الجامع لمسائل المدونةكتاب اشتراء الغائب
أهل الأثرالأرشيف العلمي

[الباب الأول]

جامع القول في بيع السلعة الغائبة

[الفصل 1 - في صفة البيع الجائز وبيع الشيء الغائب على الصفة] [الفصل 1 - في صفة البيع الجائز وبيع الشيء الغائب على الصفة] قال الله تعالى: ﴿وَأَحَلَّ اللهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبَا﴾ [البقرة: 275] وقال: ﴿إِلاَّ أَن تَكُونَ تِجَارَةً عَن تَرَاضٍ مِّنكُمْ﴾ [النساء: 29] فدل بذلك أن كل بيع على الجواز إلا ما قامت الدلالة على منعه من دخول ربا فيه، أو ماجر ذلك إليه، أو دخله غرر أو شيء من الشروط المكروهة، وقد بينا ذلك في البيوع الفاسدة.
وقال كبار أصحاب مالك: لا ينعقد بيع إلا على أحد أمرين إما على صفة أو رؤية عرفوها.
م فهذان وجهان منعقدان قال أو شرط في عقد البيع أنه بالخيار إذا رأى.
م وهذا الوجه الثالث غير منعقد إلا بعد الرؤية والرضا به.
قال: فكل بيع ينعقد في سلعة بعينها على غير ما وصفنا فهو منتقض.
قال عبد الوهاب: المبيع على ثلاثة أضرب: عين حاضرة مرئيه، وغائبه عن العقد، وسلم في الذمة.

الجزء: 13 - الصفحة: 897

فلا خلاف في الحاضرة وفي السلم وأما الغائبة فيجوز عندنا على الصفة أو على تقدم رؤية خلافًا للشافعي في منع بيعها على الصفة.
ودليلنا قوله تعالى: ﴿وَأَحَلَّ اللهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبَا﴾ [البقرة: 275] ولأن ما تتعذر رؤيته تقوم الصفة فيه مقام الرؤية كالسلم.
قال: ولا يجوز بيعه بغير صفة ولا رؤية ولا مع شرط خيار الرؤية.
قال: وذكر في المدونة جواز ذلك إذا اشترط خيار الرؤية.
وكان شيخنا أبو بكر ابن [عبد الله بن] صالح وأصحابه يقولون أنه خارج عن الأصول.
/م ولا وجه لمنعهم جوازه؛ لأنه لا غرر فيه ولا ما يمنع جوازه وكأن المشتري لم تتحقق عنده الصفة ولا وثق بوصف غيره، فاشترط رؤية نفسه؛ ولأن الصفة في الحقيقة لا تقوم مقام الرؤية، وقد توصف الجارية بصفة فيظنها الموصوف له أنها فائقة في الجمال، فإذا نظر إليها لم تكن كذلك.
قال غيره: بيع الشيء الغائب على الصفة أو الرؤية المتقدمة التي لا تتغير السلعة بعدها جائز، وقد تبايع عثمان بن عفان وعبد الرحمن بن عوف رضي الله عنهما فرسًا غائبة.

الجزء: 13 - الصفحة: 898

قال أبو جعفر الأبهري: وأجاز بيع الحيوان الغائب عمرو ابن عمر رضي الله عنهما، ولا يعلم مخالف في الصحابة لهما، وقد أجمع الناس على جواز السلم علي الصفة فهذا مثله.
فصل [2 - في شراء الدور والأرضين الغائبة] ومن المدونة: قال مالك فما كان من الدور والأرضين والعقار الغائبة قريباً كان ذلك أو بعيداً، فجائز شراؤها والنقد فيها، لا منها.
قال في كتاب ابن المواز: وقد يشتري بالمدينة دوراً بالعراق وتنقد أثمانها، ولا بأس بذلك، وسواء كان ما ينقده دوراً أو عرضاً أو حيواناً أو غير ذلك.
فصل [3 - في شراء الرقيق والحيوان والعروض والطعام الغائبة] ومن المدونة: قال مالك وأما الرقيق والحيوان والعروض والطعام، فإن قربت غيبة ذلك كيوم أو يومين وجاز شراؤه وجاز النقد فيه وإن بعدت غيبته جاز شراؤه

الجزء: 13 - الصفحة: 899

ولم يجز النقد فيه لغلبة الغرر فيه من تغير أو هلاك فيصير النقد فيه تارة ثمناً وتارة سلفاً.
قال مالك: ولو كان ما ينقده ثوباً فلا خيار فيه؛ لأن الثوب يلبسه ويبيعه، وكذلك لو كان الذي ينقده داراً، وكذلك النقد فيما يبيع علي خيار أو مواضعة إلا أن يتطوع بالنقد بعد العقد في ذلك كله فيجوز.
[قال] ابن المواز: وقال ابن عبد الحكم عن مالك لا ينقد في الحيوان والطعام الغائب قرب أو بعد.
وقال عنه ابن القاسم لا ينقد في الحيوان والطعام الغائب إلا مثل ما كان علي بريد أو بريدين، وأجازه ابن القاسم وأشهب علي اليوم واليومين في الحيوان والطعام والعروض.
م وذكر عن أبي بكر بن عبد الرحمن أن النقد يلزم المشتري في الدار الغائبة، لأن مصيبتها منه بعد تمام البيع، وأما في غير الربع فلا يلزم المشتري النقد، وإن كان مما يجوز فيه شطر النقد لقرب الغيبة؛ لأن المصيبة من البائع.
وذكر عن أبي عمران أن الدار الغائبة إذا لم يشترط فيها النقد فلا يلزم المشتري النقد حتى يسلمها البائع للمشتري، كما لو كانت حاضرة؛ لأن الدار رهن بثمنها، وبائعها أحق بها من الغرماء في الموت والفلس حني يقبض ثمنها.
قال: وكذلك عروض بيعت وهي علي مسافة قريبة يجوز فيها النقد بشرط لا يجبر المشتري على دفع الثمن حتى يسلم إليه والعروض أبين علي قول ابن القاسم؛ لأن

الجزء: 13 - الصفحة: 900

الضمان عنده على بائعها باق حتى يقبضها المبتاع كالبعيد، وأما ما حكاه ابن حبيب فهو عنده في الضمان كالدور إذا كان قريب الغيبة مما يجوز فيه اشتراط النقد.
فصل [4 - فيما ثبت هلاكه من السلع الغائبة بعد الصفقة] ومن المدونة: قال ابن القاسم: وما ثبت هلاكه من السلع الغائبة بعد الصفقة وقد كانت يوم الصفقة على ما وصف للمبتاع أو على ما كان رأى، فكان مالك يقول إنها من المبتاع إلا أن يشترط أنها من البائع حتى يقبضها المبتاع ثم رجع عن ذلك، وقال: هي من البائع إلا أن يشترط أنها من المبتاع.
قال ابن القاسم: وبهذا القول أقول أنها من البائع حتى يشترط أنها من المبتاع، والنقص والنماء كالهلاك في القولين.
م فوجه أنها من المبتاع / إلا أن يشترط أنها من البائع فلأنها سلعة معينة قياساً على الحاضرة، وقد قال ابن عمر: ما أدركته الصفقة حياً مجموعاً فهو من المبتاع.
ووجه أنها من البائع حتى يقبضها المبتاع؛ فلأنها سلعة غائبة موصوفة حين العقد، فأشبهت ما في الذمة أنه من البائع حتى يقبضه المبتاع باتفاق، وإنما جاز أن

الجزء: 13 - الصفحة: 901

يشترط كل واحد ضمانها من صاحبه فلما روي في ذلك من تبايع عثمان وعبد الرحمن رضي الله عنهما؛ ولأنه لما ترجحت القولان في الضمان جاز أن يشترط على أحدهما لرفع الإشكال وبالله التوفيق.
وقال عبد الوهاب: إذا هلكت السلعة المبيعة على الصفة بعد العقد وقبل القبض ففيها ثلاث روايات: أحداها: أن التلف من البائع إلا أن يشترطه على المشتري.
والثانية: أنه من المشتري إلا أنه يشترط أنه من البائع.
والثالثة: أن ضمان الحيوان والمأكول وما ليس بمأمون علي البائع، والدور والعقار من المشتري.
فوجه الأولى: أن علي البائع توفية المشتري ما اشتراه، فمالم يوفه فلا يستحق العوض في التلف منه.
ووجه الثانية: أن الأصل السلامة مع كونه متميزاً عن ملك البائع لا يتعلق به حق توفية، فكان ضمانه من المشتري إذا علم أن الصفقة صادفته حياً سليماً ثم تلف بعد ذلك.
وأما وجه تفريقه بين المأمون وغيره، أن المأمون علي ظاهر السلامة فكان ضمانه من المشتري كالحاضر، ولأن النقد لما جاز اشتراطه في المأمون- بخلاف غيره- دل أنه كالحاضر.
م انظر قوله ثلاث روايات، إنما يصح ذلك إذا جعل في القول الأول أن الرَّبْع من البائع وهي قولة لمالك ذكرها ابن المواز.
قال: وجميع أصحابه على قوله أن

