كتاب الأقضية
[الباب الأول]
في نقض الأقضية وجلوس القضاة وتزكية البينة وصفة الشهادة، وموت القاضي وعزله
/ [فصل 1 - ما ينقض من الأقضية]
قال ابن القاسم: وإذا قضى بقضية فيها اختلاف بين العلماء، ثم تبين له أن الحق في غير ما قضى به، فلينقض قضيته وإن كان قد أصاب قول قائل من أهل العلم، وقد فعله عمر بن عبد العزيز، وإنما لا ينقض ما قضى فيه غيره مما فيه اختلاف.
وفي كتاب الرجم نحوه.
ابن حبيب: وقاله مطرف وابن الماجشون قالا: وهذا ما دام ولايته.
وقال سحنون في كتاب ابنه: إذا حكم بما فيه اختلاف وله فيه رأي فقضى بغيره وَهَلاَ أو سهواً وعليه نقضه، وإن كان قد رأى فيه بعد الحكم راياً سواه لم ينقصه ويأتنف رأيه ذلك فيما يستقبل.
الجزء: 15 - الصفحة: 738
فصل [2 - في جلوس القضاة والقضاء في المسجد]
ومن المدونة قال مالك: ولا ينبغي للقاضي أن يكثر الجلوس جداً، وإذا دخله هم أو نعاس أو ضجر فليقم.
قال مالك: والقضاء في المسجد من الحق وهو من الأمر القديم؛ ولأنه يرضى فيه بالدون من المجلس، وتصل إليه المرأة والضعيف، وإذا احتجب لم يصل إليه الناس، ولكن لا يقيم فيه الحدود وشبهها، ولا بأس فيه بخفيف الأدب والأسواط اليسيرة، وقول الله تعالى: ﴿إِذْ تَسَوَّرُوا الْمِحْرَابَ﴾ يدل على إباحة القضاء في المسجد وكان النبي صلى الله عليه وسلم والخلفاء يقضون فيه وقد تقدم هذا في باب آداب القضاء.
قال ابن القاسم: ولا بأس أن يضرب الخصم إن تبيَّن لدده وظلمه، ولا بأس إذا آذى القاضي في نفسه أن يؤدبه.
فصل [3 - تزكية البينة]
قال مالك: ولا يقضى بشهادة الشهود حتى يسأل عنهم في السِّر، فإن زكوا في السر وفي العلانية اكتفى بذلك، ولا يقبل في التزكية أقل من رجلين.
وإن ارتضى القاضي رجلاً للكشف جاز أن يقبل منه ما نقل إليه من التزكية عن رجلين لا أقل من ذلك.
ولا يجزئ في التعديل إلا القول أنهم عدول مَرْضيون.
الجزء: 15 - الصفحة: 739
قال مطرف وابن الماجشون: ولا يجتزئ بتعديل العلانية دون تعديل السر وقد يجتزئ بتعديل السر دون تعديل العلانية.
قال أصبغ: وليكن التعديل سراً وعلانية، ولا أحب أن يجتزئ بتعديل العلانية دون تعديل السر.
قال سحنون: ولا يجوز في العدالة إلا المُبرِز الناقد الفطن الذي لا يخدع في عقله ولا يتدل في رأيه.
قال ابن القاسم: ويزكى.
قال سحنون في كتاب ابنه: معناه إذا كان الشاهد معروفاً مشهوراً، فأما غير المعروف فلا يزكى إلا بمحضره.
م: قال بعض أصحابنا: معناه إذا كان غائباً عن مجلس القاضي وهو حاضر البلد أو قريب الغيبة، فأما من بعدت غيبته فيجوز أن يزكى وإن كان غائباً كما يقضى عليه وهو غائب.
قال: ورأبت نحوه لأبي محمد بن أبي زيد رحمه الله.
ومن المدونة قال مالك: ومن الناس من لا يسأل عنه، ولا يطلب منه تزكية لعدالته عند الناس وعند القاضي، وإذا استقال الشاهد في شهادته بعد الحكم لم يُقَلْ، ولا تجوز شهادته فيما يستقبل.
وإن استقال قبل أن يحكم بشهادته فإنه يقال، ولا تفسد شهادته إذا ادعى الوهم والشبهة إلا أن يعرف منه كذب في شهادته فترد في هذا وفي ما يستقبل.
الجزء: 15 - الصفحة: 740
وفي كتاب السرقة شيء من هذا؟
[فصل 4 - الشاهد يعرف خطه]
وإذا عرف الشاهد خطه في كتاب لا يشهد حتى يَذْكر الشهادة ويوقن بها، ولكن يؤدي كما علم ثم لا تنفع الطالب.
وفي كتاب محمد لا يرفعها، ومن كتاب ابن سحنون قال يحي بن سعيد: إذا عرف خطه، وأيقن به فليشهد، وإن شك فيه فلا يشهد.
وروى ابن وهب عن مالك نحوه.
وفي العتبية قال سحنون: وإذا عرف خطه في كتاب لا يشك فيه ولا يَذكْر كل ما في الكتاب فقد اختلف فيه أصحابنا وقولي أنه إذا لم ير في الكتاب محوا ولا لَحَقاً ولا ما يستنكره، ورأى الكتاب خطاً واحداً فليشهد بما فيه، وهذا أمر لا يجد منه الناس بُداً، وإن لم يذك من الكتاب شيئاً قيل: فلو كتب الكتاب كله
الجزء: 15 - الصفحة: 741
بخطه، وعرف خطه وفيه شهادته ولم يذكر منها شيئاً قال: أرى أن يشهد بها ولو أعلم بذلك القاضي أن يجيز شهادته إذا عرف أن الكتاب كله بخطه ولا محو فيه، وجميع أصحابنا يجيزون شهادته إذا ذكر أنه خط الكتاب كله ولا محو فيه.
م: قال بعض أصحابنا: وإنما قال ابن القاسم: ترفع شهادته إذا تثبت خطه ولم تثبت الشهادة،؛ لأنه قد يرى الحاكم إجازتها على قول من يجيز ذلك، ووجه قوله في منع قبول هذه الشهادة قوله تعالى: ﴿وَمَا شَهِدْنَا إِلَّا بِمَا عَلِمْنَا﴾ والذي عرف الخط لم يعلم الشهادة وقوله: ﴿ذَلِكَ أَدْنَى أَنْ يَاتُوا بِالشَّهَادَةِ عَلَى وَجْهِهَا﴾ والشهادة على الخط ليست بالشهادة على وجهها، ووجه قول من أجازها على الخط أن الله تعالى أمر بالإشهاد وبالكتابة فلو كان الكتاب إذ رآه لا يشهد حتى يعرف الشهادة لم تكن للكتاب معنى، وأيضاً فإنما جعل الكتاب خوفاً من النسيان فوجب أن يجوز لضرورة النسيان والله أعلم.
الجزء: 15 - الصفحة: 742
ويؤيد ذلك إتفاقهم إذا [عرف] خط الكتاب كله جازت شهادته وإن لم يعلمها.
[فصل 5 - موت القاضي أو عزله]
ومن المدونة قال ابن القاسم: وإذا مات القاضي أو عزل وفي ديوانه شهادة البينات وعدالتها لم ينظر في من ولي بعده، ولم يجزه إلا أن تقوم عليه بينة، وإن قال القاضي المعزول: ما في ديواني قد شهدت به البينة عندي لم يقبل قوله ولا أراه شاهداً، فإن لم تقم بينه على ذلك أمرهم القاضي المحدث بإعادة البينة، وللطالب أن يحلف المطلوب أن هذه الشهادة التي في ديوان القاضي ما شهد عليه / بها أحد، فإن نكل حلف الطالب وثبت الشهادة ثم ينظر فيها الذي ولي بما كان ينظر المعزول، وكل حكم يدعي القاضي المعزول أنه قد حكم به فلا تقبل شهادته فيه؛ لأنه هو الحاكم به.
