باب (1) إذا قالت المرأة: إنها حاضت في شهر ثلاث حيض وما يصدق النساء فيه من ذلك
إلا أدخله اللَّه الجنة بفضل رحمته إياهم 1 ".
656 - ومن حديث أبي هريرة: قال رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم-: "لا يموت لمسلم ثلاثة من الولد فَيَلِجَ النَّارَ إلا تَحِلَّةَ القَسَمِ 2 ".
657 - وعن أبي سعيد الخدري: أن النساء قلن للنبي -صلى اللَّه عليه وسلم-: اجعل لنا يومًا، فوعظهن فقال: "أَيُّما امرأةٍ مات لها ثلاث 3 من الولد، كُنَّ (4) لها حجابًا من النار"، فقالت امرأة: واثنان؟ قال: "واثنان".
658 - وعن أنس قال: مرّ النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- بامرأةٍ عند قبر تبكي، فقال: "اتقي اللَّه وَاصْبِرِي".
(10) باب الأمر بغسل الميت وكيفيته
659 - عن أيوب قال: سمعت محمد بن سيرين قال: جاءت أم عطية -امرأةٌ من الأنصار من اللائي بايعن النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- 1 قدمت البصرة- تُبَادِرُ ابنًا لها، فلم تدركه، فحدثَتْنا قالت: دخل علينا رسول اللَّه 2 -صلى اللَّه عليه وسلم- ونحن نَغْسِلُ ابنته، فقال: "اغسِلْنَها ثلاثًا أو خمسًا أو أكثر من ذلك -إن رأيتُنَّ ذلك- بماء وسِدْرٍ، واجعَلْنَ في الآخرة كافورًا، فإذا فَرَغْتُنَّ فآذِنَّنِي" فلما فرغنا آذَنَّاهُ فألقى 3 إلينا حِقْوَهُ فقال "أَشْعِرْنَها إياه" وزعم 4 أن الإشعار: الفُفْنَهَا فيه.
وكذلك كان ابن سيرين يأمر بالمرأة أن تُشْعَرَ ولا تُؤْزَرَ.
وفي رواية 5: فلما فرغنا آذناه، فنزع من حِقْوِهِ إزارَهُ وقال: "أشعرنها إياه".
ومن حديث حفصة 6 بنت سيرين -وتكنى أم الهُذَيْل- عن أم عطية:
أنه عليه السلام قال: "اغسلنها ثلاثًا أو خمسًا أو سبعًا إن رأيتن ذلك، وابدأن بميامنها ومواضع الوضوء منها".
قالت 1: وأنهن جعلن رأس بنت رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- ثلاثة قرون، نَقَضْنَهُ، ثم غَسَلْنَهُ، ثم جعلْنَهُ ثلاثة قرون.
ومن حديث هشام 2 عن حفصة، عن أم عطية قالت: ضفرنا شعر بنت رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم-.
تعني: ثلاثة قُرُون؛ ناصيتها وقرنَيْهَا.
وفي أخرى 3: فضَفَرْنَا 4 شعرها ثلاثة قرون، فألقيناها 5 خلفها.
الغريب:
"الحِقْوُ": الخَصْرُ، والمراد به هنا: الإزار، كما جاء مفسَّرًا في الحديث، وسمي الإزار حِقْوًا باسم المَحَل الذي يجعل فيه.
و"أشْعِرْنها": اجْعَلْنَه على جسدها.
و"الشِّعَارُ": هو الثوب الذي يلي الجسد.
و"الدِّثَارُ": ما يلبس على الشعار.
وقوله: "أو سبعًا إن رأيتن ذلك" قال أبو عمر بن عبد البر: لا أعلم أحدًا قال بمجاوزة سبع غسلات في غسل الميت.
قلت: فعلى هذا الاستثناء يرجع إلى ما قبلها، واللَّه أعلم.
(11) باب ما جاء في الكفن والحَنُوط، وأنه من رأس المال
660 - عن عائشة: أن رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- كُفِّنَ في ثلاثة أثوابٍ يمانية بيضٍ سَحُوليَّةٍ من كُرْسُفٍ.
ليس فيها قميص ولا عمامة.
661 - وعن ابن عباس قال: بينما رجل واقف بعرفة مع رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- إذ وقع عن راحلته فوقصَتْهُ -أو قال: فأَوْقَصَتْهُ- قال النبي -صلى اللَّه عليه وسلم-: "اغسلوه بماءٍ وسِدْرٍ، وكفِّنُوهُ في ثوبين، ولا تُحَنِّطُوهُ، ولا تُخَمِّرُوا رأسه، فإنه يبعث يوم القيامة مُلَبِّيًا".
وفي أخرى 1: "مُلَبّدًا".
(1) خ (1/ 391)، (23) كتاب الجنائز، (21) باب كيف يكفن المحرم، من طريق أبي عوانة، عن أبي بشر، عن سعيد بن جبير به، رقم (1267)، وفيه: "ملبيًا"، قال الحافظ: كذا للمستملي، وللباقين: "ملبّدًا".
660 - خ (1/ 390)، (23) كتاب الجنائز، (18) باب الثياب البيض للكفن، من طريق هشام بن عروة، عن أبيه، عن عائشة به، رقم (1264)، أطرافه في (1271، 1272، 1273، 1387).
661 - خ (1/ 391)، (23) كتاب الجنائز، (19) باب الكفن في ثوبين، من طريق =
662 - وعن ابن عمر: أنَّ عبد اللَّه بن أُبَيٍّ لما تُوُفِّيَ جاء ابنه إلى النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- فقال (1): أعطني قميصك أكفِّنه فيه، وصَلِّ عليه واستغفر له.
