياء لم يورثوا دنانير ولا دراهم، ولكنهم ورثوا العلم فمن أخذ به أخذ بحظ وافر".
وعن أبي هريرة أنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " من عظم العالم فإنما يعظم الله عز وجل ورسوله، ومن تهاون بالعالم فإنما ذلك استخفاف بالله عز وجل ورسوله صلى الله عليه وسلم.
وقال ابن عباس: إن الله عز وجل يحب أن يعظم حق أحبار المسلمين.
وعن الزهري أنه قال: ذهب أبي بن كعب ليركب فأخذ ابن عباس له بالركاب، فقال: مه يا ابن أخي، فقال ابن عباس: إن الله يحب أن يعظم أحبار
الجزء: 24 - الصفحة: 97
المسلمين.
وقال الرسول عليه السلام: "النظر في وجه المؤمن العالم عبادة".
وقال صلى الله عليه وسلم: "فضل العالم على العابد كفضلي على أدنى رجل من أمتي".
وروي عن مالك أنه قال عليكم بمعرفة حق أهل العلم والتماس برهم، وواجب عليكم ألا تمروا بقرية يبلغكم أن بها عالما واحدا إلا أتيتموه تسلمون عليه.
وروي عنه ابن مسعود أنه قال: أيها الناس عليكم بطلب العلم قبل أن يرفع، ورفعه أن يقبض رواته، فوالذي نفسي بيده ليودن يوم القيامة رجال قتلوا في سبيل الله عز وجل شهداء أن يحشرهم الله علماء، لما ينظرون من كرامة الله عز وجل لهم وتفضيله إياهم.
وقال عليه السلام: "يشفع يوم القيامة طبقات من المذنبين من أمة محمد صلى الله عليه وسلم: الأنبياء ثم العلماء ثم الشهداء".
وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "من صافح عالما صادقا فكأنما صافح نبيا مرسلا".
الجزء: 24 - الصفحة: 98
وروي: أن رجلا دخلا على النبي صلى الله عليه وسلم فقال: " ما الذي تطلب"، فقال: العلم، فقال: "إن الملائكة لتضع أجنحتها لطالب العلم لحب ما طلب".
وقال ابن عباس: إن معلم الخير ليستغفر له كل شيء حتى الحوت في البحر.
وقال الحسن رضي الله عنه: يؤتى بالعلماء يوم القيامة، فيقول الله عز وجل: ما جعلت فيكم نوري وحكمتي وأنا أريد أن أعذبكم، أشهدكم أني قد غفرت لكم على ما كان فيكم.
[فصل 3 - في فضل طلب العلم] وقال يحيى بن يحيى: أول ما حدثني به مالك في خاصة نفسي حين أتيته طالبا لما ألهمه الله عز وجل إليه في أول يوم جلست إليه أن قال لي: ما اسمك؟ فقلت: له أكرمك الله يحيى، وكنت أحدث أصحابه سنا، فقال لي: يا يحيى الله الله عليك بالجد في هذا الأمر، وسأحدثك في ذلك بحديث إن شاء الله، قال: قدم إلى المدينة غلام من أهل الشام بحداثة سنك، أقبل إلى هذا الأمر قاصدا إلى ربيعة ونظرائه من علماء الدين، فكان معنا يطلب ويجتهد حتى نزل به الموت وهو طالب لهذا الأمر، فرأيت
الجزء: 24 - الصفحة: 99
على جنازته شيئا لم أر على أحد من أهل بلدنا إلا عالم أو طالب لهذا الأمر، ولقد رأيت جميع علمائنا يزدحمون عليه وعلى نعشه، ولم يكن له ولي بالمدينة يلي أمره، فلما وضع نعشه ليصلى عليه، ونظر أمير المدينة إلى علمائنا وفعلهم وازدحامهم على نعشه أمسك عن الصلاة عليه، ثم قال لهم: قدموا عليه من أحببتم، ثم قال بإثر كلامه: لو لم يرغب في هذا الأمر إلا لمثل هذا، فقدم أهل العلم ربيعة، ثم نهض به إلى قبره.
قال مالك: وألحده في قبره ربيعة وزيد بن أسلم ويحيى بن سعيد وابن شهاب،
الجزء: 24 - الصفحة: 100
وأقرب الناس إليهم أيضا من أهل العلم محمد بن المنكدر، وصفوان بن سليم، وأبو حازم وأشباههم من أهل بلد رسول الله صلى الله عليه وسلم، وبنى اللبن على لحده ربيعة، وهؤلاء كلهم يناوله اللبن.
قال مالك: فلما كان الثالث من اليوم الذي مات فيه رآه في النوم رجل من خيار بلدنا، في أحسن صورة وهو غلام أمرد عليه بياض، معتم بعمامة خضراء، وتحته فرس أشهب، نازل من السماء، فكأنه يأتيه قاصدا إليه ويسلم عليه، ويقول له: هذا ما بلغني إليه العلم، فيقول له الرجل: وما الذي بلغك إليه
الجزء: 24 - الصفحة: 101
العلم، فيقول: أعطاني الله عز وجل بكل باب تعلمته من العلم درجة في الجنة فلم أتبلغ في الدرجات إلى درجة أهل العلم.
فقال الله عز وجل: زيدوا ورثة أنبيائي فقد حتمت على نفسي أنه من مات وهو عالم بسنتي وسنة أنبيائي أو طالب لذلك أن أجمعهم في درجة واحدة، فأعطاني ربي حتى بلغت إلى درجة أهل العلم، فليس بيني وبين رسول الله صلى الله عليه وسلم إلا درجتين: درجة هو فيها جالس وحوله النبيون كلهم، ودرجة ثانية فيها أصحابه وجميع أصحاب النبيين كلهم الذين اتبعوهم بإحسان، ونحن من بعدهم فيها جميع أهل العلم وطلبتهم، فآنسوني حتى استوسطهم، فقالوا لي: مرحبا مرحبا.
سوى مالي عند الله عز وجل من المزيد، فقال له الرجل: ومالك عند الله عز وجل من المزيد، قال: وعدني ربي أن يحشرني مع النبيين كما رأيتهم في زمرة واحدة، فأنا معهم إلى يوم القيامة، فإذا كان يوم القيامة قال الله عز وجل: يا معشر العلماء، هذه جنتي قد أبحتها لكم، وهذا رضواني قد رضيت عنكم، فلا تدخلوا الجنة
الجزء: 24 - الصفحة: 102
حتى تتمنوا وتشفعوا، فأعطيكم ما شئتم وأشفعكم فيمن استشفعتم له لأري عبادي كرامتكم علي ومنزلتكم عندي، فتمنوا وتشفعوا فأعطيكم، فتمنوا تعطوا، واشفعوا تشفعوا.
فلما أصبح الرجل حدث بذلك الحديث أهل العلم ببلدنا، وانتشر خبره بالمدينة.
قال مالك: وكان بالمدينة أقوام بدأوا معنا في طلب هذا الأمر ثم كفوا عنه، فلما سمعوا هذا الحديث الذي حدثتك به فلقد رجعوا إليه وأخذوا بالجد، وهم اليوم من علماء بلدنا.
قال يجيى بن يحيى: وأول حديث حدثني به الليث بن سعد ي أول يوم أتيته طالبا لما ألهمه الله عز وجل إليه وجعله أهله، فقد كان شبيها بمالك غي علمه وحلمه وعقله، وحسن السيرة في نفسه أن قال لي: ما اسمك، فقلت له: يجيى -متعني الله بك- فقال لي ي يحيى: الله جد في هذا الأمر، وسأحدثك إن شاء الله بحديث تزداد به بصيرة.
الجزء: 24 - الصفحة: 103
قال: وذلك أنا كنا عند ابن شهاب ونحن طالبون لهذا الأمر، فقال لنا يوما: يا معشر الطلبة أراكم تزهدون في هذا الأمر، وبالله الذي لا إله إلا هو لو أن بابا من العلم جعل في كفة ميزان وجعلت جميع أعمال البر في كفة أخرى لرجح الباب الذي من العلم بجميع أعمال البر؛ لأن الله عز وجل يقول في كتابه: ﴿إِنَّمَا يَتَقَبَّلُ اللَّهُ مِنَ الْمُتَّقِينَ﴾ والمتقون هاهنا هم أهل العلم.
ومن عمل بمشورة أهل العلم فقد رشد، ومن عمل بغير علم وبغير مشورة أهل العلم فقد خسر خسرانا مبينا فالله الله جدوا في هذا الأمر.
وروي أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "ما جميع أعمال البر في الجهاد إلا كبصقة في بحر، وما جميع أعمال البر والجهاد في طلب العلم إلا كبصفة في بحر".
قال أبو بكر محمد بن عبد الله بن يونس رحمه الله: وفضائل العلم كثيرة، وأخباره طويلة، وقد ذكرنا منه ما فيه كفاية هاهنا، وفي أول كتاب الوضوء فأغنى ذلك عن إعادته.
الجزء: 24 - الصفحة: 104
ومنه ما روي عن يحيى بن عمرو ويحيى بن مسكين يرفعان ذلك إلى معاذ بن جبل قالا: قال معاذ: تعلموا العلم فإن تعليمه لله عز وجل خشية، وطلبه عبادة، وذاكرته تسبيح، والبحث عنه جهاد، والفكرة فيه تعدل بالصيام، ومدارسته تعدل بالقيام، وتعليمه لمن لا يعلم صدقة، وبذله لأهله قربة؛ لأنه معالم الحلال والحرام ومنار سبيل أهل الجنة، والأنس في الوحشة، والصاحب في الغربة، والمحدث في الخلوة، والدليل على السراء والضراء، والسلاح على الأعداء، والتزين عند الأخلاق، والقريب عند البعداء، يرفع الله به عز وجل أقواما فيجعلهم في الخير قادة هداة يهتدى بهم، وأئمة في الخير يقتدى بهم ويقتص آثارهم، وتزين أعمالهم، ويقتدى بفعالهم، وينتهى إلى رأيهم، وترغب الملائكة في خلتهم، وبأجنحتها تمسحهم، حتى كل رطب ويابس لهم مستغفر، حتى حيتان البحر وهوامه، وسباع البر وأنعامه، والسماء ونجومها؛ لأن العلم حياة القلوب من العمى، ونور الأبصار من الظلم، وقوة الأبدان من الضعف، يبلغ العبد منازل الأبرار، ومجالسة
الجزء: 24 - الصفحة: 105
الملوك، والدرجات العلى في الدنيا والآخرة، به يطاع الله عز وجل، وبه يعلم، وبه يعبد الله تعالى، وبه يحمد، وبه يتورع، وبه يوحد، وبه توصل الأرحام، وبه يعرف الحلال والحرام، امام العلم والعمل تابعه، يلهمه الله عز وجل السعداء ويحرمه الأشقياء.
فصل [5 - في أرباب العلم]
منه قال النبي صلى الله عليه وسلم: "لا ينتزع العلم انتزاعا من الناس، ولكن يقبضه الله عز وجل بقبض العلماء، فإذا ذهب العلماء اتخذ الناس رؤسا جهالا سألوا فأفتوا بغير علم فضلوا وأضلوا".
قال مالك: سئل كعب الأحبار: من أرباب العلم الذين هم أهله؟ قال: الذين يعملون بعلمهم، قال: صدقت، قال فما ينفيه من صدورهم بعد أن علموه؟ قال: الطمع، قال: صدقت.
قال مالك: لم يكن إمام بالمدينة قط أخبر بحديثين مختلفين.
الجزء: 24 - الصفحة: 106
قال أشهب: يعني لا يحدث بما ليس عليه العمل.
[فصل 6 - في التقديم والتأخير والزيادة في الحديث]
وسئل مالك: هل يقدم في الحديث ويؤخر، والمعنى واحد؟ قال: أما ما كان من قول رسول الله صلى الله عليه وسلم فإني أكره ذلك، وأن يزاد أو ينقص فيه، وما كان من قول غيره فلا أرى به بأسا إذا اتفق المعنى.
وقيل لمالك رضي الله عنه -أيضا-: أرأيت حديث النبي صلى الله عليه وسلم يزاد فيه الواو والألف والمعنى واحد، قال: أرجو أن يكون ذلك خفيفا.
م: إذ قد يكون ذلك نقص من الكاتب.
[فصل 7 - هدي العلماء في أخذهم العلم والفتيا به] وقيل لمالك: أيؤخذ ممن لا يحفظ الأحاديث وهو ثقة؟ قال: فإما أن
الجزء: 24 - الصفحة: 107
يكتب يقول: إني كنت سمعتها، قال: لا يؤخذ منه؛ لأني أخاف أن يزاد في كتبه بالليل.
وقال معن بن عيسى: سمعت مالكا يقول: لا يؤخذ العلم من أربعة، ويؤخذ ممن سواهم، لا يؤخذ من مبتدع يدعو إلى بدعته، ولا من سفيه معلن لسفهه ولا ممن يكذب في حديث الناس وإن كان يصدق في حديث النبي صلى الله عليه وسلم، ولا عمن لا يعرف هذا الشأن.
قيل لمالك: أرأيت من أخذ بحديث به ثقة عن أحد من الصحابة، أتراه في سعة، قال: لا والله حتى يصيب الحق، وما الحق إلا واحد، قولان مختلفان لا يكونان جميعا صوابا.
وذكر عن ابن المسيب مثله.
الجزء: 24 - الصفحة: 108
قال مالك: لا يسلم رجل يحدث بكل ما سمع، ولا يكون إماما أبدا.
ثم قال مالك: يلبسون الحق بالباطل.
قال مالك: الذي غلب عليه أمر الناس هو المنهج وقد يكون الشيء حسنا وغيره أحسن منه وأقوى منه.
قال مالك: إذا أصيب الجواب قل الكلام، وإذا كثر الكلام من صاحبه فيه الخطأ، فنهى عن الصياح في العلم كثرة واللغظ فيه.
قال: وكان ابن هرمز قليل الكلام قليل الفتوى، وكان ممن أحب أن أقتدي به، وكان بصيرا بالكلام، وكان يرد على أهل الأهواء، وكان أعلم الناس بما اختلف الناس فيه من ذلك.
قال محمد بن عجلان: ما هبت أحدا قط هيبتي زيد بن أسلم.
وكان زيد يقول إذا سأله من لا يحسن: اذهب تعلم كيف تسأل ثم تعال.
ويقال: إذا جلست إلى عالم فكن على أن تسمع أحرص منك على أن تقول.
الجزء: 24 - الصفحة: 109
قال مالك: وربما مر بي زياد مولى ابن عباس: فيضع يده بين كتفي ويقول: عليك بالجد في هذا الأمر فإن كان ما يقول أصحابك من الرخص حقا لم يضرك، وإن كان الأمر على غير ذلك كنت قد أخذت بالجد.
قال مالك: إذا رأيت هذه الأمور التي فيها الشكوك فخذ في ذلك بالذي هو أوثق.
قال مالك: كان سليمان بن يسار أعلم هذه البلدة بعد سعيد بن المسيب، وكان إذا كثر الكلام واللغظ والمراء في المسجد أخذ نعليه وقام.
وكان مالك يكره العجلة في الفتوى، وربما ردد السائل، وكثيرا يقول: لا أدري.
وقال: جنة العالم: لا أدري، فإذا أخطأ أصيبت مقاتله.
قال مالك: من إذلالة العالم أن يجب كل من سأله.
وقال ابن عباس: من أجاب الناس في كل ما سألوه عنه فهو مجنون.
الجزء: 24 - الصفحة: 110
م: وفضائل العلم وآدابه كثيرة، وقد ذكرنا هاهنا وفي كتاب الطهارة ما فيه كفاية لمن يفهم وعمل، والله عز وجل نسأله التوفيق.
الجزء: 24 - الصفحة: 111
[الباب الحادي عشر]
باب في الفتن وفساد الزمان وذكر الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر
[فصل 1 - في الفتن وفساد الزمان]
قال مالك: قال النبي صلى الله عليه وسلم لعبد الله بن عمر: "كيف بك إذا بقيت في حثالة من الناس قد برحت عهودهم وأماناتهم واختلفوا وكانوا هكذا وشبك بين أصابعه، قال: كيف بي يا رسول الله، قال: "عليك بما تعرف، وإياك وما تنكر، وعليك بخاصة نفسك، وإياك وعوامهم".
قال مالك: لا أرى عمر دعا على نفسه بالشهادة إلا أنه خاف التحول من الفتن، وقد كان يحب البقاء في الدنيا.
وقال النبي صلى الله عليه وسلم: "يأتي على الناس زمان يمسي المرء مؤمنا ويصبح كافرا، ويصبح مؤمنا ويمسي كافرا"، قيل يا رسول الله: فأين العقول ذلك الزمان، قال: "تنزع
الجزء: 24 - الصفحة: 112
عقول أكثر أهل الزمان".
وقرأ أبو هريرة: ﴿إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ (1) وَرَأَيْتَ النَّاسَ يَدْخُلُونَ فِي دِينِ اللَّهِ أَفْوَاجًا﴾، فقال: والذي نفسي بيده لقد دخلوا فيه أفواجا كثيرا، وسيخرجون منه أفواجا كثيرا.
قال يحيى بن سعيد: لما كان زمان الفتنة اعتزل محمد بن مسلمة وغيره، فنزل محمد الربذة فأتاه أناس من أهل العراق يحرضونه فأراهم سيفه قد كسره، وقال: قال النبي صلى الله عليه وسلم: "إذا رأيت من الأمور ما تكره فاكسر سيفك على حجر من الحرة والزم بيتك وأغمض عينيك وأمسك لسانك".
قال مالك: قتل يوم الحرة سبعمائة رجل ممن حمل القرآن.
الجزء: 24 - الصفحة: 113
قال ابن القاسم: أشك أن فيهم أربعة من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم.
قال مالك: كان يقال: من لقي الله عز وجل ولم يشرك في دم مسلم لقي الله عز وجل خفيف الظهر.
قال مالك: لما حكم علي رضي الله عنه الحكمين خرجت تلك الخارجة فقالوا: لا حكم إلا لله، فقال علي رضي الله عنه: كلمة حق أريد بها باطل.
وهي أول خارجة خرجت فتعدوا وكفروا الناس.
فصل [2 - في الصبر على الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر عند السلف] قال مالك: ضرب محمد بن المنكدر وأصحاب له في أمرهم بالمعروف ونهيهم عن المنكر، وضرب ربيعة وحلق رأسه ولحيته في شيء غير هذا، وضرب
الجزء: 24 - الصفحة: 114
ابن المسيب وأدخل في تبان من الشعر.
وقال عمر بن عبد العزيز: ما أغبط رجلا لم يصبه في هذا الأمر أذى.
قال مالك: دخل أبو بكر بن عبد الرحمن وعكرمة بن عبد الرحمن على المسيب في السجن، وقد ضرب ضربا شديدا، فقالا له: اتق الله فإنا نخاف على دمك، فقال: أخرجا عني، أتراني ألعب بديني كما لعبتما بدينكما.
وقال ابن مسعود: تكلموا بالحق تعرفوا به، واعملوا به تكونوا من أهله.
قال مالك: وينبغي للناس أن يأمروا بطاعة الله عز وجل فإن عصوا كانوا شهودا على من عصى.
قيل: أيأمر الرجل الوالي بالمعروف وينهاه عن المنكر، قال: إن رجا أن يطيعه فليفعل.
قال: ويأمر والديه بالمعروف وينهاهما عن منكر ويخفض لهما جناح الذل من الرحمة.
الجزء: 24 - الصفحة: 115
قال مالك: مر على عمر بن الخطاب رضي الله عنه حمار عليه لبن، فطرح عمر عنه منه استكثره واستثقله ورآه يثقله.
وقال سعيد بن جبير: لو كان المرء لا يأمر بالمعروف ولا ينهى عن المنكر حتى لا يكون فيه شيء، ما أمر أحد بمعروف ولا نهي عن منكر.
قال مالك: ومن هذا الذي ليس فيه شيء.
[فصل 3 - في العفو عن المظلمة]
قال مالك: وكان القاسم بن محمد يحلل من ظلمه يكره لنفسه الخصومة.
وكان ابن المسيب: لا يحلل أحدا.
قيل لمالك: أرأيت الرجل يموت ولي عليه دين لا وفاء له به، فقال: الأفضل عندي أن يحلله، وأما الرجل يظلم الرجل أو يغتابه وينقصه فلا أرى ذلك.
الجزء: 24 - الصفحة: 116
ومن دعائه صلى الله عليه وسلم عند النوم: يضع يده اليمنى تحت خده الأيمن واليسرى على فخذه الأيسر ثم يقول: "اللهم باسمك وضعت جنبي وباسمك أرفعه، اللهم إن أمسكت نفسي فاغفر لها وإن أرسلتها فاحفظها بما تحفظ به الصالحين من عبادك، اللهم إني أسلمت نفسي إليك وألجأت ظهري إليك وفوضت أمري إليك ووجهت وجهي إليك رهبة منك ورغبة إليك، لا منجا ولا ملجأ منك إلا إليك، أستغفرك وأتوب إليك، آمنت بكتابك الذي أنزلت وبرسولك الذي أرسلت، فاغفر لي ما قدمت وأخرت وأسررت وأعلنت" ثم يقول: "اللهم قني عذابك يوم تبعث عبادك" يردها.
ومن دعائه صلى الله عليه وسلم إذا خرج من بيته: "اللهم إني أعوذ بك أن أضل أو أزل أو أظلم أو أظلم أو أجهل أو يجهل علي".
وروي عنه صلى الله عليه وسلم أنه كان يقول في الركوع: "سبحان ذي الجبروت والملكوت والكبرياء والعظمة"، وفي السجود: "اللهم إني أعوذ برضاك من سخطك وبمعافاتك من عقوبتك وبك منك لا أحصي ثناء عليك أنت كما أثنيت على نفسك".
الجزء: 24 - الصفحة: 117
ومما روي عنه صلى الله عليه وسلم أنه كان يستحب دبر كل صلاة أن يسبح ثلاثا وثلاثين، ويكبر ثلاثا وثلاثين، ويحمد ثلاثا وثلاثين، ويختم المائة بلا إله إلا الله وحده لا شريك له له الملك وله الحمد وهو على كل شيء قدير".
قال مالك: من دعائه صلى الله عليه وسلم: "اللهم إني أسألك فعل الخيرات وترك المنكرات وحب المساكين، وإذا أردت بالناس الفتنة فاقبضني إليك غير مفتون".
والتعوذ الذي علم جبريل للنبي عليه السلام إذ رأى عفريتا يطلبه بشعلة من نار حين أسري به: "أعوذ بوجه الله العظيم وبكلمات الله التامات التي لا يجاوزهن بر ولا فاجر، وبأسماء الله الحسنى كلها ما علمت منها وما لم أعلم من شر ما خلق وذرأ وبرأ، ومن شر اينزل من السماء إلى الأرض، ومن شر ما يعرج فيها، ومن شر ما ذرأ في الأرض، ومن شر ما يخرج منها، ومن فتن الليل
الجزء: 24 - الصفحة: 118
والنهار، ومن طوارق الليل والنهار إلا طارق بخير يا رحمن".
وقال صلى الله عليه وسلم: "من نزل منزلا فليقل: أعوذ بكلمات الله التامات من شر ما خلق، فإنه لن يضره شيء حتى يرتحل منه إن شاء الله".
الجزء: 24 - الصفحة: 119
[الباب الثالث عشر]
باب في الصمت والعزلة والتواضع والقصد والحياء وحسن الخلق والزهد والعبادة ومواعظ وحكم
[فصل 1 - في فضل السكوت]
قال مالك: قال النبي صلى الله عليه وسلم: "إن الرجل ليتكلم بالكلمة من سخط الله ما يلقي لها بالا فتهوي به في نار جهنم".
وقال صلى الله عليه وسلم: "من وقي شر اثنين ولج الجنة، ما بين لحييه وما بين رجليه".
وقال: "أكثر الناس حظا يوم القيامة أكثرهم خوضا في الباطل".
وقال: "المؤمن ملجم لا يتكلم بكل ما يريد".
وقال صلى الله عليه وسلم: "من حسن إسلام المرء تركه ما لا يعنيه".
الجزء: 24 - الصفحة: 120
وقال عيسى بن مريم صلى الله على نبينا وعليه وعلى جميع النبيين والمرسلين: لا تكثروا الكلام بغير ذكر الله عز وجل فتقسوا قلوبكم فإن القلب القاسي بعيد من الله عز وجل ولكن لا تعلمون.
وقال مالك: من لم يعد كلامه من عمله كثر كلامه.
ويقال: إن من علم أن كلامه من عمله قل كلامه.