قال سحنون: وكذلك لو شهد معه رجل فلا ينفذ حتى يشهد به اثنان سواه.
الجزء: 15 - الصفحة: 743
[الباب الثاني]
في صفة كاتب القاضي وكتب القضاة إلى القضاة
[فصل 1 - صفة كاتب القاضي]
قال ابن القاسم: ولا يستكتب القاضي أهل الذمة في شيء من أمور المسلمين، ولا يتخذ قاسماً من أهل الذمة أو عبداً أو مكاتباً، ولا يتخذ من المسلمين إلا العدول المرضيين.
قال ابن المواز: وينبغي أن يكون الكاتب فقيهاً عدلاً، ويكتب بين يديه، وينظر فيما يكتب.
فصل [2 - إذا كتب القاضي إلى قاضي فمات الكاتب أو عزل]
قال مالك: وإذا كتب القاضي إلى قاضي فمات الذي كتب الكتاب أو عزل قبل أن يصل الكتاب إلى القاضي المكتوب إليه، أو مات المكتوب إليه أو عزل ووصل الكتاب إلى من ولي بعده، فالكتاب جائز ينفذه من وصل إليه، وإن كان إنما كُتِب الكتاب إلى غيره.
قال: ويجوز كتب القضاة إلى القضاة في القصاص والحدود وغيرها، لجواز الشهادة على ذلك.
قال أشهب في المجموعة: يجوز في ذلك كله وإن لم يشهد على الكتاب إلا شاهدان، وإن كان في الكتاب زنى قد أربعة عند القاضي فيجوز.
قال بعض فقهاء القرويين: أجاز ها هنا شهادة شاهدين على
الجزء: 15 - الصفحة: 744
كتاب القاضي وإن كان في زنى، ولم يجز أن يشهد رجلان على شهادة أربعة في الزنا وليس بينهما فرق؛ لأن الحكم قد أقيم في كتاب القاضي بشاهدين في الزنى، فإذا جاز أن يقع الجلد والرجم بشاهدين لما كان الأمر على أربعة جاز أن يشهد شاهدات على أربعة.
م: وهذا في الشهادة على كتاب القاضي على أشهب، ويحتمل أن ابن القاسم لا يجيز في ذلك إلا أربعة كالشهادة.
وقد قال سحنون في كتاب ابنه: وأنا لا أرى أن يثبت ذلك إلا بأربعة.
[فصل 3 - كتب القضاة إلى القضاة تجوز في كل شيء]
قال ويجوز كتب القضاة في كل خصومة من حقوق الناس في بيع أو شراء أو وكالة وفي كل شيء.
قال: وإذا وكل رجل رجلاً بخصومة في دار أة ربع أو غيره عند قاضي بلد آخر فأراد أن يأخذ له كتاباً من قاضي بلدة إلى قاضي البلد الذي أراد [أن يخاصم عنده]، فإن كان القاضي يعرف الموكل، وكان مشهوراً اجتزأ بذلك وإلا كلفه البينة أنه فلان، فإذا ثبت عندي تعريفه بشاهدين، وذكر أن له داراً بالبصرة في بني فلان، فيجدها، وأنه كل فلاناً لخصومته فيها ويقبضها فرأى في ذلك رأيك، / ثم يقرأ الكتاب على شاهدين، ويختمه ويشهدهما عليه
الجزء: 15 - الصفحة: 745
أنه كِتابه وخاتمه، ويحلى الشاهدين فذلك أحسن، ولا يضره إن لم يفعل.
وكان سحنون لايقبل كتاب قاض من قضائه إلا بشاهدين.
قال: وكان القضاء إذ كتبوا إلبه في مسائل الخصوم والأحكما فيجيبهم، ويطبع كتابه إليهم ولا يشهد عليه، وكان من يَرِدُ عليه ذلك منهن ينفذ ما فيه، وكان يقبل كُتبَ وأمنائه وينفذها لا بينة عليها، وكان يأمر بإحراز كتبهم ويرفعها عند بعض أعوانه.
م: واختلف في شاهد يمين على كتاب القاضي في الأموال: فلم يجز ذلك في كتاب محمد، وأجازه في غيره.
قال سحنون: ويجوز على كتاب القاضي رجل وامرأتان فيما يجوز فيه شهادة النساء.
ومن المجموعة قال ابن نافع عن مالك كان من أمر الناس القديم إجازة الخواتم حتى اتهم الناس فصار لا يقبل إلا بشاهدين.
قال: والناس اليوم على أنه إن جاء من أعراض المدينة أجازوه بمعرفة طابعه وخطه وجوابه إن كان في الحقوق اليسيرة.
قال سحنون: ويقبل القاضي كتاب قضائه فيما صُير إليهم النظر فيه، ويقبل كتاب الأمير إذا كان عدلاً.
الجزء: 15 - الصفحة: 746
[الباب الثالث]
في سماع البينة في غيبة المطلوب وفيما يحكم على الغائب وحكم ولاة المياه وإجازة القاسم والرسول يدفع بغير بينة
[فصل 1 - في سماع البينة في غيبة المطلوب وفي ما يحكم على الغائب]
قال ابن القاسم: ومن أقام بينة على غائب ثم قدم قبل الحكم لم تعد البينة لحضوره، ألا ترى أنا نقضي عليه في غيبته، ولكن يُخبر بمن شهد عليه، وبالشهادة فلعل عنده حجة.
قيل لابن المواز: أيقضي على الغائب قال: نعم.
وهو العمل ببلد الرسول عليه السلام، وهو قول مالك وأصحابه، وذلك في الديون وغيرها، وتباع به داره ورِباعه وكسرت فيه أمواله.
قال: ويرجع القادم على المقضي له فيغرم ما أخذ فقط، ولا ينقض البيع إلا أن يجد القادم من متاعه شيئاً بيد من اشتراه لم يتغير عن حاله، فيريد أن يدفع الثمن ويأخذه، فيكون ذلك له، مثل ما لو قامت بينة أنه قد مات أو قتل فبيع متاعه ثم قدم.
وقد قال مالك: يقضى على الغائب إلا في الربع وحده.
الجزء: 15 - الصفحة: 747
قيل له: فإن أهل العراق يقولون: لا يقضي على الغائب.
قال: قد قالوا في المرأة تطلب زوجها بالنفقة وهو غائب فيقضي لها بها عليه، ويباع لها في ذلك دوره ورقيقه، فإن قدم فأقام البين أنه قد خلف لها نفقتها ردت ما كان حكم لها به في غيبته، ونفذ ما كان بيع من ماله.
قال ابن المواز: وهذا مثل ما قلنا.
فصل [2 - هل ينقض حكم ولاة المياه في الحدود والدماء وغيرها]
ومن المدونة قال ابن القاسم وسئل مالك عن أشياء قضت فيها ولاة المياه فرأى أن يجوز إلا أن يكون جوراً بيناً، ولا ينبغي أن يقيم الحدود في القتل ولاة المياه، وليجلب إلى الأمصار، ولا يقام القتل بمصر كلها إلا بالفسطاط.
