نسوة من الأنصار في البيت، فقلن: على الخير (1)، وعلى خير طائر، فأسلمتني إليهن، فأصلحن من شأني، فلم يَرُعْني إلَّا رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- ضحًى، فأسلمنني (2) إليه، وأنا يومئذٍ بنت تسع (3).
(6) باب الهجرة إلى أرض الحبشة
1791 - عن عائشة: أن أم سلمة وأم حبيبة ذكرتا كنيسة رأينها بالحبشة فيها تصاوير.
. .، قد تقدم.
1792 - وعن أبي موسى قال: بَلَغَنَا مخرجُ النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- ونحن باليمن، فركبنا سفينة، فألقتنا سفينتنا إلى النجاشي بالحبشة، فوافقنا جعفر بن أبي طالب عنده، فأقمنا معه حتى قدمنا، فوافقنا النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- حين افتتح خيبر، فقال النبي -صلى اللَّه عليه وسلم-: "لكم أهلَ السفينة هجرتان"، وقد تقدم حديث أبي هريرة بموت النجاشي، والصلاة عليه.
-
- *12
باب هجرة النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- وأصحابه إلى المدينة
وقال عبد اللَّه بن زيد وأبو هريرة، عن النبي -صلى اللَّه عليه وسلم-: "لولا الهجرة لكنت امرءًا من الأنصار"، وقال أبو موسى، عن النبي -صلى اللَّه عليه وسلم-: "رأيت في المنام أني مهاجر من مكة إلى أرض بها نخل، وَهَلِي إلى أنَّها اليمامة أهجر 1؛ فإذا هي المدينة يثرب".
1793 - وعن عروة بن الزبير: أن عائشة زوج النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- قالت: لم أعقل أبويَّ قطّ إلَّا وهما يدينان الدين، ولم يمر علينا يوم إلَّا يأتينا فيه رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- طرفي النهار بكرة وعشية، فلما ابتلي المسلمون، خرج أبو بكر مهاجرًا نحو أرض الحبشة حتى إذا بلغ بَرْكَ الغِمَاد لقيه ابن الدَّغِنَةِ -وهو سيد القَارَّةِ- فقال: أين تريد يا أبا بكر؟ فقال أبو بكر: أخرجني قومي، فأريد أن أسيح في الأرض، وأعبد ربي، فقال ابن الدَّغِنَّة: فإن مثلك يا أبا بكر لا يَخْرج ولا يُخْرج، إنك تَكْسِب المعدوم، وتصل الرحم، وتحمل الكَلَّ وتَقْرِي الضيف، وتعين على نوائب الحق، فأنا لك جار، ارجع واعبد ربك ببلدك، فرجع فارتحل معه ابن الدَّغِنَّة، فطاف ابن الدغنة عشية في أشراف قريش، فقال لهم: إن أبا بكر لا يَخرج مثله ولا يُخرج، أتخرجون رجلًا
يكسب المعدوم، ويصل الرحم، ويحمل الكَلَّ، ويقري الضيف، ويعين على نوائب الحق، فلم تكذب قريش بجوار ابن الدغنة 1، وقالوا لابن الدغنة: مُرْ أبا بكر فليعبد ربه في داره، فليصلِّ فيها، وليقرأ ما شاء، ولا يؤذينا بذلك، ولا يستعلن به؛ فإنا نخشى أن يَفْتِنَ نساءَنا وأبناءنا، فقال ذلك ابن الدغنة لأبي بكر، فلبث أبو بكر كذلك يعبد ربه في داره، ولا يستعلن بصلاته، ولا يقرأ في غير داره، ثم 2 بدا لأبي بكر، فابتنى مسجدًا بفناء داره، وكان يصلِّي فيه، ويقرأ القرآن، فيتقذَّفُ 3 عليه نساءُ المشركين وأبناؤهم يَعْجَبُون منه، وينظرون إليه، وكان أبو بكر رجلًا بكَّاءً، لا يملك عينيه إذا قرأ القرآن، فأفزع ذلك أشراف قريش من المشركين، فأرسلوا إلى ابن الدغنة، فقدم عليهم، فقالوا: إنا كنا أجرنا أبا بكر بجوارك على أن يعبد ربه في داره، فقد جاوز ذلك، فابتنى مسجدًا بفناء داره، فأعلن بالصلاة والقراءة فيه، وإنَّا قد خشينا أن يفتن نساءنا وأبناءنا فَانْهَهُ، فإن أحب أن يقتصر على أن يعبد ربه في داره فعل، وإن أبي إلَّا أن يعلن بذلك، فسله أن يرد إليك ذمتك، فإنا قد كرهنا أن نُخْفِرَك 4، ولسنا مقرين لأبي بكر الاستعلان، قالت عائشة: فأتى ابن الدغنة إلى أبي بكر، فقال: لقد علمت الذي عاقدت لك عليه، فإما أن تقتصر على ذلك، وإما أم تُرجع إلي ذمتي؛ فإنّي لا أحب أن تسمع العرب أني أُخْفِرْتُ
في رجل عقدت له، فقال أبو بكر: فإنّي أردُّ إليك جوارك، وأرضى بجوار اللَّه -عز وجل-، والنبي -صلى اللَّه عليه وسلم- يومئذٍ بمكة.
فقال النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- للمسلمين: "إنِّي رأيت دار هجرتكم، ذات نخل، بين لابتين، وهما الحرتان"، فهاجَرَ من هاجر قِبَل المدينة، ورجع عامة من هاجر بأرض الحبشة إلى المدينة، وتجهز أبو بكر قِبَل المدينة، فقال له رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم-: "على رِسْلِك؛ فإنّي أرجو أن يؤذن لي"، فقال أبو بكر: وهل ترجو ذلك بأبي أنت وأمي؟ قال: "نعم"، فحبس أبو بكر نفسه على رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- ليصحبه، وعلف راحلتين كانتا عنده ورق السَّمُر -وهو الخَبَطُ- أربعة أشهر، قالت عائشة 1: فبينما نحن يومًا جلوس في بيت أبي بكر في نحر الظهيرة، قال قائل لأبي بكر: هذا رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- متقنعًا في ساعة لم يكن يأتينا فيها، فقال أبو بكر: فدًى له أبي وأمي، واللَّه ما جاء به في هذه الساعة إلَّا أمرٌ، قالت: فجاء رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم-، فاستأذن فأُذن له، فدخل، فقال النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- لأبي بكر: "أَخْرِجْ مَنْ عندك"، فقال أبو بكر: إنَّما هم أهلك بأبي أنت يا رسول اللَّه، قال: "فإنّي قد أُذن لي في الخروج"، فقال أبو بكر: الصحبة بأبي أنت يا رسول اللَّه؟ قال رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم-: "نعم"، قال أبو بكر: فَخُذْ بأبي أنت يا رسول اللَّه إحدى راحلتيَّ هاتين، قال رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم-: "بالثمن"، قالت عائشة: فجهَّزْنَاهُمَا أحث 2 الجهاز، وصنعنا لهما سفرة في جراب، فقطعت أسماء بنت أبي بكر قطعتين من نطاقها، فربطت به على فم الجراب، فلذلك سميت ذات النطاقين، ثم لحق رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- وأبو بكر بغار في جبل ثور،
فمكثا فيه ثلاث ليال، يبيت عندهما فيه عبد اللَّه بن أبي بكر، وهو غلام شاب ثَقِيفٌ 1 لَقِنٌ 2، فَيُدْلج من عندهما بسَحَرٍ، فيصبح مع قريش بمكة كبائت، فلا يسمع أمرًا يُكادان 3 به إلَّا وعاه حتى يأتيهما بخبر ذلك حين يختلط الظلام، ويرعى عليهما عامر بن فُهَيْرة مولى أبي بكر مِنْحَة 4 من غنم، فيريحها عليهما حين تذهب ساعة من العشاء، فيبيتان في رِسْلٍ -وهو لبن منيحتهما ورضيفهما 5 - حتى يَنْعِقَ لها عامر 6 بغَلَسٍ، يفعل ذلك في كل ليلة من تلك الليالي الثلاث، واستأجر رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- وأبو بكر رجلًا من بني الدِّيل، وهو من بني عبد بن عدي هاديًا خِرِّيتًا -والخريت الماهر بالهداية-، قد غمس حلفًا في 7 العاص بن وائل السهمي، وهو على دين كفار قريش، فأَمِنَاهُ ودفعًا إليه راحلتيهما، وواعداه غار ثور بعد ثلاث ليال براحلتيهما صبح ثلاث، وانطلق معهما عامر بن فُهيرة والدليل، فأخذ بهم طريق الساحل 8.
