باب الضيافة وإكرام الضيف، وقوله تعالى: ﴿هَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ ضَيْفِ إِبْرَاهِيمَ الْمُكْرَمِينَ﴾ [الذاريات: 24] وقوله في حديث عبد اللَّه بن عمرو (4): "وإن لزَوْرِكَ عليك حقًّا"
يوم لا ظل إلا ظله: "ورجل ذَكَر اللَّه خاليًا ففاضت عيناه".
2842 - وعن حذيفة: عن النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- قال: "كان رجل ممن كان قبلكم يُسيء الظن بعمله، فقال لأهله: إذا أنا مُتُّ، فحرِّقوني 1 فذروني في البحر، في يومٍ صائف، ففعلوا به، فجمعه اللَّه ثم قال: ما حَمَلك على الذي صنعت؟ قال: ما حملني 2 إلا مخافتُك، فغفَر له".
2843 - وعن أبي سعيد الخدري: عن النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- ذكر رجلًا فيمن كان سلف أو قبلكم، آتاه اللَّه مالًا، قال 3: "فلما حُضِرَ قال لبنيه: أيُّ أبٍ كنت لكم؟ قالوا: خير أبٍ، قال: فإنه لم يَبْتَئِرْ عند اللَّه خيرًا -فسَّرها قتادة: لم يَدَّخر- وإن يَقْدَمْ على اللَّه يعذبه، فانظروا فإذا مُتُّ 4، فأحرقوني حتى إذا صرت فحمًا فاسحقوني -أو قال: فَاسْهَكُوني-، ثم إذا كان ريح عاصف فأذروني فيها، وأخذ مواثيقهم على ذلك، وتوفي، ففعلوا (5)، فقال اللَّه:
كن، فإذا رجل قائم، قال (1): أيْ عبدي، ما حملك على ما فعلت؟ قال: مخافتك -أو فَرَقٌ منك-، فما تلافاه أَنْ رَحِمَه اللَّه (2) ".
(14) باب الانتهاء والحذر عن المعاصي
2844 - عن أبي موسى قال: قال رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم-: "مَثَلي ومَثَلُ ما بعثني اللَّه به، كمثل رجل أتى قومَا فقال: رأيت الجيش بعيني، وإني أنا النذير العُريان، فالنَّجاءَ النجاءَ، فأطاعته طائفة، فَأَدْلَجُوا على مهلهم فَنَجَوْا، وكذَّبته طائفة فصبَّحهم العدو (3) فاجتاحهم".
2845 - وعن أبي هريرة: أنه سمع رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- يقول: "إنما مثلي ومثل الناس كمثل رجل استوقد نارًا فلما أضاءت ما حوله، جعل الفراش وهذه الدواب التي تقع في النار يقَعْن فيها، فجعل يَزَعُهُنَّ ويَغْلِبنَهُ، فَيَتَقَحَّمْنَ12
فيها، فأنا آخذٌ بحُجَزِكم عن النار وأنتم تَقَحَّمون فيها".
الغريب:
"النَّجَاءَ": السرعة، وهو ممدود."النَّذِير": هو المُحَذِّر من الشر.
و"العُرْيَان": الذي يلقي ثيابه عند فجاءة العدو.
و"أدلجوا": ساروا من الليل.
و"الحُجَز": جمع حُجْزَة: السراويل.
"يتقحَّمْن": ينفلتن ويقعن.
(15) باب قوله -صلى اللَّه عليه وسلم-: "لو تعلمون ما أعلم لضحكتم قليلًا، ولبكيتم كثيرًا"، وحُجِبَت النار بالشهوات، وقُرب الجنة والنار
2846 - عن أبي هريرة قال: قال رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم-: "لو تعلمون ما أعلم لضحكتم قليلًا ولبكيتم كثيرًا".
ونحوه عن أنس (1).
2847 - وعن أبي هريرة: أن رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- قال: "حُجبت النار (1) خ (4/ 188)، في الكتاب والباب السابقين، من طريق شعبة، عن موسى بن أنس، عن أنس بلفظ أبي هريرة نفسه، رقم (6486). 2846 - خ (4/ 188)، (81) كتاب الرقاق، (27) باب قول النبي -صلى اللَّه عليه وسلم-: "لو تعلمون ما أعلم لضحكتم قليلًا ولبكيتم كثيرًا"، من طريق ابن شهاب، عن سعيد بن المسيب، عن أبي هريرة به، رقم (6485)، طرفه في (6637).
2847 - خ (4/ 189)، (81) كتاب الرقاق، (28) باب حجبت النار بالشهوات، من طريق مالك، عن أبي الزناد، عن الأعرج، عن أبي هريرة به، رقم (6487).
بالشهوات، وحجبت الجنة بالمكاره".
2848 - وعن عبد اللَّه -هو ابن مسعود- قال: قال النبي -صلى اللَّه عليه وسلم-: "الجنة أقرب إلى أحدكم من شِرَاك نعله، والنار مثل ذلك".
(16) باب ما يتقى من مُحَقَّرَات الذنوب، والأعمال بالخواتيم
2849 - عن أنس بن مالك قال: إنكم لتعملون أعمالًا هي أَدقُّ في أعينكم من الشَّعْر، إِنْ كنا نعدُّها على عهد رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- من المُوبقات.
يعني: المُهْلكات.
2850 - وعن سهل بن سعد الساعدي قال: نظر رسول اللَّه (1) -صلى اللَّه عليه وسلم- إلى رجل يقاتل المشركين، وكان من أعظم المسلمين غَنَاءً عنهم، فقال: "من (1) في "صحيح البخاري": "النبي".
2848 - خ (4/ 189)، (81) كتاب الرقاق، (29) باب الجنة أقرب إلى أحدكم من شراك نعله والنار مثل ذلك، من طريق سفيان، عن منصور والأعمش، عن أبي وائل، عن عبد اللَّه بن مسعود به، رقم (6488).
2849 - خ (4/ 189 - 190)، (81) كتاب الرقاق، (32) باب ما يتقى من محقرات الذنوب، من طريق مهدي هو ابن ميمون، عن غيلان هو ابن جامع، عن أنس به، رقم (6492).
