اختصار صحيح البخاري وبيان غريبهصفحات 10-50

باب الضيافة وإكرام الضيف، وقوله تعالى: ﴿هَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ ضَيْفِ إِبْرَاهِيمَ الْمُكْرَمِينَ﴾ [الذاريات: 24] وقوله في حديث عبد اللَّه بن عمرو (4): "وإن لزَوْرِكَ عليك حقًّا"

صفحات 10-50

كان النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- إذا أخذ مضجعه (1)، وضع يده تحت خده ثم يقول: "اللهم باسمك أموت وأحيا"، وإذا استيقظ قال: "الحمد للَّه الذي أَحْيَانا بعدما أماتنا وإليه النشور".


(3) باب الدعاء إذا انتبه من الليل

2775 - وعن ابن عباس قال: بِتُّ عند ميمونة، فقام النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- فأتى حاجته، فغسل وجهه ويديه، ثم نام، ثم قام فأتى القِرْبَةَ، فأطلق شِنَاقَها، ثم توضأ وضوءًا بين الوضوءين، لم يكثر وقد أبلغ، فصلى، فتمطيت 2 كراهية أن يرى أن أرقبه 3، فتوضأت، فقام يصلي فقمت عن يساره، فأخذ بأُذُني فأدارني عن يمينه، فتتامت صلاته ثلاثة عشر (4) ركعة، ثم اضطجع فنام حتى1

نَفَخَ، وكان إذا نام نفخ، فَآذَنَهُ بلال بالصلاة فصلى ولم يتوضأ، وكان يقول في دعائه: "اللهم اجعل في قلبي نورًا، وفي بصري نورًا، وفي سمعي نورًا، وعن يميني نورًا، وعن يساري نورًا، ومن فوقي نورًا (1)، وتحتي نورًا، وأمامي نُورًا، وخَلْفِي نورًا، واجعل لي نورًا" قال كُرَيْب: وسبع في التابوت - فلقيت رجلًا من ولد العباس فحدثني بهن فذكر: عَصَبِي، ولحمي، ودمي، وشَعْرِي، وبَشَري، وذكر خصلتين.

  • تنبيه: يعني في التابوت: الجسد.
    وذكر خمسًا وسكت عن خصلتين، ذكرهما مسلمٌ وهما: اللسان والنفس.
    واللَّه أعلم.
    وقال أبو الفرج الجوزي: إنه يعني بالتابوت: الصندوق، أي هذه السبع مكتوبة عنده في الصندوق، أي: لم يحفظها في ذلك الوقت، وهي عنده في الصندوق.
    وفيه بُعْدٌ، والأول أَوْلَى.
    وهذه الأنوار المعنية هنا، هي -واللَّه أعلم- الهداية الشاملة لهذه الأركان والأعضاء، والسداد بالتوفيق والعلم، واللَّه أعلم.

(4) باب ما يقول إذا أصبح، والدعاء في الصَّلاة

قد تقدم حديث شداد 2 وحديث حُذَيْفَة 3.1

2776 - وعن أبي بكر الصديق: أنه قال للنبي -صلى اللَّه عليه وسلم-: علِّمني دعاءً أدعو به في صلاتي قال: "قل: اللهم إني ظلمت نفسي ظلمًا كثيرًا، ولا يغفر الذنوب إلا أنت، فاغفر لي مغفرة من عندك وارحمني؛ إنك أنت الغفور الرحيم".


(5) باب ما يُكْره من السجع في الدعاء

2777 - عن ابن عباس قال لعكرمة: حَدِّثِ الناسَ كل جمعة مرة، فإن أَبَيْتَ فمرتين، فإن اكثرت فثلاث مرات، ولا تُمِلَّ الناسَ هذا القرآن، ولا أُلْفِيَنَّك تأتي القوم وهم في حديث من حديثهم فتقصَّ عليهم فتقطع عليهم حديثهم، وانظر السجع 1 في الدعاء فاجتنبه؛ فإني عهدت رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- وأصحابه لا يفعلون ذلك (2).


(6) باب ليعزم المسألة ولا يستعجل، ويرفع يديه

2778 - وعن أنس قال: قال رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم-: "إذا دعا أحدكم فليعزم المسألة، ولا يقولن: اللهم إن شئت؛ فإنه لا مُسْتَكْرِهَ له" 1. 2779 - وعن أبي هريرة: أن رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- قال: "لا يقولن أحدكم: اللهم اغفر لي، اللهم ارحمني إن شئت، ليعزم المسألة، فإنه لا مُكْرِهَ له".
2780 - وعنه: أن رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- قال: "يستجاب لأحدكم ما لم يَعْجَل، فيقول (2): دعوت فلم يُسْتَجَبْ لي".
وقال أبو موسى: دعا النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- ثم رفع يديه، ورأيت بياض إبطيه.

وقال ابن عمر (1): رفع النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- يديه وقال: "اللهم إني أبرأ إليك مما صنع خالد".
2781 - وعن أنس: عن النبي -صلى اللَّه عليه وسلم-: رفع يديه حتى رأيتُ بياض إبطيه.