1794 - قال ابن شهاب: وأخبرني عبد الرحمن بن مالك المدلجي -وهو ابن أخي سُراقة بن جُعْشُمٍ 1 -: أن أباه أخبره أنَّه سمع سراقة بن جعشم يقول: جاءنا رسول كفار قريش يجعلون في رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- وأبي بكر دية كل واحد منهما لمن قتله أو أَسَرَهُ، فبينا 2 أنا جالس في مجلس من مجالس قومي بني مُدْلِج؛ إذ أقبل رجل منهم حتى قدم علينا ونحن جلوس، فقال: يا سُراقة! إنِّي قد رأيت آنفًا أَسْوِدَةَ بالساحل، أُراه محمدًا وأصحابه، قال سراقة: فعرفت أنهم هم، فقلت له: إنهم ليسوا بهم، ولكنك رأيت فلانًا وفلانًا انطلقوا بأَعْيُننَا، ثم لبثت في المجلس ساعة، ثم قمت فدخلت، وأمرت جاريتي أن تخرج بفرسي، وهي من وراء أَكَمَةٍ، فتحبسها عليَّ، وأخذت رمحي، فخرجت به من ظهر البيت، فخَطَطْتُ بزُجِّهِ الأرض، وخفضت عاليه حتى أتيت فرسي، فركبتها فرفعتها تُقَرِّبُ بي حتى دنوت منهم، فَعَثَرَتْ بي فرسي، فخررت عنها، فقمت فأهويت بيدي إلى كنانتي، فاستخرجت منها الأزلام، واستقسمت بها، أَضُرُّهُم أم لا؟ فخرج الذي أكره، فركبت فرسي وعصيت الأزلام، تقرب بي حتى إذا سمعت قراءة رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- وهو لا يلتفت، وأبو بكر يكثر الالتفات، ساخت يدا فرسي في الأرض، حتى بلغتا الركبتين، فخررت عنها، ثم زجرتها، فنهضت، فلم تكد تخرج يديها، فلما استوت قائمة؛
إذا غبار ساطع 1 في السماء مثل الدخان، فاستقسمت بالأزلام، فخرج الذي أكره، فناديتهم بالأمان، فوقفوا، فركبت فرسي حتى جئتهم، ووقع في نفسي حين لقيت ما لقيت من الحبس عنهم أن سيظهر أمر رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم-، فقلت له: إن قومك قد جعلوا فيك الدية، وأخبرتهم أخبار ما يريد النَّاس بهم، وعرضت عليهم الزاد والمتاع، فلم يرزآني 2 شيئًا، ولم يسألاني إلَّا أن قال: "أخفِ عنَّا"، فسألته أن يكتب لي كتاب أَمْنٍ، فأمر عامر بن فُهيرة، فكتب في رقعة من أدم، ثم مضى رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم-.
قال ابن شهاب: فأخبرني عروة بن الزبير: أن رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- لقي الزبيرَ في ركب من المسلمين كانوا تجارًا قافلين من الشام، فكسى الزبيرُ رسولَ اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- وأبو بكر ثياب بياض، وسمع المسلمون بالمدينة بمخرج رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- من مكة، فكانوا يغدون كل غَدَاةٍ إلى الحرة ينتظرونه حتى يردهم حر الظهيرة، فانقلبوا يومًا بعدما أطالوا انتظارهم، فلما أوَوْا إلى بيوتهم، أَوْفَى رجلٌ من يهود على أُطُمٍ من آطامهم لأمر ينظر إليه، فبصر برسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- وأصحابه مُبيَّضِينَ يزول بهم السراب، فلم يملك اليهودي أن قال بأعلى صوته: يا معشر العرب! هذا جَدُّكم 3 الذي تنتظرون، فثار المسلمون إلى السلاح، فتلقوا رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- بظهر الحرة، فعدل بهم ذات اليمين حتى نزل بهم في بني عمرو ابن عوف، وذلك يوم الاثنين من شهر ربيع الأول، فقام أبو بكر للنَّاس، وجلس رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- صامتًا، وطفق من جاء من الأنصار ممن لم يَر رسول اللَّه
-صلى اللَّه عليه وسلم- يحيى أبا بكر حتى أصابت الشمس رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم-، فأقبل أبو بكر حتى ظلل عليه بردائه، فعرف الناس رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- عند ذلك، فلبث رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- في بني عمرو بن عوف بضع عشرة ليلة، وأسس المسجد الذي أُسس على التقوى، وصلى فيه رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم-، ثم ركب راحلته، فسار 1 معه الناس، حتى بركت عند مسجد الرسول -صلى اللَّه عليه وسلم- بالمدينة، وهو يصلي فيه يومئذٍ رجال من المسلمين، وكان مِرْبَدًا للتمر لسُهيل وسهل، غلامين يتيمين في حجر أسعد بن زُرَارة، فقال رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- حين بركت به راحلته: "هذا إن شاء اللَّه المنزل"، ثم دعا رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- الغلامين، فساومهما بالمربد ليتخذه مسجدًا، فقالا: بل نهبه لك يا رسول اللَّه، فأبى رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- أن يقبله هبة منهما 2، ثم بناه مسجدًا، وطفق رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- ينقل معهم اللبِن في بنيانه ويقول وهو ينقل اللبن: هذا الحِمَالُ لا حِمالُ خَيْبَر ... هذا أَبَرُّ رَبَّنَا وأَطْهَر وهو يقول 3: اللَّهم إنَّ الأَجْرَ أَجْرُ الآخره ... فارحم الأنصار والمُهَاجِرَه يتمثل بشعر رجل من المسلمين لم يُسَمَّ لي، قال ابن شهاب: ولم يبلغنا في الأحاديث: أن رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- تمثل ببيت شعر تام غير هذه الأبيات.
