المؤمنين! آية في كتابكم تقرؤونها، لو علينا معشر اليهود نزلت لاتخذنا ذلك اليوم عيدًا.
قال: أيُّ آية؟
قال: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا﴾ [المائدة: 3].
فقال عمر: قد عرفنا ذلك اليوم، والمكان الذي نزلت فيه على النبي -صلى اللَّه عليه وسلم-.
نزلت وهو قائم بعرفة يوم الجمعة.
(11) باب ما يخاف من إضرار المعاصي بالإيمان، والعمل وإن كانت صغائر
لقوله: ﴿كَلَّا بَلْ رَانَ عَلَى قُلُوبِهِمْ مَا كَانُوا يَكْسِبُونَ﴾ [المطففين: 14].
ويذكر عن الحسن: ما يخافه إلا مؤمن، وما أمنه إلا منافق -يعني النفاق.
1 - عن زُبَيْدٍ قال: سألت أبا وائل عن المرجئة فقال: حدثني عبد اللَّه = دِينَكُمْ}، فإذا ترك شيئًا من الكمال فهو ناقص، من طريق قيس بن مسلم، عن طارق بن شهاب، عن عمر بن الخطاب.
رقم (45)، أطرافه في (4457، 4606، 7268).
أن النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- قال: "سِباب المسلم فُسُوق، وقتاله كفر" (1). 31 - وقد أُنْسِيَ النبيُّ -صلى اللَّه عليه وسلم- ليلة القدر؛ لِتَلَاحِي رَجُلَيْنِ من المسلمين؛ كما سيأتي في ليلة القدر.
(12) باب يجب الإيمان بمشروعية العبادات والنية والحسبة فيها
لقوله تعالى: ﴿وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ﴾، ولقوله -صلى اللَّه عليه وسلم-: "الأعمال بالنية"، وقد تقدم.
32 - عن أبي هريرة قال: قال رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم-: "من صام رمضان إيمانًا 1 (وقتاله كفر) لم يرد حقيقة الكفر التي هي الخروج عن الملة، بل أطلق عليه الكفر مبالغة في التحذير، معتمدًا على ما تقرر من القواعد أن مثل ذلك لا يخرج عن الملة.
31 - خ (1/ 32 - 33)، في الكتاب والباب السابقين، من طريق حُمَيْد، عن أنس، عن عُبادة بن الصامت ولفظه: أن رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- خرج يخبر بليلة القدر، فتلاحى رجلان من المسلمين، فقال: "إني خرجت لأخبركم بليلة القدر، وإنه تلاحى فلان وفلان فرُفعَتْ، وعسى أن يكون خيرًا لكم، التمسوها في السبع والتسع والخمس"، رقم (49).
32 - خ (2/ 62)، (32) كتاب فضل ليلة القدر، (1) باب: فضل ليلة القدر، من طريق الزهري، عن أبي سلمة، عن أبي هريرة به، رقم (2014)، وطرفه في (35، 37، 38، 1901، 2008، 2009).
واحتسابًا غُفِرَ له ما تقدم من ذنبه، ومن قام ليلة القدر إيمانًا واحتسابًا غفر له ما تقدم من ذنبه".
33 - وعنه: أن رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- قال: "مَنْ تَبعَ جنازة مسلمٍ إيمانًا واحتسابًا وكان معها (1) حتى يُصَلَّى عليها ويُفْرَغَ من دفنها، فإنه يرجع من الأجر بقيراطين، كل قيراط مثل أُحُد، ومن صلى عليها، ثم رجع قبل أن تدفن، فإنه يرجع بقيراط".
34 - وعنه: عن النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- قال: "انتُدَبَ اللَّهُ عز وجل لمن خرج في سبيله -لا يخرجه إلا إيمان بي، وتصديق (2) برسلي- أن أُرْجِعَهُ بما نال من أجرٍ أو غنيمة، أو أُدْخِلَه الجنة، ولولا أن أشق على أمتي ما قَعَدْت خلف سَرِيَّة، ولَوَدِدْتُ أن أقتل في سبيل اللَّه، ثم أحيى، ثم أقتل، ثم أحيى، ثم أقتل".
الغريب:
"النية الشرعية": هي القصد إلى إيقاع ما أمر به على الوجه المطلوب.
و"إيمانًا": تصديفا بأصل المشروعية وبالثواب الموعود عليها.
و"احتسابًا": أي: اعتدادًا به، وادخارًا له عند اللَّه تعالى.
"القيراط": في أصله نصف دانق، وأصله: قِرَّاط بالتشديد؛ لأن جمعه قراريط، ويعني به في هذا الحديث الحظ العظيم من الثواب كما قد فسره فيه.
ومعنى انتدب اللَّه هنا: تكفل، كما جاء مفسرًا في طريق آخر، وأصل (انتدب): أجاب، يقال: ندبه لأمر فانتدب له؛ أي: دعاه فأجاب.
(13) باب أعظم أركان الدين النصحية والفرار من الفتن والأمر بالتسديد والتسهيل؛ لقوله -صلى اللَّه عليه وسلم-: "الدين النصيحة للَّه ولرسوله ولأئمة المسلمين وعامتهم"
35 - عن زِيَادِ بن عِلَاقَةَ قال: سمعت جَرِيرَ بن عبد اللَّه يوم مات المغيرةُ ابن شُعْبَة قام فحمد اللَّه، وأثنى عليه، وقال: عليكم باتِّقَاءِ اللَّه وحده لا شريك له، والوقار والسكينة حتى يأتيكم أميرٌ، فإنما يأتيكم الآن، ثم قال: اسْتَعْفُوا 1 لأميركم؛ فإنه كان يحب العفو.