(7) باب الدعاء عند الكرب، والتعوذ من جَهْد البَلَاءِ

2782 - وعن ابن عباس قال: كان النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- يدعو عند الكرب: "لا إله إلا اللَّه العظيم الحليم، لا إله إلا اللَّه ربُّ السموات والأرض رب العرش العظيم".
وفي رواية (2): "لا إله إلا اللَّه العظيم الحليم، لا إله إلا اللَّه رب1

العرش العظيم، لا إله إلا اللَّه رب السموات والأرض رب العرش الكريم (1) ". 2783 - وعن أبي هريرة: كان رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- يتعوَّذ من جَهْد البلاء (2)، ودَرَكِ الشقاء، وسوء القضاء (3)، وشماتة الأعداء"، قال سفيان: الحديث ثلاث، زدت أنا واحدة، لا أدري أيتهن هي؟


(8) باب النهي عن الدعاء بالموت

2784 - عن قيس أنه قال: أتيت خَبَّابًا -وقد اكتوى سبعًا في بطنه- فسمعته يقول: لولا أن النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- نهانا أن ندعو بالموت لدعوت به.12

2785 - وعن أنس قال: قال رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم-: "لا يَتَمَنَّيَنَّ أحدٌ (1) منكم الموت لضُرٍّ نزل به، فإن كان لابد متمنيًا للموت فليقل: اللهم أحيني ما كانت الحياة خيرًا لي، وتَوَفَّنِي إذا كانت الوفاة خيرًا لي".


(9) باب الدعاء للصبيان، ومسح رؤوسهم

وقال أبو موسى 2: ولد لي، فدعا النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- بالبركة.
وقد تقدم حديث (3) السائب بن يزيد.
2786 - وعن أبي عقيل: أنه كان يخرج به جده عبد اللَّه بن هشام من السوق -أو إلى السوق- فيشتري الطعام، فيلقاه ابن الزبير وابن عمر فيقولان: أَشْرِكْنَا، فإن النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- قد دعا لك بالبركة.
. . . .1

فَيُشْرِكُهم (1)، فربما أصاب الراحلة كما هي، فيبعث بها إلى المنزل.
وقد تقدم قول عائشة (2): أن رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- كان يُؤتى بالصبيان فيبرِّك عليهم ويُحَنّكهم.


(10) باب التعوذ من الفتن والشدائد والحزن

2787 - عن أنس قال: سئل رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- حتى أَحْفَوْه المسألة فغضب، فصعِدَ المنبر فقال: "لا تسألوني اليوم عن شيء إلا بينته لكم"، فجعلت أنظر يمينًا وشمالًا، فإذا كل رجل لافٌّ رأسه في ثوبه يبكي، فإذا رجل كان إذا لَاحَى الرجال يُدْعَى إلى غير أبيه 3، فقال: يا رسول اللَّه! مَنْ أَبِي؟ قال: "أبوك حُذَافَة 4 "، ثم أنشأ عمر فقال: رضينا باللَّه ربًّا، وبالإسلام دينًا، وبمحمد 5 رسولًا، نعوذ باللَّه من الفتن.
فقال رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم-: "ما رأيتُ في12

الخير والشر كاليوم قط، صُوِّر لي 1 الجنة والنار حتى رأيتهما وراء الحائط".
وعنه قال: كنت أخدُم رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- كلما نزل، فكنت أسمعه كثيرًا أن يقول.
"اللهم إني أعوذ بك من الهَمِّ والحَزَن، والعجز والكسل، والبخل والجُبْن، وضِلَع الدَّيْن وغلبة الرجال"، وذكر الحديث 2. وقد تقدم.
2788 - وعنه قال: كان النبي 3 -صلى اللَّه عليه وسلم- يقول: "اللهم إني أعوذ بك من العجز والكسل والجبن والهَرَم، وأعوذ بك من عذاب القبر، وأعوذ بك من فتنة المحيا والممات".
2789 - وعن عائشة: أن النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- كان يقول: "اللهم إني أعوذ بك من الكسل والهَرَم، والمَأْثَم والمَغْرَم، ومن فتنة القبر 4، ومن فتنة النار وعذاب النار، ومن شر فتنة الغِنَى والفقر (5)، وأعوذ بك من فتنة المسيح الدجال، اللهم اغسل عني خطاياي بماء الثلج والبَرَد، ونَقِّ قلبي من الخطايا كما نقَيْتَ الثوب

الأبيض من الدنس، وباعد بيني وبين خطاياي كما باعدت بين المشرق والمغرب".
2790 - وعن سعد بن أبي وقاص: كان يأمر بهؤلاء الخمس كلمات، ويحدثهنَّ عن النبي -صلى اللَّه عليه وسلم-: "اللهم إني أعوذ بك من البخل، وأعوذ بك من الجُبْن، وأعوذ بك (1) مِنْ أنْ أُرَدَّ إلى أَرْذَلِ العُمُر، وأعوذ بك من فتنة الدنيا، وأعوذ بك من عذاب القبر".


(11) باب الدعاء عند الاستخارة

2791 - عن جابر قال: كان النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- يعلمنا الاستخارة في الأمور كلها، كالسورة من القرآن: "إذا همَّ بالأمر 2 فليركع ركعتين (3) ثم يقول: اللهم1

إني أَسْتَخِيرُك بعلمك وأَسْتَقْدِرُكَ بقدرتك، وأسألك من فضلك العظيم؛ فإنك تقدر ولا أقدر، وتعلم ولا أعلم، وأنت علَّام الغيوب.
اللهم إن كنت تعلم هذا (1) الأمر خيرًا (2) لي في ديني ومعاشي وعاقبة أمري -أو قال: في عاجل أمري وآجله- فاقدُره لي، وإن كنت تعلم أن هذا الأمر شر لي في ديني ومعاشي وعاقبة أمري -أو قال: في عاجل أمري وآجله- فاصرفه عني واصرفني عنه، واقدر لي الخير حيث كان، ثم رَضِّنِي به.
ويسمِّي حاجته".
2792 - وعن أبي موسى قال: دعا النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- بماء فتوضأ ثم رفع يديه فقال: "اللهم اغفر لعُبَيْد أبي عامر"، ورأيت بياض إبطيه، فقال: "اللهم اجعله يوم القيامة فوق كثير من خلقك من الناس".


