اختصار صحيح البخاري وبيان غريبهصفحات 14-53

باب تسمية الفَرَس باسم عَلَمٍ، وينفي (1) من الشؤم فيها، والقَسْمِ لها

صفحات 14-53

وأُتِيَ بالعبَّاسِ، ولم يكن عليه ثوب، فنظر النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- له قميصًا، فوجدوا قميص عبد اللَّه بن أبي يَقْدُرُ عليه، فكساه النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- إياه؛ فلذلك نزع النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- قميصه الذي ألبسه.
قال ابن عُيَيْنَةَ: كانت له عند النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- يَدٌ فَأَحَبَّ أن يكافئه.
1 - وعن محمد بن جُبَيْر بن مُطْعِم، عن أبيه: أن النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- قال في أُسَارَى بدر: "لو كان المُطْعَمُ بن عَدِيٍّ حيًّا، ثم كلمني في هؤلاء النَتْنَى لتركتهم له".
2 - وعن عكرمة: أنَّ عليًّا حرَّق قومًا، فبلغ ابن عباس، فقال: لو كنت أنا لم أحرقهم؛ لأن النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- قال: "لا تُعَذِّبُوا بعذاب اللَّه"، ولقتلتهم كما قال النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- "من بَدَّلَ دِينَهُ فاقتلوه".
3 - وعن أبي هريرة قال: سمعت رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- يقول "قَرَصَتْ نملةٌ نَبِيًّا من الأنبياء، فأمر بقرية النمل فأحرقت، فأوحى اللَّه إليه أَنْ قَرَصَتْكَ نملةٌ أحرقت أُمَّةً من الأمم تُسَبِّحُ".
4 - وعن أنس بن مالك: أن رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- دخل عام الفتح وعلى

رأسه المِغْفَرُ، فلما نزعه جاء رجل فقال: إنَّ ابن خَطَلٍ متعلقٌ بأستار الكعبة، قال: "اقتلوه".


(34) باب النهي عن تمني لقاء العدو، والأمر بالصبر عند اللقاء، والحرب خُدعَة، وإعمال الحِيلَةِ في قتل العدو

1433 - عن عبد اللَّه بن أبي أَوْفَى: أنَّ رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- في بعض أيامه التي لقي فيها العدو 1 انتظر حتى مالت الشمس، ثم قام في الناس وقال 2: "أيها الناس 3! لا تتمنوا 4 لقاء العدو، وسَلُوا اللَّه العافية، فإذا لقيتموهم فاصبروا، واعلموا أن الجنة تحت ظلال السيوف، ثم قال: اللهم مُنْزِلَ الكتاب، ومُجْرِي السحاب (5)، وهازم الأحزاب!

اهزمهم وانصرنا عليهم".
1434 - وفي الباب: عن أبي هريرة.
1435 - وعن جابر بن عبد اللَّه قال: قال النبي -صلى اللَّه عليه وسلم-: "الحرب خَدْعَة".
1436 - ونحوه عن أبي هريرة.
1437 - وعن جابر بن عبد اللَّه: أن رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- قال: "مَنْ لكعبِ ابن الأَشْرَفِ؛ فإنه قد آذى اللَّه ورسوله؟ "، قال محمد بن مَسْلَمَة: أتحب أن أَقْتُلَهُ يا رسول اللَّه؟ قال: "نعم" -في رواية (1): فَأذَنْ لي فأقول قال: "قد فعلت"- قال: فأتاه فقال: إنَّ هذا -يعني: النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- قد عَنَّانا وسألنا الصدقة، قال: (1) خ (2/ 366)، (56) كتاب الجهاد والسير، (159) باب الفتك بأهل الحرب، من طريق عبد اللَّه بن محمد، عن سفيان، عن عمرو، عن جابر به، رقم (3032). 1434 - خ (2/ 365)، في الكتاب والباب السابقين، من طريق مغيرة بن عبد الرحمن، عن أبي الزناد، عن أبي هريرة به، ولفظه "لا تمنوا لقاء العدو، فإذا لقيتموهم فاصبروا"، رقم (3026). 1435 - خ (2/ 366)، (56) كتاب الجهاد والسير، (157) باب الحرب خدعة، من طريق ابن عيينة، عن عمرو، عن جابر بن عبد اللَّه به، رقم (3030). 1436 - خ (2/ 366)، في الكتاب والباب السابقين، من طريق معمر، عن همام بن مُنيَّه، عن أبي هريرة به، ولفظه: قال -أي: أبو هريرة-: سمى النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- الحرب خدعة، رقم (3029). 1437 - خ (2/ 366)، (56) كتاب الجهاد والسير، (158) باب الكذب في الحرب، من طريق قتيبة بن سعيد، عن سفيان، عن عمرو بن دينار، عن جابر بن عبد اللَّه به، رقم (3031).

وأيضًا واللَّه لَتُمَلُّنَّهُ (1). قال (2): فإنَّا قد (3) اتَّبَعْنَاهُ، فنكره أن ندعَه حتى ننظرَ إلى ما يصير إليه (4) أمره، قال: فلم يزل يكلمه حتى استمكن منه فقتله.
الغريب: "خَدْعة": فصيحها بفتح الخاء وسكون الدال؛ أي: المصدر؛ أي: ذات خداع، ويروى بضم الخاء وفتح الدال وسكونها، ويجري.
هذأ بمجرى هزْأة وهُزَأة، فالسكون للمفعول، والفتح للفاعل.


(35) باب ما يكره من التنازع والاختلاف في الحرب، وعقوبة من عصى إمامه. وقال اللَّه -عز وجل-: ﴿وَلَا تَنَازَعُوا فَتَفْشَلُوا وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ﴾ [الأنفال: 46].

1438 - عن سعيد بن أبى بُردة، عن أبيه، عن جده: أن النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- بعث1234

معاذًا وأبا موسى إلى اليمن، فقال: "يَسِّرَا ولا تُعَسِّرَا، وبَشِّرا ولا تُنَفِّرا، وتطاوعا ولا تختلفا".
1439 - وعن أبي إسحاق -هو السبيعي- قال: سمعت البَرَاء بن عازب يحدث، قال: جعل النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- على الرَّجَّالةِ يوم أُحد -وكانوا خمسين رجلًا- عبد اللَّه بن جُبَيْرٍ، فقال: "إن رأيتمونا تَخْطَفُنا الطيرُ، فلا تبرحوا مكانكم هذا حتى أُرْسِل إليكم، وإن رأيتمونا هزمنا القوم وأَوْطَأنَاهُمْ، فلا تبرحوا حتى أرسل إليكم"، فهزمهم 1، قال: فأنا واللَّه رأيت النساء يَشْدُدْنَ قَدْ بَدَتْ خَلَاخيلُهن 2 وأَسُوقُهِنَّ رافعات ثيابهن، فقال أصحاب عبد اللَّه بن جبير: الغنيمةَ أَيْ قوم 3! ظهر أصحابكم فما تنتظرون؟ فقال عبد اللَّه بن جبير: أنسيتم ما قال لكم رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم-؟ قالوا: واللَّه لنأتين الناس، فلنُصِيبَنَّ من الغنيمة، فلما أتوهم صُرِفَتْ وجوههم، فأقبلوا منهزمين، فذاك إذ يدعوهم الرسول في أُخْرَاهم، فلم يبق مع النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- غير اثني عشر رجلًا، فأصابوا منا سبعين، وكان النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- وأصحابه أصابوا من المشركين يوم بدر أربعين ومئة، سبعين أسيرًا 4 وسبعين قتيلًا، فقال أبو سفيان: أفي القوم محمد؟ ثلاث مرات فنهاهم النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- أن يجيبوه، ثم قال: أفي القوم ابن

أبي قُحَافَة؟ ثلاث مرات.
ثم قال: أفي القوم ابن الخطاب؟ ثلاث مرات، ثم رجع إلى أصحابه فقال: أما هؤلاء فقد قُتِلُوا، فما ملك عمر نفسه، فقال: كذبت واللَّه يا عدو اللَّه، إن الذين عَدَدتَ لأحياء كلهم، وقد بقي لك ما يَسُوؤك، قال: يومٌ بيومِ بَدْرٍ والحرب سِجَالٌ، قال (1): إنكم ستجدون في القوم مُثْلَةً لم آمر بها ولم تسؤني، ثم أخذ يرتجز: اعْلُ هُبَل اعْلُ هبل، فقال (2) النبي -صلى اللَّه عليه وسلم-: "ألا تجيبوه (3)؟ " قالوا: يا رسول اللَّه! ما نقول؟ قال: "قولوا: اللَّه أعلى وأَجَلُّ"، قال: إن لنا العُزَّى ولا عُزَّى لكم، فقال النبي -صلى اللَّه عليه وسلم-: "ألا تجيبوه (4)؟ " قالوا: يا رسول اللَّه! ما نقول؟ قال: "قولوا له (5): اللَّه مولانا ولا مولى لكم".


