اختصار صحيح البخاري وبيان غريبهصفحات 141-180

باب صفة النبي -صلى اللَّه عليه وسلم-،

صفحات 141-180

من طريق يعقوب بن عبد الرحمن، عن عمرو بن سعيد المقبري، عن أبي هريرة به، رقم (3557). 1602 - خ (2/ 513)، (61) كتاب المناقب، (18) باب خاتم النبيين -صلى اللَّه عليه وسلم-، من طريق سَليم بن حَيَّان، عن سعيد بن مِينَاء، عن جابر بن عبد اللَّه به، رقم (3534). 1603 - خ (2/ 513)، (61) كتاب المناقب، (18) باب خاتم النبيين -صلى اللَّه عليه وسلم-، من طريق إسماعيل بن جعفر، عن عبد اللَّه بن دينار، عن أبي صالح، عن أبي هريرة به، رقم (3535).

فجعل الناس يطوفون به، ويعجبون منه، ويقولون: هَلَّا وُضِعَتْ هذه اللبنة؟ قال: فأنا اللَّبِنَة، وأنا خاتم الأنبياء".
1604 - وعن السائب بن يزيد قال: ذهبت بي خالتي إلى رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- فقالت: يا رسول اللَّه! إن ابنَ أخي وَجِعٌ 1، فمسح رأسي، ودعا لي بالبركة، وتوضأ فشَرِبْتُ من وَضوئه، ثمَّ قمتُ خلف ظهره، فنظرت إلى خاتمٍ بين 2 كتفيه مثل زِرِّ الحَجَلَةِ.
قال محمد بن عبيد اللَّه -وهو شيخ البخاري-: الحَجْلَةُ من حَجَلِ الفَرَسِ الذي بين عينيه.
قلت: أنكر المشايخ هذا القول؛ لأنَّ التحجيل في الفرس إنما هو في قوائمه لا بين عينيه، ولا يقال فيه: حَجَل، ولا حَجَلة، وإنما الحَجَلة السِّتْر الذي يستر به، وتجمع حجال، ومنه: قول عليّ: يا عُقُول رَبَّات الحِجَالِ 3. ولها أزْرَارٌ يضم بعضها إلى بعض كأزرار القُمُص، فشَبَّهَ الثآليلَ التي كانت في خاتم النبوة بتلك الأزرار، واللَّه أعلم.


(24) باب صفة النبي -صلى اللَّه عليه وسلم-

1605 - عن وهب أبي جُحَيْفَةَ السُّوَائِي قال: رأيت النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- وكان الحسن 1 يشبهه.
قال إسماعيل بن أبي خالد: قلت لأبي جُحَيْفَة: صفه لي، فقال: كان أبيضَ قد شَمِطَ، وأمر لنا النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- بثلاثة عشرةَ قَلُوصًا، قال: فَقُبِضَ النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- قبل أن نقبضها.
وفي رواية 2 عنه: قال: رأيت رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم-، ورأيت بَيَاضًا تحتَ شَفَتِهِ السُّفْلَى العَنْفَقَة.
1606 - وعن ربيعة بن أبي عبد الرحمن قال: سمعت أنس بن مالك يَصِفُ النبي -صلى اللَّه عليه وسلم-، قال: كان رَبْعَةً من القوم، ليس بالطويل ولا بالقصير، أَزْهَرَ اللون، ليس بأبيض (3) ولا آدم، ليس بِجَعْد قَطَط، ولا سَبِط رَجِلٍ، أُنْزِلَ

عليه وهو ابن أربعين، فلبث بمكة عشر سنين ينزل عليه، وبالمدينة عشر سنين، قُبِضَ 1 وليس في رأسه ولحيته عشرون شَعْرَةً بيضاء، قال ربيعة: فرأيت شعرًا من شعره؛ فإذا هو أحمر فسألت؟ فقيل لي 2: احْمَرَّ من الطِّيبِ.
1607 - وعن البراء قال: كان رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- أحسن الناس وجهًا، وأحسنه خَلْقًا، ليس بالطويل البَائِنِ، ولا بالقصير.
وفي رواية 3: قال: كان النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- مَرْبُوعًا، بَعِيدَ ما بين المنكبين، له شعر يبلغ شحمة أُذْنَيْهِ، رأيته في حُلَّةٍ حمراء لم أَرَ شيئًا قط أحسن منه.
1608 - وعن أبي إسحاق قال: سُئِلَ البراء: أكان وجه النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- مثل السَّيْف؟ قال: لا بل مثل القمر (4).

الغريب: "الشَّمِطُ": مخالطه الشيب.
و"القَلُوص" في الإبل: الفتية كالجارية في النساء.
و"الشِّعْرُ القَطَط": الشديد الجعودة.
و"الطويل البائن": الذاهب فيه طولًا.


(25) باب حُسْنِ خلق النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- وما جُبِلَ عليه

1609 - وعن أبي جُحَيْفَةَ قال: خرج رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- بالهَاجِرَةِ بالبطحاء فتوضأ، ثمَّ صلى الظهر ركعتين، والعصر ركعتين، وبين يديه عَنَزَةٌ، تَمُرُّ من ورائها المرأةُ 1، وقام الناس فجعلوا يأخذون يديه فيمسحون بهما وجوههم، قال: فأخذت بيده فوضعتها على وجهي؛ فإذا هي أَبْرَدُ من الثلج، وأطيب رائحة من المِسْكِ.
1610 - وعن ابن عباس قال: كان النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- أجود الناس (1) في "صحيح البخاري": "وبين يديه عنزة -قال شعبة: وزاد فيه عَوْنٌ عن أبيه أبي جحيفة قال- كان يمر من ورائها المرأة.
. .". 1609 - خ (2/ 516)، (61) كتاب المناقب، (23) باب صفة النبي -صلى اللَّه عليه وسلم-، من طريق حجاج بن محمَّد الأعور، عن شعبة، عن الحكم، عن أبي جُحَيْفَة به، رقم (3553). 1610 - خ (2/ 517)، في الكتاب والباب السابقين، من طريق الزهري، عن عبيد اللَّه ابن عبد اللَّه، عن ابن عباس به، رقم (3554).

بالخير.
وأجود ما يكون في رمضان حين يلقاه جبريل، وكان يلقاه (1) في كل ليلةٍ من رمضان، فيدارسه القرآن، فلَرسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- أجود بالخير من الريح المُرْسَلَة.
1611 - وعن عبد اللَّه بن كعب قال: سمعت كعب بن مالك يحدث حين تَخَلَّفَ عن تبوك قال: فلما سَلَّمْتُ على رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- وهو يَبْرُقُ وجهه من السرور، وكان رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- إذا سُرَّ استنار وجهه حتى كأنه قطعة قمر (2). 1612 - وعن عبد اللَّه بن عمرو قال: لم يكن النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- فاحشًا ولا مُتَفَحِّشًا، وكان يقول: "إن من خياركم أحسنكم أخلاقًا".
1613 - وعن أبي سعيد كان رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- أشدُّ حياءً من العذراء في خِدْرِهَا.