(12) باب الذِّكْر والدعاء إذا علا عَقَبَةً أو هَبَطَ واديًا

2793 - عن أبي موسى قال: كنا مع النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- في سفر، فكنا إذا1

دعونا 1 كبَّرنا، فقال النبي -صلى اللَّه عليه وسلم-: "ارْبَعُوا 2 على أنفسكم، فإنكم لا تدعون أَصَمَّ ولا غائبًا، ولكن تدعون سميعًا بصيرًا"، ثم أتى عليَّ وأنا أقول 3: لا حول ولا قوة إلا باللَّه، فقال: "يا عبد اللَّه بن قيس! قل: لا حول ولا قوة إلا باللَّه، فإنها كنز من كنوز الجنة -أو قال: ألا أدلك على كلمة هي كنز من كنوز الجنة؟ - (4) لا حول ولا قوة إلا باللَّه".
2794 - وعن ابن عمر: أن رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- كان إذا قَفَلَ من غزو أو حج أو عمرة، يُكَبِّر على كل شَرَفٍ من الأرض ثلاث تكبيرات، ثم يقول: "لا إله إلا اللَّه، وحده لا شريك له، له المُلْكُ وله الحمد وهو على كل شيء قدير، آيبون تائبون، عابدون، لربنا حامدون، صدق اللَّه وعده، ونصر عبده، وهزم الأحزاب وحده".


(13) باب الدعاء على مَنْ يُئِسَ مِنْ هدايته مِنَ الكُفَّار، ولمن رجي منهم ذلك

2795 - عن أبي هريرة: أن النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- كان إذا قال: "سمع اللَّه من حمده" في الركعة الآخرة من صلاة العشاء قَنَتَ: "اللهم أَنجِ عيَّاش بن أبي ربيعة، اللهم أنج الوليد بن الوليد، اللهم أَنج سلمة بن هشام، اللهم أَنْجِ المستضعفين من المؤمنين، اللهم اشْدُدْ وطأتك على مُضَر، اللهم اجعلها عليهم سنين كَسِنِي يوسف".
2796 - وعن أبي هريرة قال: قدم الطُّفَيْل بن عمرو على رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- فقال: يا رسول اللَّه! إن دَوْسًا قد عَصَتْ وأَبَتْ، فادعُ اللَّه عليها.
فظن الناس أن (1) يَدْعُوَ عليهم فقال: "اللهم اهْدِ دَوْسًا، وَائْتِ بهم".

    • (1) في "صحيح البخاري": "أنه".
      2795 - خ (4/ 170)، (80) كتاب الدعوات، (58) باب الدعاء على المشركين، من طريق هشام بن أبي عبد اللَّه، عن يحيى، عن أبي سلمة، عن أبي هريرة به، رقم (6393). 2796 - خ (4/ 171)، (80) كتاب الدعوات، (59) باب الدعاء للمشركين، من طريق أبي الزناد، عن الأعرج، عن أبي هريرة به، رقم (6397).

(14) باب التَّنَصُّل من الذنوب والاستغفار منها، وذكر تفاصيل أنواعها

2797 - وعن أبي موسى: عن النبي -صلى اللَّه عليه وسلم-، أنه كان يدعو بهذا الدعاء: "رب اغفر لي خطيئتي وجهلي، وإسرافي في أمري كله، وما أنت أعلم به مني، اللهم اغفر لي خطاياي وعمدي وكل ذلك عندي، اللهم اغفر لي ما قدمت وما أَخَّرْتُ، وما أَسْرَرْتُ وما أعلنتُ، أنت المُقَدِّم وأنت المؤخِّر، وأنت على كل شيء قدير".


(15) باب فضل التهليل والتسبيح والتحميد

2 - عن أبي هريرة: أن رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- قال: "من قال: لا إله إلا اللَّه وحده لا شريك له، له المُلْكُ وله الحمد وهو على كل شيء قدير، في يوم مئة مرة، كانت له عَدْلَ عشر رقاب، وكتبت له مئة حسنة، ومُحِيَتْ عنه مئة سيئة، وكانت له حِرزًا من الشيطان يومه ذلك حتى يُمْسِي،1

ولم يأت أَحَدٌ بأفضل مما جاء به إلا رجل عمل أكثر منه".
2799 - وعن أبي أيوب: عن النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- قال: "من قال عشرًا 1، كان كمن أعتق رقبة من ولد إسماعيل".
وقد رواه عن ابن مسعود 2 قوله.
ورواه أيضًا عن أبي أيوب الأنصاري (3) قوله.
2800 - وعن أبي هريرة: أن رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- قال: "من قال: سبحان اللَّه وبحمده في يوم مئة مرة، حُطَّتْ عنه خطاياه، وإن كانت مثل زَبَدِ البحر".
2801 - وعنه: عن النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- قال: "كلمتان خفيفتان على اللسان،

ثقيلتان في الميزان، حبيبتان إلى الرحمن، سبحان اللَّه العظيم، سبحان اللَّه وبحمده".