(36) باب هل يستأسر الرجل عند الغلبة، ووجوب فك الأسير المسلم

1440 - عن أبي هريرة قال: بعث رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- عشرةَ رَهْطٍ سرية12345

عَيْنًا، وأَمَّرَ عليهم عاصمَ بن ثابت الأنصاري جدَّ عاصم بن عمر بن الخطاب، فانطلقوا حتى إذا كانوا بالهدَأَةِ -وهو بين عُسْفَان ومكة- ذُكِرُوا لحَيٍّ من هُذَيْل يقال لهم: بنو لَحْيَان، فنفروا له قريبًا من مئتي رجل كلهم رَامٍ، فاقْتَصُّوا آثارهم حتى وجدوا مأكلهم تمرًا تزودوه من المدينة، فقالوا: هذا تمر يثرب، فاقتصوا آثارهم، فلما راهم عاصم وأصحابه، لَجَؤوا إلى فَدْفَدٍ، وأحاط بهم القوم، فقالوا 1: انزلوا فيعطونا بأيديكم ولكم العهد والميثاق لا نقَتل 2 منكم أحدًا، فقال عاصم بن ثابت أمير السرية: أما أنا فواللَّه لا أنزل اليوم في ذمة كافرٍ، اللهم أخبر عَنَّا نبيك، فرموهم بالنبل، فقتلوا عاصمًا في سبعة، فنزل إليهم ثلاثة رهط بالعهد والميثاق منهم خُبَيْبُ الأنصاري وابن دَثِنَة ورجل آخر، فلما استمكنوا منهم أَطْلَقُوا أوتار قِسِيِّهم فأوثَقُوهم، فقال الرجل الثالث: هذا أول الغدر، واللَّه لا أصحبكم، إنَّ في هؤلاء 3 لأسوة -يريد القتلى- فجَرَّروه 4 وعالجوه على أن يصحبهم فأبى 5 فقتلوه، فانطلقوا بخبيب وابن دثنة حتى باعوهما بمكة بعد وقيعة بدر، فابتاع خبيبا بنو الحارث بن عامر

ابن ربيعة بن عبد مناف 1، وكان خبيب عندهم أسيرًا، فأخبرني عبيد اللَّه بن عياض: أن بنت الحارث أخبرته أنهم حين اجتمعوا استعار منها مُوسَى يستحد بها فأعارته، فأخذ ابنًا في وأنا غافلة حتى أتاه، قالت: فوجدته مُجْلِسَهُ على فخذه، والموسى بيده، ففزعت فَزْعَةً عرفها خبيب في وجهي، قال: تَخْشَيْنَ أن أقتله؟ ما كنت لأفعل ذلك، واللَّه ما رأيت أسيرًا خيرًا 2 من خبيب، واللَّه لقد وجدته يومًا يأكل من قِطْفِ عِنَبٍ في يده وإنه لمُوثَق في الحديد وما بمكة من ثمر، وكانت تقول: إنه لرزق رزقه اللَّه خبيبًا 3، فلما خرجوا من الحَرَمِ ليقتلوه في الحل، قال لهم 4 خبيب: ذروني أركع ركعتين، فتركوه، فركع ركعتين، ثم قال: لولا أن تظنوا أن ما بي جَزَع لطولتها 5، اللهم أَحْصِهم عَدَدًا.
ولست أبالي 6 حين أقتل مسلمًا ... على أيِّ شِقٍّ كان للَّه مَصْرَعي وذلك في ذات الإله وإن يَشَأْ ... يُبَارِك على أَوْصَالٍ شِلْوٍ مُمَزَّعِ فقتله ابن الحارث، فكان خبيب هو سَنَّ الركعتين لكل امرئ مسلم قُتِلَ صَبرًا، فاستجاب اللَّه لعاصم بن ثابت يوم أصيب، فأخبر النبيُّ -صلى اللَّه عليه وسلم- أصحابَه

خبرَهم يوم أُصيبوا، وبعث ناسٌ من كفار قريش إلى عاصم حين حدثوا أنه قُتِلَ ليؤتوا بشيء منه يُعرَفُ، وكان قد قتل رجلًا من عظمائهم يوم بدر، فبعث اللَّه على عاصم مِثلَ الظُّلَّةِ من الدَّبْرِ فَحَمَتْهُ من رسولهم، فلم يقدروا أن يقطعوا من لحمه شيئًا.
1441 - وعن أبي موسى قال: قال النبي -صلى اللَّه عليه وسلم-: "فُكُّوا العَانِي -أي الأسير- وأَطْعِمُوا الجَائِعَ، وعُودُوا المريض".
1442 - وعن أبي جُحَيْفَة قال: قلت لعليٍّ -رضي اللَّه عنه-: هل عندكم شيء من الوحي إلا ما في كتاب اللَّه؟ قال: لا والذي فلق الحَبَّة وبَرَأَ النَّسَمَة، ما أعلمه إلا فَهم (1) يعطيه اللَّه رجلًا في القرآن، وما في هذه الصحيفة، قلت: وما في الصحيفة؟ قال: العَقْلُ، وفكاك الأسير، وأن لا يُقْتَلُ مسلمٌ بكافر.
الغريب: "الشِّق": الجانب.
و"الشِلْو": بقية الجسم.
و"ممزَّع": مُقَطَّع.
و"صبرًا": أي: مصبورًا؛ أي: محبوسًا للقتل.
"الظُّلَّةُ": السحابة القريبة من الرأس كأنها تظله.
"الدَّبْر": الزنانير.
و"حمته": منعته.

    • (1) في "صحيح البخاري": "إلا فَهْمَا.
      . . ". 1441 - خ (2/ 372)، (56) كتاب الجهاد والسير، (171) باب فكاك الأسير، من طريق جرير، عن منصور، عن أبي وائل، عن أبي موسى به، رقم (3046)، أطرافه في (5174، 5373، 5649، 7173). 1442 - خ (2/ 372)، في الكتاب والباب السابقين، من طريق زهير، عن مُطَرِّف، عن عامر، عن أبي جحيفة به، رقم (3047).

