باب (1) إذا قالت المرأة: إنها حاضت في شهر ثلاث حيض وما يصدق النساء فيه من ذلك
المعجزة بالعقل والإجماع، ومن الكبائر بالإجماع، واختُلِفَ في الصغائر التي لا تزري بالمناصب هل يصح وقوعها منهم أم لا؟ على قولين قد بينا متمسكات كل منهما في كتابنا "المُفْهِم".
و"الحَوْل": الحركة.
و"القُوَّةَ": القدرة؛ أي: ليس لنا بشيء من ذلك إلا إذا خلق اللَّه لنا ذلك.
598 - وعن عُبَادة بن الصامت: عن النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- قال: "مَنْ تَعارَّ من الليل فقال: لا إله إلا اللَّه وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد، وهو على كل شيء قدير، الحمد اللَّه، وسبحان اللَّه، ولا إله إلا اللَّه (1)، واللَّه أكبر، ولا حول ولا قوة إلا باللَّه.
ثم قال: اللهم اغفر لي -أو دعا- استجيب له، فإن توضأ قبلت صلاته".
قوله: "تَعارَّ"؛ أي: هَبَّ من نومه ورفع صوته.
(20) باب ما يفعله الشيطان في النائم بالليل إذا لم يُصَلِّ
599 - عن أبي هريرة: أن رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- قال: "يَعْقِدُ الشيطان على (1) قوله: (ولا إله إلا اللَّه) أثبثناها من "صحيح البخاري"، وقد سقطت من الأصل.
598 - خ (1/ 358)، (19) كتاب التهجد، (21) باب: فضل من تَعَارَّ من الليل فصلى، من طريق الوليد، عن الأوزاعي، عن عمير بن هانئ، عن جُنَادة بن أبي أمية، عن عبادة بن الصامت به، رقم (1154).
599 - خ (1/ 355)، (19) كتاب التهجد، (12) باب: عقد الشيطان على قافية الرأس =
قافية رأس أحدكم إذا هو نام ثلاث عُقَدٍ، يضرب على مكان (1) كل عقدة: عليك ليلٌ طويلٌ فارقد، فإن استيقظ فذكر اللَّه انحَلَّتْ عقدة، فإن توضأ انحَلَّت عقدة، فإن صلى انحَلَّت عقدة، فأصبح نشيطًا طيب النفس، وإلا أصبح خبيث النفس كسلان".
600 - وعن أبي وائل، عن عبد اللَّه قال: ذكر عند النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- رجلٌ فقيل: ما زال نائمًا حتى أصبح، ما قام إلى الصلاة فقال: "بال الشيطان في أُذُنِهِ".
الغريب:
"قافية الرأس": مؤخره، وهذا العَقْدُ هو بكلام الشيطان كعقد السواحر، وحاصله أنه يغرُّه ويخدعه بطول الليل حتى ينام، فيحرم قيام الليل.
و"بول الشيطان" لا إخَالُه في بقائه في ظاهره، ويحتمل أن يراد به أنه يصرفه عن الصارخ والمُنَبِّهِ، بما يقرُّه في أُذُنِهِ حتى لا ينتبه، فكأنه ألقى في أذنه بوله، فأثقل سمعه بذلك، ويحتمل أن يكون عبارة عن اسْتِرْذَالِهِ له، وجعله أذنه كالمحل الذي يبال فيه.
واللَّه أعلم.
-
- * (1) "على مكان" أثبتناه من "صحيح البخاري".
= إذا لم يصل بالليل، من طريق مالك، عن أبي الزناد، عن الأعرج، عن أبي هريرة به، رقم (1142)، طرفه في (3269). 600 - خ (1/ 355)، (19) كتاب التهجد، (13) باب: إذا نام ولم يُصَلِّ بال الشيطان في أذنه، من طريق أبي الأحوص، عن منصور، عن أبي وائل، عن عبد اللَّه -هو ابن مسعود- به، رقم (1144)، طرفه في (3270).
- * (1) "على مكان" أثبتناه من "صحيح البخاري".
(21) باب ما يكره من التشديد في العبادة
601 - عن أنس بن مالك قال: دخل النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- المسجد فإذا حبل ممدود بين السَّاريتين فقال: "ما هذا الحَبْلُ؟ " قالوا: هذا حبل لزينب، فإذا فَتَرَتْ تعلَّقت، فقال النبي -صلى اللَّه عليه وسلم-: "لا 1، حُلُّوهُ.
لِيُصَلِّ أحدكم نَشَاطَهُ، فإذا فتر فليقعد".
602 - وعن عائشة قالت: كانت عندي امرأة من بني أسد فدخل عليَّ رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- قال: "من هذه؟ " قلت: فلانة -لا تنام بالليل 2 - تذكر 3 من صلاتها.
قال: "مَهْ، عليكم بما (4) تطيقون من الأعمال؛ فإن اللَّه لا يَمَلُّ حتى تَملوا".
603 - ومن حديث عبد اللَّه بن عمر: قال لي النبي -صلى اللَّه عليه وسلم-: "ألم أُخْبَرْ أنك
تقوم الليل وتصوم النهار؟ " قلت: إني أفعل ذلك.
قال: "فإنك إذا فعلتَ ذلك هَجَمَتْ عينُك، ونفِهَتْ نفسُكَ، إنَّ لنَفْسِك حقًّا، ولأهلك حقًّا (1) فصُمْ وأفطر، وقم ونَمْ".
الغريب:
"مَهْ": معناه كُفَّ: و"لا يَمَل": لا يقطع ثوابه حتى ينقطع العامل عن العمل، و"هَجَمَتْ عينك": أي: بالنوم؛ أي: يَغْلِبُهَا، ويحتمل بالضعف والمرض؛ لكثرة السَّهَر.
و"نَفِهَتْ نفسك": أي: عييت وتَعِبَتْ.
(22) باب ما جاء في ركعتي الفجر
604 - عن عائشة قالت: لم يكن رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- على شيء من النوافل أشد (2) معاهدة منه على ركعتي الفجر.