2850 - خ (4/ 190)، (81) كتاب الرقاق، (33) باب الأعمال بالخواتيم، من طريق أبي غسان، عن أبي حازم، عن سهل بن سعد به، رقم (6493).
أحب أن ينظر إلى رجل من أهل النار فلينظر إلى هذا"، فتبعه رجل، فلم يَزَلْ على ذلك حتى جُرح، فاستعجل الموت، فقال بِذُباب سيفه (1)، فوضعه بين ثَدْيَيْهِ فتحامل عليه حتى خرج من بين كتفيه.
فقال النبي -صلى اللَّه عليه وسلم-: "إن العبد ليعمل فيما يرى الناس عمل أهل الجنة وإنه لمن أهل النار، ويعمل فيما يرى الناس عمل أهل النار، وهو من أهل الجنة" (2).
في رواية (3): "وإنما الأعمال بالخواتيم".
(17) باب العزلة راحة من خُلطاء السوء
2851 - عن أبي سعيد الخدري قال: جاء أعرابي إلى النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- فقال: يا رسول اللَّه! أيُّ الناس خير؟ قال: "رجل جاهد بنفسه وماله، ورجل في شِعْبٍ من الشعاب يعبد ربه، ويَدعُ الناسَ من شره".123
2852 - وعن أبي سعيد -أيضًا- قال: سمعت النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- يقول: "يأتي على الناس زمان، خير مال المسلم غنمٌ يَتْبَعُ بها شَعَفَ الجبال ومواقع القَطْر، يفِر بدينه من الفتن".
(18) باب ما يُتَّقى من رفع الأمانة، وكيف ترفع؟
2853 - عن أبي هريرة قال: قال رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم-: "إذا ضُيِّعَتِ الأمانة فانتظر الساعة"، قال: كيف إضاعتها يا رسول اللَّه؟ قال: "إذا أُسْنِد الأمر 1 إلى غير أهله فانتظر الساعة".
2854 - وعن حذيفة قال: حدثنا رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- حديثين، رأيت (1) (إذا أسند الأمر): المراد من الأمر: جنس الأمور التي تتعلق بالدين؛ كالخلافة والإمارة والقضاء والإفتاء وغير ذلك.
2852 - خ (4/ 190)، في الكتاب والباب السابقين، من طريق عبد الرحمن بن أبي صعصعة، عن أبيه، عن أبي سعيد به، رقم (6495).
2853 - خ (4/ 190)، (81) كتاب الرقاق، (35) باب رفع الأمانة، من طريق فليح ابن سليمان، عن هلال بن عليّ، عن عطاء بن يسار، عن أبي هريرة به، رقم (6496).
2854 - خ (4/ 190 - 191)، في الكتاب والباب السابقين، من طريق سفيان، عن الأعمش، عن زيد بن وهب، عن حذيفة به، رقم (6497)، طرفاه في (7086، 7276).
أحدهما، وأنا أنتظر الآخر: حدثنا أن الأمانة نزلت في جَذْرِ قلوب الرجال، ثم علموا من القرآن، ثم عَلِمُوا من السُّنَّة، وحَدَّثنا عن رفعها قال: "ينام الرجل النَّوْمَةَ فتُقبض الأمانة من قلبه، فيظل أثرها مثل أثر الوَكْتِ، ثم ينام النومة فتقبض الأمانة من قلبه (1) فيبقى أثرها مثل المَجْلِ، كجَمْرِ دحرجته على رِجْلك فنَفِطَ، فتراه مُنْتَبِرًا وليس فيه شيء، فيصبح الناس يتبايعون، فلا يكاد أحد 2 يؤدي الأمانة، فيقال: إن في بني فلان رجلًا أمينًا، ويقال للرجل: ما أعقله، وما أظرفه، وما أجلده، وما في قلبه مثقال حبة من خردل من إيمان، ولقد أتى عليَّ زمان، ولا أبالي أيَّكم بايعت 3، لئن كان مسلمًا رده عليّ الإسلام، وإن كان نصرانيًّا أو يهوديًّا رده عليَّ ساعيه، فاما اليوم فما كنت أبايع إلا فلانًا وفلانًا.
الغريب:
"الجَذْر": الأصل من كل شيء، ويقال بكسر الجيم وفتحها.
و"الوَكْت": بالكاف: الأثر الخفي.
ومنه: بُسْر مُوكَت: إذا بدت فيه نقطة من الإرطاب.
و"المَجْل": بالجيم: أثر العمل في الكفّ، يقال منه: مَجَلَتْ يده تَمْجُل: إذا صارت فيها نفاخات من العمل.
وقوله: "بايعت": من البيع، لا من المبايعة، واللَّه أعلم.
2855 - وعن ابن عمر قال: سمعت رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- يقول: "إنما الناس كالإبل المئة لا تجد فيها راحلة".
"الراحلة": الناقة القوية على الارتحال والحمل.
(19) باب التحذير من الرياء والسُّمعة، وأن يرفع شيءٌ من الدنيا
2856 - عن جُنْدُب قال: قال رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم-: "مَن سَمَّع سمَّع اللَّه به، ومن يُراءي يراءي اللَّه به".
2857 - وعن أنس قال: كانت ناقة رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- تسمى العَضْبَاء، وكانت لا تُسبق، فجاء أعرابي على قَعُودٍ فسبقها، فاشتد ذلك على المسلمين وقالوا: سُبقت العضباء (ناقة رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم-) (1) فقال رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم-: "إنَّ حقًّا على اللَّه أن لا يرفع شيئًا من الدنيا، إلا وضعه".
-
- * (1) ما بين القوسين ليس في "صحيح البخاري".
2855 - خ (4/ 191)، في الكتاب والباب السابقين، من طريق شعيب، عن الزهري، عن سالم بن عبد اللَّه، عن عبد اللَّه بن عمر به، رقم (6498). 2856 - خ (4/ 191)، (81) كتاب الرقاق، (36) باب الرياء والسمعة، من طريق سفيان، عن سلمة بن كهيل، عن جندب بن عبد اللَّه به، رقم (6499)، طرفه في (7152). 2857 - خ (4/ 192)، (81) كتاب الرقاق، (38) باب التواضع، من طريق زهير والفزاري وأبي خالد الأحمر، عن حميد الطويل، عن أنس به، رقم (6501).
