اختصار صحيح البخاري وبيان غريبهصفحات 54-97

باب تسمية الفَرَس باسم عَلَمٍ، وينفي (1) من الشؤم فيها، والقَسْمِ لها

صفحات 54-97

فإنه كان تحته بنت رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم-، وكانت مريضة، فقال له النبي -صلى اللَّه عليه وسلم-: "إنَّ لك أجرَ رجلٍ ممن شهد بدرًا وسهم 1 ". 1485 - وعن أبي بُرْدة، عن أبي موسى قال: بلغنا مَخْرَجُ النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- ونحن باليمين، فخرجنا مهاجرين إليه أنا وأَخَوانِ لي، أنا أصغرهم؛ أحدهما: أبو بُردة، والآخر: أبو رُهْمٍ -إمَّا قال: في بضع، وإما قال: في ثلاثةٍ- وخمسين رجلًا من قومي 2، فركبنا سفينة، فأَلْقَتْنَا سفينتنا إلى النجاشي بالحبشة، وَوَافَقْنَا جعفرَ بن أبي طالب وأصحابَهُ عنده، فقال جعفر: إن رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- بعثنا ههنا، وأمرنا بالإقامة، فأقيموا معنا، فأقمنا معه حتى قدمنا جميعًا، فوافقنا النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- حين افْتَتَحَ خيبر، فأسهم لنا -أو قال: فأعطانا منها- وما قَسَمَ لأحدٍ غابَ عن فتح خيبر منها شيئًا إلا لمن شهد معه إلا أصحاب سفينتنا مع جعفر وأصحابه، قَسَم لهم معهم.


(54) باب السرية الخارجة من الجيش شركاء معه فيما غنموه، والإمام أن ينفل السَّرِية وزيادة على سهمهم

1486 - عن ابن عمر: أنَّ رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- بعث سَرِيَّةً فيها عبد اللَّه بن عمر قِبَلَ نَجْدٍ، فغنموا إبلًا كثيرًا، فكانت سُهْمَانُهم اثني عشر بعيرًا -أو أحد عشر بعيرًا- ونُفِّلُوا بعيرًا بعيرًا.
1487 - وعنه: أن رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- كان يُنَفِّلُ بعضَ مَن يبعث من السرايا لأنفسهم خاصَّة سوى قسم عامَّة الجيش.


(55) باب يعطي الإمام للقرابة ولغيرهم من الخمس بالاجتهاد

3 - عن جُبَيْر بن مُطْعِم قال: مشيت أنا وعثمان بن عفان إلى12

رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم-، فقلنا: يا رسول اللَّه! أعطيت بني المطلب وتركتنا، ونحن وهم منكم بمنزلة واحدة، فقال رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم-: "إنَّا 1 بنو المطلب وبنو هاشم شيء واحد"، قال جبير: ولم يقسم النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- لبني عبد شمس، ولا لبني نوفل، قال 2 ابن إسحاق: وعبد شمس 3 وهاشم والمطلب إخوة لأُمٍّ، وأُمُّهم عَاتِكَةُ نجت مُرَّة، وكان نوفل أخاهم لأبيهم.
1489 - وعن نافع: أنَّ عمر بن الخطاب قال: يا رسول اللَّه! إنه كان عليَّ اعتكافُ يومٍ في الجاهلية، فامره أن يَفِي به، قال: وأصاب عمر جاريتين من سَبْي حُنين 4 -في رواية: من الخمس 5 - فوضعهما في بعض بيوت مكة، قال: فمَنَّ رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- على سبي حنين 6، فجعلوا يَسْعَوْنَ في السِّكَكِ،

قال عمر: انظر ما هذا 1؟ قال: فقال 2: مَنَّ رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- على السَّبْي، قال: اذهب فأرسل الجاريتين.
قال نافع: ولم يعتمر رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- من الجِعْرَانة، ولو اعتمر لم يَخْفَ على عبد اللَّه.
1490 - وعن عمرو بن تَغْلِب قال: أعطى رسولُ اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- قومًا ومنع آخرين، فكأنهم عَتَبُوا عليه، فقال: "إني أعطي قومًا أخاف ظَلَعَهُمْ 3 وجَزَعَهُمْ، وأَكِلُ قومًا (4) إلى ما جعل اللَّه في قلوبهم من الخير، منهم عمرو ابن تَغْلب"، فقال عمرو بن تغلب: ما أُحِبُّ أن ليَ بكلمةِ رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- حُمُرَ النَّعَمِ.
1491 - وعن أنس قال: قال النبي -صلى اللَّه عليه وسلم-: "إني أعطي قريشًا أَتَأَلَّفُهم

عليَّ 1؛ لأنهم حديثُ عَهْد بجاهلية".
1492 - وعنه: أنَّ ناسًا من الأنصار قالوا لرسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- حين أفاء اللَّه على رسوله من أموال هوَازِن ما أفاء، فطفق يعطي رجالًا من قريش المئةَ من الإبل -فقالوا: يغفر اللَّه لرسوله 2، يُعْطِي قريشًا ويَدَعُنَا وسيوفنا تقطر من دمائهم؟ ! قال أنس: فَحُدِّثَ رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- بمقالتهم، فأرسل إلى الأنصار، فجمعهم في قُبّهٍ من أَدَمٍ، ولم يَنعُ معهم أحدًا غيرهم، فلما اجتمعوا جاءهم رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم-، فقال: "ما كان حديثٌ بلغني عنكم؟ "، فقال فقهاؤهم 3: فأما ذوو رأينا يا رسول اللَّه، فلم يقولوا شيئًا، وأما أُنَاسٌ مِنَّا حديثةٌ أَسْنَانهم، فقالوا: يغفر اللَّه لرسول اللَّه يعطي قريشًا ويترك الأنصار وسيوفنا تَقْطُر من دمائهم، فقال رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم-: "إني أعطي 4 رجالًا حديثٌ عهدهم بكُفْرٍ، أَمَا تَرْضَوْنَ أن يذهب الناسُ بالأموال وترجعون 5 إلى رِحَالكم برسول اللَّه 6، فواللَّه ما تَنْقَلِبُونَ به خيرٌ مما ينقلبون به"، قالوا: بلى يا رسول اللَّه قد رضينا، فقال: "إنكم سَتَرَوْنَ بعدي أثَرَةً شديدة، فاصبروا