1614 - وعن أنس بن مالك يُحَدِّثُ عن ليلة أُسْرِيَ بالنبي -صلى اللَّه عليه وسلم- من مسجد الكعبة: جاء 1 ثلاثة نَفَرٍ قبل أن يوحى إليه -وهو نائم في مسجد الحرام 2 - فقال أولهم: أيُّهم هو؟ فقال أوسطهم: هو خيرهم، وقال آخرهم: خذوا خَيْرَهُم، فكانت تلك، فلم يَرَهُمْ حتى جاؤوا ليلةً أخرى فيما يَرَى قلبُه، والنبي نائمةٌ عيناه ولا ينام قلبه، وكذا 3 الأنبياء تنام أعينهم ولا تنام قلوبهم 4، ثمَّ عرج به إلى السماء.
الغريب: "العَنَزَةُ": رمح قصير.
و"من ورائها"؛ يعني: أمامها؛ كقوله ﴿وَكَانَ وَرَاءَهُمْ مَلِكٌ﴾ [الكهف: 79].
و"أجود ما يكون": يُروى برَفْعِ الدال وفَتحها، مَنْ رَفَعَها أَوْجَهُ؛ لأنه مبتدأ، وخبره "في رمضان"، و"ما": مصدرية تقديره: أجود أكوانه في رمضان.
و"الفاحش": المجبول على الفُحْشِ.
و"المُتَفَحِّش": الذي يتعاطاه.


(26) باب من علامات النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- في الإِسلام فمن ذلك نَبْعُ الماء من بين أصابعه

1615 - عن عمران بن حصين: أنهم كانوا مع النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- في مَسِيرٍ فأَدْلَجُوا ليلتهم -وذكر الحديث نحو ما تقدم في التيمم، وقال فيه هنا: وجعلني رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- في رَكُوبٍ بين يديه وقد عطشنا عَطَشًا شديدًا، فبينا 1 نحن نسير؛ إذا نحن بامرأة سَادِلَةٍ رجليها بين مَزَادَتَيْنِ، فقلنا لها: أين الماء؟ فقالت: إنه لا ماء، فقلنا: كم بين أهلك وبين الماء؟ قالت: يومٌ وليلةٌ، فقلنا: انطلقي إلى رسول اللَّه 2، قالت: وما رسول اللَّه؟ فلم نُمَلِّكها من أمرها حتى استقبلنا 3 بها رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم-، فحدثته بمثل الذي حدثتنا غير أنها حَدَّثَتْهُ أنها مُؤْتِمَةٌ، فأمر بمزادتيها، فمسح بالعَزْلَاوَيْنِ 4، فشربنا عطاشًا أربعين رجلًا حتى روينا، فملأ ذا كل قِرْبَةٍ معنا وإداوةٍ غير أَنَّا لم نسقِ بَعِيرًا وهي تكاد تَنَضَّر 5 من الملْء 6 ثمَّ قال "هاتوا ما عندكم"،

فجمع لها من الكِسَرِ والتمر، حتى أتت أهليها 1، قالت: لقيت أسحر الناس، أو هو نبي كما زعموا، فهدى اللَّهُ ذلك الصِّرْمَ بِتِيكَ 2 المرأة، فأسلمت وأسلموا.
1616 - وعن قتادة، عن أنس قال: أُتِيَ النبيُّ -صلى اللَّه عليه وسلم- بإناء وهو بالزَّوْرَاءِ، فوضع يده في الإناء، فجعل الماء ينبع من بين أصابعه، فتوضأ القوم، قال قتادة: قلت لأنس: كم كنتم؟ قال: ثلاث مئة أو زُهَاءَ ثلاث مئة.
وفي رواية 3: فرأيت الماء يَنْبُعُ من تحت أصابعه.
وفي رواية 4: فجاء رجل من القوم بقَدَحٍ 5 من ماءٍ يسيرٍ، فأخذه النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- فتوضأ، ثمَّ مد أصابعه الأربعة 6 على القدح، ثمَّ قال: "قوموا فتوضؤوا 7 "، فتوضأ القوم، حتى بلغوا فيما يريدون من الوضوء، وكانوا سبعين أو نحوه.

وفي رواية 1: فأُتِيَ النبيُّ -صلى اللَّه عليه وسلم- بمِخْضَب من حجَارةٍ، فوضع كله وصَغُرَ 2 المخصب أن يبسط فيه كفّه، فضم أصابعه فوضعها في المخضب، فتوضأ القوم كلهم جميعًا، قلت: كم كانوا؟ قال: كانوا 3 ثمانين رجلًا.
1617 - وعن جابر بن عبد اللَّه قال: عطش الناس يوم الحديبية والنبي -صلى اللَّه عليه وسلم- بين يديه رَكْوَةٌ، فتوضأ جَهَشَ 4 الناس نحوه، فقال (5): "ما لكم؟ " قالوا: ليس عندنا ماء نتوضأ ولا نشرب إلا ما بين يديك، فوضع يديه في الرَّكْوَةِ، فجعل الماء يَثُورُ بين أصابعه كأمثال العيون، فشربنا وتوضأنا، قلت: كم كنتم؟ قال: لو كنا مئةَ أَلْفٍ لكفانا، كنا خمس عشرة مئة.
1618 - وعن البراء قال: كنا بالحديبية أربع عشرة مئة والحديبية بئر فَنَزحْنَاهَا، حتى لم نترك فيها قطرة، فجلس النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- على

شَفِير البئر، فدعا بماء، فمضمضَ ومَجَّ في البئر، فمكثنا غير بعيد، ثمَّ اسْتَقَيْنَا حتى روينا ورَوَتْ -أو صَدَرَتْ- ركائبنا.
الغريب: "أَدْلَجُوا": ساروا ليلتهم.
و"جعلني": كذا وقع، وصوابه: عَجَلني؛ أي: أمرني بالعَجَلَةِ.
و"الرَّكُوب": بفتح الراء، وهو تذكير رَكُوبَة، وهي ما يُرْكَبُ من الإبل.
و"سَادِلة رجليها"؛ أي: مرسلتهما.
و"المَزَادَة": القِرْبَة يزاد فيها جلد من غيرها.
و"مُؤْتمِة": ذات أيتام.
و"تكاد": تقارب.
و"تنضّر": كذا وقع هنا، وهو من الضرر؛ يعني: قاربت؛ أي: تنشق، وفي "كتاب مسلم": تَضَرَّجُ (1) بمعناه، و"الصِّرْمُ": بكسر الصاد، البيوت المجتمعة.
و"زهاء": ممدودًا قدْر.
و"المِخْضَب": إناء يبلغ الخضاب إذا أَدْخَلَ اليَدَ فيه، وقد قيل فيه أيضًا: الغُمر؛ لأنه يغمر اليد، واللَّه أعلم.
و"جَهَشَ الناس": أسرعوا إلى الماء متهيئين لأخذه.