(16)

باب

فضل مجالس الذكر، والذاكر 2802 - عن أبي موسى قال: قال النبي -صلى اللَّه عليه وسلم-: "مثل الذي يذكر ربه والذي لا يذكر 1، مثل الحيِّ والميت".
2803 - وعن أبي هريرة قال: قال رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم-: "إن للَّه ملائكة يطوفون في الطرق يلتمسون أهل الذكر، فإذا وجدوا قومًا يذكرون اللَّه تَنَادَوْا: هلموا إلى حاجتكم.
قال: فَيَحُفُونهم بأجنحتهم إلى السماء الدنيا.
قال: فيسألهم ربهم 2 -وهو أعلم منهم-: ما يقول عبادي؟ قال: يقولون (3): يُسَبِّحُونك،

ويُكَبِّرُونَك، ويَحْمَدُونك، ويُمَجِّدُونك.
قال: فيقول: فهل رَأَوْنِي؟ قال: فيقولون: لا، واللَّه ما رَأَوْكَ.
فيقول 1: كيف لو رَأَوْني.
قال: يقولون: لو رَأَوْكَ كانوا أشدَّ لك عبادة، وأشد لك تمجيدًا، وأكثر لك تسبيحًا، قال: فيقول: فما يسألونني؟ 2 قال: يسألونك الجنة.
قال: يقول: وهل رأوها؟ قال: يقولون: لا، واللَّه يا رب ما رأوها.
قال: يقول 3: فكيف لو أنهم رأوها؟ قال: يقولون: لو أنهم رأوها كانوا أشد عليها حِرْصًا، وأشد لها طلبًا، وأعظم فيها رغبة.
قال: فممَّ يتعوّذون؟ قال: يقولون: من النار.
قال: يقول: هل رأوها؟ قال: يقولون 4: لا واللَّه يا رب، ما رأوها.
قال: يقول: فكيف لو أنهم 5 رأوها؟ قال: يقولون: لو رأوها كانوا أشد منها فرارًا، وأشد لها مخافة.
قال: فيقول: فأشهدكم أني قد غفرت لهم.
قال: يقول مَلَكٌ من الملائكة: فيهم فلان ليس منهم، إنما جاء لحاجةٍ.
قال: هم الجُلَساء لا يشقى جليسُهم".


(17) باب

2804 - عن أبي هريرة: أنه سمع رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- يقول: "اللهم، أَيُّما (1) مؤمن سَبَبْتُهُ فاجعل ذلك له قُرْبَةً إليك يوم القيامة".


(18) باب فضل حفظ أسماء اللَّه تعالى

2805 - عن أبي هريرة -روايةً- قال: "للَّه تسعة وتسعون اسمًا، مئة إلا1

واحدة 1، لا يحفظها أحد إلا دخل الجنة، وهو وِتْر يحب الوِتْرَ".
"لا يحفظها": يعني عددًا وفهمًا.
وأحسن ما قيل في قوله: "يحب الوتر": أنه التوحيد؛ أي: أنَّ اللَّه تعالى واحدٌ ويحب أن يُوَحَّد.


(57) كتاب الرقاق

(57) كتاب الرقاق

(1) باب لا عيش إلا عيش الآخرة، وحقارة الدنيا

2806 - وعن سهل بن سعد الساعدي: كنا مع رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- بالخندق (1) وهو يحفر، ونحن ننقل التراب، وبَصُر بنا فقال: اللهم لا عيشَ إلا عيشُ الآخرة ... فاغفر للانصار والمهاجرة 2807 - وعنه قال: سمعت رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- يقول: "موضع سوطٍ في الجنة خير من الدنيا وما فيها، ولَغدوة في سبيل اللَّه أو رَوْحة خير (1) في "صحيح البخاري": "في الخندق".
2806 - خ (4/ 175)، (81) كتاب الرقاق، (1) باب ما جاء في الرقاق، وأن لا عيش إلا عيش الآخرة، من طريق الفضيل بن سليمان، عن أبي حازم، عن سهل بن سعد به، رقم (6414). 2807 - خ (4/ 175)، (81) كتاب الرقاق، (2) باب مثل الدنيا في الآخرة، وقوله تعالى: ﴿أَنَّمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا لَعِبٌ وَلَهْوٌ﴾ إلى قوله: ﴿وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلَّا مَتَاعُ الْغُرُورِ﴾، من طريق عبد العزيز بن أبي حازم، عن أبيه، عن سهل بن سعد به، رقم (6415).

من الدنيا وما فيها".


(2) باب الزهد في الدنيا، وقِصَر الأمل

قال اللَّه تعالى: ﴿قُلْ مَتَاعُ الدُّنْيَا قَلِيلٌ﴾ [النساء: 77] وقال: ﴿ذَرْهُمْ يَأْكُلُوا وَيَتَمَتَّعُوا وَيُلْهِهِمُ الْأَمَلُ فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ﴾ [الحجر: 3].
وقال علي بن أبي طالب -رضي اللَّه عنه- (1): ارتحلت الدنيا مدبرة، وارتحلت الآخرة مقبلة، ولكل واحدة منهما بَنُون، فكونوا من أبناء الآخرة ولا تكونوا من أبناء الدنيا؛ فإن اليوم عمل ولا حساب، وغدًا حساب ولا عمل.
2808 - وعن ابن عمر قال: أخذ رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- بِمَنْكِبِي فقال: "كن في الدنيا كأنك غريب، أو عابر سبيل".
وكان ابن عمر يقول: إذا أمسيت فلا تنتظر الصباح، وإذا أصبحت فلا تنتظر المساء، وخذ من صحتك لمرضك، ومن حياتك لموتك.
2809 - وعن عبد اللَّه بن مسعود قال: خط النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- خطًّا مربعًا، وخطّ (1) خ (4/ 176)، (81) كتاب الرقاق، (4) باب في الأمل وطوله، ذكره البخاري معلقًا في ترجمة الباب.
2808 - خ (4/ 176)، (81) كتاب الرقاق، (3) باب قول النبي -صلى اللَّه عليه وسلم-: "كن في الدنيا كأنك غريب أو عابر سبيل"، من طريق سليمان الأعمش، عن مجاهد، عن عبد اللَّه بن عمر به، رقم (6416). 2809 - خ (4/ 176)، (81) كتاب الرقاق، (4) باب في الأمل وطوله، وقوله تعالى: =