فأعطاه رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- قميصه فقال: "آذِنِّي أصلي عليه"، فآذنه، فلما أراد أن يصلي عليه جذبه عمر -رضي اللَّه عنه- فقال: أليس اللَّه نهاك أن تصلي على المنافقين؟ قال: "أنا بين خِيَرَتَيْنِ، قال: ﴿اسْتَغْفِرْ لَهُمْ أَوْ لَا تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ إِنْ تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ سَبْعِينَ مَرَّةً فَلَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَهُمْ﴾ [التوبة: 80] " فصلى عليه، فنزلت: ﴿وَلَا تُصَلِّ عَلَى أَحَدٍ مِنْهُمْ مَاتَ أَبَدًا﴾ [التوبة: 84].
663 - وعن سَعْدِ بن إبراهيم، عن أبيه: أنَّ عبد الرحمن بن عوف أُتِيَ بطعامٍ -وكان صائمًا- فقال: قُتِلَ مصعب بن عمير وهو خير مِنِّي، كُفِّن في بُرْدَة إن غُطِّي رأسُه بَدَتْ رجلاه، وإن غُطي رجلاه بدا رأسه، وأُرَاهُ قال: قتل (2) حمزة وهو خير مني.
في رواية 1: فلم يوجد ما يكفَّن فيه إلا بُردة، ثم بُسِطَ لنا من الدنيا ما بُسِطَ -أو قال: أُعطينا من الدنيا ما أُعطينا- وقد خشيت 2 أن تكون حسناتُنَا عُجِّلَتْ لنا، ثم جعل يبكي حتى ترك الطعام.
الغريب:
"سَحُوليَّة": منسوبة إلى سَحُول -بفتح السين- قريةٍ باليمن.
و"الكُرْسُف": القطن.
و"وَقَصَتْهُ راحلتُه": رمته فاندقت عنقه.
و"الحَنُوك": ما يطيب به الميت، وهو بفتح الحاء.
و"المُلَبِّدُ": هو الذي يصير شعره كاللِّبَدِ بما يُجعل فيه من صمغ أو عسل ونحوه.
و"آذِنيّ": أعلمني.
وهو ممدود الهمزة مكسور الذال.
وقوله: "أنا بين خيرتين"، تَمَسَّكَ بلفظ ﴿أَوْ﴾ دون المعنى؛ لأن معنى الآية: الإيَاسُ من المغفرة لهم.
(12) باب إعداد الكفن. ومن لم يوجد له إلا ثوب واحد كُفِّنَ فيه
664 - عن سهل بن سعد: أنَّ امرأةً جاءت النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- ببُرْدةٍ منسوجة فيها حاشيتُهَا -تدرون ما البردة؟ قالوا: الشَّمْلَةُ، قال: نعم- قالت: نسجتُهَا بيدي فجئت لأكْسُوكَهَا، فأخذها النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- محتاجًا إليها، فخرج إلينا 1 وإنها إزاره، فَحَسَّنَهَا فلان فقال: أكسُنِيها، ما أحسنها! قال القوم: ما أحسنْتَ، لَبِسَها النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- محتاجًا إليها ثم سألته، وعلمتَ أنه لا يَرُدُّ، قال: إني واللَّه ما سألته لأَلْبَسها، إنما سألته لتكون كَفَنِي، قال سهل: وكانت (2) كفنه.
665 - وعن خَباب هو ابن الأَرَتِّ، قال: هاجرنا مع رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- نلتمس وجه اللَّه، فوقع أجرنا على اللَّه، فمنا من مات لم يأكل من أجره شيئًا،
منهم مصعب بن عُمَيْر، ومنا من أَيْنَعَتْ له ثمرته فهو يَهْدِبُهَا، قُتِلَ يوم أحد فلم نجد ما نكفِّنُهُ به إلا بردة، إذا غَطَّيْنَا بها رأسَهُ خرجت رِجْلَاهُ، وإذا غطينا رجليه خرج رأسه.
فأمرنا النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- أن نغطي رأسه وأن نجعل على رجليه من الإِذْخِرِ.
الغريب:
"أَيْنَعَتْ": طابت، وحان قطافها.
و"يَهْدِبُهَا": يأكلها، وأصله من هُدْب الثوب، وهو طرفه المُتَدَلِّي، فكأنَّ آكل الشيء يأخذه هَدْبًا هَدْبًا.
(13) باب القيام للجنازة ومتى يقعد؟
666 - عن عامر بن ربيعة، عن النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- قال: "إذا رأيتم الجنازة فقوموا حتى تُخَلِّفَكُمْ 1 أو تُوضَعَ".
وفي رواية 2: قال: "إذا رأى أحدكم جنازة فإن لم يكن ماشيًا معها فليقم حتى يُخَلِّفَهَا أو تُخَلِّفَهُ، أو توضع من قبل أن تخلفه".
667 - ومن حديث أبي سعيد المَقْبُرِيّ: قال: كنا في جنازة، فأخذ أبو هريرة -رضي اللَّه عنه- بيد مروان فجلسا قبل أن تُوضَعَ، فجاء أبو سعيد -رضي اللَّه عنه- فأخذ بيد مروان فقال: قُمْ، فواللَّه لقد عَلِمَ هذا أنَّ النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- نهانا عن ذلك، فقال أبو هُرَيْرَةَ: صَدَقَ.
668 - وعن عبد الرحمن بن أبي ليلى قال: كان سهل بن حُنَيْفٍ وقيس ابن سعد قاعدَيْنِ بالقادسية، فمروا عليهما بجنازة فقاما، فقيل لهما: إنها من أهل الأرض -أي: من أهل الذمة- فقالا: إن النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- مَرَّتْ به جنازة فقام، فقيل له: إنها جنازة يهودي؟ فقال "أليست نفسًا؟ ".
669 - وعن عبد الرحمن بن القاسم: أنَّ القاسم كان يمشي بين يدي الجنازة، ولا يقوم لها، ويخبر عن عائشة قالت: كان أهل الجاهلية يقومون لها.
يقولون إذا رأوها: كُنْتِ في أهلكِ ما أنتِ.
