الجامع لمسائل المدونةكتاب الأشربة
أهل الأثرالأرشيف العلمي

[الباب الأول]

في تحريم الخمر، وما يحرم من الأنبذة

[1 - فصل: في التدرج في تحريم الخمر] قال مالك رحمه الله: وما أسكر كثيره من الأشربة فقليله حرام.
قال ابن حبيب: ذم الله سبحانه الخمر في آيتين، وحرمها في الثالثة التي أنزلها بعدهما في سورة المائدة فنسخ بها الآيتين، وهما قوله عز وجل:

الجزء: 22 - الصفحة: 486

﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ قُلْ فِيهِمَا إِثْمٌ كَبِيرٌ﴾، يقول: ما يجر إليه من دواعي السكر، ومنافع للناس، كان يشربها الرجل للهم يعرض له فتسكه، ومنافع الميسر مقامرتهم به، وإثمه ما يقع في خلال ذلك من الشحنة والمنازعة، ثم أنزل الله سبحانه الآية الثالثة الناسخة: ﴿إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالْأَنْصَابُ وَالْأَزْلَامُ﴾ إلى قوله تعالى: ﴿فَاجْتَنِبُوهُ﴾ إلى قوله: ﴿مُنْتَهُونَ﴾، فأمره عز وجل باجتنابها تحريم لها؛ لأن أوامره

الجزء: 22 - الصفحة: 487

واجبة، وقد قرنها عز وجل بالميسر والأنصاب- وهي الأصنام-.
[2 - فصل: في الإجماع على أن الشدة في العصير تنقله إلى الخمر] قال غيره: وأجمعت الأمة على انتقال اسم العصير إلى اسم الخمر بالشدة الحادثة في العصير، فدل ذلك على أن الشدة أصل التحريم، فكل ما كانت الشدة فيه موجودة من جميع الأشربة وجب له حكم الخمر، وإنما حُرمت الخمر؛ لأنها تحدث منها العداوة والبغضاء، وتصد عن ذكر الله عز وجل، وعن الصلاة.
[3 - فصل: فيما يحرم من الأنبذة وعلة تحريمه] قال أبو بكر بم البكير: والخمر التي حرم الله عز وجل هي السكر، وهو المسكر الذي يثمل كثيره، ويدعو إلى العداوة، والبغضاء، ويصد عن ذكر الله عز وجل وعن صلاة، فالخمر لم تحرم لطيب طعم، ولا للون، ولا رائحة، لكن لما يكون عنها، ولا فرق بين مسكر العنب، ومسكر التمر

الجزء: 22 - الصفحة: 488

وغيره، وإنما سميت خمراً لمخامرتها العقل، والسكر إنما سمي سكراً؛ لأنه يسكر بمخامرته العقل، قال الله عز وجل: ﴿وَمِنْ ثَمَرَاتِ النَّخِيلِ وَالْأَعْنَابِ تَتَّخِذُونَ مِنْهُ سَكَرًا وَرِزْقًا حَسَنًا﴾، فالسكر الخمر، وقد قال أنس: "إن خمرهم كانت يوم نزل تحريمها من فضيخ التمر والرطب، فأمر من حضر من الأنصار أن يريقها حين نزلت الآية، فلم يشكوا أنها الخمر".
والفضيخ: هو أن يؤخذ البُسر فيهشم ويصب عليه الماء، ثم يترك حتى يطيب ثم يشرب، ومن تركه حتى تحدث فيه الشدة صار خمراً حراماً.

