الجامع لمسائل المدونةكتاب البيوع الفاسدة
أهل الأثرالأرشيف العلمي

الجزء: 12 - الصفحة: 704

[الباب الأول]

جامع البيوع الفاسدة وما يفيتها

[فصل 1 - في بيع الغرر والخطر] ونهى الرسول صلى الله عليه وسلم عن بيع الغرر، وهذا يشتمل على أشياء كثيرة، ومنه نهيه عن بيع حبل الحبلة وهو نتاج ما تنتج الناقة، قال ابن وهب وغيره، وقد قيل إنه البيع إلى نتاج نتاج الناقة كالأجل المجهول، وروي ذلك عن مالك وابن القاسم.
ونهى صلى الله عليه وسلم عن بيع المضامين، قال مالك: وهو ما في بطنها.
وعن الملاقيح قال

الجزء: 12 - الصفحة: 705

مالك قاله ابن المسيب.
وقال ابن حبيب وغيره أن المضامين ما في بطون الإناث.
قال الراجز: ملقوحة في بطن ناب حائل.
قال ابن حبيب: ومن الغرر ما نهي عليه صلى الله عليه وسلم من بيع الحصاة، كان في الجاهلية تكون حصاة بيد البائع فيقول: إذا سقطت وجب البيع بيني وبينك.
ومنه ما نهى عنه من بيع العربان في البيع والكراء وهو أن ينقده دينارًا ويقول

الجزء: 12 - الصفحة: 706

له إن تم العقد فهو من الثمن وإلا كان لك باطلاً، ولا بأس بالعربان من غير هذا الشرط.
ومعنى العربان أول الشيء وعنفوانه.
[قال] ابن المواز: وكره مالك بيع العشرات التي تزداد في الأعطية، ورواه ابن القاسم وأشهب عن مالك.
قال مالك وغيره: فكل بيع دخله غرر أو مجهول من ثمن أو مثمون أو في أجل فلا يجوز.
ولما لم يكن قبض المبتاع في البيع الفاسد على الأمانة كان لما قبض ضامنًا، فكل من جعل له التوا جعل له النماء وأوجب عليه القيمة عدلاً بين النقص والزيادة.
[فصل 2 - الحكم في البيع الفاسد وذكر ما تفوت به السلع] ومن المدونة: قال مالك: ويرد الحرام البين فات أو لم يفت، وإن كان مما كرهه الناس رد إلا أن يفوت فيترك.

الجزء: 12 - الصفحة: 707

قال ابن المواز عن ابن القاسم: مثل من أسلم في حائط بعينه وقد أزهى، ويشترط أخذه ثمرًا فيفوت بالقبض.
قال بن القاسم في كتاب بيع الخيار: وأكره لمن باع ثمر نخلة واستثنى تمر أربع نخلات يختارها، فإن نزل أمضيته لقول مالك فيه.
وقال في الأكرية فيمن اكترى بثوب وشرط حبسه يومين أو ثلاثة لا لتوثق ولا لانتفاع أكرهه، فإن نزل أمضيته.
ومن البيوع ما لا يمضي لشرط فيه أو كذب، فإذا تركه مشترطه جاز، فإذا فات قبل العلم به قضي لطالب الفضل بما هو أفضل من قيمة أو ثمن، وذلك مفسر في موضعه.
فمنه بيع الكذب في المرابحة وبيع سلف، قال ابن المواز: والبيع على أن تتخذ الأمة أم ولد على أن لا يخرجها من البلد [قال] ابن المواز: وهو قول ابن القاسم.
وروى أشهب أنه يفسخ في شرط الاتخاذ والخروج من البلد.
ومنها ما يكون أن يبتدياه فإن وقع جاز البيع وبطل الشرط كالبيع إن لم يأت بالثمن إلى ثلاثة أيام فلا بيع بينهما.
م ومعنى قول مالك يرد الحرام البين فات او لم يفت.
يريد يرد بيعه، فإن كان قائمًا رد عين المبيع، وإن فات ترد قيمته ورجع بثمنه.

الجزء: 12 - الصفحة: 708

قال ابن القاسم: وما فسد من البيع لفساد عقده أو لفساد ثمنه فلا بد من فسخه.
قال ابن عبدوس: فما فسد لثمنه ففات رد إلى قيمته وما فسد لفساد عقده كبيع يوم الجمعة - يريد بعد الأذان يوم الجمعة - وبيع الولد دون أمه ففات، فإنه يمضي بالثمن المسمى كالنكاح الذي فساده في عقده ففيه المسمى، والذي فساده في صداقه ففيه صداق المثل.
م وقوله فيما فسد لعقده إذا فات يمضي بالثمن خلافًا لقول ابن القاسم وأشهب، وذلك أن ابن القاسم يقول في البيع يقع يوم الجمعة في الوقت المنهي عنه إذا فات، ففيه القيمة حين القبض/ وقال أشهب بل فيه القيمة بعد فراغ صلاة الجمعة في وقت يجوز فيه البيع فاعلمه.
قال ابن القاسم: وكل بيع انعقد فاسدًا فضمان السلعة فيه من البائع حتى يقبضها المبتاع، وكل ما كان من حرام بين قفسخ على المبتاع رد السلعة بعينها، فإن فاتت بيده رد القيمة فيما له قيمة، والمثل فيما له مثل من موزون أو مكيل من طعام أو عرض، وجزاف الطعام كالعروض فيه القيمة، والقيمة فيما ذكرناه يوم قبضها لا يوم البيع، ويرد المثل بموضع قبضه.

الجزء: 12 - الصفحة: 709

ومن المدونة: قال مالك: والفوت مختلف.
فالرفيق يفيته العتق والكتابة والتدبير والولادة، قال ابن المواز: والطء فقط.
م حكي عن بعض شيوخنا: وإنما كان وطء الأمة فوتا إذا لا بد فيها من تالمواضعة لاستبرائها فيطول الأمر في ذلك، وطول الزمان يفيت الحيوان، إذ لا تبقى على حاله.
ويفيت الحيوان والثياب ونحوها من العروض النماء والنقص في سوق أو بدن والعيب يحدث، والبيع والهبة والصدقة، ويفيت الدور والأرضين البيع والهبة والصدقة أيضًا والبناء والهدم والغرس.
م قال ابن المواز: ولا يفيتها الزرع فيها، وإن فسخ البيع في إبان الزراعة لم يقلع، وعليه كراء المثل كالزارع لشبهة، وإن فسخ الإبان فلا كراء عليه، وإذا كانت أصولاً فأثمرت عند المبتاع ففسخ البيع وقد طابت الثمرة فهي للمبتاع جدت أو لم تجد وإن لم تطب فهي للبائع وعليه للمبتاع ما أنفق.
وأما الغراس في الأرض ففي العتبية قال أصبغ: إذا اشترى أرضًا بيعًا فاسدًا فغرس حولها شجرًا أحاطت بها وعظمت فيها المؤنة، وبقي أكثرها بياض، فذلك

الجزء: 12 - الصفحة: 710

فوت، وتجب فيها القيمة، وإن كان إنما غرس ناحية منها وبقى جلها رد منها ما بقي وعليه فيما غرس القيمة، وإن كان إنما غرس يسيرًا لا بال له رد جميعًا، وكان للغارس على البائع قيمة غرسه.
[فصل 3 - الدور والأرضون لا يفيتها حواله سوق أو طول زمان] ومن المدونة قال ابن القاسم: ولا يفيت الدور والارضين حوالة الأسواق أو طول زمان.
[قال] ابن المواز: قال أشهب: حوالة الأسواق في الدور فوت، وقاله اصبغ في كتاب ابن حبيب، وقال في كتاب محمد: وطول الزمان مثل عشرين سنة فيها فوت.
م قيل إنما فرق ابن القاسم بين الربع وبين العروض ونحوها في حوالة الأسواق، فلم يجعله في الربع فوت؛ لأن الأغلب في الربع إنما يشتري للقنية لا للتجارة، ةلا سةق له كالسلع والحيوان فلم يكن التأثير في ثمنه فوتًا، وغيره من العروض والحيوان الأغلب فيه إنما يشتري للتجارة وطلب النماء فيها فكان التأثير في أثمانها مفيتًا لها.
م وبلغني أن فضل ابن سلمة روى أن ابن وهب يقول: حوالة الأسواق في كل شيء فوت، كان مما يكال أو يوزن أم لا، ويجب فيه القيمة.
ووجه هذا القول: كأنه رأى أن لا فرق بين عين الثوب إذا حال سوقه وبين مثل المكيل والموزون إذا حال سوقه أو ذهبت عينه، فكما ليس له أن يرجع في عين ثوبه وإنما له قيمته، فكذلك

الجزء: 12 - الصفحة: 711

لا يرجع في عين قمحه إذا حال سوقه؛ لأنه عرض مثمون حال سوقه كالثوب، فوجب أن يرجع بقيمته، فإذا ذهبي عين قمحه كان أحرى أن يرجع بقيمته؛ لأن مثل الشيء ليس هو كعينه على الحقيقة، وكذلك إذا حال سوقه؛ لأنه صار ليس كعين شيئه.
ووجه قول مالك وغيره أنهم لما اتفقوا أن ذهاب عين غير المكيل والموزون في التعدي يوجب قيمته، وذهاب عين المكيل والموزون يوجب مثله، واتفقوا أن حوالة الأسواق في البيع الفاسد في السلع كذهاب أعيانها، وجب أن يكون إذا حال سوق عين المكيل والموزون أن تكون فيه قيمته كذهاب عينه، وأن تكون أيضًا حوالة سوق المكيل/ والموزون كذهاب عينه، وذهاب عينه إنما فيه مثله، فوجب إذا حال سوقه أن يرده بعينه فهو أقرب من رد مثله، وهذا بين وبه أقول.
م وإنما أوجبنا القيمة في حوالة الأسواق بزيادة أو نقصان لأن ذلك عدل بين المتبايعين، فكما لم يكن للبائع أن يأخذها إذا زادت، فكذلك لم يكن للمبتاع أن يردها عليها إذا نقصت، وكما أن هلاكها من المبتاع، فكذلك تكون له زيادتها؛ لأن من عليه التوى له النماء، وهذا أصلهم وبالله التوفيق.
فصل [4 - الحكم في بيع السلعة الفاسدة إذا زال سبب فواتها] ومن المدونة قال ابن القاسم: وإذا تغير سوق السلعة ثم عاد لهيئته فقد وجبت له القيمة - وكذلك أن ولدت الأمة ثم مات الولد - وأما إن باعها ثم رجعت إليه بعيب أو

الجزء: 12 - الصفحة: 712

شراء أو هبه أو ميراث، أو كاتبها ثم عجزت بعد أيام يسيرة، فله الرد إلا أن يتغير سوقها قبل رجوعها إليه، فذلك فوت، وإن عاد لهيئته أو مضى للأمة نحو الشهر فلا بد أن تتغير في بدنها أو سوقها وأشهب يفيتها بعقد البيع والكتابة وإن رجعت إليه بقرب ذلك، كحوالة الآسواق.
م وإنما فرق ابن القاسم بين حوالة الأسواق وبين البيع في رجوعها إليه لأن حوالة الأسواق ليس من فعله ولا صنع له فيها، فلا تهمة تلحقه فيه، والبيع من فعله وسببه فيتم أن يكون أظهر البيع ليفيتها به فيتم له البيع الحرام وهي لم تخرج عن ملكه، كقوله فيمن حلف بحرية عبده إن كلم فلانًا فباعه ثم اشتراه أن اليمين باقية عليه للتهمة في ذلك، لكن أضعف قوله إذا عادت إليه بميراث، فكان ينبغي أن لا يتهم في ذلك.
وذكر أن أبا عمران عاب هذا التفريق وقال: إنما الفرق في ذلك أنه إذا باعها، فإنما منع من نقض البيع اليد الحائلة بين المشتري وبين السلعة، فإذا ارتفع المانع بوجه وجب نقض البيع إذا لم يجر في خلال ذلك مظلمة على أحد المتابعين، بل السلعة كما هي على الحال الأول، وأما إذا حالت الأسواق فقد صارت كأنها غير السلعة للزيادة أو النقصان الحادث فيها، وأما البيع فلم يغيرها عن حالها الأول

الجزء: 12 - الصفحة: 713

فحكم ذلك مفترق.
وذكر عن ابن القابسي أنه قال: إن الأسواق إذا حالت ثم رجعت لم ترجع إلى ذلك السوق بعينه وإنما رجعت إلى سوق مثله، وإذا باعها ثم رجعت إلي فقد عادت على الملك بنفسه.
م وقول أشهب أن حوالة الأسواق والبيع سواء هو أقيس وبالله التوفيق.
وقال بعض شيوخنا القرويين: كان ينبغي على قول أشهب إذا ردت ليه بعيب أن ترد لأن البيع الذي كان قد انتفض وكأنه لم يكن؛ لن الرد بالعيب نقض بيع، ولكنه لما كان لو أقيم عليه حين باع لم يقدر على الرد ولزمته القيمة لم يكن له بعد ذلك سبيل إلى الرد.
قال: ويلزم على قياس قوله لو بعث بها إلى موضع أو سافر هو بها ثم قدم أو مرض العين المشتري ثم صح أو دخله عيب ثم زال أن لا يرد؛ لأنه قد مر به وقت لا يقدر على رده، وأعاب قول ابن القاسم إذا باعه ثم اشتراه أن له رده إذا لم يتغير سوقه.
قال: وكيف ذلك وقد افاته من يده ببيع صحيح، واشتراؤه لا ينقض بيعه؛ لأن عهدته على هذا البائع منه؛ ولأنه لو اشتراه بأقل مما باعه منه ثم رده بالبيع الفاسد لم يكن للبائع منه أن يرجع عليه بتمام ثمنه، وفي مسألة العيب يرجع عليه بتمام

الجزء: 12 - الصفحة: 714

ثمنه لانتقاض البيع أولاً ترى أنهم قالوا فيمن/ اشترى عبدًا بثمن إلى أجل ثم باعه من آخر بثمن نقدًا ثم اشتراه منه ثم فليس المشتري لم يكن البائع الأول أحق به؛ لأن هذه عهدة كان خرج منها بالبيع ثم بالشراء، فإذا لم يجعل البائع الأول أحق به في التفليس، لاختلاف العهدة فينبغي أن لا يرده في البيع الفاسد على البائع منه إذا باعه بيعًا صحيحًا ثم رجع إليه ببيع آخر؛ لأن هذه عهدة غير الأولى.
م وإنما قال ابن القاسم في الهبة للثواب إذا باعها الموهوب قيل أن يثيب عليها ثم رجعت إليه، أن القيمة قد لزمته، وفرق بينها وبين مسألة البيع الفاسد من أجل أن الموهوب له أن يلتزم الهبة بقيمتها وإن لم تفت، فلما بسط يده فيها بالبيع كان ذلك اختيارًا منه للقيمة، والبيع الفاسد هما مغلوبان على فسخه، فإذا رجعت إليه فسخ للتهمة على إجازته إلا يكون قد تراجعا إلى القيمة أو فاتت بشيء من وجوه الفوت فلا ترد وإن رجعت غليه.
قال في كتاب التدليس: ورهن العبد في البيع الفاسد وإجارته فوت إلا أن يقدر على افتكاكه من الراهن لملائه او يقدر على فسخ الإجازة، وقال أشهب: إذا رهنه فقد لزمته القيمة.
قال ابن المواز: ومن اتباع حليًا بيعًا فاسدًا، فإن كان جزافًا فاتته حوالة الأسواق وليرد قيمته، وإن كان على الوزن لم يفيته ذلك ورد مثله.

