اختصار صحيح البخاري وبيان غريبهصفحات 303-342

باب صفة النبي -صلى اللَّه عليه وسلم-،

صفحات 303-342

ما جمعت؛ فإذا أنا بِشَارِفَيَّ وقد جُبَّتْ 1 أسنمتهما، وبُقِرَتْ خواصرهما، وأخذ من أكبادهما، فلم أملك عينيَّ حين رأيت المنظر، قلت: من فعل هذا؟ قالوا: فعله حمزة بن عبد المطلب، وهو في هذا البيت في شَرْبٍ من الأنصار عنده قينة وأصحابه.
فقالت في غنائها: ألا يا حمزَ للشُّرُف النواء فوثب حمزة فأجبَّ أسنمتهما 2، ويقر خواصرهما، وأخذ من أكبادهما.
قال عليُّ: فانطلقتُ حتى أدخل على النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- وعنده زيد بن حارثة، فعرف 3 النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- الذي لقيت، فقال: "مالك؟ " قلت: يا رسول اللَّه! ما رأيت كاليوم، عدا حمزة على ناقتيَّ فأجبَّ أسنمتهما، وبَقَرَ خواصرهما، وها هو ذا في بيت معه شِرْب، فدعا النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- بردائه، فارتدى، ثم انطلق يمشي، واتَّبعته أنا يزيد بن حارثة حتى جاء البيت الذي فيه حمزة، فاستأذن عليه فأذن له، فطفق النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- يلوم حمزةَ فيما فعل؛ فإذا حمزة ثَمِلٌ، محمرة عيناه، فنظر حمزة إلى النبي -صلى اللَّه عليه وسلم-، ثم صَعَّد النظر، فنظر إلى ركبتيه، ثم صعَّد النظر، فنظر إلى وجهه، ثم قال حمزة: وهل أنتم إلَّا عبيدٌ لأبي؟ فعرف النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- أنَّه ثَمِلٌ، فنكص رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- على عقبه 4 القَهْقَرَى، فخرج وخرجنا معه.

الغريب: "الشَّارِف": الناقة المُسنة، ويجمع شُرف.
و"الإِذْخِر": حشيش مكة، وله ريح طيبة.
و"الأقتاب": جمع قَتَب، وهو أداة الرَّحْل.
و"جُبَّتْ": شُقَّت.
و"السنام": أعلى ظهر الناقة.
و"بُقِرَت": نقبت.
و"الشَّرب": بفتح الشين، المجتمعون على الشرب، وهم الندامى.
و"القَيْنَة": المغنية هنا.
و"النِّوَاء": السِّمَان.
و"طفق": أخذ وجعل.
و"الثَّمِلُ": السكران.
"نَكَصَ" (1): تأخر إلى خلفه.


(21) باب

1836 - عن يحيى بن سعيد، عن سعيد بن المسيب: وقعت الفتنة الأولى، يعني: مقتل عثمان -فلم تُبق من أصحاب بدر أحدًا، ثم وقعت الفتنة الثَّانية -يعني: الحرة- فلم تبق من أصحاب الحديبية أحدًا، ثم وقعت الفتنة الثالثة 2، . . .1

فلم ترتفع، وللناس طَبَاخ (1)؛ يعني: بالطباخ العقل والقوَّة، وهو بالباء خفيفة، وبالخاء المعجمة.


(22) حديث بني النضير

قال الزهري، عن عروة: كانت على رأس ستة أشهر من وقعة بدر، وقول اللَّه تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي أَخْرَجَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ مِنْ دِيَارِهِمْ﴾ الآية [الحشر: 2]، وجعله ابن إسحاق بعد بئر مَعُونة وأُحُد.
1837 - عن ابن عمر قال: حاربت قريظة والنضير، فأجلى بنى النضير، وأقر قريظة وَمَنَّ عليهم، حتى حاربتْ قريظة، فقتل رجالهم، وقسم نساءهم وأموالهم وأولادهم 2 بين المسلمين إلَّا بعضهم لحقوا بالنبي -صلى اللَّه عليه وسلم-، فآمنهم وأسلموا، وأجلى يهود المدينة كلهم، وهم رهط 3 عبد اللَّه بن سَلَام، ويهود بني حارثة، وكل يهودي بالمدينة.1

1838 - وعن سعيد بن جبير قال: قلت لابن عباس: سورة الحشر؟ قال: قل: سورة النضير.
1839 - وعن أنس بن مالك قال: كان الرجل يجعل للنبي -صلى اللَّه عليه وسلم- النخلات حتى افتتح قريظة والنضير، فكان بعد ذلك يَرُدُّ عليهم.
1840 - وعن ابن عمر قال: حرَّق رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- نخل بني النضير، وقطع، وهي البويرة فنزلت: ﴿مَا قَطَعْتُمْ مِنْ لِينَةٍ أَوْ تَرَكْتُمُوهَا قَائِمَةً عَلَى أُصُولِهَا فَبِإِذْنِ اللَّهِ﴾ [الحشر: 5].
وفي رواية (1) قال: ولها يقول حسان بن ثابت: لَهَان على سَرَاةِ بني لُؤَيٍّ ... حريق بالبُوَيْرَة مستطير فأجابه أبو سفيان بن الحارث: أدام اللَّه ذلك من صنيع ... وحَرَّق في نواحيها السَّعِيرُ (1) في الموضع السابق، من طريق جويرية بن أسماء، عن نافع، عن ابن عمر به، رقم (4032). 1838 - خ (3/ 97)، في الكتاب والباب السابقين، من طريق أبي عوانة، عن أبي بشر، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس به، رقم (4029)، أطرافه في (4645، 4882، 4883). 1839 - خ (3/ 97 - 98)، في الكتاب والباب السابقين، من طريق معتمر، عن أبيه، عن أنس بن مالك به، رقم (4030). 1840 - خ (3/ 98)، في الكتاب والباب السابقين، من طريق الليث، عن نافع، عن ابن عمر به، رقم (4031).

ستعلم أَيُّنَا منها بنُزْهٍ ... وتَعْلَم أي أَرْضَيْنَا تَضِيرُ الغريب: "الذين كفروا"؛ يعني: يهود بني النضير حين أجلاهم رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم-، وحشرهم إلى الشَّام، وهو أول الحشر، والثاني: حشرهم ليوم القيامة، قاله الحسن وقتادة.
و"البُوَيْرَة": موضع ببلادهم.
و"اللِّينَةُ": النخلة مطلقًا، وقيل: الكريمة.
و"سُرَاة القوم": ساداتهم.
و"مُسْتَطِير": منتشر.
و"بِنُزْه": ببُعْدٍ.
و"تضير": من الضَّيْر، وهو الذل والضَّرَرُ.