- * (1) ما بين القوسين ليس في "صحيح البخاري".
(20) باب قوله -صلى اللَّه عليه وسلم-: "بعثت أنا والساعة كهاتين"، وطلوع الشمس من مغربها
2858 - عن سهل -هو ابن سعد- قال: قال رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم-: "بعثت أنا والساعة كهاتين"، ويشير بأصبعيه هكذا 1، فيمدُّهما.
ونحوه عن أنس 2 وأبي هريرة 3.
2859 - وعنه: أن رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- قال (4): "لا تقوم الساعة حتى تطلع الشمس من مغربها، فإذا طلعت فرآها الناس آمنوا أجمعون، فذلك
حينأ ﴿لَا يَنْفَعُ نَفْسًا إِيمَانُهَا﴾ الآية [الأنعام: 158] (1)، ولتقُومَنَّ الساعة وقد نشر الرجلان ثوبيهما (2) فلا يتبايعانه ولا يطويانه، ولتقومن الساعة وقد انصرف الرجل بلبن لِقْحتَه فلا يَطْعَمُه، ولتقومن الساعة وهو يَلِيطُ حوضه فلا يسقى فيه، ولتقومن الساعة وقد رفع أحدكم أُكْلَتَهُ إلى فيه فلا يَطْعَمُها".
(21) باب من أحب لقاء اللَّه أحبَّ اللَّه لقاءه
2860 - عن عبادة بن الصامت، عن النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- قال: "من أحب لقاء اللَّه أحب اللَّه لقاءه، ومن كره لقاء اللَّه كره اللَّه لقاءه"، فقالت 3 عائشة -أو بعض أزواج 4 النبي -صلى اللَّه عليه وسلم-: إنَّا لنكره الموت، قال: "ليس ذلك، ولكن المؤمن إذا حضر 5 الموت بُشِّر برضوان اللَّه وكرامته، فليس شيءٌ أحبَّ إليه مما أمامه،12
فأحب لقاء اللَّه فأحب (1) اللَّه لقاءه، وإن الكافر إن حُضِرَ بُشِّر بعذاب اللَّه وعقوبته، فليس شيء أَكره إليه مما أمامه، فكره لقاء اللَّه، فكره (2) اللَّه لقاءه".
2861 - وعن أبي موسى، عن النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- قال: "من أحبَّ لقاء اللَّه أحبَّ اللَّه لقاءه، ومن كره لقاء اللَّه كره اللَّه لقاءه".
ونحوه عن عائشة (3).
(22) باب في سَكَراتِ الموت، وموت كل إنسان ساعته
2862 - عن عائشة: كانت تقول: إن رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- كانت بين يديه رَكْوَة أو عُلْبَة فيها ماء (4)، فجعل يُدخل يده في الماء فيمسح بها وجهه ويقول:123
"لا إله إلا اللَّه، إن للموت سكرات"، ثم نصَب يده فجعل يقول: "في الرفيق الأعلى" حتى قُبض ومالت يده.
قال أبو عبد اللَّه: العلبة من الخشب، والركوة من الأَدَم.
2863 - وعنها قالت: كان رجلان من الأعراب جفاة يأتون النبي -صلى اللَّه عليه وسلم-، فيسألونه متى الساعة، فكان ينظرُ إلى أَصغرهم فيقول: "إِنْ يَعشْ هذا لا يدركه الهَرَمُ حتى تقوم (1) ساعتكم" (2)، قال هشام: يعني موتهم.
(23) باب الموتى؛ مستريح ومُسْتَراح منه، وما يتبع الميت
2864 - عن أبي قتادة بن رِبْعِيّ الأنصاري: أنه كان يحدث: أن1
رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- مُرَّ عليه بجنازة، فقال: "مستريح ومستراح منه" 1، قالوا: يا رسول اللَّه! ما المستريح، وما المستراح منه؟ قال: "العبد المؤمن يستريح من نَصَب الدنيا وأذاها إلى رحمة اللَّه (2)، والعبد الفاجر يستريح منه العباد والبلاد والشجر والدواب".
2865 - وعن أنس بن مالك قال: قال رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم-: "يتبع الميت ثلاثة، فيرجع اثنان ويبقى واحد، يتبعه أهلُه وماله وعمله، فيرجع أهله وماله، ويبقى عمله".
2866 - وعن ابن عمر قال: قال رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم-: "إذا مات أحدكم عُرض عليه مقعده غُدْوَة وعشية، إما النار وإما الجنة، فقال: هذا مقعدك حتى تُبعث إليه".
2867 - وعن عائشة قالت: قال رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم-: "لا تسبوا الأموات؛ فإنهم قد أَفْضَوْا إلى ما قدّموا".
(24) باب النفخ في الصُّور
قال مجاهد: الصور: كهيئة البوق.
زَجْرَة: صيحة.
وقال ابن عباس: الناقور: الصور.
الرَّاجِفة: النفخة الأولى.
والرَّادِفة: النفخة الثانية.
2868 - وعن أبي هريرة قال: اسْتَبَّ رجلان، رجلٌ من المسلمين ورجل من اليهود، فقال المسلم: والذي اصطفى محمدًا على العالمين، وقال اليهودي: والذي اصطفى موسى على العالمين، قال: فغضب المسلم عند ذلك، فلَطَم وجه اليهودي، فذهب اليهودي إلى النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- 1، فأخبره بما كان من أمره وأمر المسلم، فقال رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم-: "لا تخيّروني على موسى، فإن الناس يُصْعَقُون يوم القيامة، فأكون أول من يُفيق، فإذا موسى باطش بجانب العرش، فلا أدري أكان موسى صَعِقَ فأفاق قبلي، أو كان ممن استثنى اللَّه" 2.
وقد تقدم القول على هذا الحديث في النبوءات.
(25) باب كيفية أرض المحشر، وكيف الحشر
تقدم في التفسير 1.