قال ابن القاسم: وما حكم فيه والي الفسطاط أمير الصلاة فهو جائز نافذ إلا أن يكون
الجزء: 15 - الصفحة: 748
جوراً بيناً فيرده القاضي، وقد سئل مالك عن رجلين حكْما بينهما رجلاً فحكم بينهما قال أرى أن يمضي قضاؤه بينهما ولا يرد إلا أن يكون جوراً بيناً.
قال في غير المدونة: فأما ما اختلف فيه الناس فيمضي.
قال ابن القاسم: وإذا حَكْماه، وأقاما البينة عنده، فبدأ لأحدهما قبل أن يحكم.
قال: أرى أن يقضي بينهما، ويجوز حكمه.
وقال ابن الماجشون: ليس لأحدهما رجوع قبل أن يقاعده أو بعده.
م: يريد إذا أتى ذلك صاحبه؛ لأنح حق أوجبه له على نفسه، وأراحه من نظر القضاة فليس له أن يرجع فيه.
قال سحنون: لكل واحد منهما أن يرجع ما لم يمض الحكم م: لأنهما هما حكماه فلمن شاء الرجوع عنه بخلاف حكم الإمام.
م: وقول ابن القاسم أصوبها.
[فصل 3 - في الخصمين يرضيان بحكم رجل أو امرأة
أو من لا يجوز حكمه]
قال سحنون: ولا ينبغي للذي حكمه رجلان أن يقيم حداً أو يلاعن، ولا يقيم الحدود إلا الإئمة والقضاة.
وقال أصبغ: لا يحكم بينهما في قصاص أو قذف أو طلاق أو عناق أو نسب أو ولاء، وكذلك في النفس، وأما الجراح فإذا أقاده من
الجزء: 15 - الصفحة: 749
نفسه فلا بأس أن يستقيد إذا كان نائباً عن السلطان، وإذا حكماه فحكم فيما ذكرنا أنه لا يحكم فيه [نقض] حكمه، ويأخذ السلطان بقوده وينهاه عن العودة لمثل هذا، وإن أقام ذلك بنفسه فقتل أو اقتص أو ضرب الحد، ثم رفع إلى الإمام، أدبه السلطان وزجره، وأمضى ما كان من حكمه صواباً، وكان المحدود بالقذف محدوداً، والتلاعن ماضياً.
قال مطرف وابن الماجشون: ولو أن خصمين تنازعا، فحكم أحدهما الآخر فحكم لنفسه أو عليها جاز ذلك، ومضى ما لم يكن جوراً بيناً، وليس كتحكيم خصم القاضي للقاضي.
وقال أشهب في كتاب ابن سحنون في الرجلين يحكمان بينهما امرأة أو عبداً أو مسخوطاً: فإن حكمه ماض، وأما الصبيي والنصراني والمعتوه [و] الموسوس فلا يجوز حكمهم، وإن أصابوا الحكم، وهو رأي أصبغ.
وقال سحنون: لا أعرف هذا، ولا يجوز تحكيم من ذكر من عبد أو امرأة أو غير عدل أو مكاتب أو ذمي، وحكمهم باطل إن حكموا، ولو حَكما رجلين فحكم أحدهما ولم يحكم الآخر لم يجز ذلك، وقال أصبغ في كتابه: إذا حكما صبياً لم يبلغ الحلم جاز حكمه إذا كان قد عقل، وعلم، فرب غلام لم يبلغ الحلم، له علم بالسنة والقضاء.
الجزء: 15 - الصفحة: 750
ومسألة من اعترفت في يديه دابة مذكورة تضمين الصناع فأغنى عن إعادتها.
فصل [4 - إجازة القسام وشهادته على قسمه]
وكره مالك إجازة القسام القاضي، وأنا أرى إن وقع ذلك أن يكون على عدد الرؤوس لا على قدر الأنصباء، وكان خارج [بن زيد] ومجاهد يقسمان ولا يأخذان على ذلك أجراً.
قال في غير المدونة: وليس بحرام ولكنه ليس من عمل
الجزء: 15 - الصفحة: 751
الأبرار، وإذا شهد القسام أنهم قسموا هذا الدار لم نجز شهادتهم كالقاضي إذا عزل؛ لأنهم شهدوا على فعل أنفسهم ليجيزوه.
وقال ابن الماجشون: إن ثبت أن القاضي أمرهم بالقسم جازت شهادتهم، ولم يكن إلا قولهم على أمر القاضي بالقسم فلا يجوز.
[فصل 5 - أحد الشركاء يدعي بعد القسم غلطاً]
ومن القسم والأقضية: وإذا ادعى أحد الشركاء بعد القسم غلطاً مضى القسم، ويحلف المنكر إلا أن تقوم للمدعي البينة أو يتفاحش الغلط فينقض، كقول مالك في من باع ثوباً مرابحة ثم ادعى ولهما أنه لا يقبل قوله إلا ببينة، أو يأتي من رقم الثوب ما يدل على الغلط فيصدق مع يمينه.
الجزء: 15 - الصفحة: 752
فصل [6 - الرسول يدفع بغير بينة] وإذا دفع القاضي مالاً إلى رجل وأمره أن يدفعه إلى فلان فقال دفعته إليه وكذبه فلان، فالرسول ضامن إلا أن يقيم بينة.
الجزء: 15 - الصفحة: 753
[الباب الرابع]
في القاضي هل يشهد بها رأي أو علم وحكمه في ذلك أو لقرابته وفي إقرار أحد الخصمين عنده وفي عهدة ما باعه
/
[فصل 1 - في القاضي هل يشهد بما رأى؟ أو علم وحكمه في ذلك]
قال مالك: وإذا وجد السلطان أحداً على حد من حدود الله عز وجل رفع ذلك إلى من هو فوقه وكان شاهداً.
قال ابن القاسم: فإن رآه السلطان الأعلى الذي ليس فوقه سلطان فليرفعه إلى القاضي، وإن رآه مثل أمير مصر رفعه إلى القاضي، وكان شاهداً دون أن يرفعه إلى أمير المؤمنين.
ومن كتاب ابن سحنون روى ابن وهب أن الصديق عليه السلام: قال: لو رأيت رجلاً على حد من حدود الله تعالى ما أخذته ولا دعوة إليه حتى يكون معي غيره.
وقال ابن القاسم: عن مالك في المجموعة كذلك شاهداً.
ابن كنانة: لو كان رابع أربعة في الزنى.
وقاله أشهب.
وإن كان أربعة سواه أقام الحد هو.
الجزء: 15 - الصفحة: 754
قال ابن القاسم: وإن رأه الخليفة على حد رفعه إلى قاضيه مثل ما في المدونة.
ابن المواز وقال أشهب: لا يقام هذا الحد أبداً وأراه هدراً، وقال عبد الملك في المجموعة وكتاب محمد: ينبغي أن يشهد بذلك عند أمنائه من أمير له أو قاض، وقد تحاكم عمر بن الخطاب رضي الله عنه إلى أبي كعب، فحكم عليه باليمين فأخذ يحلف في سواك أراك بيده أن هذا لمن أراك ليرى إباحة اليمين للمحق.
[فصل 2 - الدعوى بين الخليفة ورجل يحكم فيها رجل يرضيانه]
ومن المدونة وإذا كان بين الخليفة وبين رجل دعوى تحاكما إلى رجل يرضيان به فيحكم بينهما، وقد اختصم عمر مع أبي إلى عثمان ابن عفن رضي الله عنهم.