(23) قتل كعب بن الأشرف

1841 - عن جابر بن عبد اللَّه قال: قال رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم-: "من لكعب ابن الأشرف؟ فإنَّه قد آذى اللَّه ورسوله"، فقام محمد بن مسلمة، فقال: يا رسول اللَّه! أتحب أن أقتله؟ قال: "نعم"، قال: فائْذَنْ لي أن أقول شيئًا، قال: "قلْ"، فأتاه محمد بن مسلمة، فقال: إن هذا الرجل قد سألنا صَدَقَةً، وإنه قد عَنَّانا، وإني قد أتيتك أَسْتَسْلِفُكَ، قال: وأيضًا واللَّه لَتُمِلُّنَّهُ، قال: إنا قد اتبعناه، فلا نحب أن ندعه حتى ننظر إلى أي شيء يصير شأنه 1، وقد

أردنا أن تسلفنا وسْقًا أو وسقين 1. فقال: نعم، قال: ارهنوني، قال: أي شيء تريد؟ قال: ارهنوني نساءكم، قالوا: كيف نرهنك نساءنا، وأنت أجمل العرب؟ قال: فارهنوني أبناءكم، قالوا: كيف نرهنك أبناءنا، فيُسَبُّ أحدهم، فيقال: رُهن بوسق أو وسقين هذا عار 2، ولكن 3 نرهنك اللأمة -قال سفيان: يعني السلاح- فواعده أن يأتيه، فجاء 4 ليلًا ومعه أبو نائلة -وهو أخو كعب من الرضاعة- فدعاهم إلى الحصن، فنزل إليهم، فقالت له امرأته: أين تخرج في 5 هذه الساعة؟ فقال: إنما هو محمد بن مسلمة ورضيعي أبو نائلة 6، قال: وفي رواية: قالت: أسمع صوتًا كأنه يقطر منه الدم، فقال: إنما هو أخي محمد بن مسلمة ورضيعي أبو نائلة، إن الكريم لو دُعِيَ إلى طعنة بليل لأجاب.
قال: ويدخل محمد بن مسلمة معه رجلين -قال في رواية 7: أبو عَبْس بن جبر، والحارث بن أوس، وعباد بن بشر- فقال: . . . .

إذا ما جاء (1) فإني قائل بشعره فأشمه، فإذا رأيتموني استمكنت من رأسه فدونكم، فاضربوه، وقال مرَّة: أُشِمُّكُمْ (2)، فنزل إليهم متوشحًا، وهو ينفَحُ منه ريح الطيب، فقال: ما رأيت كاليوم ريحًا -أي: أطيب- قال: عندي (3) أعطر نساء العرب، وأجمل العرب، قال: ائذن لي (4) أن أَشَمَّ رأسك، قال: نعم، فَشَمَّه، ثم أَشَمَّ أصحابه، ثم قال: أتأذن لي؟ قال: نعم، فلما استمكن منه، قال: دونكم فقتلوه، ثم أتوا النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- فأخبروه.


(24) قتل أبي رافع عبد اللَّه بن أبي الحقيق، ويقال سَلَّام بن أبي الحُقَيْق، كان بخيبر، ويقال: في حصن له بأرض الحجاز

1842 - عن البراء بن عازب قال: بعث النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- إلى أبي رافع اليهودي رجالًا من الأنصار، وأمَّر 5 عليهم عبد اللَّه بن عَتِيك، وكان أبو رافع يؤذي1234

رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم-، ويعين عليه، وكان في حصن له بأرض الحجاز، فلما دنوا منه، وقد غَرَبَتْ الشمس، وراح الناس بسَرحِهم، قال 1 عبد اللَّه لأصحابه: اجلسوا مكانكم؛ فإني منطلق، فمتلطف 2 للبواب لَعَلِّي أن أدخل، فأقبل حتى دنا من الباب، ثم تقنَع بثوبه كأنه يقضي حاجة، وقد دخل الناس، فهتف به البواب: يا عبد اللَّه! إن كنت تريد أن تدخل فادخل، فإني أريد أن أغلق الباب، فدخلت فَكَمَنْتُ، فلما دخل الناس أغلق الباب، ثم عَلَّق الأغاليق على وَدٍّ، قال: فقمت إلى الأقاليد فأخذتها، ففتحت الباب، وكان أبو رافع يُسْمَرُ عنده، وكان في عَلَالِيَّ له، فلما ذهب عنه أهل سمرة صَعِدْتُ إليه، فجعلت كما فتحت بابًا، أغلقت على من داخل، قلت: إن القوم نَذِروا 3 بي لم يخلصوا إليَّ حتى أقتله.
وفي رواية 4: ثم عَمَدْتُ إلى أبواب بيوتهم فغلقتها عليهم من ظاهر، وصَعِدْتُ 5 إلى أبي رافع في سلم، والبيت مظلم، قد طُفِئَ سراجه؛ فإذا هو وَسْطَ عياله 6، لا أدري أين هو من البيت، قلت 7: أبا رافع! قال: من هذا؟ فأهويت نحو الصوت، فأضربه ضربة بالسيف وأنا دَهِش، فما أغنيت

شيئًا، وصاح فخرجت من البيت، ومكث 1 غير بعيد، ثم دخلت إليه، فقلت: ما هذا الصوت يا أبا رافع؟ قال: لأمك الويل، إن رجلًا في البيت ضربني قبلُ بالسيف، قال: فأضربه ضربة أثخنته، ولم أقتله، ثم وضعت ضَبِيبَ السيف في بطنه حتى أخذ في ظهره، فعرفت أني قتلته، فجعلت أفتح الأبواب بابا بابا، حتى انتهيت إلى درجة له، فوضعت رِجْلي، وأنا أرى أني قد انتهيت إلى الأرض، فوقعت في ليلة مقمرة، فانكسرت ساقي.
وفي رواية: فانفكت 2، فعصبتها بعمامة، ثم انطلقت حتى جلست على الباب، فقلت: لا أخرج الليلة حتى أعلم أني قتلته 3، فلما صاح الديك، قام الناعي على السور، فقال: أنعاكم أبا رافع تاجر أهل الشام، فانطلقت إلى أصحابي، فقلت: النجاءَ، فقد قتل اللَّه أبا رافع فانتهيت، فأتيت 4 إلى النبي -صلى اللَّه عليه وسلم-، فحدثته فقال: "ابسط رجلك"، فبسطت رجلي، فمسحها، فكأنما 5 لم أَشْكُ قط.
الغريب: "الأغَالِيق" و"الأَقالِيد": المفاتيح.
و"الوَدّ": الوتد.
و"السَّمَر": الحديث بالليل.
و"أثخَنْتُه": أثقلته بالضرب.
و"ضَبِيب السيف": ظُبَتُه، وهو حَدُّه،

ولها ظُبَتَان أي حدان، وهما الغِرَاران أيضًا.
و"الناعي": هو المُعْلِم بالموت.