1794/ م- وعن أنس بن مالك قال: أقبل النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- إلى المدينة وهو مردف أبا بكر -وأبو بكر شيخ يعرف- والنبي -صلى اللَّه عليه وسلم- شاب لا يعرف، قال: فيلقى الرجلُ أبا بكر، فيقول: يا أبا بكر! من هذا الرجل الذي بين يديك؟ فيقول: هذا الرجل يهديني السبيل، قال: فيحسب الحاسب أنَّه إنَّما يعني الطريقَ، وإنَّما يعني سبيلَ الخير، فالتفت أبو بكر؛ فإذا هو بفارس قد لحقهم، فقال: يا رسول اللَّه! فارس 1 قد لحق بنا، فالتفت نبي اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- فقال: "اللَّهم اصرعه"، فصرعه فرسه، ثم قامت تُحَمْحِمُ، فقال: يا نبي اللَّه! مُرْني بما شئت، قال: "قف مكانك، لا تتركن أحدًا يلحق بنا"، قال: وكان أول النهار جاهدًا على نبي اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم-، وكان آخر النهار مَسْلَحة له، فنزل رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- جانب الحرة، ثم بعث إلى الأنصار، فجاؤوا إلى النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- وأبي بكر، فسلموا عليهما، وقالوا: اركبا آمنَيْن مُطَاعَيْن، فركب نبي اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- وأبو بكر، وحفُّوا دونهما بالسلاح، فقيل في المدينة: جاء نبي اللَّه، جاء نبي اللَّه 2، فأشرفوا ينظرون، ويقولون: جاء نبي اللَّه، جاء نبي اللَّه، فأقبل يسير، حتى نزل بجانب دار أبي أيوب، فإنَّه ليحدث أهله؛ إذ سمع به عبدُ اللَّه بن سَلَام وهو في نخلٍ لأهله يخترف 3 لهم، فَعَجِلَ أن يضع الذي يخترف لهم فيها،
فجاء وهي معه، فسمع من نبي اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم-، ثم رجع إلى أهله، فقال النبي -صلى اللَّه عليه وسلم-: "أي بيوت أهلنا أقرب؟ "، فقال أبو أيوب: أنا يا نبي اللَّه، هذه داري وهذا بأبي، قال: "فانطلق فهيئ لنا مقيلًا"، قال: قومًا على بركة اللَّه، فلما جاء نبي اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم-، جاء عبد اللَّه بن سلام، فقال: أشهد أنك رسول اللَّه، وأنك جئت بحق، وقد علمت يهود أني سيدهم وابن سيدهم، وأعلمهم وابن أعلمهم، فادعهم فاسألهم عني قبل أن يعلموا أني قد أسلمت؛ فإنهم إن يعلموا أني قد أسلمت، قالوا فيَّ ما ليس فيَّ، فأرسل نبي اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم-، فدخلوا عليه، فقال لهم رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم-: "يا معشر اليهود! ، ويلكم، اتقوا اللَّه، فواللَّه الذي لا إله إلَّا هو، إنكم لتعلمون أني رسول اللَّه حقًّا، وأني جئتكم بحق، فأَسْلِمُوا"، قالوا: ما نعلمه، قالوا للنبي -صلى اللَّه عليه وسلم- قالها ثلاث مرار، قال: "فأيُّ رجل فيكم عبد اللَّه بن سلام؟ " قالوا: ذاك سيدنا وابن سيدنا، وأعلمنا وابن أعلمنا، قال: "أفرأيتم إن أسلم؟ " قالوا: حاشا للَّه، ما كان ليسلم، قال: "أفرأيتم إن أسلم؟ " قال: حاشا للَّه، ما كان ليسلم، قال "يا ابن سلام 1! أخرج عليهم"، فخرج فقال: يا معشر اليهود! اتقوا اللَّه، فوالذي لا إله إلَّا هو، إنكم لتعلمون أنَّه رسول اللَّه، وأنَّه جاءنا بالحق، فقالوا: كذبت، فأخرجهم رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم-.
1795 - وعن أنس، عن أبي بكر قال: كنت مع النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- في الغار،
فرفعت رأسي؛ فإذا أنا بأقدام القوم، فقلت: يا نبي اللَّه! لو أن بعضهم طأطأ بصره رآنا، قال: "اسكت يا أبا بكر، اثنان اللَّه ثالثهما".
1796 - وعن أبي سعيد قال: جاء أعرابي إلى النبي -صلى اللَّه عليه وسلم-، فسأله عن الهجرة، فقال: "ويحك، إن الهجرة شأنها شديد، فهل لك من إبل؟ " قال: نعم، قال: "فتعطي صدقتها؟ " قال: نعم، قال "فهل تمنح منها؟ " قال: نعم، قال "فتحلبها يوم وِرْدِها؟ 1 " قال: نعم، قال: "فاعمل من وراء البحار، فإن اللَّه لن يَتِرَكَ من عملك شيئًا".
الغريب:
وَ"هَل" 2: بفتح الهاء، وَهْمِي.
"بَرْكَ الغِمَاد": موضع أسيح في الأرض، أذهب فيها لعبادة اللَّه، وقد تقدم القول على قوله: "تصل الرحم.
. . "، الكلام إلى آخره في أول الكتاب.
و"يتقذَّف عليه": يترامون عليه مزدحمين، وهو معنى: "يتَقَصَّفُ" الذي رواه الأصيلي.
"نُخْفِرك": مضموم النون رباعيًا، ننقض جوارك.
و"نَخْفِرُك": ثلاثيًا: مفتوح النون، بخيرك.
و"الذّمّة": العهد.
"على رِسْلك": على رفقك.
و"الظَّهِيرة": شدة حر وسط النهار.
و"نَحْرُها": أولها.
"أَحَثَّ الجهاز": أسرعه.
و"ثَقِفٌ": كيِّس.
و"لَقِن": فَهِمٌ للأمور.
و"يَدّلِجُ": مشدد، يسير من آخر الليل.
و"أدلج": من أوله.
و"المِنْحَةُ والمَنِيحَةُ": التي تعطى ليشرب لبنها.
و"الرِّسْل": اللبن الحليب.
و"الرَّضِيفُ" منه: هو ما ألقي فيه الحجارة المحماة، لتكسر برده، قاله الخطابي.
و"يَنْعِقُ بالغنم": يصيح بها يدعوها.
و"غَمِسَ حِلْفًا": عقد عهدًا وجوارًا، وسمى ذلك غمسًا؛ لأنهم كانوا يؤكدون أيمانهم بغمسهم أيديهم في طيب أو دم.
و"خَفَضْتُ عاليه"؛ أي: أملته، وهززته نشاطًا.