2869 - عن أبي سعيد الخدري: قال النبي -صلى اللَّه عليه وسلم-: "تكون الأرض يوم القيامة خُبْزَة واحدة، يتكفؤها الجبار بيده، كما يَكْفأ أحدُكم خبزته في السفر، نزلًا لأهل الجنة"، فأتى رجل من اليهود فقال: بارك الرحمن عليك يا أبا القاسم، ألا أخبرك بنُزُل أهل الجنة يوم القيامة؟ قال: "بلى"، قال: تكون الأرض خبزة واحدة، كما قال النبي -صلى اللَّه عليه وسلم-، فنظر النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- إلينا، ثم ضحك حتى بدت نواجذه، ثم قال: "ألا أخبركم بإدامهم؟ "، قال: "إدامهم بالام ونون" قالوا: ما هذا؟ قال: "ثور ونون، يأكل من زائدة كبدهما سبعون ألفًا".
2870 - وعن سهل بن سعد قال: سمعت النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- يقول: "يحشر الناس يوم القيامة على أرض بيضاء عفراء كقُرْصَةِ النَّقِيِّ (2) "، قال سهل، أو
غيره: ليس فيها مَعْلَمٌ لأحد.
2871 - وعن أبي هريرة: عن النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- قال: "يحشر الناس على ثلاث طرائق: راغبين، وراهبين، واثنان على بعير، وثلاثة على بعير، وأربعة على بعير، وعشرة على بعير، وتحشر بقيتهم النار، تَقِيل معهم حيث قالوا، وتبيت معهم حيث باتوا، وتصبح حيث أصبحوا 1، وتُمسي حيث أَمْسَوْا 2 ".
2872 - وعن أنس بن مالك: أن رجلًا قال: يا نبي اللَّه! يحشر 3 الكافر على وجهه؟ قال: "أليس الذي أمشاه على الرجلين في الدنيا قادرًا على أن يمشيه على وجهه يوم القيامة؟ " قال قتادة: بلى وعزة ربنا.
2873 - وعن ابن عباس قال: سمعت النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- يقول -في رواية (4):
يخطب على المنبر-: "إنكم ملاقو اللَّه حُفاةً عراة مشاة غُرْلًا 1 ".
قال سفيان: هذا مما نَعُدُّ أن ابن عباس سمعه من النبي -صلى اللَّه عليه وسلم-.
وفي رواية 2 عنه قال: قام فينا النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- يخطب فقال: "إنكم محشورون حفاة، عُراة، غُرْلًا ﴿كَمَا بَدَأْنَا أَوَّلَ خَلْقٍ نُعِيدُهُ﴾ الآية [الأنبياء: 104]، وإن أول الخلائق يُكسى يوم القيامة إبراهيم 3، وإنه سيجاء برجال من أمتي فيؤخذ بهم ذات الشمال فأقول: يا رب أصحابي (4)، فيقول: إنك لا تدري ما أحدثوا بعدك، فأقول كما قال العبد الصالح: ﴿وَكُنْتُ عَلَيْهِمْ شَهِيدًا مَا دُمْتُ فِيهِمْ﴾ إلى قوله ﴿الْحَكِيمُ﴾ [المائدة: 117]، قال: إنهم لم يزالوا مرتدين على أعقابهم".
2874 - وعن عائشة قالت: قال رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم-: "تحشرون عُراة حُفاة غُرلًا"، قالت عائشة: فقلت: يا رسول اللَّه! الرجال والنساء، ينظر بعضهم إلى
بعض؟ فقال: "الأمر أشد من أنْ يهمهم ذلك".
(26) باب مقدار أهل الجنة وأهل النار
2875 - عن عمرو بن ميمون، عن عبد اللَّه قال: كنا مع النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- في قُبَّة فقال: "أترضون أن تكونوا رُبع أهل الجنة؟ " قلنا: نعم، قال: "أترضون أن تكونوا ثلث أهل الجنة؟ " قلنا: نعم، قال: "والذي 1 نفس محمد بيده إني لأرجو أن تكونوا نصف (2) أهل الجنة، وذلك أن الجنة لا يدخلها إلا نَفْسٌ" مسلمة، وما أنتم في أهل الشرك إلا كالشعرة البيضاء في جلد الثور الأسود، أو كالشعرة السوداء في جلد الثور الأحمر".
2876 - وعن أبي هريرة، عن النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- قال: "أول من يُدعى يوم القيامة
آدم (1) فتراءى ذريته، فيقال: هذا أبوكم آدم، فيقول: لبيك وسعديك، فيقول: أَخْرجْ بَعْثَ جهنم من ذريتك، فيقول: كم أُخْرج (2)؟ فيقول: أخرج من كل مئة تسعةً وتسعين"، فقالوا: يا رسول اللَّه! إذا أُخذ منا من كل مئة تسعة وتسعون، فماذا يبقى منّا؟ قال: "إِنْ أمتي في الأمم إلا كالشعرة (3) البيضاء في الثور الأسود".
(27) باب ﴿إِنَّ زَلْزَلَةَ السَّاعَةِ شَيْءٌ عَظِيمٌ﴾ [الحج: 1]
2877 - عن ابن عمر، عن النبي -صلى اللَّه عليه وسلم-: ﴿يَوْمَ يَقُومُ النَّاسُ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [المطففين: 6] قال: "يقوم أحدكم في رَشْحه إلى أنصاف أذنيه".
2878 - وعن أبي سعيد قال: . . . .12
(قال رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم-) (1): "يقول اللَّه عز وجل (2): يا آدم! فيقول: لبيك وسعديك، والخير في يديك، قال: يقول: أَخرِجْ بَعْثَ النار، قال: وما بعث النار؟ قال: من كل ألف تسع مئة وتسعة وتسعين، فذلك (3) حين يَشيب الصغير، وتضع كل ذات حَمْلٍ حملها، وترى الناس سُكارى وما هم بسُكارى ولكن عذاب اللَّه شديد"، فاشتد ذلك عليهم فقالوا: يا رسول اللَّه! أينا ذلك الرجل؟ فقال: "أبشروا، فإن من يأجوج ومأجوج ألفًا ومنكم رجل"، ثم قال: "والذي نفسي بيده، إني لأطمع أن تكونوا ثلث أهل الجنة" (4)، فَحَمِدْنَا اللَّه وكبرنا، ثم قال: "والذي نفسي بيده إني لأطمع أن تكونوا شَطْرَ أهل الجنة، إنَ مَثَلَكُم في الأمم كمثل الشعرة البيضاء في جلد الثور الأسود، أو كالرَّقْمَة في ذراع الحمار".