حتى تلقوا اللَّه ورسوله 1 على الحوض"، قال أنس: فلم نصبر.
1493 - وعنه قال: كنت أمشي مع النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- وعليه بُردٌ نَجْرَانِي غليظ الحاشية، فأدركه أعرابيٌّ، فجذبه جَذْبَةً شديدة، حتى نظرت إلى صفحة عاتِق النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- قد أَثَّرَتْ به حاشيةُ الرداء من شدة جذبته، ثم قال: مُرْ لي من مال اللَّه الذي عندك، فالتفت إليه فضحك، ثم أمر له بعطاءٍ.
1494 - وعن جُبَيْر بن مُطْعَمٍ: أنه بينما 2 هو مع رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم-، ومعه الناس مقبلًا من حُنَيْنٍ، عَلِقَتْ برسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- الأعرابُ يسألونه حتى اضطروه إلى سَمُرَةٍ 3، فخطفت رداءه، فوقف رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم-، فقال: "أعطوني ردائي، فلو كان عدد هذه العِضَاه (4) نَعَمًا لقسمته بينكم، ثم لا تجدونني بخيلًا ولا كَذُوبًا ولا جبانًا".


(56) باب إعطاء المؤلفة قلوبهم

1495 - عن أبي وائل، عن عبد اللَّه قال: لما كان يوم حنين آثر النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- أُنَاسًا في القسمة، فأعطى الأَقْرَعَ بن حابس مئة من الإبل، وأعطى عُيَيْنَة مثل ذلك، وأعطى أناسًا من أشراف العرب، وآثرهم (1) يومئذٍ في القسمة، قال رجل: واللَّه إن هذه لقِسْمَة ما عُدِل فيها -أو ما أريد (2) فيها وجه اللَّه- فقلت: واللَّه لأُخْبِرَنَّ النبيَّ -صلى اللَّه عليه وسلم-، فأتيته فأخبرته، فقال: "فمن يعدِلْ إذا لم يعدل اللَّه ورسوله؟ رحم اللَّه موسى؛ قد أوذي بأكثرَ من هذا فصبر".


(57) باب أخذ الجزية من أهل الكتاب والمجوس، والمصالحة، وكم الجزية، وقوله تعالى: ﴿قَاتِلُوا الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلَا بِالْيَوْمِ الْآخِرِ﴾ [التوبة: 29] الآية

1496 - وعن بَجَالَةَ قال: كنت كاتبًا لجَزْءِ1

ابن معاوية عمِّ الأحنف، فأتانا كتابُ عمر بن الخطاب قبل موته بسَنَةٍ: فَرِّقُوا بين كل ذي مَحْرَم من المجوس، ولم يكن عمر أخذ الجزية من المجوس حتى شهد عبد الرحمن بن عوف: أنَّ رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- أخذها من مجوس هجر.
1497 - وعن عمرو بن عوف الأنصاري -وكان شهد بَدْرًا 1 -: أنَّ رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- بعثَ أبا عُبَيْدَة بن الجَرَّاح إلى البحرين يأتي بجزيتها، وكان رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- هو صالح أهل البحرين، وأَمَّر عليهم العلاءَ بن الحَضْرَمِيَّ، فقدم أبو عبيدة بمالٍ من البحرين، فسَمِعَت الأنصارُ بقدوم أبي عبيدة، فوافت 2 صلاة الصبح مع النبي -صلى اللَّه عليه وسلم-، فلما صلى بهم الفجر، انصرفوا فتعرضوا له، فتبسَّم حين رآهم، وقال: "أظنكم قد سمعتم أن أبا عبيدة قد جاء بشيء؟ "؛ قالوا: أجل يا رسول اللَّه، قال: "فأَبْشِروا وأَمِّلُوا ما يسركم، فواللَّه لا الفقر أخشى عليكم، ولكن أخشى أن تُبْسَطَ عليكم الدنيا، كما بسطت على مَن قبلكم، فتنافسوا (3) كما تنافسوها، وتهلككم كما أهلكتهم".

1498 - وعن جُبَيْر بن حَيَّة قال: بعث عمر بن الخطاب في أفناء الأمصار يقاتلون المشركين، فأسلم الهُرْمُزَانُ، فقال: إني مستشيرك في مغازيَّ هذه، قال: نعم، مَثَلُهَا ومثل من فيها من الناس من عدو المسلمين 1 مَثَل طائر له رأس، وله جناحان ورجلان 2، فإن كُسِرَ أحد 3 الجناحين، نهضت الرِّجْلَان بجناح والرأس، فإن كسر الجناح الآخر، نهضت الرجلان والرأس، فإن شُدِخَ الرأس ذهبت الرجلان والجناحان والرأس، فالرأس كسرى، والجناح قيصر 4، والجناح الآخر فارس، فَمُرْ المسلمين فلينفروا إلى كسرى.
قال جُبَيْر: فَنَدَبَنَا عمر، واستعمل علينا النعمن بن مُقَرِّن، حتى إذا كنا بأرض العدو، خرج علينا عامل كسرى في أربعين ألفًا، فقام ترجمانه، فقال: ليكلمني رجل منكم، فقال المغيرة: سل عما شئت؟ فقال: ما أنتم؟ فقال 5: نحن أناس من العرب كُنَّا في شَقَاءٍ شديدٍ، نمصُّ الجِلْدَ والنَّوَى من الجوع، ونلبس الوبر والشَّعَر، ونعبد الحجر والشجر،

فبينا نحن كذلك إذ بعث رب السماوات ورب الأرض 1 إلينا نبِيًّا من أنفسنا، نعرف أباه وأمَّه، فأمرنا نبينا رسول ربنا أن نقاتلكم حتى تعبدوا اللَّه وحده أو تؤدوا الجزية، فأخبرنا 2 نبينا عن رسالة ربنا: أنه من قُتِلَ منا صار إلى الجنة في نعيم لم يرَ مثله 3 قط، ومن بقي منا مَلَكَ رقابكم.
فقال النعمان: ربما أشهدك اللَّه مثلها مع النبي -صلى اللَّه عليه وسلم-، فلم يُنَدِّمْك 4، ولم يُخْزِك، ولكني شهدت القتال مع رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم-، كان إذا لم يقاتل في أول النهار، انتظر حتى تَهُبَّ الأرواح (5)، وتحضر الصلوات.
1499 - وعن ابن أبي نجيح: قلت لمجاهد: ما شأن أهل الشام عليهم

أربعة دنانير، وأهل اليمن عليهم دينار؟ قال: جعل ذلك من قِبَلِ اليسار.