الجزء: 13 - الصفحة: 902

الربع من المبتاع.
ومن المدونة: قال ابن القاسم: والقريب والبعيد عندي في الهلاك سواء.
ولم أسمع هذا من مالك، وأما الدور والأرضون والعقار فهي من المبتاع من يوم العقد، وإن بعدت لم يختلف في ذلك قول مالك.
قال ابن وهب: وقال ابن عمر (ما أدركت الصفقة حيا مجموعاً فهو من المبتاع.
وقال ابن شهاب فيمن باع وليدة بغلام غائب فقيض المشتري الوليدة، وذهب ليأتي بالغلام فوجده قد مات ثم ماتت الجارية قبل أن يردها علي صاحبها، قال: كان شرط الناس أن ما أدركته الصفقة فمن المبتاع، فإن كان شرطا ذلك حملا عليه، وإن شرطا أن يوفي كل واحد صاحبه ما تبايعاه فالبيع على هذا.
[فصل 5 - في بيع الأشياء الغائبة وإن بعدت والنقد فيها والضمان] قال ابن حبيب: يجوز بيع الأشياء الغائبة علي الصفة وإن بعدت ما لم تتفاحش غيبتها جداً، ولا ينقد بشرط إلا فيما قرب علي مثل يوم أو يومين، ولا يجوز فيما بعد إلا أن يتطوع بعد العقد، فإن تشاحا وضع [الثمن] بيد عدل حني ينظر ما حال المبيع، وهذا في غير الرباع والعقار، تلك يجوز شرك النقد فيها ولم يختلف قول مالك وأصحابه أن الضمان في ذلك من المبتاع فيما يجوز فيه النقد مما قربت غيبته،

الجزء: 13 - الصفحة: 903

وفي الرباع وإن بعدت، واختلف فيما لا يجوز فيه النقد، فقال هي من المبتاع إذا أخذتها الصفقة على ما هي به من صفة أو معرفه إلا أن يشترط أنها من البائع، وقاله مطرف وابن وهب، ثم رجع مالك فقال هي من البائع حني يشترط أنها من المبتاع، وبه قال ابن القاسم وابن الماجشون، وهذا البيع في اشتراط الصفقة بيع براءة وقاطع لعهدة الثلاث والسنة.
قال: ولا يجوز شرط الصفقة في طعام غائب بيع علي كيل أو وزن؛ لأن ضمان ما بيع علي كيل أو وزن من بائعه حني يقبضه المبتاع.
قال: ومن باع طعاماً جزافاً بعينه غائبا فتواضعا الثمن على يدي عدل، فهلك الثمن، فإن وجد الطعام على الصفة فالثمن من البائع وإلا فهو من المبتاع، ولو عدا بائع الطعام عليه فباعه من آخر فعليه شراء مثله، ومصيبة الثمن منه.
[فصل 6 - فيمن باع غنماً عنده بعبد غائب] والمن المدونة: ومن باع غنما عنده بعبد غائب، ووصف كل واحد منهما لصاحبه سلعته ثم تفرقا قبل القبض فلا بأس به، فإن ضربا لقبضهما أو لقبض أحدهما أجلاً لم يجز، إذ لا يباع شيء بعينه إلى أجل إلا إلى مثل يوم أو يومين.
يريد وهذا أيضاً إنما يباح لعذر من ركوب دابة أو لبس ثوب أو خدمة عبد أو توثقا حني يشهد, فإن لم يكن لشيء من ذلك كرهته، ولا يفسخ به البيع، قاله

الجزء: 13 - الصفحة: 904

ابن القاسم في الكراء بهذه المعينات، يشترط حبسها اليوم واليومين فهذا مثله.
قال في العتبية: فإن قدم بالغلام قبل الغنم، فمات الغلام قبل قدوم الغنم، فإن جاءت الغنم علي الصفة أو علي غير الصفة فرضيها فله أخذها وضمان العبد من الآخر، وإن لم يرضها إذا خالفت الصفة فضمان العبد من بائعه.
م وإنما قال ذلك لأن العبد كان موقوفاً حني يقبض الغنم مشتريها، فهلاك العبد في الإيقاف كهلاك الثمن الموقوف والأمة في المواضعة، فقد قال ابن القاسم: إذا خرجت الأمة من المواضعة معيبة فرضيها المبتاع فالثمن من البائع، فجوابه في هذه المسألة هو على هذا القول.
وقال غيره: ليس له أخذ الأمة إلا بغرم ثمن ثان، فعلى هذا القول تكون مصيبة العبد في هذه المسألة من بائعه وينتقض البيع مع الغنم.
[فصل 7 - في شراء الشيء الغائب واشتراط إن لم يأته به بعد مدة فلا بيع] ومن المدونة: قال في شراء الشيء الغائب: فإن قال إن لم آتك به إلى يوم أو يومين فلا بيع بيننا كرهته.
قال: فإن نزل أمضيته وبطل الشرط.
قال في كتاب المواز: لا يصلح أن يضرب لقبض السلعة الغائبة أجلاً قريباً أو بعيداً، لأن ذلك من وجه الضمان لسلعة بعينها وذلك لا يحل، فإنما يجوز بيع ذلك

الجزء: 13 - الصفحة: 905

على أن يتوجه في قبضها قرب ذلك أو بعد، تعجل ذلك أو تأخر لا يشترط في ذلك وقت، وهذا في جميع الأشياء خلا الربع، الدور الأرضين والأصول والحوائط وغيرها.
[فصل 8 - في اشتراط توفية السلعة الغائبة في موضع آخر] قال ابن المواز: قال ابن القاسم: ولو اشترى سلعة غائبة على أن يوافيه بها البائع بموضع آخر لم يجز.
[قال] ابن المواز: وهو من وجه الضمان لسلعة بعينها.
[قال] أصبغ: ولذلك لو قال على أن توافيني بها هاهنا.
[قال] ابن المواز: وهذا إذا كان ضمان السلعة من البائع وإن كان لا يضمن إلا حمولتها فلا بأس به.
قال مالك: لا يجوز بيع سلعة غائبة موصوفة على أن على البائع ضمان مثلها إن تلفت.
[فصل 9 - في اخذ الكفيل علي إحضار السلعة الغائبة وبيع الدار الغائبة التي عرفاها] ومن المدونة: قال ابن القاسم: ولا يجوز أن يعطيه بها كفيلاً قربت غيبتها أو بعدت، لأنها معينة، ولو ماتت لم يضمنها.
قال: ومن ابتاع من رجل داراً غائبة وقد عرفاها جاز وإن لن يصفاها في الوثيقة.

الجزء: 13 - الصفحة: 906

[قال] ابن المواز: قال ابن القاسم: وإنما تشتري الرباع الغائبة بصفة المخبر أو الرسول، فأما بصفة ربها فلا إلا أن يشترط النظر فلا يصلح حينئذ النقد، وكذلك في العتبية عن مالك، قال مالك ومن اشتري داراً غائبة مذارعة لم يجز فيها النقد، وكذلك الحائط على عدد النخل، قال عنه أشهب في العتبية: وضمانها من بائعها.
/ وقال عن مالك لا تشتري الدار الغائبة بصفة إلا مذارعة وقال سحنون.
قال ابن حبيب وقال مطرف وابن الماجشون فيمن اشترى داراً على عدد أذرع أو حائط على عدد نخل فتذهب الدار بحريق أو سيل قبل أن تقاس، وتذهب النخل قبل أن تعد، فالمصيبة من المبتاع، وتقاس الدار الآن وتعد النخل على ما هي به، فما كان فيها لزمه.
وكذلك قال مالك فيمن اشتري زرعاً قائماً كل حبل بكذا وهي حبال مزروعة، فيذهب الزرع قبل أن تقاس أن مصيبته من المبتاع، كمن ابتاع زيتاً وزناً بظروفه ثم ضاع الزيت قبل وزن الظروف أنه من المبتاع، وكذلك عنه في كتاب محمد في الزرع، قال: وقد كان للمشتري بيعه قبل حصاده وقياسه.
م إنما يصح كلام ابن حبيب في الدور والنخل أن المصيبة من المبتاع إذا قيست فوجدت على ما شرط له من الأذرع أو العدد إن نقصت يسيراً، ويحط عنه حصة ما نقص، ويحمل أن ذكره الأذرع زيادة بيان في صفتها، فمتى كانت على

الجزء: 13 - الصفحة: 907

الصفة وجب على المشتري الضمان، وأما قوله تقاس وتعد فما كان فيها لزمه فعير صحيح؛ لأنه إذا نقصت الأذرع مثل الثلث وماله به حجة في الاستحقاق، فالمصيبة من البائع؛ لأن المبتاع يقول لو لم تهلك لم أرضها، فلا يلزمني ضمان ما كان مخالفاً لما وصف لي وشرط لي، وقوله فيمن ابتاع زيتاً بظروفه ثم ضاع الزيت قبل وزن الظروف فضمانه من المبتاع فغير صحيح أيضاً، لأنه مثل ما يشتري على الكيل لا فرق، وقد بقي على البائع حق التوفية فهو منه حتى يوزن أو يكال هذا هو الأصل، إلا أن يريد أنه وزن بظروفه وقبضه المبتاع ثم ضاع الزيت قبل أن توزن الظروف فارغة ليطرح وزنها من الوزن الأول فهاهنا يكون الزيت من المبتاع، ويطرح عنه قدر وزن الظروف فارغة على التقدير، وأما مسألة الدار والنخل والذرع، فوجه ذلك فيه إنما أراد بيان الصفة، والقياس في ذلك كله قول مالك أنه من البائع حتى يوفي المشتري شرطه والله الموفق للصواب.
[فصل 10 - فيمن اشتري داراً على غير ذرع فهلكت قبل قبض المبتاع] [قال] ابن المواز: وقال مالك فيمن اشتري داراً على غير ذرع ولا عدد نخل ثم هلك ذلك قبل قبض المبتاع فهو من البائع إلا أن يكون شرط أنه من المبتاع.
قال ابن المواز: ولمالك غير هذا أن الرباع من المبتاع وإن بُعدت وعليه أصحابه أجمع.
قال: وإذا بيع الحائط الغائب وفيه الحيوان والعبيد فالنقد في ذلك جائز والضمان من المبتاع وإن بعدت غيبته.
م لأن ذلك تبع للحائط كما تكون في ذلك الشفعة إذا بيع الحائط.