خطًّا في الوسط خارجًا منه، وخط خُططًا صغارًا إلى هذا الخط (1) في الوسط من جانبه الذي في الوسط فقال (2): "هذا الإنسان، وهذا أجله محيط به -أو قد أحاط به- وهذا الذي هو خارجٌ أملُه، وهذا الخُطُطُ الصغار الأعراض، فإنْ أخطأه هذا نهَشَه هذا، وإن أخطأه هذا نهشه هذا".
2810 - وعن أنس قال: خطَّ النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- خُطوطًا فقال: "هذا الأمل، وهذا أجله، فبينما هو كذلك إذ جاءه الخط الأقرب".


(3) باب من بَلَغ ستين سنة فقد أعذر اللَّه إليه. ونعمتان مغبون فيهما

2811 - عن أبي هريرة: . . . .1

عن النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- قال: "أعذر اللَّه إلى امرئ أَخَّر أجله حتى بَلَّغَهُ ستين سنة".
1 - وعنه قال: سمعت رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- يقول: "لا يزال قلب الكبير شابًّا في اثنتين، حُبّ الدنيا وطول الأمل".
2 - وعن أنس بن مالك قال: قال رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم-: "يكبر ابن آدم ويكبر معه اثنتان: حب المال وطول العمر".
3 - وعن ابن عباس قال: قال النبي -صلى اللَّه عليه وسلم-: "نعمتان مغبون فيهما كثير من الناس: الصحة والفراغ".

      • = إليه في العمر، لقوله تعالى: ﴿أَوَلَمْ نُعَمِّرْكُمْ مَا يَتَذَكَّرُ فِيهِ مَنْ تَذَكَّرَ وَجَاءَكُمُ النَّذِيرُ﴾، من طريق مَعْن بن محمد الغفاري، عن سعيد بن أبي سعيد المقبري، عن أبي هريرة به، رقم (6419).

(4) باب ما يُحْذَرُ من زهرة الدنيا، والتنافس فيها

2815 - عن عُقْبَةَ بن عامر: أنَّ 1 النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- خرج يومًا فصلى على أهل أُحُد صلاته على الميت، ثم انصرف إلى المنبر فقال: "إني فَرَطٌ لكم 2، وأنا شهيد عليكم، وإني واللَّه لأنظر إلى حوضي الآن، وإني قد أُعطيت مفاتيح خزائن الأرض 3، وإني واللَّه ما أخاف عليكم أن تشركوا بعدي، ولكني أخاف أن 4 تنافسوا فيها".
2816 - وعن أبي سعيد الخدري قال: قال رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم-: "إن أكثر ما أخاف عليكم ما يُخرج اللَّه لكم من بركات الأرض"، قيل: ما بركات الأرض؟ (5) قال: "زهرة الدنيا"، فقال له رجل: هل يأتي الخير بالشر؟ فصمت

النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- حتى ظننت أنه يُنْزَلُ عليه، ثم جعل يمسح عن جبينه.
قال (1): "أين السائل؟ " قال: أنا.
قال أبو سعيد: لقد حمدناه حين طلع ذلك (2). قال: "لا يأتي الخير إلا بالخير، إن هذا المال خَضِرَةٌ حلوة، وإنَّ كل ما أنبت الربيع يقتل حَبَطًا أو يُلِمُّ، إلا آكلةَ الخَضِرَة، أكلت حتى إذا امتدت خاصِرتاها استقبلت الشمس فاجْتَرتْ وثَلَطَتْ وبالت، ثم عادت فأكلت، وإن هذا المال حلوة، مَنْ أخذه بحقه ووضعه في حقه فنعْمَ المعونة هو، ومَنْ أخذه بغير حقه، كان كالذي يأكل ولا يشبع".
الغريب: "الفَرَط": المتقدم إلى الماء، والجمع فراط.
و"زهرة الدنيا": زينتها.
و"الخير": هنا المال، وقد يقال على مقابل الشر.
و"الخَضِرَة": ما يستطاب من الثمر والفواكه.
و"الحَبَط": انتفاخ الجوف.
و"اجتَزَتْ": أخرجت الجرة فمضغتها.
و"ثَلَطَتْ": ألقت الروث.


(5) باب ذم الحرص على الدنيا

2817 - عن أبي هريرة قال: قال النبي -صلى اللَّه عليه وسلم-: "تَعِسَ عَبْدُ12

الدينارِ والدرهمِ والقَطِيفَة والخَمِيصَة، إن أُعْطِيَ رَضِيَ، وإن لم يعطَ لم يرضَ".
2818 - وعن ابن عباس قال: سمعت النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- يقول: "لو كان لابن آدم واديان من مال لابتغى ثالثًا، ولا يملأ جوف ابن آدم إلا التراب، ويتوب اللَّه على من تاب".
قال ابن عباس 1: فلا أدري أمِنَ القرآن هو أم لا؟ ونحوه عن أنس 2، غير أنه قال: "وادٍ 3 من ذهب".
ونحوه عن سهل بن سعد (4).