الجزء: 12 - الصفحة: 715

فصل [5 - فيمن باع دارًا بيعًا حرامًا ثم علم البائع بفساد البيع] ومن العتبية: قال ابن القاسم: فيمن باع دارًا بيعًا حرامًا ثم علم البائع بفساد البيع فيقوم على المشتري ليفسخه قبل فواتها فيفوت المبتاع الدار حينذ بصدقة أو بيع أو يكون عبدًا فيعتقه بعد قيام البائع، فأما الصدقة والبيع فليس بجائز بعد قيام البائع وأما العتق فأراه فوتًا لحرمته.
فصل [6 - في بيع جارية بجاريتين غير موصوفتين وفوات الجارية بعيب ونحوه] ومن المدونة: قال ابن القاسم: ولا يجوز أن يبتاع جارية بجاريتين غير موصوفتين ويرد ذلك، فغن فاتت الجارية عندك بعيب أو نقص سوق لزمتك قيمتها يوم القبض، وليس لبائعها منك أخذها مع ما نقصها، ولا أخذها بغير شيء تأخذه لنقصها، كما ليس لك ردها عليه مع ما نقصها من عيب ولا بعد زيادتها في سوق أو بدون إذا لم يقبلها البائع الأول إلا أن يجتمعا في جميع ما ذكرنا.
قال ابن المواز: وبعد معرفتهما بالقيمة التي لزمت المبتاع بتغيرها.
قال بعض شيوخنا: إنما يصح هذا إذا كانت الجارية وخشا لا تتواضع فأما التي فيها المواضعة فلا يجواز تراضيهما فيها بما وصفنا؛ لأن القيمة دين على المشتري؛ اخذ البائع فيها جارية فيها مواضعة، فهو فسخ الدين في الدين.

الجزء: 12 - الصفحة: 716

[فصل 7 - في فوات الجارية بالولادة وبيع السلعة إلى أجل مجهول] ومن المدونة: ولو ولدت هذه الجارية عند المشتري فذلك فوت، وكذلك قال مالك: إذا ولدت الجارية في البيع الحرام فهو فوت، ثم إن مات الولد فليس له ردها كانت من المرتفعات أو من الوخش؛ لأن القيمة قد وجبت وليس ما ذكرنا من حوالة سوق أو بدن أو ولادة يفيت الرد بالعيب في البيع الصحيح، وإن كان عيبًا مفسدًا ردها وما نقصها ولا شيء عليه في العيب الخفيف ولا يفيت ردها.
والفرق أن بيع الحرام دخل فيه المتبايعان بمعنى واحد فليس للمبتاع رده في النقص كما ليس للبائع أخذه في الزيادة، والعيب في البيع الصحيح سببه من عند البائع خاصة، فالحجة للمبتاع في الرد.
قال مالك: ولا يجوز بيع سلعة بثمن إلى أجل مجهول، فإن نزل لم يكن للبائع تعجيل النقد لإجازة البيع؛ لأنه عقد فاسد وللبائع أخذها أو قيمتها في الفوت.
[قال] محمد: وإذا حال سوق/ السلعة أو تغيرت بيد البائع وهي حيوان أو عرض ثم قبضها المبتاع وفاتت عنده فإنما عليه قيمتها يوم قبضها، وقال أشهب: إلا أن يكون نقد ثمنها ومكن من قبضها فتركها فعليه قيمتها يوم مكن من قبضها أو نقد ثمنها.
وإذا كان في الأمة مواضعة فإنما يلزم المبتاع قيمتها بعد الاستبراء وكذلك تعتبر قيمتها في البيع الصحيح ترد فيه بعيب وقد فاتت بيد المبتاع بعيب مفسد، فإنما

الجزء: 12 - الصفحة: 717

يغرم قيمتها يوم خرجت من الاستبراء، لأنه من يومئذ ضمنها وإن لم يقبضها في البيع الصحيح، وأما في البيع الفاسد فيوم قبضها وبعد خروجها من الاستبراء.
قال بعض القرويين: فإذا وجبت القيمة في البيع الفاسد، فأجرة المقوم في ذلك إن كان لا يقوم إلا بأجرة عليهما جميعًا؛ لأنهما دخل في البيع بمعنى واحد.

الجزء: 12 - الصفحة: 718

[الباب الثاني]

ما يحل ويحرم من بيع التمر والقرط والقصيل واشتراط خلفته

[الفصل 1 - في بيع الثمار قبل بدو صلاحها] ونهى الرسول صلى الله عليه وسلم عن بيع الثمار حتى يبدو صلاحها وحتى تزهي، قيل وما تزهي يا رسول الله، قال (حتى تحمر) وقال: (لايباع الحب في سنبله حتى يبيض).
قال ابن القاسم: وحد ذلك في الحب غناه عن الماء حتى لا ينفعه السقي، وقيل حده: أن يفرك، ولم يأخذ مالك به، وهذا موعب في كتاب السلم.
قال عبد الوهاب: بيع الثمار قبل بدو صلاحها على ثلاثة أوجه: على الجد أو على التبقية أو مطلقًا لا شرط فيه، فأما على الجد فيجوز بإجماع.
وأما على التبقية فلا يجوز بإجماع، وأما مطلقًا فلا يجوز عندنا خلافًا لأبي حنيفة.

الجزء: 12 - الصفحة: 719

ودليلنا: قوله تعالى} وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبَا ﴿[البقرة: 275]، ونهيه صلى الله عليه وسلم عن بيع الثمار قبل بدو صلاحها والعنب حتى يسود والحب حتى يشتد، والنهي يقتضي فساد البيع، قال: وبيع الثمار بعد بدو صلاحها على هذه الثلاثة الأوجه جائز، وقال أبو حنيفة لا يجوز بيعها على التبقية.
ودليلنا قوله تعال﴾ وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبَا {ونهيه صلى الله عليه وسلم عن بيع الثمرة حتى يبدو صلاحها، فأطلق، ولأن بيعها مطلقًا جائز باتفاق، وهو معرض للتبقية.
ودليله قوله صلى الله عليه وسلم (أرأيت أن منع الله الثمرة فبم يأخذ أحدكم مال أخيه) ومنع الثمرة ذهابها بجائحة وذلك إنما يتقى باستدامة تبقيتها.
ومن الواضحة قال ابن حبيب: وثمر النخل يكون سبع درجات، فأوله طلع ثم ينفلح الجف عنه ويبيض فيكون إغريضًا ثم يذهب عنه بياض الإغريض

الجزء: 12 - الصفحة: 720

ويعظم حبه وتعلوه خضرة فيكون بلحًا ثم تعلو الخضرة حمرة وهو الزهو ثم يصير صفرة فيكون بسرًا ثم تعلو الصفرة دكنة ويلين ويستنضج فيكون رطبًا ثم ييبس فيكون تمرًا.
وقوله صلى الله عليه وسلم حتى تزهي وحتى يبدو صلاحها وحتى تنجو من العاهة كله بمعنى واحد، وقول زيد حتى تطلع الثريا؛ لأنها تطلع في نصف مايو وهو وقت تؤمن العاهات على الثمار وتحمر وتصفر.
ومن كتاب ابن المواز: وإذا أزهى في الحائط نخلة أو دالية بيع جميع ذلك ما لم تكن باكورة.
قال مالك: وإذا عجل زهو الحائط جاز بيعه.
وإذا أزهت الحوائط حوله ولم يزه هو جاز بيعه.
[قال] ابن القاسم: وأحب إلي حتى يزهو هو.
[قال] ابن حبيب: وقاله مطرف وهو أحب إلي، والأول القياس؛ لأنه لو ملك ما حواله جاز بيعها بازهاء بعضها إلا أن يتفاحش تباعد بعضها من بعض.

الجزء: 12 - الصفحة: 721

ومن المدونة: قال مالك: ومن اشترى/ تمرًا لم يزه - يريد على أن يجده فجده قبل إزهائه - فالبيع جائز إذا لم يكن شرط تركه إلى إزهائه، وإن اشتراه قبل بدو صلاحه فتركه حتى أرطب أو أتمر فيجده، فليرد قيمة الرطب يوم جده، يريد ولو كان قائمًا لرده بعينه، ولو فات، والإبان قائم وعلم وزنه أو كيله رد مثله.
قال ابن القاسم: ويرد مكيلة التمر إن جده تمرًا - يريد إذا فات ذلك عنده أيضاَ - وإن كان قائمًا رده بعينه.
قال أبو محمد: انظر قد قال ابن المواز في جزاف الطعام إنما عليه قيمته إن حال سوقه، ولم يقل إن عرف المكيلة أدى المكيلة.
م والذي جرى هاهنا إن عرف المكيلة ردها، وأصل بيعه جزاف، فلعله يريد إنما تكون عليه قيمته إذا فاتت عينه ولم يعد كيله، وأما لو علم كيله فليرد مثل المكيلة ولا يكون اختلاف قول، ورد المكيلة أعدل والله أعلم.
قال في غير المدونة: وسواء تركه بهرب أو لدد أو غير ذلك حتى أرطب أو أتمر، فإنه لا يجوز ويفسخ ويرد قيمة الرطب أو مكيلة التمر كما ذكرنا.
م وقيل غير هذا إذا تعمد بتركه أن يحرم ذلك ويلزمه.

الجزء: 12 - الصفحة: 722

فصل [2 - فيمن ابتاع نخلاً وفيها ثمر مأبور من اشترى ثمرًا قبل بدو صلاحه على الجد ثم اشترى الأصل] ومن كتاب ابن المواز: ومن ابتاع نخلاً وفيها ثمر مأبور فله شراء ثمرها بعد ذلك، واختلف فيه قول مالك، وفي شراء مال العبد بعد الصفقة.
قال مالك: ولو اشترى الثمرة أو زرعًا قبل أن يبدو صلاحه على الجد أو القصل، ثم اشترى الأصل أو الأرض بعده، فله أن يقر ذلك، ولو عقد البيع الأول على أن يقره ثم اشترى الأصل فالبيع فاسد - يريد ويثبت شراء الأصل - ثم أن اشترى ذلك قبل طيبه فذلك له، وقال كله ابن القاسم في العتبية وزاد: ولو اشترى الثمرة على الفساد ثم ورث الأصل من البائع فلا بأس أن يقر ذلك.
م ولو كان إنما اشترى الثمرة أو الزرع قبل الإبار على أن يقره ثم اشترى الأصل أو الأرض بعد ذلك قبل الإبار فليفسخ البيع الأول والثاني؛ لأنه يصير كأنه اشترى الأصل، واستثنى البائع الثمرة قبل الإبار ولو لم تفسخ البيعتان حتى أزهت الثمرة وقد قبضها المشتري مع الأصل فالثمرة للمشترى ويكون عليه قيمتها يوم قبض الأصل ويرد الأصل إلى ربه، ولو اشترى الأصل بعد الإبار فليفسخ بيع الثمرة وترجع إلى ربها ويثبت بيع الأصل، ولو لم يفسخ حتى أزهت في شجر المشتري فهي للمشتري ويكون عليه قيمتها يوم اشترى الأصل على الرجاء والخوف، ولو كان إنما اشترى الأصل بعد زهو الثمرة في شجر البائع، فالثمرة للبائع وعليه للمشتري أجر علاجه.