وقال مالك: ولم يكونوا يهذرون الكلام هكذا، ومن الناس من يتكلم بكلام شهر في ساعة.
فصل [2 - في حسن الخلق]
وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "إن الرجل ليدرك بحسن خلقه درجة الصائم القائم".
وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "إني لأمزح ولا أقول إلا حقا".
الجزء: 24 - الصفحة: 121
وقال صلى الله عليه وسلم: "لكل دين خلق وخلق الإسلام الحياء".
وقال: "الحياء من الإيمان".
وقال عليه والسلام للذي سأله أن يوصيه ولا يكثر عليه: "لا تغضب".
وقال سفيان: صافي من شئت ثم أغضبه فليرمينك بداهية تمنعك من العيش.
وقال: ما تجرع أحد أفضل من جرعة غضب.
قال مالك: والفظاظة مكروهة؛ لقول الله عز وجل: ﴿وَلَوْ كُنْتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ﴾.
وقال تعالى: ﴿فَقُولَا لَهُ قَوْلًا لَيِّنًا لَعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ أَوْ يَخْشَى﴾.
فصل [3 - في الزهد والقصد] قال مالك: قال سعد بن عبادة: صل صلاة امرء مودع يظن أنه لا يعود،
الجزء: 24 - الصفحة: 122
وأظهر اليأس مما في أيدي الناس؛ فإنه الغنى، وإياك والطمع طلب الحاجات فإنه الفقر الحاضر، وقد علمت لا بد لك من قول فإياك وما يعتذر منه.
قال مالك: ويقال: إن البلاء موكل بالمنطق، ومن أكثر الكلام ومراجعة الناس ذهب بهاؤه.
قال مالك: ولم يكن في زمن سالم بن عبد الله أشبه منه بمن مضى في الزهد والقصد، كان يلبس الثوب بدرهمين، ويشتري الشملة يحملها، ويخرج إلى السوق في حوائج نفسه.
وكان القاسم يلبس الخز والثياب الحسان.
وكان ابن المسيب يسرد الصيام.
قيل لمالك: فما روي فيه، قال: كان النبي صلى الله عليه وسلم يفعل أشياء توسعة على الناس، وقد سرد قوم من الصحابة الصيام.
وقال النبي صلى الله عليه وسلم: "من كانت الدنيا همه جعل الله فقره بين عينيه وشتت عليه أمره، ولم يأته منها إلا ما كتب له، ومن كانت الآخرة همه جعل الله غناه في
الجزء: 24 - الصفحة: 123
نفسه، وجمع له شمله، وأتته الدنيا وهي راغمة".
وقال الصديق رضي الله عنه: الدنيا ملعونة ملعون ما كان فيها إلا ما كان من ذكر الله عز وجل أو أدى إلى ذكر الله عز وجل.
وقال بعض الصالحين: الزهد: ترك الحرام وقصد الحلال، [وترك] المنزلة عند الناس، ولم يعجب سحنون قوله، وقال: ترك الحرام فريضة.
وقال ابن شهاب: الزهد من لم يغلب الحرام صبره، ويشغل الحلال شكره.
وقيل له: من الغافل؟ قال: من غلب الحرام صبره، والحلال شكره.
قال سحنون: وزهد الغني بالترك، والفقير بالنية، وترك الدنيا زهد أفضل من طلبها وإلقائها في البر.
وقال النبي صلى الله عليه وسلم: "رب أشعث أغبر ذي طمرين لا يؤبه له، لو أقسم على الله لأبره".
الجزء: 24 - الصفحة: 124
[فصل 4 - في التواضع]
وقال صلى الله عليه وسلم لعبد الله بن عمر: "اعبد الله كأنك تراه فإن لم تكن تراه فهو يراك".
[قال] "وكن في الدنيا كأنك غريب أو كعابر سبيل".
وقال: "وما من آدمي إلا وفي أسه حكمة بيد ملك، فإذا رفع رأسه ضربه بها وقال: انخفض خفضك الله، وإذا تواضع رفعه بها وقال: ارتفع رفعك الله".
وقال صلى الله عليه وسلم: "أيها الناس استحيوا من الله حق الحياء" قالوا: أولسنا نستحي يا رسول الله من الله، قال: "من استحيى من الله فليبت وأجله بين عينيه، وليحفظ الرأس وما حوى، والبطن وما وعى، وليذكر القبر والبلى، ومن أحب الآخرة فليترك زينة الحياة الدنيا".
الجزء: 24 - الصفحة: 125
[الباب الرابع عشر]
باب في التجمل والعجل والرياء والكبر والكذب والغيبة وسوء الظن
[فصل 1 - في التجمل] قال مالك: قال رجل يا رسول الله: إني أحب أن يكون ثوبي نظيفا، وشرك نعلي خصيفا، أفذلك من الكبر؟ قال: "لا، إنما الكبر من سفه الحق وغمص الناس".
[فصل 2 - في العجب]
وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "إذا سمعت الرجل يقول: هلك الناس فهو أهلكهم".
قال مالك: وأما الذي يقول ذلك على وجه التحزن فليس من ذلك.
يريد: إنما لمكروه من قال ذلك طعنا وتنغصا.
قال مالك: وقد أدركت الناس وهم يقولون: ذهب الناس.
الجزء: 24 - الصفحة: 126
قال ودخل رجل على عمر بن عبد العزيز فقال له: من سيد قومك؟ فقال له: أنا، فقال: لو كنت سيدهم ما قلته.
وقال عمر رضي الله عنه: إن المدح هو الذبح.
فصل [3 - في الرياء]
وقال النبي صلى الله عليه وسلم: "يقول الله عز وجل: من عمل عملا فأشرك فيه غيري فهو له وأنا منه بريء وأنا أغنى الشركاء عن الشرك".
وقال مالك: رأى سعد بن أبي وقاص رجلا بين عينيه أثر السجود، فقال له: مذ كم أسلمت؟ فذكر له الرجل أمره، فكأنه تقربه، فقال له سعد: أسلمت أنا منذ كذا وكذا وما بين عيني شيء.
وذكر مالك القصد وفضله، وقال: وإياك من القصد ما تحب أن ترفع به، وتعجب به الناس.
الجزء: 24 - الصفحة: 127
قيل لمالك: فالمصلي يصلي لله عز وجل ثم يقع في نفسه أنه يحب أن يعلم به الناس، ويحب أن يلقى في طريق المسجد، قال: إن كان أول ذلك لله عز وجل فلا بأس به، وربما كان ذلك من الشيطان فيمنعه من ذلك.
وإن المرء يحب أن يكون صالحا، وقد قال عمر لابنه حين سألهم النبي صلى الله عليه وسلم عن شجرة لا تسقط ورقها شتاء ولا صيفا، وضربها مثلا للمؤمن، قال: قلت في نفسي هي النخلة ولم أتكلم بذلك، فقال عمر رضي الله عنه: لأن تكون قلتها أحب إلي من كذا وكذا، وهذا يكون في القلب لا يملك.
قال الله عز وجل: ﴿وَأَلْقَيْتُ عَلَيْكَ مَحَبَّةً مِنِّي﴾.
وقال ابن عمر رضي الله عنه: اللهم اجعلني من أئمة المتقين.
وقال بعض العلماء: إن تعمل عملا تحب أن يعرفك به الناس ويثنون به عليك، فإن قبل قلبك هذا فهو رياء.
ويقال: من خاف الرياء سلم.
الجزء: 24 - الصفحة: 128
ويقال: من البر ألا نترك البر مخافة الرياء، ومن العجب أن ترى لنفسك الفضل على الناس وتمقتهم ولا تمقت نفسك.
قال مالك: وإخفاء النوافل كلها، الصلاة وغيرها أحسن.
فصل [4 - في الكذب]
قال ابن مسعود: ما من خصلة في امرئ شر من الكذب.
قيل لمالك: هل يؤدب الرجل أهله وولده على الأيمان بالكذب؟ قال: نعم.
وقال عمر بن الخطاب رضي الله عنه لا تنظروا إلى صوم امرئ ولا إلى صلاته، ولكن انظروا من إذا حدث صدق، وإذا اؤتمن أدى، وإذا أشفى ورع.
فصل [5 - في النفاق]
قال مالك: وكان الخير لا يعرف في عمر ولا في ابنه عبد الله حتى يقولا أو يعملا.
قال ابن القاسم: أدركت الناس وما يعجبون بالقول.
قال مالك: إنما ينظر إلى العمل.
الجزء: 24 - الصفحة: 129
وروي أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "المكر والخديعة والخيانة في النار".
وقال صلى الله عليه وسلم: "إن من شر الناس ذا الوجهين الذي يأتي هؤلاء بوجه وهؤلاء بوجه".
وقال عليه السلام: "من اتقاه الناس لشره".
فصل [6 - في الغيبة]
وروي أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "الغيبة أن تذكر من المرء ما يكره أن يسمع"، قيل يا رسول الله: وإن كان حقا؟ قال: "إذا قلت باطلا فذلك البهتان".
وفي بعض الحديث: أن من خلع جلباب الحياء فلا غيبة فيه، فقيل: هو المعلن بالفسق، والله أعلم.
وقيل: لا غيبة في أمير جائر، ولا ذي بدعة يدعو إلى بدعته، ولا فيمن يشاور فيه لنكاح أو شهادة أو نحوه.
الجزء: 24 - الصفحة: 130
وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم لفاطمة بنت قيس حين شاورته فيمن خطبها، فقال: "إن معاوية صعلوك لا مال له".
وكذلك رأيت الأئمة لمن يقبل قوله من أهل الفضل أن تبيين أمر من يخاف أن يتخذ إماما، فيذكر ما فيه من كذب أو غيره مما يوجب ترك الرواية عنه.
وكان سعيد بن شعبة يقول: اجلس بنا نغتاب في الله عز وجل.
[فصل 7 - في سوء الظن]
وقال عمر بن الخطاب رضي الله عنه: لا يحل لامرئ مسلم يسمع من أخيه كلمة يظن بها شرا وهو يجد لها من الخير مصدرا.
قال: وقد خلا ابن عمر بجارية، فرآه رجال، فآتى بها إليهم فقال: هي
الجزء: 24 - الصفحة: 131
جاريتي، فقالوا: يغفر الله لك أيتهمك أحد، فقال: لا، ولكني أحببت أن تعلموا ذلك.
وقال القاسم: إني لأدع حاجة في موضع أخاف أن يظن بي سوء فيها.
الجزء: 24 - الصفحة: 132
[الباب الخامس عشر]
باب في الورع والكسب وطلب الرزق وإصلاح المال والصدقة والتعفف عن المسألة وقبول الهدية والمسافر هل يأكل الثمار أو يشتري من العبيد؟ وأموال العبيد وأموال العمال وما يحل للمضطر أكله
[فصل 1 - في الورع والكسب وطلب الرزق]
قالت عائشة رضي الله عنها: قلت يا رسول الله: من المؤمن؟ قال: "من إذا أمسى سأل من أين قرصه، وإذا أصبح سأل من أين قرصه" قالت: ولو علم الناس أنهم كلفوا ذلك لتكلفوه، فقال صلى الله عليه وسلم: "قد علموا ذلك ولكنهم غشموا المعيشة غشما، يقول: تعسفوا تعسفا".
ونظر عمر رضي الله عنه إلى المصلين فقال: لا يغرني كثرة رفع أحدكم رأسه وخفضه الدين: الورع في دين الله عز وجل والكف عن محارم الله تعالى،
الجزء: 24 - الصفحة: 133
والعمل بحلال الله سبحانه وحرامه عز وجل.
وروي عنه صلى الله عليه وسلم أنه قال: "من أمسى وانيا من طلب الحلال بات مغفورا له".
فصل [2 - في إصلاح المال]
قال عمر بن الخطاب رضي الله عنه: من كانت له أرض فليعمرها، ومن كان له مال فليصلحه؛ فإنه يوشك أن يأتي زمان من لا يعطي إلا من أحب.
وقال عمر رضي الله عنه: لأن أموت بين شعبتي رجلي أبتغي من فضل الله عز وجل أحب إلي من أن أموت على فراشي.
قال مالك: كان ابن عمر وسالم يخرجان إلى السوق فيجلسان فيه.
وكان ابن المسيب يجلس عند أصحاب العباء.
الجزء: 24 - الصفحة: 134
فصل [3 - في الصدقة والتعفف عن المسألة]
قال النبي صلى الله عليه وسلم: "اليد العليا خير من اليد السفلى، وابدأ بمن تعول".
وقال عليه السلام: "من يستعفف يعفه الله، ومن يستغن يغنه الله، ومن يتصبر يصبره الله، وما أعطي أحد عطاء خير وأوسع من الصبر".
وقال عمر بن الخطاب رضي الله عنه يا رسول الله: أليس قد أخبرتنا أن خيرا لأحدنا ألا يأخذ من أحد شيئا؟ فقال النبي صلى الله عليه وسلم: "إنما ذلك عن المسألة، وأما ما كان عن غير مسألة فإنما هو رزق رزقكه الله عز وجل".
وقال عليه السلام: "لأن يأخذ أحدكم حبله فيحتطب خير له من أن يأتي رجلا أعطاه الله من فضله، فيسأله أعطاه أو منعه".
فقال صلى الله عليه وسلم: " لا تحل الصدقة لآل محمد".
قال ابن القاسم: ذلك في الزكاة المفروضة.
وقال صلى عليه وسلم: "لا تحقرن إحداكن لجارتها ولو كراعا محرقا".
الجزء: 24 - الصفحة: 135
ويقال: الصدقة على الأقارب يضاعف أجرها مرتين.
قال مالك: الصدقة على الأقارب أفضل من عتق الرقاب.
فصل [4 - في الهدية]
قال النبي صلى الله عليه وسلم: "تهادوا بينكم، فإن الهدية تذهب الشحناء".
وقال ابن عمر: لقد كنا ما أحدنا أولى بدينار من أخيه المسلم، ثم ذهب ذلك، فكانت المواساة، ثم ذهبت المواساة فكان السلف.
قيل لمالك: فالرجل له الفضل يخرج إلى السوق فيقارب في ذلك لمكان فضله، قال: لا بأس بذلك.
وسئل رضي الله عنه: عن معنى الحديث في إضاعة المال، فقال: منعه من حقه ووضعه في غير حقه، قال الله عز وجل: ﴿وَلَا تُبَذِّرْ تَبْذِيرًا﴾.
الجزء: 24 - الصفحة: 136
فصل [5 - في المسافر هل يأكل الثمار؟]
قيل لمالك: الثمار تجد ثم يخلى عنها وفيها الشيء؟ قال: إن علم أن أنفسهم طيبة بأخذه فليأخذه.
قال أشهب: ولا يدعى في الإقراط إلا ما علم أن صاحبه أذن فيه، قيل: إنه يراه، قال: ما أحبه إلا بإذنه، ولعله يستحي منه أو يخافه.
وقال النبي صلى الله عليه وسلم: "لا يحلب أحدكم ماشية أخيه إلا بإذنه وهو يحلب بكرة ويرجع عشية، والثمر لا يرجع إلا إلى عام قابل".
قيل: فحائط لا الجدار عليه أيأكل منه ابن السبيل؟ قال: لا.
قيل: فما سقط في الأرض؟ فكرهه، وقال: المربد بالأرض.
قيل: أيأكل من جنان أبيه وأمه وأخيه؟ قال: لا، إلا أن يأذن.
قيل فإن أطعمني خازن الجنان، أو باعني؟
الجزء: 24 - الصفحة: 137
قال: إن علم أنهم قد أذنوا له، أو أعلمك أصحاب الحوائط أنهم رأوه يبيع ويمنح ويكون كالقيم في الغنم، فلا بأس أن يشتري، فأما العبد الذي يستخفي فلا خير فيه.
قيل: فتأتيه الأمة ببعض المناهل بلبن أو ثمر أيشتري ذلك؟ قال: لا بأس به إن لم يرتب أمرا، وهذه أشياء يبيعها العبد ونحوه.
فصل [6 - فيما يحل للمضطر أكله]
قال مسروق: ومن اضطر إلى الميتة فلم يأكل حتى مات دخل النار.
قال ربيعة وابن شهاب ومالك: لا تحل الخمر للمضطر، وأما الميتة فليأكل وليشبع ويتزود حتى يجد عنها غنى عن الذي يتزود حتى يجد عنها غنى عن الذي تزود فيطرحه.
قال القاسم: لو كانت الدنيا كلها حراما لما كان بد من العيش فيها.
قال مالك: وكان ابن هرمز إذا قدمت غنم الصدقة لم يأكل اللحم.
قال مالك: وأكره طعام عاصر الخمر، وكان يكبر.
فقيل: الهدية من سوداء تبيع المزر بمصر؟ قال: لأني كنت أراها تغزل.
قال الليث: إن لم يكن له مال سوى الخمر فليكف عنه.
الجزء: 24 - الصفحة: 138
وقال: وأكره طعام العمال من جهة الورع من غير تحريم.
وقال الليث: ليس شيء بعد الدماء أشد من أخذ أموال الناس بغير حق.
فصل [7 - حكم التعامل مع من يتعامل بالحرام]
قال مالك: ومن قول أهل المدينة: أن من بيده مالا حراما فاشترى به دارا أو ثوبا من غير أن يكره على البيع أحدا، فلا بأس أن تشتري أنت تلك الدار أو الثوب من ذلك الذي اشتراه بالمال الحرام.
قال ابن عبدوس: وذلك إذا كان البائع منه قد عرف عيب الثمن.
ويذكر عن محمد بن سحنون: أنه أجاز ذلك، وإن لم يعرف البائع [عيب] الثمن.
قال ابن عبدوس: فإما إن وهبك المشتري تلك الدار أو الثوب، فلا يجوز لك أخذ ذلك على الهبة؛ لأن من أحاط الدين بماله لا تجوز هبته ولا صدقته.
وقال مالك: فيمن بيده مالك حلال وحرام فإن كان الحرام يسيرا في كثرة حلاه فلا بأس بمعاملته، وإن كان الحرام كثيرا فلا ينبغي معاملته.
الجزء: 24 - الصفحة: 139
ولا تعامل من يعمل بالربا من المسلمين، وكره أن تصرف من نصراني دينارا أخذه من خمر أو ربا، ولا بأس بأخذه منه في الدين.
وغير مالك يرى أن ذلك أخف من النصراني؛ لأنه لو أسلم حل له ما في يديه.
م: ولأنه يرى أن ذلك حلال له في دينه، والمسلم يرى ذلك حراما، فالنصراني أخف.
الجزء: 24 - الصفحة: 140
[الباب السادس عشر]
جامع في السلام، وما يخرج من الهجرة وفي الإخوان في الله، والمكاتبة، والاستئذان، والمناجاة وتقبيل اليد، والمبالغة في البر للزوج والغريب وذي السن والعالم والوالدين، وتشمين العاطس
[فصل 1 - في السلام]
قال النبي صلى الله عليه وسلم: "يسلم الراكب على الماشي، وإذا سلم واحد من القوم واحد أجزأ عنهم".
وأمر النبي صلى الله عليه وسلم بإفشاء السلام.
وقال ابن عباس: السلام ينتهي إلى البركة.
وكان ابن عمر يقول في سلامه وفي رده سواء: السلام عليكم.
الجزء: 24 - الصفحة: 141
قيل لمالك: أيسلم على النساء؟ قال: أما المتجالة فلا كراهة، وأما الشابة فلا أحبه.
وقال النبي صلى الله عليه وسلم في الرد على اليهودي: "فقل: عليك".
قيل لمالك: فمن سلم على يهودي أيستقبله؟ قال: لا.
قيل: أفيكنون؟ قال: لا أحب أن يرفعوا، وينبغي أن يذلوا.
وأرخص غيره في ذلك؛ لقول الرسول عليه السلام: "انزل أبا وهب".
ولا ينبغي أن يقال في السلام: سلام الله عليك، ولكن: عليك السلام، أو السلام عليكم.
فصل [2 - في المصافحة والتقبيل] قيل لمالك: أرأيت من قدم من سفر فتلقاه ابنته أو أخته فتقبله؟ قال: لا بأس بذلك، وقال: لا بأس -أيضا- أن يقبل خد ابنته.
الجزء: 24 - الصفحة: 142
قيل: أفترى أن تقبله ختنته وهي متجالة، أو [تعانقه]؟ فكره ذلك.
وسئل مالك عن المصافحة؟ فقال: إن الناس ليفعلون ذلك، وأما أنا فما أفعله.
وكره معانقة الرجل للرجل.
وقال: قال الله عز وجل: ﴿تَحِيَّتُهُمْ فِيهَا سَلَامٌ﴾.
وروي عنه في المصافحة غير هذا، أنه صافح سفيان بن عيينة، وقال: لولا أنها بدعة لعانقتك، فاحتج عليه سفيان بمعانقة النبي صلى الله عليه وسلم لجعفر حين قدم من أرض الحبشة، فقال مالك: كان ذلك خاصا لجعفر، ورآه سفيان عاماً.
الجزء: 24 - الصفحة: 143
وأجاز مالك في رسالته لهارون الرشيد أن يعانق قريبه يقدم من سفره، وقيل: إن هذه الرسالة لم تثبت لمالك.
وروي أن الرسول عليه السلام قال: "تصافحوا يذهب الغل، وتهادوا [تحابوا و] تذهب الشحناء".
وروي أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "ما تواخا اثنان في الله قط إلا كان أحبها لله أشدهما حبا لصاحبه".
وقال عمر رضي الله عنه: يصفي لك ود أخيك ثلاثة: أن تبدأه بالسلام إذا لقيته، وتدعوه بأحب أسمائه إليه، وأن توسع له في المجلس، وكفى بالمرء عيبا أن يأخذ على الناس فيما يأتي به أو يبدوا لهم منه ما يخفى عليه من نفسه، وأن يؤذيهم في المجلس فيما لا يعنيه.
الجزء: 24 - الصفحة: 144
[فصل 3 - في هجر المسلم أخاه]
قال مالك: قال النبي صلى الله عليه وسلم: "لا يحل لمسلم أن يهجر أخاه فوق ثلاث ليال، يلتقيان فيعرض هذا ويعرض هذا، وخيرهما الذي يبدأ بالسلام".
قال مالك: فإذا سلم عليه فقد خرج من الهجرة.
قال في موضع آخر: إن كان مؤذيا له فقد برئ من الشحناء.
قال ابن القاسم: وإن كان غير مؤذ له لم يخرجه السلام من الهجرة إذا اجتنب كلامه، وأما أهل البدع فقد أمر بهجرانهم.
قال سحنون: أدبا لهم.
[فصل 4 - في تقبيل الرجل ابنته، وتعظيم أهل الفضل]
قال مالك: ولا بأس أن يقبل الرجل خد ابنته إذا قدم من سفره.
قال مالك: ويقال: من تعظيم الله عز وجل له تعظيم ذو الشيبة المسلم.
الجزء: 24 - الصفحة: 145
قيل فالرجل يقوم للرجل له الفقه والفضل فيجلسه في مجلسه؟ قال: يكره ذلك، ولا بأس أن يوسع له.
[فصل 5 - في المبالغة في البر للزوج، وكراهية القيام والتقبيل]
قيل له: قيل له: فالمرأة تبالغ في بر زوجها تلقاه فتنزع ثيابه ونعليه وتقف حتى يجلس؟ قال: أما تلقيها ونزعها فلا بأس به، وأما قيامها حتى يجلس فلا، وهذا من فعل الجبابرة، وربما يكون الناس ينتظرونه، فإذا طلع قاموا إليه فليس هذا من فعل الإسلام.
ويقال أن عمر بن عبد العزيز فعل ذلك به أول ما ولي حين خرج إلى الناس فأنكره وقال: إن تقوموا نقم، وإن تقعدوا نقعد، وإنما يقوم الناس لرب العالمين.
الجزء: 24 - الصفحة: 146
وروي أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "من أحب أن يتمثل له الرجال قياما فليتبوأ مقعده من النار".
وسئل مالك عن الرجل يقبل يد الوالي أو رأسه، أو المولى يفعل ذلك بسيده؟
قال: ليس ذلك من عمل الناس، وهو من عمل الأعاجم.
قيل: فيقبل رأس أبيه؟ قال: أرجو أن يكون خفيفا.
وسئل في رواية أخرى: هل يقبل خد أبيه أو عمه؟ قال: لا أرى أن يفعل، وإن من العبرة أن من مضى لم يكن يفعل ذلك.
قيل: كان ابن عمر إذا قدم من السفر يقبل سالما، وقال: شيخ يقبل شيخا، فأنكر الحديث وقال: لا تتحدثوا بمثل هذه الأحاديث فتهلكوا فيها.