2819 - وعن حكيم بن حِزام قال: سألت النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- فأعطاني، ثم سألته فأعطاني، ثم سألته فأعطاني، ثم قال: "إن هذا المال 1 خَضِرة حلوة، فمن أخذه بِطِيب نَفْسٍ بورك له فيه، ومن أخذه بإشراف نفس لم يبارك له فيه 2، واليد العليا خير من اليد السفلى".
2820 - وعن عبد اللَّه قال: قال النبي -صلى اللَّه عليه وسلم-: "أيكم مالُ وارثه أَحَبُّ إليه من ماله؟ " قالوا: يا رسول اللَّه! ما منا أحدٌ إلا مالُه أحبُّ إليه (3). قال: "فإن ماله ما قدَّم، ومال وارثه ما أَخَّر".


(6) باب المُكْثرون هم المُقِلُّون وقوله عز وجل: ﴿مَنْ كَانَ يُرِيدُ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا وَزِينَتَهَا﴾ الآية [هود: 15]

2821 - عن أبي ذر قال: خرجت ليلة من الليالي، فإذا رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- يمشي وحده ليس معه إنسان، فظننت 1 أنه يكره أن يمشي معه أحد.
قال: فجعلت أمشي في ظل القمر، فالتفت فرآني، فقال: "من هذا؟ "، قلت: أبو ذر، جعلني اللَّه فداءك.
قال: "يا أبا ذر تعاله" 2، قال: فمشيت معه ساعة، فقال 3: "إن المكثرين هم المُقلّون 4، إلا من أعطاه اللَّه خيرًا، فنفخ 5 يمينه وشماله وبين يديه ووراءه، وعمل فيه خيرًا"، قال: فمشيت معه، فقال 6: "اجلس هاهنا

حتى أرجع إليك"، قال: فانطلق في الحَرَّة حتى لا أراه، فلبث عني فأطال اللبث، ثم إني سمعته وهو مقبل يقول: "وإن سرق وإن زنى"، قال: فلما جاء لم أصبر حتى قلت: يا نبى اللَّه! جعلني اللَّه فداءك، مَنْ تُكَلَّم في جانب الحرّة؟ ما سمعت أحدًا يرجع إليك شيئًا.
قال: "ذاك جبريل 1، عَرَضَ لي في جانب الحرة قال: بشِّر أمتك أنه من مات لا يشرك باللَّه شيئًا دخل الجنة.
قلت: يا جبريل! وإن سرق وإن زنى؟ قال: نعم (وإن سرق وإن زنى.
قلت: وإن سرق وإن زنى؟ قال: نعم، وإن شرب الخمر") 2. وعنه 3 قال: كنت أمشي مع النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- في حرّة المدينة، فَاسْتَقْبَلَنَا أُحُدٌ فقال: "يا أبا ذر! " فقلت 4: لبيك يا رسول اللَّه.
قال: "ما يسرني أن عندي مثل أُحُدٍ ذهبًا تمضي عليَّ ثالثة وعندي منه دينار، إلا شيء 5 أَرصُده لدَيْني 6،

إلا أقول (1) به في عباد اللَّه هكذا وهكذا وهكذا"، عن يمينه وعن شماله ومن خلفه، ثم مشى، ثم قال: "إن الأكثرين هم المقلُّون يوم القيامة، إلا من قال هكذا وهكذا وهكذا، عن يمينه وعن شماله ومن خلفه، وقليل ما هم"، ثم قال لي: "مكانك لا تَبرح حتى آتيَك"، ثم انطلق في سواد الليل.
. . وذكر نحو ما تقدم.
2822 - وعن أبي هريرة قال: قال رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم-: "لو كان لي مثل أُحُد ذهبًا، ما يسرني أن لا تمر عليَّ ثلاث ليالٍ وعندي منه شيء، إلا شيء (2) أَرصُده لِدَيْنٍ".


(7) باب يذهب الصالحون الأوَّلُ فالأوّل، والغِنَى غنى النَّفْسِ

2823 - عن قيس بن أبي حازم، عن أبي مِرداس الأسلمي قال: قال النبي -صلى اللَّه عليه وسلم-: "يذهب الصالحون الأول فالأول، وتبقى حُفَالة1

كحفالة (1) الشعير أو التمر لا يباليهم اللَّه بالة (2) ". 2824 - وعن أبي هريرة: عن النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- قال: "ليس الغنى عن كثرة العَرَضِ (3)، ولكن الغنى غنى النفس".


(8) باب فضل الفَقْرِ

2825 - عن عمران بن حُصين: عن النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- قال: "اطَّلعتُ في الجنة فرأيت أكثر أهلها الفقراء، واطلعت في النار فرأيت أكثر أهلها النساء".
2826 - وعن أنس قال: لم يأكل رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- على خِوَانٍ12

حتى مات، وما أكل خُبزًا مُرَقَّقًا حتى مات.
2827 - وعن عائشة قالت: لقد توفي النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- وما في رَفِّي من شيء يأكله ذو كَبِد إلا شَطْرَ شعير في رَفٍّ لي فأكلت منه حتى طال عليّ، فَكِلْتُهُ فَفَنِيَ.