الجزء: 13 - الصفحة: 908

[فصل 11 - في ابتياع السلعة على مسيرة يومين أو على رؤية منذ زمن بعيد] ومن المدونة: قال مالك: ومن مر بزرع فرآه ثم قدم فابتاعه وهو على مسيرة اليومين وشرط أنه منه إن أدركته الصفقة، فذلك جائز وهو كالعروض في النقد فيه والشرط.
ومن رأى عبداً منذ عشرين سنة ثم اشتراه على غير الصفة.
قال: اذا تقادم ذلك وطال قدر ما يتغير العبد في مثله فالبيع فاسد إلا بصفة مستقبلية.
وفي كتاب محمد ذلك جائز إذا علم البائع أن المشتري قد كان رآه، لأنه إنما باعه على تلك الصفة التي كان رآها، زاد أبو محمد ولا ينقد.
ومن المدونة: قال مالك: وكذلك السلع تختلف وتتغير في طول الزمان إلا أن يبيعها علي أنها بحال ما رآها فلا بأس به ولا ينقد، لأنه ليس بمأمون.
فأما الحيوان فلا يمكن بعد طول الزمان أن يبقي علي حال ليس الحولي والرباع والجذع كالقارح.

الجزء: 13 - الصفحة: 909

[قال] ابن المواز: قال مالك: ولا خير في أن يبيع دابة عنده في الدار حاضرة على الصفة وينتقد.
قال ابن المواز، لأنه يقدر على نظرها.
م هذا صواب وهو مخالف لما في المدونة، قد أجاز ذلك في مسألة من اكترى دارا بثوب في بيته ووصفه.
م إلا أن يريد: ولا يبتدئ هذا في السكنى حتى ينظر الثوب، فيتفق القولان والله اعلم.
[فصل 12 - فيمن اشترى سلعة غائبة مما لا يجوز فيها النقد ثم أراد المقابلة أو البيع] ومن المدونة: قال مالك: وإن ابتعت سلعة غائبة مما لا يجوز فيها النقد، فلا يجوز أن تتقايلا فيها، لأنها إن كانت سليمة في البيع الأول فقد وجب له في ذمتك ثمن بعت به منه سلعة غائبة، فهذا من ناحية الدين بالدين.
قال ابن القاسم: وكذلك لا يجوز أن تبيعها من بائعها منك بمثل الثمن أو أقل أو أكثر، لأنه يصير ديناً بدين كما وصفنا.
قال سحنون: وهذا كله على قول مالك الأول إنما أدركته الصفقة فمن المبتاع.
قال ابن القاسم: ولا بأس أن يبيعها من غير البائع بمثل الثمن أ, أقل أو أكثر، ولا ينتقد شيئاً من الثمن.
قال: ولا بأس أن تقيل من أمة بعتها وهي في المواضعة لم تحض بعد ولا استبراء عليك فيها، فإن أربحته أو زادك هو شيئا على أن تتقايلا، فإن لم تتناقدا الزيادة حني تحيض جاز ذلك وإلا لم يجز.

الجزء: 13 - الصفحة: 910

قال يحيى: إنما يصح هذا القول إذا كان البائع قد وطئها وإلا فلا بأس بتعجيل الربح عند المقابلة.
م وقال بعض شيوخنا: سواء وطئ البائع أو لم يطأ، لأنها قد يظهر بها حمل من غيره، فإذا ردها المشتري ذهب النفع بالربح باطلاً.
قال: ويجوز للمبتاع بيعها من غير البائع بمثل الثمن أو أقل أو أكثر ما لم ينتقد.
[الفصل 13 - فيمن استأجر داراً بثوب في البيت وصفه له ثم اشترى منه ذلك الثوب] قال: وإن استأجرت منه دارا بثوب في بيتك وصفته ثم اشتريته منه وهو بيدك بعين أو بثوبين من صنفه أو بسكنى دار فجائز إن علم أن الثوب عندك وقت الصفقة الثانية.
م قيل إنما شرط علم كون الثوب عنده وقت الصفقة الثانية، لأنه إذا علم ذلك صح أن الكراء إنما وقع بالثوب، وإذا يعلم ذلك لم يدر بما وقع الكراء

الجزء: 13 - الصفحة: 911

بالثوب، أو بالدراهم التي دفع إليه، فلا يدري بما يرجع إن سكن بعض المدة ثم استحقت الدار أو انهدمت.
وقيل إنما شرط ذلك؛ لأنه لا يدري هل باع منه شيئاً موجوداً أو معدوماً، وعقد البيع فيه جائز ثم ينظر، فإن علم أنه عنده صحت الصفقة الأولي والثانية، وإن لم يكن عنده بطل ذلك كله.
م وأبين من هذا أنه لو ادعى بعد عقد الكراء أن الثوب قد ضاع لم ينقض الكراء إلا بعد يمينه لقد ضاع، فإن نكل كان لرب الدار أن يلزمه قيمته أو ينقض الكراء، فإذا باع منه الثوب قبل علمه هل هو عنده أم لا، لم يدر ما باع منه الثوب أو القيمة التي تلزمه بالنكول والله اعلم.
[فصل 14 - فيمن أكرى داره سنه بعبد موصوف] ومن المدونة: قال مالك: ومن أكرى داره سنة بعبد أو دابة بعينها موصوفة أو قد رآها وهي في مكان بعيد مما لا يجوز فيه النقد علي أن يبتدئ بائع العبد أو الدابة السكنى، لم يجز لأنه كعرض انتقده في شيء غائب بعيد، وإن شرط صاحب الدار أن لا يدفعها للسكنى حتى يقبض الدابة فجائز، وليس هذا من الدين بالدين؛ لأنه معين غائب، وإنما الدين بالدين المضمونان جميعاً.
م وحكي لنا بعض فقهائنا القرويين أن السنة محسوبة من يوم العقد، وأما ما يوصل فيه إلى قبض العبد ساقط من السكنى، فإن كان ذلك شهراً فإنما يسكن أحد عشر شهراً إذ عليه دخلا، وإن زاد على مقدار ما ينتهي إلي قبضه / فالزائد كالاستحقاق أو انهدام الدار ينتقض مقداره من العبد ويرجع بذلك في قيمة العبد

الجزء: 13 - الصفحة: 912

على مذهب ابن القاسم وفي عينه على مذهب أشهب.
م والصواب أم تكون السنة محسوبة من يوم يقبض الدار، وهو يوم ثبات قبضه للعبد وتمام عقدهما، فيجب أن تكون السنة من يوم تمامه، وكذلك من اكترى داراً سنة على أنه فيها بالخيار شهراً، أن السنة من يوم تمام العقد، وهو يوم زوال الخيار وقطعه، ولا يدخل عليه إذا كانت السنة من يوم قبض العبد أن هذا أكرى داره مدة مجهولة إذا لا يدري متى يقبض العبد؛ لأن موضع العبد معلوم وأمد ما يوصل إليه معروف، وعلى ذلك دخلا، ولو لزم أن يكون ذلك مجهولاً إذ قد يتعذر قبضه للزم أن لا يجوز شراؤه؛ لأنه اشترى عبداً لا يدري متى يقبضه، ولكن الأمر محمول على السلامة وما يطرأ من تعذر قبضه كما يطرأ من هلاكه، ولو كانت السنة محسوبة من يوم العقد لوجب أن لا يجوز الكراء حتى يعلم المكتري أنه إنما يصح له من السكنى باقي السنة بعد مدة قبض العبد وإلا فذلك ظلم له؛ لأنه إنما دفع عبده على سكنى سنة، فأنتم تعطونه أحد عشر شهراً، ولو راعينا في ذلك أيضاً تعذر قبض العبد لدخل علينا الفساد في الثمن والمثمون؛ لأن رب العبد لا يدري كم يصح له من السكنى، ورب الدار لا يدري هل يصح له العبد كله أو بعضه؟ أو هل يؤدي ثمناً مع السكنى على قول ابن القاسم أم لا؟ ونحن إذا جعلنا السنة من يوم القبض سلمنا من ذلك كله فكان أبين في الجواز.
م وأظن هذا القائل إنما قاسها على مسألة ابن القاسم في العتبية فيمن باع طعاماً غائباً أو غنماً بموضع لا يجوز فيه النقد بثمن إلى أجل سنة على أن السنة من يوم