و"الأَزْلَام": القِدَاح التي يضربون بها عند عزومهم على الأفعال، وكانت ثلاثة، في أحدها: افعل، وفي الثاني: لا تفعل، والآخر لا شيء فيه، فإذا خرج أعادوا الضرب حتى يخرج افعل، أو لا تفعل.
و"تُقَرِّبُ بي"؛ يعني: الفرس.
و"سَاخَت": ذهبت غرقًا.
و"العُثَان": الغبار، وربما يكون معه إعصار، وهو الدخان.
و"لم يرزآني شيئًا": لم يأخذا شيئًا من ذلك، فينقصا فيه.
و"قَافِلين": راجعين من سفرهم.
و"الأُطُم": حائط القصر، وهو الأُجُم أيضًا.
و"يزول بهم السراب"؛ أي يحول ويضطرب.
و"جَدُّكُم": سَعْدُكُم.
و"طَفِقَ": أخذ وجعل.
و"المِرْبَدُ": الموضع الذي يجمع فيه التمر، وهو الجَرِين كالأندر 1 للبُرِّ.
"فالحِمال": بكسر الحاء، الحِمْل، ويقال على أجرة الحمل، وهو هاهنا محتمل للأمرين.
و"مَسْلَحَةٌ"؛ أي: سلاحًا؛ أي: يدافع عنه، كما
يدافع بالسلاح.
و"البِحَار": جمع بحر.
و"لن يترِكَ": لن ينقصك.
(7) باب أول من قدم المدينة من المهاجرين -رضي اللَّه عنهم-
1797 - عن البَرَاء بن عازب قال: أول من قَدِمَ علينا مُصْعَب بن عمير، وابن أم مكتوم، وكانوا يُقْرِؤونَ للناس (1)، فقدم بلال وسعد وعمار بن ياسر، ثم قدم عمر بن الخطاب في عشرين من أصحاب النبي -صلى اللَّه عليه وسلم-، ثم قدم النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- فما رأيت أهل المدينة فرحوا بشيء فرحهم برسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم-، حتى جعل الإماء يقلن: قدم رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم-، فما قدم حتى قرأت: ﴿سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى﴾ في سور من المفصَّل.
1798 - وعن عائشة قالت: لما قدم رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- المدينة، وُعِكَ أبو بكر وبلال، قالت: فدخلت عليهما، فقلت: يا أبتِ! كيف تجدك؟ ويا بلال! كيف تجدك؟ قالت: فكان أبو بكر إذا أخذته الحمى يقول:
كل امرئٍ مُصَبَّحٌ في أهله ... والموت أدنى من شراك نعله (1) في "صحيح البخاري": "الناس".
1797 - خ (3/ 76)، (63) كتاب مناقب الأنصار، (46) باب مقدم النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- وأصحابه المدينة، من طريق شعبة، عن أبي إسحاق، عن البراء بن عازب به، رقم (3925).
1798 - خ (3/ 76)، في الكتاب والباب السابقين، من طريق مالك، عن هشام بن =
وكان بلال إذا أَقْلَعَ عنه الحمى، يرفع عَقِيرته ويقول:
ألا ليت شعري هل أبيتنَّ ليلة ... بوادٍ وحولي إِذْخِرٌ وجَلِيلٌ
وهل أَرِدَنْ يومًا مياهَ مِجَنَّةٍ ... وهل يبدُوَنْ لي شَامَةٌ وطَفِيل
قالت عائشة: فجئت رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- فأخبرته، فقال: "اللَّهم حبِّب إلينا المدينة كحبنا مكة أو أشد، وصححها، وبارك لنا في صاعها ومُدِّهَا، وانقل حُمَّاها فاجعلها في الجُحْفَةِ".
1 - وعن سهل بن سعد قال: ما عَدُّوا من مبعث النبي -صلى اللَّه عليه وسلم-، ولا من وفاته، ما عدّوا إلَّا من مقدمه المدينة.
الغريب:
"مصبَّح": بفتح الباء، اسم مفعول؛ أي: يصاب الموت في الصباح.
و"أدنى": أقرب.
و"إذخر وجليل": نباتان ينبتان بمكة.
و"مِجنة": موضع خارج مكة فيه ماء.
و"شامة وطَفِيل": جبلان خارج مكة.
و"عقيرته": صوته، وأصله: أن رجلًا قطعت إحدى رجليه، فرفعها على الأخرى ورفع صوته، فقيل ذلك لكل من رفع صوته.
-
-
- = عروة، عن أبيه، عن عائشة به، رقم (3926).
-
(8) باب قول النبي -صلى اللَّه عليه وسلم-: "اللهم أمض لأصحابي هجرتهم" ومرثيته لمن مات بمكة
1800 - عن سعد بن أبي وقاص قال: عادني النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- عام حجة الوداع من وجع 1 أَشْفَيت منه على الموت، فقلت: يا رسول اللَّه! بلغ بي من الوجع ما ترى، وأنا ذو مالِ، ولا يرثني إلَّا ابنة لي واحدة، أفتصدق بثلثي مالي؟ قال: "لا"، قال: أتصدق 2 بِشَطْرِه؟ قال: "لا" 3، قال: "الثلث يا سعد، والثلث كثير، إنك أَنْ تذر ورثتك أغنياء خير من أن تذرهم عَالَةً يتكففون الناس، ولست بنافق نفقة تبتغي بها وجه اللَّه إلَّا آجرك اللَّه بها، حتى اللقمة تجعلها في في امرأتك 4 "، قلت: يا رسول اللَّه! أُخَلَّفُ بعد أصحابي؟ قال: "إنك لن تُخَلَّفَ، فتعمل عملًا تبتغي به وجه اللَّه إلَّا ازددت به درجة ورفعة، ولعلك تُخَلَّف حتى ينتفع بك أقوام، ويُضَرَّ بك آخرون، اللَّهم أمضِ لأصحابي هجرتهم، ولا تردهم على أعقابهم، لكن البائس سعدُ بن خولة" يرثي له رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- أن توفي بمكة.
الغريب:
"الوجع": المرض عند العرب.
"أَشْفَيْت": أشرفت، يقال: أشفى وأشاف بمعنى.
وقوله: "ولا يرثني إلَّا ابنة واحدة" ظاهره: أنَّه ليس له وارث سوى الابنة المذكورة، وقد قيل: كان له ورثة سواها؛ فإنَّه مات عن ثلاثة من الذكور، أحدهم عامر الذي روى هذا الحديث عنه، وتأول من قال هذا قوله: بأنه لا يرثه من النساء إلَّا واحدة، أو بأنه لا يرثه بالسهم إلَّا واحدة، وكل محتمل 1، واللَّه أعلم.
و"عَالَةٌ": فقراء.
و"يَتَكَفَّفُون": يمدون أكفهم طالبين من أكفّ الناس.