(25) غزوة أُحُد وقوله تعالى: ﴿وَإِذْ غَدَوْتَ مِنْ أَهْلِكَ تُبَوِّئُ الْمُؤْمِنِينَ مَقَاعِدَ لِلْقِتَالِ وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾ [آل عمران: 121] وذَكرَ آياتٍ

1843 - عن البراء قال: لقينا المشركين يومئذ، وأجلس النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- جيشًا من الرماة، وأمَّر عليهم عبد اللَّه بن جُبَيْر 1 وقال: "لا تبرحوا إن رأيتمونا ظهرنا عليهم فلا تبرحوا، وإن رأيتموهم ظهروا علينا فلا تعينونا"، فلما التقينا 2 هربوا حتى رأيت النساء يشتددن في الجبل يرفعن عن سوقهن، قد بدت خلاخلهن، فأخذوا يقولون: الغنيمةَ الغنيمةَ، فقال عبد اللَّه: عهد النبي 3 -صلى اللَّه عليه وسلم- إليَّ أن لا تبرحوا، فابوا، فلما أَبوا صرف اللَّه وجوههم 4، فأصيب سبعون قتيلًا، وأشرف أَبو سفيان، فقال: أفي القوم محمد؟ فقال: "لا تجيبوه"، فقال: أفي القوم ابن أبي قحافة؟ قال: "لا تجيبوه"، قال 5:

أفي القوم ابن الخطاب؟ فقال: إن هؤلاء قُتلوا، فلو كانوا أحياء لأجابوا، فلم يملك عمر نفسه، فقال: كذبت يا عدو اللَّه، أبقى اللَّه لك 1 ما يخزيك، وقال 2 أَبو سفيان: اعلُ هُبَل، فقال النبي -صلى اللَّه عليه وسلم-: "أجيبوه"، قالوا: فما نقول؟ 3 قال: "قولوا: اللَّه أعلى وأجلّ"، قال أَبو سفيان: إن (4) لنا العزى ولا عُزَّى لكم، فقال النبي -صلى اللَّه عليه وسلم-: "أجيبوه"، قالوا: ما نقول؟ قال: "قولوا: اللَّه مولانا ولا مولى لكم"، قال أَبو سفيان: يوم بيوم بدر، والحرب سِجَال، وتجدون مُثْلَة لم آمر بها ولم تَسُؤْنِي.
1844 - وعن جابر بن عبد اللَّه قال: قال رجل للنبي -صلى اللَّه عليه وسلم- يوم أُحُد: أرأيت إن قُتلتُ فأين أنا؟ قال: "في الجنَّةَ"، فألقى تمرات في يده، ثم قاتل حتى قُتل.
1845 - وعن أَنس: أن عمه غاب عن بدر، فقال: غبت عن أول قتال النبي -صلى اللَّه عليه وسلم-، لئن أشهدني اللَّه مع النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- ليرين اللَّه ما أُجِدُّ، فلقي يوم أُحُد، فهُزِمَ الناسُ، فقال: اللهم اعتذر إليك مما صنع هؤلاء -يعني: المسلمين-

وأبرأ إليك مما جاء به المشركون، فتقدم بسيفه، فلقي سعد بن معاذ، فقال: أي سعد 1! ، إني أجد ريح الجنَّةَ دون أُحُد، فمضى فقُتل، فما عُرِفَ حتى عرفته أخته بشامة أو ببنانه، وبه بِضْعٌ وثمانون من طعنة وضربة ورمية بسهم.
1846 - وعن زيد بن ثابت: لما خرج النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- إلى أُحد، رجع ناس ممن خرج معه، وكان أصحاب النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- فرقتين، فرقة تقول: نقاتلهم، وفرقة: لا نقاتلهم 2، فنزلت: ﴿فَمَا لَكُمْ فِي الْمُنَافِقِينَ فِئَتَيْنِ وَاللَّهُ أَرْكَسَهُمْ﴾ [النساء: 88]، وقال: "إنها طيبة تنفي الذنوب، كما تنفي النار خبث الفضة".
1847 - وعن جابر قال: نزلت فينا هذه 3 الآية: ﴿إِذْ هَمَّتْ طَائِفَتَانِ مِنْكُمْ أَنْ تَفْشَلَا﴾ [آل عمران: 122] في (4) بني سَلِمَة وبني حارثة، وما أحب أنَّها لم تنزل، واللَّه يقول: ﴿وَاللَّهُ وَلِيُّهُمَا﴾.
1848 - وعن سعد بن أبي وقاص قال: رأيت رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- يوم أُحُد

ومعه رجلان يقاتلان عنه 1، عليهما ثياب بيض كأشد القتال، ما رأيتهما قبلُ ولا بعدُ.
1849 - وعنه قال: نَثَلَ 2 لي النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- كنانته 3 يوم أُحد فقال: "ارم فداك أبي وأمي".
1850 - وعن أنس قال: لما كان يوم أُحد، انهزم الناس عن النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- وأَبو طلحة بين يدي النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- مُجَوِّبٌ عليه بِحَجْفَيةٍ، وكان أَبو طلحة راميًا شديد النزع، كسر يومئذٍ قوسين أو ثلاثًا، وكان الرجل يمُرُّ معه بِجُعْبَتِهِ من النبل، فيقول: "انثُرها لأبي طلحة"، قال: ويُشْرِفُ النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- ينظر إلى القوم، فيقول أَبو طلحة: بأبي أنت وأمي، لا تشرف فيصيبك (4) سهم من سهام القوم، نَحْرِي دون نَحْرِك، ولقد رأيت عائشة بنت أبي بكر وأم سُلَيْم وإنهما لمشمرتان، أرى خَدَم سوقهما تَنْقُزَانِ القِرَبَ على متونهما، تفرغانه في أفواه القوم، ثم ترجعان فتملآنها، ثم تجيئان فتفرغانه في أفواه القوم، ولقد وقع السيف من يد أبي طلحة إمَّا مرتين وإما ثلاثًا.

1851 - وعن عائشة قالت: لما كان يوم أُحُد هُزِم المشركون، فصرخ إبليس: أي عباد اللَّه! أُخراكم، فَرَجَعَتْ أُولاهم، فاجتلدت هي وأخراهم، فَبَصُرَ حذيفة؛ فإذا هو بأبيه (1)، فقال: أي عباد اللَّه! أبي أبي، فواللَّه (2) ما احْتَجَزُوا حتى قتلوه، فقال حذيفة: يغفر اللَّه لكم.
قال عروة: فواللَّه ما زالت في حذيفة بقية خير حتى لقى اللَّه (3) عز وجل (4).


(26) باب في قوله تعالى: ﴿إِذْ تُصْعِدُونَ وَلَا تَلْوُونَ عَلَى أَحَدٍ﴾ إلى قوله: ﴿إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ حَلِيمٌ﴾ [آل عمران: 153 - 155]

1852 - عن البراء بن عازب قال: جعل النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- على الرَّجَّالة يوم أُحُد123

عبد اللَّه بن جُبير، وأقبلوا منهزمين، فذاك إذ يدعوهم الرسول في أُخراهم.
1853 - وعن أَنس، عن أبي طلحة قال: كنت فيمن تغشَّاه النعاس يوم أحد، حتى سقط سيفي من يدي مرارًا، يسقط وآخذه ويسقط وآخذه (1). 1854 - وعن أنس: شُجَّ النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- يوم أحد فقال: "كيف يفلح قوم شَجُّوا نبيهم"، فنزلت: ﴿لَيْسَ لَكَ مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ﴾ [آل عمران: 128].