الجزء: 24 - الصفحة: 147
[فصل 6 - في الاستئذان والمكاتبة]
قال مالك: الاستئذان ثلاث، لا أحب أن يزيد عليها، وكذلك جاء الحديث، إلا من علم أنه لم يسمع فلا بأس أن يزيد إذا استيقن، قال: وهو تأويل قول الله عز وجل: ﴿حَتَّى تَسْتَانِسُوا﴾ فيما نرى، والله أعلم.
قيل فالرجل يكتب إلى الرجل: أقرء فلانا وفلانا السلام؟ قال: أرجو أن يكون في سعة.
[فصل 7 - في تشمين العاطس]
قال مالك: ولا تشمت العاطس حتى تسمعه يحمد الله عز وجل، فإن بعد منك وسمعت من يليك يشمته فشمته.
ومن عطس في الصلاة فلا يحمد الله إلا في نفسه.
قال سحنون: ولا في نفسه.
قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "إن عطس فشمته، ثم إن عطس فشمته، ثم إن عطس فشمته، ثم إن عطس فشمته فقل إنك مضنوك".
الجزء: 24 - الصفحة: 148
قال أبو محمد في كتاب الناسخ والمنسوخ لأبي عبيد: أنه إن شمته واحد من الجماعة أجزأ عنهم كرد السلام.
وقال يحيى بن مزين: إنه بخلاف رد السلام في رد واحد.
[فصل 8 - صاحب المجلس أولى بمجلسه إذا رجع] قيل: فمن قام من مجلس، أهو أحق به إذا رجع؟ قال: ما سمعت فيه من شيء، وإنه لحسن إن كان رجوعه قريبا، وإن تباعد فليس ذلك له، وهذا من محاسن الأخلاق.
[فصل 9 - لا يتناجى اثنان دون الثالث] وسئل عن أربعة، هل يتناجى ثلاثة دون واحد؟ قال: نهي أن يتركوا واحدا ولو كانوا عشرة اجتناب سوء الظن والحسد والكذب.
الجزء: 24 - الصفحة: 149
[فصل 10 - في بر الوالدين]
قيل للحسن: ما بر الوالدين؟ قال: أن تبذل لهما ما ملكت وتطيعهما فيما أمراك ما لم تكن معصية.
وسئل ابن المسيب عن قوله عز وجل: ﴿فَلَا تَقُلْ لَهُمَا أُفٍّ وَلَا تَنْهَرْهُمَا وَقُلْ لَهُمَا قَوْلًا كَرِيمًا﴾ قال: قول العبد الذنب: للسيد الفظ.
قال أبو هريرة: ولا تمش أمام أبيك، ولا تقعد قبله، ولا تدعه باسمه، وأما في الظلمة فيمشي بين يديه.
انتهى.
الجزء: 24 - الصفحة: 150
[الباب السابع عشر]
باب في الفطرة وقص الشارب وحلق العانة والختان والسواك والكحل وقص الشعر ووصله والحجامة، ودخول الحمام
[فصل 1 - في خصال الفطرة]
قال مالك: وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "خمس من الفطرة تقليم الأظافر وقص الشارب ونتف الإبط وحلق العانة والاختتان".
وقال غيره: وري عن ابن عباس في قول الله سبحانه: ﴿وَإِذِ ابْتَلَى إِبْرَاهِيمَ رَبُّهُ بِكَلِمَاتٍ فَأَتَمَّهُنَّ﴾ قال: [هي] الفطرة وهي خمس في الرأس وخمس في الجسد:-
ففي الرأس: المضمضة والاستنشاق والسواك وقص الإطار وفرق الشعر.
الجزء: 24 - الصفحة: 151
وفي الجسد: الختان وحلق العانة ونتف الإبط وقص الأظافر والاستنجاء.
[فصل 2 - في فضل السواك]
وقال الرسول صلى الله عليه وسلم: "لولا أن أشق على أمتي لأمرتهم بالسواك".
وفي حديث آخر: "وعليكم بالسواك".
[فصل 3 - في قص الشارب] وسئل مالك عمن أحفى شاربه؟ قال: يوجع ضربا، وهذه بدعة، وإنما الإحفاء المذكور في الحديث قص الإطار وهو طرف الشعر.
الجزء: 24 - الصفحة: 152
وكان عمر رضي الله عنه يفتل شاربه إذا أكربه أمر، فلو كان محلوقا ما وجد ما يفتل.
[فصل 4 - في الحجامة]
قال: ولا بأس [بالإطلاء] والحجامة يوم السبت ويوم الأربعاء والأيام كلها، وكذلك السفر والنكاح، وأراه عظيما أن يكون من الأيام يوم يجتنب ذلك فيه، وأنكر الحديث في هذا.
وقد كره بعض الصحابة ترك العمل يوم الجمعة نحو ما عظمت اليهود يوم السبت والنصارى يوم الأحد.
وسئل عن الحجامة في يوم سبعة عشر وفي يوم خمسة عشر وثلاثة وعشرين؟
فكره أن يكون لذلك يوم محدود.
الجزء: 24 - الصفحة: 153
وذكر عن الليث أنه قال: إني لأتقي الحجامة والإطلاء يوم السبت ويوم الأربعاء لحديث بلغني.
وقال مالك: حدثت أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "إن كان دواء يبلغ الداء فإن الحجامة تبلغه".
قال مالك: وإني لأكره حلق موضع المحاجم في الرأس والقفا, وما أراه حراما.
[فصل 5 - في طول اللحية ونتف الشيب ودفن الشعر وصبغه ووصله]
وسئل عن طول اللحية جدا؟
فكرهه، وقال في نتف الشيب: ما أعلمه حراما، وتركه أحب إلي.
وكره أن تحلق أماكن من رؤوس الصبيان وتترك أماكن.
الجزء: 24 - الصفحة: 154
وسئل عن دفن الشعر والأظافر؟
فقال: لا أرى ذلك؛ وهو بدعة، وقد كان من شعر رسول الله صلى الله عليه وسلم في قلنسوة خالد بن الوليد.
وسئل عن الصبغ بالسواد؟
فقال: ما سمعت فيه شيئا، وغيره من الصبغ أحب إلي، والصبغ بالحناء والكتم واسع، والدليل أن رسول الله صلى الله عليه وسلم يصبغ لبدات به.
وكان عمر وعلي وأبي بن كعب لا يغيرون الشيب.
ورأيت ابن شهاب يخضب بالحناء.
ولا بأس للمرأة أن توشي يدها بالحنة وتطرفهما من غير خضاب.
ولا ينبغي أن تصل المرأة شعرها بشعر ولا غيره.
وقال الليث: لا بأس أن تصله بالصوف، وإنما يكره بالشعر.
الجزء: 24 - الصفحة: 155
وكره مالك أن تضع الجمة من الشعر على رأسها وضعا.
قيل: فالخرق تجعلها في قفالها وتربط الوقاية، قال: أرجو أن لا يكون فيه بأس.
[فصل 6 - في الاكتحال]
قال مالك: وأكره الكحل للرجل في الليل والنهار إلا لمن به علة، وما رأيت من يكتحل إلا من ضرورة.
وروي في الكحل أنه يكتحل وترا.
[فصل 7 - في دخول حمام السباحة] وسئل عن دخول الحمام؟ فقال: إن وجدته خاليا أو دخلت مع قوم يستترون فلا بأس به، وإن كانوا لا يتحفظون لم أر أن تدخله.
الجزء: 24 - الصفحة: 156
وأكره للمرأة دخول الحمام وإن كانت مريضة إلا أن يكون معها أحد.
[فصل 8 - في الختان]
ولا يعجبني أن يختن الصبي ابن سبعة أيام، وذلك من فعل اليهود وأحب إلي إذا أثغر، ولا بأس أن يعجله قبله أو يؤخره بعده، وكلما عجل بعد الإثغار أحب إلي,
قال: والنساء يخفضن [الجواري].
قال وأحب للنساء قص الأظافر وحلق العانة، والاختتان.
الجزء: 24 - الصفحة: 157
[الباب الثامن عشر]
[باب] في ستر العورة وما ينبغي ستره للرجال والنساء والخلطة [في] المواكلة والمنام والخلوة بين ذوي المحارم وغيره
[فصل 1 - في ستر العورة]
قال النبي صلى الله عليه وسلم: "رب نساء كاسيات عاريات".
قالت عائشة رضي الله عنها: رحم الله نساء الأنصار لما نزلت آية الحجاب عمدن إلى أكثف مروطهن فاحترمن بها.
قال مالك: كان النساء يخرجن في زمان النبي صلى الله عليه وسلم، فقال عمر رضي الله عنه لرسول الله صلى الله عليه وسلم: ما ينبغي لنسائك أن يخرجن هكذا؟ فنزلت آية الحجاب.
الجزء: 24 - الصفحة: 158
وكانت الحجر من جريد فسترت جوانبها بالمسوح لئلا يرى داخلها.
قال مالك: وللرجل أن يجامع أهله ليس بينه وبينها ستر، وقد كان النبي صلى الله عليه وسلم وعائشة يغتسلان وهما عرايانين، فالجماع أولى بالتجرد.
قال: ولا بأس أن يرى فرج امرأته في الجماع.
قيل: وهل ترى خادمة الزوجة فخذ زوجها؟
قال: لا، ولا تدخل عليه المرحاض، وكذلك خادم ابنه وأبيه.
قال الله عز وجل: ﴿أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ﴾
قيل: فخادم له خصي يرى فخذه متكشفا؟ قال ذلك خفيف.
[فصل 2 - في المواكلة والخلوة] قال: وأحب لمن دخل على أمه وأخته أن يستأذن عليهما قبل أن يدخل.
الجزء: 24 - الصفحة: 159
وقال في الموطأ: لا بأس أن تأكل المرأة مع ذي محرم منها أو مع غلامها.
قال ابن الجهم: يعني العجوز المتجالة.
ولا يخلو رجل مع امرأة ليس بينه وبينها محرم.
ولا بأس على الرجل لو نظر إلى شعر أم زوجته، ولا ينبغي إن قدم من سفر أن تعانقه وإن كانت عجوزا.
وأما أخت امرأته فليبعد منها ما استطاع.
وأرى أن يتقدم إلى الصناع في قعود النساء إليهم.
ولا تترك الشابة تجلس إلى الصانع، وأما المتجالة أو الخادم الدون ومن لا يهتم فيها فلا بأس.
قال: ولا بأس أن تضع المرأة جلبابها عند زوج ابنتها.
قال: واحتجبت عائشة رضي الله عنها من أعمى فقيل لها: إنه لا ينظر إليك؟
الجزء: 24 - الصفحة: 160
فقالت: لكني أنا أنظر إليه.
[فصل 3 - في الاغتسال بغير إزار]
[قال] ابن وهب قال مالك: لا بأس أن تغتسل المرأة في الفضاء بغير مئزر.
وأخبرني ابن جريج عن عطاء أن النبي صلى الله عليه وسلم رأى رجلا بالأبواء يغتسل على حوض عريانا بالبراز! فقال: "إن الله حيي يحب الحياء، وستير يحب الستر، فإذا اغتسل أحدكم فليتوارى".
[فصل 4 - في المضاجعة] وأنكر مالك أن يبيت الخدم في لحاف واحد يتعرين فيه.
الجزء: 24 - الصفحة: 161
قيل: أفيضاجع ابنه ابن ست سنين ليس بينهما حجاب؟ قال: أحب إلي أن يكون بينهما ثوب.
[فصل 5 - سفر المرأة والخروج في حوائجها]
ولا بأس أن تحج المرأة مع جماعة من النساء وناس مأمونين ليس فيهم ذو محرم.
قيل: فمن وطئ جارية هل يرسلها إلى السوق في حوائجه؟
قال: لا بأس بذلك، والحرة تخرج في حاجتها.
وقد كانت أسماء تقود فرس الزبير زوجها في الطريق وهي حامل.
الجزء: 24 - الصفحة: 162
[الباب التاسع عشر]
باب في الطعام والشراب وغسل اليد والأكل بالشمال والدعوة والضيافة
[فصل 1 - في آداب الطعام]
نهى النبي صلى الله عليه وسلم أن يأكل الرجل بشماله أو يشرب بشماله.
وروي أنه صلى الله عليه وسلم أكل الرطب بالبطيخ هذا في يد وهذا في يد.
وكان صلى الله عليه وسلم إذا شرب أعطى من على يمينه.
وقال صلى الله عليه وسلم: "سم الله وكل مما يليك".
الجزء: 24 - الصفحة: 163
ونهى صلى الله عليه وسلم عن النفخ في الشراب.
و [نهى] عن الشرب في آنية الذهب والفضة.
وشرب صلى الله عليه وسلم قائما.
قال مالك: وقد كان عمر وعثمان وعلي رضي الله عنهم يشربون قياما.
وقال صلى الله عليه وسلم: "المؤمن يأكل في معاء واحد والكافر يأكل في سبعة أمعاء".
فيه تمثيل لكثرة الأكل وقلته، وقيل: إنه في رجل واحد مخصوص.
وقيل: بل الكافر قليل الأكل لو أسلم لكان أكله أقل لبركة التسمية.
وكان صلى الله عليه وسلم لا يأكل الثوم ولا الكراث ولا البصل؛ من أجل أنه كان يكلم جبريل عليه السلام.
الجزء: 24 - الصفحة: 164
ونهى عن أكل ذلك من يأتي المسجد لئلا يؤذي الناس بريحه.
قال مالك: ويكره النفخ في الشراب والطعام جميعا.
وروي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: "أما أنا فلا آكل متكئا".
قيل لمالك: أيأكل الرجل من طعام لا يأكل منه أهله وعياله ورقيقه، ويلبس غير ما يكسوهم؟
قال: نعم والله إني لا أراه في سعة من ذلك، ولكن يحسن إليهم.
قيل له: فحديث أبي الدرداء؟
قال: كان الناس يومئذ ليس لهم هذا القوت.
قيل: من أكل مع أهله وولده أيتناول ما يليهم؟
قال: لا بأس بذلك.
قيل: والقوم في الحرس يأكلون فيأكل بعضهم من بين يدي بعض وهم يوسعون له في ذلك؟
الجزء: 24 - الصفحة: 165
قال: لا خير في ذلك، وليس من الأخلاق التي تعرف عندنا.
ونهى النبي صلى الله عليه وسلم عن القران في التمر، وفي بعض الحديث: إلا أن يستأذن أصحابه.
قال: لا خير في القران في التمر يأكل تمرتين أو ثلاث في لقمة واحدة.
وقال في موضع آخر: لأنهم شركاء فيه.
وروى ابن نافع عنه أنه قال: إن كان هو أطعمهم فنعم.
وفي وراية ابن وهب أن ذلك ليس بجميل.
قال هو وغيره وكذلك التين.
وكان النبي صلى الله عليه وسلم إذا أكل التمر تجول يده في الطبق.
وقد تمندل عمر بأصلي قدميه.
الجزء: 24 - الصفحة: 166
وروى ابن وهب في الجلبان والفول وشبه ذلك أنه لا بأس أن يتوضأ به في الحمام وقد يدهن جسمه بالسمن والزيت والشقاق.
وفي رواية أشهب سئل عن الوضوء بالدقيق والنخالة؟ قال: لا علم لي به، ولم يتوضأ به، إن أعياه شيء فليتوضأ بالتراب.
وقد قال عمر: إياكم وهذا التنعم وأراه من فعل الأعاجم.
وأكره غسل اليد قبل الطعام وأراه من فعل الأعاجم.
[فصل 2 - في إجابة الدعوة]
وأمر صلى الله عليه وسلم بإتيان الدعوة.
قيل لمالك: من دعي إلى وليمة، أيجيب إذا كان فيها اللهو والبوق؟ قال: إن كان شيئا كثيرا مشتهرا فأنا أكرهه.
وأرخص في التخلف عن الوليمة إذا كان فيها الزحام.
قال ربيعة إنما استحب إتيان الدعوة لثبات النكاح وسماعه فإن البينة تهلك.
الجزء: 24 - الصفحة: 167
قال مالك: ولا أحب أن تجاب دعوة النصراني، وما أعلمه حراما.
وسئل عن الدعوة في الصنيع والختان
قال: ليس ذلك من الدعوة فإن أجاب فلا بأس، وإنما الإجابة في وليمة العرس.
فصل [3 - في الضيافة]
قال مالك في حديث النبي صلى الله عليه وسلم في الضيافة جائزته يوم وليلة.
قال: معناه أن يحسن ضيافته ويكرمه ويتحفه ويخصه يوم وليلة وثلاثة أيام ضيافة، وما زاد على الثلاثة فهو صدقة.
قال مالك: ومن نزل من مسافر بذمي فلا يأخذ منه شيئا إلا بطيب نفس.
قيل: فضيافة ثلاثة أيام التي جعلت عليهم! قال: كانوا يومئذ يخفف عنهم.
الجزء: 24 - الصفحة: 168
[فصل 4 - في الجلد المدبوغ] وقال مالك: كان يقال في جلود الميتة كل إهاب دبغ فقد طهر وإني لأتقيه، ولا بأس بلباس جلود الثعالب إذا ذكيت.
الجزء: 24 - الصفحة: 169
[الباب العشرون]
[باب] في اللباس وذكر الحرير والخز والمصبغات والصوف والسدل والاشتمال والخاتم والحلي وآنية الفضة والانتعال والصور والتماثيل، وشكل أهل الذمة
[فصل 1 - في اللباس]
قال النبي صلى الله عليه وسلم: "البسوا الثياب البيض وكفنوا فيها موتاكم، فإنها خير ثيابكم".
وقال في الذهب والحرير: "هذان حرامان على ذكور أمتي، حل لإناثهم".
وقال صلى الله عليه وسلم: "إزرة المؤمن إلى أنصاف ساقيه، لا جناح عليه فيما بينه وبين الكعبين، وما أسفل من ذلك ففي النار".
ونهى صلى الله عليه وسلم عن اشتمال الصماء.
الجزء: 24 - الصفحة: 170
[قال] مالك: وأكره للرجل سعة الثوب وطوله عليه.
قيل لمالك: فلباس الصوف الغليظ؟
قال: لا خير في الشهرة، ولو كان يلبسه تارة وينزعه تارة لرجوت أن يكون خفيفا، وأما المواصلة حتى يعرف به ويشتهر فلا أحبه، ومن غليظ القطن ما هو في مثل ثمنه وأبعد من الشهرة.
وقال في موضع آخر: لا أكره لباس الصوف لمن لم يجد.
وكان عمر يكسو الحلل وقد كان يقول: أحب أن أرى القارئ أبيض الثياب.
قال: ولا بأس أن يكون القميص رقيقا إذا كان قصدا ولم يكن على وجه السرف.
قال: وأكره لباس الأقبية للوصائف؛ لأنها تخرج أعجازهن.
وسئل عن لباس القلانس!
الجزء: 24 - الصفحة: 171
فقال: قد كانت قديمة في زمان النبي صلى الله عليه وسلم، وكان لخالد بن الوليد قلنسوة جعل فيها من شعر النبي صلى الله عليه وسلم وهي التي قاتل عليها يوم اليرموك، وذلك أنه كانت له قلنسوة قد جعل فيها من شعر النبي صلى الله عليه وسلم فسقطت من رأسه في ذلك اليوم فقاتل عليها أشد القتال حتى حازها ومنع منها المشركين وأخذها.
قيل لمالك: فالمظال؟
قال: ما كانت من لباس الناس وما أرى بها بأسا.
قال: ولا بأس بالتقنع بالثوب لحر أو برد، وأما لغير ذلك فلا.
قال: ورأت سكينة أو فاطمة بنت الحسين بعض ولدها مقنعا رأسه فقالت: اكشف عن رأسك فإن القناع ريبة بالليل ومذلة بالنهار.
ونهى عمر رضي الله عنه النساء عن لباس القباطي، وقال: إن لم تكشف فهي تصف.
الجزء: 24 - الصفحة: 172
قال مالك: العمة والانتعال من عمل العرب، وكانت العمة في أول الإسلام ثم لم تزل حتى كان هؤلاء القوم، ولم أدرك أحدا من أهل الفضل إلا وهم يعتمون: يحيى بن سعيد وربيعة وابن هرمز، وكنت أرى في حلقة ربيعة أحدا وثلاثين رجلا معتمين وأنا منهم، وكان ربيعة لا يدعها حتى تطلع الثريا.
وقال: إني لأجد العمر تزيد في العقل.
قيل: فترخى بين الكتفين؟
قال: لم أر أحدا ممن أدركت يرخى بين كتفيه ولكن يرسل بين يديه، ولست أكره إرخاءها من خلف؛ لأنه حرام ولكن هذا أجمل، وكان من أدركت يفعله إلا عامر بن عبد الله فإنه كان يرخي بين كتفيه، وقال: أرى أن النبي صلى الله عليه وسلم زار جبريل عليه السلام على صورة دحية الكلبي وقد أسدل من عمامته بين كتفيه.
وأكره أن يعتم، ولا يجعل منها تحت ذقنه، فأما من يفعل ذلك في بيته وعند اغتساله وفي مرضه فلا بأس به.
الجزء: 24 - الصفحة: 173
قال مالك في النعل: أحب إلي المدور المختصر، وأن يكون له عقب مؤخر، قال: ورأيت نعل النبي صلى الله عليه وسلم إلى التقدير ما هي، وهي مختصرة يختصرها من مؤخرها وعقبه من خلفها، وكان لها زمامان في كل نعل.
قال مالك: ولا بأس بالانتعال قائما، ولا يمشي في نعل واحدة إلا أن يكون أقطع الرجل.
[فصل 2 - في التختم والخلخال والقرط]
وأكره التختم في اليمنى، وقال: إنما يأكل ويشرب ويعمل بيمينه فكيف يريد أن يأخذ بالشمال ثم يعمل.
قيل: أيجعل الفص إلى الكف؟ قال: لا.
قيل: فيجعل الخاتم في اليمنى للحاجة يذكرها أو يربط خيطا في إصبعه.
قال: لا بأس بذلك.
الجزء: 24 - الصفحة: 174
وروي أن النبي صلى الله عليه وسلم تختم بخاتم فضة فصه حبشي.
وروي أن النبي صلى الله عليه وسلم تختم بفص عقيق.
وروي أنه صلى الله عليه وسلم كان نقش خاتمه محمد رسول الله، وقيل: لا إله إلا الله محمد رسول الله صلى الله عليه وسلم، وكان يطبع به كتبه.
ومن شأن الخلفاء والقضاة نقش أسمائهم في خواتمهم.
ويقال كان نقش فص خاتم الملك: حسبي الله ونعم الوكيل.
قال: ولا خير في أن يكون نقش فصه تماثلا.
قيل: فإن كان فيه ذكر الله عز وجل، أيلبسه في الشمال ويستنجي به؟
قال: أرجو أن يكون خفيفا.
قال: وأكره أن يجعل في فصه مسمار ذهب أو يخلطه بحبة أو حبتين من ذهب لئلا يصدأ.
قال: ولا بأس أن تربط الأسنان بالذهب.
الجزء: 24 - الصفحة: 175
وأكره للمرأة الدملج من الحديد، وكرهته عائشة رضي الله عنها، وكانت إذا رأت في صبي خلخالا من حديد أمرته بطرحه.
قال: وأكره قرطا الذهب للغلمان الصغار.
وقال في رواية أخرى: أرجو أن يكون خفيفا إذا كان ذلك خفيفا.
[فصل 3 - في لبس الحرير والخز]
وكره لبس الحرير للصبيان.
قال: ولا يلبس الحرير في غزو ولا غيره، ولا علمت أحدا أقتدي به لبسه في الغزو.
قيل: أفيلبس الخز؟
قال: ما علمته حراما وغيره أعجب إلي منه.
ولا يعجبني لبس ثوب سداه من حرير.
الجزء: 24 - الصفحة: 176
[فصل -4 في لباس أهل الذمة]
قال مالك: أرى أن يلزم النصارى المناطق، وقد كان يفعل ذلك بهم قديما، وأرى أن يلزموا الصغار.
وكتب عثمان أن يركبوا على الأكف عرضا.
الجزء: 24 - الصفحة: 177
[الباب الحادي والعشرون]
[باب] في الطب والاكتواء والتعالج والرقاء والتعوذ وذكر التمائم والطيره، وذكر العين والطاعون، وذكر النجوم
[فصل 1 - في العلاج والاكتواء والرقية من العين والتعوذ]
قال النبي صلى الله عليه وسلم للرجلين الذين عالجا الجريح: "أيكما أطب"، وقال: "أنزل الدواء الذي أنزل الأدواء".
واكتو سعد بن زرارة من الذبحة، واكتو عبد الله بن عمر من اللقوة ورقي من العقرب.
