باب يكون للناس عرفاء أهل صدق وأمانة يعرفون الإمام (4) بأحوال الناس
القيامة حتى يُهِمُّوا بذلك، فيقولون: لو استشفعنا إلى ربنا فيريحنا من مكاننا، فيأتون آدم فيقولون: أنت آدم أبو الناس، خلقك اللَّه بيده، وأسكنك جنته، وأسجد لك ملائكته، وعلَّمك أسماء كل شيء، فاشفع لنا عند ربك حتى يريحنا من مكاننا هذا، فيقول: لست هناكم، قال: ويذكر خطيئته التي أصاب؛ أكله من الشجرة وقد نهي عنها، ولكن ائتوا نوحًا أول نبي بعثه اللَّه في الأرض 1، فيأتون نوحًا فيقول: لست هناكم، وبذكر خطيئته التي أصاب، سؤاله ربه بغير علم، ولكن ائتوا إبراهيم خليل الرحمن، قال: فيأتون إبراهيم فيقول: إني لست هناكم، ويذكر ثلاث كذبات كذبهن، ولكن ائتوا موسى، عبدًا آتاه اللَّه التوراة، وكلمه وقرَّبه نجِيًّا، قال: فيأتون موسى، فيقول: إني لست هناكم، ويذكر خطيئته التي أصاب، قَتْلُهُ النفس، ولكن ائتوا عيسى، عبد اللَّه ورسوله، وروح منه 2 وكلمته، قال: فيأتون عيسى، فيقول: لست هناكم، ولكن ائتوا محمدًا 3، غفر له ما تقدم من ذنبه وما تأخر، فيأتوني، فاستأذن على ربي 4 في داره، فيؤذن لي عليه، فإذا رأيته وقعت ساجدًا، فيدعني ما شاء اللَّه أن يدعني، فيقول: ارفع محمد، وقل يُسمع، واشفع تشفَّع، وسل تعطه، قال: فأرفع رأسي، فأثني على ربي بثناءٍ وتحميد يعلمنيه، ثم
أشفع 1، فيحد لي حدًّا، فأخرج فأدخلهم الجنة، قال قتادة: وسمعته أيضًا يقول: فأخرج فأخرجهم من النار وأدخلهم الجنة، ثم أعود الثانية فأستأذن على ربي في داره فيؤذن لي عليه، فإذا رأيته وقعت ساجدًا، فيدعني ما شاء اللَّه أن يدعني، ثم يقول: ارفع محمد، وقل يسمع، وسل تعط، قال: فأرفع رأسي، فأثني على ربي بثناء وتحميد يعلمنيه، قال: ثم أشفع، فيحد لي حدًّا، فأخرج وأدخلهم الجنة، قال قتادة: وسمعته أيضًا 2 يقول: فأخرج فأخرجهم من النار وأدخلهم الجنة، ثم أعود الثالثة فأستأذن على ربي في داره فيؤذن لي، فإذا رأيته وقعت ساجدًا، فيدعني ما شاء اللَّه أن يدعني، ثم يقول: ارفع محمد، وقل يُسمع، واشفع تشفَّع، وسل تعطه، قال: فأرفع رأسي، فأثني على ربي بثناء وتحميد يعلمنيه، قال: ثم أشفع فيحد لي حدًّا، فأخرج فأدخلهم الجنة، قال قتادة: وقد سمعته يقول: فأخرجهم 3 من النار وأدخلهم الجنة، حتى لا يبقى 4 في النار إلا من حبسه القرآن"؛ أي: قد 5 وجب عليه الخلود، قال: ثم تلا هذه الآية: ﴿عَسَى أَنْ يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقَامًا مَحْمُودًا﴾ [الإسراء: 79]، قال: "وهذا المقام المحمود 6 الذي وعده نبيكم -صلى اللَّه عليه وسلم-".
3165 - وعن عدي بن حاتم قال: قال رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم-: "ما منكم من أحد إلا سيكلمه ربه ليس بينه وبينه تَرْجُمان ولا حجاب يحجبه".
(9) باب للَّه تعالى مشيئة وإرادة
لقوله تعالى: ﴿تُؤْتِي الْمُلْكَ مَنْ تَشَاءُ وَتَنْزِعُ الْمُلْكَ مِمَّنْ تَشَاءُ وَتُعِزُّ مَنْ تَشَاءُ وَتُذِلُّ مَنْ تَشَاءُ﴾ [آل عمران: 26]، ولقوله: ﴿وَمَا تَشَاءُونَ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ﴾ [التكوير: 29]، ولقوله: ﴿إِنَّمَا قَوْلُنَا لِشَيْءٍ إِذَا أَرَدْنَاهُ أَنْ نَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾ [النحل: 40]، ولقوله: ﴿يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلَا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ﴾ [البقرة: 185].