الجزء: 15 - الصفحة: 755
[فصل 3 - شهادة صاحب الشرطة على من سجنه]
قال في كتاب ابن المواز: وإذا أخذ صاحب الشرطة سكراناً فسجنه وشهد عليه هو وآخر معه فلا يجوز شهادته عليه؛ لأنه صار خصماً، ولو رفعه قبل سجنه جازت شهادته عليه إن كان عدلاً مع آخر.
[فصل 4 - شهادة السلطان وحكمه لنفسه أو لقرابته
أو للخليفة أو لغيرهم]
وإن شهد السلطان وآخر معه أن هذا سرق متاعاً لهذا السلطان أو لابنه أو لغيره فلا يقطعه، وليرفعه إلى من فوقه، وإن شهد رجلان سواه أنه سرق متاع السلطان فقطعه، ولم يغرمه حتى يرفعه إلى غيره؛ لأن الغرم حق له، ولا لعمه إلا أن يكون مبرزاً في العدالة.
وقال ابن الماجشون في كتاب ابن حبيب: يجوز حكمه لكل من لا تجوز شهادته له من أب وابن إلا ولده الصغير أو يتيمة أو زوجته، فأما غير هؤلاء الثلاثة فحكم له جائز، وقال أصبغ: إن قال ثبت عندي ولا يدري أثبت عنده أو لم يثبت، ولم يحضره الشهود فلا يجوز، فأما إذا حضره الشهود، وكانت شهادتهم ظاهرة بحق بين فحكمه لهم جائز ما عدا الابن الصغير واليتيم والزوجة.
ولأصبغ في كتاب غير كتاب ابن حبيب: أن قضاؤه جائز لقرابته من ولد زوجة وأخ أو مكاتب أو مدبر إذا صح
الجزء: 15 - الصفحة: 756
الحكم وكان من أهل القيام بالحق، وقد يحكم للخليفة وهو فوقه فهو أكثر تهمة فيه لتوليته إياه.
قال: ولا ينبغي له أن يقضي بين أحد من عشيرته وبين خصمه وإن رضي الخصم بذلك بخلاف رجلين رضيا بحكم أجنبي فينفذ ذلك عليهما.
قال: ولا يقضي بينه وبين خصمه وإن رضي الخصم بذلك، فإن فعل فليشهد على رضاه، وبحكم بالعدل ويجتهد، فإن قضى لنفسه أو لمن لا يجوز قضاؤه له فليذكر في حكمه القضية كلها، ويذكر رضاه بالخصومة عنده، أو يوقع شهادة من شهد برضاه.
قال: وإذا قضى لنفسه أو لمن لا يجوز قضاؤه له باختلاف بين العلماء غير شاذ فأحب إلي إن أرى أفضل منه فليفسخه، فإن لم يفعل حتى مات أو عزل فلا يفسخه غيره إلا في خطأ بين، وإن حكم على نفسه أو على من لا يجوز حكمه له باختلاف غير شاذ فلا أحب أن يفسخه؛ لأنه لا يتهم فيه.
وقال سحنون في العتبية: إذا شهد عند القاضي أبوه أو ولده أو ولد ولده لم أر أن تجوز شهادته إلا أن يكونوا مبرزين في العدالة وبيان الفضل فليجوزهما.
الجزء: 15 - الصفحة: 757
ومن المدونة قال مالك: وإن سمع السلطان رجلاً يقذف رجلاً لم يجز فيه عفو الطالب.
قال ابن القاسم: وذلك إن كان مع السلطان شهود غيره.
قال مالك: إلا أن يريج المقذوف ستراً، مثل أن يخاف أن يثبت ذلك عليه إن لم يعف عنه.
قيل لمالك: وكيف يعرف ذلك؟ قال: يِسأل الإمام عن ذلك سراً، فإن أخبر أن ذلك أمر قد سمع أجاز عفوه.
وقد روى عن مالك أنه قال: يجوز عفوه وإن لم يرد ستراً، وأما في الأب فيقيل عفوه فيه على كل حال.
فصل [5 - في منع الحاكم أن يحكم بعلمه وجواز شهادته عند غيره]
قال مالك: وإذا أقر أحد الخصمين عند القاضي بشيء وليس عنده أحد ثم يعود إليه فيجحد ذلك الإقرار فإنه لا يقضي عليه بذلك إلا ببينة سواه، فإن لم يكن عنده بينة رفع ذلك إلى من هو فوقه وكان شاهداً، وكذلك ما اطلع عليه من حدود الله، أو رأى من غضب، أو سمع من قذف، فليرفعه إلى من فوقه، ويكون شاهداً، وفرق أهل العراق بين الحدود والإقرارات، وقالوا: يحكم من الإقرارات بما سمع في ولايته
الجزء: 15 - الصفحة: 758
لا بما علم قبل أن يلي، ورأى مالك ذلك كله سواء، وقال لا يحكم القاضي بما علمه قبل أن يلي أو بعده.
م: لأنه أمر يستبد بمعرفته، ولا يحكم أحد بعلمه.
دليله أن النبي عليه السلام لم يحكم في المنافقين بعلمه، وهذا بخلاف الجرحة والعدالة هذا يجوز له أن يحكم بما علمه ضرورة؛ لأنه لو لم يجز ذلك إلا ببينة وتعديل معدليهم إلى ما لا نهاية له فاضطر إلى الحكم بعلمه في ذلك، وقاله ابن الماجشون، وقال أصبغ في كتابه: لا يقضي القاضي بعلمه قبل أن يلي أو بعده، وإن كان علمه في مجلس قضائه.
وقاله مالك، فأما إذا جلس الخصمان إليه، وأقر أحدهما بشيء وسمعه القاضي
الجزء: 15 - الصفحة: 759
فجائز أن يقضي به بينهما، ولو كان غير هذا لاحتاج أن يحضر معه شاهدين أبداً يشهدان على الناس.
وكذلك قال ابن الماجشون في المجموعة وبه أخذ سحنون.
قال ابن المواز عن ابن القاسم وأشهب: لا يقضي القاضي بذلك لا بما / أقر به عنده في مجلس القضاء أو غيره لا في حد ولا غيره.
ابن المواز: وليس بين أصحاب مالك في هذا اختلاف علمناه، وقاله مالك.
قلت أفيشه بذلك عليه عند غيره؟.
قال: أما شهادته عنده عليه غير الإقرار في المخاصمة فليرفع ذلك إلى غيره، ولم يختلف أنه يقضي بها.
وأما إقراره.
عنده في المخاصمة فاختلف فيه قول ابن القاسم.
فقال مرة: لا يشهد عليه بذلك عند غيره سواء عزل أو لم يعزل بخلاف ما يكون عنده علم أو لم يعول، وشهادته على إقراره في مجلس الحكم مثل إقراره عنده قبل ذلك، وبهذا أخذ محمد.
قال ابن المواز: ولو جهل القاضي أو تعمد فحكم على الخصم بما أقر به عنده في مجلس الحكم أو قبل أن يلي والخصم يجحد فلينقض هو نفسه ما حكم به من ذلك الإقرار، فإن عزل هو وولى غيره نقض الثاني ما حكم فيه الأول بما علمه قبل أن يلي أو رآه هو بنفسه وهو قاضي من زنى أو غصب أو أخذِ مال أو سمعه من طلاق أو عتق؛ لأنه لا اختلاف في أن ذلك لا يجوز، وأما ما حكم به الأول من الإقرار في مجلسه فلا ينقضه الثاني لاختلاف الناس فيه.
الجزء: 15 - الصفحة: 760
وقاله كله ابن القاسم وأصبغ.