و"أُخلَّفُ"؛ يعني: يتركني أصحابي ويرتحلون، فأجابه -صلى اللَّه عليه وسلم- بأنه لن يخلَّف بمكة، وأن يعبرها حتى ينتفع به أقوام وسيتضرر به آخرون، كما قد وقع؛ فإنَّه صح من مرضه، ولم يقم بمكة، وأبقاه اللَّه تعالى حتى عاش بعد ذلك نيفًا وأربعين سنة، وولي العراق، وفتحها اللَّه عليه، فأسلم على يديه خلق كثير، فنفعهم اللَّه به، وقتل وأسر من الكفار كثيرًا، واستضروا به، فوقع ما أخبر به النبي -صلى اللَّه عليه وسلم-، فكان ذلك من جملة صدق النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- ومن أعلام نبوته.
وقوله: "اللهم أمض لأصحابي هجرتهم"؛ أي: تقبلها منهم، وأبق عليهم حالها وحكمها فلا تنقلهم من موضع هجرتهم الذي هاجروا إليه، إلى المواضع التي هاجروا منها، واللَّه أعلم، وإلى هذا أشار بقوله: "إن الهجرة قد ثبتت لأهلها".
و"البائس": اسم فاعل من بئس يَبْأَسُ: إذا أصابه البؤس، هذا اللفظ للذم والترحم، و"سعد بن خولة": هو رجل من بني عامر بن لؤي من أَنْفُسِهم، وقيل: حليف لهم، وهو زوج سبيعة الأسلمية، وقد اختلف فيه، فقال عيسى ابن دينار وابن مديني: أنَّه لم يهاجر من مكة حتى مات فيها، وعلى هذا فيكون ذلك القول من النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- على جهة الذم، وقال الأكثر من العلماء: أنَّه هاجر ثم رجع إلى مكة إلى أن مات بها، وعلى هذا فيكون ذلك القول تفجعًا عليه وترحمًا.
واللَّه أعلم.
وقوله: "يرثي له رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم-": أن توفي بمكة، قيل: إنه قول سعد ابن أبي وقاص، وقيل: من قول الزهري، واللَّه أعلم.
(9) باب مؤاخاة النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- بين المهاجرين والأنصار حين قدم المدينة
1801 - عن أنس 1 قال: قدم عبد الرحمن بن عوف المدينة، فآخى النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- بينه وبين سعد بن الربيع الأنصاري، فعرض عليه أن يناصفه أهله
وماله، فقال عبد الرحمن: بارك اللَّه في أهلك ومالك، دلني على السوق، فربح شيئًا من أقط وسمن، فرآه النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- بعد أيَّام وعليه وَضَرٌ من صُفْرَة، فقال النبي -صلى اللَّه عليه وسلم-: "مَهْيَمْ يا عبد الرحمن؟ " قال: يا رسول اللَّه! امرأة تزوجت من الأنصار، قال: "فما سقت إليها؟ " قال: وزن نواة من ذهب، فقال النبي -صلى اللَّه عليه وسلم-: "أَوْلِمْ ولو بشاة".
الغريب:
"الأَقِط": اللبن المجفف.
و"وضَرٌ من صُفرة": أثر منها.
و"مَهْيَم": استفهام، كأنه قال: ما الخبر.
(10) باب إسلام عبد اللَّه بن سلام
1802 - عن أنس: أن عبد اللَّه بن سلام بلغه مَقْدَمُ النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- المدينة، فأتى 1 يسأله عن أشياء، فقال: إني سائلك عن ثلاث لا يعلمهن إلَّا نبي، ما أول أشراط الساعة؟ وما أول طعام يأكله أهل الجنة؟ وما بال الولد يَنْزِعُ إلى أبيه، أو إلى أمه؟ قال: "أخبرني جبريل آنفًا" 2، قال ابن سلام: ذلك 3 عدو اليهود من الملائكة، قال: "أما أول أشراط الساعة، فنار تحشرهم
من المشرق إلى المغرب، وأما أول طعام يأكله أهل الجنة، فزيادة كبد الحوت، وأمَّا الولد فإذا سبق ماء الرجل ماء المرأة نزع الولد، وإذا سبق ماء المرأة ماء الرجل نزعت الولد"، قال: أشهد أن لا إله إلَّا اللَّه وأنك رسول اللَّه، قال: يا رسول اللَّه! إن اليهود بُهْتٌ 1، فاسألهم عني قبل أن يعلموا إسلامي 2، فجاءت اليهود فقال 3: "أي رجل فيكم عبد اللَّه بن سلام؟ 4 " قالوا: خَيْرُنَا وابن خَيْرِنا، وأفضلنا وابن أفضلنا، فقال النبي -صلى اللَّه عليه وسلم-: "أرأيتم إن أسلم عبد اللَّه ابن سلام؟ " قالوا: أعاذه اللَّه من ذلك، وأعاد عليهم 5، فقالوا مثل ذلك، فخرج إليهم عبد اللَّه فقال: أشهد أن لا إله إلَّا اللَّه، وأن محمدًا رسول اللَّه، قالوا: شَرُّنَا وابن شَرِّنَا، وتَنَقَّصُوه، قال: هذا كنت أخاف يا رسول اللَّه.
باب 1803 - عن أبي هريرة: عن النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- قال: "لو آمن بي عشرة من اليهود لآمن بي اليهود".
يعني -واللَّه أعلم-: عشرة معينين كانوا مُقَدَّمِي دينهم، فلو آمنوا لآمن يهود المدينة.
(11) باب إسلام سلمان الفارسي -رضي اللَّه عنه-
1804 - عن أبي عثمان: عن سلمان أنَّه تداوله بضعة عَشَرَ من ربٍّ إلى ربٍّ.
1805 - وعنه قال: سمعت سلمان يقول: أنا من رَامَ هُرْمُز 1.
1806 - وعنه قال: قال سلمان: فترة بين عيسى ومحمد صَلَّى اللَّه عليهما (2) ست مئة سنة.
(12) غزوة العشيرة، وكم غزا رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم-؟
1807 - عن زيد بن أرقم: وقيل له 1: كم غزا رسول اللَّه 2 -صلى اللَّه عليه وسلم- من غزوة؟ قال: تسع عشرة، قيل 3: كم غزوت أنت معه؟ قال: سبع عشرة، قلت: فأيهم كانت أوَّلُ؟ قال: العُشَيْرة 4.
قال قتادة: العشير.
قال ابن إسحاق: أول ما غزا النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- الأبواء، ثم بُوَاط، ثم العشيرة.
الغريب:
"العُشَيْر": يقال: بالسين والشين، فبالمعجمة رويته، ويقال: بثبوت الهاء وحذفها، وهو موضع بقرب سكن بني المدلج، بينه وبين المدينة سبعة بُرُد، قد زاد أهل التواريخ والسير 5 في عدد غزوات رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم-، فقال
محمد بن سعد: إن غزوات رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- كانت سبعًا وعشرين، وسراياه ستًّا وأربعين، والتي قاتل فيها بدر وأُحد والمريسيع والخندق وخيبر وقريظة والفتح وحنين والطائف، قال: وهذا الذي اجتمع لنا علمه، قلت: وعلى هذا، فإنما أخبر زيد عما علمه، وما قاله ابن إسحاق في ترتيب الثلاث غزوات هو الصحيح.