(37) باب كيف يُعرَضُ الإسلام على الصبي؟

1443 - عن سالم بن عبد اللَّه بن عمر، عن أبيه: أنه أخبره أن عمر انطلق في رَهْطٍ من أصحاب النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- مع النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- قِبَل ابن صَيَّاد، حتى وجدوه يلعب مع الغِلمان عند أُطُمِ بني مَغَالَةَ، وقد قارب يومئذ ابنُ صياد يحتلم، فلم يشعر حتى ضرب النبيُّ -صلى اللَّه عليه وسلم- ظهرَه بيده، ثم قال النبي -صلى اللَّه عليه وسلم-: "أتشهد أني رسول اللَّه؟ "، فنظر إليه ابن صياد فقال: أشهد أنك رسول الأُمِّيين، قال ابن صياد للنبي -صلى اللَّه عليه وسلم-: أتشهد أني رسول اللَّه؟ قال له النبي -صلى اللَّه عليه وسلم-: "آمنت باللَّه ورسوله" 1، قال النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- "ماذا ترى؟ "، قال ابن صياد: يأتيني صادق وكاذب، قال النبي -صلى اللَّه عليه وسلم-: "خُلِطَ عليك الأَمْرُ"، قال النبي -صلى اللَّه عليه وسلم-: "إني قد خَبَّأتُ لك خَبأً 2 "، قال ابن صياد: هو الدُّخُّ، قال النبي -صلى اللَّه عليه وسلم-: "اخْسَأْ، فلن تَعْدُوَ قَدْرَكَ"، قال عمر: يا رسول اللَّه! ائذن لي أضرب عنقه 3، قال النبي -صلى اللَّه عليه وسلم-: "إن يكن هو فلن 4 تُسَلَّطَ عليه، وإن لم يكن هو فلا

خير لك في قتله".
قال ابن عمر: انطلق النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- وأبي بن كعب يأتيان النخل الذي فيه ابن صياد، حتى إذا دخل النخل طَفِقَ النبيُّ -صلى اللَّه عليه وسلم- يتقي بجذوع النخل وهو يَخْتِلُ أن يسمعَ من ابن صياد شيئًا قبل أن يراه، وابن صياد مضطجع على فراشه في قطيفة له فيها رَمْزَةٌ، فرأت أمُّ ابن صياد 1 النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- وهو يتقي بجذوع النخل، فقالت لابن صياد: أَيْ صافِ -وهو اسمه- فثار ابنُ صياد، فقال النبي -صلى اللَّه عليه وسلم-: "لو تركته بَيّنَ".
وقال سالم: قال ابن عمر: ثم قام النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- في الناس، فأثنى على اللَّه بما هو أهله، ثم ذكر الدجال، فقال: "إني أنذركموه، وما من نبي إلا قَدْ أَنْذَرَهُ قومَه، لقد أنذره نوح قومَه، ولكن سأقول لكم فيه قولًا لا يقله 2 نبي لقومه: تعلمون أنه أعور وإن اللَّه ليس بأعور".
الغريب: "ابن صياد": هذا غلام من اليهود، وكان يتكهن أحيانًا فَيَصْدُق ويَكْذِب، فشاع حديثه، وتحدث الناس أنه الدجال، ولم يبين اللَّه لنبيه -صلى اللَّه عليه وسلم- شيئًا من ذلك، فاشكل أمرُهُ، فأخذ النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- يسلك طرقًا يختبر حاله بها، كما ذكر في هذا الحديث وفي غيره، وقد أشكل أمره على ابن عمر وأبي سعيد وغيرهما من الصحابة كما في "كتاب مسلم" وغيره.
وقوله عليه السلام: "خُلِّطَ عليك"؛ أي: الشيطان أتى خلط عليه الحق

بالباطل على عادة الكهان.
وقوله عليه السلام: "خَبَّأْتُ لك خَبْأ" قيل: إنه معناه: أن النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- أضمر له في نفسه: ﴿فَارْتَقِبْ يَوْمَ تَأْتِي السَّمَاءُ بِدُخَانٍ مُبِينٍ﴾ [الدخان: 10]، و (الدُّخُّ) لغة في الدخان.
و"يَخْتِل": يَتَحَيَّل.
و"القَطِيفَةُ": كساء من صوف غليظ له خَمَل؛ أي: زبير، ووقع هنا "رمزة" براء وزاي، من الرمز، وهو الصوت الخفي هنا الذي يَرمزُ إلى المعنى؛ أي: يشير إليه.
وفي "كتاب مسلم": (رمرمة) و (زمزمة) برائين وبزائين، وهما متقاربان في المعنى، ويعني به -واللَّه أعلم-: صوت النائم المُواجَع.


(38) باب قول النبي -صلى اللَّه عليه وسلم-: "نُصِرْتُ بالرُّعْبِ"، وقول اللَّه تعالى: ﴿سَنُلْقِي فِي قُلُوبِ الَّذِينَ كَفَرُوا الرُّعْبَ﴾ [آل عمران: 151]

وقد تقدم في حديث هرقل 1 قول أبي سفيان: لقد أَمِرَ أَمْرُ ابن أبي كَبْشَةَ؛ إنه ليخافه مَلِكُ بني الأصفر.

1444 - عن أبي هريرة: أن رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- قال: "بُعِثْتُ بجوامع الكَلِمِ، ونُصِرْتُ بالرُّعب، وبَيْنَا أنا نائم أُتِيتُ (1) بمفاتيح خزائن الأرض، فوضعت في يدي"، قال أبو هريرة: فذهب رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- وأنتم تَنْتَثِلُونها.
الغريب: "أَمِرَ": علا وكثر.
و"أبو كبشة": جدُّ النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- لأُمِّهِ، واسمه: وهب، وقد تقدم (2). و"بنو الأصفر": الروم، نسبوا إلى الأصفر بن الروم.
و"جوامع الكلم": هي الكلمات الوجيزة المشتملة على حِكَم كثيرة، وفوائد عظيمة، كما جاء ذلك في الكتاب والسُّنَّة.
و"الرعب": الفزع.
و"تَنْتَثِلُونها": تستخرجون ما فيها.


(39) باب إمداد الإمام بالمدد وكتبه للناس، ومن تأمَّرَ عند الضرورة من غير تَأْمِير

1445 - عن أنس: أن النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- أتاه رِغلٌ وذكوان وعُصَيَّة1

وبنو لِحْيَان، وزعموا 1 أنهم قد أسلموا واسْتَمَدُّوه على قومهم، فأمَدَّهُمُ النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- بسبعين من الأنصار -قال أنس: كنا نسميهم القُرَّاءُ، يَخطِبُونَ بالنهار ويُصَلُّون بالليل- فانطلقوا بهم، حتى بلغوا بئرَ مَعُونَة غدروا بهم وقتلوهم، فقنت شهرًا يدعو على رِعْلٍ وذَكْوَان وبني لِحيَان، وقال أنس: أنهم قرؤوا بهم قرانًا: أَلَا بَلِّغُوا عنا 2 قومنا بأنا قد لقينا ربنا، فرَضِيَ عَنَّا وأرضانا، ثم رُفعَ ذلك بَعْدُ.
1446 - وعن حذيفة قال: قال رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- "اكتبوا لي من تلفظ بالإسلام" 3، وكتبنا له ألفًا وخمس مئة، فقلنا: نخاف ونحن ألف وخمس مئة؟ فلقد رأيتنا ابْتُلِينَا، حتى إن الرجل ليصلي وحده وهو خائف 4.

1447 - وعن أنس بن مالك قال: خطب رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- فقال: "أخذ الراية زيدٌ فأصيب، ثم أخذها جعفر فأصيب، ثم أخذها عبد اللَّه بن رَوَاحَة فأصيب، ثم أخذها خالد بن الوليد عن غير إِمْرَةٍ ففتح اللَّه عليه، فما يسرني (1) -أو قال: يَسُرُّهم (2) - أنهم عندنا"، وإن عينيه (3) لتذرفان.