الجزء: 22 - الصفحة: 489

وقد قال عمر رضي الله عنه: "نزل تحريمها يوم نزل وهي من خمس، ثم أجمل فقال: ألا وإن الخمر ما خامر العقل".
فبين معناها.
ومن القياس: أن مسكر العنب والتمر وغيره سواء، إذ من أجل السكر حرمت، واحتيط على العباد فمنعوا من قليلها إذا كان داعيا إلى كثيرها، كما منع من التصريح بالخطبة في العدة، إذ ذلك داعية إلى النكاح فيها، ومنع سائق الهدي التطوع الأكل منه خيفة التطريق إلى نحره، ثم يدعي عطبه، ومنع البيع عند النداء خيفة فوت الجمعة، ومثل هذا كثير.
[4 - فصل: في نصوص السنة الواردة في تحريم المسكر] وقد ثبت أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (كل مسكرٍ

الجزء: 22 - الصفحة: 490

حرام).
وقال: (ما أسكر كثيره فقليله حرام).
وقال: (كل مسكرٍ خمر).
وثبت أن النبي صلى الله عليه وسلم سُئل عن البتع؟، فقال: (كل

الجزء: 22 - الصفحة: 491

شراب أسكر حرام).
قال أحمد بن خالد: حديث البتع صحيح.
والبتع: شراب العسل.
وقال صلى الله عليه وسلم للذين سألوه من اليمن عن شرابهم، وأنه لا يصلحهم إلا ذلك لبرد أرضهم، فقال عليه السلام: (ايسكر؟)، قالوا: نعم.
فنهاهم عنه، وقال: (كل مسكر حرام).
ولم يريدوا أنه لا يصلحهم إلا السكر منه، وإنما رغبوا في شربه، فحرمه عليهم.

الجزء: 22 - الصفحة: 492

[5 - فصل: في الإثبات بالمعقول أن قليل الخمر ككثيره في التحريم] ولما كان العصير من العنب الذي جامعونا عليه لا يجب له اسم الخمر إلا بحدوث الشدة فيه، دل على أن الشدة أوجبت هذا الاسم لقليله وكثيره، وقد قرن الله عز وجل النخيل والأعناب فيما يحدث عنهما بما يجب له هذا الاسم، وقد أمر الله عز وجل باجتناب الخمر فوجب اجتناب قليله إذ اسم الخمر واقع عليه، فكذلك كل ما وقع عليه اسم خمر من سائر الأشربة.
فإن قيل: وجب له اسم الخمر لقليلها وكثيرها بالشدة، لكن حرم كثيرها لما فيه من السكر الداعي إلى ما ذكر الله عز وجل من الصد عن ذكر الله، والصلاة.
قيل: إن الخمر هو الداعي إلى ذلك، ولذلك حرمه.
ولأن قليله يدعو إلى كثيره، ويتطرق به إليه، كما يدعو كثيره إلى نهاية تلك الأمور، وكثير في

الجزء: 22 - الصفحة: 493

الشريعة بهذا المعنى يمنع للجرائر والدواعي، وقد ألزمنا المخالف لما أقر بما ثبت من الحديث في تحريم المسكر أن جملة المشروب هو المسكر؛ لأن آخر المشروب لا يسكر منفرداً كأوله، فقد دخل القليل تحت هذا الاسم، فوجب هذا الاسم لقليله وكثيره.
فإن قيل: إن ذلك مثل قليل العقار القاتل كثيره، وما يشم من الطعام، وما دونه من الأكل.
قيل: قد نص الله سبحانه وتعالى على تحريم الخمر، وقد بينا أن القليل يقع عليه اسم خمر، وأجمعت الأمة على أن قليل العقار الضار كثيره جائز أكله، فهذا كالنص بتحليل قليله، فقاسوا بغير مشتبه.
وأيضاً: فإن أخذ قليل العقار ليس بداعية إلى المزيد فيه، وتناول