ثم قال: أما بعد؛ فإني أتيت النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- قلت: أبايعك على الإسلام فشرط عليَّ "والنصح لكل مسلم"، فبايعتُه على هذا، وَرَبِّ هذا المسجد،
إني لناصح لكم، ثم استغفر ونزل.
وفي طريق أخرى 1 قال: بايعت رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- على إقام الصلاة، وإيتاء الزكاة، والنصح لكل مسلم.
36 - وعن أبي سعيد الخدري قال: قال رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم-: "يوشكُ أن يكون خَيْرُ مال المسلم غنمًا (2) يَتْبَعُ بها شَعَفَ الجبال ومَوَاقِع القَطْرِ، يفرُّ بدينه من الفتن".
37 - وعن أبي هريرة عن النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- قال: "إنَّ الدين يُسرٌ، ولن يُشَادَّ الدِّينَ أحدٌ إلا غَلَبَهُ، فَسَادُوا وقاربوا وأَبْشِرُوا، واستعينوا بالغَدْوة والرَّوْحَةِ، وشيءٍ من الدُّلْجَةِ".
الغريب:
"النصيحة": مأخوذة من نَصَحْتُ العسلَ: إذا صفيته مما يكدره، وقيل: من نصحت الثوب: إذا خِطْتُه، والناصح الخياط، والنِّصاح الخيط، وقيل: هي الإبرة، والناصح في العبادة يخلص فيها، ويَلُمُّ شَعَثَها.
و"يوشك": يحق ويسرع.
و (الوَشَك) -بفتح الواو-: السُّرعة.
"شعف الجبال": رؤوسها.
و"مشادة الدين": مغالبته، ومقاواته.
و"الغَدْوة": هي ما يفعل من الطاعات في أول النهار؛ كصلاة الصبح، والذكر، وغير ذلك.
و"الرَّوْحَة": ما يفعل من الخير في آخر النهار.
و"شيء من الدُّلْجَةِ": هي الصلاة من جوف الليل، أو من آخر، يقال: أدلج القوم: إذا ساروا من أول الليل، والاسم: الدَّلَج بالتحريك، فإن ساروا من آخره فقد ادَّلجوا بتشديد الدال، والاسم الدَّلَجَةُ والدُّلجة بالضم والفتح.
(14) باب حق اللَّه على العباد، وجزاؤهم على ذلك
1 - عن معاذ بن جبل قال: بينا أنا رَدِيفُ النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- ليس بيني وبينه
إلا آخِرَةَ الرَّحْلِ فقال: "يا معاذ" قلت: لبيك رسول اللَّه وسعديك، ثم سار ساعة، ثم قال: "يا معاذ" قلت: لبيك رسول اللَّه وسَعْدَيْك.
قال: ثم سار ساعة ثم قال: "يا معاذ" قلت: لبيك رسول اللَّه وسعديك.
قال: "هل تدري ما حق اللَّه على عباده؟ " قلت: اللَّه ورسوله أعلم؟ قال: "حق اللَّه على عباده أن يعبدوه ولا يشركوا به شيئًا"، ثم سار ساعة، ثم قال: "يا معاذ بن جبل" قلت: لبيك رسول اللَّه وسعديك قال: "هل تدري ما حق العباد على اللَّه إذا فعلوا ذلك؟ " قلت: اللَّه ورسوله أعلم.
قال: "حق العباد على اللَّه ألا يعذبهم".
الغريب:
"الرديف": هو الراكب خلف الراكب، ويقال فيه: رَدِف وردف.
و"آخِرَةُ الرَّحْل": مُؤْخِرَته، ويقابلها: قادمته.
والرَّحْلُ للبعير، والسَّرْج للفرس، والإِكَافُ للحمار.
و"لبيك": إجابة بعد إجابة، مأخوذ من لبَّ بالمكان: إذا قام به.
و"سعديك": مساعدة بعد مساعدة، وهما مصدران من المصادر المثناة المسموعة، وحق اللَّه على عباده واجب عليهم بإيجابه ذلك عليهم، وحقهم عليه بحسب وعده الصادق، وقوله الحق.
(3) كتاب العلم
(3) كتاب العلم
(1) باب فضل العلم والفقه والغبطة فيهما
39 - عن عبد اللَّه بن عمر قال: سمعت رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- يقول: "بَيْنَا أنا نائم أُتِيتُ بقَدَحِ لبني فشربت، حتى إني لأرى الرِّيَّ 1 يخرج من أَظْفَارِي، ثم أَعْطَيْتُ فَضلِي (2) عمرَ بن الخطاب".
قالوا: فما أَوَّلْتَهُ يا رسول اللَّه؟ قال: "العلم".
40 - وعن معاوية قال: سمعت رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- يقول: "مَنْ يُرِدِ اللَّهُ به
خيرًا يفقهه في الدين، وإنما أنا قاسم واللَّه يعطي".
41 - وعن عبد اللَّه بن مسعود قال: قال رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم-: "لا حسد 1 إلا في اثنتين، رجلٌ آتاه اللَّه مالًا فَسُلِّط على هلكته في الحق، ورجل آتاه الحكمة 2 فهو يقضي بها ويعلمها".