وأمر النبي صلى الله عليه وسلم بالاسترقاء من العين والوضوء لذلك.
الجزء: 24 - الصفحة: 178
وقال صلى الله عليه وسلم لعامر حين نظر إلى سهل بن حنيف فوعك، " [علام] يقتل أحدكم أخاه، ألا بركت له، إن العين حق توضأ له".
وفي حديث آخر: "اغتسل له" فغسل له عامر وجهه ويديه ومرفقيه وركبتيه وأطراف رجليه وداخل إزاره في قدح ثم صب عليه، فراح سهل مع الناس ليس به بأس.
قال مالك: داخل الإزار هو الذي يلي الجسد.
[قال] ابن حبيب: هو الذي يضعه المؤتزر أولا على جنبه الأيمن.
قال: وقال الزهري: يؤتى العائن بقدح فيه ماء فيدخل في كفيه فيتمضمض ثم يمجه في القدح ثم يغسل وجهه في القدح ثم يدخل يده اليسرى فيصب بها على اليمنى، ثم يصب باليمنى على اليسرى، ثم يصب باليسرى على مرفقه الأيمن ثم بيده اليمنى على مرفقه الأيسر، ثم بيده اليسرى على قدمه اليمنى، ثم بيده اليمنى
الجزء: 24 - الصفحة: 179
على قدمه اليسرى، ثم بيده اليسرى على ركبته اليمنى، ثم بيده اليمنى على ركبته اليسرى كل ذلك في القدح داخلا، ثم يغسل داخل إزاره في القدح ولا يوضع القدح في الأرض، ثم يصب على رأس المعين من خلفه صبة واحدة فيجري على جسده.
قال مالك: ولا بأس أن تغسل القرحة بالبول إذا طهرت بعد ذلك بالماء.
قال عنه ابن القاسم: وأكره التعالج بالخمر وإن غسل بالماء، وكرهه ابن عمر.
قال مالك: ولا يشرب بول الإنسان ليتداوى به، ولا بأس بشرب أبوال الأنعام الثمانية التي ذكرها الله سبحانه في كتابه.
ولا بأس أن يكتب للمحموم القرآن أو يرقى بالكلام الطيب.
ولا بأس بالمعاذة تعلق وفيها القرآن وذكر الله عز وجل إذا خرز عليه جلدا.
قيل إنهم يعقدون في الخيط الذي يربطون به؟
قال: لا خير فيه ولا في أن يكون في المعاذة خاتم سليمان.
الجزء: 24 - الصفحة: 180
24/ 181 - [ويكره أن ترقي الراقية وفي يدها حديدة والملح أخف.
وكره في رواية أخرى، والعقد في الخيط أشد كراهية وقالت عائشة رضي الله عنها كان صلى الله عليه وسلم إذا اشتكى يقرأ على نفسه بالمعوذتين، فلما اشتد وجعه كنت أقرأ عليه، وأمسح عليه بيده، رجاء بركتها.
وقال لعثمان بن العاص وبه وجع: امسحه بيمينك وقل: «أعوذ بعزة الله وقدرته من شر ما أجد»، ومما روي عن النبي صلى الله عليه وسلم في رجل عسر عليه البول: قال: «ربنا الذي في السماء تقدس اسمك أمرك في السماء والأرض كما رحمتك في السماء]
الجزء: 24 - الصفحة: 181
فاجعل رحمتك في الأرض واغفر لنا ذنوبنا وخطايانا أنت رب الطيبين، فأنزل شفاء من شفائك ورحمة من رحمتك على هذا الوجع".
[قال] ابن وهب: ولا أكره رقية أهل الكتاب، وأخذ بحديث أبي بكر إذ قال: أرقها بكتاب الله، فلم يأخذ بكراهية مالك في ذلك.
قال مالك: ولا بأس أن يعلق على النفساء والمريض الشيء من القرآن إذا خرز عليه أدم أر كان في قصبة، وأكره قصبة الحديد.
ورأيت في بعض الأحاديث أنه يكتب للحامل تعسر ولادتها: حنا ولدت مريم، مريم ولدت عيسى، اخرج يا ولد الأرض تدعوك اخرج يا ولد، قال صاحب الحديث: فلربما كانت [الشاة ماخضا فأقولها] فما أبرح حتى تضع.
الجزء: 24 - الصفحة: 182
فصل [2 - في الطيرة والفال الحسن]
وكان النبي صلى الله عليه وسلم يكره الطيرة ويعجبه الفأل الحسن، والعين حق.
وقال النبي صلى الله عليه وسلم: "الشؤم في: الفرس والمرأة والمسكن".
وفي حديث: "إن كان الشؤم ففي .. " ثم ذكر هذا.
وقال لرجل في الدار التي ذهب فيها أهله وماله: "دعوها ذميمة".
وقال صلى الله عليه وسلم: "لو كان شيء سبق القدر لسبقته العين".
وقال صلى الله عليه وسلم لعامر: "العين حق".
الجزء: 24 - الصفحة: 183
فصل [3 - في التنجيم]
وسئل مالك عمن ينظر في النجوم، فيقول: تكسف الشمس غدا، ويقدم فلان ونحوه؟
قال: أرى أن يزجر فإن انتهى وإلا أدب أدبا شديدا، والذي يعالج علم الغيب كاذب، ولو علم ذلك أحد لعلمه الأنبياء.
وقد جعل للنبي صلى الله عليه وسلم سم في الشاة فلم يعلم به حتى تكلمت.
الجزء: 24 - الصفحة: 184
[الباب الثاني والعشرون]
[باب] في اتخاذ الكلاب وما يعلق على الدواب ووسمها وخصائها والعجلة عليها وذكر الحيات والذر والنمل ونحوها
[فصل 1 - في اتخاذ الكلاب]
نهى الرسول صلى الله عليه وسلم عن اتخاذ الكلاب لغير زرع ولا ضرع، وأمر أن تقتل.
قال مالك: يقتل ما يؤذي منها وما يكون بموضع لا ينبغي اتخاذها مثل قيروان الفسطاط.
قيل: فأهل الريف يتخذونها في دورهم خيفة اللصوص على دوابهم، والمسافر يتخذ كلباً يحرسه.
الجزء: 24 - الصفحة: 185
قال: لا أرى ذلك ولا يعجبني، إنما الحديث في الزرع والضرع، ولا بأس باتخاذ الكلب للمواشي كلها، ولكن يكون بغير شراء.
وقال ابن كنانة وغيره: لا بأس أن تشترى لما يجوز اتخاذها.
فصل [2 - فيما يعلق على الدواب وفي وسمها وخصائها والعجلة عليها]
وكره مالك تعليق الأجراس في أعناق الإبل والحمير، ولا بأس بوسم الدواب إلا في الوجه، ولا بأس به في الأذن للغنم؛ لأن صوف جسدها يغيب السمة.
قال: ومن لهم سمة قد عرفوها قديمة، وأراد غيره أن يحدث مثلها فليس له ذلك؛ لأنه يلبس عليهم، وهم يطلبون بها ضوالهم وما هلك من إبلهم.
وسئل عن المهاميز للدواب وربما أدمتها؟
قال: أرجو أن يكون ذلك خفيفا.
قال وكان [عبد الله بن] عمر يكره الخصي للغيل، قال: وفيه تمام الخلق.
الجزء: 24 - الصفحة: 186
قال مالك: ولا بأس بخصي الأنعام صلاح للحومها.
ويكره خصاء الخيل، ولا بأس بخصاء ما سواها من البغال والحمير وغيرها، وإذا كلب الفرس وخبث فلا بأس أن يخصى.
ولا بأس بإنزاء حمار على فرس عربية.
قيل: فإذا خبث العجل هل ينزا عليه ذكر مثله ليكسره؟ قال: ما أعلمه حراما وما هو بأمر حسن.
ولا بأس أن تعلق على الخيل الخرز للزينة.
فصل [3 - في الحيات والذر والنمل ونحوها]
وسئل مالك عن حيات البيوت تظهر، أتؤذن ثلاثا؟
قال: إنما جاء الحديث في المدينة، وأرى ذلك حسنا في غيره.
وأما ما وجد في الصحاري فيقتل، ولا يتقدم إليها إلا في البيوت.
الجزء: 24 - الصفحة: 187
وأكره قتل البرغوث والقملة بالنار، وقتل الدواب والذر في الحرم أو الإحرام.
قال: وما يعجبني قتل الذر والنمل للحلال وإن أذته.
قيل: فالنمل يؤذي السقف؟ قال: إن قدرتم أن تمسكوا عنها فافعلوا، وإن أضرت بكم فأرجو أن يكون في قتلها سعة.
وروي أن النبي صلى الله عليه وسلم أمر بقتل الأوزاغ، ونهى عن قتل الضفادع.
الجزء: 24 - الصفحة: 188
[الباب الثالث والعشرون]
[باب] في الرفق بالمملوك والبهائم وحفظ الجار واليتيم واحتساب المصيبة
[فصل 1 - في الرفق بالمملوك والبهائم]
روي أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "أوصيكم بالضعيفين المرأة والمملوك".
وقال عليه السلام: "للمملوك طعامه وشرابه وكسوته بالمعروف ولا يكلف من العمل ما لا يطيق".
قال مالك: وكان عمر يخرج إلى الحوائط يخفف عمن أثقل من الرقيق في عمله، ويزيد في رزق من أقل رزقه، وفيمن يعمل من الأحرار ما لا يطيق.
قيل: والعبد يشكو الغربة ويسأل البيع، ويقول: وجدت موضعا؟ قال: ليس
الجزء: 24 - الصفحة: 189
ذلك عليه، ولو كان ذلك له لقاتله الخادم.
قيل: فالعبد يريد الرجل شراءه فيقول له: بالله لا تشتريني، قال: أحب إلي أن يدعه، وأما أن يحكم عليه فلا.
ولا يكره للعبد أن يقول لسيده: يا سيدي، قال الله عز وجل: ﴿وَأَلْفَيَا سَيِّدَهَا لَدَى الْبَابِ﴾.
قيل: أيأكل الرجل من طعام لا يأكل منه عياله ورقيقه، ويلبس ثيابا لا يلبسهم مثلها؟
قال: أراه في ذلك سعة، ولكن يكسوهم ويطعمهم.
قيل فحديث أبي الدرداء؟ [قال:] كانوا يومئذ ليس لهم هذا القوت.
قال مالك: ولا ينبغي أن تفاحش المرأة ولا تكثر مراجعتها ولا تردادها.
قال عمر بن الخطاب رضي الله عنه: النساء ناقصات عقل ودين، ما رأيت أغلب للرجال ذوي اللب على أمورهم من النساء.
وروي "أنها خلقت من ضلع أعوج فإن أقمتها كسرتها، وكسرها طلاقها، وإن
الجزء: 24 - الصفحة: 190
تركتها استمتعت بها على عوج".
وروي أن إبراهيم عليه السلام شكا خلق سارة إلى الله عز وجل، فأوحى الله تعالى إليه: ألبسها على ما كان فيها ما لم تكن خربة في دينها.
فصل [2 - في حفظ الجار]
روي أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليكرم جاره".
وقال صلى الله عليه وسلم: "مازال جبريل يوصيني بالجار حتى ظننت أنه سيورثه".
فصل [3 - في فضل كفالة اليتيم] وقال صلى الله عليه وسلم: "أنا وكافل اليتيم له أو لغيره في الجنة كهاتين وأشار بإصبعيه".
الجزء: 24 - الصفحة: 191
وروي في الحديث أن الله سبحانه ليقدس بيتا في يتيم مكرم إذا اتقى الله عز وجل، وقال: كن لليتيم كالأب الرحيم".
ومن الأجر في اليتيم أن يؤدب بالمعروف على منافعه.
فصل [4 - في احتساب المصيبة]
وقال صلى الله عليه وسلم: "لا يصيب المؤمن مصيبة حتى الشوكة يشاكها أو النكبة ينكبها أو شدة الكظم حين يؤخذ به إلا والله عز وجل يكفر بها عنه".
وفي بعض الحديث: "من أصيب بمصيبة فاحتسب فله من الله صلوات ورحمة".
وهذا كما قال الله سبحانه: ﴿الَّذِينَ إِذَا أَصَابَتْهُمْ مُصِيبَةٌ قَالُوا إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ﴾ إلى قوله ﴿وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُهْتَدُونَ﴾.
وري أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "من ابتلي من هؤلاء البنات بشيء فأحسن
الجزء: 24 - الصفحة: 192
صحبتهن كن له سترا من النار".
وقال صلى الله عليه وسلم: "لا يموت لأحد من المسلمين ثلاثة من الولد فيحتسبهم إلا كانوا له جنة من النار" قيل: واثنان يا رسول الله قال: "واثنان".
وفي حديث آخر: "فتمسه النار إلا تحلة القسم".
الجزء: 24 - الصفحة: 193
[الباب الرابع والعشرون]
[باب] في السفر وركوب البحر
[فصل 1 - في السفر]
روي أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "السفر قطعة من العذاب يمنع أحدكم نومه وطعامه وشرابه، فإذا قضى أحدكم نهمته من وجهته، ويروى: سفره فليعجل إلى أهله".
وكان عليه السلام إذا وضع رجله في الغرز يقول: "بسم الله اللهم أنت الصاحب في السفر والخليفة والأهل، اللهم ازو لنا الأرض وهون علينا السفر، اللهم إني أعوذ بك من وعثاء السفر وكآبة المنقلب وسوء المنظر في الأهل والمال".
وقال عليه السلام: "الواحد شيطان والاثنان شيطانان والثلاثة ركب".
وقال صلى الله عليه وسلم: "إن الشيطان ليهم بالواحد والاثنين فإذا كانوا ثلاثة لم يهم بهم" يريد في السفر.
الجزء: 24 - الصفحة: 194
وقال صلى الله عليه وسلم: "عليكم بسير الليل فإن الأرض تطوى بالليل ما لا تطوى بالنهار".
قال مالك: كان عبد الوهاب بن بخت يقول: لم يكن أحد أولى بها في رحله من رفقائه.
قال مالك: ومن قدم من سفره ليلا فلا بأس أن ينتاب أهله تلك الساعة.
[فصل 2 - في ركوب البحر]
وقال عمر رضي الله عنه: لا أحمل أحدا في البحر أبدا.
وتابعه على ذلك عمر بن عبد العزيز.
وكان عثمان بن عفان أول من حمل فيه.
الجزء: 24 - الصفحة: 195
[الباب الخامس والعشرون]
[باب] في الأنساب والأسماء والرؤيا
[فصل 1 - في الأنساب]
روي أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "إن الله أذهب عنكم عبية الجاهلية وفخرها بالآباء، مؤمن تقي أو فاجر شقي، أنتم بنو آدم وآدم من تراب".
وقال الله عز وجل: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ﴾.
وقال النبي صلى الله عليه وسلم في رجل تعلم أنساب الناس: "علم لا ينفع وجهالة لا تضر".
وقال عمر رضي الله عنه تعلموا من أنسابكم ما تصلون به أرحامكم.
فصل [2 - في الأسماء] وكان النبي صلى الله عليه وسلم يكره من الأسماء مثل حرب ومرة وحمزة وحنظلة.
الجزء: 24 - الصفحة: 196
[قال] مالك: ولا ينبغي أن يسمى الرجل بياسين ولا بجبريل ولا بمهدي.
قيل: فالهادي؟ قال هذا أقرب؛ لأن الهادي يهدي إلى الطريق.
ولا بأس أن يكنى الصبي قبل بلوغه، وإنما يسمى المولود يوم سابعه.
قال: ومن أسلم من النصارى فلا بأس أن يغير اسمه ولا ينسب إلى غير أبيه، أو يقول: ابن عبد الله أو ابن عبد الرحمن.
وأهل مكة يتحدثون: ما من بيت فيه اسم محمد إلا رأوا خيرا أو رزقوا.
ولا بأس أن يتسمى الرجل بمحمد ولا يكنى بأبي القاسم، وربما كان اسم الرجل كنيته، وكان أبو سلمة وغيره اسمه كنيته.
قال مالك: وكان علي بن حسين والقاسم بن محمد وسالم بن عبد الله بني أمهات الأولاد.
الجزء: 24 - الصفحة: 197
فصل [3 - في الرؤيا]
قال مالك: وقال النبي صلى الله عليه وسلم: "لم يبق من النبوة إلا المبشرات" قالوا: وما المبشرات يا رسول الله؟ قال: الرؤيا الصالحة يراها الرجل الصالح أو ترى له، وهي جزء من ستة وأربعين جزء من النبوة".
وقال صلى الله عليه وسلم: "الرؤيا الصالحة من الله، والحلم من الشيطان، وإذا رأى أحدكم شيئا يكرهه فلينفث عن يساره ثلاث مرات إذا استيقظ ويتعوذ بالله من شرها فإنها لا تضره إن شاء الله".
قيل لمالك: يعبر الرؤيا كل أحد؟ قال: أبالنبوة يلعب.
قال مالك: لا يعبر الرؤيا من لا يحسنها، ولا يفسرها إلا من يحسنها، فإن رأى خيرا أخبر به، وإن رأى مكروها فليقل خيرا أو ليصمت.
قيل: هل يعبرها على الخير وهي عنده على مكروه لقول من قال: أنها على ما
الجزء: 24 - الصفحة: 198
أولت، قال: لا، والرؤيا جزء من أجزاء النبوة أفيتلاعب بأمر من أمر النبوة.
وقد قال الصديق في رؤيا عائشة رضي الله عنهما لما مات رسول الله صلى الله عليه وسلم: هذا أحد أقمارك وهو خيرها.
وترك العبارة عنده، وكره أن يتكلم ألا وقال خيرا، ولو كان أحد ينبغي [له] أن يصرف التأويل إلى غير وجهه لما يتقى لصرف ذلك [أبو بكر] بتأويل يقي به رسول الله صلى الله عليه وسلم ولكن لم ير ذلك جائزا وسكت والله أعلم.
الجزء: 24 - الصفحة: 199
[الباب السادس والعشرون]
[باب] في الشعر والغناء واللهو والنرد والشطرنج والسبق والرمي
[فصل 1 - في الشعر]
قال النبي صلى الله عليه وسلم: "إن من الشعر لحكمة".
وقال صلى الله عليه وسلم: "لأن يمتلئ جوف أحدكم قيحا خير له من أن يمتلئ شعرا".
قال مالك: وقد من الله سبحانه على نبيه صلى الله عليه وسلم فقال: ﴿وَمَا عَلَّمْنَاهُ الشِّعْرَ وَمَا يَنْبَغِي لَهُ﴾.
وقال صلى الله عليه وسلم: "ما قال أحد بيتا من الشعر مثل الذي قال لبيد:-
ألا كل شيء ما خلا الله باطل ... وكل نعيم لا محالة زائل
الجزء: 24 - الصفحة: 200
فصل [2 - في الغناء]
وقال مجاهد في قول الله عز وجل: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَشْتَرِي لَهْوَ الْحَدِيثِ﴾ قال: الغناء.
وقال القاسم: الغناء من الباطل.
وسئل مالك عن ضرب الكبر وعن المزمار ينالك سماعه وتجد لذته في طريق أو مجلس؟
قال: فليقم إذا التذ لذلك إلا أن يكون جلس لحاجة أو لا يقدر أن يقوم، وأما الطريق فليرجع أو يتقدم أو يتأخر.
وقال: والصنيع فيه اللهو والباطل؟ قال: لا يصلح لذي الهيئة أن يحضر اللعب.
قال: ولا بأس بالدف في العرس.
قال أصبغ: وهو الغربال المكشوف من ناحية.
وفي الكبر في العرس بعض الرخصة.
وقال الحسن: إن كان في الوليمة لهو فلا دعوة لهم.
الجزء: 24 - الصفحة: 201
فصل [3 - في اللهو والنرد]
وروي أن الرسول عليه السلام قال: "من لعب بالنرد فقد عصى الله ورسوله".
وكره مالك: اللعب بالنرد والأربعة عشر والشطرنج، وقال: هي أنهى وأشر.
فصل [4 - في السبق والرمي]
وروي أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "لا سبق إلا في حافر أو خف أو نصال".
قال ابن المسيب: لا بأس برهان الخيل إذا دخل بينهما محلل.
قال: ولا بأس أن يتراهن الرجلان يجعل هذا سبقا وهذا سبقا ويدخل معهما ثالث لا يجعل شيئا، فإن سبق أخذ وإن لم يسبق لم يكن عليه شيء، ولا يقول به مالك.
والذي يحل عند مالك أن يجعل الرجل سبقا خارجا كسبق الإمام، من سبق فهو له، ولا بأس أن يجري معهم الذي جعل السبق فرسه، فإن جاء سابقا كان السبق للمصلي إن كانت خيلا كثيرة، وإن لم يكن إلا فرسان فسبق فرس الذي وضع السبق فالسبق طعام لمن حضر ذلك.
الجزء: 24 - الصفحة: 202
وروي عنه -أيضا- أنه قال: لا بأس أن يشترط صاحب السبق إن سبق أخذ ذلك السابق، وإن سبق هو أخذ سبقه.
والقول الأول يكون سبقه خارجا، سبقه هو أو سبق غيره.
وكذلك الرمي يضل أو تضل.
والمصلي هو الثاني من السابق سمي بذلك؛ لأن جحفلة فرسه على صلا السابق وهو أصل ذنبه.
ويقال للعاشر: السكيت ومن بعد الثاني إلى التاسع لا يسمى إلا تسمية العدد.
الجزء: 24 - الصفحة: 203
[الباب السابع والعشرون]
[باب] في الهجرة والمغازي والتاريخ
[فصل 1 - في الهجرة]
قال أبو محمد رضي الله عنه وهذا الباب منه ما حفظ عن مالك وأكثره عن غيره من أهل العلم بالمغازي والتاريخ.
قال: أقام رسول الله صلى الله عليه وسلم بمكة عشر سنين صابرا على أذى المشركين، واشتد البلاء على أصحابه حتى أذن لهم في الهجرة إلى أرض الحبشة ثم كان أول آية نزلت عليه في الجهاد قوله تعالى: ﴿أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقَاتَلُونَ بِأَنَّهُمْ ظُلِمُوا وَإِنَّ اللَّهَ عَلَى نَصْرِهِمْ لَقَدِيرٌ﴾، ثم أنزل ﴿وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لَا تَكُونَ فِتْنَةٌ﴾ الآية.
فلما أذن له في الحرب وبايعه الأنصار بالعقبة، أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم أصحابه بالخروج إلى المدينة مهاجرين فخرجوا متفاوتين.
الجزء: 24 - الصفحة: 204
وأقام الرسول عليه السلام بعدهم ينتظر: أيأذن الله عز وجل له في الهجرة، ولم يتخلف معه أحد من المهاجرين إلا من حبس أو فتن إلا أبو بكر وعلي رضي الله عنهما، فكلما استأذن أبو بكر النبي صلى الله عليه وسلم في الهجرة قال: "لا تعجل لعل الله أن يجعل لك صاحبا"، فرجا أبو بكر أن يكون هو، فابتاع راحلتين وأعدهما لذلك، وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم لا يخطئه أن يأتي بيت أبي بكر أحد طرفي النهار.
فلما كان يوم أذن الله عز وجل له في الهجرة أتى أبا بكر بالهاجرة، فلما رآه أبو بكر قال: ما جاء في هذه الساعة إلا لأمر حدث، فلما دخل تأخر له عن سريره فجلس فأعلمه صلى الله عليه وسلم أن الله عز وجل قد أذن له في الهجرة، فقال له أبو بكر: الصحبة يا رسول الله، قال: "الصحبة" فبكى أبو بكر رضي الله عنه فرحا، وأعلمه استعداده للراحلتين فبعثهما مع عبد الله بن أرقط يرعاهما، ولم يعلم حينئذ بالهجرة إلا أبو بكر وعلي.
الجزء: 24 - الصفحة: 205
قال أبو بكر: وأمر عليا أن يتخلف بعده ليرد الودائع التي كانت عنده.
ثم خرج هو وأبو بكر من خوخة في ظهر بيته إلى غار ثور وهو جبل بأسفل مكة فدخلاه ليلا، وأمر أبو بكر ابنه عبد الله أن يسمع ما يقول الناس ثم يأتيهما إذا أمسى بما يكون، وأمر عامر بن فهيرة مولاه أن يرعى غنمه ثم يريحها إلى الغار إذا أمسى، وكانت أسماء بنت أبي بكر تأتيهما بالطعام إذا أمست.