(27) قتل حمزة بن عبد المطلب -رضي اللَّه عنه-

1855 - عن جعفر بن عمرو بن أمية الضمري قال: خرجت مع عبيد اللَّه 1 في "صحيح البخاري": "فآخذه".
1853 - خ (3/ 107)، (64) كتاب المغازي، (21) باب: ﴿ثُمَّ أَنْزَلَ عَلَيْكُمْ مِنْ بَعْدِ الْغَمِّ أَمَنَةً نُعَاسًا يَغْشَى طَائِفَةً مِنْكُمْ وَطَائِفَةٌ قَدْ أَهَمَّتْهُمْ أَنْفُسُهُمْ يَظُنُّونَ بِاللَّهِ غَيْرَ الْحَقِّ ظَنَّ الْجَاهِلِيَّةِ يَقُولُونَ هَلْ لَنَا مِنَ الْأَمْرِ مِنْ شَيْءٍ قُلْ إِنَّ الْأَمْرَ كُلَّهُ لِلَّهِ يُخْفُونَ فِي أَنْفُسِهِمْ مَا لَا يُبْدُونَ لَكَ يَقُولُونَ لَوْ كَانَ لَنَا مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ مَا قُتِلْنَا هَاهُنَا قُلْ لَوْ كُنْتُمْ فِي بُيُوتِكُمْ لَبَرَزَ الَّذِينَ كُتِبَ عَلَيْهِمُ الْقَتْلُ إِلَى مَضَاجِعِهِمْ وَلِيَبْتَلِيَ اللَّهُ مَا فِي صُدُورِكُمْ وَلِيُمَحِّصَ مَا فِي قُلُوبِكُمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ (154)﴾، من طريق يزيد بن زُرَيْع، عن سعيد، عن قَتَادة، عن أَنس، عن أبي طلحة به، رقم (4068)، طرفه في (4562). 1854 - خ (3/ 107)، (64) كتاب المغازي، (21) باب: ﴿لَيْسَ لَكَ مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ أَوْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ أَوْ يُعَذِّبَهُمْ فَإِنَّهُمْ ظَالِمُونَ﴾، علقه البخاري بقوله: قال حميد وثابت، عن أَنس.
. . وساق الحديث.
1855 - خ (3/ 108 - 109)، (64) كتاب المغازي، (23) باب قتل حمزة بن عبد المطلب -رضي اللَّه عنه-، من طريق عبد اللَّه بن الفضل، عن سليمان بن يسار، عن جعفر =

ابن عدي بن الخيار، فلما قدمنا حمص قال لي عبيد اللَّه بن عدي: هل لك في وَحْشِيّ نسأله عن قتل حمزة؟ قلت: نعم، وكان وحشي يسكن حمص، فسألنا عنه، فقيل لنا: هو ذاك في ظل قصره كأنه حَمِيتٌ (1)، قال: فجئنا حتى وقفنا عليه بيسير 2، فسلمنا فرد السلام، قال: وعبيد اللَّه معتجر بعمامته ما يرى وحشي إلَّا عينيه ورجليه، فقال عبيد اللَّه: يا وحشي! أتعرفني؟ قال: فنظر إليه، ثم قال: لا واللَّه، إلَّا أني أعلم أن عدي بن الخِيَار تزوج امرأة يقال لها: أم قِتَال بنت أبي العيص، فولدت غلامًا بمكة، فكنت أسترضع له، فحملتُ ذلك الغلام مع أمه فناولتها إياه، فكأني 3 نظرت إلى قدميك، قال: فكشف عبيد اللَّه عن وجهه، ثم قال: ألا تخبرنا بقتل حمزة؟ قال: نعم، إن حمزة قتل طُعمة 4 بن عدي بن الخيار ببدر، فقال مولاي جبير بن مطعم: إن قتلت حمزة بعَمِّي، فأنت حُرٌّ، قال: فلما أن خرج الناس عام عَيْنَيْن -وعينين جبل بحيال أُحد بينه وبينه وادٍ- خرجْت مع الناس إلى القتال، فلما أن اصطفوا 5 للقتال، خرج سِبَاعٌ، فقال: هل من مبارز؟ قال: فخرج إليه حمزة بن عبد المطلب، فقال: يا سباع يا ابن أم أنمار مقطعة البظور 6!

أَتُحَادّ اللَّه ورسوله؟ قال: فشد عليه 1، فكان كأمس الذاهب، قال: وكنت لحمزة تحت صخرة، فلما دنا مني رميته بحربتي، فأضعها في ثُنَّتِهِ حتى خرجت من بين وركيه، قال: وكان ذلك العهد به، فلما رجع الناس رجعت معهم، فأقمت بمكة حتى فشا فيها الإسلام، ثم خرجت إلى الطائف، فأرسلوا إلى رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- رُسُلًا، وقيل 2: إنه لا يهيج الرُّسل، فخرجت معهم، حتى قدمت على رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم-، فلما رآني قال: "أنت وحشي؟ " قلت: نعم، قال: "أنت قتلت حمزة؟ " قلت: وقد كان من الأمر ما بلغك، قال: "فهل تستطيع أن تغيب وجهك عني"، قال: فخرجت، فلما قبض رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم-، فخرج مسيلمة الكذاب، قلت: لأخرجن إلى مسيلمة لعلي أقتله، فأكافئ به حمزة، قال: فخرجت مع الناس، فكان من أمره ما كان؛ فإذا رجل قائم في ثُلْمَةِ جدار، كأنه جمل أورق ثائر الرأس، قال: فرميته بحربتي، فوضعتها بين ثدييه حتى خرجت من بين كتفيه، قال: ووثب إليه رجل من الأنصار، فضربه بالسيف على هامته.
زاد في رواية 3 من حديث ابن عمر: فقالت جارية على ظهر بيت: واأمير المؤمنين، قتله العبد الأسود.
الغريب: "معتجرًا بعمامة": معتم بها.
و"حيال أحد": قريبًا منه.
و"الأورق":

الذي يضرب لونه إلى السواد.
و"الثُّنَّة": ما بين السرة إلى العانة.


(28) باب ما أصاب النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- يوم أحد من الجراح، ومن قتل يوم أحد من المسلمين

1856 - عن أبي هريرة قال: قال رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم-: "اشتد غضب اللَّه على قوم فعلوا بنبيه -يشير: إلى رَبَاعيته- اشتد غضب اللَّه على رجل يقتله رسول اللَّه 1 في سبيل اللَّه".
1857 - ومن حديث ابن عباس موقوفًا: اشتد غضب اللَّه على من قتله نبي، واشتد غضب اللَّه على من دَمَّى وجه رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم-.
1858 - وعن هشام، عن أبيه، عن عائشة: ﴿الَّذِينَ اسْتَجَابُوا لِلَّهِ وَالرَّسُولِ مِنْ بَعْدِ مَا أَصَابَهُمُ الْقَرْحُ لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا مِنْهُمْ وَاتَّقَوْا أَجْرٌ عَظِيمٌ﴾ [آل عمران: 172]، (1) في "صحيح البخاري": "رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم-".
1856 - خ (3/ 109)، (64) كتاب المغازي، (24) باب ما أصاب النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- من الجراح يوم أحد، من طريق عبد الرزاق، عن معمر، عن همام، عن أبي هريرة به، رقم (4073). 1857 - خ (3/ 109)، في الكتاب والباب السابقين، من طريق ابن جريج، عن عمرو ابن دينار، عن عكرمة، عن ابن عباس به، رقم (4076). 1858 - خ (3/ 110)، (64) كتاب المغازي، (25) باب: ﴿الَّذِينَ اسْتَجَابُوا لِلَّهِ وَالرَّسُولِ﴾، من طريق أبي معاوية، عن هشام، عن أبيه، عن عائشة به، رقم (4077).