الجزء: 12 - الصفحة: 723

واختلف إن جدها المشتري هل له أجر جداده أم لا؟ [قال] ابن حبيب: إذا اشترى الثمرة أو الزرع قبل بدو صلاحه على القطع ثم اشترى الأرض فأقره فيها ثم استحقت الأرض قبل استحصاده أو بعد، فإنه يفسخ البيع في الثمرة وإن وجدت وفي الزرع وإن حصد، كمن ابتاعه على الجد ثم أخره حتى طاب.
ولو ابتاع الأرض بزرعها في صفقة ثم استحقت الأرض خاصة قبل استحصاده انفسخ فيه البيع، وإن كان بعد استحصاده تم فيه البيع وهو للمبتاع، وكذلك في الثمرة في استحقاق الأصل.
وقد قال ابن الحبيب في الدار المكنزاة فيها شجرة يستثنى المكنزاة ثمرها وهو تبع للكراء ثم تستحق الدار إلا موضع الشجرة، أن الثمرة ترد، طابت أو لم تطب؛ لأنه ضمها إلى غير ملكة.
فهذا من قوله يناقض قوله في الأرض تستحق خاصة بعد طياب الثمرة؛ لأنه قال الثمرة للمبتاع فقد تناقض.
م قال بعض شيوخنا القرويين: إذا اشترى الثمرة قبل بدو صلاحها على/ البقاء، فأبقاها حتى أثمرت فضمانها من البائع ما دامت في رؤوس النخل، وإن كان

الجزء: 12 - الصفحة: 724

البائع قد مكنه من قبضها عند ابن القاسم، وينبغي على مذهب أشهب أن يضمنها المشتري، ولابن القاسم مثله.
قال: وإذا فسخ البيع وردت إلى البائع، كان عليه أجر ما سقى المشتري وعالج، وأجر الجداد إن جد، إذ لا يصل البائع إليها إلا بذلك.
قال: ويمكن أن يجري في ذلك اختلافهم في من اشترى ابقا فجعل فيه جعلاً وفسخ البيع ورد على بائعه، ففي كتاب ابن الوزان أن البائع يغرم الجعل، وفي المستخرجة لا يرغم شيئًا لأن الطلب إنما وقع لنفسه، والجداد والسقي أيضًا إنما فعلهما لنفسه.
م وذكر عن أبي القاسم ابن الكتاب أنه قال: إذا اشتراها على البقاء فجدها المشتري قبل بدو صلاحها فعليه للبائع قيمه الثمرة يوم جده بخلاف من استهلك لرجل زرعًا قبل بدو صلاحه، هذا يغرم قيمته على الرجاء والخوف، والفرق أن مشتري الثمرة ربها هو الذي أطلق يده عليها فكأنه أذن له في ذلك، وأيضًا فغن البيع الفاسد أن يضمن المبتاع ما وضع يده عليه يوم وضعها، ألا ترى أن ضمناها قبل الجداد من البائع حتى يجدها، هذا يضمن بجداده، والمتعدي استهلك ما لم يؤذن له فيه.
وقال بعض القرويين أن عليه قيمتها على الرجاء والخوف؛ لأن البائع إنما باعها على البقاء، فصار المشتري كالمتعدي.
م وأنا أقول إن اشترط عليه البائع البقاء؛ لأن قطعها قبل صلاحها يضر بشجره، فجدها قبل بدو صلاحها أن عليه قيمتها على الرجاء والخوف؛ لأنه متعد

الجزء: 12 - الصفحة: 725

في ذلك، وإن كان المشتري اشترط بقاءها في الشجر لانتفاعه بطيابها، فعليه قيمتها يوم جدها؛ لأن شرط البقاء غنما كان لحاجته، والبائع قد أطلق يده فيها.
فصل [3 - في بيع الأصول بثمرها والأرض بزرعها] ومن كتاب ابن المواز والواضحة قال مالك: إذا أبر أكثر الحائط فالثمرة للبائع وإن أبر أقلها فالثمرة كلها للمبتاع، وإن كان المأبور منتاصفًا أو قريبًا منه، فإن كان المأبور على حدة - قال في الواضحة في نخل دون نخل - فما أبر للبائع وما لم يؤبر فللمبتاع، وإن لم يكن ما أبر على حدته، قال فيس كتاب محمد: لم يجز إلا أن يكون ذلك للمشتري كله.
قال في الواضحة: إذا كان ذلك عامًا في سائر النخل فذلك للبائع.
وفي العتبية قال سحنون عن ابن القاسم: إذا أبر نصفها قيل للبائع أما أن تسلم جميع الثمرة وإلا فسخ البيع، وإن رضي المشتري بالتماسك بما لم يؤبر ورد ما أبر لم يجز.
قال مالك في كتاب محمد: فإذا ألقحت شجر الرمان والعناب والفواكه كذلك فيها كالإبار، واللقاح: أن يثمر الشجر فيسقط منها ما يسقط ويثبت منها ما يثبت، وليس ذلك أن يورد، ولقاح القمح أن يسنبل [ويتحبب] وكذلك في المختصر.

الجزء: 12 - الصفحة: 726

وروى عنه أشهب إذا طلع [الزرع] من الأرض فهو للبائع وهو مذهب المدونة، وسقيه على من يكون له، وأما ما كان حرثًا وبذرًا فللمبتاع.
[فصل 4 - في الصفقة تجمع حلالاً وحرامًا] ومن المدونة: قال ربيعه وغيره وإذا جمعت صفقة حلالاً وحرامًا فسد جميعها.
قال: ومن البيع الحرام ما يدرك فينقض ومنه ما يفوت فلا ينقض إلا بظلم فيترك، قال الله تعالى} وَإِنْ تُبْتُمْ فَلَكُمْ رُءُوسُ أَمْوَالِكُمْ لا تَظْلِمُونَ وَلا تُظْلَمُونَ {. [فصل 5 - في اشتراء القصيل والقرط واشتراط خلفته] قال مالك: واشتراء القصيل والقرط واشتراط خلفته إنما يجوز ذلك إذا بلغ أن يرعى أو يجز للعلف، ولم يكن في ذلك فساد، فيجوز شراؤه واشتراط الخلفة فيه إن كانت مأمونة لا تخلف، أو يشترط منه جزة أو جزتين إذا لم يشترط أن يتركه حتى يصير حبًا.
قال ابن حبيب/ إنما يجوز اشتراط الخلفة في ذلك كله في بلد السقي لا في بلد المطر إذ ليست فيه بمأمونة، وإذا لم يشترط الخلفة، فإنما له الجزة الأولى، فإن

الجزء: 12 - الصفحة: 727

اشترطها فله ما اخلفت وإن كانت خلفة بعد خلفة كالبقول.
ومن المدونة: قال مالك: وإن اشترط ترك القصيل حتى يصير حبًا لم يجز وفسخ البيع، فإن لم يشترط ولكن غلبه الحب في اشتراط الخلفة وقد جز أو رعى رأسه أو ما قل أو أكثر، قوم ما رعى أو جز بقدر تشاح الناس فيه في وقته.
قال سحنون: فيعرف قيمته وقت الصفقة - يريد على أن يقبض في أوقاته - ويقوم ما كان يرجى من خلفته أو باقيها، ولا يقوم الحب ولا ينظر إلى غزر نبات أوله أو آخره, وإنما ينظر إلى قيمة القصيل في أوقاته كان أوله أغرر أو آخره فتجمع قيمة ما جز مع قيمة ما تحبب فإن كان قيمة ما تحبب قدر ثلث ذلك أو نصفه أو أقل أو أكثر، رد من الثمن بقدر ذلك قل الثمن أو كثر.
[قال] ابن المواز: قال ابن القاسم في القصيل يجاح أن اشترى منه جزة واحدة فلا تقويم فيه وإن اشترط خلفته فإنه يقوم مثل ما ذكرنا في المقاثي وشبهها.
يريد ابن القاسم وكذلك ما تحبب من القصيل في تقويمه وحسابه.
قال ابن القاسم: ولو اشترى قصيلاً فاستغلاه فاستقال منه فلم يقله، فقال: لا تركته حتى يصير زرعًا، فليرفعه البائع إلى الإمام حتى يأمره بقصله، فإن تراخى حتاتحبب فلا بيع بينهما.

الجزء: 12 - الصفحة: 728

قال أصبغ: ولو قضى عليه الإمام ثم لم يقصله حتى تحبب أو تحبب وهما في الخصومة، فذلك سواء، وقد انتقض البيع.
م إذا كان لا ينفعه القضاء، فما فائدة رفعه.
م وقد قال مالك في كتاب محمد في قوم اشتروا قلادة من ذهب وفيها لؤلؤ على النقد فلم ينقدوا حتى فصلت وتقاوموا اللؤلؤ وباعوا الذهب، فلما وضعوا أرادوا نقض البيع لتأخير النقد.
قال: لا ينتقض ذلك.
وقاله ابن القاسم؛ لأنه إنما باع على النقد ولم يرض بتأخيرهم.
وقال سحنون جيدة.
فكذلك كان ينبغي في هذه المسألة؛ لأنه باع منه على أن يقصله، فإذا طالبه بقصله وبأن أنهما لم يتعاملا على التأخير، ينتقض البيع، وقد أوعبت الحجة في هذا في كتاب الصرف، فأغنى عن إعادتها.
قال ابن القاسم في كتاب محمد: وما غلبه الحب فيه مما يشترط خلفته، فإنه ينتقض بيع باقيه ويرجع بحصته، كان يتعد من المشتري أو بتوان منه، ويقوم بحسب نفاقه في اختلاف أزمنته، فإن تقارب في ذلك كله - وفي الأكرية واللبن

الجزء: 12 - الصفحة: 729

والجوائح مما لا يرغب فيه لدهر دون دهر بالأمر البين - حمل على أنه متفق كله في المحاسبه.
قال في العتبية: في القصيل يباع فيتحبب - يريد ولم يشترط الخلفة، قال: يعدل بالفدادين ويقلس فإن تحبب منه قدر الثلث أو الثلثين وضع بقدره وليس ذلك بالقيمة وإنما يقدر بالقياس والتحري.
قيل: فإن بعضه أجود من بعض؟ قال: يقدر جودة ذلك من رداءته.
م وقال بعض فقهائنا: إنما يقع التقويم إذا غلب الحب في الخلفة وقد جز الرأس كله، وأما إن غلب الحب في الرأس أو في بعضها فليس في ذلك تقويم؛ لأنه إن غلب في جميعه انتقض البيع ورجع بالثمن كله وإن غلب في نصفه سقط عنه نصف الثمن وفي ثلثه ثلث الثمن.
م يريد لا ما تحبب انفسخ فيه البيع وفي خلفته، ورجع إلى البائع فوجب أن يرجع بحصته قليلاً كان أو كثيرًا بخلاف الجوائح في القليل؛ لأن ما أجيح قد ذهب ولم يحصل للبائع منه شيء، وهذا قد رجع إليه فافترقا.
م وهذا الذي ذكره ظاهره خلاف ما تقدم لابن/ القاسم في العتبية وكتاب محمد والمدونة؛ لأن الذي يظهر من قولهم أنه إذا اشترط الخلفة فتحبب شيء من

الجزء: 12 - الصفحة: 730

الرأس والخلفة فلا بد من التقويم وإن لم يشترط الخلفة لم يكن تقويم كالجوائح في الوجهين.
م والذي أرى إن كانت الخلفة مأمونة تنبت - وإن تحبب الرأس - فلا بد من التقويم تحبب بعض الرأس أو بعض الخلفة وإن كان إذا تحبب شيء من الرأس لم يخلف ما تحبب فلا تقويم فيما تحبب من الرأس؛ لأنه ينفسخ فيه البيع وفي خلفته، وإن تحببت الخلفة فلا بد من التقويم والله أعلم.
فصل [6 - في اشتراء القصيل ونحوه واشتراط تركه إلى أن يبلغ] ومن المدونة: قال ابن القاسم: ومعنى قول مالك إذا لم يكن في ذلك فساد يريد إذا كان قبل أن يبلغ أن يرعى أو يحصد، قال: وإذا خرج القصيل من الأرض ولم يبلغ أن يرعى أو يحصد، لم يجز عند مالك شراؤه، ويشترط تركه حتى يبلغ أن يرعى أو يحصد.
ولا يجوز شراء قصيل أو قرط أو قضب قد بلغ أن يرعى أو يحصد على أن يتركه مبتاعه حتى يتحبب أو يقضب أو يتركه شهرًا إلا أن يبدأ الآن في قصله فيتأخر شهرًا وهو قائم فيه، وأما تأخيره لزيادة نبات فلا يجوز، وليس كتأخير ما يشترى من تموه نخل أو تين بعد طيبه، إذا نمى يريد في الثمرة حلاوة ونضجًا وقد تناهى

الجزء: 12 - الصفحة: 731

عظمها، والقصيل يزيد نشوزًا، ومنه ما يسقى فيشترط سقيه شهريًا أو أكثر وهو كشراء شيء بعينه يقبض إلى أجل والجائحة فيه من البائع، ولو جاز ذلك لجاز شراؤه بقلاً على أن يترك يرعى أو طلعًا، ويترك حتى يصير بلحًا وإنما يجوز ذلك على القلع، وكذلك صوف الغنم لا يجوز اشتراط تركه إلى تناهيه.
وإن ابتاع بقل الزرع على رعيه مكانه جاز، وإن اشترط سقيه إلى أن يصير قصيلاً لم يجز، وكذلك أن اشترى طلع نخل على أن يجدها جاز، ولو اشترط على رب النخل سقيها حتى تصير بلحًا فيجدها لم يجز، ويجوز لمن اشترى أول جزة من القصيل شراء خلفته بعد ذلك، ولا يجوز ذلك لغيره.
م قال بعض أصحابنا: وإنما يجوز شراء الخلفة بعد الرأس إذا كان مشتري الرأس لم يجزه حتى اشترى الخلفة، وأما إن جز الرأس ثم أراد شراء الخلفة فهو وغيره سواء، لا يجوز له ذلك، لأنه غرر منفرد، والأول قد أضاف إلى الأصل فاستخف؛ لأنه في حين البيع تبع.
[فصل 7 - في اشتراء ما تطعم المقثاة شهرًا وبيع النخل بعد زهو أوله وغير ذلك] ومن المدونة قال مالك ولا يجوز أن يشتري ما تطعم المقثاة شهرًا لاختلاف الحمل فيها في كثرة الجد وقلته.