وقاله ابن حبيب: فيما علمه القاضي في غير مجلس قضائه إن لم يكن أمير فوقه، ولا والي تحته، ولا صاحب شرطة، ولا أمير يحكم بين الناس فلا بأس أن يرفع ذلك إلى رجل من رعيته، فإن أبى المطلوب أن يواضعه عند من رأى القاضي أن يجبر الخصمين على التراضي برجل يتحاكمان إليه ثم يضع شهادته عنده فيحكم بما ظهر، وأما ما أقر به الخصوم في مجلسه فله هو أن يحكم به.
[فصل 6 - هل ينفذ القاضي معرفته للشاهد في التجريح والتزكية بعلمه؟]
قال ابن الماجشون فيه: وفي المجموعة والموازية وأما معرفته للشاهد بجرحه أو عدالة فلينفذه بعلمه.
قال ولو كان لا ينفذ في التجريح والتزكية علمه ما أجاز عدلاً ولا مسخوطاً إلا بشاهدين، ولا أجاز الشاهدين إلا بشاهدين، واستحال الأمر وبطل.
[فصل 7 - القاضي يعلم بجرحة الشاهد وعد له المعدلون]
قال ابن القاسم: وابن كنانة في المجموعة: إذا علم منه الجرحة لم يدعه يأتي بمعدل، ولا يقبله.
قال أصبغ: ومعنى ذلك إذا شهد عنده بحدثان ما علم منه، فأما إن طال زمان ذلك وتقادم فلا يطرح شهادته بما علم منه؛ فلعله قد تاب، واجتهد في الخير.
الجزء: 15 - الصفحة: 761
فصل [8 - القاضي يعلم خلاف ما شهدت به البينة]
قال سحنون في كتاب السير: وإن شهد عندي عدلان مشهوران بالعدالة وأنا أعلم خلاف ما شهدا به لم يجز لي أن أحكم بشهادتهما، ولم يجز لي ردها لظاهر عدالتهما، ولكني أرفع ذلك إلى الأمير الذي هو فوقي وأشهد عنده بما علمت وغيري / بما علم فيرى رأيه.
قال: ولو شهد عندي شاهدان ليسا بعدلين على أمر أعلم أنه حق فلا أقضي بشهادتهما؛ لأني أقول في كتاب حكمي بعد أن صحت عندي عدالتهما وإنما صحت عندي جرحتهما.
وقال نحوه ابن الماجشون وابن كنانة في المجموعة.
ومن كتاب محمد قلت: أرأيت إن شهد عنده العدول في أمر يعرف خلافه فما شهدوا به أيوقفه؟ قال: وقفه رد لشهادة العدول ولمن تنقذ شهادتهم بعد الإنتظار اليسير، والأحسن أن لو خلا بهم فأعلمهم بعلمه وشهادته، فلعله ينكشف له أو لهم ما واء ذلك، فإن لم يكن ذلك فليحكم بشهادتهم، وليعلم المشهود عليه أن له عنده شهادة، فيرفع ذلك المحكوم عليه إلى من هو فوقه، فإن لم يكن أحد إلا تحته فقول أشهب أنه لا يجيز رفع ذلك إلى من تحته، وأجاز ذلك عبد الملك، واحتج بفعل عمر رضي الله عنه.
الجزء: 15 - الصفحة: 762
فصل [9 - العهدة فيما باعه القاضي أو الوصي]
ومن المدونة قال ابن القاسم: ولا عهدة على قاض أو وصي فيما وليا بيعه، وعهدة المبتاع من الوصي أو من القاضي في مال اليتامى.
قيل لمالك: فإن هلك مال الأيتام وضاع الثمن ولا مال لليتامة غير ذلك ثم استحقت السلعة التي باعها.
قال: ولا شيء عليهم.
قال مطرف: في الواضحة لا على الأيتام ولا على الوصي أو القاضي، وإن كان لليتامى مال غير ذلك من عقار أو غيره فليتبعوا به.
م: يعني إذا كان ذلك من المال الموروث، وأما من مال كان لهم فلا تباعة عليهم فيه؛ لأن ثمن ما باعوا قد ضاع، وهلك مال الميت غير انتفاعهم فهم في ذلك كالأجنبي، ولو أكلوا الثمن لرجع عليهم من مالهم؛ لأنهم دفعوا بذلك النفقة عن أموالهم والله أعلم بالصواب.
الجزء: 15 - الصفحة: 763
[الباب الخامس]
في النظر في أحكام القضاة
[فصل 1 - في الدعوى على القاضي المعزول بالجور]
قال ابن القاسم: وإذا عزل القاضي وقد حكم بأحكام فادعى من حكم عليه جوره لم ينظر في قوله، ولا خصومة بينهما، وقضاؤه نافذ إلا أن يرى الذي ولي جوراً بيناً فيرده، ولا شيء عل الأول.
قال بعض الفقهاء بالقيروان: إنما قال ولا شيء على الأول؛ لأن الأول جهل فيما حكم به فلم يضمنه، وأما لو تعمد الجور لضمن؛ لأنه كغاصب أخذ مال رجل فدفعه لآخر فله أن يتبع أيهما شاء؛ لأن كليهما غاصب له، وقد قال في المدونة: إن ما أخطأ به في الدماء فهو على عاقلته إن بلغ الثلث، وما كان دون الثلث ففي ماله فألزمه ها هنا غرم ما أخطأ به في القضاء.
وقال في كتاب الأقضية: فيما أخطأ به في الأموال أنه لا يضمن، وقال في كتاب محمد: فيمن أخطأ به في المال مثل أن يأمر بقطع يد في قصاص ثم ظهر أن المقطوع يده عبد، فإن ربه إن فداه رجع على الإمام بما نقصه القطع في ماله، وكذلك إن أسلم إلى المقطوع اليد أن المقطوع يده يرجع على الإمام بما نقصه القطع من ماله.
وألزمه ها هنا ما أخطأ به في الأموال.
الجزء: 15 - الصفحة: 764
[فصل 2 - هل للقاضي أن ينقض قضاء من كان قبله؟]
قال مالك: وإذا ولي الرجل القضاء فلا يعرض لقضاء من قبله إلا أن يكون جوراً بيناً.
وقد كتب عبد الملك بن مروان إلى إبان بن عفان ينهاه عن التعرض لما قضى به ابن الزبير، وقال: إن نقض القضاء عناء معنِ، قال ابن الماجشون: إذا كان الأول معروفاً بالجور فللذي ولي أن يتعقب أقضيته فما تبين أنه حق أمضاه، وما لم يتبين أنه جار فيه أمضاه، وما كان جوراً بيناً رد الحق إلا أن يكون قض بقول قائل فيمضي.
وكذلك في سماع ابن القاسم قال ابن حبيب: قال مطرف وابن القاسم وابن الماجشون أما العالم العدل فلا تتعقب أحكامه من بعده، وليجوزها إن خوصم فيها، ولا يكشف عن شيء منها إلا أن يظهر له خطأ بين لم يختلف فيه، وإذا كان عدلاً وكان جاهلاً كشف أقضيته ورد خطأها الذي لا يختلف فيه، وأما إن كان جائزاً معروفا بذلك / أو غير عدل في حاله وسيرته وهو عالم أو جاهل ظهر جوره أو خفى لم يجز من أقضيته شيء وعلى من ولي بعده ردها كلها صوابها وخطأها إذ لا يؤمن أن يظهر الصواب فيما باطنه خطأ إلا ما عرف من أحكامه بالعدول أن باطنه
الجزء: 15 - الصفحة: 765
صحيح فلينقذه، وقال: أصبغ في مثل هذا: يجوز من أقضيته ما عدل فيه، وينقض منها ما تبين جوره واستريب فيه، ويعمل فيها بالكشف كما يصنع بأقضية الجاهل.