مرتين (1). (1) (كنت في أهلك ما أنت مرتين)؛ أي: يقولون ذلك مرتين، و (ما) موصولة، وبعضُ الصلة محذوف، والتقدير: كنت في أهلك الذي كنت فيه؛ أي: الذي أنت فيه الآن، كنت في الحياة مثله، لأنهم كانوا لا يؤمنون بالبعث، بل كانوا يعتقدون أن = = الحميدي، عن سفيان، عن الزهري، عن سالم، عن أبيه، عن عامر بن ربيعة به، رقم (1307).
667 - خ (1/ 404)، في الكتاب والباب السابقين، من طريق ابن أبي ذئب، عن سعيد المقبري، عن أبيه به، رقم (1309)، طرفه في (1310).
668 - خ (1/ 404)، (23) كتاب الجنائز، (49) باب من قام لجنازة يهودي، من طريق شعبة، عن عمرو بن مُرَّة، عن عبد الرحمن بن أبي ليلى به، رقم (1312)، طرفه في (1313).
669 - خ (3/ 51 - 52)، (63) كتاب مناقب الأنصار، (26) باب أيام الجاهلية، من =
الغريب:
"الجَنَازة" بفتح الجيم: النَّعْش الذي يُحمل عليه الميت، وبكسرها: الميت.
وقيل: هما لغتان.
وهذا الأمر بالقيام كان في أول الأمر ثم نسُخَ، كما رواه مسلم من حديث عليٍّ أنه قال: قام رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- للجنازة ثم قعد (1).
(14) باب الإسراع بالجنازة وحمل الرجال لها وكلام الميت
670 - عن أبي سعيد الخدري: أنَّ رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- قال: "إذا وُضِعَتِ = الروح إذا خرجت تطير طيرًا، فإن كان ذلك من أهل الخير كان روحه من صالحي الطيور، وإلا فبالعكس.
ويحتمل أن يكون قولهم هذا دعاءَ للميت.
ويحتمل أن تكون (ما) نافية، ولفظ (مرتين) من تمام الكلام؛ أي: لا تكوني في أهلك مرتين، المرة الواحدة التي كنت فيهم انقضت، ولست بعائدة إليهم مرة أخرى، ويحتمل أن تكون (ما) استفهامية؛ أي: كنت في أهلك شريفة، فأيُّ شيء أنت الآن؟ يقولون ذلك حزنًا وتأسفًا عليه.
(1) م (2/ 661 - 662)، (11) كتاب الجنائز، (25) باب نسخ القيام للجنازة، من طريق نافع بن جبير، عن مسعود بن الحكم، عن عليّ بن أبي طالب به، رقم (82/ 962). = طريق ابن وهب، عن عمرو، عن عبد الرحمن بن القاسم، عن القاسم به، رقم (3837).
670 - خ (1/ 423 - 424)، (23) كتاب الجنائز، (95) باب كلام الميت على الجنازة، من طريق الليث، عن سعيد المقبري، عن أبيه، عن أبي سعيد الخدري =
الجنازةُ، واحْتَمَلَهَا (1) الرجالُ على أعناقهم، فإن كانت صالحةً قالت: قَدِّمُوني قدِّموني، وإن كانت غير صالحة قالت: يا ويلها! أين يذهبون بها؟ يَسمع صوتها كلُّ شيء إلا الإنسان، ولو سمعها إنسان (2) لَصَعِقَ".
671 - وعن أبي هريرة: عن النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- قال: "أسرعوا (3) بالجنازة، فإن تَكُ صالحةً فخيرٌ تقدمونها، وإن تك (4) سوى ذلك فشرٌّ تضعونه عن رقابكم".
(15) باب فضل اتِّباعِ الرجال الجنائز، وكراهة ذلك للنساء
672 - عن نافع قال: حُدِّثَ ابنُ عُمَر: أن أبا هريرة يقول: من تَبِعَ123
جنازة فله قيراط، قال 1: أكثر أبو هريرة علينا 2، فَصَدَّقَتْ -يعني عائشةُ- أبا هريرة، وقالت: سمعتُ رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- يقوله.
فقال ابن عمر -رضي اللَّه عنهما-: لقد فَرَّطْنَا في قَرَارِيط كثيرة.
673 - وعن أبي هريرة قال: قال رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم-: "مَنْ شَهِدَ الجنازة حتى يُصَلِّي فله قِيرَاطٌ، ومن شهد حتى تُدفن كان له قيراطان"، فقيل: وما القيراطان؟ قال: "مِثْلُ الجبلين العظيمين".
674 - وعن أم عطية قالت: نُهِينَا عن اتِّبَاعِ الجنائز ولم يُعْزَمْ علينا (3).
(16) باب الصلاة على الجنازة، وكيفيتها، وأين يُصلى عليها
1 - عن ابن عباس: أنه صلى على جنازةٍ فقرأ فاتحة الكتاب، فقال: لتعلموا أنها سُنَّةٌ.
2 - وعن أبي هريرة: أن رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- نعَى النَّجَاشِيَّ في اليوم الذي مات فيه، وخرج بهم إلى المُصَلَّى فَصَفَّ بهم وكبَّر عليه أربع تكبيراتٍ.
3 - ومن حديث جابر قال: قال النبي -صلى اللَّه عليه وسلم-: "قد تُوُفِّيَ اليوم رجلٌ صالح من الحَبَشِ، فَهَلُمَّ فصلُّوا عليه" قال: فصفَفْنَا، فصلى النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- عليه
ونحن صفوف، وكنتُ 1 في الصف الثاني أو الثالث.
ومن حديثه (2) قال: صلى النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- على أَصْحَمَةَ النجاشي، وكبَّر أربعًا.
678 - ومن حديث أبي هريرة؛ أنَّ رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- نعَى لهم النجاشي في اليوم الذي مات فيه، وقال: "استغفروا لأخيكم".
679 - وعن ابن عمر: أنَّ اليهود جاؤوا إلى النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- برجل منهم وامرأةٍ زنيا، فأَمَرَ بهما فرُجِمَا قريبًا من موضع الجنائز عند المسجد.