الجزء: 12 - الصفحة: 732

قال أبو محمد: وإذا أزهى أوائل التمر وإن قل ما أزهى منه، جاز بيع 1 ذلك كله لتلاحقه.
ومن الواضحة وغيرها لمالك: وكذلك لو أزهت في الحائط كله نخلاً أو كان جنانًا كله تينًا أو كرمًا إلا أن فيه أجناسًا من ذلك التمر أو من التين أو من العنب، فطاب جنس من ذلك أو بعضه فإنه يجوز بذلك بيع جميع الحائط، وإن كان فيه تين وعنب أو أجناس مختلفة فأزهى بعضها فلا يجوز إلا بيع الجنس الذي أزهى دون ما لم يزه من صنف غيره.
قال ابن المواز: قال مالك: فيمن باع ثلاث مائة شجرة تين قد طابت وفيها خمس شجرات شتوية/ أنه لا خير فيه، وكذلك العنب، زأما زرع قد يبس بعضه، وفيه ما لم يبس مما لا خطب له، فلا بأس به.
قال ابن حبيب: وإنما يجوز بيع القثاة والفقوص إذا بلغ، وذلك حين يؤكل فيوجد له طعم لا عند أول ظهوره، وأما البطيخ فليس كذلك، ولكن إذا نحا ناحية البطيخ بالإصفرار واللين والطياب والخربز والموز كذلك، فحينئذ يجوز بيعه مع بقية بطونه.

الجزء: 12 - الصفحة: 733

قال عبد الوهاب: يجوز بيع المقاثي والمباطخ إذا بد صلاح أولها ون لم يظهر ما بعده، خلافًا لأبي حنيفة والشافعي والدليل لقولنا قوله تعالى} وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ {، ولأن الغرر اليسير إذا دعت الحاجة إليه جاز البيع معه، ولو لم يجز البيع في مسألتنا لجملة المقثاة والمبطخة حتى يظهر جميعًا، لأدى ذلك إلى فساد أولها، ولو أفرد البيع فيما بد صلاحه لأدى ذلك إلى اختلاط ما ظهر بما لم يظهر؛ لأن خروجه متتابع فشق التمييز بينهما فجاز بيعه لهذا، وكذلك الورد والياسمين كالمقاثي وأما الموز فلا بد فيه من ضرب الأجل، أو يشتري بطونًا معلومة وكذلك القرط والقضب.
قال: ويجوز بيع الزرع إذا يبس واستغنى عن الماء خلافًا للشافعي، لنهيه صلى الله عليه وسلم عن بيع السنبل حتى يبيض، وروي عن بيع الزرع حتى يبيض.
قال: ويجوز بيع الجوز واللوز والباقلاء في قشرة الأعلى، وقال أبو حنيفة والشافعي لا يجوز.

الجزء: 12 - الصفحة: 734

دليلنا قوله تعالى} وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبَا} [البقرة:275] ولأنه مأكول في أكمامه من أصل الخلقة، فجاز بيعه كالرمان ولأن الضرورة تؤدي إلى ذلك، وبالناس حاجة إلى بيعه رطبًا وفي نزع قشره فساد له فجاز بيعه كذلك.
قال ابن حبيب: ويجوز بيع الزيتون إذا أسود ونحا ناحية الإسوداد.
قال غيره: وأما ما يطعم بطونًا متوالية فيجوز بيعه بطيب أول بطن منه، وبيع باقي البطون.
فإن قيل: إن الثمرة إنما تزيد منها حلاوة ونضجًا وهذا بطن بعد بطن؟ قيل: ذلك كاتصال خروج لبن الظنر، يحدث كل حين وقد أجاز الله الإجازة على ذلك، والإجازة بيع.
م وكبيع لبن غنم معينة جرافًا شهرًا، وأما بيع البيقر وهو الباكور عندنا بصقليه فلا يجوز بيع البطن الثاني منه بطيب الأول، لانقطاعه منه وتباعد ما بينهما فهو بخلاف المتصل.

الجزء: 12 - الصفحة: 735

[الباب الثالث]

ما يحل ويحرم من شرطين في بيع وهو من بيعتين في بيعه وفي مجهلة الثمن وشرط العتق والتدبير وفي اتخاذ أم ولد

[الفصلٍ 1 - في النهي عن بيعتين في بيعه] ونهى الرسول صلى الله عليه وسلم عن بيعتين في بيعه، قال مالك: وهو أن يشتري الرجل سلعة بدينار أو بشاة أو يشتريها بعشرة دنانير نقدًا أو بخمسة عشر إلى أجل، وقد وجبت للمشتري بأحد الثمنين إلزامًا فلم يجز، لأنه أن أخذها بخمسة عشر إلى أجل، فكأنه فسخ العشرة التي كان له أن يأخذها بها في هذه الخمسة عشر إلى أجل، ,عن أخذها بالعشرة النقد فكأنه دفعها إلى الخمسة عشر إلى أجل؛ لأنه كان له أن يأخذها بذلك.
قال مالك: ولا يجوز على أنها إلى شهر بدينار أو إلى شهرين بدينارين على الإلزام لهما أو لأحدهما.
قال ابن القاسم: وليس للمبتاع تعجيل النقد لأجازة البيع؛ لأنه عقد فاسد، قال مالك: وإن كان على غير إلزام جاز.

الجزء: 12 - الصفحة: 736

قال بعض أصحابنا: وإذا وقع البيع على الإلزام دخله الغرر/ على كل حال والربا في وجه، وذلك إذا كان أحد الثمنين لا يجوز فسخه في الآخر كدينار في اثنين أو في دراهم، فهذا ربا وغرر، وإذا كان بدينار وثوب نحوه فذلك غرر، وكله غير جائز.
فصل [2 - في الجهالة في الثمن أو في السلعة] ولا يجوز شراء السلعة بمائة مثقال من ذهب وفضة لا يسمي كم من هذا وهذا.
لأنه غرر، وكذلك لا يجوز شراء سلعة بمائة دينار وشراء أخرى بخيار صفقة واحدة، وكذلك لا يجوز شراؤها بمائة دينار وتحلة اليمين الا أن يسموا كم تحلة اليمين فيجوز.

الجزء: 12 - الصفحة: 737

فصل [3 - في الرجل يبتاع العبد على أن يعتقه] قال مالك: ومن اشترى عبدًا على تعجيل العتق جاز ذلك، قال ابن القاسم: لأن البائع تعجل الشرط بما وضع من الثمن فلم يقع فيه غرر وإنما الغرر لو كان عتقًا مؤجلاً أو تدبيرًا الخوف أن يموت العبد قبل أن يلحقه ذلك.
م حكي عن بعض فقهاء القيروان أنه قال: لم يذكر في هذه المسألة هل نقد الثمن أو لم ينقده، فإن كان معناه أنه نقد وأنه يعتقه على التراخي إن أراد أن يردوه فينبغي أن لا يجوز هذا البيع؛ لأن النقد يصير تارة سلفًا وإن كان لا ينقده وقد فهم القدر الذي يدبر رأيه فيه وذلك يسير، فالبيع جائز وإن كان معناه أنه يعتقه للوقت وبالقرب فهذا أيضًا جائز.
قال: وفي قولهم ما يدل على خلاف هذا؛ لآنه قال: إن مات بالفور لم يكن للبائع رجوع على المشتري بشيء، فمفهوم هذا أنه على التراخي بالعتق.
قال: وإن دخله عيب فالبائع مخير أن شاء أن يرده ولا شيء له من أجل العيب، وإن شاء أمضاه بالثمن، وإن قام مثل الشهر ونحوه وفات بعيب، فإن للبائع الرجوع بما نقص من جهة العتق وإن طال الزمان مثل السنة وشبهها فلا قيام للبائع على المشتري أن لم يفت، ويعد ذلك منه رضي بطرح الشرط، فهذا الكلام يدل على النقد وعلى التراخي في العتق، وهذا في القياس يوجب فساد البيع إلا أن يتأول متأول أن الأمر وقع على التعجيل ثم تأخر الأمر.

الجزء: 12 - الصفحة: 738

م وعلى هذا كان الأمر عندنا، وعليه يدل الكتاب أن المبتاع اشتراه على تعجيل العتق، ألا ترى احتجاج ابن القاسم، قال: لأن البائع تعجل الشرط بما وضع من الثمن فلم يقع فيه غرر وإنما التراخي وقع من المشتري، أو لا ترى أن أشهب يلزمه تعجيل العتق وهو أول قول مالك، ولا يمكن أن يجب عليه العتق إلا أنه اشترط عليه تعجيله، فعلى هذا محمل المسألة والله أعلم.
قال مالك: فإن أبى أن يعتق فإن كان اشترى على إيجاب العتق لزمه العتق، وإن لم يكن على الإيجاب لم يلزمه.
قال ابن القاسم: ويكون للبائع أن يدع العتق ويسلمه إلى مبتاعه بلا شرط أو يرد البيع ويأخذه ما لم يفت، فإن رد البيع بعد إن فات بغير العتق فله القيمة.
يريد له الأكثر من القيمة أو الثمن.
قال ابن القاسم في كتاب محمد والعتيبة: وحوالة الأسواق فأعلى فيه فوت يوجب له ما نقص من الثمن للشرط.
قال أصبغ في العتيبة: وإذا غرم المبتاع ما نقص من الثمن فلا عتق عليه وليصنع به ما شاء، وذلك في فواته بعيب مفسد أو نقص فاحش أو زيادة بيئة، فأما بحوالة سوق أو ما خف من زيادة البدن أو نقص فالمبتاع مخير، أما أن يعتق ولا شيء للبائع أو يرده إلا أن يترك البائع شرطه أو يكون اشتراه على إيجاب العتق.

الجزء: 12 - الصفحة: 739

قال بعض الفقهاء: والصواب أن حوالة الأسواق لا تفيته لأنه بيع جائز وإنما بقيت حوالة الأسواق البياعات الفاسدة أو المكروهة، ومثل الكذب في المرابحة وشبه ذلك فوت، فأما بياعات الشروط الجائزة فلا، وكذلك قال ابن أبي زمنين أنه لا يفيته إلا العيوب المفسدة، والنقص والزيادة البينة، أما التغير الخفيف وحوالة الأسواق فلا، والمشتري بالخيار أما أن يعتق أو يرد إلا أن يشاء البائع إنفاذه له بالثمن الأول، فيلزمه البيع.
قال: وإن فات بموت فليرجع عليه البائع بما وضع له من الثمن إن وضع له شيئًا، وإن لم يضع له شيئًا أو قارب القيمة فلا شئ له، وهذا إذا فرط المشتري في العتق حتى تطاول، وإن لم يفرط ولم يطل ومات في فور البيع وما يكون في مثله النظر فلا شيء على المشتري للبائع مما نقص بشرط العتق.
وحكى لنا عن بعض شيوخنا القرويين أن أصبغ بقول في المشترط عليه أن يتخذ الأمة أم ولد أن حوالة السواق لا تفيتها.
قال: وفي هذا الكتاب ما يدل على أن ذلك يفيتها وهي مسألة البيع والسلف؛ لأن السلف إذا أسقطه مشترطه تم البيع، كإسقاط شرط الاتخاذ فهي مثلها بقيتها حوالة الأسواق والله أعلم.
وقال أشهب في المدونة: إذا اشتري عبدًا على أن يعتقه فله أخذه بذلك ويلزمه العتق.

الجزء: 12 - الصفحة: 740

قال ابن المواز: كان مالك يقول: إذا اشتراه على أن يعتقه فليعتق عليه ثم رجع فقال: لا يعتق عليه إلا أن يشتريه على الإيجاب، والإيجاب أن يشتريه على أنه حر، فهذا يلزمه العتق ولا خيار له فيه ولا رجوع.
[فصل 4 - في الرجل يبتاع الجارية على أن يعتقها أو يديرها أو يتخذها أم ولد] قال مالك فيه وفي العتيبة: ومن باع أمة على أن يعتقها فحبسها يطأها ويستخدمها ثم أعتقها بعد ذلك فللبائع أن يرجع عليه بما وضع له من الثمن، وكذلك إن حبسها حتى ماتت أو مات، فإن كان ذلك بعلم البائع ورضاه فلا شي له وقد سقط شرط العتق، ولو قام عليه حين علم فله ردها أو تركها بلا شرط.
ومن المدونة: قال ابن القاسم: وأما إن ابتاعها على أن يعتقها إلى أجل أو يدبرها أو يتخذها أم ولد لم يجز للغرر بموت السيد أو الأمة قبل تمام ذلك، ولحدوث دين يرد التدبير، فإن فاتت المشترط فيها أن تتخذ أم ولد بولد أو عتق أو فاتت المشترط فيها التدبير أو العتق المؤجل بذلك أو غيره فللبائع الأكثر من

الجزء: 12 - الصفحة: 741

قيمتها يوم قبضها أو الثمن، ولا حجة للمبتاع إن كانت القيمة أقل ولا يرجع على البائع بشيء؛ لأنه قد رضي أن يأخذها بذلك الثمن، وإنما الحجة هاهنا للبائع.
ومن كتاب ابن المواز: وروى أشهب عن مالك أنه يفسخ في شرط الاتخاذ أو الخروج من البلد.
قال مالك: ومن باع عبده ممن يدبره لم أحب ذلك، فإن نزل مضى ويرد إلى القيمة يوم قبضه إذا باعه على الإيجاب أنه مدبر.
قال أصبغ: ولو كان على أن يدبره فليس بإيجاب، فإن أدرك قبل التدبير فسخ بيعه.
قال ابن المواز: ولو أخذ مالاً من رجل على أن يدبر عبده فدبره فليرد المال وينفذ التدبير، وكذلك ما أخذ على الاتخاذ ثم اتخذ كما يرجع عليه إن لو باعها على ذلك يرجع عليه بما وضع له.