(13) غزوة بدر وقوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ نَصَرَكُمُ اللَّهُ بِبَدْرٍ وَأَنْتُمْ أَذِلَّةٌ فَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ ينلبوا﴾. . . إلى: ﴿فَيَنْقَلِبُوا خَائِبِينَ﴾ [آل عمران: 123 - 127]
1808 - عن عبد اللَّه بن مسعود: حدث عن سعد بن معاذ أنَّه 1 كان صديقًا لأمية بن خلف، وكان أميَّة إذا مَرَّ بالمدينة نزل على سعد، وكان سعد إذا مَرَّ بمكة نزل على أميَّة، فلما قدم رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- المدينة، انطلق سعد معتمرًا، فنزل على أميَّة بمكة، فقال لأمية: انظر لي ساعة خلوة لعلي أن أطوف بالبيت، فخرج قريبًا من نصف النهار، فلقيهما أبو جهل (فقال: يا أبا صفوان! من هذا معك؟ فقال: هذا سعد، فقال له أبو جهل: ) 2 ألا أراك
تطوف آمنًا 1، وقد أويتم الصُبَاةَ، وزعمتم: أنكم تنصرونهم وتعينونهم، أما واللَّه لولا أنك مع أبي صفوان، ما رحت إلى أهلك سالمًا، فقال له سعد -ورفع صوته عليه-: أما واللَّه، لئن منعتني هذا، لأمنعنك ما هو أشد عليك منه، طريقك على المدينة، فقال له أمية: لا ترفع صوتك يا سعد على أبي الحكم سيد أهل الوادي، فقال سعد: دعنا عنك يا أمية، فواللَّه لقد سمعت رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- يقول: "إنهم قاتلوك" قال: بمكة؟ قال: لا أدري، ففزع لذلك أمية فزعًا شديدًا، فلما رجع أمية إلى أهله، قال: يا أم صفوان! ألم تَرَي إلى ما قال لي سعد؟ قالت: وما قال لك؟ قال: زعم أن محمدًا أخبرهم أنَّه قَاتِلِيَّ، فقلت له: بمكة؟ قال: لا أدري، فقال أمية: واللَّه لا أخرج من مكة، فلما كان يوم بدر استنفر أبو جهل الناس، فقال: أدركوا عيركم، فكره أمية أن يخرج، فأتاه أبو جهل فقال: يا أبا صفوان 2! إنك متى ما يراك الناس قد تخلفت وأنت سيد أهل الوادي، تخلفوا معك، فلم يزل به أبو جهل حتى قال: أما 3 إذ غلبتني، فواللَّه لأشترين أجود بعير بمكة، ثم قال أمية: يا أم صفوان! جهزيني، فقالت له: يا أبا صفوان! وقد نسيت ما قال لك أخوك اليثربي، قال: لا، ما أريد أن أجوز معهم إلَّا قريبًا، فلما خرج أُمَيَّة أخذ لا ينزل منزلًا إلَّا عقل بعيره، فلم يزل بذلك حتى قتله اللَّه -عَزَّ وَجَلَّ- ببدرٍ.
1809 - وعن كعب بن مالك قال: لم أتخلف عن رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- في
غزوة غزاها إلَّا في غزوة تبوك، غير أني تخلفت في غزوة بدر، ولم يُعَاتَب أحدٌ تخلف عنها، إنَّما خرج النبي 1 -صلى اللَّه عليه وسلم- يريد عير قريش، حتى جمع اللَّه بينهم وبين عدوهم على غير ميعاد.
1810 - وعن ابن مسعود قال: شهدت من المقداد بن الأسود مشهدًا لأَنْ أكون صاحبه أحبَّ إليَّ مما عُدِلَ به، أتى النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- وهو يدعو على المشركين فقال: لا نقول كما قال قوم موسى: ﴿فَاذْهَبْ أَنْتَ وَرَبُّكَ فَقَاتِلَا إِنَّا هَاهُنَا قَاعِدُونَ﴾ [المائدة: 24]، ولكن نقاتل عن يمينك وعن شمالك وبين يديك وخلفك، فرأيت النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- أشرق وجهه وسَرَّه (2).
1811 - وعن ابن عباس قال: قال النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- يوم بدر: "اللَّهم إنِّي أَنْشُدُكَ عهدك ووعدك، اللَّهم إن شئت لم تعبد"، فأخذ أبو بكر بيده، فقال: حسبك،
فخرج وهو يقول: "سيهزم الجمع ويولون الدُّبُر".
1812 - وعنه قال: ﴿لَا يَسْتَوِي الْقَاعِدُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [النساء: 95] عن بدر والخارجون إلى بدر.
(14)
باب
عدة أصحاب بدر 1813 - عن البراء بن عازب قال: استُصْغِرْتُ أنا وابن عمر يوم بدر، وكان المهاجرون يوم بدر نيِّقًا على ستِّين، والأنصار نَيِّفٌ وأربعون ومئتان 1. 1814 - وعنه قال: حدثني أصحاب محمد 2 ممن شهد بدرًا: أنهم كانوا عِدَّة أصحاب طالوت الذين جاوزوا معه النهر، بضعةَ عشرَ وثلاث مئة، قال البراء: لا واللَّه، ما جاوزه إلَّا مؤمن (3).
1815 - وعن ابن مسعود قال: استقبل النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- الكعبة، ودعا على نفر من قريش، على شَيْبَة بن ربيعة، وعُتبة بن ربيعة، والوليد بن عُتْبة، وأبي جهل بن هشام، فأشهد باللَّه، لقد رأيتهم صرعى، قد غيَّرتهم الشمس، وكان يومًا حارًا.
1816 - وعنه: أنَّه أتى أبا جهل وبه رَمَقٌ يوم بدر، فقال له 1 أبو جهل: هل أعمَدُ 2 من رجل قتلتموه.
1817 - وعن أنس قال: قال النبي -صلى اللَّه عليه وسلم-: "من ينظر ما صنع أبو جهل؟ " فانطلق ابن مسعود، فوجده قد ضربه ابنا عفراء حتى بَرَد، قال: أنت أبو جهل 3؟ فأخذ بلحيته (4)، قال: هل فوق رجل قتلتموه أو رجل قتله قومه؟
1818 - وعن قَيْس بن عُبَاد قال: سمعت أبا ذر يُقْسِم قَسَمًا، أن هذه الآية: ﴿هَذَانِ خَصْمَانِ اخْتَصَمُوا فِي رَبِّهِمْ﴾ [الحج: 19] نزلت في الذين برزوا يوم بدر: حمزة وعلي وعبيدة بن الحارث، وعتبة وشيبة ابني ربيعة والوليد بن عتبة.
1819 - وعن عليّ بن أبي طالب قال: أنا أول من يجثو بين يدي الرحمن للخصومة يوم القيامة، قال (1) قيس بن عباد: وفيهم نزلت (2): ﴿هَذَانِ خَصْمَانِ اخْتَصَمُوا فِي رَبِّهِمْ﴾ قال: هم الذين تبارزوا يوم بدر، وحمزة (3) وعليّ، وذكر باقي الستة.