605 - وعنها قالت: كان النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- إذا صلى ركعتي الفجر اضطجع على شقه الأيمن.1
606 - وعنها قالت؛ كان رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- إذا صلى (1)؛ تعني: ركعتي الفجر، فإن كنت مستيقظة حَدَّثَنِي، وإلا اضطجع حتى يُؤَذَّنَ بالصلاة.
607 - وعنها قالت: كان رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- يخفف الركعتين اللتين قبل الفجر، حتى إني لأقول: هل قرأ بأم القرآن (2).
608 - وعنها قالت: كان رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- يصلي بالليل ثلاث عشرة ركعة، ثم يصلي إذا سمع النداء بالصبح ركعتين خفيفتين.
(23) باب ما جاء في الضُّحَى
609 - عن أبي هريرة قال: أوصاني خليلي بثلاث لا أدعهن حتى أموت:1
صوم ثلاثة أيامٍ من كل شهر، وصلاةِ الضحى، ونومٍ على وتر.
610 - وعن عائشة قالت: ما رأيت رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- سَبَّح سُبْحَةَ 1 الضحى، وإني لأُسَبِّحُهَا 2.
611 - وعن مُوَرِّقٍ قال: قلت لابن عمر: تصلي الضحى؟ قال: لا.
قلت: فعمر؟ قال: لا.
قلت: فأبو بكر؟ قال: لا.
قلت: فالنبي -صلى اللَّه عليه وسلم-؟ قال: لا إخاله (3).
612 - وعن أنس قال: قال رجل من الأنصار -وكان ضخمًا- للنبي -صلى اللَّه عليه وسلم-:
إني لا أستطيع الصلاة معك، فصنع للنبي -صلى اللَّه عليه وسلم- طعامًا فدعاه إلى بيته، ونضح له طَرَفَ حَصيرٍ (1) فصلى عليه ركعتين (2). قال أنس: ما رأيته صلى الضحى غير ذلك اليوم.
قلت: إنما لم يدوموا على صلاة الضحى؛ ليفرقوا بينها وبين المتأكد من الصلوات؛ كالفرائض والسنن.
واللَّه أعلم.
(24) باب من قال: إنَّ للمكتوبات رَوَاتب، والصلاة قبل صلاة المغرب
613 - عن ابن عمر قال: صليت مع النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- سجدتين قبل الظهر وسجدتين بعد الظهر، وسجدتين بعد المغرب، وسجدتين بعد العشاء، وسجدتين بعد الجمعة.
فأما المغرب والعشاء: ففي بيته.
قال: وحدثتني أختي حفصة: أن النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- كان يصلي ركعتين خفيفتين بعدما يطلع الفجر، وكانت ساعة لا أدخل على النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- فيها.12
وفي رواية: لا يُدْخَل (1).
614 - وعن عائشة: أن النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- كان لا يَدَعُ أربعًا قبل الظهر، وركعتين قبل الغداة.
615 - وعن عبد اللَّه المَزنِيّ: عن النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- قال: "صلوا قبل صلاة المغرب -قال في الثالثة-: لمن شاء"؛ كراهية أن يتخذها الناس سُنَّة.
616 - وعن مَرثد بن عبد اللَّه اليزني قال: أتيت عقبة بن عامر الجُهَنِيَّ فقلت: ألا أعجبك من أبي تميم، يركع ركعتين قبل المغرب، فقال عقبة: إنا كنا نفعله على عهد رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم-، قلت: فما يمنعك الآن؟ قال: الشُّغل.
-
- * (1) خ (1/ 364)، (19) كتاب التهجد، (34) باب: الركعتين قبل الظهر، من طريق حماد بن زيد، عن أيوب، عن نافع، عن ابن عمر به، رقم (1180). 614 - خ (1/ 364)، في الكتاب والباب السابقين، من طريق شعبة، عن إبراهيم بن محمد بن المنتشر، عن أبيه، عن عائشة به، رقم (1182). 615 - خ (1/ 365)، (19) كتاب التهجد، (35) باب: الصلاة قبل المغرب، من طريق الحسين، عن ابن بُرَيْدَةَ، عن عبد اللَّه المزني به، رقم (1183)، طرفه في (7368). 616 - خ (1/ 365)، في الكتاب والباب السابقين، من طريق سعيد بن أبي أيوب، عن يزيد بن أبي حبيب، عن مرثد بن عبد اللَّه اليزني به، رقم (1184).
(25) باب الأمر بالتطوع في البيت، وصلاته في جماعة
617 - عن ابن عمر قال: قال رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم-: "اجعلوا في بيوتكم من صلاتكم، ولا تتخذوها قُبُورًا".
618 - وعن محمود بن الرَّبِيع الأنصاري: أنه عَقَلَ رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم-، وعَقَلَ مَجَّة مَجَّها في وجهه من بئر كانت في دارهم.
فزعم محمودٌ أنه سمع عِتْبَانَ بن مالك الأنصاري 1، وكان ممن شهد بدرًا مع رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- يقول: إني 2 كنت أصلي لقومي ببني سالم، وكان يَحُولُ بيني وبينهم وادٍ إذا جاءت الأمطار، فيشق عليَّ اجتيازه قِبَلَ مسجدهم، فجئتُ رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- فقلت له: إني أنكرت بصري، وإن الوادي الذي بيني وبين قومي يسيل إذا جاءت الأمطار فيشق علي اجتيازه.
فوددت أنك تأتي فتصلي من بيتي مكانًا (3) اتخذه مُصَلًّى، فقال رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم-: "سأفعل"، فغدا
عليَّ رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- وأبو بكر 1 بعدما اشتد النهار، فاستئذن رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- فأَذِنْتُ له، فلم يجلس حتى قال: "أين تحب أن أصلي من بيتك؟ " فأشرت له إلى المكان الذي أحب أن أصلي فيه، فقام رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- فكبَّر وصففنا وراءه، فصلى ركعتين ثم سلم، فسلمنا حين سلم، فحبسته على خَزيرٍ يُصْنعُ له، فسمع أهل الدار أن رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- في بيتي، فَثَابَ رجالٌ منهم حتى كثر الرجال في البيت، فقال رجل منهم: ما فعل مالك؟ لا أراه؟ فقال رجل منهم: ذلك 2 منافق لا يحب اللَّه ورسوله.