3166 - وعن أبي هريرة: عن النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- قال: "اختصمت الجنة والنار إلى ربهما، فقالت الجنة: يا رب! ما لها لا يدخلها إلا ضعفاء الناس وسقطهم، وقالت النار ذلك 1، فقال للجنة: أنت رحمتي، وقال للنار: أنت عذابي، أصيب بك من أشاء، ولكل واحدة منكما ملؤها، قال: (1) في "صحيح البخاري": "وقالت النار؛ يعني أوثرت بالمتكبرين، فقال".
3165 - خ (4/ 393)، في الكتاب والباب السابقين، من طريق الأعمش، عن خيثمة، عن عدي بن حاتم به، رقم (7443).
3166 - خ (4/ 394 - 395)، (97) كتاب التوحيد، (25) باب ما جاء في قول اللَّه تعالى: ﴿إِنَّ رَحْمَتَ اللَّهِ قَرِيبٌ مِنَ الْمُحْسِنِينَ﴾، من طريق صالح بن كيسان، عن الأعرج، عن أبي هريرة به، رقم (7449).
فأما الجنة، فإن اللَّه لا يظلم من خلقه أحدًا، وإنه ينشئ للنار من يشاء، فيلقون فيها، فتقول: هل من مزيد، (ويلقون فيها وتقول: هل من مزيد) (1) ثلاثًا، حتى يضع قدمه فيها 2 فتمتلئ، ويَرد بعضها إلى بعض، وتقول: قط قط".
3167 - وعنه: أن رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- قال: "مثل المؤمن كمثل خامة الزرع يَفِيءُ وَرَقُهُ، من حيث أتتها 3 الريح تُكَفِّئُهَا، فإذا سكنت اعتدلت، وكذلك المؤمن يُكَفَّأُ بالبلاء، ومثل الكافر كمثل الأَرْزَةِ، صَمَّاء معتدلة حتى يقصمها اللَّه إذا شاء"، وقد تقدم.
قد تقدم أيضًا 4 أن اللَّه تعالى أنزل على نبيه -صلى اللَّه عليه وسلم- عند موت أبي طالب: ﴿إِنَّكَ لَا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ﴾ [القصص: 56].
- تنبيه: قيل في قوله: "حتى يضع قدمه فيها"؛ أي: عليها، استعارة عن تذليلها؛ أي: ذلَّلها عند طغيانها، كما يذل مَن وضع عليه القدم، واللَّه أعلم، والتسليم أسلم.
(10) باب في قوله تعالى: ﴿وَلَا تَنْفَعُ الشَّفَاعَةُ عِنْدَهُ إِلَّا لِمَنْ أَذِنَ لَهُ حَتَّى إِذَا فُزِّعَ عَنْ قُلُوبِهِمْ قَالُوا مَاذَا قَالَ رَبُّكُمْ﴾ [سبأ: 23]، ولم يقل: ماذا خلق ربكم؟
وقال مسروق 1، عن عبد اللَّه: إذا تكلم اللَّه بالوحي سمع أهل السموات، حتى إذا فُزِّع 2 عن قلوبهم، وسكن الصوت، عرفوا أنه الحق، ونادوا 3: ماذا قال ربكم؟ قالوا: الحق.
ويذكر عن جابر بن عبد اللَّه، عن عبد اللَّه بن أُنيس: سمعت النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- يقول: "يحشر اللَّه العباد فيناديهم بصوت يسمعه من بَعُد كما يسمعه من قَرُب: أنا الملك، أنا الدَّيَّان".
- تنبيه: هذان الحديثان غير صحيحين، كلاهما مُعَلَّق مقطوع، والأول موقوف، فلا يعتمد عليهما في كون اللَّه متكلمًا بصوت، فإن كلامه الذي هو صفته مُنَزَّهٌ عن الحروف والأصوات التي يعبر عنه بالحروف والأصوات، كما دلَّتْ عليه الأدلة القاطعة.
3168 - وعن أبي هريرة -يبلغ به النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- قال: "إذا قضى اللَّه الأمر في السماء، ضربت الملائكة بأجنحتها خضعانًا لقوله، كأنه سلسلة على صفوان".
قال عليٌّ: وقال سفيان (1): صفوان يَنْفُذُهم ذلك: "فإذا فُزِّع عن قلوبهم قالوا: ماذا قال ربكم؟ قالوا (للذي قال) (2): الحق وهو العليُّ الكبير".