وعن ابن عمر مثله 3، غير أنه قال: "رجل آتاه اللَّه الكتاب وقام به
آناء الليل، ورجل أعطاه اللَّه مالًا فهو يتصدق به آناء الليل والنهار".
(2) باب الحض على المبادرة لتعلم العلم قبل الفوت، وفضل من عَلِمَ وعلَّم
42 - عن أنس قال: لأحدثنكم حديثًا لا يُحَدِّثكم أحد بعدي، سمعت رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- يقول "مِنْ أشراط الساعة أن يَقِلَّ العلمُ، ويظهر الجهل، ويظهر الزنا، ويكثر النساء، ويقل الرجال حتى يكون لخمسين امرأةً القيِّمُ 1 الواحدُ".
وفي طريق آخر 2: "إن من أشراط الساعة أن يرفع العلم ويثبت الجهل، وتشرب الخمر، ويظهر الزنا".
43 - وعن أبي موسى، عن النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- قال: "مَثَلُ ما بعثني اللَّه به من الهُدَى والعلم كمثل الغيث الكثير أصاب أرضًا، فكان منها نَقِيَّةٌ قَبِلَتِ الماء، فأنبت الكلأ والعُشْبَ الكثير، وكان منها أَجَادِبُ أمسكت الماء، فنفع اللَّه بها الناس، فشربوا، وسَقَوا، وزرعوا، وأصاب منها طائفة أخرى، إنما هي قِيعَانٌ، لا تمسك ماءً ولا تنبت كلأً، فذلك مَثَلُ من فَقُهَ في دين اللَّه، ونفعه ما بعثني اللَّه به، فَعَلِمَ وعَلَّم، ومَثَلُ من لم يرفع بذلك رأسًا، ولم يقبل هُدَى اللَّه الذي أُرْسِلْتُ به" 1. الغريب: "نَقِيَّةٌ": أي: طائفة نقية؛ أي: من مواح النبات، وفي طريق أخرى: "طائفة طيبة".
و"الأرض الجَدْبَةُ": التي لم تُمْطَر، وهي هنا التي لا تشرب ولا تنبت لصلابتها.
و"قبلت": مشهور الرواية فيه بالباء، بواحدة، من القبول، ووقع عند أبي زيد وأبي أحمد (قَيَّلَت) باثنين تحتها، فقيل: هو تصحيف، وقيل: ليس كذلك.
قال في "الجمهرة": تقيل الماء في المكان المنخفض: إذا اجتمع.
و"القيعان": جمع قاع، وهو المستوطئ من الأرض، ويجمع في القلة: أَقْوُعٌ وأَقْوَاع، والقِيعَةُ مثل القاع، و"الكلأ": بالهمز الرطب من العشب، وما يبس منه يسمى الحشيش.
(3) باب الأمر بحفظ العلم والتبليغ والإنصات للعالم
قد تقدم قول النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- لوفد عبد القيس: "احفظوه، وأخبروا به من وراءكم".
1 - وعن أبي هريرة قال: إن الناس يقولون: أَكْثَرَ أبو هريرة، ولولا آيتان في كتاب اللَّه ما حدثت حديثًا، ثم يتلوا: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ مَا أَنْزَلْنَا مِنَ الْبَيِّنَاتِ وَالْهُدَى﴾ إلى قوله: ﴿الرَّحِيمُ﴾ [البقرة: 160] إن إخواننا من المهاجرين
كان يشغلهم الصَّفْقُ 1 بالأسواق، وإن إخواننا من الأنصار كان يشغلهم العمل في أموالم 2، وإن أبا هريرة كان يلزم رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- لشِبَع بطنه 3، ويحضر ما لا يحضرون، ويحفظ ما لا يحفظون.
45 - وعن أبي هريرة -رضي اللَّه عنه-: قلت: يا رسول اللَّه! إني أسمع منك حديثًا كثيرًا أنساه، قال "ابسط رداءك"، فبسطه، فغرف يديه، ثم قال: "ضُمّه"، فضممته، فما نسيت شيئًا بعدُ.
46 - وعن أبي شُرَيْحٍ -رضي اللَّه عنه- أنه قال لعَمْرو بن سعيد -وهو يبعث البعوث إلى مكة-: ائذن لي أيها الأمير أحدثك قولًا قام به النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- الغد من يوم الفتح، سمعته أذناي، ووعاه قلبي، وأبصرته عيناي حين تكلم به: حمد اللَّه وأثنى عليه ثم قال: "إن مكة حَرَّمها اللَّه ولم يحرمها الناس، فلا يحل لامرئ يؤمن باللَّه واليوم الآخر أن يَسْفِكَ بها دمًا، ولا يَعْضِدَ بها شجرة (4)، فإنْ أحدٌ تَرَخَّصَ لقتال رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- فيها، فقولوا: إن اللَّه قد أَذِنَ لرسوله ولم يأذن
لكم، وإنما أذن لي فيها ساعة 1 من نهار، ثم عادت حرمتُهَا اليوم كحرمتها بالأمس، وليبلغ الشاهد الغائب".
فقيل لأبي شريح: ما قال عمرو؟ قال: أنا أعلم منك يا أبا شريح، لا يُعِيذُ عاصيًا 2، ولا فارًّا بدم 3، ولا فارًّا بِخَرْبَةٍ 4.