(28) باب: أين يبلغ عَرَقُ الناس يوم القيامة؟
2879 - عن أبي هريرة: أن رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- قال: "يَعْرَقُ الناس يوم القيامة1234
حتى يذهب عرقهم في الأرض سبعين ذراعًا ويُلجمهم حتى يبلغ آذانهم".
(29) باب القصاص يوم القيامة، ومن نوقش الحساب عُذِّبَ
2880 - عن شقيق (1)، قال: سمعت عبد اللَّه: قال النبي -صلى اللَّه عليه وسلم-: "أول ما يُقْضَى بين الناس في الدماء".
2881 - وعن أبي هريرة: أن رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- قال: "من كانت عنده مَظْلَمَة لأخيه فليتحلَّلْه منها، فإنه ليس ثَمَّ دينارٌ ولا درهم، من قبل أن يؤخذ لأخيه من حسناته، فان لم تكن حسنات أُخِذَ من سيئات أخيه فطُرِحت عليه".
2882 - وعن أبي سعيد الخدري قال: قال رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم-: "يَخْلُص المؤمنون من النار، فيُحبسون على قنطرة بين الجنة والنار، فيقتص لبعضهم (1) في "صحيح البخاري": "شقيق" كما أثبتناه، وفي الأصل: "عن سفيان".
2880 - خ (4/ 197)، (81) كتاب الرقاق، (48) باب القصاص يوم القيامة، من طريق الأعمش، عن شقيق، عن عبد اللَّه بن مسعود به، رقم (6533)، طرفه في (6864).
2881 - خ (4/ 197)، في الكتاب والباب السابقين، من طريق مالك، عن سعيد المقبري، عن أبي هريرة به، رقم (6534).
2882 - خ (4/ 197 - 198)، في الموضع السابق، من طريق يزيد بن زريع، عن سعيد، عن قتادة، عن أبي المتوكل الناجي، عن أبي سعيد الخدري به، رقم (6535).
من بعض مظالم كانت بينهم في الدنيا، حتى إذا هُذِّبوا ونُقُّوا، أُذن لهم في دخول الجنة، فوالذي نفس محمد بيده لأحدهم أَهْدى بمنزله في الجنة منه بمنزله كان في الدنيا".
2883 - وعن عائشة، عن النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- قال: "من نوقش الحساب عُذِّبَ"، قالت: قلت: أليس يقول اللَّه (1): ﴿فَسَوْفَ يُحَاسَبُ حِسَابًا يَسِيرًا﴾ [الانشقاق: 8]؟ قال: "ذلك العَرْض".
وفي رواية (2): "وليس أحدٌ يُنَاقَشُ الحساب يوم القيامة إلا عُذِّب".
(30) باب مكالمة اللَّه الخلق يوم القيامة مشافهة، وكم يدخل الجنة بغير حساب؟
2884 - عن عدي بن حاتم قال: قال النبي -صلى اللَّه عليه وسلم-: "ما منكم من أحد إلا1
سيكلمه اللَّه يوم القيامة، ليس بينه وبينه تَرْجُمان، ثم ينظر فلا يرى شيئًا قُدَّامه، ثم ينظر بين يديه فتستقبله النار، فمن استطاع منكم أن يتقي النار، ولو بِشِقِّ تمرة".
2885 - وعن ابن عباس قال: قال النبي -صلى اللَّه عليه وسلم-: "عُرضت عليَّ الأمم، فأجد النبي يمر معه الأمة، والنبي يمر معه النفر، والنبي معه العشرة 1، والنبي يمر معه الخمسة، والنبي يمر وحده، فنظرت فإذا سواد كثير، قلت: يا جبريل! هؤلاء أمتي؟ قال: لا، ولكن انظر إلى الأفق، فنظرت فإذا سواد كثير، قال: هؤلاء أمتك، وهؤلاء سبعون ألفًا قدَّامهم، لا حساب عليهم ولا عذاب، قلت: ولِمَ؟ قال: كانوا لا يَكْتَوون ولا يَسْتَرقون ولا يتطيرون، وعلى ربهم يتوكلون"، فقام إليه عُكَّاشة بن مِحْصَن فقال: ادعُ اللَّه أن يجعلني منهم، قال: "اللهم اجعله منهم"، ثم قام إليه رجل آخر قال: ادع اللَّه أن يجعلني منهم، قال: "سبقك بها عكاشة" 2.
قلت: هذا الحديث رواه البخاري فقال: حدثني أَسِيد بن زيد، ويكنى أبا محمد، يعرف بالجمال -بالجيم-، انفرد به البخاري، وهو ضعيف، ضعفه ابن معين وغيره، وإنما أَدخل البخاري حديثه على معنى الاعتبار، نقلته من
حواشٍ على الأصل.
وفي الباب عن أبي هريرة (1)، وسهل بن سعد (2)
(31) باب شفاعة النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- لأهل الموقف، ولأهل الكبائر من أمته
2886 - عن أنس بن مالك قال: قال رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم-: "يجمع اللَّه الناس يوم القيامة فيقولون: لو استشفعنا إلى ربنا حتى يريحنا من مكاننا، فيأتون آدم فيقولون: أنت الذي خلقك اللَّه بيده، ونفخ فيك من روحه، وأمر ملائكته فسجدوا 3، فاشفع لنا عند ربنا، فيقول: لستُ هُنَاكم، ويَذكُر خطيئته، ائتوا 4 نوحًا أول رسول بعثه اللَّه، فيأتونه، فيقول: لست هناكم، ويذكر خطيئته، ائتوا إبراهيم الذي اتخذه اللَّه خليلًا، فيأتونه، فيقول: لست12
هناكم، ويذكر خطيئته، ائتوا موسى الذي كلمه اللَّه، فيأتونه فيذكر خطيئته 1، ائتوا عيسى، فيأتونه فيقول: لست هناكم، ائتوا محمدًا 2 فقد غفر له ما تقدم من ذنبه وما تأخر، فيأتوني، فأستأذن على ربي، فإذا رأيته وقعت 3 ساجدًا، فَيَدَعُنِي ما شاء، ثم يقال لي: ارفع رأسك، وسَلْ تُعْطَهْ، وقُلْ يُسْمَعْ، واشفع تشفَّع، فأرفع رأسي فأحمَدُ ربي بتحميدٍ يُعَلِّمُنِي، ثم أشفع، فَيُحِدُّ لي حَدًّا، ثم أخرجهم من النار وأدخلهم الجنة، ثم أعود فأقع ساجدًا مثله في الثالثة أو الرابعة حتى لا يبقى 4 في النار إلا مَنْ حبسه القرآن".