680 - وعن سَمُرَة بن جُنْدَبٍ قال: صليت وراء النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- على امرأة
ماتت في نفاسها، فقام عليها وسطها.
(17) باب يصلَّى على الغائب والمقبور إذا لم يُصَلَّ عليهما
وقد تقدم صلاة النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- على النجاشي وهو غائب.
681 - وعن ابن عباس: أنَّ رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- مَرَّ بقبرٍ دفن ليلًا فقال: "متى دُفِنَ هذا؟ " فقالوا: البارحة، فقال: "أفلا آذنتموني؟ " قالوا: دفنَّاه في ظلمة الليل، فكرهنا أن نوقظك، فقام فصففنا خلفه، قال ابن عباس: وأنا فيهم 1.
قلت: قد صح (2) أن النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- قال لأصحابه: "لا تُحْدِثوا في شأنه شيئًا حتى يؤذنوه" فلم يفعلوا، وصلوا عليه ودفنوه بغير إذنه، فلم يعتدَّ النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- بصلاتهم تلك، فلذلك صلى هو عليه، واللَّه أعلم.
(18) باب الدفن وأحكامه
682 - عن أبي هريرة قال: أُرْسِلَ ملكُ الموت إلى موسى عليه السلام 1، فلما جاءه صَكَّهُ، فرجع إلى ربه فقال: أرسلتني إلى عَبْدٍ لا يريد الموت، فردَّ اللَّهُ عليه عينَهُ فقال: ارجع فقل له يَضَعُ يدَهُ على مَتْنِ ثَوْرٍ، فله بكل ما غَطَّتْ به يَدُهُ بكل شعرة سنة، قال: أَيْ ربِّ! ثم ماذا؟ قال: ثم الموت، قال: فالآن.
فَسَأَلَ اللَّهَ أن يُدْنِيَهُ من الأرض المقدسة رَمْيَةً بحَجَرٍ، قال رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم-: "فلو كنت ثَمَّ لأريتكم قبرَهُ إلى جانب الطريق عند الكَثِيبِ الأحمر".
683 - وعن أنس: شهدنا بنتَ رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- ورسولُ اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- جالس على القبر، فرأيت عَيْنَيْهِ تَدْمَعَانِ فقال: "هل فيكم من أحدٍ لم يُقَارِف الليلةَ؟ " فقال أبو طلحة: أنا، قال: "فانزل في قبرها"، فنزل في قبرها فقبرها (2). قال فُلَيْحٌ: أُرَاهُ يعني الذَّنْبَ.
684 - وعن جابر بن عبد اللَّه: أنَّ رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- كان يجمع بين الرجلين من قَتْلَى أُحُدٍ في ثوب واحد ثم يقول: "أيهما أكثر أَخْذًا للقرآن؟ " فإذا أُشِيرَ له إلى أحدهما قَدَّمَهُ في اللَّحْدِ، وقال: "أنا شهيد على هؤلاء" 1 وأمر بدفنهم بدمائهم 2. قال جابر: فكُفِّنَ أبي وعمي في نَمرة واحدة 3.
- تنبيه: قوله: "صَكَّه"؛ أي: لَطَمَهُ على عَيْنِهِ فَفَقَأَهَا، وإنما فعل ذلك به لأنه جاء إلى قبضه ولم يُخَيِّرْهُ، وكان موسى قد أُعْلِمَ أنه لا يقبض حتى يُخَيَّرَ، كما قال نبينا -صلى اللَّه عليه وسلم-: "إن اللَّه لا يقبض نبيًّا حتى يُخَيَّرَ"، ولذلك لما خَيَّرَهُ مَلَكُ الموت في الرجعة الثانية قال: الآن.
هذا أولى ما قيل فيه.
و"الكَثِيبُ": كوم الرمل.
و"يُقَارِف": يكسب ذنبًا، وأصل القَرْفِ: الكسب.
وقيل: معناه: لم يجامع أهله.
و"اللَّحْدُ": قبر في جانب الشق إلى القبلة، والشَّقُّ المستقيم يسمى: الضَّرِيحُ.
685 - وعن جابر بن عبد اللَّه قال: أتى رسولُ اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- عبدَ اللَّه بن أُبَيٍّ بعدما أُدْخِلَ حفرتَهُ، فأَمَرَ به فأُخْرِجَ، فوضعه على رُكْبَتَيْهِ ونَفَثَ عليه من ريقه، وألبسه قميصه -فاللَّه أعلم- وكان كسا عَبَّاسًا قميصًا، قال سفيان 1: فَيَرَوْنَ أنَّ النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- أَلْبَسَ عبد اللَّه قميصه مكافأة 2.
686 - وعن جابر أيضًا قال: دُفِنَ مع أبي رجلٌ، فلم تَطِبْ نفسي حتى أخرجته فجعلته في قبرٍ على حِدَةٍ.
في رواية 3: فاستخرجتُه بعد ستة أَشْهُرٍ، فإذا هو كيوم وضعتُهُ (4) غَيْرَ أُذُنِهِ.
687 - وعن ابن عباس قال: مر رسوِل اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- بقبرين يُعَذَّبَانِ، فقال:
"إنهما ليعذبان وما يعذبان في كبير، أما أحدهما فكان لا يستتر من البول، وأما الآخر فكان يمشي بالنميمة" ثم أخذ جَرِيدَةً فشقها بنِصْفَيْن، ثم غَرَسَ في كل قبر واحدة، فقالوا: يا رسول اللَّه! لما صنعت هذا؟ فقال: "لعله (1) يخفف عنهما ما لم ييبسا".