47 - وعن أبي بَكْرَةَ -رضي اللَّه عنه-: أنه ذكر النبي -صلى اللَّه عليه وسلم-: قعد على بعيره وأمسك إنسان بخطَامِهِ أو بزمامه، قال: "أي يوم هذا؟ " فسكتنا حتى ظننّا أنه سيسميه سوى اسمه، قال: "أليس يوم النحر؟ " قلنا: بلى، قال "فأي شهر هذا؟ " فسكتنا حتى ظننا أنه سيسميه بغير اسمه، فقال: "أليس بذي الحجة؟ " قلنا: بلى، قال: "فإن دماءَكم وأموالكم وأعراضكم بينكم حرام كحرمة يومكم هذا، في شهركم هذا، في بلدكم هذا ليبلِّغ الشاهدُ الغائبَ، فإن الشاهد عسى أن يبلغ من هو أوعى له منه".
48 - وعن جرير -رضي اللَّه عنه-: أن النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- قال له في حجة الوداع: "استنصت الناس" فقال: "لا ترجعوا بعدي كفارًا يضرب بعضكم رقاب بعض (1) ". الغريب: "الخربة" بالفتح: الجناية، أو البلية، أو السرقة، وللأصيلي: بالضم.
(4) باب لا تقطع على المحدث حديثه حتى يفرغ منه، ورفع الصوت بالعلم، وتكراره ليفهم
49 - عن أبي هريرة -رضي اللَّه عنه- قال: بينما رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- في مجلس يحدث القوم، جاءه أعرابي، فقال: متى الساعة؟ ، فمضى رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- يُحَدِّثُ، فقال بعض القوم: سمعَ ما قال، فكره ما قال، وقال بعضهم: بل لم يسمع، حتى إذا قضى حديثه قال: "أين (2) السائل عن الساعة؟ " قال: ها أنا1
يا رسول اللَّه، قال "فإذا ضُيِّعَتِ الأمانةُ فانتظر الساعة" قال: كيف إضاعتها؟ ، قال "إذا وُسِّدَ الأمرُ إلى غير أهله فانتظر الساعة".
50 - وعن أنس -رضي اللَّه عنه-: عن النبي -صلى اللَّه عليه وسلم-: أنه كان إذا تكلم بكلمة أعادها ثلاثًا حتى تُفْهَمَ عنه، وإذا أتى على قوم فسَلَّم عليهم، سلَّم عليهم ثلاثًا.
51 - وعن عبد اللَّه بن عمرو -رضي اللَّه عنه- قال: تخلف عنا النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- في سفرة سافرناها، فأدركنا وقد أرهقنا (1) الصلاة ونحن نتوضأ، فجعلنا نمسح على أرجلنا، فنادى بأعلى صوته "ويل للأعقاب من النار" مرتين أو ثلاثًا.
52 - وقال ابن أبي مُلَيْكَةَ: إن عائشة -رضي اللَّه عنها- زوج النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- كانت لا تسمع شيئًا لا تعرفه إلا راجعت فيه حتى تعرفه، وإن النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- قال: "من حُوسِبَ عُذّبَ".
قالت عائشة: فقلت: أوليس يقول اللَّه عز وجل: {فَسَوْفَ يُحَاسَبُ حِسَابًا (1) (الإرهاق): الإدراك والغشيان.
50 - خ (1/ 51)، (3) كتاب العلم، (30) باب: من أعاد الحديث ثلاثًا ليفهم عنه، من طريق عبد اللَّه بن المثنى، عن ثمامة بن عبد اللَّه، عن أنس به، رقم (95)، طرفه في (94، 6244).
51 - خ (1/ 37)، (3) كتاب العلم، (3) باب: من رفع صوته بالعلم، من طريق أبي بشر، عن يوسف بن مَاهَك، عن عبد اللَّه بن عمرو به، رقم (60)، وطرفه في (96، 163).
52 - خ (1/ 54)، (3) كتاب العلم، (35) باب: من سمع شيئًا فراجع حتى يعرفه، من طريق نافع بن عمر، عن ابن أبي مليكة به، رقم (103)، طرفه في (4939، 6536، 6537).
يَسِيرًا} [الانشقاق: 8] قالت: فقال: "إنما ذلك العَرْضُ (1)، ولكن من نوقش (2) الحساب يَهْلِكْ".
الغريب:
قوله: "وُسِّدَ": مثقل، بمعنى أسند الأمر؛ يعني: الإمارةَ إلى غير أهلها.
جعلت إليهم وقلدوها.
وفي "النهاية": يعني إذا سُوِّدَ وشُرِّفَ غير المستحق للسيادة والشرف، وقيل: هو من الوسادة؛ أي: إذا وضعت وسادة الملك والأمر والنهي لغير مستحقها، ويكون (إلى) بمعنى اللام.
وقوله: "ويل للأعقاب": ويل كلمة عذاب، يقال لمن وقع في هلكة أو بلية لا يترحم عليه.
(5) باب السؤال للاختبار والفهم في العلم وأن لا حياء في أخذه من العلماء أو ممن أخذ عنهم
53 - عن ابن عمر -رضي اللَّه عنهما-: قال رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم-: "إن من الشَّجَرِ شجرةً12
لا يسقط ورقها، وإنها مَثَلُ المسلم 1، فحدثوني ما هي؟ " فوقع الناس في شجر البوادي، قال عبد اللَّه: ووقع في نفسي أنها النخلة، فاستحييت.
ثم قالوا: حدثنا ما هي يا رسول اللَّه، قال: "هي النخلة".