(27) باب في معجزة النبي -صلى اللَّه عليه وسلم-، وبركته في الطعام وغيره

1619 - عن إسحاق بن عبد اللَّه بن أبي طلحة أنَّه سمع أنس بن مالك1

يقول: قال أبو طلحة لأم سُلَيْم: لقد سمعت صوت رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- ضعيفًا أعرف فيه الجوع، فهل عندك من شيء؟ قالتْ: نعم، فأخرجت أَقْرَاصًا من شعير، ثمَّ أخرجت خِمَارًا لها، فَلَفَّتِ الخبزَ ببعضه، ثمَّ دَسَّتْهُ تحت يدي ولاثتني ببعضه، ثمَّ أرسلتني إلى رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم-، قال: فذهبت به، فوجدت رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- في المسجد ومعه الناس، فقمت عليهم، فقال لي رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم-: "آرْسَلَكَ أبو طلحة؟ " فقلت: نعم، قال: "بطعام؟ " قلت: نعم، فقال رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- لمن معه: "قوموا"، فانطلق فانطلقت 1 بين أيديهم، حتى جئت أبا طلحة 2 فأخبرته، فقال أبو طلحة: يا أُمَّ سُلَيْم: قد جاء رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- بالناس وليس عندنا ما نطعمهم، فقالت: اللَّه ورسوله أعلم، فانطلق أبو طلحة حتى لقي رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم-، فأقبل رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- وأبو طلحة معه، فقال -صلى اللَّه عليه وسلم-: "هَلُمِّي يا أُمَّ سُلَيْم ما عندك"، فأتت بذلك الخبز، فأمر به رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- فَفُتَّ، وعَصَرَتْ عليه أم سُلَيْم 3 عُكَّةً فأَدَمَتْهُ، ثمَّ قال فيه 4 رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- ما شاء اللَّه أن يقول، ثمَّ قال: "ائْذَنْ لعَشَرَةٍ"، فأَذِنَ لَهُم، فأكلوا حتى شبعوا، ثمَّ خرجوا، ثمَّ قال: "ائذن لعشرة"، فأذن لهم، فأكلوا حتى شبعوا، ثمَّ خرجوا، ثمَّ قال:

"ائذن لعشرة"، (فأَذِنَ لهم، فأكلوا حتى شبعوا، ثمَّ خرجوا، ثمَّ قال: "ائذن لعشرة"، فأذن لهم) 1، فأكل القوم كلهم 2 وشبعوا، والقوم سبعون أو ثمانون رجلًا.
وفي رواية (3) والقوم ثمانون، ولم يشك.
1620 - وعن علقمة، عن عبد اللَّه قال: كنا نَعُدُّ الآيات بركةً، وأنتم تعدونها تخويفًا، كنا مع رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- في سفر فَقَلَّ الماءُ، فقال: "اطلبوا فضلة من ماء"، فجاؤوا بإناءٍ فيه ماء قليلٍ، فأدخل يده في الإناء، ثمَّ قال: "حَيَّ على الطَّهُورِ المبارك، والبركة من اللَّه"، فلقد رأيت الماء ينبع من بين أصابع رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم-، ولقد كنا نسمع تسبيح الطعام وهو يأكل.
1621 - وعن جابر: أنَّ أباه توفي وعليه دَيْنٌ، فأتيت النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- فقلت: إن أبي ترك عليه دَيْنًا، وليس عندي إلا ما يخرج نَخْلُهُ، ولا يبلغ ما تخرج سنين ما عليه، فانطلق معي لكيلا يَفْحُش عليَّ الغرماءُ، فمشى حول

بَيْدَرٍ (1) من بيادر التمر فدعا، ثمَّ آخر ثمَّ جلس عليه، فقال: "انزعوه" (2) فأوفاهم الذي لهم، وبقي مثل ما أعطيتهم (3). وفي رواية (4): أنَّه عليه السلام أطاف حول أعظمها بَيْدَرًا ثلاث مرات، ثمَّ جلس عليه، ثمَّ قال: "ادع أَصْحَابَك"، فما زال يكيل لهم حتى أدَّى اللَّهُ عن والدي أمانته، وأنا راض أن يؤدي اللَّه أمانةَ والدي، ولا أرجع إلى أخواتي بتمرةٍ، فسَلَّم اللَّهُ البَيَادِرَ كلها، وحتى أَني أنظر إلى البيدر الذي كان عليه النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- كأنها لم تنقص تمرة واحدة.


(28) باب حنين الجذع آية للنبي -صلى اللَّه عليه وسلم-

1622 - عن ابن عمر قال: كان النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- يخطُبُ إلى جِذْعٍ، فلما اتخذ المنبر تَحَوَّل إليه، فَحَنَّ الجِذْعُ، فأتاه فمسح يده عليه.1234

1623 - وعن جابر بن عبد اللَّه: أنَّ النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- كان يقوم يوم الجمعة إلى شجرةٍ أو نخلةٍ، فقالت امرأة من الأنصار -أو رجل-: يا رسول اللَّه! ألا نجعل لك منبرًا؟ قال: "إنْ شئتم"، فجعلوا له منبرًا، فلما كان يوم الجمعة دُفِعَ إلى المنبر، فصاحت النخلةُ صياح الصبي، ثمَّ نزل النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- فضمه إليه يَئِنُّ أَنِينَ الصبي الذي يُسَكَّنُ، قال: كانت تبكي على ما (1) كانت تسمع من الذكر عندها.
وفي رواية (2) عنه: فسمعنا لذلك الجذع صوتًا كصوت العِشَار (3)، حتى جاء النبيُّ -صلى اللَّه عليه وسلم-، فوضع يده عليها فسكنت.


(29) باب إخباره -صلى اللَّه عليه وسلم- عن كثير من المُغَيَّبات فوجدت كما أخبر، فكان ذلك من جملة آياته

1624 - عن حذيفة: أنَّ عمر بن الخطّاب قال: أيُّكم يحفظ قول12

رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- في الفتنة؟ فقال حذيفة: أنا أحفظ كما قال، قال: هاتِ، إنك لجريء، قال: قال رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم-: "فتنة الرجل في أهله وماله وجاره تكفِّرُهَا الصلاة والصدقة والأمر وبالمعروف والنهي عن المنكر"، قال: ليست بهذه، ولكن التي تَمُوجُ كموج البحر، قال: يا أمير المؤمنين! لا بأس عليك منها، إن بينك وبينها بابًا 1، قال: يُفْتَحُ أو يُكْسَرُ؟ 2 قال: لا بل يكسر، قال: ذلك أحرى ألَّا يُغْلَقَ، قلنا: عَلِمَ الباب؟ قال: نعم، كما علم أن دُونَ غدٍ الليلة، إني حدثته حديثًا ليس بالأَغَالِيطِ، فهبنا أن نسأله، وأمرنا مسروقًا فسأله، فقال: من الباب؟ فقال: عمر.
1625 - وعن أبي هريرة: عن النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- قال: "لا تقوم الساعة حتى تقاتلوا قومًا نِعَالَهُم الشَّعَر، وحتى تقاتلوا التُّرْكَ، صِغَار الأعين، حُمر الوجوه، ذُلْفَ الأنوف، كأنَّ وجوههم المِجَانُّ المُطْرَقة، وتجدون من خير الناس أشدهم كراهية لهذا الأمر (3) حتى يقع فيه، والناس معادن خيارهم في الجاهلية خيارهم في الإِسلام، وليأتين على أحدكم زمانٌ لأَنْ يراني أحدهم أحبَّ إليه من أن يكون له مثلُ أهله وماله".