(11) باب وكلَّم اللَّه موسى تكليمًا، وتكلم اللَّه مع نبينا من غير واسطة، فقد سمع ما سمع موسى صلوات اللَّه عليهما
وقد تقدم قول آدم لموسى (3): "أنت موسى الذي اصطفاك اللَّه برسالته وبكلامه".
3169 - عن شَرِيك بن عبد اللَّه، عن أنس قال: سمعت رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم-12
يقول -ليلة أُسْرِي برسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- من مسجد الكعبة-: إنه جاءه ثلاثة نفر قبل أن يوحى إليه وهو نائم في المسجد الحرام، فقال أولهم: أيّهُمْ هو؟ فقال أوسطهم: هو خيرهم، فقال آخرهم 1: خذوا خيرهم -وكانت تلك الليلة، فلم يرهم حتى أتوه ليلة أخرى فيما يرى قلبه 2، وتنام عينه، ولا ينام قلبه، وكذلك الأنبياء تنام أعينهم ولا تنام قلوبهم، فلم يكلموه حتى حملوه، فوضعوه 3 عند زمزم 4، فتولاه منهم جبريل، فشق جبريل ما بين نحره إلى لَبَّتِهِ، حتى فرغ عن صدره 5 وجوفه 6، ثم أتى بطست من ذهب 7 مَحْشُوًّا إيمانًا وحكمة، فحشا به صدره ولغاديده؛ يعني عروق حلقه، ثم أطبقه، ثم عرج به إلى السماء 8، فضرب بابًا من أبوابها، فناداه أهل السماء: من هذا؟ فقال: جبريل، قالوا: ومن معك؟ قال: معي محمد، قال: وقد
بُعِثَ؟ قال: نعم، قالوا: مرحبًا 1 به وأهلًا، فيستبشر به أهل السماء، لا يعلم أهل السماء ما يريد اللَّه به في الأرض حتى يعلمهم، فوجد في السماء الدنيا آدم، فقال له جبريل: هذا أبوك، فسلِّم عليه، فسَلَّم عليه، وردَّ عليه آدم وقال: مرحبًا وأهلًا يا بُنَيَّ! نِعْمَ الابنُ أنت، فإذا هو في السماء الدنيا، فإذا هو 2 بنَهْرَيْن يَطَّرِدَان، فقال: ما هذان النهران يا جبريل؟ قال: هذا النيل والفرات عنصرهما، ثم مضى به في السماء، فإذا هو 3 بنهر آخر عليه قصر من لؤلؤ وزبرجد، فضرب يده فإذا هو مِسْكٌ أذفر، قال: ما هذا يا جبريل؟ قال: هذا الكوثر الذي خبَّأ لك ربك.
ثم عرج به إلى السماء الثانية، فقالت الملائكة له مثل ما قالت له الأولى: من هذا؟ قال: جبريل، قالوا: ومن معك؟ قال: محمد 4، قالوا: وقد بُعث إليه؟ قال: نعم، قالوا: مرحبًا به وأهلًا، ثم عرج به إلى السماء الثالثة، وقالوا له مثل ما قالت الأولى والثانية، ثم عرج به إلى السماء 5 الرابعة، فقالوا له مثل ذلك، ثم عرج به إلى السماء (الخامسة، فقالوا مثل ذلك، ثم عرج به إلى) 6 السادسة، فقالوا له مثل ذلك، ثم عرج به إلى السماء السابعة، فقالوا
له مثل ذلك، كل سماء فيها أنبياء قد سَمَّاهم، فوعيت منهم، إدريس في الثانية، وهارون في الرابعة، وآخر في الخامسة لم أحفظ اسمه، وإبراهيم في السادسة، وموسى في السابعة، بتفضيل كلام اللَّه 1، فقال موسى: رب لم أظن أن ترفع عليَّ أحدًا، ثم علا به فوق ذلك مما لا يعلمه إلا اللَّه حتى جاء سدرة المنتهى، ودنا الجبار رب العزة فتدلى حتى كان قاب 2 قوسين أو أدنى، فأوحى اللَّه فيما يوحي إليه خمسين 3 صلاة على أمتك كل يوم وليلة، ثم هبط حتى بلغ موسى، فاحتبسه موسى، فقال: يا محمد! ماذا عهد إليك ربك؟ قال: عهد إليَّ خمسين صلاة كل يوم وليلة، قال: إن أمتك لا تستطيع ذلك، فارجع فليخفف عنك ربك وعنهم، فالتفت النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- إلى جبريل (كأنه يستشيره في ذلك، فأشار إليه جبريل) 4 أَنْ نعم، إن شئت، فعلا به إلى الجبار تعالى، فقال وهو مكانه: يا رب! خفِّف عنا؛ فإن أمتي لا تستطيع هذا، فوضع عنه عشر صلوات، ثم رجع إلى موسى فاحتبسه، فلم يزل يردُّه موسى إلى ريه حتى صارت خمس صلوات، ثم احتبسه موسى عند الخمس، فقال: واللَّه يا محمد لقد راودت بني إسرائيل قومي على أدنى من هذا فضعفوا وتركوه، وأمتك أضعف أجسادًا وقلوبًا وأبدانًا وأسماعًا وأبصارًا 5، فارجع فليخفف