(58) باب إثم من قتل مُعَاهِدًا، والوصاة بأهل الذمة، ولا يقر منهم أحدٌ بجزيرة العرب

1500 - عن عبد اللَّه بن عمرو: عن النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- قال: "من قتل مُعَاهِدًا لم يَرَحْ رائحة الجنة، وإن ريحها توجد من مسيرة أربعين عامًا".
1501 - وعن عمرو بن ميمون عن عمر قال: وأوصيه بذمة اللَّه وذمة رسوله: أن يوفي لهم بعهدهم، وأن يقاتل دونهم 1، ولا يُكَلَّفُوا إلا طاقتهم.
1502 - وعن جويرية بن قدامة التميمي: سمعت عمر بن الخطاب (1) في "صحيح البخاري"، وفي جميع الروايات: "وأن يقاتل من ورائهم".
1500 - خ (2/ 409)، (58) كتاب الجزية والموادعة، (5) باب إثم من قتل معاهدًا بغير جُرْم، من طريق عبد الواحد، عن الحسن بن عمرو، حدثنا مجاهد، عن عبد اللَّه بن عمرو به، رقم (3166)، طرفه في (6914). 1501 - خ (2/ 373)، (56) كتاب الجهاد والسير، (174) باب يقاتل عن أهل الذمة ولا يسترقون، من طريق حصين، عن عمرو بن ميمون، عن عمر به، رقم (3051)، أطرافه في (1392، 3162، 3700، 4888، 7207). 1502 - خ (2/ 408)، (58) كتاب الجزية والموادعة، (3) باب الوصاة بأهل ذمة رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم-، من طريق شعبة، عن أبي جمرة، عن جويرية بن قدامة التميمي، عن عمر به، رقم (3162).

قلنا: أَوْصِنَا (1) يا أمير المؤمنين، قال: أوصيكم بذمة اللَّه؛ فإنه ذمة نبيكم ورزق عيالكم.
وقال عمر، عن النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- "أقركم ما أقركم اللَّه به" 2. 1503 - وعن أبي هريرة قال: بينما نحن في المسجد خرج النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- فقال: "انطلقوا إلى يهود"، فخرجنا حتى إذا جئنا بيت المِدْرَاس، فقال: "أَسْلِمُوا تَسْلَمُوا، واعلموا أن الأرض للَّه ورسوله، وإني أريد أن أُجْلِيَكُمْ من هذه الأرض، فمن يجد منكم بماله شيئًا فليبعه، وإلا فاعلموا أن الأرض للَّه ورسوله".
1504 - وعن ابن عباس -وسمعه سعيد بن جبير يقول-: يوم الخميس وما يوم الخميس، ثم بكى حتى بَلَّ دَمْعُه الحصى، قلت: يا أبا (3) عباس! وما يوم الخميس؟ قال: اشتد برسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم-

وجعه، فقال: "ائتوني بكتفٍ 1 أكتب لكم كتابًا لا تضلوا بعده أبدًا"، فتنازعوا -ولا ينبغي عند نبي تنازع- فقالوا: ماله؟ أهجر؟ استفهموه، فقال: "ذروني الذي 2 أنا فيه خير مما تدعونني إليه"، فأمرهم بثلاث، فقال: "أخرجوا المشركين من جزيرة العرب، وأجيزوا الوَفْدَ بنحو ما كنت أجيزهم"، والثالثة إمّا أن سكت عنها، وإمّا أن قالها فنسيتها.
قال سفيان بن عيينة: هذا من قول سليمان بن أبي مسلم 3. الغريب: "لم يَرَحْ": لم يشم، يقال: رَاحَ الطيب يراحه إذ وجد ريحه.
و"المعاهَد": بفتح الهاء، اسم مفعول، وهو الذي عوهد بعهد؛ أي: صُولح.
و"الذمة": العهد.
و"أَجْلِيكُم": أخرجكم، يقال: جلا القوم من منازلهم: خرجوا، وأجلاهم الإمام: أخرجهم.
و"الكتف": واحد أكتاف الحيوان، وقد يعبر به عن اللوح؛ لأنهم كانوا يكتبون في الأكتاف.
وقوله: "أَهجر" بهمزة الاستفهام صوابه، وهو استفهام على جهة الإنكار على من ظنه بالنبي -صلى اللَّه عليه وسلم- في ذلك الوقت لشدة المرض عليه.
وهذا الكتاب الذي أراد النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- كتابته إنما هو -واللَّه أعلم- في النص

على خلافة أبي بكر؛ لكنهم لما تنازعوا، واشتد مرضه وألمه، عَدَلَ عن ذلك فعَوِّلًا على ما أصَّلَ في ذلك من استخلافه إيَّاه على الصلاة، ومن قوله: "يأبى اللَّه والمسلمون إلا أبا بكر"، واللَّه أعلم.
و"جزيرة العرب" من أقصى اليمن -عدن أَبْيَنَ- إلى رِيفِ العراق، ومن جدَّة وما والاها من ساحل البحر إلى أطراف الشام، قاله الأصمعي، وسميت جزيرة؛ لأنها مجزورة بالبحار: بحر الحبش، وبحر فارس، ودجلة، والفرات، قاله الخليل.


(59) باب ما يُحْذَرُ من الغدر، وإذا غدر المشرك هل يُعْفى عنه

1505 - عن عوف بن مالك قال: أتيت النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- في غزوة تبوك وهو في قبةٍ من أَدَمٍ، فقال: "اعدد ستًّا بين يدي الساعة: مَوْتِي، ثم فتح بيت المقدس، ثم مُوتَانٌ يوجد فيكم كعُقَاصِ 1 الغنم، ثم استفاضة