الجزء: 22 - الصفحة: 494

قليل الخمر داعية إلى المزيد فيه؛ لأنه يحدث في النفس تطلباً إلى المزيد، وطرباً إليه.
وأيضاً: فإنا اتفقنا أن الحد يجب على السكر من الخمر، فيلزمهم أن يحدوا في السكر من كثير العقار؛ لأنه تناول حراماً كما تناول من الخمر، وهذا لا يقوله أحد.
[6 - فصل: في الإثبات بالمنقول أن قليل الخمر ككثيره في التحريم] قال ابن المواز: أخبرنا ابن عبد الحكم يرفعه إلى النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: (كل مسكر حرام)، قيل: يا رسول الله أحدنا يشرب القدح في غدائه وعشائه؟، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (ما أسكر كثيره فقليله حرام).
وقالت عائشة رضي الله عنها: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:

الجزء: 22 - الصفحة: 495

(ما أسكر الفرق منه فالحسوة منه حرام).
وقال علي بن أبي طالب رضي الله عنه: "ما أسكر كثيره فقليله حرام".
وروى أن الأنصار قالوا: يا رسول الله أرأيت لو عمد أحدنا إلى الشربة فمذقها بالماء؟، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم (حرام قليل ما أسكر كثيره).

الجزء: 22 - الصفحة: 496

[7 - فصل: في النقطة من الخمر تقع في الطعام] وروى ابن المبارك عن خالد بن راشد عن عبد الله بن عبيد بن عمير عن أبيه قال: "لو أن قطرة من خمرٍ مسكرٍ وقعت في برمة ماءٍ

الجزء: 22 - الصفحة: 497

لحرم ذلك على أهله.
وقال ابن حبيب في النقطة وشبهها تقع في كثير من الطعام: فلا تجرم، كالنقطة من الدم تقع في ماء كثير فتذهب فيه فلا تفسده.

الجزء: 22 - الصفحة: 498

الباب [الثاني]

في الحد في شرب الخمر، وفي رائحته، وفي المدمن عليه، وفي الاستنكاه

[8 - فصل: في الحد في شرب المسكر من أي شراب كان وإن قل] قال مالك رحمه الله: ومن شرب خمراً، أو نبيذاً مسكراً، قليلاً كان أو كثيراً، سكر منه أم لا؛ فعليه الحد ثمانون جلدة، وكذلك إن شهدت عليه بينة أن ربه رائحة مسكر؛ جلد الحد، كان أصله عصير عنب، أو زبيب، أو تمر، أو تين، أو حنطة، أو غير ذلك، وكذلك الأسكركة إذا أسكرت؛ لأنها عنده خمر إذا كانت تسكر.
والسكركة: شراب يعمل من القمح.

الجزء: 22 - الصفحة: 499

[9 - فصل: في الحد على من ظهرت منه رائحة الخمر، وحكم المدمن عليه] قال ابن حبيب: وهي السنة أن يحد ثمانين جلدة من شرب مسكراً، سكر أو لم يسكر، أو وجد منه رائحة سكر، وكذلك فعل عمر بن الخطاب، وعمر بن عبد العزيز رضي الله عنهما "جلدا في الرائحة".
قال ابن المواز: وأول من جلد في شرب المسكر ثمانين عمر بن الخطاب رضي الله عنه، وهو السنة، أجمع المسلمون على ذلك، ويقويه حكم العمرين، وقاله علي بن أبي طالب رضي الله عنهم أجمعين، ومضى عليه العمل أن الحد في الخمر ثمانون، وكل مسكر خمر.
وإنا لنرى فيما نهى عنه رسول الله صلى الله عليه وسلم من الخليطين

الجزء: 22 - الصفحة: 500

وغيره من الأنبذة الأدب الوجيع لمن نهي عنه وعرف ذلك فارتكب المعصية تعمداً.
وقال أشهب عن مالك في المدمن في الخمر: يجلد كلما أخذ الحد.
وأرى أن يلزم السجن إذا كان مدمناً خليعاً، "وقد فعله عامر بن الزبير بابن له كان ماجناً".