ابن حبيب وقول ابن القاسم ومطرف وابن الماجشون أحب إلينا.
وقال ابن سحنون عن أبيه نحو قول أصبغ.
[فصل 3 - هل أقضية قضاة الكور نافذة؟]
قال: وقال مطرف وابن الماجشون في الرجل يخالف الإمام ويغلب على بعض الكور ويولي قاضياً يقضي فيه بين الناس ثم يظهر عليه فأقضيته ماضية نافذة إذا كان عدلاً إلا خطأ لا اختلاف فيه.
[فصل 4 - هل ينقض القاضي في المسائل المختلف فيها؟]
ابن حبيب: قال ابن الماجشون في معنى قول مالك لا ينقض قضاء القاضي بما اختلف فيه، فأما ما جاء فيه سنة قائمة عن النبي صلى الله عليك وسلم فليفسخ الحكم بخلافها من ذلك: أن يستسعى العبد يعتق بعضه فيقضي باستعسائه في عدم المعتق، فهذا ينقض، ويرد
الجزء: 15 - الصفحة: 766
إليه ما أدى، ويبق العبد معتقاً بعضه إلا أن يرضى من له فيه الرق بإنفاذ عتقه، والتمسك بما أخذ.
ومن ذلك القضاء بالشفعة بالجوار، أو بعد القسمة، فإنه يفسخ.
ومنه الحكم بشهادة النصراني فإنه يفسخ لقوله تعالى: ﴿وَأَشْهِدُوا ذَوَيْ عَدْلٍ مِنْكُمْ﴾.
الجزء: 15 - الصفحة: 767
ومن ذلك ميراث العمة والخالة، والمولى الأسفل، وشبه هذا من الشاذ.
مما توطأ على خلافه أهل بلد الرسول عليه السلام.
وكذلك ما هو ترك من الحاكم لما فعل الفاعل من غير أن يحكم عليه بغيره كطلاق المخيرة فيما قيل أنها واحدة بائن فلو خيرت فاختارت نفسها، ثم تزوجها قبل زوج فرفع إلى حاكم يرى ذلك فأقره، ولم يفرق بينهما، ثم رفع إلى من بعده فهذا يفسخ نكاحها ويجعلها البتة، وليس إقرار الأول إياه حكماً منه وإن أشهد على ذلك وكتب.
ومثل من حلف بطلاق امرأة إن تزوجها ثم نكحها، أو بعتق عبد إن ملكه ثم ملكه، أو نكح وهو محرم فرفع إلى حاكم فأقر الملك والنكاح، أو أقام شاهداً على قتل رجل فرفع إلى من لا يرى القسامة فلم يحكم بها، ثم رفع ذلك كله إلى من يحكم به فليحكم، ولا يمنعه ترك الأول لذلك؛ لأن تركه ليس بحكم.
قال وهو ومحمد: وكذلك إن أقام شاهداً عند من لا
الجزء: 15 - الصفحة: 768
يرى الشاهد واليمين فلم يحكم به ثم رفع إلى من يراه فليحكم به.
وقال محمد بن عبد الحكم عن ابن القاسم: في من طلق امرأته البتة فرفع إلى من يراها واحدة فجعلها واحدة، ولم يمنعه من نكاحها فنكحها الذي أبتها قبل زوج أنه يفرق بينهما، وليس هذا من الاختلاف الذي يقر بالحكم عليه.
وقال ابن عبد الحكم: لا ينقض ذلك كأين ما كان لم يكن خطأ محضاً، وكذلك من حكم بالشفعة للجار، ويثبت نكاح المحرم، وتوريث العمة والخالة والمولى من الأسفل، والذي حلف بطلاق امرأة إن نكحها فما حكم به من هذا حاكم أمضيته.
قال ابن حبيب: لا يعجبني ما انفرد به ابن عبد الحكم دون أصحابه.
ومن المدونة والمجموعة قال ابن القاسم: فيمن قتل رجلاً غيلة فرفع إلى قاض يرى فيه العفو لولاة الدم، فأسلمه إليهم فعفوا عنه، ثم ولي غيره فلا يقتله للاختلاف في ذلك.
وقال أشهب في المجموعة: أرى أن يقتله؛ لأنه لا اختلاف في قتل المحارب؛ لأنه حد من حدود الله عز وجل، وقاله ابن الماجشون قال: وإن أخذت فيه دية ردت إلى من أخرجها.
فصل [5 - الرجل يشتكي القاضي زاعماً أنه جار عليه]
ومن المجموعة قال أشهب: وإذا اشتكى القاضي رجل أنه جار وحكم عليه بغير الحق فينبغي أن يكشف عن ذلك، فإن كان رأيه خطأ، وتبين ذلك لأهل العلم نهاه
الجزء: 15 - الصفحة: 769
عن إنفاذه، فإن خف على الإمام أن يجمعهم عنده في ذلك فَعَل وإلا فيقعد معه رجالاً من أهل العلم والصلاح، ويأمرهم بالنظر في ذلك، ثم لا ينفرد هو دونهم، ولا ينفعه أن يقول كنت حكمت قبل إقعادهم معي؛ لأنه مدع إلا أن يقيم بينة أنه قد كان حكم فينظر في ذلك الإمام، فإن كان صواباً أو فيه اختلاف بين أهل العلم أمضاه، وإن كان [خطأ] لا اختلاف فيه فسخه.
قال: وإذا اشتكى القاضي في أحكامه وميله لغير الحق فينبغي للإمام أن ينظر في أمره قل شاكوه أو كثروا، فيبعث إلى رجل من أهل بلده ممن يوثق بهم فيسألهم عنه سراً، فإن صدقوا قول المشكلة عزله عنهم، وينظر في أقضيته فيمضي ما وافق الحق، ويفسخ ما مال فيه وجار وكان غير موافق للحق، وإن قال من سألهم عنه: ما نعلم فيه إلا خيراً، وهو عدل عندنا، ثبته وتعقب أقضيته، فما خالف السنة رده، وأمضى ما وافقها، ويحمل على أنه لم يتعمد جوراً لكنه أخطأ.
ولا يُمَكن الناس من خصومات قضاتهم إذا اشتكوهم هكذا الوجهين:
أحدها: أن يكون القاضي من أهل العفاف والرضى فستهان بذلك، ويؤذى.
[الآخر]: أن يكون فاسقاً فاجراً فهو ألحن بحجته ممن شكاه فيبطل حقه.
وقد عزل عمر سعد بن أبي وقاص عن الكوفة بالشكية وكذبوا على سعد.
الجزء: 15 - الصفحة: 770
وقال الله لا يسألني قوم عزل أميرهم، ويشكونه إلا عزلته عنهم.
قال سحنون: وعزل عمر شراحبيل بن حسنه فقال: أعن سخطة عزلتني قال: لا ولكن وجدت من هو مثلك في الصلاح، وأقوى على ما عملنا منك، فلم أره يحل لي إلا ذلك.
قال يا أمير المؤمنين إن عزلك عيب فأخبر الناس بعذري، ففعل عمر.
وكان عمر يقدم أمراء كل عام، ويقدم معهم من أهل عملهم رجالاً، فإذا أرادوا بدل عاملهم عزله، وأمر عليهم غيره.