المال حتى يُعْطَى الرجلُ مئة دينار فيظل ساخطًا، ثم فتنة لا يبقى بيت من العرب إلا دخلته، ثم هُدْنةٌ تكون بينكم وبين بني الأَصْفَر فيَغْدِرُونَ، فيأتونكم تحت ثمانين غاية، تحت كل غاية اثنا عشر ألفًا".
1506 - عن أبي هريرة قال: لما فُتِحَتْ خيبرُ أُهْدِيَتْ للنبي -صلى اللَّه عليه وسلم- شاة فيها سمٌّ، فقال النبي -صلى اللَّه عليه وسلم-: "اجمعوا لي من كان ههنا من يَهُود"، فجمعوا له، فقال: "إني سائلكم عن شيء فهل أنتم صَادِقِيَّ عنه؟ " فقالوا: نعم، فقال النبي -صلى اللَّه عليه وسلم-: "من أبوكم؟ " فقالوا: فلان، فقال: "كذبتم بل أبوكم فلان"، قالوا: صدقت، قال: "فهل أنتم صادقي عن شيء إن سألت عنه؟ " فقالوا: نعم يا أبا القاسم، وإن كذبنا عرفت كذبنا، كما عرفت في أبينا، فقال لهم: "من أهل النار؟ " قالوا: نكون فيها يسيرًا، ثم تخلفونا فيها، فقال النبي -صلى اللَّه عليه وسلم-: "اخسؤوا فيها، واللَّه لا نخلفكم فيها أبدًا"، ثم قال "هل أنتم صادقي عن شيء إن سألتكم عنه؟ " قالوا: نعم يا أبا القاسم، قال: "فهل 1 جعلتم في هذه الشاة سمًّا؟ " قالوا: أردنا إن كنت كاذبًا نستريح منك، وإن كنت نبيًّا لم يضرك.
وقال 2 يونس: عن ابن شهاب سئل: أعلى مَن سحَرَ من أهل العهد

قتل؟ قال: بلغنا أن رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- قد صنع له ذلك، فلم يقتل من صنعه، وكان من أهل الكتاب.
1507 - وعن أبي هريرة قال: كيف أنتم إذا لم تجتبوا دينارًا ولا درهمًا؟ قيل له: وكيف ترى ذلك كائنًا يا أبا هريرة؟ قال: إي والذي نفس أبي هريرة بيده عن قول الصادق المصدوق، قالوا: عَمَّ ذلك؟ قال: تنتهك ذمة اللَّه، وذمة رسوله، فيشد اللَّه عز وجل قلوب أهل الذِّمة، فيمنعون ما في أيديهم.


(60) باب إثم من عاهد ثم غدر. وذمة المسلمين واحدة، وأمان المرأة. وقوله تعالى: ﴿الَّذِينَ عَاهَدْتَ مِنْهُمْ ثُمَّ يَنْقُضُونَ عَهْدَهُمْ﴾ [الأنفال: 56]

وقد تقدم قول النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- في ذم المنافق وذكر خصاله: "إذا عاهد غدر" 1.

1508 - عن إبراهيم التَّيْمِيّ، عن أبيه، عن علي -رضي اللَّه عنه- قال: ما كتبنا عن النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- إلا القرآن وما في هذه الصحيفة.
وقد تقدم في الحج، وفيه من الزيادة ههنا: "ذمة المسلمين واحدة، يسعى بها أدناهم، فمن أَخْفَرَ مسلمًا، فعليه لعنة اللَّه والملائكة والناس أجمعين، لا يُقْبَلُ منه صَرفٌ ولا عَدْلٌ، ومن والى قومًا بغير إذن مواليه، فعليه لعنة اللَّه والملائكة والناس أجمعين، لا يقبل منه صَرف ولا عَدل".
1509 - وعن أبي وائل قال: شهدت صِفِّينَ، فسمعت سهل بن حنيف يقول: اتهموا رأيكم، رأيتني يوم أبي جَنْدَل فلو أستطيع أن أَرُدَّ أمر النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- لرددته، وما وضعنا أسيافنا على عواتقنا لأَمْرٍ يفظعنا إلا أَسْهَلْنَ بنا إلى أمرٍ نعرفه غير أمرنا هذا.
وفي رواية 1: أيها الناس! اتهموا أنفسكم، فإنّا كنا مع رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- يوم الحديبية ولو نرى قتالًا لقاتلنا، فجاء عمر بن الخطاب فقال: يا رسول اللَّه! ألسنا على الحق وهم على الباطل؟ فقال: "بلى"، فقال: أليس قتلانا في الجنة وقتلاهم في النار؟ قال: "بلى"، قال: فَعَلَامَ نعطي الدَّنِيَّةَ (1) خ (2/ 415)، في الكتاب والباب السابقين، من طريق حبيب بن أبي ثابت، عن أبي وائل، عن سهل بن حنيف به، رقم (3182). 1508 - خ (2/ 414 - 415)، في الكتاب والباب السابقين، من طريق سفيان، عن الأعمش، عن إبراهيم التيمي، عن أبيه، عن علي به، رقم (3179). 1509 - خ (2/ 415)، (58) كتاب الجزية والموادعة، (18) باب، من طريق أبي حمزة، عن الأعمش، عن أبي وائل، عن سهل بن حنيف به، رقم (3181)، أطرافه في (4189، 4844، 7308).

في ديننا؟ أنرجع ولم يحكم (1) اللَّه بيننا وبينهم؟ فقال: "يا ابن الخطاب! إني رسول اللَّه، ولن يضيعني اللَّه أبدًا" 2، فنزلت سورة الفتح، فقرأها رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- على عمر إلى آخرها، قال عمر: يا رسول اللَّه! أوفَتْحٌ هو؟ قال: "نعم".
1510 - وعن أنس: عن النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- قال: "لكل غادر لواء يوم القيامة ينصب -وفي رواية 3: يُرَى- يوم القيامة يُعْرَفُ به".
وقد تقدم من حديث أم هانئ قوله عليه السلام: "قد أَجَرْنَا من أَجَرْتِ".
الغريب: "أَخْفَرْتُ الرجل": نقضت عهده.
و"خَفَرْته": أجرته.
"الصَّرْف": الحيلة.
و"العدل": الفِدْيَة، وقيل: الصرف: النافلة.
و"العدل": الفريضة.
وقوله: "اتهموا رأيكم أو أنفسكم": أمر بالتثبت والتوقف.
و"العَاتِق": ما بين المنكب والعنق، وهو الكاهل.
و"يُفْظِعُنَا"؛ أي: نجده فظيعًا؛ أي: شديد المرارة، وأَسْهَلْنَ؛ أي: مشين بنا إلى أمر سهل.
و"الدَّنِيَّة": الحالة الخسيسة.