(9) باب كيف كان عَيْش النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- وأصحابه

2828 - عن مجاهد: أن أبا هريرة كان يقول: واللَّه الذي لا إله إلا هو، إن كنت لأعتمد بكبدي على الأرض من الجوع، وإن كنت لأشُدُّ الحجر على بطني من الجوع، ولقد قعدت يومًا على طريقهم الذي يخرجون منه، فمرَّ أبو بكر فسألته عن آية من كتاب اللَّه، ما سألته إلا ليُشْبِعَني، فمرَّ ولم يفعل، ثم مَرَّ عمر 1، فسألته عن آية من كتاب اللَّه، ما سألته إلا ليشبعني، فمرَّ ولم يفعل، ثم مرَّ أبو القاسم -صلى اللَّه عليه وسلم- فتبسَّم حين رآني وعرف ما في نفسي وما في (1) في "صحيح البخاري": "ثم مر بي عمر".
= عن قتادة، عن أنس به، رقم (6450). 2827 - خ (4/ 182)، في الموضع السابق، من طريق أبي أسامة، عن هشام، عن أبيه، عن عائشة به، رقم (6451). 2828 - خ (4/ 182 - 183)، (81) كتاب الرقاق، (17) باب كيف كان عيش النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- وأصحابه، وتخليهم عن الدنيا، من طريق عمر بن ذر، عن مجاهد، عن أبي هريرة به، رقم (6452).

وجهي.
ثم قال: "أبا هريرة" (1)، قلت: لبيك يا رسول اللَّه 2. قال: "الحَقْ" ومضى، فاتَبَعْتُه 3، فدخل، فأسْتَأذنُ، فَأذِنَ لي، فدخل فوجد لبنًا في قدح، فقال: "مِنْ أين هذا اللبن؟ " قالوا: أهداه لك فلان -أو فلانة- قال: "أبا هِرّ"، قلت: لبيك يا رسول اللَّه.
قال: "الحَقْ أهل 4 الصُّفَةِ فادعهم لي"، قال: وأهل الصفة أضياف الإسلام، لا يأوون على أهل ولا مال ولا على أحد، إذا أتته صدقة بعث بها إليهم، ولم يتناول منها شيئًا، وإذا أتته هدية أرسل إليهم وأصاب منها وأشركهم فيها، فساءني ذلك، فقلت: وما هذا اللبن في أهل الصُّفَّة، كنت أحق أن أصيب من هذا اللبن شَرْبَةً أتقوَّى بها، فإذا جاؤوا أمرني، وكنت 5 أنا أعطيهم، وما عسى أنْ يبلُغني من هذا اللبن، ولم يكن من طاعة اللَّه وطاعة رسوله 6 بُدٌّ، فأتيتهم فدعوتهم فأقبلوا، فاستأذنوا فَأَذِنَ لهم، وأخذوا مجالسهم من البيت، قال: "يا أبا هريرة" 7، قلت: لبيك يا رسول اللَّه، قال: "فَخُذْ 8 فأعطهم"، فأخذت القدح فجعلت أعطيه الرجل فيشرب حتى يَرْوَى، . . .

ثم يَرُدُّ عليَّ القدح فأعطيه الرجل 1، فيشرب حتى يَرْوى، ثم يرد عليَّ القدح، فانتهيت 2 إلى النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- وقد رَوَى القومُ كلُّهم، فأخذ القدح فوضعه على يده، فنظر إليّ فتبسَّم، قال: "أبا هرّ"، قلت: لبيك يا رسول اللَّه، قال: "بقيتُ أنا وأنت"، قلت: صدقت يا رسول اللَّه، قال: "اقعد فاشرب"، فقعدت فشربت، قال: "اشرب" فشربت، فما زال يقول: "اشرب" حتى قلت: لا والذي بعثك بالحق، ما أجد له مَسلكًا، قال: "فأرني" فأعطيته القدح، فحمد اللَّه وسَمَّى وشرب الفَضْلَة.
2829 - وعن سعد -هو ابن أبي وقاص- أنه قال: إني لأول العرب رمى بسهم في سبيل اللَّه عز وجل 3، ورأيتُنا وما لنا طعام (4) إلا ورق الحُبْلَة، وهذا الشمُر، وإنَّ أحدنا ليضع كما تضع الشاة، ماله خِلْط، ثم أَصْبَحَتْ بنو أسد تُعَزِّرُنِي على الإسلام، خِبْتُ إذن وضَلَّ سَعْيي.
2830 - وعن قتادة قال: كنا نأتي أنس بن مالك وخَبَّازه قائم فقال:

كلوا، فما أعلم النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- رأى رغيفًا مُرَقَّقًا حتى لحق باللَّه، ولا رأى شاة سَمِيطًا بعينه قط.
2831 - وعن عائشة قالت: كان يأتي علينا الشهر، وما نُوقدُ فيه نارًا، إنما هو التمر والماء، إلا أن نؤتى باللحم (1). 2832 - وعن أبي هريرة قال: قال النبي -صلى اللَّه عليه وسلم-: "اللهم ارزق آل محمد قُوتًا".


(10) باب القَصْدِ، والمداومة على العمل

2833 - عن مسروق قال: سألت عائشة: أيّ العمل كان أحب إلى النبي -صلى اللَّه عليه وسلم-؟ قالت: الدائم.
قلت: فأيُّ حينٍ كان يقوم؟ قالت: يقوم إذا 1 في "صحيح البخاري": "اللحيم".
= و (السَّمِيط): ما نزع صوفه، ثم شوي.
2831 - خ (4/ 184)، في الكتاب والباب السابقين، من طريق يحيى، عن هشام، عن أبيه، عن عائشة به، رقم (6458). 2832 - خ (4/ 184)، في الكتاب والباب السابقين، من طريق محمد بن فضيل، عن أبيه، عن عمارة، عن أبي زرعة، عن أبي هريرة به، رقم (6460). 2833 - خ (4/ 184)، (81) كتاب الرقاق، (18) باب القصد والمداومة على العمل، من طريق شعبة، عن أشعث، عن أبيه، عن مسروق، عن عائشة به، رقم (6461).