قال مطرف: وإذا كان القاضي مشهوراً بالعدالة والرضا فلا يعزله بالشكية فقط، وإن وجد منه بدلاً، لأن في ذلك فساداً للناس عن قضاتهم، فإن لم يكن مشهوراً بالعدالة فليعزله إذا وجد منه بدلاً، وتظاهرت الشكية عليه، وإن لم يجد منه بدلاً كشف عنه فإن كان على ما يحب أمضاه، وإن كان على غير ذلك عزله وولى غيره، وقال أصبغ: أحب إلي أن يعزله وإن كان مشهوراً بالعدالة والرضا إذا وجد منه بدلاً في حاله؛ لأن ذلك صلاحاً للناس، وكسراً للقضاة والولاة على الناس، وتفريجاً لهم فيما بين ذلك، وقد عزل عمر رضي الله عنه سعداً على الشكية فقط، وسعد أنفذ صحة، وأظهر براءة من جميع من بعده إلى يوم القيامة.
وإذا تظاهرت الشكية فليوقفه بعد عزله للناس فيرفع من رفع، ويحقق من يحقق، وقد أوقف عمر سعداً فلم يصح عليه شيء من / المكروه ويرأه الله مما قالوا، وكان عند الله وجيهاً.
الجزء: 15 - الصفحة: 771
[فصل 6 - القاضي يقر بأنه حكم بجور]
قال ابن حبيب عن أصبغ: إذا أقر القاضي عند الإمام يجور في حكم فالحكم ماضٍ، ويغرم للمحكوم عليه ما استهلك له، كإقرار الشاهد بعد الحكم بالزور، ويعاقب القاضي، ويعزل ولا يولى القضاء أبداً، ولا تقبل شهادته وإن أحدث توبة كشاهد الزور.
[فصل 7 - في القاضي يقول لرجل قضيت عليك بشهادة عدول
فينكر الرجل والشهود]
ومن المجموعة قال ابن القاسم في القاضي يقول لرجل: قضيت عليك بكذا بشهادة عدول فأنكر الرجل وقال: ما شهدوا علي، وسئل الشهود فأنكروا.
قال: يرفع ذلك إلى السلطان، فإن كان القاضي ممن عرف بالعدل لم ينقض قضاؤه أنكر الشهود أو ماتوا، وإن لم يعرف بالعدل لم ينفذ ذلك، وابتدأ السلطان النظر.
[فصل 8 - القاضي يقول للرجل ضربت لك الآجال واستنفذت حجتك
فينكر المقضي عليه]
ابن حبيب قال أصبغ: وإذا قضى بقضية وذكر أنه ضرب له الآجال، واستنفد حجته، فينكر المقضى عليه أن يكون خاصم عنده أو سمع له حجة، قال: القضاء نافذ، وقول القاضي مقبول، وإنما الذي لا يلزم بقول القاصي أن يشهد على إشهاده أنه أودع فلاناً مال يتيم وشبه ذلك، وأما ما كان على وجه الحكومة بقول القاضي مقبول إذا كان مأموناً.
الجزء: 15 - الصفحة: 772
[الباب السادس]
في صفة من يستحق القضاء والفتيا وهل يقبل بعد الحكم حجة أو توكيل؟
[فصل 1 - صفة من يستحق القضاء والإفتاء]
قال مالك: ولا يستقصي من ليس بفقيه، وكان يعجبه قول عمر بن عبد العزيز أنه قال: لا ينبغي أن يلي الرجل القضاء حتى يكون عارفاً بآثار من مضى، مستشيراً لذوي الرأي.
قال: ولا ينبغي لطالب العلم أن يفتي حتى يراه الناس أهلاً للفتيا.
قال سحنون: الناس ها هنا أهل النظر والمشورة والمعرفة.
قال: ابن هرمز: ويرى هو نفسه أهلاً لذلك.
قال مالك: وقد كان يقدم الرجل من البلد يسأل عن علم القضاء، وليس علم القضاء كغيره من العلم، ولم يكن بهذا البلد أعلم بالقضاء من أبي بكر بن عبد الرحمن، وقد كان أخذ شيئاً من علم القضاء إبان بن عثمان، وأخذ ذلك إبان من أبيه عثمان وقد تقدم إيعاب هذا في كتاب آداب القضاء.
فصل [2 - هل يقبل من الحكم حجة أو شاهداً؟]
قال مالك: ووجه الحكم في القضاء إذا أدلى الخصمان بحجتيهما ففهم القاضي عنهما فأراد أن يحكم بينهما أن يقول لهما أبقيت لكما حجة فإن قالا: لا: حَكَمَ بينهما، ثم لا يقبل منه حجة بعد إنفاذ حكمه، فلو قال: بقيت لي حجة فأمهله فلم يأتي بشيء حكم عليه، فإن أتيا بعد ذلك يريدان نقض ذلك لم يقبل منهما إلا أن يأتيا بأمر يرى أن ذلك وجهاً.
قال ابن القاسم: مثل أن يأتي بشاهد عدل عند من لا يقضي
الجزء: 15 - الصفحة: 773
بشاهد ويمين، وقال الخصم: لا أعلم لي شاهداُ آخر فحكم عليه القاضي ثم وجد شاهداً آخر بعد الحكم فليقض بهذا الآخر.
ومثل أن يأتي ببينة لم يعلم بها وما أشبه ذلك، وإلا لم يقبل منه.
قال مالك في كتاب القطع.
قال ابن المواز: وإنما ذلك عندنا في القاضي نفسه، وأما لو ولي غيره لم يكن له أن ينظر فيه، ولا ينقضه.
وقال سحنون في كتاب ابنه: لا يقبل القاضي بعد الحكم من المطلوب حجة وإن أتى بماله وجه.
م: قال بعض القرويين وما في المدونة أشبه م: وإنما لم ينظر في ذلك غيره من القضاة؛ لأن العلة الموجبة أن لا ينقض قاض حكم قاض؛ لأن الأول قد اجتهد، وفعل ما هو متعبد به بعد اجتهاده فحتى نقض ذلك غيره صار ذلك وَصما على الأول.
وفي المجموعة في الذي يقضي عليه ثم يجد بين لم يعلم بها أن ذلك الشيء له، وقد عزل ذلك القاضي له بها الثاني قال: نعم؛ لأنه قد وجد البينة.
م: صواب لأن وجوده البينة التي يعلم بها كما لو قال: لي بينة غائبة بعيدة الغيبة فحكم عليه، ثم إن قدمت له بينه فله القيام بها، فجهله ببينته عذر كغيبة بينته البعيدة.
م: وينبغي ذكر أن
الجزء: 15 - الصفحة: 774
له بينة بعيدة الغيبة أن يكتب الحاكم في قضيته أنه ذكر له بينة غائبة على بُعدِ من البلاد فمتى حضر شهوده كان على حجته، وقاله بعض القرويين، وذكر ابن الماجشون وغيره في الواضحة: أن الحكم إذا تم بشاهدين بعد الاجتهاد في الكشف عنهما لم ينقض بشيء من جميع سخطة الشهداء إلا أن يكونا عبدين، أو مسخوطين مُولى عليهما، أو ممن يستحقان الولاية عليهما فليرد الحكم بهذين الوجهين خاصة، وذكر محمد عن أشهب نحوه، وذكر ابن القاسم في كتاب الرجوع عن الشهادات أن الحكم ينقض بشهادة المسخوط.
وفي كتاب الرجم من المختلطة عن ابن القاسم نحو قول أشهب.