54 - وعن أم سلمة -رضي اللَّه عنها- قالت: جاءت أم سُلَيْم -رضي اللَّه عنها- إلى رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- فقالت: يا رسول اللَّه! إن اللَّه لا يستحي من الحق، فهل على المرأة غُسْلٍ إذا احتلمت؟ فقال النبي -صلى اللَّه عليه وسلم-: "إذا رأتِ الماءَ" فَغَطَّتْ أم سلمة -تعني وجهها- وقالت: يا رسول اللَّه! وتحتلم المرأة (2)؟ قال "نعم، تَرِبَتْ يمينُكِ، فَبِمَ يُشْبِهُهَا ولدُهَا؟ ".
55 - وعن علي -رضي اللَّه عنه- قال: كنت رجلًا مَذَّاءَ، فأمرت المقداد بن
الأسود 1 -رضي اللَّه عنه- أن يسأل النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- فسأله، فقال: "فيه الوضوء".
56 - وعن عمر -رضي اللَّه عنه- قال: كنت أنا وجَارٌ لي من الأنصار في بني أمية ابن زيد -وهي من عوالي المدينة- وكنا نتناوب النزول على رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- ينزل يومًا، وأنزل يومًا، فإذا نزلت جئته بخبر ذلك اليوم من الوحي وغيره، وإذا نزل فعل مثل ذلك، فنزل صاحبي الأنصاري يوم نوبته، فضرب بابي ضربًا شديدًا، فقال: أثَمَّ هو؟ ففزعت، فخرجت إليه، فقال: قد حدث أمر عظيم.
. . قال: فدخلت على حفصة، فإذا هي تبكي، فقلت: أطلقكن (2) رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم-؟ قالت: لا أدري، ثم دخلت على النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- فقلت وأنا قائم: أطلقت نساءَك؟ قال: "لا" فقلت: اللَّه أكبر.
الغريب:
قوله: "تَرِبَتْ يمينك": قيل: خسرت، وقيل: افتقرت من العلم، وقيل هو الأصح أنه دعاء يدعم به الكلام تهويلًا ولا يراد وقوعه؛ كعَقْرَى، حَلْقَي وشبهه.
و"مَذَّاء": من المذي، وهو بفتح أوله وسكون ثانيه، وقد يكسر ثانيه، مشدد الياء ومخففها، وهو ماء رقيق يخرج عند الملاعبة.
(6) باب قراءة المحدث والقراءة عليه والمناولة والمكاتبة، وكتابة العلم
ورأى الحسن، والثوري، ومالك: القراءة جائزة، وقال الحسن: لا بأس بالقراءة على العالِم، وقال سفيان: إذا قرئ على المحدث فلا بأس أن تقول: حدثني، واحتج مالك بالصَّكِّ يقرأ على القوم فيقولون: أشهدنا فلان، وإنما ذلك قراءة عليهم، ويقرأ على المقرئ فيقول القارئ: أقرأني فلان، وقال مالك وسفيان: القراءة على العالم وقراءته سواء، واحتج بعضهم في القراءة على العالم بحديث ضِمَامِ بن ثَعْلَبَةَ أنه قال للنبي -صلى اللَّه عليه وسلم-: آللَّه أمرك أن تصلي الصلوات، قال: "نعم"، قال: فهذه قراءة على النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- أخبر ضمام قومه بذلك فأجازوه.
1 - وحديث ضمام رواه أنس -رضي اللَّه عنه- قال: بينما نحن جلوس مع النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- في المسجد دخل رجل على جمل فأناخه في المسجد، ثم عقله، ثم قال لهم: أيكم محمد -والنبي -صلى اللَّه عليه وسلم- متكئ بين ظهرانيهم- فقلنا: هذا الرجل
الأبيض المتكئ، فقال له الرجل: ابن عبد المطلب، فقال له النبي -صلى اللَّه عليه وسلم-: "قد أجبتك" فقال الرجل للنبي -صلى اللَّه عليه وسلم-: إني سائلك فمُشَدِّدٌ عليك في المسألة، فلا تجدْ عليَّ 1 في نفسك، فقال: "سَلْ عَمَّا بَدَا لك" فقال: أسألك بربك ورب من قبلك، آللَّه أرسلك إلى الناس كلهم؟ فقال: "اللهم نعم 2 " قال: أَنْشُدُكَ باللَّه، آللَّه أمرك أن نصلي الصلوات الخمس في اليوم والليلة؟ فقال: "اللهم نعم" قال: أنشدك باللَّه، آللَّه أمرك أن نصوم هذا الشهر من السنة؟ قال: "اللهم نعم" قال: أنشدك باللَّه، آللَّه أمرك أن تأخذ هذه الصدقة من أغنيائنا فتقسمها على فقرائنا؟ فقال النبي -صلى اللَّه عليه وسلم-: "اللهم نعم" فقال الرجل: آمنت بما جئت به، وأنا رسول من ورائي من قومي، وأنا ضِمَامُ ابن ثعلبة، أخو بني سعد بن بكر.
58 - وعن ابن عباس -رضي اللَّه عنهما-: أن رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- بعث بكتابه رجلًا وأمره أن يدفعه إلى عظيم البحرين، فدفعه عظيم البحرين إلى كسرى، فلما قرأه مزقه، فحسبت 3 أن ابن المسيب قال: فدعا عليهم رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- أن يُمَزَّقُوا كل مُمَزَّقٍ.