1626 - وعن أبي هريرة: أن النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- قال: "لا تقوم الساعة حتى تقاتلوا خُوزًا وكِرْمَانَ من الأعاجم، حُمر الوجوه، فُطْسُ الأنوف، صغار الأعين، وجوههم المَجَانُّ المطرقة، نعالهم الشعر".
ومن حديثه 1: "بين يدي الساعة تقاتلون قومًا نعالهم الشعر، وهو هذا البَارِز".
وفي رواية 2: "وهم أهل البَارِز 3 ". 1627 - وعن عمرو بن تَغْلِبَ (4) قال: سمعت رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- يقول: "تقاتلكم اليهودُ، فَتُسَلَّطُونَ عليهم، حتى يقول الحَجَرُ: يا مسلم! هذا يهودي ورائي فاقتله".

1628 - وعن أبي سعيد: عن النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- قال: "يأتي على الناس زَمَانٌ يغزون، فيقال: فيكم من صَحِبَ الرسول -صلى اللَّه عليه وسلم- 1؟ فيقولون: نعم، فيُفْتَحُ عليهم، ثمَّ يغزون، فيقال: هل فيكم من صَحِبَ من صحب رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- 2؟ فيقولون: نعم، فيفتح لهم".
1629 - وعن عَدِيِّ بن حاتمٍ قال: بينا أنا عند النبي -صلى اللَّه عليه وسلم-؛ إذ أتاه رجلٌ فشكا إليه الفاقةَ، ثمَّ أتاه آخر فشكا إليه قطعَ السبيل، فقال: "يا عَدِيُّ! هل رأيت الحِيرةَ؟ " قلت: لم أرها، وقد أُنْبِئْتُ عنها، قال: "فإن طالت بك حياة لَتَرَيَنَّ الظَّعِينَةَ ترتحل من الحِيرة حتى تطوف بالكعبة، لا تخاف أحدًا إلا اللَّه -قلتُ فيما بيني وبين نفسي: فأَيْنَ دُعَّارُ طيئ 3 الذين قد سَعَّروا البلاد (4) - ولَئِنْ طالت بك حياة لَتُفْتَحَنَّ كنوزُ كسرى"، قلت: كسرى بن هُرمُز؟ قال: "كسرى بن هرمز، ولئن طالت بك حياة لترين الرجل يُخْرِج مِلْءَ كَفِّه من

ذهب أو فضة يَطْلُب من يقبله منه، فلا يجد أحدًا يقبله منه، وَلَيَلْقِيَنَّ اللَّهَ أحدُكم يوم يلقاه وليس بينه وبينه تَرْجُمَان يترجم له، فليقولن 1: ألم أبعثْ إليك رسولًا فيبلغك؟ فيقول: بلى، فيقول: ألم أُعْطِكَ مالًا وأفضل عليك؟ فيقول: بلى، فينظر عن يمينه، فلا يرى إلَّا جهنم، وينظر عن يساره، فلا يرى إلا جهنم".
قال عديّ: سمعت النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- يقول: "اتقوا النار ولو بِشِقِّ تمرة، فمن لم يجد شق تمرة فبكلمة طيبة".
قال عَدِيٌّ: فرأيت الظَّعِينَةَ ترتحل من الحِيرة حتى تطوف بالكعبة لا تخاف إلا اللَّه، وكنت فيمن افتتح كنوز كسرى بن هرمز، ولئن طالت بكم حياة لَتَرَوُن ما قال النبيُّ أبو القاسم -صلى اللَّه عليه وسلم-: "يخرج ملء كفه".
الغريب: "لَجَرِيء": اسم فاعل من الجَرْأة، وهي الإقدام على الصعب من الأمور، وترك الالتفات إليها، وتفسير حذيفةَ البابَ لعمر فيه إشكال؛ فإن الواقع في الوجود يشهد أنَّ الأَوْلَى بذلك أن يكون عثمان؛ لأنَّ قتله هو السبب الذي فَرَّقَ كلمةَ الناس، وأوقع بينهم تلك الحروب العظيمة، والفتن القاتلة، واللَّه أعلم.
"ذُلْفُ الأنوف"؛ أي: صغارها، يقال: رجل أَذْلَف وامرأة ذَلْفَاء.
و"المَجَانُّ": جمع مِجَنُّ، وهو التُّرْس والمُطْرَقَةَ المجعول عليها الجلود بعضها على بعض من قولهم: طرَّقْتُ النعل.

و"الظعينة": المرأة في الهَوْدَجِ.
و"الدُّعَّارُ": بالعين المهملة، جمع داعر، وهو الشديد الشر من قولهم: عود داعر.
وقوله: "نعالهم الشَّعَر"؛ يعني -واللَّه أعلم-: أنهم يصنعون من الشعر حبالًا، ثمَّ يصنعون منها نعالًا وثيابًا يلبسونها كما قد جاء في "كتاب مسلم" (1): "يلبسون الشَّعَر".


(30) باب إخبار النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- عن الخوارج وقتلهم

1630 - عن أبي سعيد الخُدْرِيّ قال: بينما نحن عند رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- وهو يقسم قَسْمًا أتاه ذو الخُرَيْصِرَة، وهو رجل من بني تميم، فقال: يا رسول اللَّه! اعدلْ، فقال: "ويلك، ومن يَعْدِلْ إذا لم أَعْدِلْ، قد خِبْتُ وخَسِرْتُ إن لم أكن أعدل"، فقال عمر: يا رسول اللَّه! ائذن لي فيه أضرب عنقه، فقال "دَعْهُ؛ فإن له أصحابًا يَحْقِرُ أحدكم صلاته مع صلاتهم، وصيامه مع صيامهم يقرؤون القرآن، لا يُجَاوِزُ تَرَاقِيَهُم، يَمْرُقون من الدين كما يمرق السهم من الرَّمِيَّةِ،1

تنظر إلى نَصْلِهِ فلا يوجد فيه شيء، ثمَّ تنظر 1 إلى رِصَافِهِ فلا يوجد فيه شيء، ثمَّ تنظر 2 إلى نَضِيِّهِ 3، فلا يوجد فيه شيء، ثمَّ تنظر 4 قُذَذَهِ فلا يوجد فيه شيء، سبق الفَرْثَ 5 والدم، آيتهم رجل أسود إحدى عَضُدَيْهِ مثلُ ثَدْيِ المرأة، مثلُ 6 البَضْعَةِ تَدَرْدَرُ، ويخرجون على حين فُرْقَةٍ من الناس"، قال أبو سعيد: فاشهد أني سمعت هذا الحديث من رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم-، وأشهد أنَّ علي بن أبي طالب قاتلهم وأنا معه، فأمر بذلك الرجل فالتُمِس، فأُتي به حتى نظرت إليه على نعت رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- الذي نعته.
1631 - وعن سُوَيْدِ بن غَفَلَةَ قال: قال علي -رضي اللَّه عنه-: إذا حدثتكم عن رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- فأَنْ 7 أَخِرَّ من السماء أحبُّ إليَّ من أن أكذب عليه، وإذا حدثتكم فيما بيني وبينكم؛ فإن الحرب خَدْعَةٌ، سمعت النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- يقول: "يأتي في آخر الزمان قومٌ حُدَثَاءُ الأسْنَانِ، سُفَهَاءُ الأحلام، تَقُولُ 8 من خير قول البرِيَّة،