الجزء: 12 - الصفحة: 742

[فصل 5 - في الشروط المقارنة لعقد البيع] ومن المدونة: قال مالك ومن باع عبدًا على أن لا يبيع ولا يهب ولا يتصدق لم يجز - يريد إلا أن يطرح البائع شرطه - قاله في كتاب محمد، قال في المدونة: فإن فات بيدك رددت إلى القيمة - يريد الأكثر من الثمن أو القيمة - وقال عمر في الموطأ للذي ابتاع أمة من زوجته على أنه متى باعها كانت أحق بها بالثمن، (لا تقربها وفيها شرط لأحد).
ومن العتيبة: قال ابن القاسم: فيمن باع أرضه أو جاريته ثم استقال مبتاعه، فقال: أخاف أنك إنما رغبت في ثمن فقال: لا، فقال أنا أقيلك على أنك إن بعتها فهي لي بالثمن الأول، فباعها بأكثر منه، فإن علم أنه إنما طلب الإقالة رغبة في الزيادة فهي للمقيل بالثمن الأول، وإن كان لغير ذلك قال في رواية أخرى: أو طال الزمان فبيعه نافذ، كالذي طلب من زوجته وضيعة من صداقها، فقالت أخاف أن تطلقني بعد، فقال: لا أفعل، فوضعته ثم طلقها، فإن كان بقرب ذلك فلها

الجزء: 12 - الصفحة: 743

الرجوع، وإن كان بعد طول الزمان بما لا يتهم فيه أن يكون خدعها فلا رجوع لها، ونحوه عن ابن كنانه.
قال أبو محمد: وهذا خلاف ما في الموطأ الذي روى مالك عن عمر (لا تقربها وفيها شرط لأحد).
وقال في المختصر فيمن باع داره على أنه متى ما باعها المبتاع فهو أحق بها بالثمن لا خير في ذلك.
قال أبو محمد: والإقالة بيع.
ومن العتيبة: قال عيسى عن ابن القاسم فيمن باع أمة حاملاً واستثنى جنينها، فذلك يفسخ، فإن فاتت بولادة أو حوالة سوق أو بدن ففيها القيمة يوم قبضت على غير استثناء، وإن قبض الجنين مستثتيه رد إلى المبتاع بحدثان ذلك، فإن فات عنده بشيء من الفوت، أو طول زمان ترك وكان له على المبتاع قيمة الأمة على غير استثناء وكان للمبتاع على البائع قيمة الجنين يوم قبضه ثم يتقاومان الجنين والأم أو يباعان من واحد ما لم يثغر الولد، واستثناؤه كاشترائه.

الجزء: 12 - الصفحة: 744

وكذلك من اشترى بعيرًا في شراده أو عبدًا في إباقه فطلبه وقبضه، فإنه يرد ما لم يفت بيده ولا شيء للمبتاع في طلبه إياه، فإن فات ودي قيمته يوم قبضه، قاله كله مالك إلا قبض مستثنى الجنين.
وقال في كتاب ابن المواز يضمن القيمة في الآبق الذي قبضه وفات عنده ويطرح عنه من ذلك ما ودي في جعل من طلبه؛ لأنه لم يضمنه إلا بعد القبض.
قال ابن حبيب في مسألة الأمة: واستثناء الجنين نحو ذلك؛ إلا أنه قال: إلا أن تلد بحدثان البيع ولم تفت بغير ذلك فلا تكون الولادة في هذا خاصة فوتًا، ويفسخ البيع وترد إلا أن تغيرها الولادة في بدنها.
قال محمد بن أبي زمنين: من باع أمة واشترط على مشتريها أن لا يبيعها ولا يهبها أو على أن يتخذها أم ولد أو على أن لا يعزل عنها أو على أن لا يجيزها بحرًا ولا يبيعها ممن يجيزها أو على إن باعها فالبائع أحق بها بالثمن الذي باعها به أو بالثمن الذي يعطي بها، أو على أن لا يبيعها إلا في موضع سماه البائع أو ممن أحبت الجارية وما أشبه هذا من الشروط التي لا يملكها معها المشتري ملكًا تامًا، فكل ذلك مكروه أن يعقد به البيع في الأمة وإن لم يرد مشتريها وطؤها، ولم يكره هذه الشروط في الأمة من أجل وطنها فقط، ولكن لفساد عقد البيع بما كان في جارية أو عبد وغيره من لاحيوان والسلع والعروض والدور وجميع الأشياء، وكل هذا هو مذهب

الجزء: 12 - الصفحة: 745

مالك وطريقة فتياه، فإن وقع البيع على شيء من هذه الشروط، في جاريته أو غيرها، فعثر عليه قبل فواته من يد مبتاعه بما يفوت به البيع الحرام من حوالة سوق فأعلى فالبائع مخير إن شاء نقض البيع أو وضع الشرط وأمضى البيع بغير شرط، فيمضي البيع على ما أحب المبتاع أو كره وإن فات بما ذكرت من وجوه الفوت رد إلى القيمة إلا أن تكون القيمة أقل من الثمن فلا ينقض البائع منه شيء، هكذا قال عبد الملك في جميع هذا وفي بعضه اختلاف.
وقد روى عيسى عن ابن القاسم فيمن باع سلعة على أن المشتري إن باعها فهي للبائع بالثمن الذي يبيعها به أو على أن لا يبيعها إلا من / فلان أنه من البيوع الحرام، يفسخ متى علم به فإن فات فعليه القيمة بالغة ما بلغت.
قال مالك: ولا بأس أن يشترط ألا يبيع ولا يهب حتى يقبض الثمن.
قال محمد: وهذا في مثل الأجل القصير اليوم واليومين استحسان أيضًا، فأما ما طال أو إلى غير أجل فلا خير فيه؛ ولأنها لو كانت أمة لم يطأها قال مالك فيها: إذا كان لا يقدر أن ينهب ولا يبيع فلم يملكها ملكًا تامًا.
قال ابن المواز: قال ابن القاسم: إذا اشترط في جميع السلع أن لا يبيع حتى يقبض الثمن فلا خير في هذا البيع.

الجزء: 12 - الصفحة: 746

وإن باع منه عبدًا بثمن إلى أجل وشرط أنه حر إن لم يقبضه عند الأجل فإنه لا يباع حتى يحل ويقضيه وإلا اعتق عليه، فإن حل وعليه دين محيط بماله رق والبائع أحق به من الغرماء.
قال أبو إسحاق: كيف أجاز هذا البيع بهذا الشرط في عبده وقد صار المشتري غير قادر على بيعه حتى يقضي الثمن وهو يقول من باع عبدًا أو غيره على أن لا يبيعه حتى يقضي الثمن أن البيع فائد إلا أن يكون الثمن حالاً يقضيه إلى اليوم واليومين.
ومن كتاب علي بن زياد: إذا اشترى عبدًا على أن لا يبيع ولا يهب حتى يدفع الثمن للبائع فالبيع جائز وهو بمنزلة الرهن إذا كان الثمن إلى أجل مسمى.
وروى يحي بن يحي عن ابن القاسم فيمن ابتاع عبدًا في مرضه على أن يوصي بعتقه ففعل ثم مات ولم يحمله ثلثه، قال البيع غير جائز وما لحقه من العتق بالوصية فوت، ويرد إلى قيمته يوم البيع ويعتق منه ما حمل الثلث، ويرق ما بقي.
ومن كتاب ابن حبيب.
قال: ومن اشترى جارية على أن يتخذها أم ولد، فإن لم تلد منه فهي مدبرة، فعثر على ذلك بحدثان البيع لم يفسخ بيعها، وإن لم يضع بائعها الشرط؛ لأنها فاتت بالتدبير، ووجب تدبيرها بعقد الشراء، وكأنه ابتاعها على أنها مدبرة إلا أن يأتيها ما هو خير لها وهي الولادة، وللبائع قيمتها، ولا يجوز له وضع الشرط لأنه قد ثبت للجارية وله فضل ما وضع للشرط إن شاءه.

الجزء: 12 - الصفحة: 747

[الباب الرابع]

في بيع الدين بالدين والسلعة بقيمتها أو على حكمها والآبق

والمعادن والإبل والبقر العوادي والبيع إلى الأجل المجهول أو الحصاد وبيع الحيتان في الماء والزيت فبل أن يعصر [الفصل 1 - في من له دين على آخر فهل له أن يأخذ في مقابله سلعة بعينها أو يكتري منه دابة ونحو ذلك] وقد تقدم في كتاب الآجال أن من له دين على رجل فأخذ به منه سلعة بعينها فليقبضها مكانه ولا يؤخره، ولا يأخذ بدينه سلعة بخيار أو أمة تتواضع، أو يكنزي منه دابته أو داره أو يأخذ به منه دارًا غالبة، ولو أخذ بدينه منه طعامًا فكثر كيله حتى غابت الشمس، فله أخذ البقية في غده لأنهما في عمل القبض.
فصل [2 - في الرجل يبتاع السلعة بقيمتها أو على حكمه أو على حكم غيره وفي بيع الآبث والشارد وضمان ما فسد بيعه].
قال مالك: ولا يجوز شراء سلعة بعينها بقيمتها أو على حكمه أو على حكم البائع أو رضاه أو رضاء البائع أو على حكم غيرهما أو رضاه؛ لأنه غرر، ومن الغرر بيع عبد آبق أو جنين في بطن أمه أو بعير شارد، ولو كان الآبق قريب الغيبة ما جاز شراؤه ولا شراء ما ضل أو ند من بعير أو شاة إلا أن يدعي المبتاع معرفته بمكان عرفه

الجزء: 12 - الصفحة: 748

فيه، فيكون كبيع الغائب ويتواضعان الثمن، فإن ألفاه على ما يعرف تم البيع وإن تغير أو تلف كان من البائع وأخذ هذا ثمنه.
يريد وهذا إذا علم أنه عند وجل في حياطته.
وسأل حبيب سحنونًا عن الآبق يجعله الحاكم في السجن ليأتي مولاه فيأخذه، ومولاه ببلد آخر، فباعه مولاه وهو في السجن وهو بذلك عارف؟ قال: لا يجوز بيعه؛ لأن فيه خصومة، إذ لو جاء مولاه وهو في السجن لم يأخذه إلا ببينة، فقد باعه قبل أن يستحقه.
ومن كتاب ابن سحنون كتب شجرة إلى سحنون فيمن اشترى عبدًا، وهو عارف بمكانه أو جاهل به ونقد ثمنه وأعتقه فكتب إليه نقد الثمن غير جائز وينزع

الجزء: 12 - الصفحة: 749

من البائع، وإن ظهر العبد فالعتق فيه جائز، ويرجع إلى القيمة فيه يوم ثبت فيه العتق؛ لأنه كأنه قبضه وفات عنده.
ومن النوادر: وفي كتاب محمد: ولا أحب لرجل أن يشتري بعيرين مهملين في الرعي وقد رآهما المشتري، وذلك أنه لا يدري متى تؤخذان مثل إبل الأعراب المهملة في المهامه.
قال أبو إسحاق: إنما كرهه للغرر؛ لأنه لا يقدر على أخذها فأشبهت الآبث، وإن قدر فلا يقدر إلا بعيب يدخلها لامتناعها ممن يريد أخذها.
قال ابن القاسم: وكذلك المهارات والفلا الصغار بالبراري، وهو كبيع الآبق ومصيبتها من البائع.
ومن المدونة: قال ابن القاسم وضمان ما ذكرنا فساد بيعه من آبق أو شارد أو جنين من البائع حتى يقبضه المبتاع فإذا قبضه رده إن لم يفت.
قال في العتبية: ولا شيء للمبتاع في طلبه إياه.
قال أبو محمد: لم لا يكون في طلبه شيء؟

الجزء: 12 - الصفحة: 750

قال في المدونة: فإن فات بعد أن قبضه بحوالة سوق فأعلى لزمه قيمته يوم قبضه.
قال في كتاب ابن المواز: ويطرح عنه من ذلك ما ودي في جعل طلبه؛ لأنه لم يضمنه إلا بعد القبض.
قال في المدونة: وكذلك الثمرة تباع قبل بدو صلاحها فمصيبتها ما دامت في رؤوس النخل من البائع، فإن جدها المبتاع فليردها بعينها، فإن باعها بعد أن جدها أو أكلها غرم مكيلتها - يريد إذا جدها تمرًا - وقد تقدم هذا.
وفي سماع سحنون قال ابن القاسم في الرجل يشتري الزرع بعد ما طاب ويبس بثمن فاسد، فتصيبه عاهة فيتلف.
قال: ضمانه من مشتريه؛ لأنه قابض له، وإن لم يحصده بخلاف أن لو اشتراه قبل بدو صلاحه على أن يتركه فيصاب بعد ما يبس فمصيبة هذا من بائعه؛ لأنه لم يكن قبض ما اشترى حتى يحصده.
فصل [3 - في بيع غيران المعادن وتراب الذهب والفضة] قال مالك: ولا يجوز بيع غيران المعادن؛ لأن من أقطعت له إذا مات أقطعت لغيره ولم تورث عنه.

الجزء: 12 - الصفحة: 751

وقال أشهب: تورث.
قال: وما ظهر من المعادن في أرض العرب التي أسلم عليها أهلها، أو بأرض المغرب فأمرها إلى الإمام يقطعها لمن رأى.
قال: وكتب عمر بن عبد العزيز بقطع المعادن، زاد في كتاب ابن المواز: أن لا يعمل فيها أحد.
قال ابن القاسم: وذلك رأيي؛ لأنه يجتمع فيها شرار الناس.
قال مالك: ويجوز بيع تراب الذهب بالفضة وتراب الفضة بالذهب.
قال: ومن عمل في المعدن فأدرك نيلاً لم يجز له بيع ذلك النيل؛ لأنه غرر لا يعلم دوامه، ولا ما تحت ما ظهر منه، وله منعه من الناس بخلاف فضل الماء ولم يأت في هذا ما جاء في منع فضل الماء.