فقال رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم-: "لا تقل ذلك، ألا تَرَاهُ قال: لا إله إلا اللَّه يبتغي بذلك وجه اللَّه؟ ". فقال: اللَّه ورسوله أعلم، أما نحن: فواللَّه لا نرى 3 وُدَّه ولا حديثه إلا إلى المنافقين، قال رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم-: "فإن اللَّه قد حَرَّمَ على النار من قال: لا إله إلا اللَّه يبتغي بذلك وجه اللَّه".
الغريب:
"المَجُّ" -بالجيم-: طرح الماء واللعاب من الفم.
و"اشتداد النهار": ارتفاعه.
و"الخَزِير": بالخاء والزاي المعجمتين: حِسَاءٌ من نخال، ولا يكون إلا بدسم.
يقال: خزيرة -بالتاء- وقد روي كذلك.
وأما الحَزِيرة -بالحَاءِ المهملة-: فحِسَاءٌ من دقيق.
والنار المُحَرَّمَةُ على أهل التوحيد: هي نار الكفار التي لا يموتون فيها ولا يَحْيَوْن؛ لأنه قد صح وعُلِمَ على القطع أن طائفة من أهل الكبائر من
المُوَحّدِينَ يدخلون النار فيموتون فيها، ثم يحيون فيخرجون منها، ويدخلون الجنة بالشفاعة.
(26) باب فضل مسجد مكة والمدينة وبيت المقدس، وفضل ما بين القبر والمنبر
619 - عن أبي هريرة: عن النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- قال: "لا تُشَدُّ الرِّحَالُ إلا إلى ثلاثة مساجد: المسجد الحرام، ومسجد الرسول -صلى اللَّه عليه وسلم- (1) ومسجد الأقصى".
620 - وعنه: أنَّ رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- قال: "صلاةٌ في مسجدي هذا خير من ألف صلاة فيما سواه إلا المسجد الحرام".
621 - وعنه: عن النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- قال: "ما بين بيتي ومنبري رَوْضَةٌ من رياض (1) "صلى اللَّه عليه وسلم" أثبتناها من "صحيح البخاري".
619 - خ (1/ 367)، (20) كتاب فضائل الصلاة في مسجد مكة والمدينة، (1) باب: فضل الصلاة في مسجد مكة والمدينة، من طريق سفيان، عن الزهري، عن سعيد، عن أبي هريرة به، رقم (1189).
620 - خ (1/ 367)، في الكتاب والباب السابقين، من طريق مالك، عن زيد بن رباح وعبيد اللَّه بن أبي عبد اللَّه الأغرّ، عن أبي عبد اللَّه الأغرّ، عن أبي هريرة به، رقم (1190).
621 - خ (1/ 368)، (20) كتاب فضل الصلاة في مسجد مكة والمدينة، (5) باب: فضل ما بين القبر والمنبر، من طريق خُبيب بن عبد الرحمن، عن حفص بن عاصم، عن أبي هريرة به، رقم (1196)، طرفه في (1188، 6588، 7335).
الجنة، ومنبري على حوضي".
(27) باب فضل مسجد قُبَاء، وإتيانه
622 - عن نافع: أن ابن عمر 1 كان لا يصلي من الضحى إلا في يومين، يوم يَقْدَمُ مكة، فإنه كان يقدمها 2 فيجيء فيطوف 3، ثم يصلي ركعتين خلف المقام، ويوم يأتي مسجد قباء، فإنه كان يأتيه كل سبت، فإذا دخل المسجد كره أن يخرج منه حتى يصلي فيه، وكان 4 يحدث أن رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- كان يزوره راكبًا وماشيًا.
قال: وكان يقول: إنما أصنع ما رأيت أصحابي يصنعون، ولا أمنع أحدًا أن يصلي في أيِّ ساعة شاء من ليل أو نهار غير ألا تَحَرَّوْا 5 طلوع الشمس ولا غروبها.
وعن ابن عمر (1): أن رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- كان يأتي مسجد قباء كل سبت ماشيًا وراكبًا، فيصلي فيه ركعتين.
(28) باب ما يجوز من العمل في الصلاة
623 - عن عبد اللَّه بن عباس: أنه بات عند ميمونة أم المؤمنين 2، وهي خالته- قال: فاضطجعت على عَرْضِ الوِسَادَةِ، واضطجع رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- وأهله في طولهَا، فنام رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- حتى انتصف الليل أو قَبْلَهُ بقليل أو بعده بقليل، ثم استيقظ رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- فجلس يمسح 3 النوم عن وجهه بيديه 4، ثم قرأ 51
العشر آيات خواتم سورة آل عمران، ثم قام إلى شَنٍّ مُعَلَّقَةٍ، فتوضأ منها فأحسن وضوءه، ثم قام فصلى 1.
قال عبد اللَّه 2: فقمت فصنعت مثل ما صنع، ثم قمت إلى جنبه، فوضع رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- يده اليمنى على رأسي.
وفي رواية 3: فأخذ بذُؤَابَتِي فجعلني عن يمينه، وأخذ بأُذُنِي اليمنى يَفْتِلُهَا بيده، فصلى ركعتين، ثم ركعتين، ثم ركعتين، ثم ركعتين، ثم ركعتين، ثم ركعتين، ثم أوتر، ثم اضطجع حتى جاء المؤذِّن فقام فصلى ركعتين خفيفتين، ثم خرج فصلى الصبح.