(19) باب الميت يسمع خَفْقَ النِّعَالِ، وفي ثناء الناس عليه، والنهي عن سب الموتى
688 - عن أنس: عن النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- قال: "العبد إذا وُضعَ في قبره، وتُوُلِّيَ وذهب أصحابه، حتى إنه ليسمع قَرع نِعَالهم، أتاه ملكان فأقعداه، فيقولان له: ما كنت تقول في هذا الرجل؛ محمد بن عبد اللَّه؟ 2 فيقول: أشهد أنه عبد اللَّه ورسوله، فيقال: انظر إلى مقعدك من النار، أبدلك اللَّه به مقعدًا من الجنة"، قال النبي -صلى اللَّه عليه وسلم-: "فيراهما جميعًا".
وأما الكافر أو المنافق فيقول: لا أدري، كنت أقول ما يقول الناس، فيقال: لا دَرَيْتَ ولا تَلَيْتَ، ثم يُضْرَبُ بمِطْرَقَةٍ من حديد ضَرْبَةً بين أذنيه، فيصيح صيحة يسمعها من يليه إلا الثَّقَلَيْنِ".1
689 - وعنه قال: مُرَّ 1 بجنازة فأثنوا خيرًا، فقال النبي -صلى اللَّه عليه وسلم-: "وَجَبَتْ" 2. ثم مَرُّوا بأخرى فأثنوا عليها شرًّا، فقال: "وجبت"، فقال عمر بن الخطاب: ما وجبت؟ قال: "هذا أثنيتم عليه خيرًا فوجبت له الجنة، وهذا أثنيتم عليه شرًّا فوجبت له النار، أنتم شهداء اللَّه في الأرض 3 ".
وفي رواية 4: "أَيُّمَا رَجُلٍ (5) شهد له أربعة بخير أدخله اللَّه الجنة"، فقلنا: وثلاثة؟ قال: "وثلاثة"، فقلنا: واثنان؟ قال: "واثنان"، ثم لم نسأله عن الواحد.
690 - وعن عائشة قالت: قال النبيُّ -صلى اللَّه عليه وسلم-: "لا تَسُبُّوا الأموات؛ فإنهم
قد أَفْضَوْا إلى ما قَدَّمُوا" (1).
(20) باب ما جاء في عذاب القبر والتعوذ منه
691 - عن البَرَاء عن عازب، عن النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- قال: "إذا قعد المؤمن في قبره 2 أُتِيَ، ثم يَشْهَدُ أن لا إله إلا اللَّه، وأن محمدًا رسول اللَّه، فذلك قوله: ﴿يُثَبِّتُ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾ [إبراهيم: 27] ". وفي رواية (3): قال البراء: ﴿يُثَبِّتُ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا﴾ نزلت في عذاب القبر.1
692 - وعن عائشة: أنَّ يهوديةً دخلت عليها، فذكرتْ عذاب القبر، فقالت لها: أعاذك اللَّه من عذاب القبر، فسألت عائشةُ رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- عن عذاب القبر فقال: "نعم، عذابُ القَبْر" قالت عائشة -رضي اللَّه عنها-: فما رأيتُ رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- بَعْدُ صَلَّى صلاةً إلا تعوَّذُ من عذاب القبر.
693 - وعن أسماء بنت أبي بكر قالت: قام رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- خطيبًا، فذكر فتنة القبر التي يفتن فيها المرء، فلما ذكر ذلك ضَجَّ المسلمون ضَجَّةً.
694 - وعن أبي أيوب قال: خرج النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- وقد وَجَبَتِ الشمس (1)، فسمع صوتًا فقال: "يَهودُ تُعَذَّبُ في قُبُورِهَا".
695 - وعن أبي هريرة قال: كان رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- يدعو: "اللهم إني أعوذ بك من عذاب القبر، ومن عذاب النار، ومن فتنة المحيا والممات، ومن فتنة المسيح الدَّجَّال".
-
- * (1) (وجبت الشمس)؛ أي: سقطت، والمرادُ غروبها.
692 - خ (1/ 421 - 422)، في الكتاب والباب السابقين، من طريق شعبة، عن الأشعث، عن أبيه، عن مسروق، عن عائشة به، رقم (1372). 693 - خ (1/ 422)، (23) كتاب الجنائز، (86) باب ما جاء في عذاب القبر، من طريق ابن شهاب، عن عروة بن الزبير، عن أسماء بنت أبي بكر به، رقم (1373). 694 - خ (1/ 422)، (23) كتاب الجنائز، (87) باب التعوذ من عذاب القبر، من طريق شعبة، عن عون بن أبي جحيفة، عن أبيه، عن البراء بن عازب، عن أبي أيوب به، رقم (1375). 695 - خ (1/ 422)، في الكتاب والباب السابقين، من طريق يحيى، عن أبي سلمة، عن أبي هريرة به، رقم (1377).
- * (1) (وجبت الشمس)؛ أي: سقطت، والمرادُ غروبها.
(21) باب ما قيل في أولاد المسلمين والمشركين
696 - عن أنس بن مالك قال: قال رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم-: "ما من مسلم يموت له ثلاثةٌ 1 لم يبلغوا الحِنْثَ إلا أدخله اللَّه الجنة بفضل رحمته إياهم".
697 - وعن ابن عباس وأبي هريرة قالا: سُئِلَ رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- عن ذراري المشركين، فقال: "اللَّه أعلم بما كانوا عاملين".
698 - وعن سَمُرَةَ بن جُنْدَب قال: كان النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- إذا صلى صلاته (2) أقبل علينا بوجهه فقال: "من رأى منكم الليلة رؤيا؟ " قال: فإن رأى أحدٌ قَصَّها، فيقول ما شاء اللَّه، فسألنا يومًا فقال: "هل رأى أحد منكم رؤيا؟ "
قلنا: لا، قال: "لكني رأيت الليلة رجلين أتياني، فأخذا بيدي فأخرجاني إلى الأرض المقدسة، فإذا رجل جالس ورجل قائم بيده كَلُّوبٌ 1 -قال بعض أصحابنا عن موسى: كَلُّوبٌ من حديد- يُدْخِلُه في شِدْقِهِ حتى يبلغ قفاه، ثم يفعل بشدقه الآخر مثل ذلك، ويلتئم شدقُه هذا فيعود، فيصنع مثله، قلت: ما هذا؟ قالا: انطلق.