الجزء: 13 - الصفحة: 913

يقبض الغنم قال: فلا يجوز حتى يكون الأجل من يوم عقد البيع، كمن نكح بمئة نقدا أو مئة إلى سنة، فالسنة من يوم العقد ولا يجوز أن تكون من يوم البناء.
قال أبو محمد: فيها نظر؛ لأنهم قد أجازوا ذلك على مئة تحل بالدخول، لأن البناء إلى الزوجة فكأنه حال إن شاءت.
م فأظن هذا القائل على هذه المسألة قاسها وهي مسألة ضعيفة وهي مع ما فيها من الاعتراض مخالفة لمسألتنا؛ لأن ثمن الغائب في هذه المسألة عين شرط قبضه بعد سنة فهو يقبضه موفراً، وهذا شرط سكنى سنة فيدفعون إليه أحد عشر شهراً ويحسبون عليه ما لم يقبضه، فهذا مفترق إلا بعد البيان، ومع أن مسألة المستخرجة، والصواب فيها الجواز كما أشار إليه أو محمد وبالله التوفيق.
[فصل 15 - في بيع سلعة غائبة معينة لا يجوز فيها النقد بمضمونة إلى أجل] ومن المدونة: قال مالك: ولا بأس بيع سلعة بعينها غائبة لا يجوز النقد فيها بسلعة مضمونة إلى أجل أو بدنانير مضمونة إلى أجل.
قال في كتاب كراء الدور: إلى أجل أبعد من مسافة موضع السلعة لئلا يحل قبل قدومها- يريد فيصير كالنقد في شراء الغائب -.

الجزء: 13 - الصفحة: 914

قال مالك: وكذلك حوائط التمر الغائبة يباع ثمرها كيلاً أو جزافاً بدين مؤجل ذهب أو عرض، وهي على مسيرة خمسة أيام أو ستة، ولا يجوز النقد فيها بشرط، وإن بعدت الحوائط جداً كأفريقيه من مصر لم يجز شراء ثمرها خاصة بحال؛ لأنها تجد قبل الوصول إليها، إلا أن يكون تمراً يابساً، وأما بيع رقابها فكبيع الرباع البعيدة يجوز بيعها والنقد فيها.
فصل [16 - فيمن باع سلعة غائبة على الوصف فهلكت قبل القبض والدعوى فيها] ومن المدونة: قال ابن القاسم: ومن/ ابتاع سلعة قد كان رآها أو موصوفة فهلكت قبل قبضها، فادعى البائع أنها هلكت بعد الصفقة، وقال المبتاع قبل الصفقة فإن لم يقم البائع بذلك بنية، كانت منه في قول مالك الأول، ويحلف له المبتاع على علمه أنها لم تهلك بعد وجوب البيع إن ادعي علمه، وإلا فلا يمين عليه.
قال ابن المواز: وكذلك لو شرط البائع أنها من المبتاع إن أدركتها الصفقة، فوجدها المشتري قد فاتت, فقال البائع فاتت بعد الصفقة، وقال المبتاع قبل الصفقة فالقول قول المبتاع ويحلف للبائع على علمه إن ادعى علمه.
قال ابن المواز: لأن البائع قال في شرطه إن كانت حية اليوم فهي منك أيها المبتاع، فعليه البينة أنها كانت حية يومئذ.

الجزء: 13 - الصفحة: 915

ومن المدونة: قال مالك: فإن قال المتبايعان لا ندري هل هلكت قبل البيع أو بعده, فهي في هذا الوجه من البائع في قولي مالك جميعاً.
قال ابن القاسم: ومن ابتاع سلعة غذائية على رؤية تقدمت منذ وقت لا تتغير مثلها فيه جاز البيع, فإن رآها المبتاع فقال: قد تغيرت فهو مدع, والبائع مصدق مع يمينه إلا أن يأتي المبتاع ببينة على ما ادعى.
وقد قال مالك في الذي ابتاع أمة كان رأى بها يوما ورماً, فلما قبضها ادعى أن الورم قد زاد: أن المبتاع مدع, وعلى البائع اليمين, فكذلك مسألتك هذه.
وقال أشهب: البائع مدع ولا يلزم المبتاع ما هو له جاحد.
قال ابن المواز: قول مالك وابن القاسم في هذا أبين وأصوب.
قال ابن حبيب في العبد الغائب والأمة يشترط فيها الصفقة إذا ظهر فيه عيب, فاختلفا في قدمه, فهذا أبداً على انه حادث وهو من المبتاع حتى يعلم أنه قبل ذلك, وعلى البائع اليمين انه ما علمه قبل الصفقة, وقاله ابن الماجشون واصبغ, وقاله ابن القاسم.
قال ابن الماجشون: وهذا البيع في اشتراط الصفقة بيع براءة, وقاطع لعهدة الثلاث والسنة, وقد تقدم في كتاب العيوب الحجة في بيع عثمان بن عفان من عبد الرحمن بن عوف الفرس الغائبة, فقال عبد الرحمن: هل لك أن أزيدك أربعة آلاف

الجزء: 13 - الصفحة: 916

على أن يكون ضمانها منك حتى أقبضها, ففعل عثمان ومعنى ذلك أنهما كانا متراوضين بعد ولم يتم البيع بينهما فيكون ضماناً بجعل, وكذلك بينه ابن حبيب أنهما كانا متراوضين وهو أحسن ما تأول عليهما.
وجرى في كتاب السلم ذكر بيع الدين على غائب, وسنذكر هاهنا شيئاً من ذلك وبالله التوفيق ..

الجزء: 13 - الصفحة: 917

الباب الثاني

جامع مسائل مختلفة من البيوع

] الفصل 1 - فيما يجوز شراؤه من طريق أو موضع جذوع [ قال ابن القاسم: ويجوز لك شراء طريق في دار رجل قال أشهب: إن كان يصل بذلك إلى منتفع وإلا فلا.
قال ابن القاسم: ويجوز شراء موضع جذوع من جدار لتحمل عليه جذوعك إذا وصفتها, ويجوز هذا في الصلح.
م فإن اشترى موضع الجذوع شراء مؤبداً فانهدم الجدار الذي يحمل عليه فعلى ربه أن يبنيه على حسب ما كان, ليحمل هذا جذوعه عليه, وإن كان إنما اشترى منه حمل مدة معلومة كسنة أو سنتين أو أكثر, فانهدم الجدار لم يلزم ربه بناؤه وتنفسخ بقية المدة, ويرجع بما يخص ذلك؛ لأن ذلك كراء, والمكري لا يلزمه إذا إنهدمت الدار أن يبنيها وينفسخ الكراء, والذي اشترى ذلك مؤبداً قد ملك موضع الحمل, فإذا انهدم لزمه ربه بناؤه كانهدم السفل أن على ربه بناؤه ليبني صاحب العلو فوقه.

الجزء: 13 - الصفحة: 918

[فصل 2 - في شراء عمود رخام عليه بناء للبائع] ومن المدونة: قلت: فإن اشتريت عمود رخام عليه بناء للبائع, أيجوز هذا الشراء وأنقض العمود إن أحببت /؟ قال: نعم وهذا من الأمر الذي لم يختلف فيه أحد علمته بالمدينة ولا بمصر.
قال في غير المدونة: وقلع العمود على البائع, وحكي عن القابسي أن معنى ذلك أن على البائع أن يزيل ما فوق العمود ليصل المبتاع إلى قبضه, وكذلك قال غيره من فقهائنا.
قال: وما أصابه بعد ذلك في زواله من كسر أو غيره فمن المبتاع.
[فصل 3 - في شراء نصل سيف وجفنه دون حليته] ومن المدونة: قال ابن القاسم: ولا بأس بشراء نصل سيف وجفنه دون حليته, وينقض البائع حليته إن شاء ذلك أحد المتبايعين, وليس هذا من الضرر؛ لنهما قد رضياه.
م ولو اشترى الحلية دون النصل لكان على المشتري نقضها كاشتراء الصوف على ظهور الغنم جزافاً وكاشتراء الثمرة في رؤوس النخيل جزافاً.