فأقاما في الغاز ثلاثا، وجعلت قريش فيه مائة ناقة حتى إذا سكن الناس عنهما بعد ثلاث أتاهما الذي استأجراه بالراحلتين، وأتت أسماء بالسفرة ونسيت أن تجعل لها عصاما فجعلت نطاقها، فسميت ذات النطاقين، ويقال: أنها شقت نصفه للسفرة وانتطقت بنصفه.
الجزء: 24 - الصفحة: 206
وركب رسول الله صلى الله عليه وسلم أفضل الراحلتين ولم يأخذها إلا بالثمن، وأردف أبو بكر مولاه عامر بن فهيرة ليخدمهما في الطريق وكان دليلهما عبد الله بن أرقط.
قال مالك: اسم دليلهما رقيط، وكان كافرا، وقيل: اسمه أريقط.
واتبعهما سراقة بن مالك بن جعشم على فرس له؛ لما جعل المشركون في رده مائة ناقة.
قال سراقة: فلما بدا لي القوم عثر بي فرسي فذهبت يداه في الأرض وسقطت عنه، ثم انتزعت يديه من الأرض وتبعهما دخان كالإعصار، فعلمت حين رأيت ذلك أنه قد منع مني وأنه ظاهر، فناديتهم: أنا سراقة بن مالك، انظروني لأكلمكم والله لا أريبكم.
الجزء: 24 - الصفحة: 207
فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم لأبي بكر رضي الله عنه قل له: ما تريد، قال فسألني فقلت له: يكتب لي كتابا، فأمر أبا بكر رضي الله عنه فكتب لي في عظم أو رقعة ثم ألقاه إلي، فلقيته له يوم فتح مكة بالجعرانة.
قال مالك: وإنما يحسب التاريخ من يوم مقدم النبي صلى الله عليه وسلم المدينة.
[فصل 2 - أحداث السنة الأولى]
قال عروة بن الزبير: فنزل رسول الله صلى الله عليه وسلم بقباء يوم الإثنين من شهر ربيع الأول حين اشتد الضحى.
وقال موسى بن عقبة: يوم الإثنين لهلال شهر ربيع الأول.
الجزء: 24 - الصفحة: 208
رسول الله صلى الله عليه وسلم بسهمه.
ورجع رسول الله صلى الله عليه وسلم من بدر يوم الأربعاء لثمان بقين من شهر رمضان.
وفيها كانت غزوة قرقرة الكردى فبلغ رسول الله صلى الله عليه وسلم جمع سليم وغطفان، وخرج في غزة شوال ورجع لعشر خلوان منه، ولم يلق كيدا، وساق الغنم والرعاء.
ثم غزوة المغنمة بعث غالب بن عبد الله الليثي لعشر خلوان من شوال فلقوا بني سليم وغطفان فقتلوا وأخذوا الغنيمة وانصرفوا لست عشرة ليلة خلت من شوال، واستشهد من المسلمين ثلاثة نفر.
وفيها دخل علي بفاطمة رضي الله عنهما.
وفيها غزوة السويق، بلغ النبي صلى الله عليه وسلم أن أبا سفيان أقبل إلى المدينة فخرج إليهم.
الجزء: 24 - الصفحة: 209
وكان موضع المسجد مربد للتمر ليتيمين من الأنصار في حجر أسعد بم زرارة فابتاعه منهما صلى الله عليه وسلم ثم بنى ذلك مسجدا.
وفي تلك السنة بنى بعائشة رضي الله عنها في شوال على رأس ثمانية أشهر من الهجرة.
وفيها تزوج علي فاطمة، ويقال: في السنة الثانية على رأس اثنين وعشرين شهرا.
[فصل 3 - أحداث السنة الثانية]
ثم كانت السنة الثانية وكانت فيها غزوة الأبواء غزاها رسول الله صلى الله عليه وسلم في المهاجرين خاصة.
قال ابن عقبة: أو غزوة غزاها رسول الله صلى الله عليه وسلم في صفر على رأس اثني عشر شهرا من مقدمه المدينة، بلغ الأبواء ثم رجع وأرسل ستين رجلا من المهاجرين الأول، ويقال: ثمانين راكبا مع عبيد الله بن الحارث، ويقال: بعث بمرة في ثلاثين راكبا ثم غزا في صفر.
وفيها ولد عبد الله بن الزبير، وهو أول مولود ولد بالمدينة من المهاجرين.
وفيها صرفت القبلة في صلاة الظهر يوم الثلاثاء في النصف من شعبان.
الجزء: 24 - الصفحة: 210
وفيها كانت فريضة شهر رمضان في شعبان.
وفيها أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم بزكاة الفطر.
ويقال: غزا فيها يوم الاثنين لثلاث مضين من شهر ربيع الآخر حتى بلغ بواط يريد قريشا، ثم رجع ولم يلق كيدا.
وفيها خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى العشيرة وهي بين مكة والمدينة في جمادى الأولى.
وخرج في جمادى الآخرة حتى بلغ واديا يقال له سفوان في طلب كرز بن جابر الفهري، يقال أنه أغار على سرح المدينة في فخرج طلبهم فلم يدركهم.
وفيها بعث سعد بن أبي وقاص في ثمانية رهط في رجب.
وفي رجب بعث عبد الله بن جحش إلى نخلة فلقي العير.
الجزء: 24 - الصفحة: 211
وقتل ابن الخضرمي في آخر يوم من رجب، وفي ذلك نزلت: ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الشَّهْرِ الْحَرَامِ قِتَالٍ فِيهِ قُلْ قِتَالٌ فِيهِ كَبِيرٌ﴾.
وفيها خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم في طلب اللقاح في شعبان حتى بلغ ينبع فرجع باللقاح ومن فيها.
وفيها استشار في الحرب مخرجه إلى بدر.
وفيها كانت بدر البطشة الكبرى خرج إليه عشية الأربعاء لثمان ليال خلون من شهر رمضان.
قال مالك: في ثلاثمائة وثلاثة عشر رجلا، وقال الأوزاعي: في ثلاثمائة وخمسة عشر، وقيل سبعة عشر، منهم أحد وثمانون من المهاجرين، ويقال: ثلاثة وسبعون من المهاجرين وحلفائهم، وسائرهم من الأنصار، ولم يحضرها إلا قرشي أو حليفه أو مولاه أو أنصاري أو حليفه أو مولاه، ويقال: فيهم مائة من المهاجرين فيهم من مواليهم أحد عشر.
فالتقى بالمشركين صبيحة الجمعة، قال مالك: لسبعة عشر يوما خلت من شهر رمضان على سنة ونصف من مقدمه المدينة.
الجزء: 24 - الصفحة: 212
وكان المشركون ما بين التسعمائة إلى الألف معهم مائة فرس، وليس مع المسلمين إلا فرسان، ويقال: ثلاثة أفراس، فرس عليه الزبير، وفرس عليه المقداد، وفرس عليها أبو مرئد الغنوي.
قال مالك: سئل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن المشركين يومئذ كم يطعمون كل يوم، فقيل: عشر جزائر يوما وتسعا يوما، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "القوم ما بين التسعمائة إلى الألف".
الجزء: 24 - الصفحة: 213
قالوا: واستخلف على المدينة أبا لبابة وابن أم مكتوم يصلي، ويقال: استخلف عثمان بن عفان رضي الله عنه.
قال مالك: وكان الشهداء يوم بدر قليلا، وكان الأسرى شبيها بمن قتل، وقتل من المشركين أربعة وأربعون رجلا.
قال غيره: استشهد من المسلمين يوم بدر ثلاثة عشر، أربعة من قريش وتسعة من الأنصار، وقيل: أربعة عشر رجلا ثمانية من الأنصار وستة من المهاجرين.
وقيل: قتل من المشركين خمسون، وقيل: سبعون، والأسرى مثل ذلك.
وبعث رسول الله صلى الله عليه وسلم بخبر بدر زيد بن حارثة وعبد الله بن رواحة بشيرين.
وفيها ماتت رقية بنت رسول الله صلى الله عليه وسلم فتخلف عثمان بسببها فضرب له
الجزء: 24 - الصفحة: 214
قالوا: فنزل في حي بني عمرو بن عوف من الأنصار على سعد بن خثيمة، ويقال: على كلثوم بن الهدم.
ولم يختلفوا أنه نزل بالمدينة على أبي أيوب الأنصاري، واسمه خالد بن زيد فأقام عنده حتى ابتنى مسكنه ومسجده صلى الله عليه وسلم.
قالوا: وركب من بني عمرو يوم الجمعة فمر على بني سلمة فصلى فيهم الجمعة، ويقال: أقام في بني عمرو ثلاث ليال.
وقال ابن شهاب وغيره: أقام في بني عمرو بضعة عشر يوماً، ثم ركب.
وفي تلك السنة بنى مسجد قباء، وقيل: إنه الذي أسس على التقوى، وقيل: هو مسجد رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو أثبت عند العلماء، وقاله مالك وغيره.
الجزء: 24 - الصفحة: 215
رسول الله عليه السلام لتسع بقين من ذي الحجة فهرب هو وأصحابه وطرحوا أزوادهم، فقال لهم أصحابهم: إنما خرجتم تشربون السويق، ثم رجع لثمان بقين من ذي الحجة ولم يلق كيدا.
وقال ابن عقبة: كانت تلك الغزوة سنة ثلاث في شعبان.
[فصل 4 - أحداث السنة الثالثة]
ويقال: فيها ولد الحسن بن علي رضي الله عنهما في النصف من شهر رمضان.
وفيها علقت فاطمة بالحسين فلم يكن بينه وبين الحسن إلا طهر واحد، ويقال: خمسون ليلة.
وفيها تزوج الرسول عليه السلام حفصة بنت عمر، وزينب بنت جحش، وزوج ابنته أم كلثوم عثمان بن عفان.
وفيها كانت غزوة بني فطيو فآذنهم الرسول عليه السلام بالحرب أو بالجلاء فجلوا من غير قتال إلى الشام.
الجزء: 24 - الصفحة: 216
وفيها غزوة ذي أمر، ويقال: غزوة بني أنمار، غزاها الرسول عليه السلام بنفسه في عقب المحرم فأصاب فيها وقسم أبعرة، ورجع لخمس بقين من صفر.
وفيها غزوة بني قينقاع في صفر فحاصرهم ونزلوا.
وفيها كانت غزوة نجران معديا بالحجاز من ناحية الفرع.
ورجع في أول جماد الآخرة ولم يلق كيدا.
وفيها غزوة أحد، خرج إليها عشية الجمعة لأربع عشرة ليلة خلت من شوال.
قال مالك: وكانت غزوة أحد وخيبر في أول النهار.
وقال غيره: استشهد من المسلمين خمسة وسبعون منهم أربعة من المهاجرين.
قال مالك: قتل من المهاجرين أربعة ومن الأنصار سبعون، ولم يكن في عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم ملحمة أكثر ولا أشد قتلاً منها.
الجزء: 24 - الصفحة: 217
قال: ثم خرج منصرفا من أحد إلى حمراء الأسد من الغد لست عشرة ليلة خلت من شوال وهي من المدينة على ثمانية أميال، وكان أبو بكر والزبير رضي الله عنهما أول من استجاب لله ورسوله يومئذ بعد ما أصابهم القرح.
وفيها كانت غزوة الرجيع، ويقال: كان أصحاب الرجيع ستة نفر منهم خبيب بن عدي.
[فصل 5 - أحداث السنة الرابعة]
ثم كانت سنة أربع، ففيها كانت سرية بئر معونة على أربع مراحل من المدينة، فقتلهم عامر بن الطفيل في بني عامر وبني سليم، ويقال: أن عامر بن فهيرة لم يوجد، يرون أن الملائكة وارته.
وفيها غزوة بني النضيرن، فخرج إليهم عشية الجمعة لتسع مضين من ربيع الأول، ثم راح إليهم عشية الثلاثاء فحوصروا ثلاثة وعشرين يوماً.
الجزء: 24 - الصفحة: 218
وفيها نزلت صلاة الخوف [وقيل: في ذات الرقاع، ويقال: كانت غزوة ذات الرقاع وصلاة الخوف] سنة خمس.
قال ابن شهاب: كانت غزوة بني النضير في الحرم سنة ثلاث.
وفيها غزوة ذات الرقاع، سميت بذلك لكثرة الرقاع في الرايات، خرج لخمس خلون من جمادى الأولى، وانصرف يوم الأربعاء لثمان بقين منه، ثم خرج إلى ميعاد أبي سفيان ببدر في شعبان فلم يلق أحدا.
وفيها غزوة الخندق، وهي غزوة الأحزاب في شوال، ويقال: الخندق في سنة خمس.
ثم غزوة بني قريظة.
وقال مالك: كانت سنة أربع، وانصرف من قريظة لأربع خلون من ذي الحجة.
وفيها كانت غزوة أبي عبيدة بن الجراح إلى سيف البحر فرجع ولم يلق كيدا.
وفيها غزوة أبي عبيدة -أيضا- ذات القصة من طريق العراق، ولم يلق كيدا.
[فصل 6 - أحداث السنة الخامسة]
ثم كانت سنة خمس، ففيها بعث إلى مشركي قريش بمال؛ لما بلغه أن سنة شديدة أصابتهم.
ويقال: فيها كانت غزوة ذات الرقاع، ويقال: فيها غزوة المريسع في شعبان إلى بني المصطلق، ويقال: فيها كانت غزوة الخندق,
الجزء: 24 - الصفحة: 219
وقال مالك: كانت غزوة الخندق على أربع سنين من الهجرة، وكانت في برد شديد.
وقال مالك ولم يستشهد يومئذ من المسلمين إلا أربعة أو خمسة، ويومئذ أنزل الله عز وجل ﴿إِذْ جَاءُوكُمْ مِنْ فَوْقِكُمْ وَمِنْ أَسْفَلَ مِنْكُمْ﴾ الآية، جاءت قريش من ههنا والنجد من ههنا يريد هوازن.
قالوا: وفي سنة خمس كانت غزوة دومة الجندل تهيأ إلى الخروج إلى الأكيدر في المحرم فهرب، ورجع النبي صلى الله عليه وسلم ولم يلق كيدا.
وفيها بعث عبد الله بن أنيس إلى سفيان بن عبد الله.
وفيها بعث [عمرو] بن أمية وصاحبه لقتل أبي سفيان.
الجزء: 24 - الصفحة: 220
وبعث رسول الله صلى الله عليه وسلم ابن رواحة في ثلاثين راكبا لقتل [اليسر] بن رزام اليهودي.
وفيها غزوة غالب بن عبد الله الكريد إلى ابن الملوح فرجع ولم يلق كيدا.
وفيها غزوة زيد بن حارثة إلى واد القرى فلقي ناسا من بني فزارة فقاتلهم.
وفيها غزوة زيد الثانية إلى أم قرفة وأمره بقتلها، ولم يعلم أنه أمر بقتل امرأة غيرها فهزمها وقتلها.
وفيها غزوة بني لحيان، خرج إليها النبي صلى الله عليه وسلم في غرة جمادى الأولى، خرج يطلب ثأر خبيب بن عدي وأصحابه.
وبعث من فوره إلى القارة في دورها فاعتصموا بالجبال.
وفيها بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم بالسرايا.
وفيها غزوة أبي عبيد إلى أسد وبلي، ورجع ولم يلق كيدا.
[فصل 7 - أحداث السنة السادسة] ثم كانت سنة ست فيها غزوة بني المصطلق بالمريسيع على ست مراحل من المدينة أو سبع مما يلي مكة من ناحية الجحفة، واستخلف على المدينة أبا رهم
الجزء: 24 - الصفحة: 221
الغفاري، وسار في غرة شعبان، ونزلت حينئذ آية التيمم، وقتل النبي صلى الله عليه وسلم، وسبى جويرية بنت الحارث فأعتقها وتزوجها، وكان الأسرى أكثر من سبعمائة، فطلبته فيهم ليلة دخل بها فوهبهم لها.
وفيها رميت عائشة رضي الله عنها بالإفك، فأنزل الله عز وجل براءتها.
وفيها غزوة الحديبية، فخرج النبي صلى الله عليه وسلم معتمرا في ذي القعدة من سنة ست، وأهلوا بذي الحليفة، وبلغه في طريقه أن قريشا جمعت له وحلفت أن لا يدخل عليهم، فقال صلى الله عليه وسلم: "ويح قريش، ما خرجت لقتالهم ولكن خرجت معتمرا إلى هذا البيت".
وفيها كانت القضية، وكان الصلح بينه وبين قريش سنتين، وقيل: عشر سنين وحل بالحديبية.
وفيها بيعة الرضوان، وكانوا ألفا وأربعمائة، وقيل بايعوه صلى الله عليه وسلم على الموت، وقيل: على أن لا يفروا، ويقال: رجع إلى المدينة لخمس مضين من المحرم، فمكث نحو عشرين ليلة، ثم خرج إلى خيبر، وقيل: أقام بالحديبية شهرا ونصفا، وقيل: خمسين ليلة.
الجزء: 24 - الصفحة: 222
وفيها بعث بشير بن سعد إلى ناحية خيبر، فرجع ولم يلق كيدا.
وفيها غزوة كعب بن عمير ذات [أطلاح] من أرض الشام فقتل هو وأصحابه.
وفيها غزوة عبد الرحمن بن عوف ناحية الشام إلى بلي وكلب، ويقال: عممه رسول الله صلى الله عليه وسلم بيده في سيره إلى دومة الجندل في شعبان.
وفيها بعث علي بن أبي طالب رضي الله عنه إلى فدك، وبعث عبد الله بن رواحة في خيل تكون بين علي وبين خيبر يفزع بها أهلها، فخرج أهل خيبر فأغار عليهم بضع عشرة غارة حتى أزاحهم، ثم أغار على بني سعد بن هديم.
وفيها أوقف رسول الله صلى الله عليه وسلم سبع حوائط.
وفيها استسقى رسول الله صلى الله عليه وسلم لجدب أصاب الناس.
الجزء: 24 - الصفحة: 223
وفيها توفيت أم رومان امرأة أبي بكر في ذي الحجة، ونزل رسول الله صلى الله عليه وسلم في قبرها.
وفيها اتخذ رسول الله صلى الله عليه وسلم خاتما؛ وإنما اتخذه حين بعث الرسل، فقيل له: إن العجم لا تقرأ إلا كتابا مختوما فاتخذه، وكان نقش فصه محمد رسول الله، وقيل: لا إله إلا الله محمد رسول الله.
[فصل 8 - أحداث السنة السابعة] ثم كانت سنة سبع فكانت فيها غزوة خيبر، قال مالك: كانت خيبر على ست سنين من الهجرة، قالوا: ولم يخرج إليها إلا أهل الحديبية إلا رجل من بني حارثة أذن له، وخرج في المحرم، واستخلف على المدينة سباع بن عرفطة الغفاري، وقيل:
الجزء: 24 - الصفحة: 224
أبا رهم كلثوم بن الحصين الغفاري، ففتح حصونهم وهي التي وعده الله عز وجل بالحديبية في قوله تعالى ﴿وَأُخْرَى لَمْ تَقْدِرُوا عَلَيْهَا قَدْ أَحَاطَ اللَّهُ بِهَا﴾.
وفيها غزوة فدك، إذ خافوا ما صنع بخيبر فقدمت رسلهم عليه بخيبر أو في الطريق أو بعد أن قدم المدينة فصالحهم على النصف من فدك، فقبل ذلك منهم، ولم يوجف عليها بخيل ولا ركاب، فكانت للنبي صلى الله عليه وسلم خاصة.
ثم أتى وادي القراة ففتحها ولم يجتمع له بها أحد.
وفيها بعث عبد الله بن حذافة السهمي إلى كسرى عظيم الفرس بكتاب فمزقه، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: "مزق الله ملكه".
وبعث دحية الكلبي إلى قيصر عظيم الروم بكتاب.
وفيها غزوة بعث زيد بن حارثة إلى من عرض لدحية في خمسمائة راكب.
وفيها غزوة ذات السلاسل مما يلي الشام، غزاها عمرو بن العاص في بني سعد
الجزء: 24 - الصفحة: 225
الله ومن يليهم من قضاعة، واستمد رسول الله صلى الله عليه وسلم فأمده، فخرج فيمن خرج إليه أبو بكر وعمر في سراة من المهاجرين، وأمر عليهم أبا عبيدة بن الجراح.
وفيها خرج رسول الله عليه السلام في ذي القعدة وهو الشهر الذي صده فيه المشركون عن المسجد الحرام، حتى إذا بلغ [يأجج] وضع الأداة كلها ودخلوا بسلاح الراكب، القسي والسيوف مغمودة.
وفيها تزوج رسول الله صلى الله عليه وسلم ميمونة، وهي غزوة القضية.
قال: ونزل رسول الله صلى الله عليه وسلم الأبطح لست عشرة خلت من ذي القعدة، فأقام بها ثلاثا وعلى ذلك كان الشرط، ثم رجع وخلف أبا رافع مولاه، ليخرج إليه بميمونة فبنى بها بسرف، وهي خالة عبد الله بن عباس، وقيل: إنها خالة خالد بن الوليد، وأختها أم الفضل عند العباس بن عبد المطلب، وإليه جعلت
الجزء: 24 - الصفحة: 226
أمرها فزوجها من رسول الله صلى الله عليه وسلم، ويقال: إنه بعث أبا رافع ورجلا من الأنصار فزوجها إياه.
وفيها غزوة زيد بن حارثة إلى الطرف من ناحية العراق فرجع ولم يلق كيدا.
وفيها بعث عبد الله بن أبي حدرد الأسلمي ورجلين معه إلى الغابة على ثمانية أميال من المدينة لما بلغه أن رفاعة بن قيس يريد أن يجمع قيسا لحرب رسول الله عليه السلام، فكمنوا له ورماه أبي حدرد بسهم فقتله.
وفيها غزوة ابن أبي حدرد -أيضا- إلى ذي خشبة.
وفيها اتخذ رسول الله صلى الله عليه وسلم المنبر، ويقال: في سنة ثمان، قال مالك: عوده من طرفاء الغابة عمله غلام لسعد بن عبادة، وقال غيره: غلام لامرأة من الأنصار، ويقال: غلام للعباس بن عبد المطلب، فخطب عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم فحن الجذع الذي كان قبل ذلك يخطب عليه فوضع رسول الله عليه السلام عليه يده فسكن.
الجزء: 24 - الصفحة: 227
[فصل 9 - أحداث السنة الثامنة]
ثم كانت سنة ثمان فكانت فيها غزوة مؤتة، بعث النبي صلى الله عليه وسلم إلى مؤتة من أرض الشام في جمادى الأولى فأمر عليهم زيد بن حارثة، وقال: إن قتل فجعفر وإن قتل فعبد الله بن رواحة.
فالتقوا مع هرقل في جموعه يقال: مائة ألف غير ما انضم إليه من المتعبدة، فالتقوا بقرية يقال لها مؤتة، فقتل الذين سمى رسول الله صلى الله عليه وسلم، ثم اتفق المسلمون على خالد بن الوليد ففتح الله به وقتلهم، وقدم البشير بذلك إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، وقد أخبرهم بذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم قبل قدومه.
وفيها كانت غزوة الفتح، وقد كان أبو سفيان أتى إلى رسول الله عليه السلام يريد أن يزيد في الهدنة فلم يزد عليه شيئا، فرجع أبو سفيان إلى مكة.
وأظهر النبي صلى الله عليه وسلم أنه يريد غزوة هوازن فخرج وقد استخلف على المدينة أبا رهم الغفاري، ثم تهيأ بذي الحليفة وسار ولقيه العباس بذي الحليفة،
الجزء: 24 - الصفحة: 228
فقال له عليه السلام: "امض بثقلك إلى المدينة"، وبعث من موضعه هذا علي بن أبي طالب رضي الله عنه إلى المشلل في سرية أمره عليها وأمره بهدم الصنم، ثم سار رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى نزل بأعلى مكة وضرب بها قبته.
قال مالك: وخرج رسول الله صلى الله عليه وسلم في عام الفتح بثمانية آلاف أو عشرة آلاف وكتم الناس وجهته تلك؛ لئلا يعلم أحد أين يريد، ودعا الله عز وجل أن يخفي ذلك عليهم.
قال يحيى بن سعيد: دخل النبي عليه السلام مكة عام الفتح في عشرة آلاف أو اثني عشر ألفا قد أكب على واسطة رحله حتى كادت تنكسر به، يريد تواضعا لله عز وجل وشكرا لربه، وقال: "الملك لله الواحد القهار".
قال مالك: وافتتح مكة في تسعة عشر يوما من شهر رمضان على ثمان سنين من الهجرة، وخيبر على ست سنين، والخندق على أربعة سنين.