فانطلقنا حتى أتينا على رجل مضطجع على قفاه، ورجل قائم على ظهره بفِهْرٍ أو صخرة فيَشْدَخُ بها رأسَهُ، فإذا ضَرَبَهُ تَدَهْدَهَ الحجرُ، فانطلق إليه ليأخذه، فلا يرجع إلى هذا حتى يلتئم رأسه، وعاد رأسه كما هو، فعاد إليه فضربه، قلت: ما هذا؟ 2 قالا: انطلق.
فانطلقنا إلى ثُقْبٍ مثل التَّنُّورِ، أعلاه ضيِّقٌ وأسفله واسع، يَتَوَقَّدُ تحته نارًا، فإذا اقترب ارتفعوا حتى كادوا أن يخرجوا، فإذا خمدت رجعوا فيها، وفيها رجال ونساء عُرَاةٌ، فقلت: ما هذا؟ 3 قالا: انطلق.
فانطلقنا حتى أتينا على نهَر من دَمٍ فيه رجل قائم، على وسط -وفي رواية: شط 4 - النهرِ رجلٌ بين يديه حجارة، فأقبل الرجل الذي في النهر، فإذا أراد أن يخرج رَمَى الرجلُ بحجر في فيه فردَّه حيث كان، فجعل كلما جاء ليخرج رَمَى في فيه بحجر، فيرجع كما كان، فقلت: ما هذا؟ قالا: انطلق.
حتى انتهينا إلى روضة خضراء، فيها شجرة عظيمة، وفي أصلها شيخ وصبيان، فإذا 1 رجل قريب من الشجرة بين يديه نار يوقدها، فصَعِدَا بي في الشجرة وأدخلاني دارًا لم أرَ قَطُّ أحسن منها، فيها رجالٌ شيوخ وشباب، ونساء وصبيان، ثم أخرجاني منها فصعدا في 2 الشجرة، فأدخلاني دارًا هي أحسن وأفضل فيها شيوخ وشباب.
قلت: طَوَّفْتُمَاني الليلة فأخبراني عما رأيت؟ قالا: نعم.
الذي رأيته يُشَقُّ شِدْقُه فكذَّاب يحدث بالكِذْبَةِ فتُحْمَلُ عنه حتى تبلغ الآفاق، فيصنع به 3 إلى يوم القيامة.
والذي رأيته يُشْدَخُ رأسه فرجل علَّمَهُ اللَّه الفرقان 4، فنام عنه بالليل، ولم يعمل فيه بالنهار، يُفْعَلُ به إلى يوم القيامة.
والذي رأيته في الثقب فهم الزناة.
والذي رأيته في النهر آكل الربا.
والشيخ في أصل الشجرة إبراهيم 5، والصبيان حوله فأولاد الناس.
والذي يوقد النارَ مالكٌ خازن النار.
والدار الأولى التي دخلت دار عامة المؤمنين.
وأما هذه الدار فدار الشهداء.
وأنا جبريل وهذا ميكائيل، فارفع رأسك، فرفعتُ رأسي فإذا فوقي مثل السحاب، قالا: ذاك منزلك، قلت: دعاني أدخل منزلي، قالا: إنه بقي لك عمرٌ لم تستكمله، فلو استكملتَ أتيتَ منزلك".
الغريب:
أصل "الحِنْثَ": الإثم، وهو هنا عبارةٌ عن البلوغ؛ لأنه الحال الذي يتعلق بالمتصف بها الإثم.
و"يَلْتَئِمُ": يجتمع ويلتحم.
و"الشَّدْخُ": الرَّضُّ مع كسر.
و"تَدَهْدُهُ الحجرِ": انحدارُه.
و"شَطّ النهر": جانبه وساحله.
و"الثقب": الكُوّة، والطريق الضيق في الجبل.
(22) باب صلاة النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- على أهل أحد بعد سنين، وأن ذلك كان خاصًّا بهم
699 - عن عُقْبَة بن عامر، عن النبي -صلى اللَّه عليه وسلم-: خرج يومًا فصلى على أهل أُحُد صلاته على الميت، ثم انصرف إلى المنبر فقال: "إني فَرَطُكم 1، وأنا
شهيد عليكم، إني 1 واللَّه لأنظر إلى حوضي الآن، وإني قد 2 أُعطيت مفاتيح خزائن الأرض 3، وإني واللَّه ما أخاف أن تشركوا بعدي، ولكن أخاف عليكم أن تَنَافَسُوا فيها".
الغريب:
"الفَرَط" بفتح الراء: السابقُ للماء تَهْيِئَةً للواردين.
و"الحوض": مُجْتَمَعُ الماء.
وظاهر هذا الحديث أنه صلى على شهداء أُحُدٍ كما يصلي على الموتى بتكبير وقيام وسلام، ويجوز أن يكون دعاء كما يُدْعَى للميت، وعلى هذا لا يكون في الحديث إشكال.
700 - عن أبي هريرة: أن رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- قال: "يقول اللَّه: ما لعبدي المؤمن عندي جزاء إذا قبضت صَفِيَّهُ (4) من أهل الدنيا ثم احتسبه إلا الجنة".
701 - وعن أسامة قال: كنت عند النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- إذ جاءه رسول إحدى
بناته -وعنده سعد وأُبَيّ بن كعب ومعاذ- أنَّ ابنها يَجُودُ بنَفْسِهِ، فبعث إليها: "للَّه ما أخذ ولله ما أعطى، وكلٌّ بأَجَلٍ، فلتصبر ولتحتسب".
زاد في رواية 1: فأرسلت إليه تُقْسِمُ عليه، فقام وقمنا معه، فلما قعد رُفِعَ إليه فأَقعده في حِجْرِهِ، ونَفْسُ الصبي تقعقع 2 ففاضت عينا رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم-، فقال سعد: ما هذا يا رسول اللَّه؟ فقال: "هذه رحمة يَضَعُهَا اللَّه في قلوب من يشاء من عباده.