624 - وعن أنس بن مالك: أن المسلمين بينما هم في الفجر يوم الاثنين، وأبو بكر 4 يصلي بهم ففَجَأَهُم النبيُّ -صلى اللَّه عليه وسلم- قد كشف سِتْرَ حُجْرةِ عائشة 5 فنظر إليهم وهم صفوف، فتبسم يضحك، فنكص أبو بكر على عَقِبَيْهِ، وظن أن رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- يريد أن يخرج إلى الصلاة، وهَمَّ المسلمون أن يَفتَتِنُوا في
صلاتهم فرحًا بالنبي -صلى اللَّه عليه وسلم- حين رَأَوْهُ، فأشار بيده أَنْ أَتِمُّوا، ثم دخل الحجرة، وأرخى الستر، وتوفي ذلك اليوم.
"الشَّنُّ": القِربَةُ البَالِيَةُ.
و"النُّكُوص": الرجوع إلى خلف.
و"يفتتنوا": يشتغلون عنها ذهولًا.
(29) باب ما يجوز من مس الحصى وبسط الثوب والبُصَاق في الصلاة
625 - عن مُعَيْقِيب: أن النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- قال في الرجل يُسَوِّي التراب حيث يسجد- قال: "إنْ كُنْتَ فاعلًا فواحدة" (1).
626 - وعن أنس بن مالك قال: كُنَّا نصلي مع النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- في شدة الحر، (1) (إن كنت فاعلًا فواحدة) حكى النووي اتفاق العلماء على كراهة مسح الحصى وغيره في الصلاة وفيه نظر، فقد حكى الخطابي في "المعالم" عن مالك أنه لم ير به بأسًا، وكان يفعله، فكأنه لم يبلغه الخبر، والذي يظهر أن علة كراهيته المحافظة على الخشوع، أو لئلا يكثر العمل في الصلاة، وقيل أيضًا: إن العلة فيه أن لا يجعل بينه وبين الرحمة التي تواجهه حائلًا.
واللَّه أعلم.
625 - خ (1/ 373)، (21) كتاب العمل في الصلاة، (8) باب: مسح الحصى في الصلاة، من طريق يحيى -هو ابن أبى كثير-، عن أبى سلمة -هو ابن عبد الرحمن-، عن معيقيب به، رقم (1207).
626 - خ (1/ 373)، (21) كتاب العمل في الصلاة، (9) باب: بسط الثوب في =
فإذا لم يستطع أن يُمَكِّنَ وَجْهَهُ من الأرض بسط ثوبه فسجد عليه.
627 - وعن أنس أيضًا، عن النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- (1) قال: "إذا كان في الصلاة فإنه يناجي ربه، فلا يَبْزُقَنَّ بين يديه، ولا عن يمينه، ولكن عن شماله تحت قدمه اليسرى".
(30) باب النهي عن التصفيق والاختصار في الصلاة
628 - عن سهل بن سعد قال: بلغ رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- أن بني عمرو بن عوف بقُبَاء كان بينهم شيءٌ.
فخرج يصلح بينهم في أُنَاسٍ من أصحابه، فحُبِسَ رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم-، وحانت الصلاة فجاء بلالٌ إلى أبي بكر (2) فقال: يا أبا بكر! إن رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- قد حُبس، وقد حانت الصلاة، فهل لك أن تَؤُمَّ الناس؟ قال: نعم - إنْ شئت، فأقام بلال الصلاة، فتقدم أبو بكر، وكَبَّر للناس، وجاء1
رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- يمشي في الصفوف، يَشُقُّها شَقًّا حتى قام في الصف، فأخذ الناس في التصفيح 1. قال: وكان أبو بكر 2 لا يلتفت في صلاته، فلما أكثر الناس الْتَفَتَ، فإذا رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم-، فأشار إليه يأمره أنْ يُصَلِّي، فرفع أبو بكر يديه 3 فحمد اللَّه، ثم رجع القَهْقَرَى وراءه، حتى قام في الصف، وتقدم رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- وصلى 4 للناس، فلما فرغ أقبل على الناس فقال: "يا أيها الناس! ما لكم حين نابكم شيء 5 في الصلاة أخذتم بالتصفيح، إنما التصفيح للنساء، من نابه شيء في صلاته فليقل: سبحان اللَّه"، ثم التفت إلى أبي بكر فقال: "يا أبا بكر! ما منعك أن تصلي حين أَشَرْتُ إليك؟ " قال أبو بكر: ما كان ينبغي لابن أبي قُحَافَةَ أن يُصَلِّي بين يدي رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم-.
629 - وعن أبي هريرة قال: نهى النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- أن يُصَلِّي الرجل مُخْتَصِرًا.
وفي رواية: نُهِيَ عن الخَصْرِ في الصلاة (6).
الغريب:
قيل: "التصفيح": هو التصفيق.
كما قال سهل.
وقيل: التصفيح: الضرب بإصبعين في أصفحة الكفِّ.
و"التصفيق": الضرب بالكف على الكف، و"الاختصار": هو وضع اليد على الخَصْرِ، وهو فعل المختال، وقيل: هو اختصار القراءة في الصلاة والركوع والسجود؛ أي: حذف ذلك، والأول أولى؛ لأنه الأظهر من الرواية الثانية.
(31) باب تفكر المصلي الشيء في الصلاة
630 - عن عقبة بن الحارث قال: صليت مع النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- العصر، فلما سَلَّم قام سريعًا دخل على بَعْضِ نسائه ثم خرج ورأى ما في وجوه القوم من تعجبهم لسرعته فقال: "ذكرتُ -وأنا في الصلاة 1 - تِبْرًا عندنا، فكرهت أن يُمْسِي عندنا، فأمرت بقسمته".