59 - وعن أبي جُحَيْفَةَ -رضي اللَّه عنه- قال: قلت لعلي -رضي اللَّه عنه-: هل عندكم كتاب؟ 1 قال: لا، إلا كتاب اللَّه، أو فَهْمٌ أُعْطِيَهُ رجل 2 مسلم، أو ما في هذه الصحيفة، قال: قلت، وما في هذه الصحيفة؟ قال: العَقْلُ 3، وفِكَاكُ الأسير 4، ولا يُقْتَلُ مسلمٌ بكافر.
60 - وعن أبي هريرة -رضي اللَّه عنه-: أن خزاعة قتلوا رجلًا من بني لَيْثٍ عام فتح مكة، بقتيل منهم قتلوه، فأُخْبِرَ بذلك النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- فركب راحلته، فخطب فقال: "إن اللَّه حَبَسَ عن مكة القتل أو الفيل (5)، وسلط عليهم رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- والمؤمنين، أَلَا وإنها لم تحل لأحدٍ قبلي، ولا تحل لأحد بعدي، أَلَا وإنها
أُحِلَّتْ لي ساعةً من نهار، أَلَا وإنها ساعتي هذه حرام، لا يُخْتَلى 1 شوكها، ولا يُعْضَدُ شجرها، ولا تُلْتَقَطُ ساقطتها إلا لمُنْشِدٍ، فمن قُتِلَ فهو بخير النَّظَريْنِ: إما أن يُعقَل، وإما أن يُقَادَ 2 أهل القتيل".
فجاء رجل من أهل اليمن، فقال: اكتب لي يا رسول اللَّه، فقال: "اكتبوا لأبي فلان" فقال رجل من قريش: إلا الإِذْخِرَ يا رسول اللَّه؛ فإنا نجعله في بيوتنا وقبورنا، فقال النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- "إلا الإِذْخِرَ، إلا الإذخر 3 ".
61 - وعن أبي هريرة -رضي اللَّه عنه- قال: ما من أصحاب النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- أحدٌ أكثر حديثًا عنه مني، إلا ما كان من عبد اللَّه بن عمرو -رضي اللَّه عنهما-، فإنه كان يكتب ولا أكتب.
62 - وعن ابن عباس -رضي اللَّه عنهما- قال: لمَّا اشتد بالنبي -صلى اللَّه عليه وسلم- وجعه 4 قال: "ائتوني بكتابٍ (5) أكتب لكم كتابًا لا تضلوا بعده"، قال عمر -رضي اللَّه عنه-: إن
النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- غلبه الوجع (1) وعندنا كتاب، حسبنا، فاختلفوا، وكَثُرَ اللَّغَطُ، فقال "قوموا عني، ولا ينبغي عندي التنازع".
فخرج ابن عباس يقول: إن الرَّزِيَّةَ (2) كُلَّ الرزية ما حال بين رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- وبين كتابه.
الغريب:
قوله: "بين ظهرانيهم": يقال للشيء إذا كان في وسط شيء: هو بين ظهريه وظهرانيه، و"العقل": من عقلت القتيل عقلًا: غرمت ديته وعن القاتل: غرمت عنه الدية.
(7) باب حِلَقِ العلم والوقوف على العالم، ومن برك عنده، وغضب العالم إذا كره شيئًا
63 - عن أبي واقد الليثي -رضي اللَّه عنه-: أن رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- بينما هو جالس في12
المسجد والناس معه إذ أقبل ثلاثة نفر، فأقبل اثنان إلى رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- وذهب واحد، قال: فوقفا على رسول اللَّه 1 -صلى اللَّه عليه وسلم-، فأما أحدهما: فرأى فرجةً في الحلقة، فجلس فيها، وأما الآخر: فجلس خلفهم، وأما الثالث: فأدبر ذاهبًا، فلما فرغ رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- قال "ألا أخبركم عن النَّفَرِ الثلاثة؟ أما أحدهم: فآوى إلى اللَّه 2 فآواه اللَّه، وأما الآخر: فاستحيا 3 فاستحيا اللَّه منه، وأما الآخر: فأعرض فأعرض اللَّه عنه (4) ". 64 - وعن أبي موسى -رضي اللَّه عنه- قال: جاء رجل إلى النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- فقال: يا رسول اللَّه! ما القتال في سبيل اللَّه؟ فإن أحدنا يقاتل غضبًا ويقاتل حَمِيَّةً، فرفع إليه رأسه، قال: وما رفع إليه رأسه إلا أنه كان قائمًا،
فقال: "من قاتل لتكون كلمة اللَّه هي العليا فهو في سبيل اللَّه عز وجل".
65 - وعن أبي موسى -رضي اللَّه عنه- قال: سئل النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- عن أشياء كرهها، فلما أكثِر عليه غَضِبَ، ثم قال للناس: "سلوني عما شئتم" قال رجل: من أبي؟ قال "أبوك حذافة" فقام آخر، فقال: من أبي يا رسول اللَّه؟ قال: أبوك سالم مولى شيبة، فلما رأى عمر ما في وجهه قال: يا رسول اللَّه! إنا نتوب إلى اللَّه عز وجل.
66 - وعن أنس -رضي اللَّه عنه-: أن رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- خرج فقام عبد اللَّه بن حُذَافة، فقال: من أبي؟ فقال "أبوك حذافة"، ثم أكثر أن يقول: "سلوني"، فبرك عمر على ركبتيه، فقال: رضينا باللَّه ربًا 1، وبالإسلام دينًا، وبمحمد -صلى اللَّه عليه وسلم- (2) نبيًا فسكت.
وفي الباب عن أبي مسعود (1) وزيد بن خالد (2) وغيرهما.