وإنما يرحم اللَّه من عباده الرحماء".
خدمة السنة النبوية سلسلة مؤلفات الأستاذ الدكتور رفعت فوزي عبد المطلب (1)
اختصار صحيح البخاري وبيان غريبه
تأليف الإمام أبي العباس القرطبي ضياء الدين أحمد بن عمر الأنصاري الأندلسي القرطبي المولود بالأندلس سنة 578 هـ والمتوفى بالإسكندرية سنة 656 هـ - رحمه الله تعالى -
تحقيق الدكتور رفعت فوزي عبد المطلب
[المجلد الثاني]
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
خدمَة السّنة النَّبَوِيَّة سلسلة مؤلفات الْأُسْتَاذ الدكتور رفعت فوزي عبد الْمطلب (1)
اخْتِصَار صَحِيح البُخَارِيّ وَبَيَان غَرِيبه [2]
دار النوادر المؤسس والمالك نور الدين طالب مؤسسة ثقافية علمية تُعنى بالتراث العربي والإسلامي والدارسات الأكاديمية والجامعية المتخصصة بالعلوم الشرعية واللغوية والإنسانية تأسست في دمشق سنة 1422 هـ - 2002 م، وأشهرت سنة 1426 هـ - 2006 م. سوريا - دمشق - الحلبوني ص. ب: 34306
1435 هـ - 2014 م
E-mail: info@daralnawader.com Website: www.daralnawader.com
(19) كتاب الزكاة
(19) كتاب الزكاة
(1) باب وجوب الزكاة، وحكم مانعها، وبيان الكَنْزِ ما هو؟
1 - عن ابن عباس: أن النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- بعث معاذًا -رضي اللَّه عنه- إلى اليمن فقال: "ادْعُهُمْ إلى شهادة أن لا إله إلا اللَّه وأني رسول اللَّه، فإن هم أطاعوا لذلك فأَعْلِمْهُمْ أن اللَّه قد افترض عليهم خمس صلوات في كل يوم وليلة، فإن هم أطاعوا لذلك فأعلمهم أن اللَّه افترض عليهم صدقةً في أموالهم تؤخذ من أغنيائهم وتُرَدُّ في فقرائهم".
2 - وعن أبي هريرة قال: لما توفي رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- وكان أبو بكر -رضي اللَّه عنه-
وكَفَرَ مَنْ كَفَرَ من العرب.
فقال عمر -رضي اللَّه عنه-: كيف تقاتل الناس، وقد قال رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم-: "أُمِرْتُ أن أقاتل الناس حتى يقولوا لا إله إلا اللَّه فمن قالها فقد عَصَمَ مني مالَهُ ونفسَهُ إلا بحقه، وحسابه على اللَّه"؟ فقال: واللَّه لأقاتلن من فَرَّقَ بين الصلاة والزكاة؛ فإن الزكاة حق المال، واللَّه لو منعوني عَنَاقًا كانوا يؤدونها إلى رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- لقاتلتهم على منعه 1. قال عمر: فواللَّه ما هو إلا أَنْ قد شرح اللَّه صدر أبي بكر -رضي اللَّه عنه- فعرفت أنه الحق.
704 - وعنه قال: قال رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم-: "من آتاه اللَّه مالًا فلم يُؤَدِّ زكاتَهُ مُثِّلَ لَه مالُه يوم القيامة شُجَاعًا أقرعَ له زبيبتان يُطَوَّقُهُ يوم القيامة، ثم يأخذ بِلِهْزِمَتَيْهِ -يعني شِدْقَيْهِ- يقول 2: أنا مَالُكَ، أنا كنزك" ثم تلا ﴿وَلَا يَحْسَبَنَّ 3 الَّذِينَ يَبْخَلُونَ﴾ الآية [آل عمران 180].
705 - وعن خالد بن أسلم قال: خرجنا مع عبد اللَّه بن عمر -رضي اللَّه عنهما- فقال أعرابي: أخبرني قول اللَّه عَزَّ وَجَلَّ (4): {وَالَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ
وَالْفِضَّةَ} [التوبة: 34] 1 قال ابن عمر -رضي اللَّه عنهما-: مَنْ كَنَزَهَا ولم يُؤَدِّ زكاتها فويل له، إنما كان هذا قبل أن تنزل الزكاة، فلما نزلت 2 جعلها اللَّه طُهرًا للأموال.
706 - وعن الأحنف بن قيس قال: جلست إلى مَلأٍ من قريش، فجاء رجل خَشِنُ الشعر والثياب والهيئة.
حتى قام عليهم فسَلَّم، ثم قال: بَشِّرِ الكَانِزِينَ بِرَضْفِ يُحْمَى عليهم في نار جهنم، ثم يوضع على حَلَمَةِ ثَدْي أحدهم حتى يخرج من نُغْضِ كتفيه 3، ويوضع على نُغْضِ كتفيه 4 حتى يخرج من حلمة ثديه يتزلزل.
ثم وَلَّى، فجلس إلى ساريةِ، وتَبِعْتُهُ وجلست إليه، وأنا لا أدري من هو؟ فقلت له: لا أُرَى القومَ إلا قَدْ كَرِهُوا ما قلت.
قال: إنهم لا يعقلون شيئًا، قال لي خليلي -قال: قلت: ومن خليلك؟ -: "يا أبا ذر" أتبصرُ أُحُدًا؟ " قال: فنظرت إلى الشمس ما بقي من النهار، وأنا أُرَى أنَّ رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- يرسلني في حاجة له، قلت: نعم.
قال: "ما أحب أن لي مثل أُحُدٍ ذهبًا أنفقه كلَّه إلا ثلاثة دنانير" وإن هؤلاء لا يعقلون، إنما يجمعون الدنيا، لا واللَّه، لا أسالهم دنيا ولا أستفتيهم عن دين حتى ألقى اللَّه.
الغريب:
"مُثِّل": صُوِّرَ.