(17) أبواب السهو
(17) أبواب السهو
(1) باب الأمر بسجود السهو
631 - عن أبي هريرة قال: قال رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم-: "إذا أُذِّنَ بالصلاة أَدْبَرَ الشيطان له ضُرَاطٌ حتى لا يسمع التأذين، فإذا سكت المؤذن أقبل، فإذا ثَوَّبَ أدبر، فإذا سكت أقبل، فلا يزال بالمرء يقول له: اذكر -ما لم يكن يذكر- حتى لا يدري: كم صلى، فإذا 1 فعل ذلك أحدكم 2، فليسجد سجدتين 3 ". وفي رواية 4: "فإذا قُضِيَ التَّثْوِيبُ، أقبل حتى يَخْطِرَ بين المرء ونفسه،
يقول: اذكر كذا وكذا -ما لم يكن يذكر- حتى يَظَلَّ الرجلُ إنْ يدري كم صلى، فإذا لم يدر أحدكم كم صلى ثلاثًا أو أربعًا، فليسجد سجدتين وهو جالس".
(2) باب السجود في النقص قبلُ، وفي الزيادة بَعْدُ
632 - عن عبد اللَّه بن بُحَيْنَةَ قال: صلى لنا رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- ركعتين من بعض الصلوات، ثم قام فلم يجلس، فقام الناس معه، فلما قضى صلاته ونظرنا تسليمَهُ كَبَّر قَبْلَ التسليم فسجد سجدتين وهو جالس، وَسَلَّم 1.
وفي رواية 2: قام من اثنتين من الظهر، فلم (3) يجلس بينهما، فلما قضى صلاته سجد سجدتين، ثم سَلَّم بعد ذلك.
633 - وعن عبد اللَّه هو ابن مسعود: أن رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- صلى الظهر
خمسًا، فقيل له: أَزِيدَ في الصلاة؟ قال: "وما ذاك؟ " قال: صليتَ خمسًا، فسجد سجدتين بعدما سَلَّم.
(3) باب التسليم قبل تمام الصلاة سهوًا لا يفسدها، وجواز الكلام لإصلاحها
634 - عن محمد هو ابن سيرين، عن أبي هريرة قال: صلى رسول اللَّه 1 إحدى صلاتي العَشِيِّ -قال محمد: وأكبر ظَنِّي العصر- ركعتين ثم سَلَّم، ثم قام إلى خَشَبَةٍ في مُقَدَّمِ المسجد فوضع يده عليها، وفيهم أبو بكر وعمر، فهابا أن يكلماه، وخرج سَرَعَانُ الناس فقالوا: قَصُرَتِ 2 الصلاةُ، ورجل يدعوه النبي 3 -صلى اللَّه عليه وسلم- ذا اليدين، فقال: أَنسَيتَ أم قَصُرَتْ؟ فقال: "لم أَنْسَ، ولم تَقْصُرْ" قال: بلى قد نسيتَ.
فصلى ركعتين ثم سَلَّم، ثم 4 كَبَّر فسجد مثل سجوده أو أطول، ثم رفع رأسه وكبر.
وفي رواية 5: فقال له ذو اليدين: أقصُرَتِ الصلاةُ أم نسيت يا رسول اللَّه؟
فقال (1) رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم-: "أَصَدَقَ ذو اليدين؟ " فقال الناس: نعم.
فذكر نحو ما تقدم.
(4) باب من كانت له صلاة فشغل عنها صَلَّاها في وقت آخر
635 - عن كُرَيْبٍ: أنَّ ابن عباس والمِسْوَرَ بن مَخْرَمَةَ وعبد الرحمن ابن أزهر أرسلوه إلى عائشة فقالوا: اقرأ عليها السلام مِنَّا جميعًا، وَسَلْهَا عن الركعتين بعد صلاة العصر؛ وقل لها: إنَّا أُخْبِرْنَا أنك تصلينهما، وقد بلغنا أن النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- نهى عنهما 2.
وقال ابن عباس: وكنت أضرب الناس مع عمر بن الخطاب عنهما.
قال كريب: فدخلتُ على عائشة 3، فَبَلَّغْتُهَا ما أرسلوني، فقالت: سَلْ أم سلمة، فخرجت إليهم فأخبرتهم بقولها، فردُّوني إلى أم سلمة1 = من طريق مالك بن أنس، عن أيوب بن أبي تميمة السختياني، عن محمد بن سيرين، عن أبي هريرة به، رقم (1228).
بمثل ما أرسلوني إلى عائشة.
فقالت أم سلمة 1: سمعت النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- ينهى عنها، ثم رأيته يصليها حين صلى العصر، ثم دخل 2 وعندي نسوة من بني حَرَامٍ من الأنصار، فأرسلت إليه الجارية فقلت: قومي بجانبه وقولي 3 له: أم سلمة 4 يا رسول اللَّه سمعتك تنهى عن هاتين، وأراك تصليهما، فإن أشار بيده فاستأخري عنه.
ففعلت الجارية، فأشار بيده فاستأخرت عنه.
فلما انصرف قال: "يا ابنةَ أبي أُمَيّةَ، سالتِ عن الركعتين بعد العصر، وإنه (أتاني ناس من عبد القيس فشغلوني عن الركعتين اللتين بعد الظهر) 5، فهما هاتان".
(18) كتاب الجنائز
(18) كتاب الجنائز
(1) باب من مات على التوحيد دخل الجنة
1 - عن أبي ذر قال: قال رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم-: "أتاني آتٍ من ربي فأخبرني -أو قال: بَشَّرَنِي- أنه من مات من أمتي لا يشرك باللَّه شيئًا دخل الجنة"، فقلت: وإن زنا وإن سرق؟ قال: "وإن زنا وإن سرق".
2 - وعن عبد اللَّه -هو ابن مسعود- قال: قال رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم-: "من مات يشرك باللَّه شيئًا دخل النار"، قال عبد اللَّه: وقلت أنا: من مات لا يشرك باللَّه شيئًا دخل الجنة.