الجزء: 12 - الصفحة: 752

قال: ولا يجوز من بيع المعدن ضريبة يوم ولا يومين؛ لأن ذلك خطر.
فصل [4 - في بيع الدواب والمواشي] قال مالك: وإذا كان الدواب والمواشي تعدو في زرع الناس فأرى أن تغرب وتباع في بلد لا زرع فيه إلا أن يحيسها أربابها عن الناس.
قال بعض أصحابنا الفقهاء: وعلى البائع أن يبين أنها تعدوا في زرع الناس؛ لأن مشتريها قد يبيعها في بلد فيه زرع فهو عيب لا بد من بيانه.
قال: وإن باعها في بلاد فيها زرع لم يفسخ / بيعه ولكن إن منعها المشتري من ذلك وإلا بيعت عليه أيضًا.
م لعله يريد إذا بين له أنها تعدوا في زرع الناس بليل أو نهار، وأما إن لم يبين له فهو عيب يردها به إذ قد يكلف بيعها فيخسر فيها.
قال: وإذا عرف أنها تعدوا في زرع الناس وقدم إلى ربها في ذلك، فما أصابت بليل أو نهار ضمنه أربابها إن كان أكثر من قيمة رقابها، بخلاف جنايات العبيد؛

الجزء: 12 - الصفحة: 753

لأن هذه لا تعقل فكأن أربابها هم المفسدون لما أصابت إذ لم يمسكوها، وأما إن لم يقدم إلى أربابها فما أصابت بليل ضمه أربابها لأن عليهم حفظها بالليل، وما أصابت بالنهار فلا ضمان عليهم؛ لأن على أهل الحوائط حفظها بالنهار على ما جاء في الحديث، وذكر ابن سحنون أنه قال: الذي جاء في الحديث إنما ذلك في مثل المدينة؛ لأن حوائطهم محظرة.
وأما السواحل وشبهها فيضمن أربابها ما أفسدت بليل أو نهار.

الجزء: 12 - الصفحة: 754

قال بعض أصحابنا: ولو كانت الزراع كثيرة ممتدة لا يقدر أربابها على حراستها لم يكن على أهل المواشي شيء.
م ولو عكس هذا لكان أولى لأنهم إذا كان الأمر كذلك كان على أربابها أن لا يخرجوها إلا براع يرعاها.
فصل [5 - في البيع إلى الأجل المجهول] قال مالك: ولا يجوز بيع سلعة بثمن إلى أجل مجهول فإن نزل لم يكن للمبتاع تعجيل النقد لإجازة البيع؛ لأنه عقد فاسد، وللبائع أخذها أو قيمتها في الفوت، وقد تقدم هذا.
قال مالك: ولا بأس بالبيع إلى الحصاد أو الجداد أو إلى العصير أو إلى رفع جرون بئر زرنوق؛ لأنه أجل معروف.
م الجرون جمع جرين وهو أندر التمر وبئر زرنوق موضع.
قال مالك: وأما إلى العطاء أو خروج الرزق، فإن كان قائمًا معروفًا وقته فجائز، وكذلك إلى خروج المصدق، وأجاز النبي - صلى الله عليه وسلم - البيع إليه، وأجاز ابن عمر

الجزء: 12 - الصفحة: 755

البيع إلى العطاء، وقال ذلك كله جماعة من الفقهاء والتابعين وغيرهم.
قال ابن القاسم: وإن كان النيروز والمهرجان وفصح النصارى وصومهم والميلاد وقتًا معروفًا فالبيع إليه جائز.
قال مالك: وإذا وقع البيع إلى الحصاد فاختلف الحصاد في ذلك البلد، نظر إلى حصاد عظم البلد الذي تبايعا فيه، ولا ينظر إلى أوله ولا إلى آخره فيحل الحق حينئذٍ، ولا ينظر إلى غيرها من البلدان.
قلت: فإن اختلف الحصاد في ذلك العام؟

الجزء: 12 - الصفحة: 756

قال: إنما أراد مالك إذا حل أجل الحصاد وعظمه، وإن لم يكن لهم حصاد في سنتهم تلك فقد بلغ الأجل محله.
قال: وخروج الحاج أجل معروف إذا تبايعا إليه وهو أبين من الحصاد.
ومن كتاب ابن المواز: ومن باع ثمرة حائطه على أن يوفيه الثمن أو شيئًا سماه إذا جد نصف الحائد أو ثلثه، وباقي الثمن إذا جد آخره لم أحب هذا ولكن يؤخره إلى فراغه أو إلى أجل مسمى، وأجاز ذلك أشهب.
وقال ابن القاسم في العتبية: لا يجوز، كقول مالك فيه وقال مالك: ولا بأس ببيع أهل الأسواق على التقاضي وقد عرفوا قدر ذلك قدر الشهر أو ما عرفوه بينهم - يريد مما جرى بينهم -. قال مالك: وإن تأخر بعد ما عرف من وجه التقاضي أغرم ذلك.
فصل [6 - بيع السمك في البرك والبحيرات ونحوها] ومن المدونة: قال مالك: وإذا كان في أرضك غدير أو بركة أو بحيرة فيها سمك فلا يعجبني بيع ما فيها من السمك، ولا يمنع من يصيد فيها ولا الشرب منها.
قال أبو القاسم ابن الكاتب: إنما قال لا يمنع أربابها الناس منها؛ لأن الأرض ليست لهم، وإنما هم متولون لها، وإنما هي أرض مصر وهي أرض خراج السلطان، وأما لو كانت أرض إنسان وملكه فله منع الناس منها، ولا فرق بين ذلك وبين

الجزء: 12 - الصفحة: 757

جوابه فيما حفر في أرضه، أنه له منع مائه من الناس وله بيعه والله أعلم.
وقال غيره من شيوخنا القرويين: إنما / لم يمنعوا الناس منها إذا كانوا لا يصيدون ذلك، إذ لا يجوز لهم بيعه؛ لأن بيعه غرر فلا يمنعوا الناس منه، كما قال في الكلأ إن احتاج إليه - يريد برعى أو بيع - فله منع الناس منه وإن لم يحتج إليه ولا وجد له ثمنًا، فليخل بين الناس وبينه، فكذلك برك الحيتان.
فصل [7 - في بيع الزرع الذي قد استحصد والزيت قبل عصره] قال مالك: ولا بأس أن يشتري زرعًا قد استحصد كل قفيز بكذا نقدته الثمن أم لا، وإن كان يمكث في حصاده ودراسه وذروه إلى مثل عشرة أيام أو خمسة عشر يومًا فهذا قريب.
وإن قلت لرجل اعصر زيتونك هذا، فقد أخذت منك زيته كل رطل بكذا، فإن كان خروج الزيت عن الناس معروفًا لا يختلف إذا عصر وكان الأمر فيه قريبًا كالزرع جاز وجاز النقد فيه، وإن كان مما يختلف لم يجز إلا أن يكون مخيرًا فيه ولا ينقده، ويكون عصره قريبًا إلى عشرة أيام ونحوها فلا بأس به.
[قال] سحنون: وقال أشهب: بيع الزيت على الكيل إذا عرف وجه الزيت وكيله ونحوه فلا بأس به، وأما بالرطل فإن كان القسط يعرف كم فيه من رطل ولا يختلف فلا بأس به، وإن كان يختلف فلا خير فيه، لأنه لا يدري ما اشترى؛ لأن الكيل فيه معروف، والوزن مجهول.

الجزء: 12 - الصفحة: 758

وقال سحنون: ما أصل الزيت إلا الوزن.
وفي كتاب الجعل: ولا يجوز شراء زيتون أو سمسم بعينه على أن على البائع عصره أو زرعًا قائمًا على أن على البائع حصاده ودراسه، وكأنه ابتاع منه ما يخرج من ذلك كله، وذلك مجهول، وأما قمحًا على أن يطحنه لك فاستخفه مالك بعد ان كرهه لأن خروجه معروف، وأما ثوبًا على أن يخيطه لك، أو نعلين على أن يحذوهما لك فلا بأس به، بخلاف غزل على أن ينسجه لك، وتفسير ذلك في كتاب الجعل.
فصل [8 - في شراء الصبرة على أن فيها عددًا معينًا من الأرادب] وإن ابتعت صبرة على أن فيها مئة إردب بثمن نقدته جاز وكأنك ابتعت مئة من تلك الصبرة، فإن نقصت عنها يسيرًا أو وجدت أكثر من المئة لزمك ما أصبت بحصته من الثمن، ولم يكن لواحد منكما في ذلك خيار، وإن نقصت كثيرًا فأنت مخير في أخذ ما أصبت بحصته من الثمن أو رده، وإن أمرته أن يكيلها لك في غرائرك أو في غرائره، أو أمرته أن يرفعها وفارقته فزعم أنه فعل وأنها ضاعت، فإن صدقته في الكيل أو قامت له بينة، صدق في الضياع، وإن لم تصدقه في الكيل أو قلت له قد كلتها، ولكنك إنما وجدت فيها عشرين أو ثلاثين ولم تقم بينة لم يلزمك شيء ولا ما أقررت به من هذه التسمية لأنك كنت مخيرًا لكثرة النقص في الرضا بما أصبت أو تركه فهلك قبل أن يلزمك.

الجزء: 12 - الصفحة: 759

[الباب الخامس]

في بيع العذرة وزبل الدواب وجلد الميتة وعظامها

وقال الرسول - صلى الله عليه وسلم - (لعن الله اليهود حرمت عليهم الشحوم فباعوها وأكلوا أثمانها)، فدل أن كل ما حرم أكله حرم بيعه، وقال في الخمر (إن الذي حرم شربها حرم بيعها)، وأمر بطرح المانع من السمن تقع فيه الفأرة وأمر بالنقع بجلد الميتة.
قال ابن القاسم: وكره مالك بيع العذرة وهي رجيع الناس ليزيل بها الزرع أو غيره.
قال ابن القاسم في كتاب محمد: ولا بأس بأكل ما زبل به، وبلغني أن ابن / عمر كرهه، ولا أرى بأسًا.

الجزء: 12 - الصفحة: 760

وقال أشهب: أكره بيع وجيع بني آدم إلا لمن اضطر إليه والمبتاع أعذر من البائع.
ومن المدونة: قلت فما قول مالك في زيل الدواب فقال: لم أسمع منه فيه شيئًا إلا أنه عنده نجس، وإنما كره العذرة لأنها نجس، فكذلك الزبل عنده، ولا أرى أنا ببيعه بأسًا.
وقال أشهب: المبتاع في زبل الدواب أعذر من البائع، ولا بأس ببيع خثاء البقر، وبعر الغنم والإبل عند مالك؛ لأنه طاهر.
قال مالك: ولا يجوز بيع ميتة ولا جلدها وإن دبغ، ولا يؤاجر به على طرحها؛ لأن ذلك بيع، ولا بأس أن يؤاجر به على طرحها؛ لأن ذلك بيع، ولا بأس أن يؤاجر على طرحها بالذهب والورق.
ومن العتبية: قال عيسى عن ابن القاسم ومن باع جلود ميتة مدبوغة وابتاع بالثمن غنمًا فنمت ثم تاب فليتصدق بثمن الجلود لا بالغنم.
قال عيسى: يرد الثمن إلى من ابتاع منه الجلود أو إلى ورثته، فإن لم يجدهم تصدق بذلك، فإن جاء الرجل خير بين أن يكون له ثواب الصدقة أو ثمن الجلود.

الجزء: 12 - الصفحة: 761

م وأجاز ابن وهب بيع جلود الميتة إذا دبغت، واحتج بقول الرسول - صلى الله عليه وسلم - (إذا دبغ الإهاب فقد طهر)، وحجة مالك أنه إنما طهر للانتفاع به - يؤيد ذلك قوله - صلى الله عليه وسلم - (هلا انتفعتم بجلدها) وقد اتفقنا أنه لا يجوز أكله، وإن دبغ فكذلك بيعه.
م وقول ابن وهب أسعد بظاهر الحديث؛ لأنه - صلى الله عليه وسلم - إنما قال (هلا انتفعتم بجلدها) فيما لم يدبغ، ثم قال (إذا دبغ الإهاب فقد طهر) فأفاد ذلك غير الانتفاع؛ لأن الانتفاع قد حصل منه وإن لم يدبغ الإهاب.
ومن العتبية قال ابن القاسم: ولا بأس ببيع شعر الخنزير الوحشي كصوف الميتة.
وقال أصبغ: ليس كصوف الميتة، بل كالميتة نفسها؛ لأنه حرام حيًا وميتًا، وتلك صوفها حل في الحياة.

الجزء: 12 - الصفحة: 762

ومن المدونة: ولا يطبخ بعظام الميتة أو يسخن بها ماء لعجين أو وضوء، قال ابن حبيب: ومن فعل ذلك جهلاً لم يحرم عليه أكل الطعام ولم ينجس الماء الذي سخن به.
قال ابن القاسم في المدونة: ولو طبخ بها على طوب أو حجارة لجير لم أر بذلك بأسًا.
قال ابن المواز: ولا يحمل الميتة إلى كلابه ولا بأس أن يأتي بكلابه إليها فيسلطهم عليها.
وذكر عن أبي القاسم بن الكاتب أنه قال: مسألة الجير والطوب يطبخ بعظام الميتة تدل على خلاف قول محمد.
قال: وقد أباح النبي - صلى الله عليه وسلم - الانتفاع بجلد الميتة وهي إنما تحمل ميتة ثم تطهر بعد الدباغ كما قال النبي - صلى الله عليه وسلم - (إذا دبغ الاهاب فقد طهر).
وقال غيره من القرويين: إنما قال في الكتاب لو طبخ بها الجير والطوب لم أر بذلك بأسًا، فإنما قال: إن فعل ولم يقل له أن يفعل بديًا، لأن في ذلك إباحة حوز عظام الميتة ونقله وجمعه على وجه التمليك، وذلك غير جائز.
قال: كما لا يجوز أن يحمل الميتة إلى كلابه وجائز أن يأتي بكلابه فيرسلهم عليها.

الجزء: 12 - الصفحة: 763

م والأول أبين.
قال مالك: ولا أرى أن تشتري عظام الميتة ولا تباع ولا أنياب الفيل ولا بتحريها ولا يمشط بأمشاطها ولا يدهن بمداهنها.
[قال] ابن المواز: وأجازه ربيعه وغيره، وفي كتاب الصلاة الحجة في ذلك.