وكان قتادة يقول عند هذا: أي وجب عليه الخلود.
2887 - وعن عمران بن حُصين، عن النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- قال: "يخرج قوم من النار بشفاعة محمد -صلى اللَّه عليه وسلم-، فيسميهم أهلُ الجنة الجَهَنَّميين".
ونحوه عن ابن عمر 5، غير أنه قال: "بعدما مسَّهم منها سَفَعٌ".
2888 - وعن أبي هريرة أنه قال: قلت يا رسول اللَّه! مَنْ أسعد الناس بشفاعتك يوم القيامة؟ قال: "لقد ظننتُ يا أبا هريرة أن لا يسألني عن هذا الحديث أحدٌ أول منك؛ لِمَا رأيتُ مِنْ حرصك على الحديث، أسعدُ الناس بشفاعتي يوم القيامة من قال: لا إله إلا اللَّه خالصًا من قلبه" 1.
2889 - وعن عمرو، عن جابر: أن النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- قال: "يخرج من النار بالشفاعة كأنهم الثعارير"، قلت: ما الثعارير؟ قال: الضَّغَابيس.
وكان قد سقط فَمُه.
2890 - وعن أبي سعيد الخدري: أن رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- قال: "إذا دخل أهلُ الجنةِ الجنةَ، وأهل النارِ النارَ، يقول اللَّه عز وجل 2: من كان في قلبه مثقال حبّة من خَرْدلٍ من إيمان فأخرجوه، فيخرجون قد امتُحِشُوا، وصاروا (3) حُمَمًا، فَيُلْقَوْن في نهر الحياة فينبُتون كما تَنبُت الحِبَّة في حَمِيل
السيل (1)، قال النبي -صلى اللَّه عليه وسلم-: ألم تروا (2) أنها تخرج صفراء ملتوية".
الغريب:
"الضغابيس": صغار القثاء، قاله ابن الأعرابي، وقال أبو عُبيد: هي شبه قثاء صغير تؤكل -يعني الضغابيس-، وهي الشعارير أيضًا -بالشين-، وقال الأصمعي: الضغابيس: نبت ينبت في أصول الشَّمَّام يشبه الهليون، يُسْلق ويؤكل بالخل والزيت.
وقال أيضًا: الضغابيس: نبت ضعيف، يشبه الضعيف من الرجال.
قلت: وهذا أشبه ما قيل فيه وأقرب من التشبيه المذكور في الحديث.
وواحد الضغابيس: ضُغْبُوس، وواحد الثعارير: ثعرور، ويقال فيها أيضًا: طراثيث، وواحدها: طرثوث.
واللَّه أعلم.
(32) باب صفة الجنة، ومَنْ أكثرُ أهلها، وصفة النار، ومَنْ أكثر أهلها
2891 - عن أبي سعيد الخدري قال: قال رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم-: "يقول اللَّه عز وجل12
لأهل الجنة 1: يا أهل الجنة! فيقولون: لبيك وسعديك 2، فيقول: هل رضيتم؟ فيقولون: وما لنا لا نرضى، وقد أعطيتنا ما لم تعط أحدًا من خلقك، فيقول: أنا أُعْطيكم أفضل من ذلك، قالوا: يا رب! وأي شيء أفضل من ذلك؟ قال: أُحِلُّ عليكم رضواني فلا أسخط عليكم بعده أبدًا".
2892 - وعن أبي حازم، عن سهل بن سعد: أن رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- قال: "ليدخلن الجنة من أمتي سبعون ألفًا -أو سبع مئة ألف- لا يدري أبو حازم أيهما قال - متماسكون، آخذ بعضهم بعضًا، لا يدخل أولهم حتى يدخل آخرهم، وجوههم على صورة القمر ليلة البدر".
2893 - وعن سهل بن سعد، عن النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- قال: "إن أهل الجنة ليَتَرَاءَوْنَ الغُرَفَ في الجنة، كما تتراءون الكوكبَ في السماء".
زاد من حديث أبي سعيد (3): "كما تراءَوْن الكوكب الغابر في الأفق الغربي والشرقي".
2894 - وعن أنس قال: أصيب حارثة يوم بدر، وهو غلام، فجاءت أمه إلى النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- فقالت: يا رسول اللَّه! قد عرفتَ منزلة حارثة مني، فإن يك في الجنة أصبر وأحتسب، وإن تكن الأخرى ترى ما أصنع، فقال: "ويحك -أَوَهَبِلْتِ- أَوَجنةٌ واحدة هي؟ إنها جنات (1) كثيرة، وإنه لفي جنة الفردوس".
2895 - وعن عمران، عن النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- قال: "اطَّلَعْتُ في الجنة فرأيت أكثر أهلها الفقراء، واطلعت في النار فرأيت أكثر أهلها النساء".
2896 - وعن أسامة، عن النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- قال: "قمتُ على باب الجنة، وكان عامة مَنْ دخلها الفقراء، واطلعت على النار فكان عامة من دخلها النساء".
2897 - وعن أبي هريرة، عن النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- قال: "ما بين مَنْكِبَي الكافر مسيرة ثلاثة أيام للراكب المُسْرِع".
(1) في "صحيح البخاري": "جنان".
2894 - خ (4/ 200)، في الكتاب والباب السابقين، من طريق معاوية بن عمرو، عن أبي إسحاق، عن حميد، عن أنس به، رقم (6550).
2895 - خ (4/ 200)، في الموضع السابق، من طريق عوف، عن أبي رجاء، عن عمران به، رقم (6546).
2896 - خ (4/ 200 رقم 6547) في الكتاب والباب السابقين.