قالت لعروة: يا ابن أختي (1)! كان أَبوك 2 منهم: الزبير وأَبو بكر، لما أصاب نبي اللَّه 3 ما أصاب يوم أحد، فانصرف المشركون 4 خاف أن يرجعوا، فقال: "من يذهب في أثرهم؟ "، فانتدب منهم سبعون 5، قال: كان فيهم أَبو بكر والزبير.
قال البخاري 6: قتل من المسلمين يوم أحد سبعون؛ منهم: حمزة واليمان والنضر بن أَنس ومصعب بن عمير.
1859 - وعن قَتَادة قال: ما نعلم حيًّا من أحياء العرب أكثر شهيدًا أعزّ يوم القيامة من الأنصار.
قال: حدَّثنا أَنس 7 أنَّه قتل منهم يوم أُحُد سبعون، ويوم بئر معونة سبعون، ويوم اليمالة سبعون، قال: وكان بئر معونة على عهد النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- 8، ويوم اليمامة على عهد أبي بكر، ويوم مسيلمة الكذاب.

1860 - وعن جابر بن عبد اللَّه قال: لما قُتل أبي جعلت أبكي، وأكشف الثوب عن وجهه، فجعل أصحاب النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- يَنْهَوْنِي 1، والنبي -صلى اللَّه عليه وسلم- لم يَنْهَ، وقال النبي -صلى اللَّه عليه وسلم-: "لا تبكه -أو ما تبكيه 2 - ما زالت الملائكة تظله بأجنحتها حتى رُفع".
1861 - وعن أبي موسى: أُرى عن النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- قال 3: "رأيت في رؤياي أني هززت سيفًا، وانقطع صدره (4)؛ فإذا هو ما أصيب من المؤمنين يوم أُحُد، ثم هززته أخرى فعاد أحسن ما كان؛ فإذا هو ما جاء اللَّه به من الفتح، واجتماع المؤمنين، ورأيت فيها بقرًا، واللَّه خيرٌ، فإذا هم المؤمنون يوم أحد".
1862 - وعن أَنس: أن رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- طلع له أحد فقال: "هذا جبل يحبنا ونحبه، اللهم إنَّ إبراهيم حرَّم مكة، وإني حرَّمتُ ما بين لابتيها".


(29) باب غزوة الرَّجِيع وذكوان وبئر معونة وعَضَل والقارة

1863 - عن قَتَادة، عن أَنس بن مالك: أن رِعْلًا وذكوان وعُصَيَّة وبني سُليم استمدوا رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- على عدو، فأمدهم بسبعين من الأنصار، كنا نسميهم القراء في زمانهم، وكانوا يَحْطِبُون 1 بالنهار، ويصلون بالليل، حتى كانوا ببئر معونة قتلوهم، وغدروا بهم، فبلغ النبي -صلى اللَّه عليه وسلم-، فقنت شهرًا يدعو في الصبح على أحياء من أحياء العرب، على رِعْلٍ وذَكْوَان وعُصَيَّة وبني لِحْيَان.
قال أَنس: فقرأنا فيهم قرآنًا، ثم إن ذلك رفع: "بلغوا عنا قومنا، أنَّا لقينا ربنا، فرضي عنا وأرضانا".
وفي رواية 2: قال أَنس: إن النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- بعث خاله -أخًا 3 لأم سليم- في سبعين راكبًا، وكان رئيس المشركين عامر بن الطفيل خَيَّر بين ثلاث خصال،

فقال: يكون لك أهل السهل، ولي أهل المَدَر، أو أكون خليفتك، أو أغزوك بأهل غَطَفَان بأَلْفٍ وأَلْفٍ، فَطُعِنَ عامر في بيت أم فلان، فقال: غُدَّة كغدة البَكْرِ في بيت امرأة من آل فلان ائتوني بفرسي، فمات على ظهر فرسه، فانطلق حَرَام أخو أم سُليم وهو 1 رجل أعرج ورجل من بني فلان، قال: كونا قريبًا حتى آتيهم، فإن آمنوني كنتم، وإن قتلوني أتيتم أصحابكم، فقال: أتُؤْمنوني أبلغ رسالة رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم-، فجعل يحدثهم، وأَوْمَؤوا إلى رجل منهم، فأتاه من خلفه فطعنه.
قال همام: أحسبه حتى أنفذه بالرمح، قال: اللَّه اكبر، فزتُ ورب الكعبة، فلُحق الرجل، فقتلوا كلهم، غير الأعرج كان في رأس جبل، فأنزل اللَّه -عَزَّ وَجَلَّ- علينا، ثم كان من المنسوخ: إنا قد لقينا ربنا، فرضي عنا وأرضانا، فدعا النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- على رعل 2 وذكوان وبني لِحْيَان وعُصَيَّة، عصوا اللَّه ورسوله -صلى اللَّه عليه وسلم-.
1864 - وقال أَنس: لما طُعن حَرَام بن مِلْحَان -وكان خاله- يوم بئر معونة، قال بالدم هكذا -فنضحه على وجهه ورأسه- ثم قال: فزت ورب الكعبة.

1865 - وعن عروة قال: لما قتل الذين ببئر معونة، وأُسر عمرو بن أمية الضمري، قال له عامر بن الطفيل: من هذا؟ -وأشار (1) إلى قتيل- فقال عمرو بن أمية: هذا عامر بن فُهيرة، فقال: لقد رأيته بعد ما قتل رفع إلى السماء حتى إني لأنظر إلى السماء بينه وبين الأرض، ثم وضع، فأتى النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- خبرهم فنعاهم، فقال: "إن أصحابكم قد أصيبوا، وإنهم قد سألوا ربهم، فقالوا: ربنا أخبر عنا إخواننا بما رضينا عنك، ورضيت عنا، فأخبرهم عنهم"، وأصيب يومئذ فيهم (2) عروة بن أسماء بن الصلت، فسمي عروة به، ومنذر ابن عمرو فسمي به منذرًا (3).


(30) غزوة الخندق

وهي الأحزاب، قال موسى بن عقبة: كانت في شوال سنة أربع.
1866 - عن أَنس قال: جعل المهاجرون والأنصار يحفرون الخندق12

حول المدينة، وينقلون التراب على متونهم وهم يقولون: نحن الذين بايعوا محمدًا ... على الإسلام ما بقينا أبدًا قال: يقول النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- وهو يحثهم 1: اللهم إنه لا خيرَ إلَّا خيرُ الآخره ... فبارك في الأنصار والمُهَاجِرَه قال: يؤتون بملء كف 2 من الشعير، فيصنع لهم بإِهَالةٍ سَنِخَةٍ توضع بين يدي القوم، والقوم جياع، وهي بَشِعَةٌ في الحلق، ولها ريح مُنْتِن.
1867 - وعن جابر بن عبد اللَّه قال: إنا يوم الخندق نحفر، فعرضت كُدْيَةٌ 3 شديدة، فجاؤوا النبي -صلى اللَّه عليه وسلم-، فقالوا: هذه كُدْيَةٌ عَرَضَتْ في الخندق، فقال: "أنا نازل"، ثم قام وبطنه معصوب بحَجَرٍ، ولبثنا ثلاثة أيام لا نذوق ذواقًا، فأخذ النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- المِعْوَلَ فضرب 4 فعاد كثيبًا أَهْيَل أو أهيم، فقلت: يا رسول اللَّه! ائذن لي إلى البيت، فقلت لامرأتي: رأيت بالنبي -صلى اللَّه عليه وسلم- شيئًا ما في ذلك صبر، فعندك شيء؟ قالت: عندي شعير وعَنَاق، فذبحت الشاة 5،