الجزء: 12 - الصفحة: 764

[الباب السادس]

في جمع الرجلين سلعتيهما في البيع، والبيع على حميل أو رهن معين

[الفصل 1 - في الرجلين يجمعان سلعتين لهما فيبيعانها صفقة واحدة] قال ابن القاسم: ولا يعجبني أن يجمع الرجلان سلعتيهما من البيع، فيبيعانها بثمن يسميانه؛ لأن كل واحد لا يدري بما باع ولا بما يطالب في الاستحقاق إلا بعد القيمة.
قال أبو إسحاق: واختلف إذا نزل ما يكون فيه بعد الفوت والأشبه أن لا يجوز؛ لأن كل واحد باع سلعته بثمن لا يدري ما هو، والمشتري اشترى من كل واحد ما لا يدري ما هو، وإن عرف جملة الثمنين.
وفي كتاب محمد: يفسخ هذا البيع، فإن فات مضى بالثمن، وقبض الرجلان الثمن على قيمة سلعة كل واحد منهما فاقتسماه على ذلك، وفي غير كتاب محمد ما يوجب أن القيمة مجردة لكل واحد منهما وهو الأشبه، وينبغي إذا لم يعلم المشتري وظن أنهم شركاء في السلعتين جميعًا أن لا يفسخ البيع؛ لأن الفساد من جهة أحد المتبايعين لا من جهتهما.
وقد قيل في رجل باع عبدًا وثوبًا فاشترى ذلك رجلان على أن يكون لأحدهما العبد وللآخر الثوب أن ذلك إذا نزل مضى، ويكون العبد والثوب بينهما جميعًا، ذكرها في العتبية عن اشهب، وكان يجب على قوله أن يكون لكل واحد ما سمى، كما أجاز أن يجمع الرجلان سلعتيهما؛ لأن كل واحد باع ثوبه بما ينوبه من جملة الثمن،

الجزء: 12 - الصفحة: 765

كذلك ها هنا كل واحد اشترى ما شرط أنه له بما ينوبه من جملة الثمن، فإذا جاز على قول أشهب أن يجمع الرجلان سلعتيهما فيبيعانها جاز إذا استحق جل المبيع وهو على غير الأجزاء أن يتمسك بالبقية؛ لأنها من ثمن علم أصله.
وكذلك أن أكريا هذا عبده، وهذا داره في صفقة هكذا، وأجازه كله أشهب، وقد كان ابن القاسم يجيزه.
وإن باعهما على أن أحدهما حميل بالآخر لم يجز، وكأنه ابتاع من الملئ على أن يتحمل له بالمعدم فلا يصلح هذا.
قال أبو القاسم بن الكاتب: لا يجوز على أن أحدهما بالآخر حميل باتفاق من ابن القاسم وأشهب، قال: لأنا نخاف من الدرك في إحدى السلعتين، فيصير اشترى من أحدهما على أن تحمل له بما دفع من الثمن إلى الآخر، ولو كانت السلعة بينهما فباعها على أن أحدهما بالآخر حميل، فقد اختلف في هذا فقيل إن ذلك جائز.
وقيل لا يجوز، وهذا على أن يتحمل له بما دفع إلى شريكه من الثمن.
وأما لو باع رجل من رجلين سلعة على أن كل واحد منهما حميل بصاحبه لجاز إذا استوت شركتهما.
وقد أجاز ابن القاسم السلم إلى رجلين على أن كل واحد منهما حميل بصاحبه، وذلك لأنهما استويا جميعًا في الحمال، وفي جمع السلعتين إنما تقع الحمالة عند الاستحقاق، وقد يجوز أن يستحق ما باعه أحدهما دون ما باعه صاحبه.

الجزء: 12 - الصفحة: 766

ومن المدونة: قال ابن القاسم: وكذلك فيمن اشترى منك سلعتك على أن تحملت له بمال، فهذا لا يجوز.
يريد لأنه صار للحمالة ثمن، فكأنه باعه ما يساوي ثمانية بعشرة على أن يتحمل له، فوقع للحمالة ديناران.
م ولو كانت السلعة أو السلعتان بين الرجلين نصفين فباعاها على أن أحدهما بالآخر حميل، جاز لأن الثمن بينهما على قدر أنصبائهما، فلم يزد أحدهما على أن تحمل له بالآخر فسلم من الحمالة بجعل.
وسأل حبيب سحنونًا عن شريكين في سلعة، وكل أحدهما الآخر على بيع نصيبه منها فقال المشتري: لا أشتري منك إلا أن تضمن لي نصيب شريكك؟ قال: لا يجوز ذلك، وكأنه زاده في ثمن نصيبه على أن يضمن له عن شريكه.
ومن العتيبة: قال ابن القاسم في شريكين في سلعة / أو أمة، يريدان بيعها، فأعطى أحدهما لصاحبه شيئًا على أن نتكون العهدة عليه.
قال: هذا لا يجوز، والحمالة بجعل حرام، ويرد ما أخذ، وهو كأجنبي قال لبائع السلعة أعطني دينارًا على أن عهدة سلعتك عليّ من كل درك، قال أصبغ: وكأنه أخذ دينارًا ليضمن عشرة.
فصل [2 - في البيع أو القرض على حميل أو رهن معين] ومن المدونة: قال ابن القاسم ومن باع أو أقرض على أن يأخذ فلانًا حميلاً

الجزء: 12 - الصفحة: 767

جاز إن رضي فلانًا وكان بحضرتهما أو قريب الغيبة ولم ينتقد من ثمن السلعة شيئًا، وإن كان بعيد الغيبة، فالبيع فاسد، ولو كان قريبًا فلم يرض لم يلزم بيع ولا قرض إلا أن يرضى البائع بتركه أو يرضيا جميعًا بحميل غيره، ولو كان ذلك خلعًا أو صلحًا على مال من دم عمد، فامتنع الكفيل، فالزوجة في عصمته وهو على حقه في الدم، وأما النكاح على هذا، فلا يجوز إذ لا خيار فيه، ولا يجوز على أنه إن لم يأت بالمهر إلى أجل كذا فلا نكاح بينهما، وأما البيع على هذا فأمضه وأبطل الشرط.
قال: وإن بعته سلعة على أن يرهنك عبده الغائب جاز، وكما لو بعتها به، وتوقف السلعة الحاضرة حتى يقبض العبد الرهن الغائب، فإن هلك في غيبته فليس للمبتاع أن يرهنك سواه ليلزمك البيع، ولك رده إلا أن تشاء، كما ليس له أن يبدل ما رهنك بغيره؛ ولأنك إنما بعته على أن يسلم إليك رهنًا بعينه، فهو ما لم يصل إليك لا يكون رهنًا، وأنت مخير، وإذ لو فلس صاحب العبد الرهن والعبد غائب لم يكن لك قبضه، وتكون أسوة الغرماء؛ لأنه رهن غير مقبوض.
م جوز البيع في الرهن الغائب ولم يجوزه في الحميل الغائب البعيد الغيبة، والفرق بينهما أن الحميل الغائب قد يرضى بالحمالة أو لا يرضى فهو كالبيع على خيار فلان، وهو بمكانب بعيد فلا يجوز، ورهن الغائب كبيعه، فكما جاز بيعه جاز رهنه، وتوقف السلعة كوقوف ثمن الغائب، وإذا هلكت السلعة قبل معرفة رأي

الجزء: 12 - الصفحة: 768

الحميل، فهي من البائع؛ لأنه كبيع الخيار، كما قال: لا يجوز النكاح على ذلك إذ لا خيار فيه.
قال أبو محمد: وقال أشهب إذا باع منه على حمالة فلان أو على رهن عبده فلان وهما غائبان - يريد غيبة قريبة - فمات الحميل وهلك الرهن بعد البيع وقبل الرضا وقبل قبض العبد فالبيع ماض بلا حميل ولا رهن كما لو رضي الحميل أو قبض العبد الرهن ثم ماتا.
ومن المدونة: قال ابن القاسم: وأما إن هلك الرهن بيدك بعد أن قبضته فلا يكون لك سواه ولا رد البيع، ولا استعجال الثمن؛ لأن هذا بيع قد تم عقده قبل هلاك الرهن، وإن بعته على حميل أو رهن لم تصفاه جاز وعليه الثقة من رهن أو حميل.
قال بعض فقهائنا: فإن هلك الرهن لم يلزمك رهن ثانيًا، وبحوزه إياه صار كالمعين، لأنه شرط أن يوثقه ففعل، فليس عليه غير ذلك، وليس كالراحلة غير المعينة تهلك فيجب عليه أن يأتي بغيرها؛ لأن الغرض في الكراء بلوغ المسافة التي شارطة عليها لا عين الراحلة فلا بد له من تبليغه.
م وكذلك الغرض في الرهن غير المعين التوثقة إذا أعدم هذا بحقه عند محله أو موت أو تفليس يطرأ على الراهن فيجب عليه إذا مات بدله، وقد رأيت بعض مشايخنا ينحو إلى ذلك.

الجزء: 12 - الصفحة: 769

م وذكر لنا أن أبا موسى بن مناس قال ذلك كالراحلة غير المعينة وأنه إن هلك عليه أن يأتيه بمثله، وكذلك إن مات الحميل غير المعين عليه أن يأتيه بحميل غيره.
قال: وإذا باعه بثمن مؤجل على أن يعطيه به حميلاً فلم يجد له حميلاً لأن الشمتري يسجن له إلى الأجل إلا أن يأتيه بحميل.
قال: وهو بخلاف إذا باعه على رهن فلم يجد رهنًا؛ لأنه يقدر على اختبار ذمته بالسؤال والكشف عنها، ولا يقدر على علم من يتحمل له بالسؤال، والمشتري يعرف من يدخل له في الحمالة ومن لا يدخل فيهم في تركه، فلذلك يسجن له.
ووكذلك إن باع على رهن معين فاستحق قبل أن يدفع، فبائع السلعة بالخيار إن شاء أمضى البيع بلا رهن وإن شاء / نقضه.
قال عبد الملك: ولو كان دفع السلعة لاسترجعها، فإن فاتت بالعيوب المفسدة كان له أخذ قيمتها إن شاء، وإن شاء أجاز البيع إلى الأجل.
وأما إن كان قبض الرهن ثم استحق فلا كلام له إلا أن يثبت أن المبتاع غره فيكون عليه رهن مثله.
[قال] محمد: فإن لم يفعل رجع في سلعته إن كانت قائمة أو قيمتها إن كانت فائتة إلا أن يشاء البائع أن يجيز البيع بلا رهن.

الجزء: 12 - الصفحة: 770

ومن المدونة: قال ابن القاسم: فإن شرطت أن يرهنك عبده فلانًا أجير على أن يدفعه إليك إن امتنع وليس هذا من الرهن الذي لم يقبض.
وكذلك إن تكلفت به على أن يعطيك عبده رهنًا، فإن امتنع من دفعه إليك جبر.

الجزء: 12 - الصفحة: 771

[الباب السابع]

جامع مسائل مختلفة من البيوع وغيرها

[الفصل 1 - فيمن ابتاع ثيابًا فرقم عليها أكثر مما ابتاعها به] قال ابن القاسم: ومن ابتاع ثيابًا فرقم عليها أكثر مما ابتاعها به وباعها برقومها ولم يقل قامت عليّ بذلك، فقد شدد مالك الكراهية فيه، واتقى فيه وجه الخلابة.
قال ابن أبي زمنين: فإن وقع هذا وفعله أحد، فالمشتري مخير إن شاء تماسك بما اشترى وإن شاء رده، وإن فات رد إلى القيمة كذلك فسره عبد الملك.
م وذكر عن أبي سعيد بن أخي هشام أنه قال: قول مالك في هذه المسألة يجري على وجهين: [1] إما أن يبيع إياها مساومة بأقل من رقمها.
[2] أو يبيعها مرابحة بالثمن الصحيح وهو أقل من الرقم، فيزيده المبتاع في الربح لما تقدم في خلده أن ثمنها على البائع ما رقم فيها.
م فإن كانت قائمة خبر بين أخذه بذلك أو يردها، وإن فاتت فعليه الأقل من القيمة أو الثمن الذي رضي به البائع.

الجزء: 12 - الصفحة: 772

[فصل 2 - ما جاء فيمن باع سلعة فإن لم يأت بالنقد فلا بيع بينهما] ومن المدونة: قال مالك: ومن اشترى سلعة على أنه إن لم ينقد ثمنها إلى ثلاثة أيام - وقال في موضع آخر إلى عشرة أيام - فلا بيع بينهما، فلا يعجبني أن بعقد البيع على هذا، وكأنه زاده في الثمن على أنه إن نقده غلى ذلك الأجل فهي له، وإلا فلا شيء لهن فهذا من الغزو والمخاطرة، فإن نزل ذلك جاز البيع وبطل الشرط وغرم الثمن الذي اشتراها به.
قال في كتاب كراء الرواحل: وأرى في المشترط إن لم يأت بالثمن إلى أجل كذا فلا بيع له، إنفاذ البيع وسقوط الشرط، عجل النقد أم آخره، ويقضي عليه بالنقد.
م ظاهر هذا أنه يقضي عليه بتعجيل الثمن، ويحتمل أن يكون معنى قوله ويقضي عليه بالنقد إذا أتى الأجل الذي أجل، وكذلك قال غير واحد من فقهائنا لا يؤخر بالثمن إلا إلى الأجل المشترط إذا عري ألأمر من دليل أنهما قصدا التعجيل.
قال في البيوع الفاسدة: واجعل هلاك السلعة وإن كانت حيوانًا من البائع حتى يقبضها المبتاع بخلاف البيع الصحيح، يحبسها البائع حتى يأخذ الثمن.