الجزء: 13 - الصفحة: 919

[فصل 4 - بيع عشرة أذرع من هواء هو له] ومن المدونة: لا يجوز لك أن تبيع عشرة أذرع من هواء هو لك فوق عشرة أذرع من الهواء تبقى لك إلا أن يشترط بناء يبنيه قدر عشرة أذرع ونصفه ليبني المبتاع فوقه فيجوز، ويجوز أن تبيع عشرة أذرع أو أكثر من فوق سقف لك لا بناء عليه إذا بين لك المبتاع ما يبني على جدرانك.
] فصل 5 - في الرجل يبيع سكنى داره وشراؤه لما أسكنه [ ومن قال: أبيعك سكنى داري سنه, فذلك غلط في اللفظ وهو كراء صحيح, قال: ويجوز لك شراء ما أسكنته من دار, أو أخدمته من عبد بعين أو عرض أو طعام أو سكنى دار لك أخرى أو خدمة عبد لك آخر, هذا إن أسكنته أمداً معلوماً فابتعته بسكنى مدة معلومة, وإن أسكنته حياته جاز شراؤك ذلك بسكنى دار لك أخرى أمداً معلوماً, ولا يجوز حياته؛ لأنه بيع بثمن مجهول, والأول هبة مجهولة.
م وقيل إن ذلك جائز, وكذلك شراء ما منحته من لبن شاتك بكل شيء أو طعام إلى أجل لا بأس به.

الجزء: 13 - الصفحة: 920

[فصل 6 - في البيع غلى أجل بعيد] قال ابن القاسم: ولا بأس بشراء سلعة إلى عشر سنين أو عشرين سنة.
وقال في كتاب ابن المواز: يكره البيع لإلى اجل بعيد مثل عشرين سنة فما فوقها.
قيل: أيفسخ؟ قال: لا, ولكن مثل ثمانين وتسعين سنة يفسخ به البيع.
] فصل 7 - في إجارة العبد سنوات كثيرة [ ومن المدونة: قال مالك: وتجوز إجارة العبد سنين.
قال ابن القاسم: وهذا أخوف من بيع السلع إلى عشر سنين أو عشرين سنة, ولقد كنا نحن مرة نجيزه في الدور ولا نجيزه في العبيد حتى سألنا مالكاً عنه في العبيد فأجازه.
فصل] 8 - في بيع الغرماء دار الميت واستثناء سكنى زوجته والقول في استثناء سكنى الدور أو استخدام الدابة بعد بيعها [ قال مالك: وللغرماء بيع دار الميت ويستثنون سكنى زوجته لعدتها, ويجوز لمن باع داره أو دابته أن يستثنى سكنى الدار سنة أو ركوب الدابة يوماً أو يومين, ولا يجوز في ذلك ما بعد ولا حياة البائع ولا ركوب الدابة شهراً, وقد اشترى رسول الله صلى الله عليه وسلم بعيراً من جابر بن عبد الله واشترط جابر ركوبه عليه إلى المدينة.
قال مالك: وكان بينه وبين المدينة مرحلة أو نحوها.

الجزء: 13 - الصفحة: 921

[قال] ابن المواز: قال ابن القاسم: ولو بائعه واشترط بائعه أن ينقل عليه التراب ثلاثة أيام أو على أن يكربه فيها بشيء مسمى فلا خير فيه, فغن مات بيد المبتاع بعد قبضه فهو منه ويرجعان إلى قيمته يوم قبضه, وإن هلك بيد البائع قبل أن يقبضه المبتاع أو بعد أن قبضه ثم رده إلى البائع بشرطه فهو من البائع ولا شيء على المبتاع.
قال: وكذلك لو شرط البائع ركوبه بعد ثلاث أو أكثر من الفسطاط إلى الإسكندرية أو نحوها لم يجز, ومن هلكت بيده فهي منه ويرجع المبتاع إن هلكت بيده إلى القيمة كما ذكرنا.
ومن المدونة: قال مالك: إن هلكت الدابة فيما لا يجوز استثناؤه / فهي من البائع؛ لأنه بيع فاسد لم تقبض فيه السلعة.
قال ربيعة: وكذلك ما بعد من خدمة العبد.
قال ابن القاسم: وإن هلكت فيما يجوز استثناؤه فهي من المبتاع.
وقال ابن حبيب: هي من البائع, وكأنه إنما باعها بعد انقضاء ركوبها.
قال: وإن استثنى ركوبها بعد ثلاثة أيام أو أربعة - يريد ما يجوز من الاستثناء عنده- فأسلمها إلى المبتاع, فسواء نفقت بيده أو بيد البائع, فهي في هذا من المبتاع؛ لأنه بيع جائز, وكذلك في كتاب بن المواز عن ابن القاسم.
وقال ابن القاسم في العتبية: هي من البائع ما بقى له فيها شرط.
قال أبو محمد: وهذا خلاف للمدونة.

الجزء: 13 - الصفحة: 922

قال ابن حبيب: ويرجع البائع على المبتاع إذا لم يتم استثناؤه بقدر ما استثنى من الثمن لأنه ثمن.
وقال نحوه أصبغ إذا كان له قدر ولم يكن كالساعة والأميال.
وقال ابن القاسم في كتاب محمد: لا يرجع بشيء؛ لأن هذا خفيف واختاره محمد, وأعاب قول أصبغ, وقال: ما وجدت له معنى.
فصل] 9 - فيمن له على رجل عرض ديناً فباعه من آخر وفيمن باع سلعة بعين على ان يأخذها ببلد آخر [ ومن المدونة: قال ابن القاسم: ومن له على رجل عرض ديناً, فباعه من آخر بدنانير أو بدراهم فوجد فيها نحاساً فله البدل أو الرضا بها, والبيع تام.
قال مالك: ومن باع سلعه بعين على أن يأخذه ببلد آخر, فإن سمى البلد ولم يضرب أجلاً لم يجز.
وإن ضرب أجلاً جاز سّمى البلد أو لم يسمه, فإن حل الجل فله أخذه بالعين أين ما لقيه.
وإن باع السلعة بعرض وشرط قبضه ببلد آخر إلى أجل, فليس له أخذه بعد الجل إلا في البلد المشترط, فإن أبى الذي عليه العرض بعد الأجل أن يخرج إلى تلك البلد, جير على أن يخرج أو يوكل من يخرج فيوفي صاحبه- يريد وكذلك لو بقى للأجل مقدار وصوله إلى ذلك البلد, جبر على الخروج أو التوكيل.
م وقد ذكرنا في كتاب السلم لابن المواز وغيره زيادة في هذا فاغني عن إعادته.

الجزء: 13 - الصفحة: 923

فصل [10 - هل على صاحب الحق أن يأخذ حقه في غير بلد العقد] ] قال [ابن المواز: قال أشهب: ليس له أخذه بغير البلد وإن كان ذلك العرض لا حمل له لاختلاف السعرين.
قال أشهب: إلا أن يتقارب سعر الموضعين فيما خف حمله والموضع بعيد جداً فليأخذه بدينه في موضعه, وإن كره إذا حل, وغن كان على غير ذلك لم يأخذه] به [ إلا أن يتطوع به المطلوب, فيجبر رب الحق على قبوله؛ لأنه بموضعهما أغلى من الموضع المشترط.
م يريد إلا أن يكون أغلى بالموضع المشترط فعليه أن يدفعه إليه بالموضع المشترط.
فصل] 11 - في المساومة على إيجاب البيع [ قال ابن القاسم: فإن قلت لرجل يعني سلعتك هذه بعشرة دنانير, فقال: قد فعلت, فقلت: لا أرضى فلتحلف أنك ما ساومته على إيجاب البيع ولكن لما تذكره وتيراً, فإن لم تحلف لزمك البيع.
وقد قال مالك فيمن أوقف سلعة للسوم, فقلت له بكم هي؟ فقال: بعشرة.
فقلت: قد رضيت.
فقال لا أرضى.
انه يحلف ما ساومك على لإيجاب البيع ولكن لما يذكره ويبراً, فإن لم يحلف لزمه البيع, فكذلك مسألتك.

الجزء: 13 - الصفحة: 924

فإن قلت لرجل قد أخذت غنمك هذه كل شاة بدرهم, فقال: ذلك لك, فقد لزمك البيع, بخلاف قولك يعني.
قال ابن أبي زمنين: إذا قال بائع السلعة قد بعتكها بكذا, أو قال أعطيتكما بكذا فرضي المشتري ثم أبى البائع وقال لم أرد البيع لم ينفعه ذلك, ولزمه البيع, وكذلك إذا قال المشتري: قد ابتعت منك سلعتك بكذا أو قد أخذتها منك بكذا, فرضي البائع, لم يكن للمشتري أن يرجع, ولو قال / البائع: أنا أعطيكها بكذا أو أبيعكها بكذا فرضي المشتري, وقال البائع: لم أرد البيع, فذلك له ويحلف, وكذلك لو قال المشتري: أنا أشتريها منك أو آخذها منك بكذا فرضي البائع ثم رجع المشتري كان ذلك له ويحلف, فافهم افتراق هذه الوجوه, وهي كلها مذهب ابن القاسم وطريقة فتياه من امالي بعض شيوخنا.
م لأن قوله أنل أفعل كذا وعد وعده إياه في المستقبل.
وقوله قد فعلت, إيجاب أوجبه على نفسه فافترقا.