الجزء: 22 - الصفحة: 501

[10 - فصل: في العمل بالاستنكاه] قال ابن القاسم في الاستنكاه: أرى أن يعمل به.
وقال أصبغ: وقد حضرت العمري القاضي، وكان عنده ابن وهب، وجماعة من العلماء، فأمروا بالاستنكاه، ففاوهه بالكلام والمراجعة، ثم أدخل مشمه في شدقه، فقطع عليه أنها خمر؛ فجلده، قال: وأحب أن يستنكهه اثنان كالشهادة، فإن لم يكن إلا واحد فعليه الحد إذا كان الإمام هو الذي أمره بالاستنكاه حين استرابه، وأما إن كان شاهداً عليه بالاستنكاه من قبل نفسه فلا يجوز إلا اثنان كالشهادة.

الجزء: 22 - الصفحة: 502

الباب [الثالث]

ما يحل وما يحرم من الأنبذة، وذكر المطبوخ، والخليطين، والنبيذ في الدباء والمزفت

[11 - فصل: فيما يحل وما يحرم من الأنبذة] قال مالك رحمه الله: وعصير العنب، ونقيع الزبيب، وجميع الأنبذة، شربها حلال ما لم يسكر، فإذا أسكرت فهي خمر، ولا أحد في قيام الانتباذ قدراً من توقيت وقت أو غليان، والسكر علة التحريم، ولا ينظر إلى الغليان.
قال ابن حبيب: وحد بعض التابعين فيه الغليان، وإنما حرموه بالغليان حوطة؛ لأنه علم لاختماره، فأنا أنهى عنه، وبالسكر يجب التحريم.

الجزء: 22 - الصفحة: 503

[12 - فصل: في شرب المطبوخ ورأي السلف فيه وخلطه بالماء] قال مالك: وكنت أسمع أن المطبوخ إذا ذهب ثلثاه لم يكره، ولا أرى ذلك، ولكن إذا طبخ حتى لا يسكر كثيره حل، وإن أسكر كثيره حرم قليله.
محمد قال أشهب: ولو نقص تسعة أعشاره.
وقد حدث مالك: "أن عمر بن الخطاب حين قدم الشام شكا إليه أهل الشام وباء الأرض وثقلها وقالوا: لا يصلحنا إلا هذا الشراب.
فقال عمر بن الخطاب رضي الله عنه: اشربوا العسل.
فقالوا: لا يصلحنا العسل.
فقال رجل من أهل الأرض: هل لك أن أجعل لك من هذا الشراب شيئاً لا يسكر قال: نعم.
فطبخوه حتى ذهب منه الثلثان وبقي الثلث، فأتوه به، فأدخل عمر فيه إصبعه ثم رفع يده فأتبعها يتمطط، فقال: هذا الطلاء، هذا مثل طلاء الإبل.
فأمرهم عمر رضي الله عنه أن يشربوه.
فقال له عبادة بن الصامت: أحللتها والله.
قال عمر

الجزء: 22 - الصفحة: 504

رضي الله عنه: كلا والله، اللهم إني لا أحل لهم شيئا حرمته عليهم ولا أحرم عليهم شيئا أحللته لهم".
وإنما قال ذلك عبادة من أجل أنه اتقاء ألا يبالغ في طبخها، فتبقى على حالها فتصير خمراً، فلما فهم عمر قول عبادة قال: "اللهم إني لا أحل لهم شيئا حرمته عليهم ولا أحرم عليهم شيئا أحللته لهم".
قال محمد: وأكثر ما يعرف من العصير إذا طبخ فذهب ثلثاه أنه يحل؛ لأنه لا يحرم ولا يسكر، وليس ذلك في كل شراب، ولا كل عصير، فأما الموضع المعروف بذلك فلا بأس به إن شاء الله، وقد شربه جماعة من

الجزء: 22 - الصفحة: 505

أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم؛ أبو موسى الأشهري، وأبو الدرداء، وعقبة بن عامر، وأبو عبيدة بن الجراح، ومعاذ بن جبل رضي الله عنهم، وسئل الحسن رضي الله عنه: عن الطلاء المنصف؟