سمع الصَّارخ.
2834 - وعنها: أن رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- قال: "سَدِّدُوا وقاربوا، واعلموا أن لن يُدْخِل أَحَدَكُمْ عملُه الجنة".
في رواية (1): قالوا: ولا أنت يا رسول اللَّه؟ - قال: "ولا أنا إلا أن يتغمدني اللَّه بمغفرة ورحمة - وإن أحب الأعمال إلى اللَّه أدومها وإن قلّ".
وفي رواية 2: "اكلَفُوا من العمل ما تطيقون".
2835 - وعن أبي هريرة قال: قال رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم-: "لن يُنْجِي أحدًا منكم عملُه"، قالوا: ولا أنت يا رسول اللَّه؟ قال: "ولا أنا، إلا أن يتغمدني اللَّه برحمة، سددوا وقاربوا واغدوا وروحوا، وشيء من الدُّلْجَةِ 3، والقصدَ القصدَ (4) تبلغوا".


(11) باب في الرجاء والخوف والتوكل

قال سفيان: ما في القرآن آية أشد عليَّ من: ﴿لَسْتُمْ عَلَى شَيْءٍ حَتَّى تُقِيمُوا التَّوْرَاةَ وَالْإِنْجِيلَ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ﴾ [المائدة: 68].
1 - عن أبي هريرة: سمعت رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- يقول: "إن اللَّه خلق الرحمة يوم خلقها مئة رحمة، فأمسك عنده تسعًا وتسعين رحمة، وأرسل في خلقه كلهم رحمة واحدة، فلو يعلم الكافر بكل الذي عند اللَّه من الرحمة لم ييأس من الجنة، ولو يعلم المؤمن بكل الذي عند اللَّه من العذاب لم يأمن النار".
وقال اللَّه تعالى: ﴿وَمَنْ يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ﴾ [الطلاق: 3].
وقال الربيع بن خُثَيْم: مِنْ كل ما ضاق على الناس.
2 - وعن ابن عباس: أن رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- قال: "يدخل الجنة من أمتي سبعون ألفًا بغير حساب، هم الذين لا يَسْترقون، ولا يتطيرون، وعلى ربهم يتوكلون".

يعني بذلك: يتركون ذلك كله اتكالًا على اللَّه، ورضًا بما يُجْرِيه.
واللَّه أعلم.


(12) باب حفظ اللسان، وما يكره من قيل وقال وقوله تعالى: ﴿مَا يَلْفِظُ مِنْ قَوْلٍ إِلَّا لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ﴾ [ق: 18].

2838 - عن سهل بن سعد: عن رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- قال: "مَنْ يضمن لي ما بين لَحْيَيْهِ وما بين رجليه، أضمن له الجنة".
2839 - وعن أبي هريرة قال: قال رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم-: "من كان يؤمن باللَّه واليوم الآخر فليقل خيرًا أو ليصْمُت" (1). 2840 - وعنه: عن النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- قال: "إن العبد ليتكلم بالكلمة من رضوان (1) زاد في "صحيح البخاري": "ومن كان يؤمن باللَّه واليوم الآخر فلا يؤذ جاره، ومن كان يؤمن باللَّه واليوم الآخر فليكرم ضيفه".
2838 - خ (4/ 186 - 187)، (81) كتاب الرقاق، (23) باب حفظ اللسان، ومن كان يؤمن باللَّه واليوم الآخر فليقل خيرًا أو ليصمت، وقوله تعالى: ﴿مَا يَلْفِظُ مِنْ قَوْلٍ إِلَّا لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ﴾، من طريق عمر بن علي، عن أبي حازم، عن سهل بن سعد به، رقم (6474)، طرفه في (6807). 2839 - خ (4/ 187)، في الكتاب والباب السابقين، من طريق ابن شهاب، عن أبي سلمة، عن أبي هريرة به، رقم (6475). 2840 - خ (4/ 187)، في الكتاب والباب السابقين، من طريق عبد الرحمن بن عبد اللَّه -يعني ابن دينار-، عن أبيه، عن أبي صالح، عن أبي هريرة به، رقم (6478).

اللَّه، لا يُلقي لها بالًا، يرفعه اللَّه بها درجات، وإن العبد ليتكلم بالكلمة، مِنْ سخط اللَّه، لا يلقي لها بالًا، يَهوي بها في جهنم".
وفي رواية (1): "إن العبد ليتكلم بالكلمة ما يتبين ما فيها، يَزِلُّ بها في النار أبعد مما بين المشرق والمغرب" (2). 2841 - وعن المغيرة بن شعبة: سمعت رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- يقول عند انصرافه من الصلاة: "لا إله إلا اللَّه وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد، وهو على كل شيء قدير"، وكان (3) ينهى عن قيل وقال، وكثرة السؤال، وإضاعة المال، ومَنع وهَات، وعقوق الأمهات، ووأد البنات.


(13) باب الخوف من اللَّه تعالى، والبكاء من خشيته

وقد تقدم في حديث السبعة 4 الذين يظلهم اللَّه في ظله،123

جارٍ التحميل