(40) باب إذا أسلم قومٌ في دار الحرب، ولهم مال وأرضون فهي لهم، وكم يقيم الإمام في العَرْصَةِ التي غلَبَ عليها؟

1448 - عن أسامة بن زيد قال: قلت: يا رسول اللَّه! أين تنزل غدًا؟ -في حجه (4) - قال: "وهل ترك لنا عَقيلٌ منزلًا؟ ! ثم قال: نحن نازلون غدًا123

بخِيف بني كِنَانَة المُحَصَّب؛ حيث قَاسَمَتْ قريشٌ على الكفر، وذلك أنَّ بني كِنَانَة حَالفت قريشًا على بني هاشم أَلَّا يُبَايِعُوهم ولا يؤوهم".
قال الزهري: والخَيْفُ: الوادي.
1449 - وعن زيد بن أسلم، عن أبيه: أنَّ عمر بن الخطاب استعمل مولًى له يُدعَى هُنَيًّا على الحِمَى، فقال: يا هُنَيُّ! اضْمُمْ جناحك عن المسلمين، واتق دعوة المظلوم 1؛ فإن دعوة المظلوم مستجابة، وأَدْخِلْ رَبَّ الصُّرَيْمَةِ ورَبَّ الغُنَيْمَةِ، وإيَّاي ونَعَمَ ابن عوف، ونعم ابن عفان؛ فإنهما إن تَهْلِكْ ماشيتهما يرجعان إلى زرع ونخل 2، وإن ربَّ الصَّرَيْمَة وربَّ الغُنَيْمَةِ إن تهلك ماشيتهما يأتني ببنيه فيقول: يا أمير المؤمنين يا أمير المؤمنين 3، أفأتركهم أنا لا أبَالَكَ؟ فالماء والكلأ أيسر عليَّ من الذهب والوَرِق، وايْمُ اللَّه إنَّهم ليرون أني قد ظلمتهم، إنها لبلادهم، قاتلوا عليها في الجاهلية، وأسلموا عليها في الإسلام، والذي نفسي بيده لولا المال الذي أَحْمِلُ عليه في سبيل اللَّه، ما حَمَيْتُ عليهم من بلادهم شبرًا.

1450 - وعن أنس عن أبي طلحة، عن النبي -صلى اللَّه عليه وسلم-، أنه كان إذا ظهر على قومٍ أقام بالعَرصَةِ ثلاث ليال.
الغريب: "الحِمَى": ما يُحْمَى من المرعى؛ أي: يُمنعَ من الرعي.
و"الصُّرَيْمَة": تصغير الصِّرمَة، وهي القطعة من الإبل.
و"الكلأ": مهموزًا الأخضر من الحشيش، والمال هنا الإبل.
و"العَرْصَةُ": موضع النزول.


(41) باب إذا غنم المشركون مالَ مسلمٍ، ثم وُجِدَ فهو أحق به

2 - عن نافع: أنَّ عبدًا لابن عمر أَبَقَ فلحق بالروم، فظهر عليه خالد فردَّه على عبد اللَّه، وإن فَرَسًا لابن عمر عَارَ فلحق بالروم فظهر عليه، فردُّوه على عبد اللَّه.
3 - وعنه، عن ابن عمر: أنه كان على فَرَسٍ يوم لَقِيَ المسلمون1

وأمير المسلمين يومئذ خالد بن الوليد، بعثه أبو بكر فأخذه العدو، فلما هزم العدو رَدَّ خالدٌ فرسَه.
قال البخاري: "عَارَ": مشتق من العَير، وهو حمار وَحْشٍ؛ أي: هرب.


(42) باب تحريم الغلول وإن قلَّ، وقول اللَّه تعالى: ﴿وَمَنْ يَغْلُلْ يَأْتِ بِمَا غَلَّ يَوْمَ الْقِيَامَةِ﴾ [آل عمران: 161]

1453 - عن أبي هريرة قال: قام فينا النبي -صلى اللَّه عليه وسلم-، فذكر الغُلُول فعَطمَهُ وعَظَّم أمره، وقال: "لا ألفِيَنَّ 1 أحدكم يوم القيامة على رقبته شاة لها ثُغَاءٌ، على رقبته فَرَسٌ له حَمْحَمَةٌ، يقول: يا رسول اللَّه! أغثني، فأقول: لا أملك لك شيئًا، قد أبلغتك، وعلى رقبته بعيرٌ له رُغَاءٌ، يقول: يا رسول اللَّه! أغثني، فأقول: لا أملك لك شيئًا، قد أبلغتك، وعلى رقبته صامتٌ، فيقول: يا رسول اللَّه! أغثني، فأقول: لا أملك لك شيئًا، قد أبلغتك، أو على رقبته رِقَاعٌ تَخْفِقُ، فيقول: يا رسول اللَّه! أغثني، فأقول: لا أملك لك شيئًا، قد أبلغتك".

1454 - وعن عبد اللَّه بن عمرو قال: كان على ثَقَل النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- رجل يقال له: كَرْكَرَة، فمات، فقال رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم-: "هو في النار" فذهبوا ينظرون إليه، فوجدوا عَبَاءَةً قد غَلَّها.
قال البخاري: ولم يذكر عبد اللَّه بن عمرو عن النبي -صلى اللَّه عليه وسلم-: أنه حَرَّق متاعه، وهذا أَصَحُّ.
الغريب: "الغُلُول": ما يؤخذ من الغنيمة بغير قَسْمٍ.
و"لا أُلْفِيَنَ": لا أَجِدَنَّ.
"والصامت": يعني به: الذهب والفضة، وما أشبههما من جواهر الأرض.
و"الثَقَل": بفتح الثاء والقاف العيال، وما يثقل من الأمتعة.


(43) باب المنع من المبادرة إلى ذبح المواشي من الغنيمة إذا أمكنت القسمة وقرت، وجواز أكل الطعام قبل القسمة

2 - عن عَبَايَة بن رِفَاعة، عن جده رافع قال: كنا مع النبي -صلى اللَّه عليه وسلم-1

بذي الحُلَيْفَة، فأصاب الناسَ جوعٌ، وأصبنا إبلًا وغنمًا، وكان النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- في أُخْرَيَاتِ الناس، فعجلوا فنصبوا القدور، فأمر بالقدور فأُكْفِئَتْ، ثم قَسَمَ فعدل عشرةً من الغنم ببعير، فندَّ منها بعيرٌ وفي القوم خيل يسير 1 فطلبوه فأعياهم، فأهوى إليه رجل بسهم، فحبسه اللَّه، فقال: "هذه البهائم لها أَوَابِدُ كأوابد الوحشِ، فما ندَّ عليكم فاصنعوا به هكذا"، فقال جَدِّي: إنا نرجو -أو نخاف- أن نلقى العدو غدًا وليس معنا مُدى، أفنذبح بالقَصَب؟ فقال: "ما أنهر الدَّمَ، وذُكِرَ اسمُ اللَّه عليه فَكُلْ ليس السّنَّ والظُّفْرَ، وسأحدثكم عن ذلك: أما السِّنُّ فعظْمٌ، وأما الظُّفْر فمُدَى الحبشةَ".
1456 - وعن عبد اللَّه بن مُغَفَل قال: كنا مُحَاصِرِينَ قصرَ خيبر، فرمى إنسان بجراب شحم، فَنَزَوْتُ لآخذه، فالتفتُّ فإذا النبي -صلى اللَّه عليه وسلم-، فاستحييت منه.
الغريب: "الأَوابِد": النوافر جمع آبدَة.
"ونَدَّ": امتنع بالهرب.
و"هكذا": إشارة إلى رميها.
و"المدى": السكاكين.
و"أنهر الدم": أساله، و"ليس": استثناء بمعنى إلا.
وقوله: "أما السّنّ فعظم.
. . إلى آخره"، قد جاء مفسَّرًا في بعض رواياته

فقال: "أما السّنُّ فَنَهْشٌ، وأما الظُّفْر فخَنْق".
و"نزوت": معناه: وثبت.