الجزء: 22 - الصفحة: 506

فقال: "لا تشربه".
قلت: فما ذهب ثلثاه، وبقي ثلثه، وجعل في الخوابي تكون هي أوعيته؟ قال: اشربه.
قلت: أتشربه أنت يا أبا سعيد؟ قال: نعم، "كان أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم يشربونه".
محمد: قيل لمالك: فمن مزج طلاء العنب بالماء ثم يتركونه يوم ثم يشربونه؟ قال: إن لم يسكر فلا بأس به.
[13 - فصل: في جعل شيء في الشراب يعجل بشدته] قال مالك: ولا يجعل دردي المسكر وعكره في شراب يضرى

الجزء: 22 - الصفحة: 507

به ولا في شيء من الأشربة أو الأطعمة،- يريد: فأما دردي غير المسكر فلا بأس به-، ورواه أشهب عن مالك.
وروى عنه ابن القاسم في النبيذ يجعل فيه عكره يضرى به: فكرهه.
وأخذ أصبغ بقول مالك، ولم يعجبه قول ابن القاسم.
ومن المدونة: وأرخص مالك أن يجعل في النبيذ عجين، أو دقيق، أو سويق، ليعجله أو يشتد به قليلا، ثم نهى عنه، وقال: بالمغرب تراب يجعلونه في العسل، وأنا أكرهه، وهذه الأشياء يريدون بها إجازة الحرام.
قال ابن القاسم: ولا أرى به بأساً ما لم يسكر.
[1 - فصل: في حكم الخليطين] قال مالك: ولا يعجبني أن ينبذ البسر المذنب

الجزء: 22 - الصفحة: 508

الذي قد أرطب بعضه حتى يكون بسراً كله.
قال غيره: وقد "كان ابن عمر ينبذ النبيذ فينظر إلى الثمرة بعضها بسرة وبعضها رطبة فيقطعها ولا ينبذها كلها" كراهية أن ينبذ البسرة والرطب جميعا؛ لنهي النبي صلى الله عليه وسلم عن ذلك وعن الخليطين في الانتباذ؛ لأن بعض ذلك يهيج بعضاً.
قال مالك: ولا يجوز أن ينبذ تمر مع زبيب، ولا بسر أو زهو مع رطب، ولا حنطة مع شعير، ولا شيء من ذلك مع تين أو عسل؛ (لأن النبي صلى الله عليه وسلم نهى أن ينبذ البسر والتمر جميعا، أو الزهو والتمر جميعا).

الجزء: 22 - الصفحة: 509

قال مالك رحمه الله: وإن نبذ كل واحد مما ذكرنا على حدة لم ينبغ أن يخلطا عند الشرب، وما حل من الأنبذة فلا يجوز فيه الخليطين؛ (لنهي النبي صلى الله عليه وسلم عن الخليطين من الأشربة).
قال ابن حبيب: ولا يجوز شرب الخليطين نبذا كذلك، أو خلطا عند الشرب، كانا من جنس واحد أو جنسين، مثل عنب وزبيب، أو زهو ورطب، أو تمر مذنب.
قال: وإن نبذ زبيب وحده؛ لم يجز أن يصب عليه عند شربه عسل، أو يلقى فيه تمر أو تين، قال: إلا الفقاع فقد استخف أصبغ أن يحلى بالعسل عند شربه، قال: وإن كان نبيذان أصلهما زبيب؛ جاز أن يخلطا عند الشرب، وكذلك نبيذ زبيب يطرح عليه زبيب ليحليه أو يشده، أو عسل

الجزء: 22 - الصفحة: 510

يطرح على نبيذ عسل.
وذكر ابن المواز في معاني الخليطين نحو ما ذكر ابن حبيب.
قال غيره: ولا بأس أن يخلط شراب ورد مع شراب بنفسج ويشربان؛ لأن اصلهما واحد وهو السكر.
قال ابن القاسم: ولا بأس أن يخلط العسل مع اللبن ويشرب.
قال عبد الملك بن الحسن عن ابن وهب: لا بأس أن يجعل العسل في البس؛ لأنه مثل الماء، وليس هو مثل الخليطين.
وقال عيسى: لا يصلح؛ لأنهما خليطان.