(2) باب الأمر باتباع الجنائز، وعيادة المَرْضَى
638 - عن البراء -هو ابن عازب- قال: أَمَرَنَا رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- بسبع، ونهانا عن سبع: أمرنا باتباع الجنائز، وعيادة المرضى، وإجابة الداعي، ونصر المظلوم، وإبرار القَسَمِ، وتشميت العاطس، ونهانا عن آنية الفضة، وخاتم الذهب، والحرير، والديباج 1، والقَسِّيّ 2، والإستبرق 3. 639 - وعن أبي هريرة قال: سمعت رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- يقول: "حق المسلم خمس (4): ردُّ السلام، وعيادةُ المريض، واتِّبَاعُ الجنائز، وإجابةُ الدعوة، وتشميتُ العاطس".
(3) باب تعاهد المرضى والبكاء والموعظة عندهم
640 - عن أنس بن مالك قال: دخلنا مع رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- على أبي سَيْفٍ القَيْنِ، وكان ظِئْرًا لإبراهيم 1، فأخذ النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- إبراهيمَ فقَبَّلَهُ وشمّه، ثم دخلنا عليه بعد ذلك وإبراهيم يَجُود بنَفْسِهِ، فَجَعَلَتْ عَيْنَا رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- تَذْرِفَانِ، فقال له عبد الرحمن بن عوف 2: وأنت يا رسول اللَّه؟ فقال: "يا ابن عوف! إنها رحمة"، ثم أَتْبَعَهَا بأخرى فقال: "إن العين تدمع والقلب يحزن، ولا نقول إلا ما يَرْضَى ربُّنا، وإنا بك 3 يا إبراهيم لمحزنون".
641 - وعن عبد اللَّه بن عمر قال: اشتكى سعد بن عُبَادة شكوى له، فأتاه النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- يعوده مع عبد الرحمن بن عوف وسعد بن أبي وقاص وعبد اللَّه ابن مسعود (4)، فلما دخل عليه.
. . . .
فوجده في غاشية (1)، فقال: "قد قَضَى؟ " قالوا: لا يا رسول اللَّه، فبكى النبي -صلى اللَّه عليه وسلم-، فلما رأى القوم بكاء النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- بكوا، فقال: "ألا تسمعون (2)؟ إن اللَّه لا يعذب بدَمْعِ العين، ولا بحزن القلب، ولكن يعذب بهذا -وأشار إلى لسانه- أو يرحم، وإن الميت يُعَذَّبُ ببكاء أهله عليه".
وكان عمر (3) يضرب فيه بالعصا، ويرمي بالحجارة، ويَحْثِي بالتراب.
(4) باب تلقين المُحْتَضَرِ وإن كان كافرًا
642 - عن سعيد بن المسيب، عن أبيه، أنه قال: لما حَضَرَتْ أبا طالب الوفاةُ جاءه رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم-، فوجد عنده أبا جهل بن هشام وعبد اللَّه بن أبي123
أُمَيَّة 1، قال رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- لأبي طالب: "أَيْ عَمّ 2! قل لا إله إلا اللَّه، كلمة أشهد لك بها عند اللَّه" فقال أبو جهل وعبد اللَّه بن أبي أُمَيَّة: يا أبا طالب! أترغبُ عن ملة عبد المطلب؟ فلم يزل رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- يَعْرِضُهَا عليه ويعودان بتلك المقالة حتى قال أبو طالب آخر ما كلمهم: هو على ملّة عبد المطلب، وأبى أن يقول: لا إله إلا اللَّه، فقال رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم-: "أمَا واللَّه لأَسْتَغْفِرَنَّ لك ما لم أُنْهَ عَنْكَ"، فأنزل اللَّه عز وجل 3 فيه: ﴿مَا كَانَ لِلنَّبِيِّ﴾ الآية [التوبة: 113] 4. 643 - وعن أنسٍ قال: كان غُلَامٌ 5 يهوديٌّ يخدُمُ النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- فمرض، فأتاه النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- يعوده، فقعد عند رأسه فقال له: "أَسْلِمْ" فنظر إلى أبيه وهو عنده، فقال: أطع أبا القاسم 6، فخرج النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- وهو يقول: "الحمد للَّه الذي أنقذه من النار" 7.
(5) باب ما يكره من النياحة، وشق الجيوب، ولطم الخدود
644 - عن عائشة قالت: لما جاء قتل زيد بن حارثة وجعفرٍ وعبد اللَّه ابن رواحة، جلس النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- يُعرف فيه الحزن -وأنا أَطَّلِعُ من شَقِّ الباب- فجاءه 1 رجل فقال: يا رسول اللَّه! إن نساء جعفر، وذَكَر بكاءهن، فأمره أن يَنْهَاهُنَّ، فذهب الرجل، ثم أتى فقال: قد نهَيْتُهُنَّ.
وذَكَر أنَّهُنَّ 2 لم يُطِعْنه، فأمره الثانية أن ينهاهن، فذهب 3 ثم أتى فقال: واللَّه لقد غَلَبْنَنِي -أو غَلَبْنَنَا (4) - فزعمتْ أنَّ النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- قال: "فاحْثُ في أفواههن التراب"، فقلت: أرغم اللَّه أنفك، واللَّه ما أنت بفاعلٍ، وما تركتَ رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- من العَنَاءِ.
645 - وعن عبد اللَّه قال: قال رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم-: "ليس مِنَّا من لطم الخدود، = وفي قوله: "أنقذه من النار" دلالة على أنه صح إسلامه، وعلى أن الصبي إذا عقل الكفر ومات عليه أنه يعذب.
وشق الجيوب، ودعا بدعوى الجاهلية 1 ".
646 - وعن أبي بُرْدَةَ ابن أبي موسى قال: وَجِعَ أبو موسى وجعًا فَغُشِيَ عليه، ورأسه في حِجْرِ امرأةٍ من أهله، فلم يستطع أن يرد عليها شيئًا، فلما أفاق قال: إني بَرِيءٌ ممن بَرِى منه محمد (2) -صلى اللَّه عليه وسلم-، إن رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- بَرِئَ من الصَّالِقَةِ والحالقة، والشاقة.
الغريب:
حَثْيُ التراب، وحَثْوُه، وهَبْلهُ: صَبُّهُ.