و"الشُّجَاع": من الحيات، والذي يقوم على ذنبه، ويواثب القائم والفارس.
ويجمع: أَشْجِعَة وشُجْعَان.
قاله اللحياني.
"والأقرع" منها: هو الذي تَقَرَّعَ رأسُه من السم.
و"الزَّبِيبَتَان": نابان يخرجان من فيه.
قاله الحربي.
وقيل: هما أثران في جانبي فمه من السمّ، ويكون مِثْلُهَا في جانبي فم المكثر من الكلام.
و"اللَّهْزِمَة": الشِّدْقُ.
و"الرَّضْفُ": الحجارة المحماة.
و"العَنَاق": الجَذَع من المعز.
وقوله: "قلت: ومَن خليلك؟ "، كلام معترِض بين قول أبي ذر: "قال خليلي: يا أبا ذر".
ولم يجبه أبو ذر على ذلك القول المُعْتَرِضِ (1)، لكن حصل جوابه لَمَّا قال: "فأنا أُرَى أنَّ رسول اللَّه يرسلني".
(2) باب الحض على الصدقة من الكسب الطيب، وبيان فضلها، ومبادرة الموانع منها
707 - عن أبي هريرة قال: قال رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم-: "من تَصدق بعَدْلِ تمرة1
من كسب طيب -ولا يقبل اللَّه إلا الطَّيب- فإن اللَّه يقبلها 1 بيمينه ثم يُرَبيِّهَا لصاحبها كما يربي أحدكم فَلُوَّهُ، حتى يكون مثلَ الجبل".
708 - وعن عَدِيِّ بن حاتم قال: كنت عند رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم-، فجاءه رجلان أحدهما يشكو العَيْلَةَ، والآخر يشكو قطع السبيل، فقال رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم-: "أما قطعُ السبيل فإنه لا يأتي عليك إلا قليل حتى تخرج العيرُ إلى مكة بغير خَفيرٍ، وأما العيلة فإن الساعة لا تقوم حتى يطوف أحدكم بصدقته لا يجد من يقبلها منه، ثم لَيَقِفَنَّ أحدُكم بين يدي اللَّه عَزَّ وَجَلَّ ليس بينه وبينه حِجَابٌ ولا تَرْجُمَان يترجم له، ثم ليقولنَّ له: ألم أُوتِكَ مالًا؟ فليقولن: بلى.
ثم ليقولن: ألم أُرْسِل إليك رسولًا؟ فليقولن: بلى.
فينظرُ عن يمينه فلا يرى إلا النار، ثم ينظر عن شماله فلا يرى إلا النار، فليتق 2 أحدكم النار (3) ولو بِشِقِّ تمرة، فإن لم يجد فبكلمة طيبة".
709 - وعن أبي موسى: عن النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- قال "لَيَأْتِيَنَّ على الناس زمانٌ
يطوف الرجل فيه بالصدقة من الذهب ثم لا يجد أحدًا (1) يأخذها منه، ويُرَى الرجلُ الواحد يَتْبَعُهُ أربعون امرأةً يَلُذْنَ به، من قلة الرجال وكثرة النساء".
710 - وعن أبي هريرة قال: جاء رجل إلى النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- فقال: يا رسول اللَّه أيُّ الصدقة أعظم أجرًا؟ قال "أَنْ تَصَدَّقَ وأنت صحيح شحيح، تخشى الفَقْرَ وتأمُلُ الغِنَى، ولا تُمْهِلْ حتى إذا بلغت الحلقوم قلت: لفلان كذا ولفلان كذا، وقد كان لفلان".
الغريب:
"عَدْلُ الشيء": مِثْلُه، وهو بفتح العين.
و"الكسب الطيب": الحلال.
و"العِير": الإبل.
و"العَيْلَة": الفقر.
و"الخفير": الغفير، وهو الذي يُدْخَل في خفارته؛ أي: عهده.
و"يَلُذْن": يتقين ويستترن.
و"الحُلْقُوم": الحلق.
والضمير في "بلغت" هو للنفس المقبوضة بالموت.
-
- * (1) "أحدًا" كذا في "صحيح البخاري"، وفي الأصل: "أحد".
= عن أبي بُرْدَةَ، عن أبي موسى به، رقم (1414). 710 - خ (1/ 438)، (24) كتاب الزكاة، (11) باب فضل صدقة الشحيح الصحيح لقوله: ﴿وَأَنْفِقُوا مِنْ مَا رَزَقْنَاكُمْ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ﴾، من طريق عمارة ابن القعقاع، عن أبي زرعة، عن أبي هريرة به، رقم (1419). طرفه في (2748).
- * (1) "أحدًا" كذا في "صحيح البخاري"، وفي الأصل: "أحد".
(3) باب أجر الصدقة على حسب نية المُتَصَدِّقِ، وإن وقعت بيد من لم يقصد
711 - عن أبي هريرة: أنَّ رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- قال "قال رجل: لأَتَصَدَّقَنَّ بصدقةٍ.
فخرج بصدقته فوضعها في يد سارق 1، فأصبحوا يتحدثون: تُصُدِّقَ على سارق" فقال: اللهم لك الحمد 2، لأتصدَّقَنَّ بصدقة.
فخرج بصدقته فوضعها في يد زانية، فأصبحوا يتحدثون: تُصدِّقَ الليلة على زانية.
قال: اللهم لك الحمد، على زانية! لأتصدقن بصدقة، فخرج بصدقته فوضعها في يد غني، فأصبحوا يتحدثون: تصدق على غني.
قال: اللهم لك الحمد، على سارق، وعلى زانية، وعلى غني! فأُتِيَ (3) فقيل له: أما صدقتك على سارق، فلعله أن يستعف عن سرقته، وأما الزانية فلعلها أن تستعف عن زناها، وأما الغني فلعله يعتبر فينفق مما أعطاه اللَّه".
712 - وعن مَعْنَ بن يزيد قال: بايعتُ رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- أنا وأبي وجدي،