الجزء: 22 - الصفحة: 511

ومن المدونة: وإن خلط العسل بنبيذ لم يصلح،- يريد بنبيذ غير العسل-.
قال ابن القاسم: ولا بأس أن يخلط نبيذه بالماء ويشربه؛ لأن الماء لا ينبذ وإنما يكره أن يخلط بشيء يكون منه نبيذا، ولا بأس بأكل الخبز بالنبيذ؛ لأن الخبز ليس بشراب.
قيل: فهل ينقع الخبز في نبيذ ويتركه يوماً أو يومين ثم يشربه قبل أن يسكر؟ قال: هذا مثل ما أعلمتك من الجذيذة وشبه ذلك أن مالكاً كرهه في قوله الآخر.
[15 - فصل: في النبيذ في الدباء والمزفت ونحوهما] قال ابن القاسم: قال مالك: ولا يصلح أن ينبذ في الدباء والمزفت.
قيل: أليس نهى النبي صلى الله عليه وسلم عن الظروف ثم وسع

الجزء: 22 - الصفحة: 512

فيها؟ قال مالك: ثبت عندي (أن النبي صلى الله عليه وسلم نهى عن الدباء والمزفت)، فلا ينبذ فيهما، ولا يكره غير ذلك من الفخار أو غيره من الظروف، وأكره مزفت الدباء وغير مزفته، وأكره كل ظرف مزفت كان زقاً أو فخاراً أو غيره.
والزفت: شيء يعرفه الناس يزفتون به قلالهم وظروفهم.
وذكر ابن حبيب رواية مالك (أن النبي صلى الله عليه وسلم نهى أن ينبذ في الدباء والمزفت)، قال: ورواه جابر وزاد: (والنقير

الجزء: 22 - الصفحة: 513

والحنتم).
قال ابن حبيب: والنقير: ما كان من عود، والحنتم: ما كان من الجر من فخار أخضر كان أو أبيض.
وقال أهل العلم: نهي عن ذلك لئلا يتعجل ما ينبذ فيها.

الجزء: 22 - الصفحة: 514

ثم روي عنه صلى الله عليه وسلم أنه أرخص فيها بعد ذلك فقال: (كنت نهيتكم عن الأوعية فانبذوا، ولا أحل كل مسكر).
وأن (عائشة رضي الله عنها كانت تنبذ للنبي صلى الله عليه وسلم في جر أخضر)، "وكانت عائشة رضي الله عنها تشربه فيها".
وروي (ما كان بين نهيه ورخصته إلا جمعة).
واختلف الصحابة في إباحة ذلك وحظره.
وأراه ممن لم تبلغه الإباحة.
فروي عن علي، وابن مسعود، ومعاذ، والخدري، وأنس،

الجزء: 22 - الصفحة: 515

رضي الله عنهم "أنهم لم يكونوا يتقون نبيذ الجر ولا غيره"، وأخذ بذلك نافع، وربيعة.
وأخذ بالتحريم من الصحابة عمر، وابن عمر، وابن عباس، وأبو هريرة، ورضي الله عنهم، ومن التابعين: الحسن، وابن سيرين، وعطاء، وطاوس، وسعيد بن جبير، وابن شهاب.
وأشد ما جاء

الجزء: 22 - الصفحة: 516

عنهم نبيذ الجر.
وأخذ مالك بكراهية نبيذ الدباء، والمزفت، وأرخص في نبيذ النقير والحنتم.
والتحليل في جميعه أحب إلي.
ومن كتاب ابن المواز: وكره مالك الدباء، والمزفت، والنقير عنده كالمزفت.
قال عنه أشهب: وأجاز نبيذ الجر، وأجاز الزقاق وإن كانت مزفتة، وكره القرعة وإن لم تكن مزفته ولا مقيرة، وأن يجعل فيها نبيذ.