يمرقون من الإسلام كما يمرق السهم من الرَّمِيَّةِ، لا يجاوز إيمانهم حَنَاجِرَهُمْ، فأينما لقيتموهم فاقتلوهم؛ فإن في قتلهم أجرًا لمن قتلهم يوم القيامة".
الغريب: "التَّرَاقِي": جمع تَرْقُوَة، وهي عظام أعلى الصدر.
و"يَمْرُقُون": يخرجون.
و"الرَّمِيَّة": المَرْمِيَّةَ، فعيلة بمعنى مفعولة.
و"النَّصْلُ": حديدة السهم.
و"الرِّصَاف": مدخل الحديدة في السهم.
و"النَّضِيّ": عود السهم.
و"القُذَذ": الريش.
و"خَدْعَة" بفتح الخاء وسكون الدال، وهي لغة النبي -صلى اللَّه عليه وسلم-؛ أي: ذات خداع، ويُروى بضم الخاء وفتح الدال، أي: تخدع الناس، ويروى بضم الخاء وسكون الدال؛ أي: تُخْدَع هي في نفسها؛ أي: تحتقر في أول أمرها، ثم بعد ذلك يعظم أَمْرُهَا.


(31) باب من كرامات النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- في حال هجرته

1 - عن البَرَاء بن عازب قال: جاء أبو بكر -رضي اللَّه عنه- إلى أبي في منزله، فاشترى منه رَحْلًا، فقال لعازب: ابعث ابنك يحمله معي، قال: فحملت معه، وخرج أبي يَنْتَقِدُ ثمنه، فقال له أبي: يا أبا بكر! حدثني كيف صنعتما حين سَرَيْتَ مع رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم-؟ قال: نعم، أَسْرَيْنَا ليلتنا ومن الغد حتى قام قائم الظهيرة، وخلا الطريق لا يمر فيه أحد، فرفعت لنا صخرة طويلة، لها

ظل لم تأتِ عليها 1 الشمس، فنزلنا عنده، وسويت للنبي -صلى اللَّه عليه وسلم- مكانًا بيدي فنام عليه، وبسطت للنبي -صلى اللَّه عليه وسلم- فَروة وقلت 2: نم يا رسول اللَّه وأنا أَنْفُضُ لك ما حولك، فنام وخرجت أنفض ما حوله؛ فإذا أنا بِرَاعٍ مقبل بغنمه إلى الصخرة يريد منها مثل الذي أردنا، فقلت: لمن أنت يا غلام؟ فقال: لرجل من أهل المدينة -أو مكة- قلت: أفي غنمك لبن؟ قال: نعم، قلت: أفتحلبُ؟ قال: نعم، فأخذ شاةً، فقلت: انْفُضِ الضَّرْعَ من التراب والشَّعَرِ والقَذَى، قال: فرأيت البراء يضرب إحدى يديه على الأُخْرى ينفض، فحلب في قَعْبٍ كُثْبَةً من لبن، ومعه إِدَاوَةٌ حملتها للنبي -صلى اللَّه عليه وسلم- يرتوى منها يشرب ويتوضأ، فأتيت النبي -صلى اللَّه عليه وسلم-، فكرهت أنْ أُوقِظه، فَوَافَقْتُهُ حين استيقظ، فصببت من الماء على اللبن حتى بَرَدَ أسفلُه، قلت: اشْرَبْ يا رسول اللَّه، قال: فشرب حتى رضيتُ، ثم قال: "ألمْ يَأن للرحيل؟ " قلت: بلى، قال: فارتحلنا بعد ما مالت الشمس، واتبعنا سُرَاقةُ بن مالك، فقلت: أُتِينا يا رسول اللَّه، فقال: "لا تحزن إن اللَّه معنا"، فدعا عليه النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- فارْتَطَمَتْ به فرسه إلى بطنها -أُرَى في جَلَدٍ من الأرضِ شك الراوي- فقال: إني أراكما قد دعوتما عليَّ، فادعوا لي، فاللَّهَ لكما أنْ أَرُدَّ عنكما الطلب، فدعا له النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- فنجا، فجعل لا يلقى أحدًا إلا قال: قد 3 كفيتكم 4 ما هنا، فلا يلقى أحدًا إلا ردَّهُ، قال: وَوَفَى لنا.

1633 - وعن أبي موسى: عن النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- قال: "رأيت 1 أني أهاجر من مكة إلى أرض بها نخل، فذهب وَهَلِي أنها 2 اليمامة أو البحر 3؛ فإذا هي المدينةُ يَثْرِبُ، ورأيت في رؤياي هذه أني هَزَزْتُ سيفًا فانقطع صدره؛ فإذا هو ما أصيب من المؤمنين يوم أحد، ثم هَزَزْتُهُ أُخْرَى فعاد أحسن ما كان؛ فإذا هو ما جاء اللَّه به من الفتح واجتماع المؤمنين، ورأيت فيها بقرًا واللَّهُ خيرٌ؛ فإذا هم المؤمنون يوم أُحُدٍ، وإذا الخير ما جاء اللَّه به من الخير وثواب الصدق الذي آتانا اللَّهُ يومَ بدرٍ".
الغريب: "الرَّحْلُ": للبعير كالسرج للفرس.
و"الإكاف": للحمار.
و"سَرَى": سار بالليل، وأسرى لُغَتان.
و"قائم الظهيرة": شدة حرها.
و"أنفض": أبحث وأفتش؛ مخافة الأذى.
و"القَذَى": أصله ما يقع في العين.
و"الكُثْبَة": بضم الكاف القليل، والكثيب: الكُوَيْم من الرمل.
و"الإداوة": وعاء من جِلْدٍ.
و"يرتوى": يُعِدُّها لما يشرب فيها.
"ألم يأن": يحين.
"فارتطمت": غاصت قوائمها إلى بطنها.

و"الجَلَد": الصلب من الأرض.
و"اللَّهَ لكما": منصوب على القسم باسقاط حرف القسم، فكأنه قال: أقسمُ باللَّه لكما فحذف فنصب، واللَّه أعلم.


(32) باب إخبار النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- بما يَجْري لفاطمة والحسن ابنها -رضي اللَّه عنهما- من بعد موته، ونعي جعفر وزيد

1634 - عن عائشة قالت: دعا النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- فاطمة 1 في شكواه 2 الذي قُبِضَ فيه، فَسَارَّهَا بشيءٍ فبكت، ثم دعا 3 بها فسَارَّهَا فضحكت، قالت: فسألتها عن ذلك، فقالت: سَارَّني النبيُّ -صلى اللَّه عليه وسلم- فأخبرني: أنه يُقْبَضُ في وجعه الذي توفي فيه، ثم سَارَّني فأخبرني: أني أول أهل بيته أَتْبَعُه (4). 1635 - وعن أبي بَكْرَةَ: أَخْرَجَ النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- ذات يوم الحَسَنَ، فصعد به

إلى المنبر، فقال: "إنَّ ابني هذا سيد، ولعل اللَّه أن يُصْلحَ به بين فئتين من المسلمين".
1636 - وعن أنس بن مالك: أنَّ النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- نعى جَعْفَرًا وزيدًا قبل أن يجيء خبرُهم وعيناه تَذْرِفَانِ.