وطحنت الشعير، حتى جعلنا اللحم في البُرمة 1، ثم جئت النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- والعجين قد انكسر، والبُرْمَةُ بين الأَثَافِيِّ وقد 2 كادت تَنْضِجُ، فقال 3: طُعَيِّم لي، فقم أنت يا رسول اللَّه ورجل أو رجلان، قال: "كم هو؟ " فذكرت له، قال 4: "كثير طَيِّب"، قال "قل لها: لا تَنْزَع البُرْمَةَ ولا الخبز من التنور حتى آتي"، قال 5: "قوموا"، فقام المهاجرون والأنصار، (فلما دخل على امرأته، قال: ويحك! جاء النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- بالمهاجرين والأنصار) 6 ومن معهم، قالت: هل سألك؟ قلت: نعم، فقال 7: "ادخلوا ولا تَضَاغَطُوا"، فجعل يكسر الخبز، ويجعل عليه اللحم، ويخمِّر البرمة والتنور إذا أخذ منه، ويقرِّب إلى أصحابه، ثم يَنْزَع، فلم يزل يكسر الخبز ويغرف حتى شبعوا وبقي بقية.
قال: "كلي هذا وأهدي، فإن الناس قد أصابتهم مجاعة".
وفي طريق أخرى 8 قال جابر: فجئت فساررته، فقلت: يا رسول! اللَّه! ذبحنا بهيمة، وطحنت 9. . . .

صاعًا من شعير كان عندنا، فقال 1: أنت ونفر معك، فصاح النبي -صلى اللَّه عليه وسلم-: "يا أهل الخندق! إن جابرًا قد صنع لكم سؤرًا، حَيَّ 2 هلا بكم"، فقال رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم-: "لا تُنْزِلُنَّ بُرمتكم، ولا تخبزن خبزكم حتى أجيء"، فجئت وجاء رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- يَقْدُم الناس حتى جئت امرأتي، فقالت: بك وبك، فقلت: قد فعلت الذي قلت، فأخرجت له عجينًا، فبَسَقَ 3 فيه وبارك، ثم عمد إلى بُرمتنا، فبسق 4 فيها ثم قال: "ادع خابزة فلتخبز معي، واقدحي برمتكم، ولا تنزلوها" وهم ألف، فأقسم باللَّه لأكلوا (5) حتى تركوه، وانحرفوا، وإن بُرْمَتَنَا لتغِطُّ كما هي، وإن عجيننا يخبز كما هو.
1868 - وعن ابن عباس: عن النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- قال: "نُصِرْتُ بالصَّبا، وأُهلكت عادٌ بالدَّبُور".
1869 - وعن البراء بن عازب قال: لما كان يوم الأحزاب، وخندق

رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- رأيته ينقل تراب الخندق حتى وارى عنه 1 الغبارُ جلدةَ بطنه، وكان كثير الشعر، فسمعته يرتجز بكلمات ابن رواحة، وهو ينقل التراب يقول: اللهم لولا أنت ما اهتدينا ... ولا تَصَدَّقْنَا ولاصَلَّيْنَا فأنزلنْ سَكِينة علينا ... وثَبِّت الأقدام إن لَاقَيْنَا إن الأُلَى بَغَوْا علينا 2 ... وإن أرادوا فتنة أَبَيْنَا ثم مَدَّ 3 صوته بآخرها.
1870 - وعن سليمان بن صُرَد قال: سمعت رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- يقول حين أَجْلَى الأحزابُ عنه: "الآن نغزوهم ولا يغزوننا، نحن نسير إليهم".
1871 - وعن جابر قال: قال رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- يوم الأحزاب: "من يأتينا بخبر القوم؟ " فقال الزبير: أنا، ثم قال: "من يأتينا بخبر القوم؟ " فقال الزبير: أنا، قال (4): "إن لكل نبي حواريًّا، وحواريِّ الزبيرُ".

1 - وعن عبد اللَّه بن أبي أوفى قال: دعا رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- على الأحزاب، فقال: "اللهم مُنْزِلَ الكتاب، سريع الحساب! اهزم الأحزاب، اهزمهم وزلزلهم".
الغريب: "المتون": جمع متن، وهو الظهر.
و"الإهَالَةُ": الشحم المُذاب.
و"سَنِخَة": منتنة.
و"كُيْدَة": كذا وقع في الأصل بتقديم الياء على الدال، وفي الحاشية: كُدْيَةٌ، وعليها هاء، وأظنه أَبو الهيثم، وهذه الرواية هي الصواب، والأولى مقلويها.
و"الكَثِيب": كدس الرمل.
و"الأهيدٍ: السائل.
و"لا تَضَاغَطُوا": لا تزدحموا.
و"يُخَمِّر البُرْمَةَ": يغطيها.
و"بُهَيْمَة": تصغير بَهْمَة، وهي الصغيرة من أولاد الغنم.
و"الداجن": المقيم في البيت.
و"زاغت": تحيرت أو ذهبت.
و"الحناجر": جمع حَنْجَرَة وهي الحلق.
و"حتى وارى": غَطَّى وغيَّب.
و"الصَّبا": الريح الشرقية.
و"الدَّبُور": الريح الغربية.
و"الحواريّ": المخلص في الصحبة والناصر عند الشدة.

      • = المنكدر، عن جابر بن عبد اللَّه به، رقم (4113).

(31) باب مَرْجِع النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- من الخندق، ومَخْرَجِه إلى بني قريظة

1873 - عن عائشة قالت: لما رجع رسول 1 اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- من الخندق، ووضع السلاح واغتسل، أتاه جبريل عليه السلام، فقال: وضعتَ السلاح، واللَّه ما وضعناه، اخرج عليهم 2، قال: "فإلى أين؟ ! قال: ههنا وأشار بيده إلى بني قريظة، فخرج النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- إليهم.
1874 - وعن أَنس قال: كاني أنظر إلى الغبار ساطعًا في زُقَاق بني غَنْمٍ، موكبَ جبريل صلوات اللَّه عليه (3) حين سار رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- إلى بني قريظة.
1875 - وعن ابن عمر قال: قال النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- يوم الأحزاب: "لا يصلينَّ