قال: وفي سنة ثمان أخرج المقام من الكعبة وما كان فيه أو حوله، وعلى الصفا والمروة من الأصنام.
وفيها بايع الرجال والنساء ثلاثة أيام.
الجزء: 24 - الصفحة: 229
وفيها بعث سرايا من مكة، فبعث خالد بن الوليد إلى أهل [الغميصاء]، ثم بعثه إلى نخلة [اليمانية] وهي بيت بنخلة فيها شجرة فهدمها خالد وقدم، فرده وقال: "اقطع أصلها".
وفيها كان الدخان والله أعلم.
وفيها كانت غزوة حنين، وسببها أنه لما أجمع صلى الله عليه وسلم على الخروج إلى مكة لنصرة خزاعة أتى الخبر إلى هوازن أنه يريدهم فاستعدوا للحرب حتى أتوا سوق ذي المجاز، فسار عليه السلام حتى أشرف على وادي حنين فمشى ليلة الأحد ثم صابحهم ليلة الأحد للنصف من شوال، وفيه بعث سرايا من حنين.
وفيها غزوة الطائف، ثم انصرف لما بلغه اجتماع ثقيف إليها فتوجه إليهم فحاصرهم.
وفيها غزوة الجعرانة حين فرغ من حنين والطائف ثم انصرف من عمرة الجعرانة في آخر ذي القعدة فأقام بالمدينة بقية ذي القعدة وذي الحجة، وحج
الجزء: 24 - الصفحة: 230
بالناس عتاب بن أسيد وقف بالمسلمين، ووقف المشركون على ما كانوا يفعلون في الجاهلية.
[فصل 10 - أحداث السنة التاسعة]
ثم كانت سنة تسع ففيها سارع الناس إلى الإسلام.
وفيها كتب مسيلمة الكذاب إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فأجابه.
وفيها كانت غزوة تبوك، وهي جيش العسرة، فكتب الرسول عليه السلام بعد الفتح إلى القبائل التي لم يفش فيها الإسلام يدعوهم.
وكتب إلى التي أسلمت وفشى فيها الإسلام بغزو الروم وواعدهم بتبوك، وتوجه في رجب وسار أول يوم من رجب، واستخلف علي بن أبي طالب رضي الله عنه على المدينة، حتى انتهى صلى الله عليه وسلم إلى تبوك.
قال مالك: وكانت غزوة تبوك في حر شديد.
قالوا: فوافى بتبوك وفدا لعظيم الروم فردهم بالجواب إلى ملكهم، ثم بث السرايا بعد.
الجزء: 24 - الصفحة: 231
وفي هذه الغزاة مكرت بالنبي صلى الله عليه وسلم طائفة من المنافقين ليلقوه في العقبة، ونزل عليه من أمر المنافقين ما نزل في سورة براءة، وذكر المتخلفين الثلاثة الذين خلفوا.
ورجع رسول الله عليه السلام منسلخ شوال.
وبعث أبا بكر على الحج، ونزلت بعده براءة، فبعث بها علي بن أبي طالب رضي الله عنه وأمره أن ينادي ببراءة في الناس.
قال مالك: وأول من أقام للناس الموسم أبو بكر رضي الله عنه في سنة تسع.
[فصل 11 - أحداث السنة العاشرة]
ثم كانت سنة عشر، ففيها تم إسلام أكثر الناس.
وبعث عليا رضي الله عنه إلى اليمن فرجع ولم يلق كيدا.
وبعث أسامة بن زيد إلى [الداروم] من أرض فلسطين فغنم وسبى.
وفيها قدم بمال البحرين وهو مائة ألف درهم وثمانون ألف درهم على
الجزء: 24 - الصفحة: 232
رسول الله صلى الله عليه وسلم فقسمه رسول الله عليه السلام بين الناس.
وفيها بعث عيينة بن حصن إلى بني العنبر يدعوهم فلم يجيبوا فقتل فيهم وسبى.
وفيها بعث عليا -أيضا- إلى اليمن فقيل: إنه بعثه مفقها في الدين، وقيل: بعثه ليقبض الصدقات من العمال، وليوافي رسول الله صلى الله عليه وسلم بمكة في حجة الوداع فقدم على رسول الله صلى الله عليه وسلم بمكة.
وفيها حج حجة الوداع، وسميت حجة الوداع لأنه ودعهم، وسميت حجة البلاغ لأنه قال عليه السلام: هل بلغت، وسميت حجة الإسلام لأنها الحجة التي تنام فيها حج أهل الإسلام ليس فيها مشرك.
الجزء: 24 - الصفحة: 233
[فصل 12 - أحداث السنة الحادية عشرة]
ثم كانت سنة إحدى عشرة فيها بعث النبي صلى الله عليه وسلم جرير بن عبد الله إلى ذي الكلاع باليمن يدعوه إلى الإسلام فأسلم، وقدم جرير وقد قبض رسول الله عليه السلام.
وفيها كان بعث أسامة بن زيد إلى مؤتة من أرض الشام، وأمره أن يهريق بها دما فلم ينفذ لبعثه حتى قبض رسول الله صلى الله عليه وسلم فأنفذه بعده أبو بكر.
وفيها قبض رسول الله صلى الله عليه وسلم بأبي هو وأمي صلى الله عليه وسلم وشرف وكرم يوم الإثنين لاثنتي عشرة ليلة خلت من شهر ربيع الأول.
قال ابن عقبة: في بيت عائشة رضي الله عنها وفي يومها وعلى صدرها حين اشتد الضحى.
قال مالك: ودفن يوم الثلاثاء وصلى عليه الناس أفرادا لا يؤمهم أحد، وقيل: دفن
الجزء: 24 - الصفحة: 234
حين زالت الشمس، وغسله العباس والفضل وعلي ومولاه شقران، ويقال له: صالح مولى رسول الله صلى الله عليه وسلم وأنزلوه في حفرته، ويقال: معهم أسامة وأوس بن خولي.
وبدأ وجعه صلى الله عليه وسلم في بيت ميمونة بنت الحارث رضي الله عنها يوم الأربعاء لليلتين بقيتا من صفر، ثم انتقل إلى بيت عائشة رضي الله عنها فمرض عندها حتى مات صلى الله عليه وسلم.
وصلى أبو بكر رضي الله عنه بالناس في مرض رسول الله صلى الله عليه وسلم تسع عشرة صلاة.
وفيها بويع لأبي بكر رضي الله عنه.
الجزء: 24 - الصفحة: 235
وفيها ارتد من ارتد من العرب.
وفيها أحرق أبو بكر الفجاءة واسمه إياس بن عبد الله بن ياليل؛ وذلك أنه سأل أبا بكر أن يعينه على من ارتد ويحمله ففعل وخرج فجعل يقتل المسلم والمرتد، فكتب فيها فأخذ فقتله ثم أحرقه.
وفيها وجه خالد بن الوليد إلى طليحة فهزمه وقتل من قتل من أصحابه وهرب طليحة ثم أسلم وحسن إسلامه، ثم مضى بأمر أبي بكر إلى مسيلمة باليمامة، وقد كانت تنبأت امرأة يقال لها سجاح بنت الحارث من بني تميم فتزوجها مسيلمة باليمامة، وقتل خالد مسيلمة.
وفتح الله اليمامة بصلح صالحه عليه مجاعة من مرارة، واستشهد بها ألف ومائة من المسلمين، وقيل: ألف وأربعمائة منهم سبعون جمعوا القرآن.
الجزء: 24 - الصفحة: 236
وفيها ماتت فاطمة بنت رسول الله صلى الله عليه وسلم لثلاث ليال خلون من شهر رمضان، وهي بنت تسع وعشرين سنة، وذلك بعد وفاة رسول الله صلى الله عليه وسلم بستة أشهر، وقيل: بثلاثة أشهر، [قال] مالك: والأول أثبت.
قال مالك: فتحت مصر سنة عشرين، وافريقية يوم موت حفصة، قال غيره: وذلك سنة سبع وعشرين.
قال مالك: توفي معاذ بن جبل وهو ابن اثنين وثلاثين سنة، وبلغ عبد الله بن عمر من العمر سبعا وثمانين سنة، وولد ابن المسيب لثلاث بقين من خلافة عمر بن الخطاب رضي الله عنهم.
الجزء: 24 - الصفحة: 237
[الباب الثامن والعشرون]
باب فيه ذكر مواعظ وآداب وحكم
[فصل 1 - رسالة مالك إلى هارون الرشيد]
يذكر أن مالكا كتب بها إلى هارون الرشيد:-
بسم الله الرحمن الرحيم
صلى الله على سيدنا محمد وآله وسلم تسليما، أما بعد:-
فإني كتبت إليك هذا الكتاب ولم آلك فيه رشدا ولا نصحا، فيها من آداب رسول الله صلى الله عليه وسلم.
اذكر نفسك في غمرات الموت وكربه وما هو نازل بك منه وما أنت موقوفا عليه بعد الموت من العرض والحساب والخلود، فأعد له ما يسهل به عليك ذلك.
فإنك لو رأيت أهل سخط الله عز وجل وما صاروا إليه من ألوان عذابه وشدة نقمه، وسمعت زفيرهم في النار وشهيقهم بعد كلوح وجوههم لا يسمعون ولا يبصرون، ويدعون بالويل والثبور، وأعظم من ذلك حسرة عليهم إعراض الله عز وجل عنهم بوجهه، وانقطاع رجائهم من روح الله عز وجل، وإجابته إياهم بعد
الجزء: 24 - الصفحة: 238
طول الغم ﴿اخْسَئُوا فِيهَا وَلَا تُكَلِّمُونِ﴾ ما تعاظمك شيء من أمر الدنيا أردت النجاة من ذلك.
ولو رأيت أهل طاعة الله عز وجل ومنزلتهم منه وقربهم منه ونظرة وجوههم ونور ألوانهم وسرورهم بما صاروا لعظم في عينيك عظيم ما طلبت به صغير ما عند الله تعالى.
واحذر على نفسك وبادر بها قبل أن تسبق إليها، وإياك وما تخاف الحسرة عليه غدا عند نزول الموت، وخاصم نفسك في مهل وأنت تقدر على جر المنفعة إليه وصرف الحجة عنها، واجعل لله عز وجل من نفسك نصيبا في الليل والنهار.
فقد روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: "من صلى بالليل اثنتي عشرة ركعة بنى الله له بيتاً في الجنة".
الجزء: 24 - الصفحة: 239
وكان النبي صلى الله عليه وسلم يصلي بالليل ثماني ركعات مثنى مثنى.
وقال صلى الله عليه وسلم: "صوم يوم ثلاثة عشر من الشهر وأربعة عشر وخمسة عشر يعدل صوم الدهر".
وأد فرائض الله عز وجل من الصلاة والصوم والحج كل ذلك على واجبه وحقه.
ومر بطاعة الله عز وجل، واحبب عليه، وانه عن معاصي الله عز وجل وابغض عليها لقول رسول الله صلى الله عليه وسلم: "مروا بالمعروف وانهوا عن المنكر، فإنما هلك من كان قبلكم بركوبهم المعاصي ولم ينههم الربانيون والأحبار، فمروا بالمعروف وانهوا عن المنكر قبل أن ينزل بكم ما نزل بهم".
والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر لا يقدم أجلا ويقطع رزقا.
الجزء: 24 - الصفحة: 240
وأحسن إلى من خولك الله، واشكر الله بتفضيله إياك عليهم لقوله صلى الله عليه وسلم: "من كان عنده خول فليحسن إليهم، ومن كره فليستبدل، ولا تعذبوا خلق الله عز وجل".
والزم أدب من وليت أمره، ولا تقنط الناس من رحمة الله تعالى، واخفض لهم جناحك، وألن لهم كنفك وكلامك.
وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم: "ألا أحدثكم بوصية نوح ابنه، قال: آمرك باثنين وأنهاك عن اثنين، آمرك بشهادة أن لا إله إلا الله؛ فإنها لو كانت في كفة والسماوات في كفة وزنتهما، وآمرك أن تقول: سبحان الله وبحمده؛ فإنها عبادة الخلق، وبها تكثر أرزاقهم فإنهما يكثران لمن قالهما الولوج على الله عز وجل، وأنهاك عن الشرك بالله والكبر؛ فإن الله عز وجل يحتجب منهما.
الجزء: 24 - الصفحة: 241
فقال له بعض أصحابه: يا رسول الله أمن الكبر أن تكون لي الدابة النجيبة أو يكون لي الثوب الحسن أو يكون لي الطعام الطيب يكون عليه الشبع، قال: "لا".
قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "إن الكبر أن تسفه الحق وتغمص الخلق".
إياك والكبر والزهو فإن الله لا يحبهما، وقد بلغني عن بعض العلماء أنه قال: يحشر الجبارون والمتكبرون يوم القيامة في صور الذر يطأهم الناس لتكبرهم على الله سبحانه.
ولا تصاعر خدك للناس لقول النبي عليه السلام: "إن الله يحب كل لين سهل طلق".
لا تأمن على شيء من أمرك من لا يخاف الله عز وجل، وقد قال عمر بن الخطاب رضي الله عنه: شاور في أمرك من يخاف الله عز وجل.
الجزء: 24 - الصفحة: 242
احذر بطانة السوء وأهل الردى على نفسك؛ لقوله صلى الله عليه وسلم: "من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليقل خيرا أو ليصمت"،وقال ابن مسعود رضي الله عنه: اتقوا فضول الكلام.
أكرم واصلك وكافئه بمودته، ولا تأمر بحسن إلا بدأت به، ولا تنه عن قبيح إلا بدأت بتركه.
إياك والغضب في غير الله عز وجل فإنه يسوء الله عز وجل.
دع ما لا يعنيك؛ لقوله صلى الله عليه وسلم: "من حسن إسلام المرء تركه ما لا يعنيه".
صل من قطعك، واعف عمن ظلمك، وأعط من حرمك فقد قال الرسول صلى الله عليه وسلم: "إنها أفضل أخلاق الدنيا".
ولا تكثر الضحك؛ لأن ضحك رسول الله صلى الله عليه وسلم كان تبسما.
الجزء: 24 - الصفحة: 243
لا تمزح بكذب؛ فإنه كان صلى الله عليه وسلم يمزح ولا يقول إلا حقا.
اترك من الأعمال ما لا يحل لك أن تفعله في العلانية، واتق كل شيء تخاف فيه التهمة في دينك ودنياك.
أقل طلب الحوائج إلى الناس؛ لقوله صلى الله عليه وسلم: "لا تسأل الناس".
أحسن خلقك مع أهلك، ومن اعتداك فإن في ذلك رضى لربك ومحبة في أهلك، ونموا في مالك، ومنسأة في أجلك، وقد قال عليه السلام: "إن الله يحب الطليق الوجه، ويكره العبوس"، أحسن البشر بالناس عامة.
اتق شتم الناس واغتيابهم؛ لقوله تعالى: ﴿أَيُحِبُّ أَحَدُكُمْ أَنْ يَاكُلَ لَحْمَ أَخِيهِ مَيْتًا﴾ الآية، وقال الرسول عليه السلام: "لا تشتم الناس".
لا تجالس أهل الردى، ولا تحادث أهل السفه فقد قال ابن مسعود رضي الله عنه: اعتبر
الجزء: 24 - الصفحة: 244
الناس بإخوانهم دائما.
أكرم اليتيم واعطف عليه؛ لقوله عليه السلام: "من كفل يتيما له أو لغيره كنت أنا وهر في الجنة كهاتين" وأشار بإصبعيه فضمهما.
خذ على يدي الظالم وامنعه من ظلمه؛ لقوله صلى الله عليه وسلم: "من مشى مع مظلوم حتى يثبت له حقه ثبت الله عز وجل قدميه يوم تزل الأقدام"، ولا تشد عضد الظالم؛ لقوله عليه السلام: "من مشى مع ظالم يعينه على ظلمه أزل الله عز وجل قدميه يوم تزل الأقدام".
اتق اتباع الهوى، فقد قال علي بن أبي طالب رضي الله عنه: أخاف عليكم اثنين: اتباع الهوى؛ فإنه يصد عن الحق، وطول الأمل؛ فإنه ينسي الآخرة.
أنصف الناس من نفسك، ولا تستطل عليهم؛ لقوله صلى الله عليه وسلم: "أشد الأعمال ثلاثة:
الجزء: 24 - الصفحة: 245
ذكر الله عز وجل على كل حال، ومواساة الناس في المال، وإنصاف الناس من نفسك".
اقبل عذر من اعتذر إليك، ورجع عما كرهت؛ لقوله صلى الله عليه وسلم: "من اعتذر إليه أخوه المسلم فلم يقبل منه كان عليه مثل وزر صاحب مكس" يعني العشار.
لتكن يدك العليا على يد من خالطته؛ لقوله صلى الله عليه وسلم: "ما تحاب رجلان في الله إلا كان أفضلهما أشدهما حبا لصاحبه".
صل ذا رحمك وإن قطعك، ولا تكافئه بسوء فعله؛ لقوله عليه السلام: "إن أساؤا فأحسن، فإنه لا يزال لك عليهم من الله عز وجل يداً ظاهرة".
الجزء: 24 - الصفحة: 246
ارحم المسكين والمكروب والمضطرب والغريب والمحتاج، وأعنه على ما استطعت من أمره؛ لقوله صلى الله عليه وسلم: "كل معروف صدقة"، ولقوله: "لا تزهد في المعروف ولو أن تصب من دلوك في إناء المستقي"، وقال عليه السلام: "رد عنك مذمة السائل ولو بمثل رأس الطائر من الطعام".
إياك وسوء الخلق؛ فإنه يدعو إلى معاصي الله عز وجل؛ وقد قال الرسول عليه السلام: "إن خياركم أحسنكم أخلاقا".
تواضع إذا خلوت فإنه روي أن ملكا أتى إلى النبي صلى الله عليه وسلم وقال له: إن ربك يقول لك: إن شئت جعلتك نبيا ملكا أو نبيا عبدا، فأشار عليه جبريل عليه السلام أن تواضع، فما أكل رسول الله صلى اله عليه وسلم متكئا حتى مات.
احذر البغي فإن عقوبته شديدة، لقوله صلى الله عليه وسلم: "لا يرحم الله من لا يرحم الناس".
الجزء: 24 - الصفحة: 247
لا تظلم الناس فيزيلهم الله منك، وقد قال بعض الصحابة: ما ظلمت أحدا أشد على من ظلم من لا يستعين إلا بالله عز وجل، وقد قال صلى الله عليه وسلم: "ثلاثة لا ترد دعوتهم: الإمام العادل، والصائم حتى يفطر، ودعوة المظلوم فإنها تظهر فوق الغمام، فيقول لها الجبار تبارك وتعالى: وعزتي وجلالي لأنصرنك ولو بعد حين".
أحبب أهل طاعة الله يحبك الله عز وجل ويحببك إلى خلقه، قال الله عز وجل: ﴿قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ﴾.
وقد قال بعض العلماء: ما أسر عبد سريرة إلا ألبسه الله رداءها إن كانت خيرا فخيرا، وإن كانت شرا فشرا.
لتكون عليك السكينة والوقار في منطقك ومجلسك ومركبك؛ لقوله صلى الله عليه وسلم: "عليكم بالسكينة".
الجزء: 24 - الصفحة: 248
عليك بالحلم والإغضاء عما كرهت؛ فقد قال صلى الله عليه وسلم: "إن الله يحب الحليم المتعفف، ويبغض البذيء المتفحش".
ادفع السيئة بالتي هي أحسن؛ لقوله عليه السلام: "اتق العقوق وقطيعة الرحم، فإن في ذلك شينا في الدنيا وتباعة في الآخرة"، وقد قال عليه السلام: "إن الرحم اشتكت إلى ربها من يقطعها، فرد عليها: أما ترضين أن أصل من وصلك، وأقطع من قطعك"، وقال صلى الله عليه وسلم: "من سره أن ينسأ في أجله، ويزداد في رزقه فليتق الله ربه وليصل رحمه".
وإذا غضبت في شيء من أمور الدنيا فاذكر ثواب الله عز وجل على كظم الغيظ؛ لقوله تعالى: {وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ وَاللَّهُ يُحِبُّ
الجزء: 24 - الصفحة: 249
الْمُحْسِنِينَ}، وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "ما امتلأ رجل غيظا فكظمه إلا ملأه الله عز وجل رضوانا يوم القيامة".
وإذا وعدت موعدا من طاعة الله عز وجل فلا تخلفه، وإذا قلت قولا فيه طاعة الله عز وجل فأوف به ودم عليه؛ لقوله صلى الله عليه وسلم: "من تكفل لي بست تكفلت له بالجنة: إذا حدث لم يكذب وإذا وعد لم يخلف وإذا اؤتمن لم يخن وغض بصره وحفظ فرجه وكف يده".
اشكر الناس بما أتوا إليك من معروف وخير وكافئهم إن قدرت على ذلك؛ لقوله عليه السلام: "من لم يشكر الناس لم يشكر الله تعالى".
إذا ركبت دابتك فسم الله عز وجل، فإذا استويت راكبا فقل: الحمد لله الذي سخر لنا هذا وما كنا له مقرنين، وإنا إلى ربنا لمنقلبون، رب إني ظلمت نفسي
الجزء: 24 - الصفحة: 250
فاغفر لي فإنه لا يغفر الذنوب إلا أنت، وكذلك كان صلى الله عليه وسلم يفعل.
اذكر اسم الله عز وجل إذا أكلت أو شربت؛ فإنه يحول بينك وبين الجن أن يأكلوا معك أو يشربوا معك، قاله ابن مسعود رضي الله عنه.
وإذا فرغت فقل: الحمد لله الذي أطعمنا وسقانا وجعلنا مسلمين، وقد روي ذلك عن النبي صلى الله عليه وسلم.
وكل بيمينك، وكل مما يليك، ولا تأكل بشمالك؛ فقد قال صلى الله عليه وسلم: "إنها أكلة الشيطان".
وليكن سفرك يوم الخميس؛ لأنه استحبه رسول الله عليه السلام، وإذا
الجزء: 24 - الصفحة: 251
سافرت فقل: اللهم إني أعوذ بك من وعثاء السفر وكآبة المنقلب، وسوء المنظر في الأهل والمال، وأعوذ بك من الجور بعد الكور؛ فذلك فعل رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا سافر.
وإذا ودعت مسافرا فقل: زودك الله التقوى ويسر لك الخير حيث ما كنت، استودع الله عز وجل دينك وأمانتك وخواتم عملك، وكذلك كان يفعل صلى الله عليه وسلم.
وإذا أصابك كرب فقل: يا حي يا قيوم برحمتك أستغيث، وكذلك كان يفعل صلى الله عليه وسلم إذا أصابه كرب، وفي حديث آخر: أنه صلى الله عليه وسلم قال: "إذا صابك كرب فقل: الله الله ربي لا أشرك به شيئا، الله الله ربي لا أشرك به شيئا، الله الله ربي لا أشرك به شيئا"، وفي حديث آخر: "فليكن مفزعك إلى الله عز وجل" فمن فعل ذلك فرج الله عز وجل كربه.
الجزء: 24 - الصفحة: 252
واحترس ممن يتقرب إليك بالنميمة وتبليغ الكلام عن الناس للناس؛ لقوله عليه السلام: "ملعون من يلعن أباه، ملعون من يلعن أمه، ملعون من غير تخوم الأرض، ملعون كل صغار"، والصغار: النمام.
اصبر على ما أصابك من مصائب الدنيا وفجائعها؛ لقوله صلى الله عليه وسلم: "إن الصبر من الإيمان بمنزلة الرأس من الجسد".
وقد قال الله عز وجل: ﴿إِنَّمَا يُوَفَّى الصَّابِرُونَ أَجْرَهُمْ بِغَيْرِ حِسَابٍ﴾.
ولا تمار أحدا وإن كنت محقا؛ لقوله تعالى: ﴿وَلَا جِدَالَ فِي الْحَجِّ﴾، والجدال: المراء.
إذا هممت بأمر من أمور الدنيا فتفكر في عاقبته، فإن كنت ترجو ثواب الله عز وجل فامضه.
الجزء: 24 - الصفحة: 253
إياك والتجرد خاليا، وينبغي أن تستحي من الله عز وجل وملائكته وقد قال عليه السلام: "إذا لم تستحي فاصنع ما شئت".
إياك أن تدخل الحمام أو الماء إلا بمئزر، وقال: لا يحل لمسلم أن يدخل الحمام إلا بمئزر، واغضض بصرك عن غيرك.
افش السلام واحذر ألا يسبقك إليه أحد فتفضل الناس بذلك؛ فقد قال عليه السلام: "السلام اسم من أسماء الله عز وجل فأفشوه بينكم، فإن المسلم إذا سلم كتب له عشر حسنات".