و"أَرْغَمَ اللَّهُ أنفه"؛ أي: ألصقه بالرَّغَامِ، وهو التراب.
وهو دعاء بأن يسقط على وجهه أو يذل.
و"العَنَاء" بالمد: التعب والإعياء.
و"الصالقة": الرافعة صوتها بالمصيبة، ويقال بالسين والصاد، وقد قرئ بهما: ﴿سَلَقُوكُمْ بِأَلْسِنَةٍ حِدَادٍ﴾ [الأحزاب: 19].
و"الحالقة": لشعرها، و"الشاقة": لجيبها.
و"دعوى الجاهلية": هي قولهم عند الهياج والفزع: يا آل فلان، و: يا بني فلان، وإنما المشروع أن ينادي: يا آل المسلمين، وقال عمر (1): دعهن يبكين على أبي سليمان -يعني خالد بن الوليد- ما لم يكن نقعٌ أو لقلقة.
"التراب": التراب على الرأس، واللقلقة: الصوت.
(6) باب تعذيب الميت ببكاء أهله إذا كان ذلك من سُنَّتِهِ أو بَوصِيَّتِهِ
2 647 - عن عبد اللَّه بن عبيد اللَّه بن أبي مُلَيْكَةَ قال: توفيت بنتٌ (2) لعثمان -رضي اللَّه عنه- بمكة وجئنا لنشهدها، وحضرها ابن عمر وابن عباس -رضي اللَّه عنهم-، وإني لجالس بينهما -أو قال: جلست إلى أحدهما، ثم جاء الآخر فجلس إلى جنبي- فقال عبد اللَّه بن عمر -رضي اللَّه عنهما- لعمرو بن عثمان: ألا تنهى عن البكاء؛ فإن رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- قال: "إن الميت ليعذَّبُ ببكاء أهله عليه"؟ .1
فقال ابن عباس -رضي اللَّه عنهما-: قد كان عمر -رضي اللَّه عنه- يقول بعضَ ذلك، ثم حَدثَ قال: صَدَرْتُ مع عمر -رضي اللَّه عنه- من مكة، حتى إذا كنا بالبَيْدَاءِ إذ هو بِرَكْبٍ تحت ظل سَمُرَةٍ، فقال: اذهب فانظر مَن هؤلاء الرَّكْبُ؟ قال: فنظرت فإذا صهيب، فأخبرته فقال: ادْعُهُ لي.
فرجعت إلى صهيب فقلت: ارتحل فَالْحَقِ أمير 1 المؤمنين، فلما أصيب عمر دخل صهيب يبكي يقول: واأخاه واصاحباه، فقال عمر -رضي اللَّه عنه-: يا صهيب! أتبكي وقد قال رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم-: "إن الميتَ يعذَّبُ ببعض بكاء أهله عليه".
قال ابن عباس: فلما مات عمر -رضي اللَّه عنه- حكيت 2 ذلك لعائشة -رضي اللَّه عنها-، فقالت: رحم اللَّه عمر، واللَّه ما حدَّث رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم-: "إن اللَّه يعذب المؤمن ببكاء أهله عليه"، وقالت: حسبكم القرآن: ﴿وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى﴾ [الإسراء: 15] قال ابن عباس -رضي اللَّه عنهما- عند ذلك: واللَّه ﴿هُوَ أَضْحَكَ وَأَبْكَى﴾ [النجم: 43] قال ابن أبي مُليكة: واللَّه ما قال ابن عمر -رضي اللَّه عنهما- شيئًا.
وفي رواية أخرى 3: "إن الميت ليعذب ببكاء الحي".
وفي أخرى 4: "الميت يعذب في قبره بما نِيحَ عليه".
648 - وعن عائشة قالت: إنما مرّ رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- على يهودية يبكي عليها أهلها، فقال: "إنهم ليبكون عليها وإنها لتعذَّبُ في قبرها".
649 - وعن المغيرة -هو ابن شعبة- قال: سمعت رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- يقول: "من نِيحَ عليه يُعَذَّب بما نيح عليه".
650 - وعن النعمان بن بشير قال: أغمى على عبد اللَّه بن رَوَاحَة، فجعلت أخته عَمْرَةُ تبكي: وَاجَبَلَاهُ، واكذا واكذا.
تُعدِّدُ عليه، فقال حين أفاق: ما قلتِ شيئًا إلا قيل لي: آنت كذلك؟ فلما مات لم تَبْكِ عليه.
الغريب:
البكاء في هذا الحديث هو النياحة كما فسره في حديث المغيرة، لا البكاء الذي هو رحمة، وعند هذا تعلم أنه لا حجة لابن عباس في قوله: واللَّه أضحك وأبكى، فتأمَّلْه.
و"صدرت": رجعت.
و"البيداء": هي الصحراء المتصلة به (1) المدينة، (1) كذا في الأصل.
648 - خ (1/ 397)، (23) كتاب الجنائز، (32) باب قول النبي -صلى اللَّه عليه وسلم-: "يعذب الميت ببعض بكاء أهله عليه" إذا كان النوح سُنّته، من طريق مالك، عن عبد اللَّه بن أبي بكر، عن أبيه، عن عمرة بنت عبد الرحمن، عن عائشة به، رقم (1289).
649 - خ (1/ 397 - 398)، (23) كتاب الجنائز، (33) باب ما يكره من النياحة على الميت، من طريق سعيد بن عُبيد، عن عليّ بن ربيعة، عن المغيرة به، رقم (1291).
650 - خ (3/ 146)، (64) كتاب المغازي، (44) باب غزوة مؤتة من أرض الشام، من طريق عَبْثَر، عن حصين، عن الشعبي، عن النعمان بن بشير به، رقم (4268)، طرفه في (4267).
وهي الحجارة السود المحيطة بها.
و"سَمُرَة": واحدة السَّمُرِ، وهي من شجر البادية.
و"الركب": أصحاب الإبل.
و"أصيب عمر"؛ أي: طُعِنَ.
وقيل: "الوازِرَة" الحاملة، والهاء فيه للمبالغة.