أحد العصر إلَّا في بني قريظة"، وقد تقدم في كتاب الصلاة.
1876 - وعن أبي سعيد الخدري قال: نزل أهل قريظة على حكم سعد بن معاذ، فأرسل النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- إلى سعد، فأتى على حمار، فلما دنا من المسجد، قال للأنصار: "قوموا إلى سيدكم -أو خيركم"، فقال: "هؤلاء نزلوا على حكمك"، فقال: تُقْتَلُ مُقَاتِلَتَهم، وتُسْبَى ذراريهم، قال: "قضيت بحكم اللَّه -وربما قال- بحكم الملك".
1877 - وعن عائشة قالت: أصيب سعد يوم الخندق، رماه رجل من قريش، يقال له: حِبَّان بن العَرِقَة، رماه في الأكحَلِ، فضرب النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- خيمة في المسجد ليعوده من قريب، فلما رجع رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- من الخندق، ووضع السلاح واغتسل، فأتاه جبريل عليه السلام وهو ينفض رأسه من الغبار، فقال: قد وضعت السلاح، واللَّه ما وضعته، اخرج إليهم، قال النبي -صلى اللَّه عليه وسلم-: "فأين؟ " فاشار إلى بني قريظة، فأتاهم رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم-، فنزلوا على حكمه، فردَّ الحكم إلى سعد، قال: فإني أحكم فيهم أن تُقْتَل المقاتِلَة، وأن تُسْبَى النساء والذرية، وأن تقسم أموالهم، وقالت عائشة: إن سعدًا 1 قال: اللهم (1) في "صحيح البخاري": "قال هشام: فأخبرني أبي عن عائشة أن سعدًا".
= فأدرك بعضهم العصر في الطَّرِيقِ، فقال بعضهم: لا نصلي حتى نأتيهم، وقال بعضهم: بل نصلي، لم يرد منا ذلك، فذُكر ذلك للنبي -صلى اللَّه عليه وسلم-، فلم يعنف واحدًا منهم.
1876 - خ (3/ 119)، في الكتاب والباب السابقين، من طريق شعبة، عن سعد، عن أبي أمامة، عن أبي سعيد به، رقم (4121). 1877 - خ (3/ 119 - 120)، في الكتاب والباب السابقين، من طريق عبد اللَّه بن نمير، عن هشام، عن أبيه، عن عائشة به، رقم (4122).

إنك تعلم أنَّه ليس أحدٌ أحبَّ إليَّ أن أجاهدهم فيك من قوم كذَّبوا رسولك، وأخرجوه، اللهم فإني أظن أنك قد وضعت الحرب بيننا وبينهم، فإن كان بقي من حرب قريش (1)، فأبقني لهم 2 حتى أجاهدهم فيك، وإن كنت وضعت الحرب، فافجرها، واجعل موتي فيها، فانفجرت من ليلته 3، فلم يَرُعْهُمْ -وفي المسجد خيمةٌ من بني غِفَار- إلَّا الدم يسيل إليهم، فقالوا: يا أهل الخيمة! ما هذا الذي يأتينا من قِبَلِكُمْ؟ فإذا سعد جرحه يغذو دمًا، فمات منها، رحمه اللَّه 4. الغريب: "الموكب": جماعة من الخيل.
و"يَرُعْهم": من الرَّوْع، وهو الفزع.
و"يغذو": يسيل، ويروى يَغُذّ بمعناه، والمسجد الذي جعل فيه سعد وسأل دمه فيه.
ليس هو مسجد المدينة، وإنَّما كان موضعًا يُصَلَّى فيه غير مخطوط، واللَّه أعلم، ولم يروَ أن النبي صلى اللَّه عليه وسلم خطَّ في بني قريظة مسجدًا حين حاصرهم.


(32) باب غزوة ذات الرقاع

وهي غزوة محارب خَصفة من بني ثعلبة بن غطفان، فنزل نخلًا، وهي بعد خيبر؛ لأن أبا موسى جاء بعد خيبر.
1787 - عن أبي موسى: أن جابرًا حدثهم: صلى النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- لهم يوم محارب وثعلبة.
1879 - وقال ابن عباس: صلى النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- الخوف 1 بذي قَرَد.
1880 - وعن أبي موسى قال: خرجنا مع النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- في غزاةٍ ونحن ستة نفر، بيننا بعير نَعْتَقِبُه، فنَقِبَتْ أقدامُنا، ونقَبَتْ قدماي، وسقطت أظفاري، فكنا نلُفُّ على أرجلنا الخِرَقَ، فسميت غزوة ذات الرقاع.
وفي رواية (2): غزوة نجد: لما كنا نعصب من الخِرَق على أرجلنا.

وحدَّثَ أَبو موسى بهذا ثم كره ذلك.
قال فقال 1: ما كنت أصنع أن 2 أذكره، كأنه كره أن يكون شيء من عمله أفشاه.
1881 - وعن جابر قال: كنا مع النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- بذات الرقاع، فإذا أتينا على شجرة ظليلة تركناها للنبي -صلى اللَّه عليه وسلم-، فجاء رجل من المشركين وسيف النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- معلّق بالشجرة، فاخترطه فقال 3: تخافني؟ قال 4: "لا" قال: فمن يمنعك مني؟ قال: "اللَّه" فتهدَّده أصحاب النبي -صلى اللَّه عليه وسلم-، وأقيمت الصلاة، (فصلى بطائفة ركعتين ثم تأخر، فصلى بالطائفة الأولى ركعتين، وكان للنبي -صلى اللَّه عليه وسلم- أربع ركعات، وللقوم ركعتين) 5. وقال أَبو بشر: اسم الرجل 6 غورث بن الحارث.


(33) غزوة بني المصطلق من خزاعة، وهي غزوة المُرَيْسِيع

قال ابن إسحاق: وذلك سنة ست، وقال موسى بن عقبة: سنة أربع، وقال الزهري: كان حديث الإفك في غزوة المريسيع.
1882 - عن أبي سعيد الخدري: خرجنا مع رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- في غزوة بني المصطلق، فأصبنا سَبْيًا من سبي العرب، فاشتهينا النساء، واشتدت علينا العُزْبَةُ، وأحببنا العزل، فأردنا أن نعزل، وقلنا: نعزل ورسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- بين أَظْهُرِنا قبل أن نسأله؟ فسألناه عن ذلك، فقال: "ما عليكم ألا (1) تفعلوا، ما من نَسَمَةٍ كائنةٍ إلى يوم القيامة إلَّا وهي كائنة".


(34) غزوة أَنْمَار

1883 - عن جابر بن عبد اللَّه الأنصاري قال: رأيتُ النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- في غزوة أنمار يصلي على راحلته متوجهًا قِبَل المشرق متطوعًا.
1 في "صحيح البخاري": "أن لا تفعلوا".
1882 - خ (3/ 122)، (64) كتاب المغازي، (32) باب غزوة بني المصطلق من خزاعة وهي غزوة المريسيع، من طريق ربيعة بن أبي عبد الرحمن، عن محمد بن يحيى بن حبان، عن ابن محيريز، عن أبي سعيد الخدري به، رقم (4138). 1883 - خ (3/ 122)، (64) كتاب المغازي، (صه) باب غزوة أنمار، من طريق ابن أبي ذئب، عن عثمان بن عبد اللَّه بن سُراقة، عن جابر بن عبد اللَّه به، رقم (4140).

وقد تقدم حديث الإفك من كتاب الشهادات، وذكره هنا من رواية أخرى، وزاد فيه متصلًا بقوله (1): فعَصَمَها اللَّهُ بالورع، قالت: وطفقت أختها حَمْنَةُ تحارب لها، فهلكت فيمن هلك، قال ابن شهاب: فهذا الذي يكفيني من هؤلاء الرهط 2. ثم قال عروة: قالت عائشة: واللَّه، إن الرجل الذي قيل له ما قيل ليقول: سبحان اللَّه، فوالذي نفسي بيده، ما كشفت عن كَنَفِ أنثى قط، ثم قتل بعد ذلك في سبيل اللَّه.
1884 - وعن الزهري قال 3: قال لي الوليد بن عبد الملك: أبلغك أن عليًّا كان فيمن قذف عائشة؟ قلت: لا، ولكني قد أخبرني رَجُلان من قومك -أَبو سلمة بن عبد الرحمن، وأَبو بكر بن عبد الرحمن بن الحارث- أن عائشة 4 قالت لهما: كان عليٌّ مُسَلِّمًا في شأنها، فراجعوه فلم يرجع، وقال: مُسَلِّمًا بلا شك فيه وعليه، وكان في أصل العتيق كذلك 5.