الجزء: 22 - الصفحة: 517

[16 - فصل: في تغسيل أواني الخمر واستعمالها] ومن العتبية روى أشهب عن مالك في الزكرة للخمر تغسل أيجعل فيها الخل؟ قال: لا؛ لأنها قد تشربت فلا يفعل، وأخاف أن لا يخرج ريحها منها وإن غسلت، وأما الجرار إذا غسلها فلا بأس بها.
قال في المختصر الكبير: إذا طبخ فيها الماء وغسلت.

الجزء: 22 - الصفحة: 518

الباب [الرابع]

في تخليل الخمر، أو يعمله مربى، وفي التداوي بها

[17 - فصل: في تخليل الخمر من مسلم أو نصراني، وحكم أكلها] قال مالك رحمه الله: وإذا ملك المسلم خمراً فليهريقها، فإن اجترأ وخللها وصارت خلا أكلها، وبئس ما صنع.
وقال في كتاب محمد: ولا بأس إذا خللها النصراني أن تؤكل.
ومن كتاب ابن حبيب: ومن عصر عصيراً يريد به الخل فلا بأس أن يعالجه ليخلله ويلقيه على دردي العنب وحثالته، وإن دخلته الخمر ثم إن عجل بفتحه قبل أوانه فوجده قد دخله عرق الخل فله أن يقره ويعالجه حتى يتحقق تخليله وإن لم يدخله عرق خل، ولا رائحته، فهو خمر فليهريقه، ولا يحل له حبسه ولا علاجه ليصير خلا، فإن اجترأ على المعصية فحبسها حتى صارت خلاً؛ فقد باء بإثمه.

الجزء: 22 - الصفحة: 519

وقد اختلف في أكلها: فنهى عمر أن يؤكل خل من خمر خللت حتى يبدأ الله عز وجل يتخليلها، وقاله ابن مسعود، وأخذ به ابن الماجشون.
وأجازه ربيعة، وبه قال مالك وأصحابه، وبه أقول.
[18 - فصل: في عمل الخمر مربا] قال في المدونة: وسئل مالك عن الخمر يجعل فيه الحيتان فتصير مربا؟.
فقال: لا أرى أكله، وكرهه ابن حبيب.
ولا بأس بالمربا الذي يعمل من العصير.

الجزء: 22 - الصفحة: 520

[19 - فصل: في التداوي بالخمر] قال ابن حبيب: وقد (نهى النبي صلى الله عليه وسلم عن التداوي بالخمر، وقال: ليس فيما حرم الله عز وجل شفاء).
وكذلك روينا عن غير واحد من الصحابة والتابعين النهي عن ذلك منهم: عمر، وعائشة، وابن مسعود، وابن عمر، رضي الله عنهم.

الجزء: 22 - الصفحة: 521

وكره ابن عمر أن تسقاه الناقة، وأن تداوى بها دبر الدواب.
قال مكحول، ومالك: ولا يحل لمضطر أن يشربها لعطش أو جوع؛ لأنها لا تغني من ذلك.

الجزء: 22 - الصفحة: 522

الباب [الخامس]

في بيع الخمر، وبيع العنب ممن يعصره خمرا

[20 - فصل: في بيع الخمر والعصير والعنب] من كتاب ابن المواز: وابن حبيب: وقال الرسول صلى الله عليه وسلم في الخمر: (إن الذي حرم شربها حرم بيعها)، (ولعن شاربها، وساقيها، وبائعها، ومشتريها، وحاملها، والمحمولة إليه، وعاصرها، ومعتصرها، والقيم عليها، وآكل ثمنها).