(44) باب البشارة بالفتح، واستقبال الغزاة إذا رجعوا

1457 - وعن جَرِير بن عبد اللَّه قال: قال لي رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم-: "ألا تريحني من ذي الخَلَصَةِ؟ " -وكان بيتًا فيه خَثْعَمُ يسمي الكعبة 1 اليمانية- فانطلقتُ في خمسين ومئة من أَخمس -وكانوا أصحاب خيل- فأخبرت النبي -صلى اللَّه عليه وسلم-: أني لا أَثْبُتُ على الخيل، فضرب في صدري، حتى رأيت أثر أصابعه في صدري، وقال: "اللهم ثَبِّتْهُ، واجعله هاديًا مَهْدِيًّا"، فانطلق إليها فكسرها وحَرَّقها، فأرسل إلى النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- يبشره، فقال رسول جرير لرسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم-: والذي بعثك بالحق 2 ما جئتك حتى تركتها كأنها 3 جمل أجرب، فبارَك على خيل أَحْمَس ورجالها خمس مراتٍ.
في رواية 4: بيت في خثعم.

1458 - وعن ابن أبي مُلَيْكَةَ قال: قال ابن الزبير لابن جعفر: أتذكر إذ تلقينا رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- أنا وأنت وابن عباس؟ قال: نعم، فَحَمَلَنَا وتركك.
1459 - وعن السائب بن يزيد قال: ذهبنا نتَلَقَّى رسولَ اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- مع الصبيان إلى ثَنِتةِ الوداع.


(45) باب ما يقول إذا رجع من الغزو، والابتداء بالصلاة في المسجد والطعام عند القدوم

1460 - عن عبد اللَّه -هو ابن عمر-: أنَّ النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- كان إذا قَفَلَ كبَّر ثلاثًا، وقال: "آيبون إن شاء اللَّه، تائبون عابدون حامدون، لربنا ساجدون، صدق اللَّه وعده، ونصر عبده، وهزم الأحزاب وحده".
= عن جرير به، وقد ذكره البخاري عقب حديث الباب بقوله: قال مُسَدَّدٌ: بيت في خثعم.
1458 - خ (2/ 382)، (56) كتاب الجهاد والسير، (196) باب استقبال الغزاة، من طريق يزيد بن زُرَيْع وحميد بن الأسود، عن حبيب بن الشهيد، عن ابن أبي مليكة به، رقم (3082). 1459 - خ (2/ 382)، في الكتاب والباب السابقين، من طريق ابن عيينة، عن الزهري، عن السائب بن يزيد به، رقم (3083)، طرفاه في (4426، 4427). 1460 - خ (2/ 382)، (56) كتاب الجهاد والسير، (197) باب ما يقول إذا رجع من الغزو، من طريق جويرية، عن نافع، عن ابن عمر به، رقم (3084).

1461 - وعن أنس بن مالك قال: كنا مع النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- مَقْفَلَهُ من عُسْفَانَ، ورسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- على راحلته وقد أردف صفية بنت حُيَيّ، فعثرت ناقته، فصُرِعَا (1) جميعًا، فاقتحم أبو طلحة، فقال: يا رسول اللَّه! جعلني اللَّه فداك، قال: "عليك المرأة"، فقلب ثوبًا على وجهه، وأتاها فألقاه عليها، وأصلح لهما مركبهما، فركبا واكتنفنا رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم-، فلما أشرفنا على المدينة، قال: "آيبون تائبون عابدون، لربنا حامدون"، فلم يزل يقول ذلك حتى دخل المدينة.
1462 - وعن جابر بن عبد اللَّه قال: كنت مع النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- في سَفَرٍ، فلما قدمنا المدينة، قال لي: "ادخل المسجد، فصل ركعتين".
1463 - وعن كعب: أنَّ النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- كان إذا قَدِمَ من سفر ضُحًى، دخل المسجد، فصلى ركعتين قبل أن يجلس.
1464 - وعن جابر بن عبد اللَّه: أنَّ رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- لما قدم المدينة نحر (1) "فصرعا" كذا في "صحيح البخاري"، وفي الأصل: "فرعا".
1461 - خ (2/ 383)، في الكتاب والباب السابقين، من طريق عبد الوارث، عن يحيى ابن أبي إسحاق، عن أنس بن مالك به، رقم (3085). 1462 - خ (2/ 383)، (56) كتاب الجهاد والسير، (198) باب الصلاة إذا قدم من سفر، من طريق شعبة، عن محارب بن دثار، عن جابر بن عبد اللَّه به، رقم (3087). 1463 - خ (2/ 383)، في الكتاب والباب السابقين، من طريق ابن جريج، عن ابن شهاب، عن عبد الرحمن بن عبد اللَّه بن كعب، عن أبيه، وعمه عبيد اللَّه بن كعب، عن كعب به، رقم (3088). 1464 - خ (2/ 384)، (56) كتاب الجهاد والسير، (199) باب الطعام عند القدوم، =

جَزُورًا أو بقرةً.
1465 - وعنه أيضا قال: اشترى النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- بعيرًا بأوقيتين ودرهم أو دِرهمَيْن، فلما قدم صِرارًا (1) أمر ببقرة فذُبِحَتْ، فأكلوا منها، فلما قدم النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- المدينة، أمرني أن آتي المسجد، فأصلي ركعتين، ووزن ثمن البعير (2).


(46) باب قسمة الغنيمة، ومصرف الخُمُس

1466 - عن زيد بن أسلم، عن أبيه: أنَّ عمر بن الخطاب قال: لولا آخر المسلمين ما فتحت قرية إلا قَسمْتُها بين أهلها كما قسم النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- خيبر.
1467 - وعن حُسَيْن بن عليٍّ: أنَّ عليًّا -رضي اللَّه عنهما- قال: كانت لي شَارِفٌ من1

نصيبي من المغنم يوم بدر، وكان النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- أعطاني شارفًا من الخُمُسِ، فلما أردت أن أَبْتَنِي بفاطمة بنت رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم-، وَاعَدْتُ رجلًا صَوَّاغًا من بني قينقاع أن يرتحل معي، فنأتي بإذْخِر أردتُ أن أبيعَهُ من الصَّوَّاغِينَ، وأستعين به في وليمة عرسي، فَبَيْنَا أنا أجمع لشارفيَّ متاعًا من الأَقْتَابِ والغَرَائِرِ والحبال، وشَارِفَايَ مُنَاخَتَانِ إلى جنب حُجْرَةِ رجلٍ من الأنصار، فرجعت حين جمعتُ ما جمعت؛ فإذا شارفاي قد اجْتُبَّتْ 1 أَسْنِمَتُها 2، وبُقِرَتْ خَوَاصِرُهُمَا، وأُخِذَ من أكبادهما، فلم أملك عَيْنَيَّ حين رأيت ذلك المنظر منهما، فقلت: من فعل هذا؟ فقالوا: فعل حمزةُ بن عبد المطلب، وهو في هذا البيت في شَرْبٍ من الأنصار، فانطلقت حتى أدخل على النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- وعنده زيد ابن حارثة، فعرف النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- في وجهي الذي لقيته، فقال النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- "مالك؟ " فقلت: يا رسول اللَّه! ما رأيت كاليوم قطُّ، عَدَا حمزةُ على ناقتيَّ، فاجْتَبَّ 3 أسنمتهما، وبَقَرَ خواصرهما، وها هو 4 في بيت معه شَرْب، فدعا النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- بردائه فارتدى، ثم انطلق يمشي، واتبعته أنا وزيد بن حارثة، حتى جاء البيت الذي فيه حمزة، فاستأذن فأذنوا لهم؛ فإذا هم شَربٌ، فطفق رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- يلوم حمزة فيما فعل؛ فإذا حمزة قد ثَمِلَ مُحْمَرَّةً عيناه، فنظر حمزة إلى

رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم-، ثم صَعَّد النظر، فنظر إلى ركبته (1)، ثم صَعَّدَ النظر، فنظر إلى وجهه (2)، ثم قال حمزة: هل أنتم إلا عبيدٌ لأبي؟ فعرف رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- أنه قد ثَمِلَ، فنكص رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- على عَقِبَيْهِ القَهْقَرى، وخرجنا معه.
الغريب: "الشَّارِف": المُسِنُّ من الإبل.
و"اجْتُبَّتْ": قطعت.
و"بُقِرَتْ": نُقِرَتْ.
و"الأقتاب": جمع قَتَبِ، وهي أداة الرَّحْلِ.
و"الشَرْب": بفتح الشين، الجماعة على الشراب.
و"طفق": أخذ وجعل.
و"ثَمِل": سكران، و"نَكَص": رجع.
وكان هذا قبل تحريم الخمر، واللَّه أعلم.