فصل [3 - هل يجوز للرجل أن يوكل من يخاصم عنه وهو حاضر]
قال مالك: ويجوز للرجل أن يوكل من يخاصم عنه وهو حاضر كان طالباً أو مطلوباً إلا أن يريد ضرراً بخصمه فيمنع مثل أن يوكل عليه عدواً أو نحوه، وكمن باع ديناً له على رجل من عدو لغيرمه يريد أذاه فلا يمكن من بيعه منه.
وكان سحنون لا يقبل من المطلوب وكيلاً.
الجزء: 15 - الصفحة: 775
قال مالك في رجلين تناظرا عند الحاكم، وتوَّجه أمرهما، ثم حلف أحدهما أن لا يخاصم بنفسه وأراد أن يوكل فليس ذلك له، إلا لعذر مثل أن يكون اسمَعَه قبيحاً ونحوه.
قال ابن القاسم: ولو مرض أو أراد سفراً أو حجاً أو غزواً فله أن يستخلف من يلي حجته.
وفي كتاب الجعل ذكر الجعل على الخصوم.
الجزء: 15 - الصفحة: 776
[الباب السابع]
جامع مسائل مختلفة من الأقضية
[1 - استخلاف القاضي قاضياً لعذر أو مرض أو سفر]
من الواضحة والمجموعة قال مطرف وابن الماجشون في قاضي الخليفة: ليس له استخلاف قاض مكانه إذا كان حاضراً ولا إن عاقه شغل، وأما إن سافر أو مرض فله أن يجعل مكانه من يقوم مقامه وينفذ أموره ثم لا يكون متقدماً على من استقضاه، وإذ كان ذلك بإذن الخليفة فلا يبالي كان القاضي حاضراً أو غائباً أو مريضاً ذلك كله جائز، وكأن الخليفة ولى قاضيين أحدهما فوق صاحبه، وقال سحنون لا يستخلف إن مرض أو سافر إلا بإذن الخليفة.
قال: ولا يولى بعض أمور الخصوم حكما يحكم بينهم، فإن فعل لم يجز قضاء الحاكم إلا أن ينفذه القاضي، فيكون قضاء منه مؤتنفاً.
م: قال بعض فقهاء القرويين كأنه وكيل الخليفة، والوكيل ليس له أن يوكل غيره إلا أن يكون من الأمور التي الغالب أن يستعين فيها بغيره، فكأنه مأذون له فيها.
قال: وكذلك المرض والسفر كأنه فوَّض إليه السلطان بأن يولي غيره.
م. ليس العادة عندنا أن يولي في المرض والسفر، وقول سحنون لا يولي إلا بإذن الخليفة أولى.
ابن حبيب: وليس للقاضي أن يستخلف من يقضى بعد موته.
الجزء: 15 - الصفحة: 777
[فصل 2 - هل يحكم القاضي بعد موت الأمير أو عزله؟]
قال أصبع: وإذا مات الإمام فلا بأس أن ينظر قضائه وحكامه حتى يعلموا رأي من بعده، وكذلك القاضي يوليه والي المصر، فيعزل الوالي، فهو قاض حتى يعزله الذي وبعده.
فصل [3 - هل يسمع القاضي البينة في سفره ويحكم؟]
قال محمد بن عبد الحكم: وإذا حج قاضي مصر فيأتيه في سفره قوم من أهل عمله يسألونه أن يسمع بينة على رجل من عمله أو كانوا أوقفوا البينة عنده في عمله، فطلبوا الآن أن يكتب لهم بذلك إلى قاضي العراق أن يحكم بذلك الحق، ويُشهد على حكمه، فليس له شيء من ذلك؛ لأنه ليس بوالي على ذلك البلد.
قال: وأما كشفه في غير بلده عن شهادة شاهد كان قد شهد عنده في عمله فذلك له.
قال: ولو كتب قاضي مكة إلى قاضي مصر، وأشهد عليه فدفع إلى قاضي مصر بمكة، وقد قدم حاجاً فلا يسمع عليه البينة حتى يقدم مصر، وكذلك لو ولى الخليفة رجلاً قضاء مصر فخرج إليهم فلا يسمع البينة في طريقه على أحد من أهل مصر.
الجزء: 15 - الصفحة: 778
فصل [4 - إذا ثبت الحق وأراد التسجيل فينهاه الإمام]
ومن العتبية قال سحنون: في القاضي يثبت عنده لرجل حق فيريد التسجيل له فيحضر الأمام خروج غزو فيأمره أن لا ينظر إلى أحد حتى ينصرف فيسجل له بعد نهى الإمام.
قال: أرى ذلك ماضياً.
قال أصبغ: في الخصمين يتجه للقاضي الحكم على أحدهما، فيستغيث بالأمير وهو جائز، فيأمره بترك النظر في ذلك.
قال: إن كان قد تواضعا عنده الحجج، وينظر حتى تبين له الحق فلينفذ له حكمه، ولا ينظر إلى نهي الأمير إلا أن يعزله رأساً، وإن كان في مبتدأ أمرهما قبل أن يتبين له حق أحدهما فلينتبه ويدعهما.
فصل [5 - الحكم بين أهل الذمة]
قال يحي بن عمر: وإذا كانت بين يهودي ونصراني خصومة فليحكم بينهما بحكم المسلمين وإن كره ذلك أحدهما.
فصل [6 - تدعي على زوجها أنه حنث بالطلاق وهو يكذبها]
قال سحنون: وإذا تنازع الزوجان عن القاضي، فقالت المرأة حنث فيها بالطلاق ثلاثاً، وكذبها الزوج كلفت المرأة البينة، وأمره بالنفقة عليها، فإن قال: هي تنكر أني لها زوج.
قال له: أنت مقر بالزوجية، وأنها كذبت، وربما ترك
الجزء: 15 - الصفحة: 779
هذا ولم يفرض لها / عليه رزق.
يقول هو كمن باع بدين، والآخر يقول لا شيء لي عليه.
قال بعض القرويين في هذه المسألة نظر؛ لأن المرأة وإن أقرت أنها لا نفقة لها فهي تقول أمسكني ومنعني الأزواج، ولا قدرة لي على الخروج من تحته، وكيف إذا لم تجد بينة، فردت إليه، ونحن لا نأمرها أن تمكنه من نفسها إذا علمت أنه طلقها ثلاثاً، فإن امتنعت منه وهو لا يقوى عليها لامتناعها وهي تقول حبسني ومنعني من الأزواج، وكيف إن لم يقدر على وطئها.
أو قدر مع قوله أنها مقرة ألا نفقة لها عليَّ، وهي تقول منعني من الأزواج فانظر.
م: والذي أرى أنه قدر على وطئها لزمته نفقتها، لأنه مقر أن نفقتها له لازمة؛ لأنه كذبها، ويقول: أنها زوجتي، ولا ستمتاعه بها وقد منعها من الأزواج، وقد قال عليه السلام: «تقول لك امرأتك أنفق عليَّ أو طلقني» وأما إذا منعته من نفسها، ولم يقدر على وطئها فهي كالناشز، وقد اختلف في النفقة عليها وأحب إليّ في هذه ألا نفقة لها عليه؛ لأنها مقرة أنها ليست له زوجة، وقد منعته من الاستمتاع بها فوجب ألا نفقة لها والله أعلم.
تم كتاب الأقضية من المختلطة بحمد الله ونعمته، وبقيت منه مسائل هي مذكورة في البيوع والشهادات والدماء، وهناك موضعها فتركت نقلها ها هنا لكثرتها، ولا فائدة في تكرارها، والله الموفق للصواب.
الجزء: 15 - الصفحة: 780