عنك ربك، كلُّ ذلك يلتفت النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- إلى جبريل ليشير عليه، ولا يكره ذلك جبريل، فرفعه عند الخامسة فقال: يا رب! إن أمتي ضعفاء أجسادهم وقلوبهم وأسماعهم وأبصارهم 1 وأبدانهم، فَخَفِّفْ عَنَّا، فقال الجبار: يا محمد! قال: لبيك وسعديك، قال: إنه لا يبدل القول لَدَيّ مما 2 فرضته عليك في أم الكتاب، فكل حسنة بعشر أمثالها، فهي خمسون في أم الكتاب، وهي خمس عليك، فرجع إلى موسى فقال: كيف فعلتَ؟ فقال: خفَّف عنا، أعطاني بكل حسنة عشر أمثالها، قال موسى: قد واللَّه رادوت بني إسرائيل على أدنى من ذلك فتركوه، فارجع إلى ربك فليخفف عنك أيضًا، قال رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم-: يا موسى! قد -واللَّه- استحييت من ربي مما أختلف 3 إليه، قال: فاهبط باسم اللَّه، قال: فاستيقظ وهو في المسجد الحرام 4.
- تنبيه: هذه الرواية لهذا الحديث هي من رواية شَرِيك عن أنس، وقد خلط فيها ما شاء، وذكر ألفاظًا منكرة، وقدَّم وأَخَّر، ووضع الأنبياء في غير مواضعهم من السموات، وقد خالفه الثقات الحفاظ عن أنس، وقد رواه قتادة عن أنس وأتى به مُخَلَّصًا من ذلك مرتَّبًا 5 على ما تقدَّم في المعراج، وكذلك رواه مسلم من حديث ثابت، عن أنس مخلصًا على نحو
رواية قتادة، فلتتمسك برواية هذين الإمامين عن أنس، ولا تعوِّل على ما فيها؛ أعني: رواية شريك، واللَّه أعلم (1).
(12) باب في قوله تعالى: ﴿فَلَا تَجْعَلُوا لِلَّهِ أَنْدَادًا وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ [البقرة: 22] وقوله: ﴿وَتَجْعَلُونَ لَهُ أَنْدَادًا ذَلِكَ رَبُّ الْعَالَمِينَ﴾ [فصلت: 9]
3170 - عن عبد اللَّه بن مسعود قال: سألت النبي -صلى اللَّه عليه وسلم-: أي الذنب أعظم عند اللَّه؟ قال: "أن تجعل للَّه نِدًّا وهو خلقك"، قلت: إن ذلك لعظيم، قلت: ثم أيُّ؟ قال: "أن تقتل ولدك مخافة أن يطعم معك"، قلت: ثم أيُّ؟ قال: "أن تزاني حليلة 2 جارك".
-
- *1
(13) باب ﴿يَاأَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ وَإِنْ لَمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ﴾ [المائدة: 67]
قال الزهري (1): على اللَّه الرسالة، وعلى الرسول البلاغ، وعلينا التسليم.
3171 - وعن عائشة قالت: من حدثك أن النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- كتم شيئًا من الوحي فلا تصدقه، إن اللَّه تعالى يقول: ﴿يَاأَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ﴾ (2) الآية.
(14) باب في رواية النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- عن ربه تعالى
3172 - عن أبي هريرة: عن النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- يرويه عن ربكم- قال: "لكل1
عمل كفارة، والصوم لي وأنا أجزي به، ولَخُلُوف فم الصائم أطيب عند اللَّه من رائحة (1) المسك".
3173 - وعن ابن عباس: عن النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- فيما يرويه عن ربه- قال: "لا ينبغي لعبد أن يقول: أنا (2) خير من يونس بن مَتَّى"، ونسبه إلى أبيه.