(33) باب شهادة أعداء النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- له بالصدق، وأنه كان معروفًا به، وحِفْظِ اللَّه له من صغره

1637 - عن عبد اللَّه بن مسعود قال: انطلق سعدُ بن معاذ معتمرًا، فنزل 1 على أُمَيَّة بن خلف أَبِي صَفْوَان، وكان أُمَيَّة إذا انطلق إلى الشام فمرَّ بالمدينة، نزل على سعد بن معاذ 2، فقال أمية لسعد: انتظر (3) حتى إذا انتصف النهار وغَفَلَ الناسُ، انطلقتَ فطفتَ، فبينا سعد يطوف؛ إذا أبو جهل، فقال:

مَنْ هذا الذي يطوف بالكعبة؟ فقال سعد: أنا سعد، فقال أبو جهل: تطوف آمنًا 1، وقد آويتم محمدًا وأصحابه؟ فقال: نعم، فتلاحيا بينهما، فقال أُمَيَّة لسعد: لا ترفع صوتك على أبي الحكم؛ فإنه سيد أهل الوادي، ثم قال سعد: واللَّه لئن منعتني أن أطوف بالبيت لأقطعن متجرك بالشام، قال: فجعل أُمَيَّةُ يقول لسعد: لا ترفع صوتك، فجعل يمسكه 2، فغضب سعد، فقال: دَعْنَا عنك، فإني سمعت محمدًا 3 يزعم أنه قاتلك، قال: إيَّاي؟ قال: نعم، قال: واللَّه ما يكذب محمدٌ إذا حَدَّثَ، فرجع إلى امرأته فقال: أما تعلمين ما قال أخي اليثربي 4؟ قالت: وما قال؟ قال: زعم أنه سمع محمدًا يزعم أنه قاتلي، قالت: فواللَّه ما يكذبُ محمدٌ، قال: فلما خرجوا إلى بدر، وجاء الصَّرِيخُ، قالت له امرأته: أما ذكرت ما قال لك أخوك اليثربي؟ قال: فأراد أَلَّا يخرج، فقال له أبو جهل: إنك من أشراف الوادي فسِرْ يومًا أو يومين، فسار معهم فقتله اللَّه 5. 1638 - وعن جابر بن عبد اللَّه قال: لما بُنِيَتِ الكعبةُ ذهب النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- وعباس يَنْقُلَانِ الحجارة، فقال عباس للنبي -صلى اللَّه عليه وسلم-: اجعل إزارك على رقبتك؛

يقيك من الحجارة، فَخَرَّ إلى الأرض، فطمحت عيناه إلى السماء، ثم أفاق فقال: "إزاري إزاري"، فشد عليه إزاره.


(34) باب انشقاق القمر معجزة للنبي -صلى اللَّه عليه وسلم- وقوله تعالى: ﴿اقْتَرَبَتِ السَّاعَةُ وَانْشَقَّ الْقَمَرُ﴾ [القمر: 1]

1639 - عن عبد اللَّه بن مسعود قال: قال انشق القمر على عهد رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- شِقَّتَيْن، فقال النبي -صلى اللَّه عليه وسلم-: "اشهدوا".
1640 - وعن قتادة، عن أنس: أنه حدثهم أن أهل مكة سألوا رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- أن يريهم آية، فأراهم انشقاق القمر.
في رواية (1): قال: انشق القمر فرقتين.
(1) خ (3/ 300)، (65) كتاب تفسير القرآن، (54) سورة اقتربت الساعة، (1) باب: ﴿وَانْشَقَّ الْقَمَرُ (1) وَإِنْ يَرَوْا آيَةً يُعْرِضُوا﴾، من طريق شعبة، عن قتادة، عن أنس به، رقم (4868). 1639 - خ (2/ 538)، (61) كتاب المناقب، (27) باب سؤال المشركين أن يريهم النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- آية فأراهم انشقاق القمر، من طريق ابن عيينة، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، عن أبي معمر، عن عبد اللَّه بن مسعود به، رقم (3636)، أطرافه في (3869، 4871، 4864، 4865). 1640 - خ (2/ 538)، في الكتاب والباب السابقين، من طريق شيبان وسعيد، عن قتادة، عن أنس به، رقم (3637)، أطرافه في (3868، 4867، 4868).

1641 - وعن ابن عباس: أنَّ القمر انشق في زمان النبي -صلى اللَّه عليه وسلم-.


(35) باب إخبار النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- عن أحوال الصحابة من بعده، وفضائلهم ومن صحب النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- أو رآه فهو من أصحابه

1642 - عن أبي سعيد الخدري قال: قال رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم-: "يأتي على الناس زمانٌ فيغزو فِئَامٌ من الناس، فيقولون: فيكم من صحب رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم-؟ فيقولون 1: نعم، فيُفْتَحُ لهم، ثم يأتي على الناس زمان فيغزو فئام من الناس، فيقال: هل فيكم من صحب أصحاب 2 رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم-؟ فيقولون: نعم.
فيفتح لهم" (3).

1643 - وعن أبي سعيد الخُدْرِيّ قال: قال رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم-: "لا تَسُبُّوا أصحابي؛ فَلَوْ أنَ أحدكم أنفق مثلَ أُحُدٍ ذَهَبًا ما بَلَغ مُدَّ أحدِهم، ولا (1) نصيفه".
وقد تقدم قول النبي -صلى اللَّه عليه وسلم-: "خيرُ أمتي قرني، ثم الذين يلونهم".
"الفئام": الجماعات من الناس، بهمز اليَاء، ولا واحد له من لفظه.


(36) باب فضائل أبي بكر الصديق -رضي اللَّه عنه-، وقوله تعالى: ﴿إِلَّا تَنْصُرُوهُ فَقَدْ نَصَرَهُ اللَّهُ إِذْ أَخْرَجَهُ الَّذِينَ كَفَرُوا ثَانِيَ اثْنَيْنِ إِذْ هُمَا فِي الْغَارِ﴾ [التوبة: 40]

1644 - وعن أنس بن مالك، عن أبي بكر قال: قلت للنبي -صلى اللَّه عليه وسلم- وأنا في = فيقال: هل فيكم من صاحب من صاحب أصحاب رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم-؟ فيقولون: نعم، فيفتح لهم".
1 (مُدَّ أحدهم ولا نصيفه)؛ أي: المُدّ من كل شيء، و (النصيف): بوزن رغيف، هو النصف، والمراد به: الفضل والطول، وقال البيضاوي: معنى الحديث: لا ينال أحدكم بإنفاق مثل أُحُدٍ ذهبًا من الفضل والأجر ما ينال أحدهم بانفاق مُدّ طعام أو نصيفه، وسبب التفاوت ما يقارن الأفضل من مزيد الإخلاص وصدق النية.
1643 - خ (3/ 12)، (62) كتاب فضائل الصحابة، (5) باب قول النبي -صلى اللَّه عليه وسلم-: "لو كنت متخذًا خليلًا"، من طريق شعبة، عن الأعمش، عن ذكوان، عن أبي سعيد الخدري به، رقم (3673). 1644 - خ (3/ 7)، (62) كتاب فضائل الصحابة، 2 باب مناقب المهاجرين وفضلهم منهم أبو بكر عبد اللَّه بن أبي قحافة التيمي -رضي اللَّه عنه-، من طريق همام، عن ثابت، =