الجزء: 13 - الصفحة: 925

فصل [12 - في الأجنبي يتطوع بدفع نصف قيمة السلعة المعيبة] ومن ابتاع جارية بمئة دينار فقام فيها بعيب فأنكره البائع فتطوع أجنبي أن يأخذها بخمسين على أن يتحمل له البائع نصف الخمسين الباقية, والمبتاع نصفها فذلك جائز لازم لهم, كمن قال لرجل إبتع عبد فلان وأنا أعينك بألف درهم فاشتراه لزمه ذلك الوعد.
قال بعض أصحابنا: والعهدة في الجارية على الثاني القائم بالعيب, فإن استحقت رجع هذا عليه بخمسين, ورجع هو على البائع الأول بخمسة وسبعين؛ لأنه قد كان استرجع أولا خمسة وعشرين.
فصل] 13 - فيمن تعدى على وديعة عنده فباعها ثم مات صاحبها فيرثها [ ومن المدونة: قال: ومن تعدى في متاع عنده وديعة فباعه ثم مات ربه, فكان المتعدي وارثه, فللمعتدي نقض البيع إذا ثبت التعدي.
م وقد حل هذا محل ربه في إجازة البيع أو نقضه.
وروى اصبغ عن ابن القاسم في غاصب باع ما غصب ثم ورثه أن يبعه تام.
وقال أصبغ: بل يفسخ البيع.
قال في كتاب الغصب من المدونة, ولو باع ما غصب ثم اشتراه من ربه لم يكن له نقض البيع؛ لأنه تحلل صنيعه, وكأن القيمة لزمته فغرمها.

الجزء: 13 - الصفحة: 926

م وكذلك الوديعة التي باعها لو اشتراها من ربها لم يكن له نقض بيعه بخلاف أن لو ورثها؛ لأن الميراث لم يجزه غلى نفسه, والشراء من سببه فليس له أن يفعل فعلاً يتسبب به إلى نقض عقده.
فصل] 14 - في بيع العبد له مال - عين وعرض وناض - بماله بذهب إلى أجل [ ومن اشترى عبداً بدراهم نقداً أو إلى أجل واستثنى ماله دنانير ودراهم ودين وعروض ورقيق فذلك جائز.
م لأنه إنما استثناه للعبد لا لنفسه, فهو تبع للعبد, ولو استثناه لنفسه لم يجز, وقاله جماعة من البغدادين.
] قال [ابن حبيب: وسواء كان ماله معلوماً أو مجهولاً, وإذا كان أكثر من ثمنه وهو تبع للعبد لا تقع له حصة من الثمن, وإنما يصير للسيد بالانتزاع.
ولو كان في امة حل للعبد وطؤها بغير إذن السيد.
ومن كتاب محمد: ومن اشترى عبداً واستثنى ماله, وله جارية رهنها البائع, فإن افتكها فهي للعبد.
] قال [ابن المواز: وعليه أن يفتكها من ماله, ولو كانت له جارية حامل منه فجاريته تبع له, وولدها للبائع؛ لأنه ليس بمال له, ولا أفسخ البيع؛ لأنه لو اشترط ماله وللعبد جمل شارد أو عبد آبق فلا بأس بذلك.
قال محمد: وأظنها رواية ابن أبي زيد عن ابن القاسم, وأنا أتوقف عنها.

الجزء: 13 - الصفحة: 927

[قال] أصبغ عن ابن القاسم ومن قال: أبيعك عبدي وله مئة دينار أو فيكها لم يصلح- يريد والثمن عين-.
م وحكى لنا عن بعض شيوخنا القرويين أنه قال إذا قال: أبيعك عبدي هذا وله مئة دينار إن هذا لا يجوز, وذكر المئة كالانتزاع من السيد لها.
وقال بعض أصحابنا بعض أصحابنا: وإنما افسد مسالة ابن القاسم المتقدمة قوله: وله مئة دينار أوفيكها, فشرطة التوفية, كالانتزاع لأن هو يوفيه المئة / والعبد, فهما المبيعان بالثمن العين, ولو لم يذكر توفيه المئة لجاز.
] قال [ابن المواز: قال ابن القاسم: من باع عبداً واستثنى نصف ماله لم يجز إلا أن يكون ماله غير العين وهو حاضر يراه, وإنما السنة في الجميع.
قال ابن أبي زمنين: فإن وقع البيع على استثناء جزء من ماله فسخ البيع, فإن فات العبد كان لمشتريه بقيمته ورد ما استثنى من ماله, وكذلك قال عيسى.
قال ابن أبي زمنين: وسئل سعيد بن حسان عن رجل باع عبدين ولهما مال استثنى المشترى مال أحدهما.

الجزء: 13 - الصفحة: 928

فقال: لا يجوز وهو بمنزلة ما لو باع عبداً واحداً واستثنى نصف ماله.
] قال [ابن المواز: قال مالك: وإذا لم يشترط في المبيع مال العبد ولا مأبور الثمر فله أن يزيده شيئاً ليلحق المال والثمر ببيعه, وقاله ابن القاسم وأصبغ.
قال عيسى عن ابن القاسم: يجوز وإن كان ماله عيناً واشتراه بعين, فأما إن كان ماله عرضاً فليس فيه كلام.
قال اصبغ وأبو زيد عن ابن القاسم: وهذا إذا كان بحضرة البيع وبقربه, وإن بعد لم يجز.
قال ابن المواز: وروى عن مالك أن ذلك لا يجوز بعد العقد إلا أن يكون ماله معلوماً فيشتريه بعين إن كان عرضاً أو بعرض إن كان عيناً, وبهذا اخذ ابن وهب وابن عبد الحكم في المال والثمرة وبالله التوفيق.

الجزء: 13 - الصفحة: 929

[الباب الثالث] في بيع السمن والعسل كيلاً أو وزناً في ظروفه وضمان ما هلك من ذلك قبل تفريغه, وضمان الظروف وفي المكيال يسقط بعد امتلائه, والرواية تنشق قبل أن تفرغ والزيت يصب عليه آخر نجس, والقوارير تهلك في التقليب, والغرائز تهلك في التفريغ

] الفصل 1 - في بيع السمن والعسل كيلاً أو وزناً في ظروفه [ قال مالك: ولا بأس بشراء زيت أو سمن أو عسل كل رطل بكذا على أن يوزن بالظروف, فإذا فرغت وزنت الظروف فطرح وزنها.
قال: ولو ابتاعه على الكيل على أن يوزن بالظروف فإذا فرغت وزنت وطرح وزنها ثم حسب باقي الوزن أقساطاً على ما عرف من وزن القسط, فإن كان الوزن عندهم والكيل لا يختلف فلا بأس به, فإن وزن بظروفه ثم فرغ, وتركت عند البائع إلى أن توزن, فقال المشتري بعد ذلك ليس هي هذه, وأكذبه البائع, فإن لم يفت السمن وتصادقا عليه أعيد وزنه, وغن فات فالقول قول من تركت الظروف عنده مع يمينه أنها هي من بائع أو مبتاع؛ لأنه أمين.
ومن العتبية: وسئل مالك عن بيع السمن والزيت في الزقاق أرطالا مسماة كذا وكذا رطلاً بدينار, وزقاقها داخلة في الوزن, قال: لا بأس بذلك؛ لأن الزياتين

الجزء: 13 - الصفحة: 930

قد عرفوا قدر الزقاق ووزنها فهو خفيف.
قيل له: فهل القلال كذلك؟ قال: لو علم أنها في التقارب مثل الزقاق ما رأيت بها بأساً ولكن الفخار يكون بعضه رقيقاً وآخر كثيفاً فلا أحبه.
قال مالك: وأجرة الكيل على البائع؛ لأن عليه أن يكيله للمبتاع وقد قال إخوة يوسف} فَأَوْفِ لَنَا الْكَيْلَ {[يوسف:88] وكان يوسف عليه السلام هو الذي يكيل.
فصل] 2 - في ضمان ما هلك من جرار الزيت قبل تفريغه وفي المكيال يسقط بعد امتلاكه والرواية تنشق قبل تفريغها [ ومن كتاب ابن المواز قال ابن القاسم: ومن اشترى جرار زيت أو سمن فوزنت له وقبضها حتى يفرغها, فضمانها من المبتاع وله بيعه قبل أن يفرغه؛ لأن ذلك قبض.
قال أصبغ: وكذلك لو ملأ له الظروف فقبضها حتى يفرغها ثم يعيرها بالماء ليعرف ما تسع فهو قبض والضمان / منه.
قال ابن المواز: ولا يضمن الظروف إذا لم يقبضها على شراء ولكن على وجه الكراء, وكأن الثمن وقع على الزيت وعلى عارية الظروف.
وقال أشهب عن مالك فيمن اشترى زق سمن فذهب ليزنه فانفلت من الميزان فهو من البائع.
م ولو وزنه المبتاع ثم ذهب ليضعه في وعائه فهو منه.