الجزء: 12 - الصفحة: 773

تلك هلاكها من المبتاع بعد عقد البيع.
وقال ابن وهب: إنمنا يجوز إن ضربا أجلاً كأجل الخيار، وإن بعد الأجل كان بيعًا فاسدًا لا يجوز.
وقاله ابن عبد الحكم.
قال في كتاب بيع الغائب: وأما بيع السلعة على أنه متى رد الثمن فهي له ففاسد لا يجوز.
فصل [3 - في بيع المريض من ولده] قال مالك: وبيع المريض من ولده بغير محاباة جائز، وكذلك في وصيته أن يبتاع عبد ابنه فيعتق فهو جائز إلا أنه لا يزاد على قيمته.
فصل [4 - في تصرف الأب في مال ابنته البكر] قال مالك: وإذا حاضت الجارية فصنيع أبيها في مالها، بيعه وشراؤه جائز؛

الجزء: 12 - الصفحة: 774

لأن حوزه لها حوز، ولا يجوز لها في مالها ضاء حتى يدخل بها زوجها ويعرف الرشد من حالها.
فصل [5 - في بيع الأمة ولها ولد رضيع] قال مالك: ومن باع أمة ولها ولد رضيع حر وشرط عليهم رضاعه ونفقته سنة فذلك جائز إذا كان إن مات الصبي أرضعوا له آخر.
قال سحنون: لا أدري لم جوز هذا البيع، وقولهم في الطئر أنه لا يجوز أن يشترط عليها إن مات الولد أن يؤتى بغيره لكنها مسألة ضرورة - يريد مسألة الأمة -. م والفرق عندي بين مسألة الأمة وبين مسألة الظئر أن مسألة الأمة الغرر فيها تبع؛ لأنه انضاف إلى أصل جائز وهو بيع الأمة، والغرر في مسألة الظئر

الجزء: 12 - الصفحة: 775

انفرد فلذلك لم يجز كقول مالك في بيع لبن شاة جزافًا شهرًا أنه لا يجوز، وأجاز كراء ناقة شهرًا واستثناء حلابها، فالغرر إذا انفرد بخلافه إذا انضاف إلى أصل يكون تبعًا له.
م والأصل في هذا أن النبي - صلى الله عليه وسلم - نهى عن بيع الثمار قبل بدو صلاحها؛ لأنه غرر، وقال (ومن باع نخلاً وفيها ثمر قد أبر فثمرها للبائع إلا أن يشترطه المبتاع) فأجاز للمبتاع اشتراطه لما انضاف إلى أصل، ومنع من بيعه إذا انفرد، وقد أجمعت الأمة على بيع الجبة المحشوة وإن لم يكن يرى قطنها، ولا يجوز بيع قطنها منفردًا وهو محشو فيها.
قال ابن أبي زمنين: كان سحنون يغمز مسألة الأمة ويقول: لا يجوز هذا البيع إلا على وجه الضرورة مثل أن يبيعها عليه السلطان في دين، وأكره أن تباع في غير الضرورة؛ لأن المبتاع ربما احتاج أن يضعن بها فيتكلف للصبي المؤنة ولا يدري قدرها فذلك غرر.
م وقيل إنما يجوز بيع هذه الأمة إذا كان الرضاع مضمونًا على مشتري الأمة لا في هذا الصبي بعينه؛ لأن بهلاكه يسقط، فلذلك احتيج إلى أن يكون مضمونًا ليكون ما في الذمة ثابتًا على كل حال، وأما الرضاع في عين الأمة فلا يجوز أيضًا؛

الجزء: 12 - الصفحة: 776

لأن المشتري يصير غير قادر على التصرف فيها، فيصير كمن اشتراها على أن لا يبيعها إلى سنة.
م وهذا يقدر أن يبيعها ويشترط على المبتاع أيضًا الرضاع.
[فصل 6 - في بيع الأمة واشتراط أن ترضع ابنًا له سنة] ومن العتيبة: وسئل مالك في سماع أشهب عن رجل باع جارية واشترط أن ترضع ابنًا له سنة.
قال: لا خير في ذلك.
قيل: فإن اشترط له إن ماتت أتاه بغيرها.
قال: لا يعجبني.
[فصل 7 - في البيع بشرط النفقة] ومن العتيبة قال ابن القاسم عن مالك: ومن باع نصف وصيفته أو نصف دابته على أن عليه نفقتها سنة فماتت، أو باعها المبتاع فله الرجوع بحصة ذلك.
وذكرها في كتاب ابن المواز قال: إن كانت النفقة ثابتة مات العبد أو الدابة أو باعها فذلك جائز.
[قال] ابن المواز: وقال أشهب عن مالك ومن باع رقبة واشترط نفقتها وكفلها فلا خير فيه، وكذلك لو باع أمة بولدها الصغير على أن يكفله البائع خمس سنين على أنه إن مات فيها غرم ما بقي، فليس ذلك بصواب.

الجزء: 12 - الصفحة: 777

[فصل 8 - في بيع الفصيل واشتراط أن رضاعه على أمه] ومن العتيبة: قال عيسى عن ابن القاسم: ومن باع فصيلا أو غيره من أولاد البهائم على أن رضاعه على أمه، فإن كان الرضاع مضمونًا على البائع إن ماتت الأم أخلف مكانها من يرضعه، وكان من البهائم التي تقبل غير أمهاتها فالبيع جائز، وعلى البائع إن ماتت أمه أن يأتي بمن ترضعه مكان أمه، ويضمن الرضاع إلى فطام مثله، وإن كان لا يقبل غير أمه إلا بعناء أو / بعد الخوف عليه من الموت أو النقصان فلا خير في هذا البيع.
[فصل 9 - فيمن باع شاة على أنها حامل] ومن المدونة: قال مالك: ومن باع شاة على أنها حامل لم يجر وكأنه أخذ لجنينها ثمنًا حين باعها بشرط أنها حامل.
قال في كتاب ابن المواز: إلا أن يقول هي حامل ولا يشترط ذلك فلا بأس به.
[قال] ابن أبي زمنين: قال أصبغ: لا بأس أن يشترط أنها حامل إذا كان الحمل ظاهرًا معروفًا يعرفه كل أحد في الغنم والجواري، والشرط فيه وغير الشرط سواء.

الجزء: 12 - الصفحة: 778

وقال عبد الملك ابن الحسن عن أشهب فيمن ابتاع بقرة على أنها حامل، قال: فإن لم توجد حاملاً فله ردها.
قال: ومن اشترى جارية على أنها حامل فلم تكن حاملاً فإن كانت مرتفعة فذلك تبرؤ من حملها ولا شيء له، وإن كانت من اللاتي يزاد فيهن للحمل فله ردها إن لم تكن حاملاً.
وروى أصبغ عن ابن القاسم فيمن باع جارية على أنها حامل، قال: البيع فاسد بهذا الشرط.
فصل [10 - في بيع الإبل المهملة في الرعي] ومن كتاب محمد: قال مالك: ولا ينبغي شراء الإبل المهملة في الرعي وإن رآها؛ لأنها تستصعب في أخذها.
قال ابن القاسم: وأخذها خطر، وكذلك المهارات والفلا الصغار بالبراري وهو كبيع الآبق ومصيبتها من البائع حتى تقبض.
قال ابن حبيب: فإن فاتت فعليه قيمتها يوم قبضها.
تم كتاب البيوع الفاسدة من الجامع لابن يونس والحمد لله رب العالمين وصلواته على سيده محمد وعلى آله الطيبين.

الجزء: 12 - الصفحة: 779

باب مشتمل على مسائل مختلفة ملحق بكتاب البيوع الفاسدة

[المسألة الأولى: فيمن اشترى طبعًا على الجد فلم يجده] قال ابن يونس وإذا اشترى طلعًا على الجد فلم يجده حتى صار بلحًا، هل يفسخ البيع أم لا؟ وأكثر قول أصحابنا أنه لا يفسخ.
وقال بعضهم يفسخ.
[المسألة الثانية: فيمن اشترى أصول نخل غائبة ثم اشترى ثمرها] قال أبو عمران الفاسي فيمن اشترى أصول نخل غائبة على صفة وفيها تمر مأبور [لم] يشترط ثم اشترى بعد ذلك ثمرها بغير صفة.
قال ذلك كله جائز كما لو ابتدأ شراء ذلك كله في صفقة، وكمال العبد يجوز اشتراطه وإن كان مجهولاً؛ لأن ذلك كله في حين البيع، وسواء كان ذلك في عقد أو عقدين على مذهبه في المدونة.
وقيل إن غيره من شيوخنا القرويين يخالفه.
وقال ذلك بخلاف مال العبد إنما هو مشترط للعبد والثمرة فلنفسه اشتراها، فلا تجوز إلا موصوفة.
قال بعض أصحابنا: وعلى هذا القول، سواء اشترى الثمرة مع الأصول في صفقة أو صفقتين.
قال: وهذا بعيد؛ لأن الثمرة تبع للأصول فلا يفسد البيع بجهله [له] كاشتراء الخلفة بعد الأصل واشتراطها في صفقة واحدة.
م ويحتمل أن يفرق بينهما، فإن الثمرة مرئية يقدر على صفتها وشراء الغائب لا يجوز إلا بصفة لا يختلفان فيها، فالثمرة لها حصة من الثمن لا بد من أن توصف؛ لأن عادات الثمرة تخلف سنة وتحمل أخرى، واشتراط الخلفة وشراؤها مع الرأس، إنما

الجزء: 12 - الصفحة: 780

يستدل بالرأس عليها فيما اختبر من عادات الموضع ولا يقدر على أكثر من ذلك فافترقا والله أعلم.
[المسألة الثالثة: الثمرة تباع قبل بدو صلاحها بشرك الترك] ولسحنون في الثمرة يشتريها قبل بدو صلاحها على الترك أنها إن تلفت بعد جدادها وغيبة المشتري عليها فهي منه إلا أن تقوم بينة على تلفها، فلا يكون عليه حينئذٍ شيء وهي من البائع.
قال: وهي في يدي المشتري كالرهن إن قامت بينة على تلفها فهي من البائع.
قال بعض أصحابنا: وسألت أبا بكر بن عبد الرحمن القروي عن قول سحنون هذا وقلت له يلزمه إذا اشترى حيوانًا بيعًا فاسدًا / وهلك بيده أن لا يضمنه؛ لأن هلاكه ظاهر قال: هذا في الثمرة في باب الربا الذي لا يضمنه وهو مما يرد إلى مثله، وكأنه نحا على مذهب سحنون لو وقع بين المتعاقدين ربا كبيع دينار بدينارين أنه إذا هلك ما قبض ببينة أنه لا يضمنه.
قال: ورأيت ابن الكاتب قال: قول سحنون هذا لا يصح عنه ورآه غلظًا من ناقله؛ لأن مذهب سحنون خلاف هذا.
[المسألة الرابعة: فيمن اشترى زرعًا بيعًا فاسدًا فهلك قبل قبضه] قال في العتيبة فيمن اشترى زرعًا بيعًا فاسدًا فهلك قبل قبضه: أن مصيبته من مبتاعه، والزرع هو مما لا يغاب عليه لأنه قائم في الأرض لم يحصد بعد.

الجزء: 12 - الصفحة: 781

قال: ولو لزمه ما حكى عن سحنون في هذه المسألة لكان إذا قبض بعض المبيع بيعًا فاسدًا أو حال سوقه لا يلزم المبتاع قيمته، إذا نقصه ليس من فعله ولا من قبله، وكذلك حوالة الأسواق، لم يكن من سبب مبتاعه، وهذا رد لأصل المذهب.
[المسألة الخامسة: فيمن اشترى أرضًا فيها عين يخرج منها نفط أو فيها ملح فلمن يكون] ومن السلينانية: وسألته عن رجل اشترى أرضًا فيها عين يخرج منها فقط فيستنقع على الأرض، فلمن النفط أو الزفت؟ قال: إذا كان على وجه الأرض فهو للبائع إلا أن يشترطه المشتري، وما لم يظهر فهو للمشتري.
قلت: فله إن اشترى أرضًا فيها ملح على وجه الأرض لمن يكون؟ قال: الملح للبائع إلا أن يشترطه المبتاع.
صح من غير الأصل إلا أنه من جمع المؤلف.

الجزء: 12 - الصفحة: 782

بسم الله الرحمن الرحيم صلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم

فصول الكتاب · 78 فصل
فصول الجامع لمسائل المدونة
المقدمةالمقدمةكتاب الصلاة الأولكتاب الصلاة الثانيكتاب الجنائز من الجامعكتاب الصوم من الجامعكتاب الاعتكافكتاب الزكاة الأولكتاب الزكاة الثاني من الجامعكتاب الحج الأول من الجامعكتاب الحج الثاني من الجامعكتاب الحج الثالث من الجامعكتاب الصيد من الجامعكتاب الذبائح من الجامعكتاب الضحايا من الجامعكتاب العتق الأول من الجامعكتاب المكاتب الأولكتاب السلم الأولكتاب السلم الثانيكتاب السلم الثالثكتاب الصرفكتاب الرهنكتاب بيوع الآجالكتاب البيوع الفاسدةكتاب بيع الخياركتاب المرابحةكتاب اشتراء الغائبكتاب الوكالاتكتاب التجارة إلى أرض الحربكتاب جامع لأبواب متفرقةكتاب العراياكتاب العيوب والتدليسكتاب الصلحكتاب الجوائحكتاب الجعل والإجارةكتاب المساقاةكتاب القراضكتاب الأقضيةكتاب كراء الرواحل والدوابكتاب كراء الدور والأرضينكتاب الشركةكتاب الشهادة الأولىكتاب الشهادة الثانيكتاب الرجوع عن الشهاداتكتاب المديانكتاب الرجوع عن الشهاداتكتاب التفليسكتاب الحمالةكتاب المأذون له في التجارةكتاب اللقطةكتاب الضوالكتاب الإباقكتاب حريم الآبار وإحياء المواتكتاب الغصبكتاب الوديعةكتاب العاريةكتاب العدةكتاب الاستحقاقكتاب الحبسكتاب الصدقةكتاب الهبة والهباتكتاب الهباتكتاب الوصايا الأولكتاب الوصايا الثانيكتابً الوصايا الثالثكتاب الشفعة الأولىكتاب الشفعة الثانيكتاب القسم الأولكتاب القسم الثانيكتاب الفرائض الثانيكتابكتاب المحاربين والمرتدينكتاب القذفكتاب الأشربةكتاب الجراحكتاب الجناياتكتاب الدِّياتكتاب الجامع
جارٍ التحميل