(61) باب يطاع الأمراء وتؤدي حقوقهم، ويصبر على أذاهم

1511 - عن ابن مسعود: عن النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- قال "ستكون أَثَرة وأمورٌ تنكرونها"، قالوا: يا رسول اللَّه! فما تأمرنا؟ قال: "تُؤَدُّونَ الحقَّ الذي عليكم، وتسألون اللَّه الذي لكم".
1512 - وعن ابن عباس: عن النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- قال: "مَنْ كَرِهَ من أميره شيئًا فليصبر؛ فإنه من خرج من السلطان شِبْرًا، مات ميتةً جاهليةً".
وفي رواية 1: "فإنه من فارق الجماعة شبرًا، فمات إلا مات ميتةً (2) جاهلية".
1513 - وعن عُبادة بن الصَّامِتِ قال: دعانا النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- فبايعناه، فقال

فيما أَخَذَ علينا: أن بَايَعَنَا على السمع والطاعة في مَنْشَطِنا ومَكْرَهِنَا وعسرنا ويسرنا وأثَرَةٍ علينا، وأن لا ننازِعَ الأَمْرَ أهله، إلا أن تروا كُفْرًا بَوَاحًا عندكم من اللَّه فيه برهان.
1 - وعن أُسَيْد بن حُضَيْر: أنَّ رجلًا أتى النبي -صلى اللَّه عليه وسلم-، فقال: يا رسول اللَّه! استعملت فلانًا ولم تستعملني؟ قال: "إنكم سَتَرَوْنَ بعدي أثَرَةً، فاصبروا حتى تَلْقَوْني".


(36) كتاب بدء الخلق

(36) كتاب بدء الخلق

(1) باب قوله تعالى: ﴿وَهُوَ الَّذِي يَبْدَأُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ وَهُوَ أَهْوَنُ عَلَيْهِ﴾ [الروم: 27]

قال الربيع بن خُثَيْم والحسن: كله عليه هَيِّن، هَيْن وهَيِّن، كلَيْن ولَيِّن، ومَيْت ومَيِّت.
1515 - عن عمران بن حصين قال: دخلت على النبي -صلى اللَّه عليه وسلم-، وعَقَلْتُ ناقتي بالباب، فأتاه ناس من بني تميم، فقال: "اقبلوا البشرى يا بني تميم"، قالوا: قد بَشَّرْتَنَا فأعطنا -مرتين- ثم دخل عليه ناس من 1 اليمن، فقال: "اقْبَلُوا من غير إذ البشرى يا أهل اليمن إن لم يقبلها بنو تميم"، قالوا: قد

قبلنا يا رسول اللَّه، قالوا: جئنا لنسألك 1 عن هذا الأمر؟ قال: "كان اللَّه ولم يكن شيءٌ غيره، وكان عرشه على الماء، وكتب في الذكر كل شيء، وخلق السموات والأرض"، فنادى منادٍ: ذهبت ناقتك يا ابن الحصين، فانطلقت فإذا هي ينقطع دونها السراب (2)، فواللَّه لوددت أني كنت تركتها.
1516 - وعن عمر بن الخطاب قال: قام فينا النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- مقامًا، فأخبرنا عن بدء الخلق، حتى دخل أهل الجنة منازلهم، وأهل النار منازلهم، حفظ ذلك من حفظه، ونسيه من نسيه.
1517 - وعن أبي هريرة قال: قال رسول اللَّه: "لما قضى اللَّه الخلق، كتب في كتابه، فهو عنده فوق العرش: إن رحمتي غلبت غضبي".


(2) باب في قوله تعالى: ﴿الَّذِي خَلَقَ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ وَمِنَ الْأَرْضِ مِثْلَهُنَّ﴾ [الطلاق: 12]

1 - عن أبي سلمة بن عبد الرحمن -وكانت بينه وبين أناس خصومة في أرض- فدخل على عائشة فذكر لها ذلك، فقالت: يا أبا سلمة! اجتنب الأرض؛ فإن رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- قال: "من ظَلَم قِيدَ شبر، طُوِّقَهُ من سبع أرضين".
2 - ومن حديث ابن عمر: "من أخذ شيئًا من الأرض بغير حقه، خُسِفَ به يوم القيامة إلى سبع أرضين".
3 - ومن حديث سعيد بن زيد بن عمرو بن نُفَيْل: خاصمته أَرْوَى -في حق زعمت أنه انتقصه لها- إلى مروان فقال سعيد: أنا أنتقص من حقها شيئًا؟ أشهد لسمعت رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- يقول: "من أخذ شبرًا من الأرض ظلمًا،

فإنه يطوقه يوم القيامة من سبع أرضين".


(3) باب في قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ زَيَّنَّا السَّمَاءَ الدُّنْيَا بِمَصَابِيحَ﴾ [الملك: 5] وقوله: ﴿وَالشَّمْسُ تَجْرِي لِمُسْتَقَرٍّ لَهَا﴾ [يس: 38]

قال قتادة 1: خلق اللَّه هذه النجوم لثلاثٍ: زينة للسماء، ورجومًا للشياطين، وعلامات يهتدي بها، فمن تأول فيها غير ذلك أخطأ وأضاع نصيبه، وتكلف ما لا علم له به.
قلت: وما أحسن قولَ أبي الفرج بن عبيد: تَعَلُّم أحكامِ النجوم إضاعةٌ ... لأوقاتِ عُمرٍ تنقضي فتفوت فما يعلم الإنسان ما كَسْبُه غدًا ... ولا يعلم الإنسانُ حين يموت 1521 - وعن إبراهيم التيمي، عن أبيه، عن أبي ذر قال: قال النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- لأبي ذر حين غربت الشمس: "تدري أين تذهب؟ " قال: اللَّه ورسوله أعلم، قال: "فإنها تذهب حتى تسجد تحت العرش فتستأذن فيؤذن لها، ويوشك أن تسجد فلا يُقْبَلُ منها، وتستأذن فلا يُؤْذَنُ لها، يقال لها:

ارجعي من حيث جئت، فتطلع من مغربها، فذلك قوله: ﴿وَالشَّمْسُ تَجْرِي لِمُسْتَقَرٍّ لَهَا ذَلِكَ تَقْدِيرُ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ﴾ ". وفي رواية (1): عن أبي ذر قال: سألت النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- عن قوله: ﴿وَالشَّمْسُ تَجْرِي لِمُسْتَقَرٍّ لَهَا﴾، قال: "مستقرها تحت العرش".
الغريب: "السجود": الخضوع والتذلل.
و"استئذان الشمس": إن كانت مما يعقل فحقيقة، وإلا فمن الموكَّلِين بها، أو يكون لسان حال.
و"لِمُسْتَقَرِّها": أي: إلى مستقرها، كما يقال: هو يجري لغايته، وإلى غايته، وقد بينه النبي -صلى اللَّه عليه وسلم-، ولولاه لأمكن أن يقال: مستقرها: أي: منازلها في الغروب، أو يقال: هو منتهاها عند انقضاء الدنيا.