كذا في الأصل، وفي "صحيح البخاري": "فكان عامة من دخلها المساكين وأصحاب الجَدِّ محبوسون، غير أن أصحاب النار قد أمر بهم إلى النار، وقمت على باب النار فإذا عامة من دخلها النساء".
2897 - خ (4/ 200)، (81) كتاب الرقاق، (51) باب صفة الجنة والنار، من طريق الفضل بن موسى، عن الفضيل، عن أبي حازم، عن أبي هريرة به، رقم (6551).
وقد تقدم حديث ذبح الموت في (التفسير) (1). 2898 - وعن النعمان بن بَشِير (2) قال: سمعت النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- يقول: "إن أهون أهل النار عذابًا يوم القيامة، رجل في أَخْمَصِ (3) قدميه جمرتان يغلي منهما دماغه، كما يغلي المِرْجَل بالقُمْقم".
(33) باب الصراط جسر جهنم
2899 - عن أبي هريرة قال: قال أناس (4): يا رسول اللَّه! هل نرى ربنا يوم القيامة؟ فقال: "هل تُضَارُّون في الشمس ليس دونها سحاب؟ قالوا: لا يا رسول اللَّه، قال: "هل تُضَارُّون في القمر ليلة البدر ليس دونه سحاب؟ "123
قالوا: لا يا رسول اللَّه، قال: "فإنكم ترونه يوم القيامة كذلك.
يجمع اللَّه الناس فيقول: مَنْ كان يعبد شيئًا فليتبعه، فيتبع منْ كان يعبد الشمس، ويتبع من كان يعبد القمر، ويتبع من كان يعبد الطواغيت، وتبقى هذه الأمة فيها منافقوها، فيأتيهم اللَّه عزَّ وجل 1 في غير الصورة التي يعرفون، فيقول: أنا ربكم، فيقولون: (نعوذ باللَّه منك، هذا مكاننا حتى يأتينا ربنا، فإذا أتانا ربنا عرفناه، فيأتيهم اللَّه في الصورة التي يعرفون، فيقول: أنا ربكم، فيقولون) 2: أنت ربنا، فيتبعونه، ويضرب جسر جهنم -قال رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم-: فأكون أول من يُجِيز، ودعاء الرسل -صلى اللَّه عليه وسلم- يومئذٍ: اللَّهم سلِّم سلِّم، وفيه 3 كلاليب مثل شوك السَّعْدان، أما رأيتم شوك السعدان؟ "، (قالوا: بلى يا رسول اللَّه، قال: "فإنَّها مثل شوك السَّعْدَان؟ ) 4 غير أنَّه لا يعلم قدر عظمها إلَّا اللَّه، فتخطف الناس بأعمالهم، منهم المُوبَقُ بعمله، ومنهم المُخَرْدَل، ثم ينجوا حتى إذا فرغ اللَّه من العباد 5، وأراد أن يُخرج مِنَ النار مَنْ أراد ممن كان يشهد أن لا إله إلَّا اللَّه، أمر الملائكة أن يخرجوهم فيعرفونهم بعلامة آثار السُّجود، وحرم اللَّه على النار أن تأكل من ابن آدم أثر السُّجود، فيخرجونهم قد امْتُحِشُوا، فيصب عليهم ماء يقال له ماء الحياة، فينبتون نبات الحِبَّةِ في حَمِيل السيل، ويبقى رجل منهم مقبل بوجهه على النار فيقول: يا رب، قد قَشَبَنِي رِيحُها وأحرقني
ذَكَاؤُهَا، فاصرف وجهي عن النار، فلا يزال يدعو اللَّه، فيقول: لعلك إن أعطيتُك أن تسألني غيره؟ فيقول: لا وعزَّتك، لا أسألك غيره، فيصرف وجهه عن النار، ثم يقول بعد ذلك: يا رب! قرِّبني إلى باب الجنة، فيقول: أليس قد زعمت أن لا تسألني غَيْرَه، ويلك يا ابن آدم، ما أغْدَرَك.
فلا يزال يدعو، فيقول: لعلي إن أعطيتك ذلك أن 1 تسألنِي غيره؟ فيقول: لا وعزتك، لا أسألك غيره، فيعطي اللَّهَ من عهود 2 ومواثيق أن لا يسأله غيره، فيقربه إلى باب الجنة، فإذا رأى ما فيها سكت ما شاء اللَّه أن يسكت، ثم يقول: يا رب! أدخلني الجنة، فيقول: أولستَ 3 قد زعمت أن لا تسألني غيره، ويلك يا ابن آدم، ما أغدرك.
فيقول: يا رب! أتجعلني 4 أشقى خلقك، فلا يزال يدعو حتى يضحك، فإذا ضحك منه أذن له بالدخول فيها، فإذا دخل فيها قيل له 5: تَمَنَّ من كذا، فيتمنى حتى يقال 6 له: تمنَّ من كذا، فيتمنى حتى تنقطع به الأماني، فيقول 7: هذا لك ومثله معه".
قال أبو هريرة: وذلك الرجل هو 8 آخر أهل الجنة دخولًا الجنة،
قال 1: وأبو سعيد جالس مع أبي هريرة لا يغير عليه شيئًا من حديثه حتى انتهى إلى قوله: "هذا لك ومثله معه"، قال أبو سعيد: سمعت رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- يقول: "هذا لك وعشرة أمثاله"، قال أبو هريرة: حفظتُ: "ومثله معه".
الغريب:
"الطواغيت": جمع طاغوت، وهو كل معبود سوى اللَّه تعالى.
وقوله: "فيأتيهم اللَّه في غير الصورة التي يعرفون" معناه -واللَّه أعلم-: أن اللَّه تعالى يظهر لهم صورة هائلة امتحانًا لهم، وكما قال مسلم في هذا الحرف: "فيأتيهم اللَّه في صورة غير التي يعرفون"؛ أي بصورة؛ بالفاء بمعنى الباء، كما قال تعالى: ﴿هَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا أَنْ يَأْتِيَهُمُ اللَّهُ فِي ظُلَلٍ مِنَ الْغَمَامِ﴾؛ أي: بِظُلَل.
وهذا محتمل، والتسليم أسلم.