الجزء: 13 - الصفحة: 931

قال مالك: ولو وزنه فذهب البائع ليصبه في إناء المشتري فمالت يده فاهراق فهو من البائع.
م يريد لأن المشتري لم يقبضه بعد الوزن ولا صب في إنائه.
فصل] 3 - في ضمان الظروف وفي المكيال يسقط بعد امتلائه [ قال مالك: وإذا سقط المكيال فانكسر بعد امتلائه قبل تفريغه في إناء المشتري فهو من البائع حتى يصب في إناء المشتري.
قال ابن القاسم: ولو أمر البائع أجيره بالكيل للمبتاع فكال واحداً فصبه في إناء المشتري ثم كال ثانياً فوقع المطر من يده بعد امتلائه على وعاء المشتري فانكسر فالثاني من البائع, وليس للمبتاع على الأجير فيه شيء.
وأما الأول فالأجير يضمنه للمبتاع.
زاد في العتبية: ولو ولى المبتاع كيله فسقط الثاني على إنائه فكسره, فما في إنائه فهو منه, وما في المكيال فهو من البائع حتى يصب في إناء المشتري؛ وليس امتلاء المطر قبض.
وروى عن سحنون في غير العتبية أن المشتري إذا ولى الكيل لنفسه فلما استوفى المكيال سقط من يده فالمصيبة منه.

الجزء: 13 - الصفحة: 932

م فعلى قول سحنون إن ولى البائع كيله فضمان الجميع منه, وإن وليه المبتاع فضمان الجميع أيضاً منه, وإن وليه لهما غيرهما فضمان الأول من المبتاع ويطلب به الأجير والثاني من البائع.
وروى عيسى عن ابن القاسم فيمن اشترى راوية ماء فتنشق أو تكون قلالاً فتتكسر قبل أن تصل فذلك من السقاء وهو مما يشتري على البلاغ في عرف الناس.
فصل] 4 - فيمن اكتال زيتاً ابتاعه ثم اكتال في جرة من جرة نجسة ولم يعلم وتناكرا في النجسة [ ومن اشترى من رجل مئة قسط زيت فكال له من جرة خمسين ثم كال له من جرة أخرى قسطاً او قسطين فصبه على الأول ثم وجد فأرة في الجرة الثانية فضمان الخمسين الأولى من المبتاع, وإنما صب عليه هذا بأمره, كما لو صب لك حمال زيتاً في جرة بأمرك فإذا فيها فأرة فلا شيء عليه.
قال ابن حبيب: إلا أن يكون البائع عالماً بالنجاسة التي في زيته فغرّه حتى صبه على الآخر, فضمان الزيتين جميعاً منه ويبالغ في عقوبته.
] قال [ابن حبيب: ولو ظهر فيه بعد أن صار في إناء المشتري فأرة فقال المشتري: في زيت البائع كانت, وقال البائع: بل في إنائك كانت, فالقول قول البائع مع يمينه؛ لأنها إنما ظهرت في إناء المبتاع فهي منه إلا أن تقوم بينة أنها كانت في إناء البائع, أو يقوم دليل من انتفاخها وتزلعها مما لا يمكن أن يكون في إناء المشتري,

الجزء: 13 - الصفحة: 933

فالقول قول المشتري مع يمينه, وإن أشكل فيه الأمر فقد لزم المشتري وقاله اصبغ.
فصل] 5 - فيمن قلب قوارير للبيع أو قلال خل فسقطت أو جرب قوساً أو سيفاً فانكسر أو سقط من يده على شيء آخر [ ] قل [ابن المواز: قال مالك في القوارير وأقداح الخشب والفخار تنصب للبيع فيقلبها الذي يريد الشراء فتسقط من يده فتتكسر فلا ضمان عليه.
قال أصبغ: أخذه بإذنه أو بغير إذنه إذا رآه فتركه, وإن كان بغير علمه ضمن.
قال ابن المواز: ومت سقط في التقليب من يده على غيره فانكسر الأسفل, فإنه يضمنه ولا يضمن ما سقط من يده.
ومن العتبية: روى عيسى عن ابن القاسم أنه إذا تناول شيئاً من ذلك بغير إذن ربه ثم جعل يساومه فسقط من يده انه ضامن إذا لم يناوله إياه أو بأذن له فيه يضمن ما انكسر تحته, وكذلك السيف يهزه والقوس يرمي عنها فتنكسر من يده أنه ضامن إذا لم يناوله إياه أو يأذن له فيه ويضمن ما انكسر تحته وكذلك الدابة يركبها / ليختبرها فتموت فهو ضامن في هذا إلا أن يكون بإذنه, وقال عنه أبو زيد: كل ما لا يعرف إلا بالتناول باليد كالسيف يهزه والقوس ينزع عنها فينكسر فلا يضمن, وما كان يختبر يبعضه كالبان والدهن يختبره بالشيء منه يشمه, فإذا أخذه رجل بيده فسقط منه فانكسر فإنه يضمن, ومثل الخل إنما يذاق منه الشيء, فإن رفع القلة بيده فانكسرت ضمن, وضمن ما وقعت عليه, وقال اصبغ عنه في قلال الخل بخلاف القوارير تسقط من يده في التقليب.

الجزء: 13 - الصفحة: 934

وقال أصبغ: هي مثل القوارير إلا أن يخرق ويعنف بغير المأخذ, مثل أن يعلق القلة الكبيرة بأذنها أو يغير الوجه المعروف فإنه يضمن.
م وتحصيله أنه لم يختلف فيما وقع عليه أنه يضمنه ولا فيما سقط من يده وقد أخذه بإذنه أنه لا يضمنه, واختلف إن أخذه بغير إذنه وهو يراه فتركه, فقيل يضمن وقيل لا يضمن إلا أن يأخذ ذلك من غير مأخذه ويعنف أو يأخذه بغير علم صاحبه فيضمن.
] قال [ابن المواز: قال مالك: ومن أعطى ديناراً للصيرفي في دراهم فنقره نقراً خفيفاً أو أخرق في نقره فضاع فانه يضمنه؛ لأنه أخذه على المبايعة, وكذلك لو غصب من يده أو اختلس قبل أن يزنه فإنه يضمنه, وأما لو أراه إياه رجل ليختبر له جودته بلا بيع فنقره نقراً خفيفاً, لا خرق فيه, فلا يضمنه, وكذلك لو أخذه على الصرف فاستأذنه في نقره, فنقره نقراً خفيفاً فلا يضمن, وإن اخرق ضمن.
وكذلك في العتبية عن ابن القاسم ولم يذكر فيها لو غصب من يده أو اختلس قبل بدنه وفي هذا نظر.
قال أبو محمد: يروى فنقره ونقده, والمعنى اختبار الدينار بالضرب على لوح أو بظفره ليسمع حسه فيعرف جودته من رداءته.

الجزء: 13 - الصفحة: 935

[الباب الرابع]

في بيع البرنامج وبيع الملامسة والمنابذة والغرر

] الفصل 1 - في بيع البرنامج وأصل جوازه وما ينبغي في صفته [ قال مالك: ما زال الناس يجيزون ببيع البرنامج, قال أبو جعفر الأبهري: وأجازه جماعة من التابعين يكثر عددهم وله أصل يرجع للضرورة التي دعت غلى جواز بيعه, وهي ما يلحق الناس من نشره وطيه, وإذ قد يريد المبتاع الإضرار بربها فيأمره

الجزء: 13 - الصفحة: 936

بنشرها ثم يدع البيع, فيدخل عليه المشقة والخسران, فلهذه الضرورة جوز بيعه على الصفة, فإن وافقت فالبيع لازم, وإن خالفت فالبيع مردود إن شاء ذلك المبتاع, ومن أصوله التي يرد إليها ما اتفق المسلمون على جواز السلم على الصفة] إلا [لما يلحق الناس من الحاجة إليه والإرتفاق به.
قال عبد الوهاب: وهو كبيع الشيء الغائب على الصفة.
فإن قيل فقد نهى النبي صلى الله عليه وسلم عن بيع الملامسة, وهو بيع الثوب المطوي لا ينشر ولا يعلم ما فيه.
قبل الثوب ونحوه لا كلفة ولا كبير مشقة في نشره وطيه, كما ذلك على صاحب الأعدال, وقد يجوز الغرر اليسير إذا دعت الضرورة إليه, ولا يجوز إذا لم تدع إليه حاجة.
وقد ذكر ابن سحنون في رده على الشافعي إن الصفة في بيع البرنامج تنوب عن الرؤية, واحتج بحديث أبي هريرة في النهي عن بيع السلعة لا ينظرون إليها ولا يخبرون عنها, فجعل الإخبار عنها كالرؤية لها.

الجزء: 13 - الصفحة: 937

[قال] ابن حبيب: لا يباع الثوب المدرج في جرابه على الصفة بخلاف بيع الأعدال على البرنامج لكثرة الثياب وعظم المؤنة في فتحها ونظرها.
وفي كتاب ابن المواز: ومن باع ثوباً مدرجاً في جرابه, وصفه له أو كان على أن ينشره, فذلك جائز, ينشره قبل البيع أو بعده.
م لعله يريد ولا ينقده حتى ينشره.
ومن المدونة: قال مالك: ومما ينبغي صفته في البرنامج عدة الثياب وأصنافها وذرعها وصفاتها.
] فصل 2 - في الدعوى في البرنامج [ قال: ومن ابتاع عدلاً ببرنامجه جاز أن يقبضه ويغيب عليه قبل فتحه, فإن ألقاه على الصفة لزمه, وإن قال وجدته بخلاف الصفة فإن لم يغب عليه أو غاب عليه مع بينة تفارقه أو تقاررا بذلك فله الرضا به أو رده, وإن لم يعلم ذلك إلا بقوله وأنكر البائع أن يكون مخالفاً للجنس المشترط أو قال: بعتكه على البرنامج, فالقول قول البائع - يريد مع يمينه-؛ لأن المبتاع صدقه إذا قبضه على صفته / وكذلك من صرف ديناراً بدراهم فغاب عليها ثم رد منها رديئاً, فأنكره الصراف فما عليه غلا اليمين أنه لم يعطه غلا جياداً إلا في علمه, وما يعلمها من دراهمه.