الجزء: 22 - الصفحة: 523

"ونهى ابن عمر عن بيع العصير، فقال له رجل: إذا أشربه، قال: نعم.
قال: فحل شربه وحرم بيعه؛ فقال له: أجئت تستفتيني أو تماريني".
قال ابن حبيب: وإنما نهى عن بيعه خيفة أن يخمره مشتريه؛ لأنه لا يصرف إلا إلى الخمر، إلا أن يكون مبتاعه مأموناً يعلم أنه يشربه عصيراً فيجوز.
قال: وكذلك بيع الكرم إذا خيف أن يشترى ليعصر خمراً لم يجز بيعه منه وإن كان مسلماً، وأما رومي فلا يحل بحال؛ لأنه هو شأنهم.
ونهى عنه ابن عمر، وابن عباس، وعطاء، والأوزاعي، ومالك، وغيرهم.
قال الأوزاعي: هو كمن باع سلاحاً ممن يعلم أنه يقتل به مسلماً،

الجزء: 22 - الصفحة: 524

وقاله مالك في الكتابين: فيمن يبيع العسل، أو التمر، أو الزبيب، أو القمح، ممن يعمله شراباً مسكراً، وكره طعام عاصرها، وبائعها، ومعاملته، وإن كان مسلماً، أو يكري حانوته من خمارٍ، أو شيئاً يستعمل في أمر الخمر.
ونهى عنه ابن عمر، وابن المسيب.
تم كتاب الأشربة بحمد الله وعونه، وصلى الله على محمد رسوله وعبده.

الجزء: 22 - الصفحة: 525

بسم الله الرحمن الرحيم صلى الله على سيدنا ومولانا محمد وعلى آله وصحبه وسلم

فصول الكتاب · 78 فصل
فصول الجامع لمسائل المدونة
المقدمةالمقدمةكتاب الصلاة الأولكتاب الصلاة الثانيكتاب الجنائز من الجامعكتاب الصوم من الجامعكتاب الاعتكافكتاب الزكاة الأولكتاب الزكاة الثاني من الجامعكتاب الحج الأول من الجامعكتاب الحج الثاني من الجامعكتاب الحج الثالث من الجامعكتاب الصيد من الجامعكتاب الذبائح من الجامعكتاب الضحايا من الجامعكتاب العتق الأول من الجامعكتاب المكاتب الأولكتاب السلم الأولكتاب السلم الثانيكتاب السلم الثالثكتاب الصرفكتاب الرهنكتاب بيوع الآجالكتاب البيوع الفاسدةكتاب بيع الخياركتاب المرابحةكتاب اشتراء الغائبكتاب الوكالاتكتاب التجارة إلى أرض الحربكتاب جامع لأبواب متفرقةكتاب العراياكتاب العيوب والتدليسكتاب الصلحكتاب الجوائحكتاب الجعل والإجارةكتاب المساقاةكتاب القراضكتاب الأقضيةكتاب كراء الرواحل والدوابكتاب كراء الدور والأرضينكتاب الشركةكتاب الشهادة الأولىكتاب الشهادة الثانيكتاب الرجوع عن الشهاداتكتاب المديانكتاب الرجوع عن الشهاداتكتاب التفليسكتاب الحمالةكتاب المأذون له في التجارةكتاب اللقطةكتاب الضوالكتاب الإباقكتاب حريم الآبار وإحياء المواتكتاب الغصبكتاب الوديعةكتاب العاريةكتاب العدةكتاب الاستحقاقكتاب الحبسكتاب الصدقةكتاب الهبة والهباتكتاب الهباتكتاب الوصايا الأولكتاب الوصايا الثانيكتابً الوصايا الثالثكتاب الشفعة الأولىكتاب الشفعة الثانيكتاب القسم الأولكتاب القسم الثانيكتاب الفرائض الثانيكتابكتاب المحاربين والمرتدينكتاب القذفكتاب الأشربةكتاب الجراحكتاب الجناياتكتاب الدِّياتكتاب الجامع
جارٍ التحميل