(47) باب مصرف الفيء وقصّة تبوك

3 1468 - عن عروة بن الزبير: أن عائشة أم المؤمنين أخبرته أن فاطمة12

بنت رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- سألتْ أبا بكر الصديق بعد وفاة رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- أن يَقْسِمَ لها ميراثها مما 1 ترك رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- مما أفاء اللَّه عليه، فقال لها أبو بكر: إن رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- قال: "لا نُورَث، ما تركناه صدقة"، فغضبت فاطمة بنت رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم-، فَهجَرَتْ أبا بكر، فلم تزل مهاجرةً 2 له حتى توفيت، وعاشت بعد رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- ستة أشهر، قالت: وكانت فاطمة تسأل أبا بكر نصيبها مما ترك رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- من خيبر وفَدَكَ وصدقته بالمدينة، فأبى أبو بكر عليها ذلك، وقال: لست تاركًا شيئًا كان رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- يعمل به إلا عملت به؛ فإني أخشى إن تركت شيئًا من أمره أن أزيغ، فأمّا صدقته بالمدينة، فدفعها عمرُ إلى عليّ وعباس، وأمّا خيبر وفَدَك فأمسكهما 3 عمر، وقال: هما صدقة رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم-، كانت (4) لحقوقه التي تعروه ونوائبه، وأَمْرُهما إلى من وَلِي الأمر، قال: فهما على ذلك إلى اليوم.
1469 - وعن مالك بن أَوْسِ بن الحَدَثَانِ قال: بينما أنا جالس في أهلي حين مَتَعَ النهار؛ إذا رسولُ عمر بن الخطاب يأتيني، فقال: أَجِبْ

أمير المؤمنين، فانطلقت معه حتى أدخل على عمر؛ فإذا هو جالس على رِمَالِ حصير 1، ليس بينه وبينه فراش، متكئ على وسادة من أَدَمٍ، فَسَلَّمْتُ عليه، ثم جلست، فقال: يا مَالِ! إنه قَدِمَ علينا من قومك أهلُ أبياتٍ، وقد أمرت فيهم برَضْخ، فاقبضه فاقسمه بينهم، فقلت: يا أمير المؤمنين! لو أمرت به غيري، قال: فاقبضه أيّها المرء، فبينما أنا جالس عنده أتاه حاجبه يَرْفَأُ، وقال 2: هل لك في عثمان وعبد الرحمن بن عوف والزبير وسعد بن أبي وقاص يستأذنون؟ قال: نعم، فأَذِنَ لهم، فدخلوا فسَلَّمُوا وجلسوا، ثم جلس يَرْفَأُ يسيرًا، ثم قال: هل لك في عليٍّ وعباس؟ قال: نعم، فأذن لهما، فدخلا فسَلَّما فجلسا، فقال عباس: يا أمير المؤمنين! اقض بيني وبين هذا -وهما يختصمان فيما أفاء اللَّهُ على رسوله من بني النضير- فقال الرهط -عثمان وأصحابه-: يا أمير المؤمنين! اقْضِ بينهما، وأَرِحْ أحدهما من الآخر، قال عمر: تَيْدَكُم 3، أَنْشُدكم باللَّه الذي بإذنه تقوم السماء والأرض، هل تعلمون أن رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- قال: "لا نورث، ما تركناه صدقة"؟ يريد رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- نفسه، قال الرهط: قد كان ذلك، فأقبل عمر على عليّ وعباس، فقال: أَنْشُدُكما باللَّه 4 تعلمان أن رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- قد قال ذلك؟ قال عمر: فإني أحدثكم عن هذا الأمر، إن اللَّه قد خص رسوله في هذا

الفيء بشيء لم يعطه أحدًا غيره، ثم قرأ: ﴿وَمَا أَفَاءَ 1 اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ مِنْهُمْ فَمَا أَوْجَفْتُمْ عَلَيْهِ مِنْ خَيْلٍ وَلَا رِكَابٍ﴾ إلى قوله: ﴿قَدِيرٌ﴾ [الحشر: 6]، فكانت هذه خالصة لرسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- 2، واللَّه ما احتازها دونكم، ولا استأثر بها عليكم، قد أعطاكموها 3، وبثها فيكم حتى بقي منها هذا المال، فكان رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- ينفق على أهله نفقة سَنَتِهِمْ من هذا المال، ثم يأخذ ما بقي، فيجعله مَجْعَلَ مال اللَّه، فعمل بذلك رسول اللَّه حياته 4، أَنْشُدُكم باللَّه هل تعلمون ذلك؟ قالوا: نعم، ثم قال لعلي وعباس: أَنْشُدُكما باللَّه 5 هل تعلمان ذلك؟ قال عمر: ثم توفى اللَّهُ نبيَّه -صلى اللَّه عليه وسلم-، فقال أبو بكر: أنا وليّ رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم-، فقبضها أبو بكر، فعمل فيها بما عمل رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم-، واللَّه يعلم أنه فيها لصادق بار راشد تابع للحق، ثم توفى اللَّه أبا بكر، فكنت أنا وفي أبي بكر، فقبضتها سنتين من إمارتي أعمل فيها بما عمل به رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم-، وما عمل فيها أبو بكر، واللَّه يعلم أني فيها لصادق بار راشد تابع للحق، ثم جئتماني تكلماني وكَلِمَتُكُما واحدة، وأمركما واحد، جئتني يا عباس تسألني نصيبك من ابن أخيك، وجاءني هذا -يريد: عليًّا- يريد نصيب امرأته من أبيها، فقلت لكما: إن رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- قال: "لا نُورَثُ، ما تركناه صدقة"،

فلما بدا لي أن أدفعه إليكما، قلت: إن شئتما دفعتها إليكما على أنَّ عليكما عهد اللَّه وميثاقه لتعملان فيها بما عمل فيها 1 رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم-، وبما عمل فيها أبو بكر، وبما عملت فيها مذ 2 وليتها، فقلتما: ادفعها إلينا، فبذلك دفعتها إليكما، فَأَنْشُدُكم باللَّه هل دفعتها إليهما بذلك؟ قال الرهط: نعم، ثم أقبل على عليّ وعباس، فقال: أَنْشُدُكما باللَّه هل دفعتها إليكما بذلك؟ قال: نعم، قال: فَتَلْتَمِسان مني قضاء غير ذلك؟ فواللَّه الذي بإذنه تقوم السماء والأرض لا أقضي بينكما 3 قضاء غير ذلك، فإن عجزتما عنها فادفعاها إليَّ؛ فإني أَكْفِيكُماها.
الغريب: "الزيغ": الميل، خاف أبو بكر أن يتميل عن الحق إلى غيره.
"تَعْرُوه": تنزل وتصيبه.
و"مَتَع النهارُ": اشتد حره وارتفع.
و"يَا مَالِ": تَرْخِيم مالك.
و"الرَّضْخ": ما يعطى بغير تقدير.
و"هل لك": فيه حَذفٌ، أي: إذن.
و"الفيء": هنا ما غنم بغير قتال، وأصله الرجوع.
و"أوجَفْتُم": أسرعتم.
و"الرَّكَاب": الإبل.
و"اختارها": حازها.
و"بثها": فَرَّقها.
و"تلتمسان": تطلبان.