(4) باب خلق الملائكة والشياطين، وأنَّ الجنَّ خُلِقُوا قبل الإنسان

قال اللَّه تعالى: ﴿وَجَعَلُوا الْمَلَائِكَةَ الَّذِينَ هُمْ عِبَادُ الرَّحْمَنِ إِنَاثًا أَشَهِدُوا خَلْقَهُمْ﴾ [الزخرف: 19]، وقال: ﴿أَمْ خَلَقْنَا الْمَلَائِكَةَ إِنَاثًا وَهُمْ شَاهِدُونَ (150)﴾ [الصافات: 150]، وقال تعالى: ﴿خَلَقَ الْإِنْسَانَ مِنْ صَلْصَالٍ كَالْفَخَّارِ (14) وَخَلَقَ الْجَانَّ مِنْ مَارِجٍ مِنْ نَارٍ﴾ [الرحمن: 14 - 15]، وقال تعالى: ﴿وَلَقَدْ خَلَقْنَا1

الْإِنْسَانَ مِنْ صَلْصَالٍ مِنْ حَمَإٍ مَسْنُونٍ (26) وَالْجَانَّ خَلَقْنَاهُ مِنْ قَبْلُ مِنْ نَارِ السَّمُومِ} [الحجر: 26 - 27]، وقال تعالى: ﴿وَقُلْ رَبِّ أَعُوذُ بِكَ مِنْ هَمَزَاتِ الشَّيَاطِينِ (97) وَأَعُوذُ بِكَ رَبِّ أَنْ يَحْضُرُونِ﴾ [المؤمنون: 97 - 98]. 1522 - عن عروة، عن عائشة: عن النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- قال: "الملائكة تَحَدَّث 1 في العَنَانِ -والعنان الغمام- بالأمر يكون في الأرض، فتسمع 2 الشياطين الكلمة، فتقُرُّها في أُذُنِ الكاهن كما تقول القارورة 3، فيزيدون معها مئة كذبة".
1523 - وعن أبي هريرة قال: قال النبي -صلى اللَّه عليه وسلم-: "كل بني آدم يَطْعَنُ الشيطان في جنبه 4 بأصبعه 5 حين يولد غير عيسى ابن مريم، ذهب يطعن فطعن في الحجاب" (6).


(5) باب ما جاء في صفة الجنة، وأنها قد خُلِقَتْ

قال اللَّه تعالى: ﴿وَسَارِعُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ (133)﴾ [آل عمران: 133]. 1524 - عن أبي هريرة قال: قال رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم-: "قال اللَّه تبارك وتعالى: أعددت لعبادي الصَّالِحِينَ ما لا عَيْنٌ رأت، ولا أُذُنٌ سمعت، ولا خطر على قلب بشر، واقرؤوا 1 إن شتم: ﴿فَلَا تَعْلَمُ نَفْسٌ مَا أُخْفِيَ لَهُمْ مِنْ قُرَّةِ أَعْيُنٍ﴾ [السجدة: 17] ". 1525 - وعنه: أنه قال (2): "أول زمرة تدخل الجنة على صورة القمر ليلة البدر، والذين على إثرهم على أشد كوكب إضاءةً، قلوبهم على قلب رجل واحد، لا اختلاف بينهم ولا تباغض، لكل امرئ منهم زوجتان، كل واحدة منهما يُرَى مُخُّ ساقها من وراء لحمها من الحسن، يسبحون اللَّه بُكْرَةً وعَشِيًّا، لا يَسْقَمُون ولا يَمْتَخِطُون ولا يبصقون، آنيتهم الذهب

والفضة، وأمشاطهم الذهب، ووقود مَجَامِرِهم الأَلُوَّةُ" 1. 1526 - وعن سهل بن سعد، عن النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- قال: "لَيَدْخُلَنَّ 2 من أمتي سبعون ألفًا -أو سبع مئة ألف- لا يدخل أولهم حتى يدخل آخرهم، وجوههم على صورة القمر ليلة البدر".
1527 - وعن أبي موسى الأشعري، عن النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- قال: "الخيمة دُرَّةٌ مُجَوَّفة، طولها في السماء ثلاثون ميلًا، في كل زاوية منها للمؤمن أهل لا يراهم الآخرون".
1528 - وعنه (3) قال: قال رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم-: "موضع سَوْطٍ في الجنة خير من الدنيا وما فيها".

1 - وعن أبي هريرة، عن النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- قال: "إنَّ في الجنة شجرة يسير الراكب في ظلها مئة سنة، واقرؤوا إن شئتم: ولَقَابُ قوس أحدكم في الجنة خير مما طلعت عليه الشمس ﴿وَظِلٍّ مَمْدُودٍ (30)﴾ [الواقعة: 30]، أو تغرب".
2 - وعن أبي سعيد الخدري، عن النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- قال: "إن أهل الجنة ليتراءَوْن أهل الغُرَفِ من فوقهم كما تتراءون الكوكب الدُرِّيَّ الغابر في الأُفُقِ من المشرق أو المغرب لتفاضل ما بينهم"، قالوا: يا رسول اللَّه! تلك منازل الأنبياء لا يبلغها غيرهم؟ قال: "بلى والذي نفس محمد بيده، رجال آمنوا باللَّه، وصَدَّقُوا المرسلين".
الغريب: "عرضها": أي سَعَتُها.
والكلام إغياء؛ إذ لم يُشاهد أكبر منها.
و"أُعِدَّتْ": خلقت وهيئت.
و"المتقون": المؤمنون.
و"قرَّةُ العين": ما يسر بالنظر إليه.
و"الألُوَّة": العود الهندي، يقال بضم الهمزة وفتحها.
و"الدُّرِّيُّ": الشديد البياض في صفاء، ويقال: بضم الدال وكسرها، وقُرِئَ بهما.
و"الغابِر": بالباء بواحدة من تحتها، وهو الباقي، وغبر من الأضداد.