واللَّه بمراد رسوله أعلم.
و"السَّعْدَان": نبت له شوك، وهي مَرْعَى حَسَن، إذا أكلته الإبل سَمِنَت.
و"الموبق": المهلك.
و"المُخَرْدل": الذي تخدشه الكلاليب، أي تقطعه.
و"امْتُحِشُوا": احترقوا وتغيروا.
و"قَشَبَنِي": أيبسني.
"ذَكَاؤُها": شدتها ووهجها.
وضحك اللَّه تعالى: رحمته وإحسانه.
و"غضبه": عقابه وانتقامه.
(34) باب في الحوض، وقول اللَّه -عزَّ وجلَّ-: ﴿إِنَّا أَعْطَيْنَاكَ الْكَوْثَرَ﴾ [الكوثر: 1]
2900 - عن عبد اللَّه: عن النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- قال: "أنا فَرَطكم على الحوض، وليُرْفَعَنَّ معي رجال منكم، ثم ليختلجُنَّ 1 دوني، فأقول: يا رب! أُصَيْحابي 2، فيقال: إنك لا تدري ما أحدثوا بعدك".
2901 - وعن ابن عمر، عن النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- قال: "أمامكم حوضي، كما بين جَرْبَاء وأَذْرُح".
2902 - وعن عبد اللَّه بن عمرو (3) قال: قال النبي -صلى اللَّه عليه وسلم-: "حوضي مسيرة
شهر، وماؤه 1 أبيض من اللبن، وريحه أطيب من المسك، وكِيزانه كنجوم السماء، من يشرب 2 منه فلا يظمأ أبدًا".
2903 - وعن أنس بن مالك: أن رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- قال: "إنَّ قَدْرَ حوضي كما بين إيلياء 3 وصنعاء من اليمن، وإن فيه الأباريق 4 كعدد نجوم السماء".
2904 - وعن أنس بن مالك: أن رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- قال: "بينما أنا أسير في الجنة، إذا أنا (5) بنهر حافتاه قِباب الدرِّ المُجَوف، قلت: ما هذا يا جبريل؟ قال: هذا الكوثر الذي أعطاك ربك، فإذا طيبه -أو طينه- مسك أَذْفَر"، شك هُدْبَةُ.
2905 - وعن سهل بن سعد قال: قال النبي -صلى اللَّه عليه وسلم-: "إنِّي فَرَطُكم على
الحوض، من مَرَّ عليّ يشرب 1، ومن شرب لم يظمأ أبدًا، لَيَرِدَنَّ عليَّ أقوام أعرفهم ويعرفوني ثم يُحال بيني وبينهم".
ومن حديث أبي سعيد 2: "فأقول: إنهم مني، فيقال: إنك لا تدري ما أحدثوا بعدك فأقول: سُحْقًا سُحْقًا لمن غيَّر بعدي".
2906 - وعن أبي هريرة: أنَّه كان يحدِّثُ: أن رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- قال: "يَرِدُ عليَّ يوم القيامة رهط من أصحابي فيُحَلَّؤُونَ 3 عن الحوض، فأقول: يا رب! أصحابي، فيُقال: إنك لا علم عندك 4 بما أحدثوا بعدك، إنهم ارتدُّوا على أدبارهم القَهْقَرى".
وفي رواية 5 للزهري 6: "فيُجْلَوْن".
وعن أبي هريرة 1 -أيضًا-: عن النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- قال: "بينا أنا نائم، إذا 2 زُمْرة، حتى إذا عرفتهم وعرفوني، خرج رجل بيني وبينهم 3 فقال: هَلُمَّ، فقلت: إلى أين؟ قال: إلى النار واللَّه، قلت: ما شأنهم؟ 4 قال: إنهم ارتدوا بعدك على أدبارهم القهقرى، ثم إذا زمرة عرفتهم 5، خرج رجل بيني وبينهم 6 فقال: هلم، فقلت: إلى أين؟ قال: إلى النار واللَّه، قلت: ما شأنهم؟ قال: ارتدوا 7 على أدبارهم القهقرى، فلا أراه يَخلُص منهم مثل هَمَل النَّعَم" 8. 2907 - وعن حارثة بن وهب قال: سمعت النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- وذكر الحوض
فقال: "كما بين المدينة وصنعاء".
1 - ومن حديث المُستَورد: "الآنية فيه مثل الكواكب".
2 - وعن أسماء بنت أبي بكر قالت: قال النبي -صلى اللَّه عليه وسلم-: "إنِّي على الحوض حتى انظر من يَرِدُ عليَّ منكم، وسيؤخذ ناس دوني فأقول: يا رب! منّي ومن أمتي، فيقال: هل شَعَرْتَ ما عملوا بعدك، واللَّه ما برحوا يرجعون على أعقابهم".
وكان ابن أبي مُلَيْكَة يقول: اللَّهم إنا نعوذ بك أن نرجع على أعقابنا، أو نُفتن عن ديننا.
الغريب:
"ليختلجنَّ من دوني": من عندي.
و"جَرْبَاء" و"أَذْرَح": قريتان بالشام بينهما مسيرة ثلاثة أيَّام.
قاله السَّمرقندي.
وهذا مخالف لقوله: "كما بين المدينة وصنعاء" ولقوله: "كما بين أَيْلَة وصنعاء"، ويرتفع هذا: بأن هذه الأقوال صدرت على جهة الإغياء في بُعد أقطار الحوض، وخاطب -صلى اللَّه عليه وسلم- أهل كل جهة بما يعرفون من المواضع، وهو تمثيل وتقريب لكل أحد بما يعرفه من تلك المواضع، واللَّه أعلم.
و"الكوثر": بمعنى الكثرة، وعَدَلَ عنها للمبالغة.
و"سُحقًا سُحقًا": بُعدًا بعدًا.
و"يحلؤون": بالحاء والهمزة هو الصحيح، ومعناه: يُطردون عن الماء.
و"يجلون": بالجيم بمعناه.
و"النَّعَم": الإبل.
و"هَمَلُهَا": مهملها، وهي التي لا راعي لها.
و"عقب الرحل": آخِرُه، ومن ذلك: رجع على عقبه: انصرف عن وجهه وأَقبل على ما وراءه.