(48) باب ما ترك النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- بعد موته

1470 - عن أبي إسحاق -هو السّبيعي- قال: سمعت عمرو بن الحارث قال: ما ترك رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- إلا سلاحه وبغلته البيضاء، وأرضًا تركها صدقة.
1471 - وعن أنس: أن أبا بكر لما استُخْلِفَ بعثه إلى البحرين، وكتب له هذا الكتاب، وختمه بخاتم النبي -صلى اللَّه عليه وسلم-، وكان نقش الخاتم ثلاثة أسطر: (محمد) سطر، و (رسول) سطر، و (اللَّه) سطر.
1472 - وعن عيسى بن طَهْمَانَ قال: أخرج إليَّ أنسٌ نعلَيْن جَرْدَاوتين 1 لهما قِبَالَان (2)، فحدثني ثابت البُنَانِي بَعْدُ عن أنس: أنهما نعلا النبي -صلى اللَّه عليه وسلم-.

1473 - وعن أبي بردة قال: أَخْرَجَتْ إلينا عائشة كساءً مُلَبَّدًا، وقالت: في هذا نزُعَ روحُ رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- وفي رواية (1): إزارًا غليظًا مما يُصْنعُ باليمين -وكساءً من هذه التي تدعونها المُلَبَّدَةَ.
1474 - وعن ابن سيرين، عن أنس بن مالك؛ أنَّ قَدَحَ النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- انكسر، فاتخذ مكان الشَّعْبِ سلسلة من فضة.
قال عاصم -وهو الراوي عن ابن سيرين-: رأيت القدح، وشربت فيه.
1475 - وعن عليَّ بن حسين: أن المِسْوَر بن مخرمة لقيه حين قدموا المدينة من عند يزيد ابن معاوية مقتل حسين بن علي رحمه اللَّه، فقال له: هل أنت مُعْطِيَّ سيفَ رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم-؟ فإني أخاف أن يغلبك القوم عليه، وايْمُ اللَّه لئن أعطيتنيه لا يُخْلَصُ إليه أبدًا حتى تَبْلُغَ نَفْسِي.
. . الحديثَ، وسيأتي إن شاء اللَّه.

    • (1) الموضع السابق: من طريق سليمان، عن حميد، عن أبي بردة به، رقم (3108)، ذكره البخاري عقب حديث أيوب.
      1473 - خ (2/ 390)، في الكتاب والباب السابقين، من طريق أيوب، عن حميد بن هلال، عن أبي بردة به، رقم (3108). 1474 - خ (2/ 391)، في الكتاب والباب السابقين، من طريق أبي حمزة، عن عاصم، عن ابن سيرين، عن أنس بن مالك به، رقم (3109)، طرفه في (5638). 1475 - خ (2/ 391)، في الكتاب والباب السابقين، من طريق محمد بن عمرو بن حَلْحَلَة الديلي، عن ابن شهاب، عن عليّ بن حسين به، رقم (3110).

(49) باب قول اللَّه -عز وجل-: ﴿فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ وَلِلرَّسُولِ﴾ [الأنفال: 41]

قال البخاري: يعني: للرسول قَسْمُ ذلك، قال رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم-: "إنما أنا قاسم وخازن واللَّه يعطي".
1 - عن جابر بن عبد اللَّه الأنصاري قال: وُلِدَ لرجل منا غلام، فسماه القاسم، فقالت الأنصار: لا نَكْنِيكَ أبا القاسم، ولا نُنْعِمُكَ عَيْنًا، فأتى النبيَّ -صلى اللَّه عليه وسلم-، فقال: يا رسول اللَّه! ولد في غلام، فسميته القاسم، فقالت الأنصار: لا نكنيك أبا القاسم، ولا نُنْعِمُك عينًا، فقال النبي -صلى اللَّه عليه وسلم-: "أحسنتِ الأنصارُ، تَسَمَّوْا باسمي، ولا تَكَنُّوا بكُنْيتي، فإنما أنا قاسم".
2 - وعن معاوية قال: قال رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم-: "مَنْ يُرِدِ اللَّهُ به خيرًا يُفَقِّهْهُ في الدين، واللَّه المعطي، وأنا القاسم، ولا تزال هذه الأمة ظاهرين على من خالفهم، حتى يأتي أمر اللَّه وهم ظاهرون".
3 - وعن أبي هريرة: أنَّ رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- قال: "ما أُعْطِيكُمْ،

ولا أمنعكم، أنا قاسم أضع حيث أُمِرْتُ".
1479 - وعن خَوْلَة الأنصارية قالت: سمعت رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- يقول: "إنَّ رجالًا يَتَخَوَّضُونَ في مال اللَّه بغير حق (1)، فلهم النار يوم القيامة".


(50) باب تحليل الغنائم وقول اللَّه -عز وجل-: ﴿وَعَدَكُمُ اللَّهُ مَغَانِمَ كَثِيرَةً تَأْخُذُونَهَا﴾ [الفتح: 20] الآية

1480 - عن أبي هريرة قال: قال النبي -صلى اللَّه عليه وسلم-: "غزا نبي من الأنبياء، فقال لقومه: لا يَتْبَعني رجلٌ مَلَكَ بُضْعَ امرأة وهو يريد أن يَبْنِيَ بها ولَمَّا يَبْنِ بها، ولا أحدٌ بنى بيوتًا ولم يرفع سُقُوفها، ولا أحدٌ اشترى غنمًا أو خَلِفَات وهو ينتظر ولادها، فغزا فدنا من القرية صلاة العصر أو قريبًا من ذلك، فقال للشمس: أنت مأمورة وأنا مأمور، اللهم احبسها علينا، فحُبِسَتْ حتى فتح اللَّه عليه، فجمع الغنائم، فجاءت -يعني: النار- لتأكلها، فلم (1) (يتخوضون في مال اللَّه بغير حق)؛ أي: يتصرفون في مال المسلمين بالباطل.
1479 - خ (2/ 393)، في الكتاب والباب السابقين، من طريق أبو الأسود، عن ابن أبي عياش -واسمه نعمان- عن خولة الأنصارية به، رقم (3118). 1480 - خ (2/ 394)، (57) كتاب فرض الخمس، (8) باب قول النبي -صلى اللَّه عليه وسلم-: "أحلت لكم الغنائم"، وقال اللَّه -عز وجل-: ﴿وَعَدَكُمُ اللَّهُ مَغَانِمَ كَثِيرَةً تَأْخُذُونَهَا﴾ الآية، وهي للعامة حتى يبينه الرسول -صلى اللَّه عليه وسلم-، من طريق ابن المبارك، عن معمر، عن همام بن منبه، عن أبي هريرة به، رقم (3124)، طرفه في (5157).

تَطْعَمْهَا، فقال: إن فيكم غُلُولًا، فليبايعني من كل قبيلة رجل، فلزقت يَدُ رَجُلٍ بيده، فقال: فيكم الغلول، فلتبايعني قبيلتك، فلزقت يد رجلين أو ثلاثة بيده، فقال: فيكم الغلول، فجاؤوا برأسٍ مثل رأس بقرة من الذهب فوضعوها، فجاءت النار فاكلتها، ثم أَحَلَّ اللَّه لنا الغنائم، ورأى ضعفنا وعجزنا فأحلها لنا".
الغريب: "الخَلِفَات": جمع خَلِفَةٍ، وهي الناقة التي دنا ولادتها، وكان مقصود هذا النبي أن لا يجاهدَ معه إلا مَن تفرغ عن التعلُّق بهذه الأمور التي يخاف منها فساد النية في الجهاد وكراهته، فيضعف العزم، ويرغب عن تمني الشهادة.
وقوله للشمس: "أنت مأمورة"؛ أي: مُسَخَّرة مُصرفة من قولهم: مُهرةُ مأمورة؛ أي: مدربة مذلَّلَة.