(6) باب صفة أهل النار وأنها قد خلقت

قال اللَّه تعالى: ﴿وَاتَّقُوا النَّارَ الَّتِي أُعِدَّتْ لِلْكَافِرِينَ (131)﴾ [آل عمران: 131] ﴿النَّارُ يُعْرَضُونَ عَلَيْهَا غُدُوًّا وَعَشِيًّا﴾ الآية [غافر: 46].
وقد تقدم قوله عليه السلام: "اشتكت النار إلى ربها، فأذن لها بنَفَسَيْنِ" في الأوقات.
1531 - وعن أبي هريرة: أن رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- قال: "ناركم جُزْءٌ من سبعين جزءًا من نار جهنم"، قيل: يا رسول اللَّه! إن كانت لكافية، قال: "فُصِّلَتْ عليها 1 بتسعة وستين جزءًا، كلهن مثل جزئها".
1532 - وعن أسامة -هو ابن زيد- قال: سمعت رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- يقول: "يُجاء بالرجل يوم القيامة، فيلقى في النار، فَتَنْدَلِقُ أَقْتَابُهُ في النار، فيدور كما يدور الحمار برَحَاهُ، فيجتمع أهل النار عليه، فيقولون: يا فلان 2! ما شأنك؟ أليس كُنْتَ تأمرنا بالمعروف وتنهانا عن المنْكر (3)؟ قال: كنت

آمركم بالمعروف ولا آتيه، وأنهاكم عن المنكر وآتيه".
الغريب: "فتنْدَلِق": تُزْلَق وتخرج من بطنه.
و"الأَقْتاب": الأمعاء.


(37) كتاب أحاديث الأنبياء

(37) كتاب أحاديث الأنبياء

(1) باب خلق آدم وذريته، وقوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ مِنْ سُلَالَةٍ مِنْ طِينٍ (12) ثُمَّ جَعَلْنَاهُ نُطْفَةً فِي قَرَارٍ مَكِينٍ﴾ [المؤمنون: 12 - 13] الآية

1 - عن أبي هريرة، عن النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- قال: "خلق اللَّه آدم وطوله ستون ذراعًا، ثم قال: اذهب فسَلِّمْ على أولئك من الملائكة، فاستمع ما يُحَيُّونك، تحيتك وتحية ذريتك، فقال: السلام عليكم، فقالوا: السلام عليك ورحمة اللَّه، فزادوا ورحمة اللَّه، فكل من يدخل الجنة على صورة آدم، فلم يزل الخلق يَنْقُص حتى الآن".
2 - وعن أنس قال: بلغ عبد اللَّه بن سلام مَقْدَمُ رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم-

المدينة، فأتاه فقال: إني سائلك عن ثلاث لا يعلمهن إلا نبي، قال: ما أول أشراط الساعة؟ وما أول طعام يأكله أهل الجنة؟ ومن أي شيء يكون 1 الشَّبَه إلى أبيه، ومن أي شيء ينزع الولد إلى أخواله؟ فقال رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم-: "خَبَّرَني آنفًا بهن جبريل"، قال: فقال عبد اللَّه: ذاك عدو اليهود من الملائكة، فقال رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم-: "أمّا أول أشراط الساعة فنارٌ تحشر الناس من المشرق إلى المغرب، وأمَّا أول طعام يأكله أهل الجنة فزيادة كبد حوت، وأمّا الشبهُ في الولد؛ فإن الرجل إذا غَشِيَ المرأة فسبقها ماؤه كان الشبه له، وإذا سبقت 2 كان الشبه لها"، قال: أشهد أن لا إله إلا اللَّه وأنك رسول اللَّه، ثم قال: يا رسول اللَّه! إن اليهود قوم بُهْتٌ، إن عَلِمُوا بإسلامي قبل أن تسألهم بهتوني عندك؛ فجاءت اليهود، ودخل عبد اللَّه البيت، فقال رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم-: "أيُّ رجل فيكم عبد اللَّه بن سَلَام؟ "، فقالوا: أَعْلَمُنَا وابن أعلمنا، وأخيرنا وابن أخيرنا، فقال رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم-: "أفرأيتم إن أسلم عبد اللَّه؟ " قالوا: أعاذه اللَّه من ذلك، فخرج عبد اللَّه إليهم، فقال: أشهد أن لا إله إلا اللَّه وأشهد أن محمدًا رسول اللَّه، فقالوا: شَرُّنا وابن شرنا، ووقعوا فيه.
1535 - وعن عبد اللَّه -هو ابن مسعود- قال: أخبرنا رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- وهو الصادق المصدوق: "إن أحدكم يُجْمَعُ في بطن أمه أربعين يومًا، ثم

يكون عَلَقَة مثلَ ذلك ثم يكون مضغة مثل ذلك، ثم يَبْعَثُ اللَّه إليه مَلَكا بأربعٍ كلماتٍ: فيكتب عمله، وأجله، ورزقه، وشقي أو سعيد، ثم ينفخ فيه الروح، فإن الرجل ليعمل بعمل أهل النار حتى ما يكون بينه وبينها إلا ذراع، فيسبق عليه الكتاب، فيعمل بعمل أهل الجنة، فيدخل الجنة، وإن الرجل ليعمل بعمل أهل الجنة حتى ما يكون بينه وبينها إلا ذراع، فيسبق عليه الكتاب، فيعمل بعمل أهل النار، فيدخل النار".
1536 - وعن أبي هريرة، عن النبي -صلى اللَّه عليه وسلم-: "لولا بنو إسرائيل لم يَخْنَزِ اللحم، ولولا حواء لم تَخُنْ أنثى زوجها".
1537 - وعنه قال: قال رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم-: "استوصوا بالنساء؛ فإن المرأة خُلِقَتْ من ضلع، وإن أَعْوَجَ شيء في الضِّلَع أعلاه، فإن ذهبت تُقِيمُهُ كَسَرْتَهُ، وإن تركته لم يزل أعوج، فاستوصوا بالنساء".
1538 - وعن عائشة قالت: سمعت رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- يقول: "الأرواح أجناد مُجَنَّدَة 1، فما تعارف منها ائتلف، وما تناكر منها اختلف".
(1) في "صحيح البخاري": "جنود مجندة.
. . ". 1536 - خ (2/ 451)، في الكتاب والباب السابقين، من طريق معمر، عن همام، عن أبي هريرة به، رقم (3330). 1537 - خ (2/ 451)، في الكتاب والباب السابقين، من طريق زائدة، عن ميسرة الأشجعي، عن أبي حازم، عن أبي هريرة به، رقم (3331)، طرفاه في (5184، 5186). 1538 - خ (2/ 452)، (60) كتاب أحاديث الأنبياء، (2) باب الأرواح جنود مجندة، من طريق يحيى بن سعيد، عن عمرة، عن عائشة به، رقم (3336).