الجزء: 13 - الصفحة: 938

وكذلك من قبض طعاماً على تصديق الكيل ثم ادعى نقصاً أو اقتضى ديناً فأخذه صرة صدق الدافع أن فيها كذا, ثم وجدها تنقص فالقول قول الدافع.
وقال ابن كنانة في الصراف خاصة يحلف على البتات.
قال سحنون: ولا يجوز التصديق في الصرف إلا أن يقول له أنه دينار وازن فيأخذه مصدقاً له.
قال مالك: ومن اشترى عدلاً ببرنامجه على أن فيه خمسين ثوباُ فوجد فيه أحداً وخمسين ثوباً, فإنه يكون معه شريكاً في الثياب بجزء من اثنين وخمسين جزءاً من الثياب.
ثم قال مالك: يرد منها ثوباُ كعيب وجده.
قال: وقوله الأول أعجب إلى أن يكون معه شريكاً بجزء من اثنين وخمسين جزءاً من الثياب, وفي رواية أخرى بجزء من أحد وخمسين جزءاً.
قال يحى بن عمر: وهذا الصواب, وغلط ابن حبيب في رواية ابن القاسم بجزء من اثنين وخمسين.
قال: والذي رواه مطرف وابن الماجشون عن مالك بجزء من أحد وخمسين جزءاً.

الجزء: 13 - الصفحة: 939

وقال ابن اللباد: يحتمل أن يكون أدخل اللفافة في العدة في الرواية التي قال فيها] بجزء من [اثنين وخمسين.
م وليس ذلك بشيء, وما هو إلا إبهام دخل عليه الحساب, والصواب والحق بجزء من أحد وخمسين جزءاً.
م وعلى قوله يرد ثوباً منها, قال بعض القرويين يرد ثوباً من أوسطها.
وذكر عن أبي عمران أنه قال: يرد المشتري أي ثوب شاء لأنه قال: يرد ثوباً كعيب وجده.
قال: وينبغي أن يجمع بين الروايتين فيقال: إذا كان قيمته أكثر من جزء من أحد وخمسين, شاركه المشتري بتلك الزيادة, وإن كانت أقل أتاه بثوب آخر, وكان شريكاً معه في الزيادة.
وقيل إن كان قيمة الثوب الذي يرد أكثر من الجزء فيرد عليه البائع ثمناً في الزيادة, وإن كان أقل رد عليه المشتري ثمناً, ولا شركة في ذلك.
م وقوله يرد ثوباً وسطاً منها أحسن, وقوله أيضا يكون شريكاً بجزء من أحد وخمسين جزءاً أعدل وبالله التوفيق .. ومن المدونة: قال مالك: وإن وجد الثياب تسعة وأربعين ثوباً وضع عنه من الثمن جزءاً من خمسين جزءاً, قلت: فإن وجد فيها أربعين ثوباً وضع عنه من الثمن جزءاً من خمسين جزءاً.
قلت: فإن وجد فيها أربعين ثوباً؟ قال: إن وجد من الثياب أكثر مما سمى له, لزمه بحصته من الثمن وإن كثر النقص لم يلزمه أخذها ورد البيع.

الجزء: 13 - الصفحة: 940

ولو كان في العدل مئة ثوب أجناساً عشرة أثواب من الخز ومن المروي كذا ومن غيره كذا فأخذها بألف دينار.
كل ثوب بعشرة, فوجد المبتاع أثواب الخز تنقص ثوباً, نظر ما قيمة ثياب الخز من قيمة الثياب كلها يوم الصفقة, فإن كان الربع وضع عن المبتاع عشر ربع الثمن قل أو كثر- يريد وثياب الخز متساوية القيمة.
م وإنما شرط تساوي ثياب الخز؛ لأنها بيعت على الصفة ولو كانت مختلفة لعلمت صفة الثوب الناقص, فتسقط حصة قيمته من قيمة ثياب الخز لا على العدد, ولو بيعت الثياب على التقليب والرؤية, فوجدت الخز ينقص ثوباً لوضع عن المبتاع عشر قيمة ثياب الخز, مختلفة كانت أو متفقة وذلك عدل بين المتباعتين؛ لأن البائع يدعي أن ما نقص من أدونها والمبتاع يقول من أرفعها, فيجعل من أوسطها فيخصه عشر ربع الثمن أجمع.
فصل] 3 - في بيع الملامسة والمنابذة والغرر [ ونهى النبي صلى الله عليه وسلم عن بيع الملامسة والمنابذة وفي سياق الحديث وذلك بيع السلع لا ينظرون إليها / ولا يخبرون عنها.
قال مالك ومن اشترى ثياباً مطوية ولم ينشرها ولا وصفت له, فالبيع فاسد .. والملامسة: شراؤك الثوب لا تنشره ولا تعلم ما فيه أو تبتاعه ليلاً ولا تتأمله.
والمنابذة: أن تبيعه ثوبك وتنبذه إليه بثوبه وينبذه إليك من غير تأمل منكما, فذلك غرر, ونهى صلى الله عليه وسلم عن بيع الغرر كله, ومن الغرر شراء راحلة أو دابة قد ضلت,

الجزء: 13 - الصفحة: 941

أبو عبد قد أبق, إذا لا يجوز ذلك, وإن وجده لا يدري كيف يجده في نماء أو نقص فذلك خطر.
قل سحنون: لا يشترى الآبق إلا أن يكون في وثاق, قال: ولو صيره الإمام في السجن لم يجز بيعه لأن فيه خصومه حتى يقضى به لصاحبه.
قال ابن القاسم في كتاب الآبق: ولو كان الآبق قد أخذه رجل وصار عنده جاز له شراؤه من سيدة على صفته يومئذ ولا يتناقدان الثمن إن كان بعيداً كبيع الغائب.
تم كتاب اشتراء الغائب من الجامع لابن يونس بحمد الله وحسن عونه وصلى الله على سيدنا محمد وآله وصحبه وسلم تسليماً.

الجزء: 13 - الصفحة: 942

بسم الله الرحمن الرحيم صلى الله على سيدنا محمد وآله وصحبه وسلم

فصول الكتاب · 78 فصل
فصول الجامع لمسائل المدونة
المقدمةالمقدمةكتاب الصلاة الأولكتاب الصلاة الثانيكتاب الجنائز من الجامعكتاب الصوم من الجامعكتاب الاعتكافكتاب الزكاة الأولكتاب الزكاة الثاني من الجامعكتاب الحج الأول من الجامعكتاب الحج الثاني من الجامعكتاب الحج الثالث من الجامعكتاب الصيد من الجامعكتاب الذبائح من الجامعكتاب الضحايا من الجامعكتاب العتق الأول من الجامعكتاب المكاتب الأولكتاب السلم الأولكتاب السلم الثانيكتاب السلم الثالثكتاب الصرفكتاب الرهنكتاب بيوع الآجالكتاب البيوع الفاسدةكتاب بيع الخياركتاب المرابحةكتاب اشتراء الغائبكتاب الوكالاتكتاب التجارة إلى أرض الحربكتاب جامع لأبواب متفرقةكتاب العراياكتاب العيوب والتدليسكتاب الصلحكتاب الجوائحكتاب الجعل والإجارةكتاب المساقاةكتاب القراضكتاب الأقضيةكتاب كراء الرواحل والدوابكتاب كراء الدور والأرضينكتاب الشركةكتاب الشهادة الأولىكتاب الشهادة الثانيكتاب الرجوع عن الشهاداتكتاب المديانكتاب الرجوع عن الشهاداتكتاب التفليسكتاب الحمالةكتاب المأذون له في التجارةكتاب اللقطةكتاب الضوالكتاب الإباقكتاب حريم الآبار وإحياء المواتكتاب الغصبكتاب الوديعةكتاب العاريةكتاب العدةكتاب الاستحقاقكتاب الحبسكتاب الصدقةكتاب الهبة والهباتكتاب الهباتكتاب الوصايا الأولكتاب الوصايا الثانيكتابً الوصايا الثالثكتاب الشفعة الأولىكتاب الشفعة الثانيكتاب القسم الأولكتاب القسم الثانيكتاب الفرائض الثانيكتابكتاب المحاربين والمرتدينكتاب القذفكتاب الأشربةكتاب الجراحكتاب الجناياتكتاب الدِّياتكتاب الجامع
جارٍ التحميل