وعن أنس: عن النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- فيما يروبه عن ربه عز وجل- قال: "إذا تقرب العبد إليَّ شبرًا، تقربتُ إليه ذراعًا.
. . " الحديث على ما تقدم ذكره (3).
(15) باب في قوله تعالى: ﴿فَاقْرَءُوا مَا تَيَسَّرَ مِنْهُ﴾ [المزمل: 20]، ﴿وَلَقَدْ يَسَّرْنَا الْقُرْآنَ لِلذِّكْرِ﴾ [القمر: 17]؛ أي: هيَّأناه، ومنه: "كل مُيَسَّر لما خلق له"؛ أي: مُهَيَّأ
3174 - وعن المِسْوَر بن مخرمة وعبد الرحمن بن عبد القاري: أنهما12
سمعا عمر بن الخطاب يقول: سمعت هشام بن حكيم يقرأ سورة الفرقان في حياة رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم-، فاستمعت لقراءته، فإذا هو يقرأ على حروف كثيرة لم يُقرِئنِيها رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم-، فكدت أساوره في الصلاة، فتصبَّرت حتى سَلَّم، فلببته بردائه فقلت: من أقرأك هذه السورة التي سمعتك تقرأ؟ فقال: أقرأنيها رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم-، فقلت: كذبت، أقرأنيها على غير ما قرأت، فانطلقت به أقوده إلى رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم-، فقلت: إني سمعت هذا يقرأ سورة الفرقان على حروف لم تُقْرِئنِيها، فقال: "أَرْسِلْهُ، اقرأ يا هشام"، فقرأ القراءة التي سمعته، فقال رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم-: "كذا أُنزلت"، ثم قال رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم-: "اقرأ يا عمر"، فقرأت (الذي أقرأني) 1، فقال: "كذلك أُنزلت"، (ثم قال رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم-) 2: "هذا القرآن أنزل على سبعة أحرف، فاقرؤوا ما تيسَّر منه".
3175 - وعن عمران بن حصين قال: قلت: يا رسول اللَّه! فيم يعمل العاملون؟ قال: "كلٌّ مُيَسَّرٌ لما خُلِقَ له".
وعن عليٍّ نحوه 3.
(16) باب قوله تعالى: ﴿وَاللَّهُ خَلَقَكُمْ وَمَا تَعْمَلُونَ﴾ [الصافات: 96] وقوله: ﴿إِنَّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْنَاهُ بِقَدَرٍ﴾ [القمر: 49]
وقال: ﴿إِنَّ رَبَّكُمُ اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ﴾ إلى ﴿تَبَارَكَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ﴾ [الأعراف: 54].
وقال ابن عيينة 1: بيَّن اللَّه الخلق من الأمر بقوله: ﴿أَلَا لَهُ الْخَلْقُ وَالْأَمْرُ﴾ [الأعراف: 54]، وقد سمَّى النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- الإيمان والجهاد عملًا كما تقدم في حديث أبي ذر 2.
وقال النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- للأشعريين: "ما أنا حملتكم، ولكن اللَّه حملكم"، وقد تقدم 3.
قلت: وأوضح من هذا كله قوله تعالى: ﴿وَمَا رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ رَمَى﴾ [الأنفال: 17]، وقوله: ﴿وَمَا تَشَاءُونَ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ﴾ [التكوير: 29]، فنسب لخلقه فعلًا ونفى عنهم الاستقلال به، وهو المطلوب منها، واللَّه الموفق.
(17) باب قوله: ﴿وَنَضَعُ الْمَوَازِينَ الْقِسْطَ لِيَوْمِ الْقِيَامَةِ﴾ [الأنبياء: 47] وأن أعمال العبد وأقوالهم توزن
وقال مجاهد 1: القسطاس: العدل بالرومية، ويقال: القِسْط مصدر المُقْسِط، وهو العادل، وأما القاسط فهو الجائرُ.
3176 - وعن أبي هريرة قال: قال النبي -صلى اللَّه عليه وسلم-: "كلمتان حبيبتان إلى الرحمن، خفيفتان على اللسان، ثقيلتان في الميزان: سبحان اللَّه وبحمده، سبحان اللَّه العظيم".
- تنبيه: الموزون الصحائف المكتوب فيها الإيمان، كما نصَّ عليه النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- فيما خرَّجه الترمذي في كتابه في حديث السِّجِلَّات 2. كمل الكتاب المبارك بحمد اللَّه وحُسن عونه، وصلى اللَّه على سيدنا ونبينا ومولانا محمد وآله وصحبه من بعده.