أدب أهلك وخولك على أدبك وخلقك حتى يكونوا لك أعوانا على طاعة الله عز وجل.
وإذا استشرت فإن شئت سكت وإن شئت تكلمت واجتهدت رأيك؛ وقاله النبي صلى الله عليه وسلم: "لا تفش لأحد سرا فإنه أمانة استودعتها".
الجزء: 24 - الصفحة: 254
وقد قال عليه السلام: "حق المسلم على المسلم إذا دعاه أن يجيبه وإذا مرض أن يعوده، وإذا مات أن يشهد جنازته، وإذا لقيه أن يسلم عليه، وإذا عطس أن يشمته، وإذا استنصحه أن ينصحه".
إذا علمت علما فلير عليك أثره وسمته وسكينته ووقاره وحلمه؛ لقوله صلى الله عليه وسلم: "العلماء ورثة الأنبياء".
اردد جواب الكتاب إذا كتب إليك فإنما هو كرد السلام، وقاله ابن عباس رضي الله عنه.
الزم الحياء فإنه خلق الإسلام، فقد قال صلى الله عليه وسلم: "كل دين له خلق وخلق الإسلام الحياء".
إن حضرت أمرا ليس بطاعة الله تعالى ولا تقدر أن تنهى عنه فتنح عنهم؛
الجزء: 24 - الصفحة: 255
لقوله عليه السلام: "لا تمنعن أحدكم مخافة الناس أن يقول الحق إذا شهده وعلمه".
الزم السواك؛ لقوله صلى الله عليه وسلم: "السواك والنكاح من سنن المرسلين".
افش الصدقة؛ فإنها تدفع ميتة السوء، وليكن ذلك طيبا، فإن الله لا يقبل إلا طيبا، وقد قال عليه السلام: "أما أحدكم لا يتصدق بالثمرة إذا كانت من طيب، ولا يقبل إلا طيبا، فيجعلها الله في يده فيربها له حتى يكون أعظم في يده من الجبل".
ولا تضطجع على بطنك؛ لقول النبي عليه السلام: "إنها ضجعة يبغضها الله".
إذا حضرت السلطان فاحضر بخير واشفع، وإياك والكلام عنده بما لا يرضي الله عز وجل؛ لقوله صلى الله عليه وسلم: "إن الرجل ليتكلم بالكلمة من رضوان الله عز وجل لا يظن أن تبلغ ما بلغت يكتب الله له بها رضوانه إلى يوم القيامة،
الجزء: 24 - الصفحة: 256
وإن الرجل ليتكلم بالكلمة من سخط الله ما يظن أن تبلغ ما بلغت يكتب الله له بها سخطه إلى يوم القيامة".
اخف من صدقتك المتطوع بها ما أردت به وجه الله عز وجل ما استطعت؛ لقوله عليه السلام: "صدقة السر تطفئ غضب الرب".
اتق التزكية منك لنفسك، ولا ترضى بها من أحد يقولها في وجهك؛ لقوله عليه السلام للذي مدح آخر: "ويحك قطعت عنقه، ولو سمعها ما أفلح أبدا"؛ ولأنه صلى الله عليه وسلم أمر أن يحثى التراب في وجوه المداحين.
اكره لكل مسلم ما تكره لنفسك؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم بايع جرير بن عبد الله على السمع والطاعة والنصحة لكل مسلم.
الجزء: 24 - الصفحة: 257
إياك والحسد والشر فإنهما خصلتان تؤذيان صاحبهما في الدنيا والآخرة، وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "لا حسد إلا في اثنين رجل آتاه الله مالا فسلطه على إنفاقه في الحق، ورجل آتاه الله حكمة فهو يعمل بها ويعلمها".
اقتد في أمورك برأي ذوي الأسنان من أهل التقى، فقد قال صلى الله عليه وسلم: "خياركم شبانكم المتشبهون بشيوخكم، وشراركم شيوخكم المتشبهون بشبانكم".
لا تجالس متهما، فإن الوحدة خير من جليس السوء.
عليك بمعالي الأخلاق وكرائمها، واتق رذائلها وما يعيبك منها؛ لقوله صلى الله عليه وسلم: "إن الله يحب معالي الأخلاق ويكره سفسافها".
الجزء: 24 - الصفحة: 258
إذا رأيت من فضل الله عز وجل عليك في دينك ودنياك فأكثر حمد الله عز وجل على ذلك فإنه من الشكر، وقد قال صلى الله عليه وسلم: "ما أنعم الله على عبد نعمة فقال: الحمد لله إلا كان ذلك أعظم من تلك النعمة وإن عظمت".
احذر الغضب فإن اعتراك قائما فاقعد، أو قاعدا فاضطجع؛ لأنه كذلك كان يفعل رسول الله صلى الله عليه وسلم.
لا تطيرن من شيء تراه أو تسمع به، فإن اعتراك شيء من ذلك فقل: اللهم لا طير إلا طيرك ولا يأتي بالحسنات إلا أنت ولا يرفع السيئات إلا أنت ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم، وكذلك كان يفعل عليه السلام.
لا تغير أظافرك بالحناء؛ لأنه ليس من سيماء أهل الفضل، ولا تتطيب بما يظهر لونه؛ لقوله عليه السلام: "طيب الرجال ما بطن لونه وظهرت رائحته، وطيب
الجزء: 24 - الصفحة: 259
النساء ما ظهر لونه وخفيت رائحته".
الزم الزي الحسن والسمت الحسن والهدي الحسن والاقتصاد؛ فإن ابن عباس رضي الله عنه قال: فيهن جزء من خمسة وعشرين جزءا من النبوة.
ولا تدع العمامة والرداء في الأعياد والجمع؛ فإن الله عز وجل أعز الإسلام بالعمائم والألوية.
إذا أخذت مضجعك فقل: اللهم أنت القائم الدائم الذي لا يزول، أنت خلقت كل شيء لا شريك لك علمت بغير تعليم، اغفر لي فإنه لا يغفر الذنوب إلا أنت، وكان علي بن أبي طالب رضي الله عنه يقولهن، فقال النبي عليه السلام: "ألا قلتم كما قال علي".
إذا انصرفت من الصلاة فقل: اللهم إني أسألك الخير كله ما علمت منه وما لم أعلم من خير ما سألك به محمد صلى الله عليه وسلم وعبادك الصالحون، وأعوذ بك من شر ما
الجزء: 24 - الصفحة: 260
استعاذك منه محمد صلى الله عليه وسلم وعبادك الصالحون، ربنا آتنا في الدنيا حسنة وفي الآخرة حسنة، فقد قال ابن مسعود رضي الله عنه: ما دعا نبي مرسل ولا عبد صالح بدعاء إلا وهذا فيه.
من صافحك فلا تنزع يدك من يده حتى يبتدئ نزعها، وكذلك كان يفعل رسول الله صلى الله عليه وسلم.
ومن حدثك فلا تصرف وجهك عنه حتى يكون هو الذي يفعل ذلك.
ومن جلس إليك أو جالسته فلا تقعد بين يديه ولا تجاور ركبتاك ركبتيه؛ فإنه بلغني أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يفعل ذلك.
وإذا خفت من أمير ظلما أو تغطرسا فقل: الله أكبر الله أعز من خلقه
الجزء: 24 - الصفحة: 261
جميعا الله أكبر أعز من كل ما أخاف وأحاذر، أعوذ بالله الممسك السماوات السبع أن تقع على الأرض إلا بإذنه من شر فلان، كن لي جارا من فلان وجنوده من الجن والإنس أن يفرط علي أحد منهم أو أن يطغى، جل جلالك وعز جارك ولا إله غيرك، تقول ذلك ثلاث مرات، فقد بلغني عن ابن عباس رضي الله عنه أنه كان يأمر بذلك.
وإذا نزلت منزلا فقل: أعوذ بكلمات الله التامات من شر ما خلق وذرأ وبرأ، وقال الرسول صلى الله عليه وسلم: "من قال ذلك فقد وقي شر ذلك المنزل".
وإذا فزعت في منامك فقل: أعوذ بكلمات الله التامات من عقابه وغضبه وشر عباده ومن همزات الشياطين وأعوذ بك رب أن يحضرون،
الجزء: 24 - الصفحة: 262
فإنه صلى الله عليه وسلم أمر بذلك.
إذا أصبحت فقل: الحمد لله لا إله إلا أنت وحدك لا شريك لك، لك الملك ولك الحمد وأنت على كل شيء قدير عشر مرات، فإنه بلغني أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "من قالها عشر مرات وكل به ملكان يحرسانه حتى يمسي وكذلك إذا أمسى حتى يصبح".
وفي حديث آخر: "إذا أصبحت فقل: اللهم لا إله إلا أنت وحدك لا شريك لك، لك الملك ولك الحمد وأنت على كل شيء قدير عشر مرات إذا أصبح وعشرا إذا أمسى يوكل الله به ملكان يحرسانه حتى يمسي وحتى يصبح".
وإذا استقبلت الهلال فقل: الله أكبر الله أكبر الحمد لله، اللهم إني أسألك خير هذا الشهر، وأعوذ بك من شر القبر وشر يوم الحشر.
إذا رأيت منكرا في أهلك وخاصتك فقم بالذي يحق عليك؛ لقوله صلى الله عليه وسلم: "انصر أخاك ظالما أو مظلوما"، إن كان مظلوما فخذ بحقه، وإن كان ظالما فخذ له من نفسه".
الجزء: 24 - الصفحة: 263
إذا هممت بطاعة الله تعالى فعاجلها، فإنك لا تأمن من الأحزان، وإذا هممت بمعصية فتأخر عنها لعل الله عز وجل يحدث لك تركها.
لا تستحي إذا دعيت لغير حق أن تقول: لا؛ لقوله صلى الله عليه وسلم: "إن الله لا يستحي من الحق"، وقاله الله عز وجل في سورة الأحزاب.
لا تخلون بامرأة لست منها بمحرم.
ولا تقبلن يدك ولا شيئا من سائر جسدك.
ولا تعانق رجلا ولا تقبله، ولا بأس بمعانقة ذوي الأرحام من الرجال؛ فإن رسول الله صلى الله عليه وسلم ضم جعفر إلى صدره وقبل بين عينيه حين مقدمه من الحبشة.
الجزء: 24 - الصفحة: 264
ولا ترفع صوتك في المسجد، ولا تشهر فيه سلاحا؛ فإن الرسول صلى الله عليه وسلم نهى عن ذلك.
تخلل من الطعام؛ فإن الرسول عليه السلام قال: "ليس على الملك شيء أشد من أن يرى في الرجل طعاما وهو يصلي".
لا ينبغي أن يقول لأحد: صلى الله عليك؛ فإن ابن عباس قال: لا تنبغي الصلاة على أحد إلا على النبي صلى الله عليه وسلم.
ولا تقولن لأحد جعلني الله فداك؛ فإن النبي عليه السلام قال للزبير بن العوام وقد قالها: "ما تركت أعرابيتك، يجعلني الله فداك".
ولا تعاقب أحدا بأكثر من أربعين سوطا؛ لأن الرسول صلى الله عليه وسلم قال: "من بلغ حدا في غير حد فهو من المعتدين".
الجزء: 24 - الصفحة: 265
وإذا أحببت أحدا فأخبره؛ فإن الرسول عليه السلام قال لرجل وأخبره أنه يحب فلانا: "أخبره"، وقد قال صلى الله عليه وسلم: "إذا أحب الرجل أخاه فليخبره بحبه إياه، فإذا أخبره فليقل [أحبك الله] الذي أحببتني له".
الزم الصمت إلا من خير؛ فإن الرسول صلى الله عليه وسلم قال: "لا يستكمل أحد الإيمان حتى يخزن من لسانه".
إذا أشرفت على قرية تريدها فقل: اللهم ارزقنا خيرها واصرف عنا شرها ووباءها؛ فقد بلغني أن الرسول عليه السلام كان يقول ذلك.
لا تشمتن أحدا إذا عطس حتى يحمد الله عز وجل، فإذا حمده فشمته.
وقر الكبير وارحم الصغير؛ فإن الرسول صلى الله عليه وسلم قال: "ليس منا من لم يرحم
الجزء: 24 - الصفحة: 266
صغيرنا ويوقر كبيرنا ويعرف حق عالمنا".
احتجم يوم سبعة عشر وتسعة عشر وأحد وعشرين؛ لأمر النبي صلى الله عليه وسلم بذلك ولا تحتجم يوم الأربعاء ولا يوم السبت؛ فإنه بلغني عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: "من احتجم فيهما فأصابه وخم فلا يلومن إلا نفسه"، وامسح على موضع المحاجم.
وخفف عيادة المريض، وأقل اللبث عنده.
وإذا مررت على المقابر فقل: "السلام على أهل المقابر من المؤمنين والمسلمين؛ وإنا بكم لاحقون، أنتم لنا فرط، ونحن لكم تبع، و [نسأل] الله العافية لنا ولكم من النار".
الجزء: 24 - الصفحة: 267
ولا تنفخ في الطعام ولا الشراب؛ فإنه بلغني أنه صلى الله عليه وسلم نهى عن ذلك.
ولا تمتن بمعروف تفعله؛ فإن الله يبطل أجرك؛ قال الله عز وجل: ﴿لَا تُبْطِلُوا صَدَقَاتِكُمْ بِالْمَنِّ وَالْأَذَى﴾.
من أولاك معروفا تقدر على مكافأته فأثن عليه واذكره؛ فقد بلغني ذلك عن رسول الله صلى الله عليه وسلم.
أطب الطعام وادع إليه؛ فقد بلغني أن رسول الله صلى عليه وسلم قال: "إن في الجنة غرفا يرى ظاهرها من باطنها، وباطنها من ظاهرها" قيل: لمن هي يا رسول الله، قال: "لمن أطعم الطعام وتابع الصيام وأطاب وصلى بالليل والناس نيام".
فطر الصوام وأحضرهم طعامك، وجهز الغزاة، وأعن على الخير؛ فقد بلغني عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: "من فطر صائما أو جهز غازيا أو حاجا أو خلفه في
الجزء: 24 - الصفحة: 268
أهله بخير كان له مثل أجره من غير أن ينقصه شيئا"، وبلغني عنه صلى الله عليه وسلم أنه قال: "الخلق عيال الله فأحب خلقه إليه أحسنهم صنعا إلى عياله".
إذا عملت عملا فأحسنه فإن الله عز وجل يقول: ﴿لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا﴾.
لا تعجل على أحد بلوم ولا تهمة حتى تعلم أمره.
ولا تجامع وأحد يراك أو يسمع حسك؛ فإنه بلغني أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "استحيوا من الله كل الحياء" قيل: وما ذلك يا رسول الله؟ قال: "احفظوا الرأس وما حوى والبطن وما وعى، واذكروا الموت والبلى وذروا زينة الحياة الدنيا".
لا تلعبن بهذه التماثيل ولا بالشطرنج؛ فإنه بلغني أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لعن من لعب بها.
الجزء: 24 - الصفحة: 269
ولا تمضغ العلك وتحل إزارك ولا تحذف؛ فإنه بلغني أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "ست من أخلاق قوم لوط: مضغ العلك والبغي وحل الإزار والبندق والجلاهق والحذف".
الجزء: 24 - الصفحة: 270
[الباب التاسع والعشرون]
باب فيه آداب وفوائد حسان للقضاة والولاة
[فصل 1 - في آداب الولاة والقضاة]
إذا كنت قاضيا أو واليا أو أميرا فلا يكن من شأنك حب المدح والتزكية، وأن يعرف الناس ذلك منك، فيكون ذلك بلية من البلاء يقتحمون عليك منها وغيبة يغتابونك بها ويتضاحكون منها، وأعلم أن قائل المدح كمادح نفسه، والمرء جدير أن يكون حبه المدح هو الذي يحمله على رده، فإن الرد له ممدوح والقائل له مغيب.
لتكن حاجتك في الولاية ثلاث خصال:-
رضاء ربك، ورضاء سلطانك إن كان فوقك سلطان، ورضا صالح من تلي عليه.
ولا عليك أن تلهو عن المال والذكر فسيأتيك منه ما يكفي ويطيب.
اعرف أهل الدين والمروءة في كل كورة وقبيلة وقرية واجعلهم إخوانك وأخدانك وأعوانك وأنصارك وثقاتك وكفاتك، ولا يقذفن في روعك أنك إن استشرت
الجزء: 24 - الصفحة: 271
الرجال ظهرت للناس منك الحاجة إلى رأي غيرك فإنك لست تريد الرأي للعجز وإنما تريده للمنفعة، ولو أنك مع ذلك أردت الذكر لكان أحسن الذكرين لك، وأفضلهما عند أهل العقل أن يقال: لا ينفرد برأيه دون استشارة ذوي الرأي.
وإنك إن التمست رضى الجميع فإنك ملتمس ما لا تدرك، وكيف يتفق الرضا من المختلفين، وما حاجتك إلى رضى من رضاه الجور، وإلى موافقة من موافقته الضلالة والجهالة، فعليك بالتماس رضى الأخيار وذوي العقول؛ فإنك متى فعلت ذلك وضع عنك مؤنة ما سواه.
لا تمكن أهل البلاء الحسن من التذلل عليك ولا تمكن سواهم من الافتراء عليهم والغيب لهم.
لتعرف رعيتك أبوابك التي لا ينال ما عندك من الخير إلا بها، وأبوابك التي لا يخافك خائف إلا من قبلها.
الجزء: 24 - الصفحة: 272
واحرص الحرص كله أن تكون بأمر أعمالك جائرًا، فإن المسيء يعرف من خيرتك به قبل أن تصيبه عقوبتك، والمحسن يستبشر بعلمك قبل أن يناله معروفك، ولتعرفهم فيما يعرفون من أخلاقك أنك لا تعاجل بالثواب ولا بالعقاب، فإن ذلك أدوم لخوف الخائف ورجاء الراجي.
عود نفسك الصبر على من خالفك من رأي أهل النصيحة والتجرع لمرارة قولهم وعدلهم، ولا تسهل سبيل ذلك إلا لأهل الفضل والعقل والمروءة والستر لئلا ينشر من ذلك فيما يجده سفهاء أو يستخف شأنًا.
ولا تتركن مباشرة جسيم أمرك فيعود شأنك صغيرًا، ولا تلزمن نفسك مباشرة الصغير فيعود الكبير ضائعًا.
واعلم أن رأيك لا يتسع لكل شيء ففرغه للمهم، وإن مالك لا يغني الناس كلهم فاخصص به أهل الحق، وإن كرامتك لا تطيق العامة فتوج بها أهل الفضل، وإن ليلك ونهارك لا يستوعبان حاجاتك، فإن رأيت فيهما رأيين ليس إلى
الجزء: 24 - الصفحة: 273
رأيهما سبيل مع حاجة جسدك إلى نصيبه منهما فأحسن قسمتها بين عملك ورعيتك.
واعلم أن ما شغلت من رأيك لغير المهم أضر بك في المهم.
وما صرفت من مالك في الباطل فقدته حين تريد الحق.
وما عدلت من كرامتك إلى أهل النقص أضر بك في العجز عند أهل الفضل.
وما شغلت من ليلك ونهارك في غير الحاجة أردى بك في الحاجة.
ولا تكن نزر الكلام والسلام، ولا تبلغن في إفراط الهشاشة والبشاشة فإن إحداهما من الكبر والأخرى من السخف.
ليس للملك أن يغضب فإن القدرة من وراء حاجته، وليس له أن يكذب؛ لأنه لا يقدر أحد على استكراهه على غير ما يريد، وليس له أن يتحمل لأنه أقل الناس عذرا في خوف الفقر، وليس له أن يكون حقودا؛ لأن خطره قد عظم عن
الجزء: 24 - الصفحة: 274
المجازاة على الناس، ولا يكون حلافا؛ فإن أحق الناس باتقاء الأيمان الملوك، فإنه إنما يحمل الرجل على الأيمان إحدى خصال:-
إما مهانة يجدها في نفسه وحاجة إلى تصديق الناس إياه.
وإما عي في الكلام فهو يجعل الأيمان حشوا ووصلا.
وإما تهمة قد عرفها من الناس فهو ينزل نفسه منزلة من لا يقبل قوله إلا بعد جهد اليمين.
وأحق الناس بالخير لنفسه على العدل في القول والفعل الوالي الذي بعدله يعدل من دونه، والذي متى قال أو فعل كان أمره نافذا.
ليعلم الوالي أن الناس يصفون الولاة بسوء العقد ونسيان الود، فليكابر في نقض قولهم وليبطل من نفسه صفات السوء.
وليفقد فيما يتفقد من أمور رعيته فاقة الإخوان فيعمل على سدها وطغيان السفلة فيقمعهم، وإنما يصول الكريم إذا جاع، واللئيم إذا شبع.
الجزء: 24 - الصفحة: 275
ولا يحسن بالملك أن يحسن من دونه؛ فإنه أقل في ذلك من المسوقة غدرا التي إنما يحسد من فوقها وكل لا عذر له.
ولا يلومن الوالي على الذلة من ليس بمتهم عنده في الحرض على رضاه إلا يوم أدب وتقويم.
ولا يعدلن بالمجتهد في رضاه البصير بما يأتي أحدا، فإنهما إذا اجتمعا في الوزير والصاحب استراح الوالي وكفى حاجته.
لا يلزمن الوالي سوء الظن وليجعل لحسن الظن عنده نصيبا يروح به عن قلبه.
لا يضيفن الوالي التثبت عندما يقول وعندما يعطي وعندما يعمل، فإن الرجوع عن الصمت أحسن من الرجوع عن الكلام والعطية بعد المنع أجمل من المنع بعد الإعطاء، والإقدام على العمل بعد الأناءة فيه أخدم من الإمساك عنه بعد
الجزء: 24 - الصفحة: 276
الإقدام عليه، وكل الناس محتاج إلى التثبت وأحوجهم إليه الملوك الذين ليس لقولهم وفعلهم دافع وليس عليهم محتسب.
وجميع ما يحتاج إليه من أمر الدنيا رأيان:-
رأي يقوم به سلطانه ورأي يزينه في الناس، ورأي التقوية أخطهما بالتبرئة.
[فصل 2 - في آداب مصاحبة السلطان]
وإن ابتليت بصحبة السلطان فعليك المواظبة في غير طول المعاتبة، ولا يحدثن لك الاستئناس غفلة ولا تهاونا.
وإذا جعلك أخا فاجعله سيدا وإن زاد فزده، وإذا نزلت من الوالي منزلة الثقة فاجزل عنه كلام الملق، ولا تكثرن له من الدعاء في كل كلمة؛ فإن ذلك
الجزء: 24 - الصفحة: 277
شبيه بالوحشة إلا إن كلمته على رؤوس الناس فلا تألوا عما عظمته به ووقرته.
وإن ابتليت بصحبة الوالي لا يريد صلاح رعيته فاعلم أنك ابتليت بخصلتين ليس فيهما خيار:-
إما الميل مع الوالي على الرعية فذلك هلاك الدين.
وإما الميل مع الرعية على الوالي فذلك هلاك الدنيا، فلا خيار لك إلا الموت أو الهرب.
واعلم أنه لا ينبغي لك وإن كان الوالي غير مرضي السيرة إذا علقت حبالك بحباله إلا المحافظة عليه حتى تجد إلى الفراق الجميل سبيلا.
ولا يكون طلبك ما قبل الوالي بالمسألة ولا تستبطئه ولو أبطأ، ولكن اطلب ما قبله فالاستحقاق له؛ فإنك إذا استحققته أتاك من غير طلب، وإن لم تستبطئه كان أعجل له.
لا تخبرن الوالي أن لك عليه حقا؛ فإنك تعد عليه ثقلا، وإن استطعت أن تنسى
الجزء: 24 - الصفحة: 278
حقك وبلاءك فافعل، وليكن ما تذكره به من ذلك تجريدك له النصيحة والاجتهاد، ولا يزال ينظر منك في أحد يذكره أو لا.
واعلم أن السلطان إذا انقطع عنه الآخر نسي الأول، وإن أرحامهم مقطوعة وحبالهم مصرومة إلا عمن رضوا عنه.
وإن ذكرت عند السلطان بسوء فلا ترين السلطان ولا غيره منك لذلك اختلاطا، ولا يقعن ذلك في نفسك موقع ما يكربك؛ فإنه إن وقع ذلك منك أدخل عليك أمورا مشتبهة بالريبة بما قال فيك الغائب، فإن اضطرك الأمر إلى الجواب فإياك وجواب الغضب والانتقام، وعليك بجواب الحلم والوقار والحجة ولا تشك أن العلو والعلية للحلم.