(51) باب كرامة الغازي المخلص حيًّا وميتًا، وبركة ماله

1 - عن أبي موسى الأشعري قال: قال أعرابي للنبي -صلى اللَّه عليه وسلم-: الرجل

يقاتل للمغنم، والرجل يقاتل ليُذْكَر، والرجل يقاتل ليُرَى مكانه 1، من في سبيل اللَّه؟ فقال: "مَنْ قاتل لتكونَ كلمةُ اللَّه هي العليا، فهو في سبيل اللَّه".
1482 - وعن عبد اللَّه بن الزبير قال: لمَّا وقف الزبيرُ يوم الجمل، دعاني، فقمت إلى جنبه، فقال: يا بُنَيَّ! إنه لا يُقْتَلُ اليوم إلا ظالم أو مظلوم، وإني لا أُرَاني إلا سَأُقْتَلُ اليوم مظلومًا، وإنَّ من أكبر همي لَدَيْنِي، أَفَتُرَى دَيْنَنَا يُبْقِي 2 من مالنا شيئًا؟ فقال: يا بُنَيّ! بِعْ مالَنَا، واقض دَيْنِي 3، وأوْصَى بالثُّلُث، وثُلُثه لبنيه -يعني: بني عبد اللَّه بن الزبير- يقول: ثُلُثُ الثُّلُثِ، فإن فضل من مالنا فضلٌ بعد قضاء الدَّيْنِ شيء فثُلُثه لوَلَدِك.
قال هشام: وكان بعضُ ولد عبد اللَّه وازى بعضَ بني الزبير -خُبَيْب وعَبَّاد- وله يومئذ تسعة بنين وتسع بنات -قال عبد اللَّه: فجعل يوصيني بِدَيْنِه ويقول: يا بني! إن عجزتَ عن شيء منه، فاستعن عليه مولايَ، قال: فواللَّه ما دريت ما أراد حتى قلت: يا أبت! مَنْ مولاك؟ قال: اللَّه، قال: فواللَّه ما وقعت في كُرْبَةٍ من دينه إلا قلت: يا مولى الزبير! اقض عنه دينه، فيقضيه، فقُتِلَ

الزبير -رضي اللَّه عنه-، ولم يَدَع دينارًا ولا درهمًا إلا أرَضِين منها الغابةُ، وأحد عشر 1 دارًا بالمدينة، ودارًا بالبصرة 2، ودارًا بالكوفة، ودارًا بمصر، وقال 3: وإنما كان دَيْنُهُ الذي عليه: أن الرجل كان يأتيه بالمال فيستودعه 4، فيقول الزبير: لا، ولكنه سلف 5؛ فإني أخشى عليه الضَّيْعَةَ، وما وَلِيَ إمارةً 6، ولا جباية خراج ولا شيئًا، إلا أن يكون في غزوة مع النبي -صلى اللَّه عليه وسلم-، أو مع أبي بكر وعمر وعثمان -رضي اللَّه عنه-، فقال 7 عبد اللَّه بن الزبير: فَحَسَبْتُ ما عليه من الدَّيْنِ، فوجدته ألفي ألف ومئتي ألف، قال: فلقي حكيمُ بن حزام عبد اللَّه ابن الزبير، قال: يا ابن أخي! كم على أخي من الدَّيْن؛ فكَتَمه، وقال 8: مئة ألف، فقال حكيم: واللَّه ما أرى أموالكم تَسَعُ لهذه، فقال له عبد اللَّه: أفرأيتك إن كانت ألفي ألفٍ ومئتي ألف؟ قال: ما أراكم تطيقون هذا، فإن عجزتم عن شيء منه، فاستعينوا بي، قال: وكان الزبير اشترى الغابةَ بسبعين ومئة ألفٍ، فباعها عبد اللَّه بألف ألف وست مئة ألف، ثم قام فقال: مَن كان له على الزبير حقٌّ، فليوافنا بالغابة، فأتاه عبد اللَّه بن جعفر

وكان له على الزبير أربع مئة ألف، فقال لعبد اللَّه: إن شئتم تركتها لكم؟ قال عبد اللَّه: لا، قال: فإن شئتم جعلتموها فيما تؤخِّرون إن أَخَّرتُم؟ فقال عبد اللَّه: لا، قال 1: فاقطعوا في قطعة، فقال عبد اللَّه: لك من ههنا إلى ههنا، قال: فباع منها، فقضى دينه فأوفاه، وبقي منها أربعة أسهم ونصف، فقَدِمَ على معاوية وعنده عمرو بن عثمان والمنذر بن الزبير وابن زَمعَةَ، فقال له معاوية: كما قَوّمت الغابة؟ قال: كل سهم مئة ألف، قال: كم بقي؟ قال: أربعة أسهم ونصف، فقال المنذر بن الزبير: قد أخذت منها 2 سهمًا بمئة ألف، وقال عمرو بن عثمان: قد أخذت سهمًا بمئة ألف درهم 3، وقال ابن زمعة: قد أخذت سهمًا بمئةِ ألف، فقال معاوية: كم بقي؟ قال 4: سهم ونصف سهم 5، قال: قد 6 أخذته بخمسين ومئة ألف، قال: فباع 7 عبد اللَّه بن جعفر نصيبه من معاوية بست مئة ألف، قال 8: فلما فرغ ابن الزبير من قضاء دينهِ، قال بنو الزبير: اقسم بيننا ميراثنا، فقال 9: واللَّه لا أقسم بينكم حتى أنادي بالموسم أربع سنين: أَلَا مَن كان له على الزبير دينٌ فليأتنا

فلنقضِه، قال: فجعل كل سَنَةٍ ينادي بالموسم، فلمّا مضى أربع سنين قسم بينهم، قال: وكان للزبير أربع نسوةٍ ورفع الثلث، فأصابتْ كلُّ امرأةٍ ألفَ ألف ومئتي ألف (1) (2) فجميع ماله خمسون ومئة ألف.


(52) باب من أسلم من الكفار بعد أن غنم المسلمون ماله لم يُرَدَّ إليه ماله إلا بِرِضَى من صار إليه مالُه

1483 - وعن عروة: أن مروان بن الحكم والمِسْوَرَ بن مَخْرَمَةَ أخبراه: أن رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- قال حين جاءه وفد هوازن مسلمين فسألوه أنْ يَرُدَّ إليهم أموالهم وسبيهم، فقال لهم رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم-: "أَحَبُّ الحديث إليَّ أصدَقُهُ، فاختاروا إحدى الطائفتين: إما السَّبْيَ، وإما المال، وقد كنت استَأْنيتُ بكم" 3، وقد كان رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- انتظر 4 أخراهم بضعَ عشرة ليلة حين12

قفل من الطائف، فلمَّا تبين لهم أن رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- غيرُ رادٍّ لهم إلا إحدى الطائفتين، قالوا: فإنا نختار سَبْيَنَا، فقام رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- في المسلمين، فأثنى على اللَّه بما هو أهله، ثم قال: "أما بعد: فإن إخوانكم هؤلاء قد جاؤونا تائبين، وإني رأيت أَنْ أَرُدَّ لهم سبْيَهم، من أحبَّ أن يُطَيِّبَ فليفعل، ومن أحب منكم أن يكونَ على حَظِّهِ حتى نُعطيه إياه من أوَّلِ ما يفيء اللَّه علينا فليفعل"، فقال الناس: قد طيبنا لرسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم-، فقال رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم-: "إنا لا ندري من أَذِنَ منكم في ذلك ممن لم يأذن، فارجعوا حتى يرفع إلينا عُرَفَاؤكم أمركم"، فرجع الناس، فكلمهم عرفاؤهم، ثم رجعوا إلى رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم-، فأخبروه: أنهم قد طَيّبوا وأذنوا (1)، فهذا الذي بلغنا عن سَبْي هوازن.


(53) باب من خَصَّهُ النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- بالإسهام مع كونه لم يحضر الوقعة

1484 - عن ابن عمر قال: لما 2 تَغيَّب عثمان عن بدر؛1

جارٍ التحميل