الغريب:
قوله: "أوى إلى اللَّه": أي لجأ، وهو بالقصر، "فآواه اللَّه": بالمد، وهو الأفصح.
(8) باب التحديث بما يناسب كل قوم، وإثم كتمان العلم، ومن كتمه لعلم، وزيادة الجواب على السؤال
قال علي -رضي اللَّه عنه-: حَدِّثُوا الناس بما يعرفون، أتحبون أن يُكَذَّبَ اللَّه ورسوله؟ 3 67 - وعن عائشة -رضي اللَّه عنها- قالت: قال النبي -صلى اللَّه عليه وسلم-: "يا عائشة! لولا قومك12
حديثٌ عهدهم -قال ابن الزبير - راويه 1 - بكُفْر لنقضت الكعبة، فجعلت لها بابين، باب يدخل الناس، وباب يخرجون منه" 2.
68 - وعن أنس -رضي اللَّه عنه- قال: ذُكِرَ ليَ أن النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- قال لمعاذ: "من لقي اللَّه لا يشرك به شيئًا، دخل الجنة"، قال: ألا أُبَشِّرُ الناس، قال "لا، إني أخاف أن يَتَّكِلُوا".
69 - وعن أنس -رضي اللَّه عنه-: أن النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- ومعاذ رديفه على الرَّحْلِ قال: "يا معاذ بن جبل" قال: لبيك يا رسول اللَّه وسعديك، قال: "يا معاذ" قال: لبيك يا رسول اللَّه وسعديك ثلاثًا.
قال: "ما من أحد يشهد أن لا إله إلا اللَّه وأن محمدًا رسول اللَّه صِدْقًا من قلبه إلا حرَّمه اللَّه على النار".
قال: يا رسول اللَّه، أفلا أخبر به الناس فيستبشروا؟ قال: "إذًا يتكلوا"، وأخبر بها معاذ عند موته تَأَثُّمًا (3).
70 - وعن أبي سعيد الخدري -رضي اللَّه عنه- قال: قالت النساء للنبي -صلى اللَّه عليه وسلم-: غلبنا عليك الرجال، فاجعل لنا يومًا من نفسك، فوعدهن يومًا لقيهن فيه فوعظهن وأمرهن، فكان فيما قال لهن: "ما منكم امرأة تقدِّم ثلاثةً من ولدها إلا كان لها حجابًا من النار" 1، فقالت امرأة: واثنين، قال: "واثنين".
وفي رواية 2: "لم يبلغوا الحِنْثَ" (3).
71 - وقال أبو ذر: لو وضعتم.
. . . .
الصَّمْصَامَة 1 على هذه، وأشار إلى قفاه، ثم ظننت أني أُنفِذُ كلمة سمعتُها من رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- قبل أن تجيزوا 2 عليَّ لأنفذتها.
72 - وعن أبي هريرة -رضي اللَّه عنه- قال: حفظت من رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- وعاءَين 3، فأما أحدهما فَبَثَثْتُهُ 4، وأما الآخر: فلو بَثَثْتُهُ لقُطِعَ 5 هذا البلعوم.
73 - وعن ابن عمر -رضي اللَّه عنهما-، عن النبي -صلى اللَّه عليه وسلم-: أن رجلًا سأله ما للبس المُحْرِم؟
فقال: "لا يَلْبَسُ القميصَ ولا العمامةَ، ولا السراويل ولا البُرْنُسَ (1)، ولا ثوبًا مَسَّه الوَرْسُ (2) أو الزعفران، فإن لم يجد النعلين فليلبس الخفين، وليقطعهما حتى يكونا تحت الكعبين".
الغريب (3):
(9) باب متى يصح سماع الصغير
74 - عن ابن عباس قال: أقبلت راكبًا على حمابى أتانٍ -وأنا يومئذ قد ناَهَزْتُ الاحتلامَ- ورسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- يصلي بمنى إلى غير جدار، فمررت بين يدي بعض الصف، وأرسلت الأتان ترتع، فدخلت في الصف، فلم يُنْكَر عليَّ.
75 - وعن محمود بن الربيع قال: عَقَلْتُ من النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- مَجَّةً مَجَّها في12
وجهي، وأنا ابن خمس سنين من دلوٍ.
الغريب:
"الأتان": أنثى الحمر.
و"ناهزت": قاربت.
و"ترتع": ترعى.
و"المَجَّة": طرح الماء من الفم وصبه.
ومنه قول امرئ القيس:
[أَقَبَّ رَبَاعٍ من حَمِيرِ عَمَايةٍ] ... يَمُجّ لُعَاعَ البَقْلِ في كُلِّ مَشْرَبِ
(10) باب العلم والعظة بالليل، والسمر في العلم
76 - عن أم سلمة قالت: استيقظ النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- ذات ليلة فقال: "سبحان اللَّه، ماذا أُنْزِلَ 1 من الفتن، وماذا فُتِحَ من الخزائن 2، أيقظوا صواحبات
الحُجَر (1)، فَرُبَّ كاسيةٍ في الدنيا عاريةٍ في الآخرة".
77 - وعن عبد اللَّه بن عمر قال: صلى بنا النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- العشاء في آخر حياته، فلما سَلَّم قام فقال: "أرأيتكم ليلتكم هذه؟ فإن رأسَ مئة سنةٍ منها لا يبقى ممن هو على ظهر الأرض أحد" (2)؛ يعني: يَنْخَرِمُ ذلك القرنُ، واللَّه أعلم.