لا تعدن شتم الوالي شتما ولا إغلاظه إغلاظا؛ فإن ريح القوة قد يبسط اللسان بالغلظة في غير سخط.
ولا تأمن جانب المسخوط عليه والظنين عند السلطان.
الجزء: 24 - الصفحة: 279
ولا يجمعك وإياه منزل ولا مجلس، ولا تظهر له عذرا، ولا تثني عليه خيرا عند أحد من الناس فإن استيقن الوالي مباعدتك إياه وبان لك ما ترجو من الوالي يئس له فتضع عذره عند الوالي، واعمل في الرضى عنه في رفق ولطف.
ليعلم الوالي أنك لا تستنكف عن شيء من خدمته، ولا تدع في ذلك أن تقدم إليه في حال رضاه وطيب نفسه القول في استعفائه من الأعمال التي يكرهها ذو المروءة والدين من الناس.
إذا أصبت الجاه عند السلطان فلا يحدثن لك ذلك تغيرا ولا تكبرا على أحد من أهله ولا أعوانه ولا الاستغناء عنهم؛ فإنك لا تدري متى تكون أدنى هفوة فتذل لهم، وفي تلون الحال ما فيه.
إذا سأل الوالي غيرك فلا تكن أنت المجيب، فإن استلابك الكلام خفة بك واستخفاف منك بالمسئول والسائل، وما أنت قاتل [إن] قال لك السائل: ما إياك سألت؟ أو قال لك المسئول: دونك فأجب، وإذا لم يقصد السائل بالمسألة رجلا
الجزء: 24 - الصفحة: 280
[صفحةٌ مكررةٌ في أصل الكتاب المطبوع]
الجزء: 24 - الصفحة: 281
واحدًا وعم بالمسألة الجماعة فلا تبادرن بالجواب ولا تواتين الكلام فإن ذلك شين وتكلف وخفة، فإنك إذا سبقت القوم إلى الجواب صاروا لجوابك خصمانا فتعقبوه بالعيب والطعن، وإذا حبست جوابك اعترضت أقاويلهم وتدبرتها ثم هيأت من تفكرك ومحاسن ما سمعت جوابا حسنا مرضيا ثم استدبرت به أقاويلهم حين يصغى إليك بالأسماع ويهدأ عنك الخصوم.
وإذا فاتك الجواب فلا تحزن على فواته؛ فإن صيانة القول خير من سوء صنعه في غير موضعه، وإن كلمة واحدة من الصواب تصيب فرصتها خير من مائة كلمة في غير فرصتها مع أن كلام العجلة والبدار موكل بالزلل وسوء التقدير وإن ظن صاحبه أنه أحكم وأتقن.
إذا كلمك الوالي فأصغ لكلامه ولا تشغل طرفك عنه بنظر إلى غيره، ولا أطرافك بعمل، ولا قلبك بحديث نفس، واحذر هذه الخصلة من نفسك وتعاهدها
الجزء: 24 - الصفحة: 282
جهدك.
وارفق بنظرائك من وزراء السلطان واتخذهم إخوانك لا أعداء ولا تنافسهم في الكلمة يتقربون بها والعمل يؤمرون به؛ فإنما أنت في ذلك أحد رجلين:-
إما أن يكون عندك فضل على ما عند غيرك فيسدوا ذلك ويحتاج إليه ويلتمس منك وأنت مجمل.
وإما ألا يكون عندك فما أنت مصيب من موافقتك إياهم، وليتك لهم أفضل مما أنت مدرك بالمنابذة والمنافسة.
لا تجزبن على مخالفة أصحابك عند الوالي ثقة باعترافهم لك وبمعرفتهم بفضل رأيك، فإنا قد رأينا الناس يعرفون فضل الرجل وينقادون له ويتعلمون منه وهم أخلاؤه، فإذا حضروا السلطان لم يرد أحد منهم أن يقر له، ولا أن يكون له عليهم في الرأي والعلم فضل، واجترؤا عليه بالخلاف والنقض، فإن ناقضتهم صار أحدهم وليس بواحد في كل حين سامعا فقها ولا قاضيا عدلا، وإن ترك مناقضتهم صار مغلوب الرأي مردود القول.
الجزء: 24 - الصفحة: 283
إذا أصبت عند السلطان لطف منزلة لغناء تجده عندك أو هوى يكون منه فيك فلا تطمح كل الطماح ولا تزين لك نفسك المزايلة عن أهل بعثه وسره؛ فإن ذلك سفه.
إياك أن تشكو إلى وزير السلطان ودخلائه ما اطلعت عليه من رأي تكرهه له فإنك لا تريد أن تبغضهم لهواه وتقربهم منه بتزينك ذلك له والميل عليه معه.
واعلم أن الرجل ذا الجاه عند السلطان والخاصة به لا محالة أن يرى من الوالي ما يخالفه من الرأي في الأمور، وإدناء من لا يجب إدناؤه، وإقصى من لا يجب إقصاؤه، فإذا آثر ما يكره يغير له وجهه ورأيه وكلامه حتى يبدو ذلك للسلطان وغيره فتفسد بذلك منزلته ومروته، واحتمال من خالفك من رأي السلطان أوجب؛ فإنه إنما كان سلطانا لتتبعه في رأيه وأمره، وليس بأن يكلفه اتباعك وتغضب من مخالفته إياك.
لا تكن صحبتك للسلاطين إلا بعد رياضة نفسك على طاعتهم في المكروه عندك، وموافقتهم فيما خالفوك، وتقدير الأمور على أهوائهم، وألا تكتمهم سرك، ولا تستطلعهم ما كتموك، وتخفي ما أطلعوك عليه من الناس كلهم، وعلى الاجتهاد في
الجزء: 24 - الصفحة: 284
رضاهم والتلطف بحاجتهم والتصديق لمقالتهم والتزيين لرأيهم، وقلة الامتعاض مما فعلوا إذا شاؤوا، وترك الانتحال لما فعلوا إذا حسنوا.
وأكثر النشر لمحاسنهم وحسن الستر لمساوئهم، والمقاربة لما قاربوا وإن كان بعيدا، والمباعدة لما باعدوا وإن كان قريبا، والاهتمام بأمورهم وإن لم يهتموا به، والحفظ له وإن ضيعوه، والذكر له وإن نسوه، والتخفيف عنهم من مؤنتك، والاحتمال لهم كل مؤنة.
[فصل 3 - في صحبة الأصدقاء]
ابذل لصديقك دمك ومالك، ولعارفك رفدك ومحضرك، وللعامة بشرك وتحيتك، ولعدوك عدلك، واضنن بدينك وعرضك على كل أحد إلا أن يضطر إلا بدل العرض لوال أو والد، فأما الولد ومن سواه فلا.
إن سمعت من صاحبك رأيا أو كلاما حسنا فانسبه إليه، واعلم أن انتحال ذلك لنفسك مفسدة لصاحبك وعار عليك، فإذا بلغ ذلك بك أن
الجزء: 24 - الصفحة: 285
تشير برأي رجل أو تتكلم بكلامه حيث يسمع فهذا من سوء الأدب الفاشي بين الناس، ومن تمام حسن الخلق والأدب أن تسخو نفسك لأخيك عما انتحل من كلامك ورأيك، وتوفي عليه رأيه وكلامه وتؤيده مع ذلك بما استطعت.
وإياك أن يكون من خلقك أن تبدأ حديثا ثم تقطعه ندامة على ابتدائك به فإن رجوعك عنه سخف وعي.
احذر كلامك وعقلك إلا عند إصابة الموضع فإن أخطأك ذلك أدخلت الهجنة على عقلك وقولك.
ولا يغضبك إذا رأيت صديقك مع عدوك فقد يكفيك شره أو يستر عورتك منه.
الجزء: 24 - الصفحة: 286
تحفظ في كلامك ومجلسك من التطول على الأصحاب، وطب نفسا عن كثير مما يفرض لك فيه صواب القول والرأي إلا بظن أصحابك أنه إنما بك التفضل عليهم.
وإذا أقبل عليك مقبل بوجهه فأنعم الإقبال عليه.
ولا تكثرن ادعاء العلم في كل ما يعرض بينك وبين أصحابك، فإنك في ذلك بين فضيحتين:-
إما أن ينازعونك فيما ادعيت فيحجم منك على الجهالة والصلب، وإما أن تخلوا الأمر في يديك فينكشف منك التضييع والعجز.
واستحي كل الحياء أن تخبر صاحبك أنك عالم وأنه جاهل مصرحا أو معرضا، واعلم أنك إن صبرت ولم تعجل ظهر ذلك منك بالوجه الجميل المعروف عند الناس، ولا يخيفن عليك أن حرص الرجل على إظهار ذلك منه، وقلة وقره في ذلك من البخل، وأن من خير الأعوان على ذلك الكرم والسخاء.
الجزء: 24 - الصفحة: 287
وإن أردت أن تلبس ثوب الجمال بحلية المروءة عند العامة وتسلك الجد الذي لا خيار فيه ولا عثار فكن عالما كجاهل وناطقا كعيي، فأما العلم فيرشدك وأما قلة الكلام فينفي الحسد عنك، وأما المنطق فإنك إذا احتجت إليه فستبلغ حاجتك، وأما الصمت فإنه سيكسبك المحبة والوقار.
إذا رأيت رجلا يحدث حديثا قد علمته ويخبر خبرا قد سمعته فلا تشاركه فيها ولا تفتخر عليه حرصا على أن يعلم الناس أنك علمته؛ فإن في ذلك قلة حزم وسوء أدب وعجب.
ليعرف إخوانك والعامة أنك إلى أن تفعل ما تقول أقرب منك إلى أن تقول ما لا تفعل؛ فإن فضل القول على الفعل عار، وفضل الفعل على القول مكرمة، وأنت حقيق فيما وعدت من نفسك أو أخبرت به صاحبك من منزلة عندك أن
الجزء: 24 - الصفحة: 288
يتحقق بعض ما في نفسك لإعداد بعض الفعل على القول لتسلم بذلك من تقصير إذا كان منك في الفعل، وقل ما تكون إلا مقصرا.
احفظ قول الحكيم الذي قال: لتكن غايتك فيما بينك وبين عدوك العدل، وفيما بينك وبين صديقك الرضى؛ وذلك أن العدو خصم تصرعه بالحجة وتغلبه بالحكمة، وأن الصديق ليس بينك وبينه قاض وإنما هو رضاه وحكمه، فاجعل غاية ما بينك وبين من تواخي ومواصلة من تواصل الصبر، ووطن نفسك على أنه لا سبيل لك إلى قطيعة أخيك، فإن ظهر لك منه ما تكره منه فالبسه؛ فإنه ليس كالمرأة التي تطلقها متى شئت، ولكنه عرضك ومروءتك ومروءة الرجل إخوانه وعرضه أخدانه، فإن علم الناس أنك قطعت رجل من إخوانك وإن كنت معذورا دل ذلك عند كثير منهم منزلة الحناقة للإخاء، وإن أنت مع ذلك صبرت على مضاربته وهو غير راض أدى ذلك إلى العيب والنقيصة، فالإرشاد إلى الارتياد والتلبث والتثبت في حال امرء من ترتاد لإخائك، فإن كان من إخوان
الجزء: 24 - الصفحة: 289
الدين فليكن فقيها ليس بمراء ولا حريص، وإن كان من إخوان الدنيا فليكن حرا ليس بجاهل ولا كذاب ولا شرير، ولا مفسد نافع؛ فإن الجاهل أهل أن يهرب منه أبواه، وإن الكذاب لا يكون إخاؤه صادقا؛ لأن الكذب الذي يجري على لسانه إنما هو من فضول قلبه، وإنما سمي الصديق من الصدق وقد يتهم صدق القلب وإن صدق اللسان، فكيف به إذا أظهر الكذب على اللسان، وإن الشرير يكسبك الأعداء فما حاجتك إلى صداقة تكسبك العداوة، وإن تقربك إليهم يكسبك الصديق السوء، وسوء الأصدقاء أضر من الأعداء، فإنك إن وصلت الصديق السوء أعيتك جرائره وإن قطعته شانك اسم القطيعة.
الجزء: 24 - الصفحة: 290
ولا تعتذرن إلا إلى لمن يحب أن يجد لك عذرا، ولا تستعين إلا بمن يحب أن يظفر لك بحاجتك، ولا تحدثن إلا من يعد حديثك مغنما ما لم يغلبك أضراره.
وإذا غرست من المعروف غرسا أو أنفقت عليه نفقة فلا تضن بالنفقة فيما غرست فتذهب النفقة ضياعا.
إذا اعتذر إليك معتذر فتلقه بوجه مشرق وبشر طلق إلا أن يكون ممن قطيعته غنيمة.
واعلم أن إخوان الصدق خير من مكاسب زينة الدنيا في الرخاء وهم عدة في الشدة ومعونة على حسن المعاش والمعاد، ولا تفرطن في اكتسابهم، واتبع الموصلات والأسباب إليهم.
الجزء: 24 - الصفحة: 291
[فصل 4 - في تهذيب النفس]
احترس من سورة الغضب وسورة المحنة وسورة الجهل، وأعدد لك شيء من ذلك عدة تجاهد بها من الحلم والتفكر وذكر العافية وطلب الفضيلة.
والصبر صبران: صبر الرجل على ما يكره، وصبره على ما يحب، واعلم أن اللئام أصبر أجساما، والكرام أصبر أنفسا وهو المحمود؛ وذلك أن يكون للنفس غلوبا وللمأمور محتملا وفي السراء مجملا ولنفسه عند الرأي والخفاء مرتبطا، وللحزم مؤثرا وللهو تاركا، وللمشقة التي يرجو حسن عاقبتها مستخفا، ولنفسه على مجاهدة الأهواء والشهوات موطنا.
عود نفسك السخاء، واعلم أن السخاء سخاءان: سخاء نفس الرجل بما في يديه، وسخاء نفسه عما في أيدي الناس، وسخاء الرجل بما في يديه أكثرهما، وسخاء النفس عما في أيدي الناس أمحض المكارم وأنزه من الدنس، ومن جمعهما فقد استكمل الجود والكرم.
الجزء: 24 - الصفحة: 292
حبب لنفسك العلم والزمه حتى [تألفه] ويكون هو لهوك ولذتك وسلوتك.
ليكن ما تصرف به العذاب عن نفسك ألا تكون حسودا؛ لأن الحسد خلق لئيم.
فصل [5 - في تهذيب السلوك] وليكن ما تنظر فيه من أمور عدوك أن تعلم أنه لا ينفعك أن تخبر أنه عدوك فتزره نفسك وتؤذنه بحربك قبل الإمكان من الفرصة فتحمله على التسلح وتوقد ناره عليك، واعلم أن من أعظم خطرك أن تري عدوك أنك لا تتخذه عدوا؛ فإن ذلك عدة له وغرة به وسبيلا إلى القدرة عليه، وإن أنت قدرت واستطعت احتقار العداوة وألا تكافئ مشينا لك فقد استكملت عظيم
الجزء: 24 - الصفحة: 293
الخطر، وإن كنت مكافئا بالعداوة والضرر فإياك أن تكافئ عداوة السر بعداوة العلانية، وعداوة الخاصة بعداوة العامة؛ فإن ذلك هو الظلم والعدوان.
واعلم أن ليس كل العداوة والضرر يجب أن يكافأ بمثله كالخيانة والسرقة فلا تكافئ بمثل ذلك.
ومن الحيلة في أمر عدوك أن تصادق وتراضي أعداءه فتدخل بينه وبينهم في سبيل الشقاق والتلاحي والتجافي حتى ينتهي ذلك بهم إلى القطيعة والعداوة، فإنه ليس رجل ذو طرف يمتنع من إخائك إذا التمست ذلك منه، وإن كان إخوان عدوك غير ذي طرف فلا عذر لك.
ولا تتخذن الشتم على عدوك سلاحا؛ فإنه لا يخرج في نفس ولا منزلة، ولا تدع مع السكوت عنه أخطاء معاييه ومعاثره واتباع عوراته حتى لا يخفى عليك من ذلك صغير ولا كبير من غير أن تشنع ذلك فيحذره ويستعد له، وأعون أنصارك على عدوك أن تحصي على نفسك العورات والعيوب كما تحصيها على عدوك، فإذا استحصيتها وكابد عدوك بإصلاح عيوبك وتحصين عوراتك وخذ لنفسك بذلك صباحاً ومساء.
الجزء: 24 - الصفحة: 294
فصل [6 - في آداب شتى]
إن استطعت أن لا تخبر بالشيء إلا وأنت مصدق له ولا يكون تصديقك إلا ببرهان، ولا تقول كما يقول السفهاء: أخبر بما سمعت؛ فإن الكذب أكثر ما أنت سامع.
احذر كثرة الكلام؛ فإن السكوت أزين وأجلب للمروءة وأبقى لك مهابة.
واحذر المراء واعرفه واعلم أن المرائي هو الذي ينبغي أن يتعلم ولا يتعلم منه، فإن زعم أنه إنما يجادل الباطل فإنه وإن بانت حجته فإنه يخاصم إلى غير قاض، فإن استيقن ورجا من خصمه عدلا يقضي به على نفسه أصاب وجه أمره.
واعلم أن فضل الفعل على القول مكرمة، وإن فضل القول على الفعل هجنة.
واعلم أنك إن جاوزت الغاية في العناية صرت إلى التقصير، وإن جاوزتها في سبيل العلم لحقت بالجهال وإن تكلفتها في رضى الناس والخفة معهم في حوائجهم كنت المحسن المضيع.
واعلم أن بعض العطية سرف وبعض البيان غنى وبعض العلم جهل، فإن استطعت أن لا يكون عطاؤك جورا ولا بيانك هدرا، ولا علمك وبالا، فافعل.
الجزء: 24 - الصفحة: 295
ووطن نفسك لم صحبت من الإخوان، وستبلى من أقوام بسفه وخفة فإن عارضتهم وكافيتهم بالسفه فإنك قد رضيت ما أتوا به، فاجتنب ذلك.
لا تلتمس عليه صاحبك والطعن عليه في كلمة ورأي، ولا تفزعه ولا تنكته وإن وضحت حجتك واستبان رأيك فإن ذلك ضعف في العمل ولوم في الأخلاق.
ولا يعجبك إكرام لدين أو مروءة فإن المروءة لا تزايلك في الدنيا والدين لا يزايلك في الآخرة.
واعلم أن الخير منقلبة والحرص محرمة؛ لأن من يقبل مدبرا أكثر ممن يدبر مقبلا، وأن من يطلب إليك بالإجمال والتكرم تسخو نفسك بطلبته له أكثر مما يطلبك بالقوة.
إذا عرض لك أمران ولم تدر أيهما أصوب، فانظر أيهما أقرب إلى هواك فخالفه؛ فإن أكثر الصواب في مخالفة الهوى.
لا تجالس أحدا بغير طريقته.
الجزء: 24 - الصفحة: 296
إياك أن تلقى الجاهل بالعلم والحليم بالسفه، والعيي بالبلاغة، فإن فعلت أضعت علمك وآذيت جليسك.
وإذا عاشرت أحدا فاحذر أن يرى منك العيب لأحد من إخوانه وأخدانه؛ فإن ذلك يأخذ من القلب مأخذا.
وإن لطفك بصاحب صاحبك أحسن عنده موقعا من لطفك به نفسه.
اعلم أنك ستسمع الحديث من جلسائك تمكره وتستخفه من المحدث عن نفسه أو عن غيره فلا يكن منك التسخيف ولا التكذيب في شيء مما يأتي به جليسك.
اتق المزاح عند المحزون؛ فإنه يحقره، وتشكي للمكتئب؛ فإنه يألفه.
اعلم أن اليقضة خوف والمودة أمن فاستكثر من المودة صامتا فإن الصمت يبيدعوها إليك، وناطق بالحسن فإن النطق بالحسن فإن النطق الحسن يزيد في ود الصديق ويسأل سخية الوعد.
الجزء: 24 - الصفحة: 297
اعلم أن خفض الصوت وسكون الريح ومشي القصد من دواعي المودة إذا لم يخالط ذلك زهو ولا عجب، فإن آثرت أن يخالط ذلك شيء من الزهو والعجب كان ذلك من دواعي المقت والمشنآن.
وتعلم حسن الاستماع كما تتعلم حسن الكلام؛ فإن حسن الاستماع إمهال المتكلم حتى ينقضي حديثه، وقلة التفلت إلى الجواب، والإقبال بالوجه والنظر إلى المتكلم والوعي لما يقول.
اعلم أن المستشار ليس بكفيل؛ فإن الرأي ليس بمضمون لي هو كله عذر؛ لأن أمور الدنيا ليس شيء منها يدركه الحازم إلا وقد يدركه العاجز، فإذا أشار عليك صاحبك برأي فلم تجد عاقبته على ما كنت تأمل فلا تجعل ذلك عليه لوما وعذابا، فتقول: أنت فعلت هذا، أو أنت أمرتني ولولاك، فإنه كله عجز ولوم، وإن كنت أنت المشير برأيك فوافق صوابا أو خطأ فلا تمنن له ولا تكثرن ذكره إن كان فيه نجاح، ولا تلمه عليه إن كان استبان في تركه ضرر،
الجزء: 24 - الصفحة: 298
ذكره إن كان فيه نجاح، ولا تلمه عليه إن كان استبان في تركه ضرر، تقول: ألم أقل لك، ألم أفعل؛ فإن هذا مجانب لأدب الحلماء.
واعلم أن من الأخلاق السيئة مغالبة الرجل على كلامه والاعتراض فيه والقطع للحديث، فإذا أخذ في حديث تعرفه فلا تسابقه إليه وتفتحه عليه وتشاركه فيه حتى كأنك تريد أن تفصح للناس أن يعلموا أنك تعلم من ذلك مثل الذي يعلم، وما عليك أن تعنيه وتفرده به.
وهذا الباب من أبواب البخل، وأبوابه كثيرة غامضة.
وإن كنت في قوم ليسوا ببلغاء ولا فصحاء فدع التطاول بالبلاغة والفصاحة.
وإذا تغير عليك شيء من دنياك ودعتك نفسك إلى الزهادة فيها على ما تغير عليك منها فلا يغرنك ذلك من نفسك على تلك الحال؛ فإنها ليست بزهادة
الجزء: 24 - الصفحة: 299
ولكنه ضجر عندما أعجزك منها وغضب منك عليه، فلو مضيت على رفضها أو أمسكت عن طلبها أوشكت أن ترى من نفسك الضجر والجزع أشد مما رأيت من الضجر الأول، ولكن إذا دعتك نفسك إلى رفض الدنيا وهي مقبلة عليك فأسرع إلى إجابتها.
وإني أخبرك عن صاحب لي كان من أعظم الناس في عيني وكان من عظمته في عيني صغر الدنيا في عينه، وكان خارجا من سلطان بطنه لا يشتهي ما لا يجد ولا يكثر ما يجد، وكان خارجا من سلطان فرجه فلا يدعوه إلى موته ولا يسخف له رأيا، وكان خارجا من سلطان الجهالة فلا يقدم أبدا إلا على ثقة بمنفعة، وكان أكثر دهره صامتا، فإذا قال عند القائلين كان متضاعفا مستضعفا، وإذا جد الجد فالليث عاديا، وكان لا يدخل في دعوى ولا يشارك في مراء ولا يدلي بحجة حتى يرى قاضيا منصفا وشهودا عدولا، وكان لا يلوم أحدا على ما قد يكون العذر في مثله موجودا حتى يعلم ما اعتذاره، وكان لا يشكو وجعا إلا لمن يرجو عنده البرء، ولا يصاحب صاحبا إلا من يرجو عنده النصيحة لهما جميعا، وكان لا يتبرم
الجزء: 24 - الصفحة: 300
ولا يتسخط ولا يشتهي ولا يشتكي، ولا ينتقم من الولي، ولا يغفل عن العدو، ولا يخص نفسه دون إخوانه بشيء من اهتمامه وحيلته وقوته.
فعليك بهذه الأخلاق إن استطعت وما أظنك تطيق ذلك، ولكن أخذ القليل من الكثير خير من ترك الجميع.
وبالله التوفيق وهو حسبنا ونعم الوكيل ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم.
كمل كتاب الجامع وهو آخر الديوان بحمد الله وشكره وصلى الله على محمد رسوله وعبده وعلى آله وسلم تسليما وكان تمامه يوم السبت السابع عشر لشهر جمادى الآخرة من عام ثلاثة وأربعين وسبعمائة على يدي ناسخه لنفسه ثم لمن شاء الله من بعده العبد المعترف بذنبه الراجي عفو ربه (.......) وفقه الله والسلام
الجزء: 24 - الصفحة: 301