الغار: لو أنَّ أحدهم نظر تحت قدميه أبصرنا (1)، فقال: "ما ظنك باثنين اللَّه ثالثهما؟ (2) ". وقد تقدم قوله: "لا تحزنْ إنَّ اللَّه معنا".
1645 - وعن أبي سعيد الخدري قال: خطب رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- فقال (3): "إنَّ اللَّه خَيَّرَ عبدًا بين الدنيا وبين ما عنده فاختار ذلك العبد ما عند اللَّه"، قال: فبكى أبو بكر، فعجبنا لبكائه أَنْ يُخْبِرَ رسولُ اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- عن عبد خُيِّر، فكان رسول اللَّه هو المُخَيَّر، وكان أبو بكر أعلمَنا، فقال رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم-: "إنَّ من أَمَنِّ النَّاسِ عَلَيَّ في صحبته وماله أبو بكر، ولو كنت متخذًا خليلًا غير ربي لاتَّخَذْتُ أبا بكرِ، ولكن أُخُوَّةُ الإسلام ومودته، لا يَبْقَيَنَّ في المسجد باب إلا سُدَّ إلا باب أبي بكر".
1646 - وفي رواية ابن عباس: "ولكن أخي وصاحبي".

وفي رواية 1: "ولكن أخوة الإسلام أفضل".
1647 - وعن محمد بن جُبَيْر بن مُطْعِم، عن أبيه قال: أتتِ امرأةٌ إلى 2 النبي -صلى اللَّه عليه وسلم-، فأمرها أن ترجع إليه، قالت: أرأيتَ إن جئتُ ولم أجدك؟ كأنها تقول الموت؟ قال 3: "فإن لم تجديني فَائْتِي أبا بكر".
1648 - وعن أبي الدرداء قال: كنت جالسًا عند النبي -صلى اللَّه عليه وسلم-؛ إذ أقبل أبو بكر آخذًا بطَرَفِ ثوبه حتى أبْدَى عن ركبتيه، فقال النبي -صلى اللَّه عليه وسلم-: "أمَّا صاحبكم فقد غَامَرَ 4 "، فسلم 5، وقال (6): إني كان بيني وبين ابن الخطاب شيءٌ،

فأسرعت إليه ثم نَدِمْتُ، فسألته أن يغفر لي، فأبى على، فأقبلت إليك، فقال: "يغفر اللَّه لك يا أبا بكر" ثلاثًا، ثم إنَّ عمر ندم، فأتى منزل أبي بكر، فقال 1: أَثَمَّ أبو بكر؟ قالوا 2: لا، فأتى إلى النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- فسَلَّم، فجعل وجه النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- يتغيَّر 3 حتى أشفق أبو بكر، فجثا على ركبتيه، فقال: يا رسول اللَّه! أنا 4 كنت أظلمَ -مرتين- فقال النبي -صلى اللَّه عليه وسلم-: "إن اللَّه بعثني إليكم فقلتم: كذب 5، وقال أبو بكر: صَدَقَ، وَوَاسَانِي بنفسه وماله، فهل أنتم تاركوا لي صاحبي؟ " -مرتين- فما أُوذِيَ بعدها.
1649 - وعن عمرو بن العاصي: أنَّ النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- بعثه على جيش ذات السلاسل فأتيته، فقلت: أي الناس أحب إليك؟ قال: عائشةُ، فقلت: فمنِ الرجال 6؟ قال: أبوها، قلت: ثم أي 7؟ قال: عمر بن الخطاب 8 فَعدَّ رجالًا.

1650 - وعن أبي هريرة قال: سمعت رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- يقول: "بَيْنَا 1 رَاعٍ في غنمه عَدَا عليه الذئب، فأخذ منها شاة، فطلبه الراعي، فالتفت إليه الذئب، فقال: من لها يوم السَّبُعِ، يوم ليس لها رَاعٍ غيري؟ وبينما رجلٌ يسوق بقرةً قد حمل عليها، فالتفتت إليه فكلمته، فقالت: إني لم أُخْلَقْ لهذا، لكني خلقت للحرث"، فقال الناس: سبحان اللَّه! فقال النبي -صلى اللَّه عليه وسلم-: "فإني أؤمن بذلك وأبو بكر وعمر" 2. 1651 - وعنه قال: سمعت رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- يقول: "بينا أنَا نَائِمٌ رأيتُنِي على قَلِيبٍ عليها دَلْوٌ، فنَزَعْتُ منها ما شاء اللَّه، ثم أخذها ابن أبي قُحَافَةَ، فنزع بها ذَنوبًا أو ذَنُوبين، وفي نَزْعِهِ ضعفٌ، واللَّه يغفر له ضعفه، فاستحالت 3 غَرْبًا (4)، فأخذها ابن الخطاب، فلم أَرَ عَبْقَرِيًّا من الناس يَنْزِعُ نَزْعَ عمر، حتى ضرب الناس بِعَطَن".
1652 - وعن أبي هريرة قال: سمعت رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- يقول: "من أنفق

زَوْجَيْنِ من شيء من الأشياء في سبيل اللَّه، دُعي من أبواب -يعني الجنة- يا عبد اللَّه! هذا خير، فمن كان من أهلِ الصلاة دعي من باب الصلاة، ومن كان من أهل الجهاد دعي من باب الجهاد، ومن كان من أهل الصدقة دُعِيَ من باب الصدقة، ومن كان من أهل الصيام دُعي من باب الصيام؛ باب 1 الرَّيَّان"، فقال أبو بكر: ما على هذا الذي يُدْعَى من تلك الأبواب من ضرورة، وقال: هل يُدْعَى منها كلّها أحدٌ يا رسول اللَّه؟ فقال: "نعم، وأرجو أن تكون منهم".
1653 - وعن محمد بن الحَنَفِيَّةِ قال: قلت لأبي: أيُّ الناس خيرٌ بعدَ رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم-؟ قال: أبو بكر، قلت: ثم مَنْ؟ قال 2: عمر، قال (3): وخشيت أن يقول: عثمان، قلت: ثم أنت؟ قال: ما أنا إلا رجل من المسلمين.
1654 - وعن أبي موسى الأشعري: أنه توضأ في بيته ثم خرج فقلت:

لأَلْزَمَنَّ رسولَ اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم-، ولأكُونَنَّ معه يومي هذا، قال: فجئت 1 المسجد، فسألت عن النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- 2؛ فقالوا: خرج وَجْهَ 3 ههنا، فخرجت على إثْرِهِ أسأل عنه، حتى ذكر بئر أَرِيس 4، فجلَسْتُ عند الباب وبابها من جَرِيدٍ، حتى قضى رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- حاجته فتوضأ، فقمتُ إليه؛ فإذا هو جالس على بئر أريس، وتَوَسَّط قُفَّها 5، وكشف عن ساقيه وَدَلَّاهُمَا في البئر، فسَلَّمْتُ عليه، ثم انصرفت، فجلست عند الباب، فقلت: لأكونَنَّ بوابًا للنبي -صلى اللَّه عليه وسلم- 6، فجاء أبو بكر فدفع الباب، فقلت: من هذا؟ فقال: أبو بكر، فقلت: على رِسْلِكَ، ثم ذهبتُ، فقلت: يا رسول اللَّه! هذا أبو بكر يستأذن؟ فقال: "ائذَنْ له، وبَشِّره بالجنة"، فأقبلت حتى قلت لأبي بكر: ادخل ورسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- يبشرك بالجنة، فدخل أبو بكر، فجلس عن يمين رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- معه في القُفِّ، ودَلَّى رِجْلَيْهِ في البئر كما صنع رسول اللَّه 7 -صلى اللَّه عليه وسلم-، وكشف عن ساقيه، ثم رجعْتُ فجلستُ، وقد تركت أخي يتوضأ ويلحقني، فقلت: إن يُرِد اللَّهُ بفلانٍ خيرًا يأتِ به 8؛ فإذا إنسان يحرك الباب، فقلت: من هذا؟ فقال: عمر بن الخطاب،

فقلت: على رِسْلِك، ثم جئت إلى رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم-، فسلمت عليه، فقلت: هذا عمر بن الخطاب يستأذن، فقال: "ائذن له، وبشره بالجنة"، فقلت 1: ادخل ويبشرك 2 رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- بالجنة، فجلس 3 مع رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- في القُفِّ عن يساره، ودَلَّى رِجْلَيْهِ في البئر، ثم رجعت فجلست، فقلت: إن يرد اللَّه بفلان خيرًا يأت به، فجاء إنسان يحرِّك الباب، فقلت: من هذا؟ فقال: عثمان بن عفان، فقلت: على رسلك، وجئت 4 إلى رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم-، فأخبرته فقال: "ائذن له، وبشره بالجنة على بلوى تصيبه"، فجئت فقلت له: ادخل وبَشَّرك رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- بالجنة على بلوى تصيبك، فدخل فوجد القُفَّ قد ملئ، فجلس وِجَاهَه من الشِّقِّ الآخر.
قال شريك 5: قال سعيد بن المسيب: فأَوَّلْتُهَا قبورَهُمْ اجتمعت ههنا، وانفرد عثمان في رواية.
1655 - وعن ابن عباس قال: إني لواقف في قومٍ ندعوا 6 اللَّه لعمر

ابن الخطاب وقد وُضعَ على سريره؛ فإذا رجل من خلفي قد وضع مِرْفَقَه على مَنْكِبي، قال: يرحمك اللَّه 1 إن كنتُ لأرجو أن يجعلك اللَّه مع صاحبيك؛ لأني كثيرًا مما كنت أسمعُ رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- يقول: "كنتُ أنا 2 وأبو بكر وعمر، وفعلت أنا 3 وأبو بكر وعمر" 4، فإن كنت لأرجو أن يجعلك اللَّه معهما، فالتفت فإذا علي بن أبي طالب 5. 1656 - وعن عبد الرحمن بن أي بكر: أنَّ أصحاب الصُّفَّةِ كانوا ناسًا 6 فقراء، وأن النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- قال مرة: "من كان عنده طعام اثنين فليذهب بثالث، ومن كان عنده طعام أربعة فليذهب بخامس، بسادس 7 " أو كما قال، وأنَّ أبا بكر جاء بثلاثةٍ، وانطلق النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- بعشرة، وأبو بكر ثلاثة، قال: فهو أنا وأبي وأمي، ولا أدري هل قال: امرأتي وخادمتي بين بيتنا وبيت أبي بكر 8،

وأن أبا بكر تعشى عند النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- ثم لبث حتى صلَّى العشاء، ثم رجع فلبث حتى تعشى رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم-، فجاء بعدما مضى من الليل ما شاء اللَّه، قالت له امرأته: ما حبسك عن أضيافك -أو ضيفك- قال: أَوَعَشَّيْتِيهم 1؟ قالت: أَبَوْا حتى تجيء، قد عرضوا عليهم فغلبوهم، فذهبت 2 فاختبأت، فقال: يا غُنْثَر -فَجَدَّعَ وَسَبَّ، وقال: كلوا، وقال: واللَّه 3 لا أطعمه أبدًا، قال: وايمُ اللَّه ما كنا نأخذ من اللقمة إلا رَبَا من أسفلها أكثر منها حتى شبعوا، وصارت أكثر مما كانت قبل، فنظر أبو بكر؛ فإذا شيء أو كثر، فقال لامرأته: يا أُختَ بني فِرَاس قالت: لا وقرَّة عيني، لهي الآن أكثر مما قبل بثلاث مرار، فأكل منها أبو بكر، وقال: إنما كان من 4 الشيطان -يعني يمينه- ثم أكل منها لقمة، ثم حملها إلى النبي -صلى اللَّه عليه وسلم-، فأصبحتْ عنده، وكان بيننا وبين قوم عهد، فمضى الأجل، ففرَّقْنَا 5 اثنا عشر رجلًا، مع كل رجل منهم أناس، اللَّه أعلم كم مع كل رجلٍ، غير أنه بُعِثَ معهم، فقال 6: أكلوا منها أجمعون 7.

الغريب: "إن من أمنَّ الناس"؛ أي: كبرهم يدًا وحقَّا.
و"الخليل": فعيل من الخُلَّة، وهي الصداقة والمحبة المتمكنة في خلال القلب التي لا تترك فيه لغير الخليل موضعًا.
و"غامر"؛ أي: خاض غمرةً؛ أي: شِدَّة.
و"السَّبُع": بضم الباء، هو الصحيح، وقد فسره في الحديث.
و"نزع": جذب؛ أي: استقى.
و"الذَّنوُب": دلو كبيرة.
و"الغَرْبُ": اكبر منها.
و"العَبْقَرِيّ": القوي على العمل المُحَرِّرة.
و"العطن": موضع بروك الإبل بعد الشرب.
و"زوجين": أي: صنفين.
و"القُفُّ": بضم القاف، موضع مَصب الماء من الدلو.
و"القَلِيب": البئر غير المطوية، وهي الرَّكِيّ أيضًا.
و"غُنْثَر": بفتح الثاء وضمها، ذباب أزرق شبهه به تصغيرًا.
و"جَدَّعَ"؛ أي: قال جدعًا، وأصل الجدع: قطع الأنف والأذن.
و"تعرَّفنا"؛ أي: صرنا عُرفاء لما صُيِّرُوا كذلك.


(37) باب ثبات أبي بكر -رضي اللَّه عنه- بعد موت رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- ومبايعته وجمع كلمة المسلمين ببركته

1 - عن عائشة زوج النبي -صلى اللَّه عليه وسلم-: أن رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- مات وأبو بكر

جارٍ التحميل