(11) باب الأمر بتبليغ العلم، وإباحة الحديث عن بني إسرائيل
78 - عن عبد اللَّه بن عمرو: أن النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- قال: "بلِّغوا عني ولو آية،1
وحدثوا عن بني إسرائيل ولا حرج، ومن كذب عليَّ متعمدًا فليتبوأ مقعده من النار".
قوله: "ولا حرج"؛ أي: في ترك الحديث عنهم؛ لئلا يتوهم أنه واجب.
و"فليبتوأ"؛ أي: ليتخذ فيها مُبَوَّأً؛ أي: منزلًا، وهو أمر تهديد، كقوله: ﴿اعْمَلُوا مَا شِئْتُمْ﴾ [فصلت: 40].
(12) باب خيار الناس في الإسلام خيارهم في الجاهلية إذا فقهوا
79 - عن أبي هريرة، عن النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- قال: "تجدون الناس مَعَادِن، خيارهم في الجاهلية خيارهم في الإسلام إذا فَقِهُوا، وتجدون خير الناس في هذا الشأن أشدَّهُمْ له كراهيةً".
في رواية: "حتى يقع فيه" 1. (1) خ (2/ 503)، في الكتاب والباب السابقين، من طريق أبي الزناد، عن الأعرج، عن أبي هريرة به، رقم (3496). = إسرائيل، من طريق الأوزاعي، عن حسان بن عطية، عن أبي كبشة، عن عبد اللَّه بن عمرو به، رقم (3461).
79 - خ (2/ 503)، (61) كتاب المناقب، (1) باب: قول اللُّه تعالى ﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ﴾، وقوله: ﴿وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا﴾، من طريق عمارة، عن أبي زرعة، عن أبي هريرة به، رقم (3493)، طرفاه في (3496، 3588).
"وتجدون شر الناس ذا الوجهين الذي يأتي هؤلاء بوجه، ويأتي هؤلاء بوجه" (1).
الغريب:
أصل "المعدن": من عدن؛ أي: إقامة، ومنه جنة عدن؛ لخلود الإقامة فيها، وهذا مثل ضربه؛ قال: الناس الكبراء والسادة المكارم في أصول مقيمة ثابتة مثل المعادن المنطوية على الذهب والفضة المقيمين فيها، فإذا تفقه كبراء الناس وأشرافهم اجتمع لهم الفضل الأصلي، والفضل الفرعي فاستحقوا بذلك أن يكونوا خير الناس، واللَّه أعلم.
ويعني بهذا الشأن: الإمارة.
(4) كتاب الطهارة
(4) كتاب الطهارة
(1) باب في اشتراط الطهارة في الصلاة، وفضل الوضوء
1 - عن أبي هريرة قال: قال رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم-: "لا تُقْبَلُ صلاةُ من أحدث حتى يتوضأ" قال رجل من حضرموت: ما الحدث يا أبا هريرة؟ قال: فُسَاءٌ أو ضُرَاطٌ.
2 - وعنه قال: سمعت النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- يقول: "إن أمتي يُدْعَوْنَ يوم القيامة غُزا مُحَجَّلِينَ من آثار الوضوء، فمن استطاع منكم أن يطيل غُزَتَهُ فليفعل".
الغريب:
قوله: "غُرًّا مُحَجَّلِين": جمع أغر، يريد بياض وجوههم بنور الوضوء
يوم القيامة، وتطويل الغرة بغسل مقدم الرأس وصفحة العنق مع غسل الوجه، وقوله: "فمن استطاع منكم أن يطيل غرته فليفعل"، قيل: هو من كلام أبي هريرة مدرج في الحديث.
82 - عن أنس قال: كان النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- إذا دخل الخلاء قال: "اللهم إني أعوذ بك من الخبث والخبائث".
وفي رواية: "إذا أتى الخلاء" (1)، وفي أخرى: "إذا أراد أن يدخل" (2).
"الخُبُث": بضم الباء: اختاره الخطابي، وهو جمع خبيث، و"الخبائث": جمع خبيثة، فهو تعوذ من ذكور الجن وإناثهم، والمحدثون يروونه بسكون الباء، وهو مصدر خَبُث خُبْثًا، ويحتمل أن يكون ذلك السكون تخفيفًا للضمة، كما قالوا: كتْب ورسْل، واللَّه أعلم.
(2) باب المُتَخَلِّي لا يستقبل القبلة ولا يستدبرها
83 - عن أبي أيوب، وهو خالد بن يزيد الأنصاري قال: قال1
رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم-: "إذا أتى أحدكم الغائط فلا يستقبل القبلة، ولا يولِّها ظهره، شرقوا أو غربوا".
(3) باب جواز استقبالها بين البنيان ولضرورة المرحاض، وإذن النساء في الخروج إلى البراز
84 - وعن ابن عمر -رضي اللَّه عنهما- أنه كان يقول: إن أناسًا يقولون: إذا قعدت على حاجتك، فلا تستقبل القبلة ولا بيت المقدس، لقد ارتقيتُ يومًا على ظهر بيت لنا، فرأيت رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- على لَبِنتَيْن مستقبلًا بيت المقدس، لحاجته.
وقال: لعلك من الذين يُصَلُّون على أوراكهم؟ فقلت: لا أدري.
قال مالك: يعني الذي يصلي ولا يرتفع عن الأرض، يسجد وهو لاصق بالأرض.
وفي رواية: فرأيت رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- يقضي حاجته مستدبر القبلة، مستقبل الشام 1.