1885 - وعن مسروق قال: دخلنا على عائشة، وعندها حسان بن ثابت ينشدها شعرًا يُشَبِّبُ بأبيات له وقال: حَصَانٌ رَزانٌ ما تُزَنُّ بِرِيبَةٍ ... وتصبح غَرْثَى من لحوم الغَوافِلِ فقالت 1 عائشة: لكنك لستَ كذلك، قال مسروق: فقلت لها: لِمَ تأذنين 2 له أن يدخل عليك، وقد قال اللَّه تعالى: ﴿وَالَّذِي تَوَلَّى كِبْرَهُ مِنْهُمْ لَهُ عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾ [النور: 11] قالت: وأي عذاب أشد من العمى؟ فقالت 3: إنه كان ينافح -أو يهاجي- عن رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم-.
الغريب: الرجل المذكور: هو صفوان بن المعَطِّل السلمي، وكان حَصُورًا لا يأتي النساء، وعن هذا عبَّر بقوله: (ما كشفت كنف أنثى قط).
و"حَصَانٌ": عفيفة.
و"رزان": ثابتة العقل، متثبتة في أمورها.
و"تُزَنُّ": تُتَّهم.
و"الغَرْثَى": من الغرث، وهو الجوع، وعبَّر به هنا عن أنَّها لا تتكلم في أحد من النساء مما تُكِلِّم به في حقها، و"الغوافل": جمع غافلة عما رميت به، والذي تولَّى كِبْرَهُ هو عبد اللَّه بن أُبَيّ؛ فإنه هو الذي كان يستوشيه ويجمعه، ويصرح به كما تقدم.


(35) باب غزوة الحديبية، وقول اللَّه -عَزَّ وَجَلَّ-: ﴿لَقَدْ رَضِيَ اللَّهُ عَنِ الْمُؤْمِنِينَ إِذْ يُبَايِعُونَكَ تَحْتَ الشَّجَرَةِ. .﴾ الآية [الفتح: 18]

1886 - عن البراء بن عازب قال: تعدون أنتم الفتح فتح مكة، وقد كان فتح مكة فتحًا، ونحن نعد الفتح بيعة الرضوان يوم الحديبية، كنا مع النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- أربع عشرة مئة -والحديبية بئر- فنزحناها فلم نترك فيها قطرة، فبلغ ذلك النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- فأتاها، فجلس على شفيرها، ثم دعا بإناء من ماء، فتوضأ، ثم مضمض ودعا، ثم صبه فيها، فتركناها 1 غير بعيد، ثم إنها أصدرتنا ما شئنا نحن وركابنا.
وفي رواية 2: ثم قال: "ائتوني بدلو من مائها"، فأُتي به، فبَسَق (3) فدعا، ثم قال: "دعوها ساعة"، فأرْوَوْا أنفسَهُم وركابهم حتى ارتحلوا.

1 - وعن جابر قال: عطش الناس يوم الحديبية، ورسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- بين يديه رِكْوَة، فتوضأ منها، ثم أقبل الناس نحوه، فقال رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم-: "ما لكم؟ " قالوا: يا رسول اللَّه! ليس عندنا ماء فتوضأ به، ولا نشرب إلَّا ما في ركوتك، قال: فوضع النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- يده في الرِّكْوَة، فجعل الماء يفور بين أصابعه كأمثال العيون، قال: فشربنا وتوضأنا، فقلت لجابر: كم كنتم يومئذٍ؟ قال: لو كنا مئة ألف لكفانا، كنا خمس عشرة مئة.
2 - وعنه قال: قال لنا رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- يوم الحديبية: "أنتم خير أهل الأرض"، وكنا ألفًا وأربع مئة، ولو أُبْصِرُ اليوم لأريتكم مكان الشجرة.
3 - وعن عبد اللَّه بن أبي أوفى: كان أصحاب الشجرة ألفًا وثلاث مئة، وكانت أَسْلَم ثُمن المهاجرين.
4 - وعن عروة، عن مروان ومسور بن مخرمة قالا: خرج النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- عام الحديبية في بضع عشرة مئة من أصحابه، فلما كان بذي الحُلَيْفَة قلَّد الهَدْيَ، وأشعر وأحرم منها.

1891 - وعن زيد بن أسلم، عن أبيه قال: خرجت مع عمر بن الخطاب 1 إلى السوق، فلحقت عمر امرأةٌ شابة، فقالت: يا أمير المؤمنين! هلك زوجي، وترك صبية صغارًا، واللَّه ما يُنْضِجُون كراعًا، ولا لهم زرع ولا ضَرع، وخشيت أن كلهم الضَّبُع، وأنا بنت خُفَاف بن إيماء الغِفَارِي وقد شهد أبي الحديبية مع النبي -صلى اللَّه عليه وسلم-، فوقف معها عمر فلم يمض 2، ثم قال: مرحبًا بنسب قريب، ثم انصرف إلى بعير ظهير كان مربوطًا في الدار، فحمل عليه غَرَارَتَيْن ملأهما طعامًا، وحمل بينهما نفقة وثيابًا، ثم ناولها بخطامه، ثم قال: اقتاديه، فلن يَفْنَى حتى يأتيكم اللَّه بخير، فقال رجل: يا أمير المؤمنين! أكثرت لها، فقال عمر: ثكلتك أمك، واللَّه إني لأرى أبا هذه وأخاها حاصرًا 3 حصنًا زمانًا، فافتتحاه ثم أصبحنا نستفيء سهمانهما 4 فيه.
1892 - وعن عبَّاد بن تميم قال: لما كان يوم الحَرَّة والناس يبايعون عبد اللَّه (5) بن حنظلة، فقال ابن زيد: عَلَام يُبَايع ابنُ حنظلة الناسَ؟ قيل له:

على الموت، قال: لا أبايع على ذلك أحدًا بعد رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم-، وكان شهد معه الحديبية.
1893 - وعن زيد بن أسلم، عن أبيه: أن رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- كان يسير في بعض أسفاره وعمر بن الخطاب يسير معه ليلًا، فسأله عمر عن شيء، فلم يجبه رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم-، ثم سأله فلم يجبه، ثم سأله فلم يجبه، فقال عمر 1: ثكلتك أمك يا عمر 2، نَزَرْتَ رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- ثلاث مرات، كل ذلك لا يجيبك، قال عمر: فحركت بعيري، ثم تقدمت أمام المسلمين، وخشيت أن ينزل فيَّ قرآن، فما نشَبْتُ أنْ سمعتُ صارخًا يصرخ بي، قال: فقلت: لقد خشيت أن ينزل 3 فيَّ قرآن، وجئت رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم-، فسلمت عليه قال (4): "لقد أُنزلت على الليلة سورة، لهي أحب إليَّ مما طلعت عليه الشمس"، ثم قرأ: ﴿إِنَّا فَتَحْنَا لَكَ فَتْحًا مُبِينًا﴾ [الفتح: 1].
1894 - وعن نافع قال: إن الناس يتحدثون: أن ابن عمر أسلم قبل

جارٍ التحميل