(15) باب
1820 - عن عروة بن الزبير قال: كان في الزبير ثلاث ضربات بالسيف،12
إحداهن في عاتقه، قال: إن كنت لأدخل أصابعي فيهن 1، قال: ضُرِبَ ثنتين يوم بدر، وواحدة يوم اليرموك، قال عروة: وقال 2 عبد الملك بن مروان حين قُتل عبد اللَّه بن الزبير يا عروة! هل تعرف سيف الزبير؟ قلت: نعم، قال: فما فيه؟ قلت: فيه فَلَّة فُلَّهَا يوم بدر، قال: صدقت، بهن فلول من قِرَاعِ الكتائب، ثم رده على عروة، قال هشام: فأقمناه بيننا ثلاثة آلاف، وأخذه بعضُنا، ولوددت أني كنت أخذته.
1821 - وعن هشام، عن أبيه قال: كان سيف الزبير مُحَلَّى بفضة.
قال 3: وكان سيف عروة مُحَلى بفضة.
1822 - وعن عروة: أن أصحاب رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- قالوا 4 للزبير يوم اليرموك: ألا تَشُدُّ فنَشُدُّ معك؟ قال (5): إنِّي إن شددت كذبتم، فقالوا: لا نفعل، فحمل عليهم حتى شق صفوفهم فجاوزهم، وما معه أحد،
ثم رجع مقبلًا فأخذوا بلجامه، فضربوه ضربتين على عاتقه، بينهما ضربة يوم بدر، وقال (1) عروة: كنت أدخل أصابعي في الثلاث (2) الضربات ألعب، وأنا صغير.
قال عروة: وكان معه عبد اللَّه بن الزبير يومئذٍ، وهو ابن عشر سنين، فحمله على فرس ووَكَّل به رجلًا.
(16) باب ذكر من قتل من صناديد قريش يوم بدر، ومن أُسِر، وكم عددهم
1823 - وعن أنس بن مالك، عن أبي طلحة: أن نبي اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- أمر يوم بدر بأربعة وعشرين رجلًا من صناديد قريش، فقُذفوا في طَوِيٍّ من أطواء بدر خبيث مُخْبِث، وكان إذا ظهر على قوم أقام بَعْرَصَتِهم 3 ثلاث ليال، فلما كان ببدر في 4 اليوم الثالث أمر براحلته، فشُدَّ عليها رَحْلُها ثم مشى،12
واتَّبَعَهُ أصحابُه، وقالوا: ما نرى ينطلق إلَّا ليقضي 1 حاجته، حتى قام على شَفَةِ الرَّكِيِّ فجعل يناديهم بأسمائهم وأسماء آبائهم: "يا فلان بن فلان ويا فلان ابن فلان! أَيَسُرُّكم أنكم أطعتم اللَّه ورسوله؟ فإنَّا وجدنا 2 ما وعدنا ربنا حقًّا، فهل وجدتم ما وعد ربكم حقًّا؟ " قال: فقال عمر: يا رسول اللَّه! ، ما تكلم من أجساد لا أرواح لها، فقال النبي -صلى اللَّه عليه وسلم-: "والذي نفس محمد بيده، ما أنتم بأسمع لما أقول منهم".
قال قتادة: أحياهم اللَّه حتى أسمعهم قوله، توبيخًا وتصغيرًا ونقمة وحسرة ونَدَمًا.
1824 - وعن ابن عباس: ﴿الَّذِينَ بَدَّلُوا نِعْمَتَ اللَّهِ كُفْرًا﴾ [إبراهيم: 28] قال: هم واللَّه كفار قريش، ومحمد نعمة اللَّه 3، و ﴿وَأَحَلُّوا قَوْمَهُمْ دَارَ الْبَوَارِ﴾ [إبراهيم: 28] قال: النار يوم بدر.
1825 - وعن ابن عمر -رضي اللَّه عنهما- قال: وقف رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- على قَلِيبِ بدر فقال: "هل وجدتم ما وعدكم ربكم حقًّا؟ (4) " ثم قال: "إنهم الآن يسمعون ما أقول"،
فذكر لعائشة، فقالت: إنما قال 1: "إنهم الآن يعلمون 2 أن الذي كنت أقول لهم هو الحق"، ثم قرأت: ﴿إِنَّكَ لَا تُسْمِعُ الْمَوْتَى﴾ [النمل: 80] حتى قرأت الآية.
1826 - وعن جبير بنُ مطْعم: أن النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- يقال في أُسَارَى بدر: "لو كان المُطْعِم بن عدي حيًّا ثم كلمني في هؤلاء لتركتهم له".
1827 - وعن البراء بن عازب قال: جعل النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- يوم أحد 3 على الرماة عبد اللَّه بن جُبير، فأصابوا منا سبعين، وكان النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- وأصحابه أصاب (4) من المشركين يوم بدر أربعين ومئة، سبعين أسيرًا، وسبعين قتيلًا.
قال أبو سفيان: يومٌ بيوم بدر، والحرب سِجَال.
1828 - وعن عبد الرحمن بن عوف أنَّه قال: إنِّي لفي الصف يوم بدر؛ إذ التفتُّ فإذا عن يميني وعن يساري فَتَيَان حديثا السن، فكأني لم
آمن مكانهما 1، إذ قال لي أحدهما سرًّا من صاحبه: يا عمِّ! أرني أبا جهل، فقلت: يا ابن أخي! وما تصنع به؟ قال: عاهدت اللَّه إِنْ رأيته أَن أقتله، أو أموت دونه، فقال لي الآخر سرًّا من صاحبه مثله، قال: فما سَرَّني أني كنت بين رجلين مكانهما، فأشرت لهما إليه، فشدا عليه مثل الصقرين حتى ضرباه، وهما ابنا عفراء.
1829 - وعن عروة بن الزبير قال: قال الزبير: لقيت يوم بدر عُبيدة ابن سعيد بن العاص وهو مُدَجَّج، لا يُرى منه إلَّا عيناه، وهو يكنى أبا ذات الكَرِش، فقال: أنا أبو ذات الكرش، فحملتُ عليه بالعنزة فطعنته في عينه فمات، قال هشام: فأُخبرت أن الزبير قال: لقد وضعت رِجْلي عليه، ثم تَمَطَّأْتُ، وكان 2 الجَهْد أن نزعتها وقد انثنى طرفاها فسأله 3 إياها رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- فأعطاه، فلما قبض رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- أخذها، ثم طلبها أبو بكر فأعطاه، فلما قبض أبو بكر، سألها إياه عمر فأعطاه إياها، فلما قبض عمر أخذها، ثم طلبها عثمان 4 فأعطاه إياها، فلما قتل عثمان وقعت عند آل علي فطلبها عبد اللَّه ابن الزبير فكانت عنده حتى قتل.
الغريب:
"الطَّوِيّ": البئر المطوية.