و"الوِزْرُ": الحمل الثقيل، وهو كناية عن الذنوب.
وليس سكوت ابن عمر عن عائشة شَكًّا في الحديث، ولا وَهَنًا، فإنه قد روي عن رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- من طرق عن غيره، وعن غير عمر، وإنما كان توقُّفا في التأويل، أو تركًا للرد على عائشة.
وليس بما سمعته عائشة من حديث تعذيب اليهودية مناقضًا لحديث ابن عمر ولا غيره، وأحسنُ مَحَامِلِ حديث عمر وغيره ما نبَّهَ البخاريُّ عليه في ترجمته كما ذكرناه.
واللَّه أعلم.
(7) باب تسجية الميت، والثناء عليه، ورجاء الخير له من غير قَطْعٍ
1 - عن أبي سلمة بن عبد الرحمن، عن عائشة قالت: أقبل أبو
بكر -رضي اللَّه عنه- على فرسه من مسكنه بالسُّنْحِ، حتى نزل فدخل المسجد، فلم يكلِّمْ الناس، حتى دخل على عائشة، فتيمَّم النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- وهو مُسَجًّى بِبُرْد حِبَرَةٍ، فكشف عن وجهه، ثم أكب عليه يُقَبِّلُهُ، ثم بكى فقال: بأبي أنت 1 يا نبي اللَّه، لا يجمع اللَّه عليك مَوْتتَيْنِ، أما الموتة التي كُتِبَتْ عليك فَقَدْ مُتَّها.
قال أبو سلمة: فأخبرني ابن عباس -رضي اللَّه عنهما-: أنَّ أبا بكر -رضي اللَّه عنه- خرج وعمر يكلم الناس، فقال: اجلس.
فأبى، فقال: اجلس، فأبى، فتشهد أبو بكر -رضي اللَّه عنه-، فمال الناسُ إليه وتركوا عمر فقال: أما بعد، فمن كان منكم يَعْبُدُ محمدًا -صلى اللَّه عليه وسلم- فإن محمدًا -صلى اللَّه عليه وسلم- قَدْ مَاتَ، ومن كان يعبد اللَّه فإن اللَّه حيٌّ لا يموت، قال اللَّه عز وجل: ﴿وَمَا مُحَمَّدٌ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ﴾ إلى: ﴿الشَّاكِرِينَ﴾ [آل عمران: 144] 2، واللَّه 3 لكأنَّ الناس لم يكونوا يعلمون أنَّ اللَّه أنزلها (4) حتى تلاها أبو بكر -رضي اللَّه عنه-، فَتَلَقَّاهَا منه الناس فما يُسْمَعُ بشر إلا يتلوها.
652 - وعن خارجة 1 بن زيد بن ثابت: أنَّ أم العلاء -امرأة من الأنصار بايعت النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- أخبرته: أنه اقتُسِمَ المهاجرون قرعةً، فطار 2 لنا عثمان بن مَظْعُون، فأنزلناه في أبياتنا، فوَجِعَ وجعه الذي توفِّي فيه، فلما توفي وغُسِّلَ وكُفِّنَ في أثوابه دخل رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم-، فقلت: رحمك اللَّه 3 أبا السائب، فشهادتي عليك لقد أكرمك اللَّه.
فقال النبي -صلى اللَّه عليه وسلم-: "وما يدريكِ أن اللَّه أكرمه؟ " فقلت: بأبي أنت يا رسول اللَّه! فمن يكرمه اللَّه؟ فقال: "أما هو فقد جاءه اليقين، واللَّه إني لأرجو 4 له الخير، واللَّه ما أدري ما يُفْعَلُ بي" 5، قلت 6: فواللَّه لا أزكي على اللَّه أحدًا.
الغريب:
﴿خَلَتْ﴾: ذهبت في الدهر الخالي.
وكل مرض عند العرب وَجَعٌ.
و"ما يدريكِ": أيُّ شيء يُعْلِمُكِ.
وقوله: "ما أدري ما يفعل بي" هذا من قوله تعالى له: ﴿وَمَا أَدْرِي مَا يُفْعَلُ بِي وَلَا بِكُمْ﴾ [الأحقاف: 9] قال بعضهم: إن ذلك كان قبل أن يعرف أنه مغفور له.
وهذا فيه نظر، وأشبهُ منه أنه عليه السلام لم يكن يعرف ما يجري عليه في الدنيا من خير أو شر ونفع أو ضر، وإلا فنحن نعلم قطعًا أنه عليه السلام يعلم قطعًا أنه سيد ولد آدم يوم القيامة وأكرمهم على اللَّه، وأرفع أهل الجنة درجةً (1).
(8) باب الإعلام بموت الميت إذا لم يكن على جهة نعي الجاهلية
653 - عن ابن عباس قال: مات إنسان كان رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- يعوده، فمات بالليل فدفنوه ليلًا، فلما أصبح أخبروه فقال: "ما منعكم أن تُعْلِموني؟ " قالوا: كان الليل فكرهنا -وكانت ظلمة- أن نشقَّ عليك.
فأتى قبره فصلى عليه.
654 - وعن أبي هريرة: أنَّ رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم-.
. . . . (1) أو قال هذا تأدبًا مع اللَّه عز وجل.
653 - خ (1/ 386)، (23) كتاب الجنائز، (5) باب الإذن بالجنازة، من طريق أبي إسحاق الشيباني، عن الشعبي، عن ابن عباس به، رقم (1247).
654 - خ (1/ 386)، (23) كتاب الجنائز، (4) باب الرجل ينعي إلى أهل الميت =
نعَى النجاشيَّ (1) في اليوم الذي مات فيه، وسيأتي بكماله.
(9) باب فضل من مات له ولد فاحتسب، والأمر بالصبر عند المصيبة
655 - عن أنس بن مالك قال: قال رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم-: "ما من مؤمن مسلم 2 يُتَوَفَّى له ثلاثةٌ 3 لم يبلغوا الحِنْثَ (4). . . . .1