الغريب: "خلقنا": اخترعنا.
"الإنسان": آدم.
و"السُّلَالة": خاصة الطين، ورقيقه.
و"جعلناه": صيرناه؛ أي: ذريته.
و"النُّطْفَة": القَطْرَة.
و"القرار": والمستقر واحد، وهو موضع الاستقرار.
"مَكِين": أي: تتمكن فيه النطفة.
و"العَلَق": الدم؛ لأنه يتعلق بما يجريه.
و"المضغة": قدر ما يمضغه الماضغ من اللحم.
و"آنفًا": الساعة.
و"الأشراط": العلامات.
و"تحشر": تجمع وتسوق.
و"بُهْتٌ": بضم الهاء، كأنه جمع بهيت، كقضيب وقُضْب، وهو الذي يبهت المقتول له بما يفتريه عليه ويَخْتَلِقُهُ.
و"يَخْنَزِ الطعام": تتغير رائحته.
و"أَجْنَاد": أصناف.
"مُجَنَّدَة": مصنفة.
و"تعارف": تناسب.
و"ائتلف": اتفق.
و"اختلف": تناكر كالهر والفأر.
ووقع هنا: "أخيرنا وابن أخيرنا" على الأصل، وفصيحه: "خيرنا وابن خيرنا"؛ أي: أكثرنا خيرًا.
وقوله: "يُجْمَع في بطن أمه"؛ أي: المَنِيّ يجمع في هذه المدّة، فإنه يقع في الرحم مبثوثًا، فيصير في هذه المدّة مضغة؛ أي: قدر ما يمضغه الماضغ، واللَّه أعلم (1).


(2) باب في قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا نُوحًا إِلَى قَوْمِهِ﴾ الآية [هود: 25]

قال ابن عباس: ﴿بَادِيَ الرَّأْيِ﴾ [هود: 27] ما ظهر لنا، ﴿أَقْلِعِي﴾ [هود: 44]: أمسكي، ﴿وَفَارَ التَّنُّورُ﴾ [هود: 40]: نبع الماء، وقال عكرمة: وجه الأرض.
وقال مجاهد: ﴿الْجُودِيِّ﴾ [هود: 44]: جبل بالجزيرة، وسيأتي قوله عليه السلام: "ما من نبي إلا أنذر قومه الدجال، لقد أنذره قومه نوح"، وقوله في حديث الشفاعة مخبرًا عن القائلين لنوح: "يا نوح! أنت أول الرسل إلى الأرض، وسَمَّاك اللَّه عبدًا شكورًا".
1 - عن أبي سعيد الخُدْرِيّ قال: قال رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم-: "يجيء نوح وأُمَّتُهُ، فيقول اللَّه تعالى: هل بَلَّغْتَ؟ فيقول: نعم أَيْ رب، فيقول لأُمَّته: هل بلغكم؟ فيقولون: لا، ما جاءنا من نبي، فيقول لنوح: من يشهد لك؟ فيقول: محمد -صلى اللَّه عليه وسلم- وأمته، فتشهد أنه قد بلغ، وهو قوله عز وجل: ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ﴾ [البقرة: 143] " والوسط: العدل.


(3) باب في قوله تعالى: ﴿وَإِنَّ إِلْيَاسَ لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ (123)﴾ [الصافات: 123] وقوله: ﴿وَرَفَعْنَاهُ مَكَانًا عَلِيًّا (57)﴾ [مريم: 57]

يذكر عن ابن مسعود وابن عباس: أنَّ إلياسَ هو إدريس.
1540 - عن أنس، عن أبي ذَرٍّ: أنَّ رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- قال: "فُرِجَ سقفُ بيتي وأنا بمكة"، وذكر حديث الإسراء، وسيأتي إن شاء اللَّه، وفيه: وقال أنس: فلما مر جبريل بادريس قال: مرحبًا بالنبي 1 الصالح، والأخ الصالح، فقلت: من هذا؟ قال: هذا إدريس.


(4) باب في قوله تعالى: ﴿وَإِلَى عَادٍ أَخَاهُمْ هُودًا﴾ [هود: 50]، قوله ﴿إِذْ أَنْذَرَ قَوْمَهُ بِالْأَحْقَافِ﴾ [الأحقاف: 21]، وقوله ﴿وَأَمَّا عَادٌ فَأُهْلِكُوا بِرِيحٍ صَرْصَرٍ عَاتِيَةٍ (6)﴾ الآية [الحاقة: 6]

" الأحقاف": جمع حقف، وهو الكوم من الرمل.
و"الصَّرْصَر": الشديد

البرودة.
"وعاتية": عتية على الخُزَّانِ، قاله ابن عُيَيْنَةَ.
و"حسومًا": متتابعة.
و"أعجاز نَخْلٍ": أصولها.
و"باقية": بقية.
1541 - عن ابن عباس: عن النبي -صلى اللَّه عليه وسلم-: "نُصِرْتُ بالصَّبَا، وأُهْلِكَتْ عادٌ بالدَّبُور".
"الصَّبَا": الريح الشرقية، و"الدَّبُور": الغربية.


(5) باب في ذي القرنين ويَأْجُوج ومَأْجُوج، وقوله تعالى: ﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَنْ ذِي الْقَرْنَيْنِ﴾ إلى قوله: ﴿نَقْبًا﴾ [الكهف: 83 - 97]

" زُبَر الحديد": واحدها زُبْرَةٌ، وهي القِطَع.
و"الصَّدَفَيْنِ": ابن عباس: الجبلين.
"خَرْجًا": أجرًا.
"أُفْرِغْ عليه قِطْرًا": أصبب عليه رصاصًا، ويقال: الحديد، ويقال: الصُّفْر، ابن عباس: النحاس.
"جعله دكَّاءَ": ألزقه بالأرض، وناقةٌ دكَّاءَ: لا سنام لها، و"الدَّكْدَاك" مثله، حتى صلب وتَلَبَّد.
قال قتادة: "وحَدَب": أَكَمَةٌ.
وقال رجل للنبي -صلى اللَّه عليه وسلم-: رأيت السَّدَّ مثل1

جارٍ التحميل