و"الرَّكِيّ" و"القَلِيب": البئر غير المَطْوِيَّة.
وشَفَة الركيّ (1)، وهو حرفها.
و"البَوَار": الهلاك.
و"السِّجَال": المناوبة بالسَّجْل، وهي دلو كبيرة، لا يرفعها واحد.
(17) باب فضل من شهد بدرًات من الصحابة والملائكة
1830 - عن أنس قال: أصيب حارثة يوم بدر وهو غلام، فجاءت أمه إلى النبي -صلى اللَّه عليه وسلم-، فقالت: يا رسول اللَّه! قد علمت 2 منزلة حارثة مني، فإن يك في الجنة أصبر وأحتسب، وإن تكن الأخرى ترى ما أصنع، فقال: "ويحك -أَوَهَبِلْتِ 3، أَجَنَّةٌ واحدة هي؟ ! إنَّها جِنَان كثيرة، وإنه في جنة الفردوس".1
1831 - وعن عليٍّ قال: بعثني رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- وأبا مرثد والزبير بن العوام 1، -وكلنا فارس- قال: "انطلقوا حتى تأتوا رَوْضَة خَاخٍ، فإن بها امرأة من المشركين معها كتاب من حاطب بن أبي بلتعة إلى المشركين"، فأدركناها تسير على بعير لها؛ حيث قال رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم-، فقلنا: الكتاب، فقالت: ما معنا كتاب، فأنخناها والتمسنا 2، فلم نجد كتابًا 3، قلنا: ما كذب رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم-، لتُخْرِجِنَّ الكتاب أو لنجَرِّدَنَّك، فلما رأت الجِدَّ أهوت إلى حُجْزَتهَا -وهي محتجزة بكساء- فأخرجته، فانطلقنا به 4 إلى رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- فقال عمر: يا رسول اللَّه! قد خان اللَّه ورسوله والمؤمنين، فدعني فلأضرب عنقه، فقال 5: "ما حملك على ما صنعت؟ " قال: واللَّه ما بي إلَّا أن أكون مؤمنًا 6 باللَّه ورسوله 7، أردت أن يكون 8 لي عند القوم يد، يدفع اللَّه بها عن أهلي ومالي، وليس أحد من أصحابك إلَّا له هناك من عشيرته من يدفع
اللَّه به من أهله وماله، فقال: "صدق، ولا تقولوا إلا خيرًا" فقال عمر: إنَّه قد خان اللَّه ورسوله والمؤمنين، فدعني فلأضرب عنقه، فقال: "أليس من أهل بدر؟ " فقال: "لعل اللَّه اطلع على أهل بدر، فقال: اعملوا ما شئتم فقد وجبت لكم الجنة، أو فقد غفر لكم" فدمعت عينا عمر، وقال: اللَّه ورسوله أعلم.
1832 - وعن رِفَاعَة بن رافع، عن أبيه: وكان أبوه من أهل بدر، [وكان رفاعة من أهل العقبة، وكان 1 يقول لابنه: ما يسرني أني شهدت بدرًا بالعقبة] (2)، قال: جاء جبريل إلى النبي -صلى اللَّه عليه وسلم-، فقال: ما تعدون أهل بدر فيكم؟ قال: "من أفضل المسلمين" أو كلمة نحوها، قال: وكذلك من شهد بدرًا من الملائكة.
1833 - عن ابن عباس: أن النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- قال يوم بدر: "هذا جبريل آخذ برأس فرسه، عليه أداة الحرب".
(18) باب تسمية من سمي من أهل بدر في الجامع
1 محمد بن عبد اللَّه الهاشمي -صلى اللَّه عليه وسلم-، عبد اللَّه بن عثمان أبو بكر الصديق القرشي، عمر بن الخطاب العدوي، عثمان بن عفَّان القرشي، خَلَّفَهُ النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- على ابنته وضرب بسهمه، علي بن أبي طالب الهاشمي، إياس بن البكير 2، بلال ابن رباح مولى أبي بكر الصديق القرشي، حمزة بن عبد المطلب الهاشمي، حاطب بن أبي بلتعة حليف قريش، أبو حذيفة بن عتبة بن ربيعة القرشي، حارثة بن الربيع الأنصاري، قتل يوم بدر، هو حارثة بن سراقة، كان في النظارة، حبيب بن عدي الأنصاري، خُنيس بن حذافة السهي، رفاعة بن رافع الأنصاري، الزبير بن العوام القرشي، زيد بن سهل أبو طلحة الأنصاري، أبو زيد الأنصاري، سعد بن مالك الزهري، سعد بن خولة القرشي، سعيد بن زيد بن عمرو بن نُفَيْل القرشي، سهل بن حنيف الأنصاري، ظُهَيْر بن رافع الأنصاري وأخوه، عبد اللَّه بن مسعود الهذلي، عتبة بن مسعود الهذلي، عبد الرحمن بن عوف الزهري، عُبيدة بن الحارث القرشي، عبادة بن الصامت الأنصاري، عمرو بن عوف حليف بني عامر بن لؤي، عقبة بن عمرو الأنصاري، عامر ابن ربيعة العدوي، عاصم بن ثابت الأنصاري، عُويمر بن ساعدة الأنصاري، عِتْبَان بن مالك الأنصاري، قدامة بن مظعون، قتادة بن النعمان الأنصاري، معاذ بن عمرو بن الجموح، مُعَوِّذ بن عَفْراء وأخوه، مالك بن ربيعة، أبو
أُسَيد الأنصاري، مِسْطَح بن أَثَاثة بن عَبَّاد بن المطلب بن عبد مناف، مُرَارَة ابن الربيع الأنصاري، مقداد بن عمرو حليف بني زُهرة، هلال بن أمية الواقفي الأنصاري.
(19) حديث عاصم بن ثابت، وخُبيب بن عَدِيٍّ، يزيد بن الدَّثِنَة
1834 - عن أبي هريرة قال: بعث رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- عشرة عينًا، وأمَّر عليهم عاصم بن ثابت الأنصاري -جد عاصم بن عمر بن الخطاب- حتى إذا كانوا بالهدأة 1 -بين عُسْفَان ومكة- ذُكروا لحيٍّ من هُذيل يقال لهم بنو لِحْيَان، فنفروا لهم بقريب من مئة رامٍ 2، فاقتصوا آثارهم حتى وجدوا مأكلهم التمر في منزلٍ نزلوه، فقالوا: تمر يثرب، واتبعوا 3 آثارهم، فلما أحسَّ 4 عاصم وأصحابه لجؤوا إلى موضع فأحاط بهم القوم، فقالوا 5: انزلوا، فأعطوا
بأيديكم، ولكم العهد والميثاق أن لا نقتل منكم أحدًا، فقال عاصم بن ثابت: أيها القوم! أمَّا أنا فلا أنزل في ذمة كافر، اللَّهم أخبر عنا نبيك 1، فرموهم بالنبل، فقتلوا عاصمًا، ونزل إليهم ثلاثة نفر بالعهد 2 والميثاق، منهم خُبيب يزيد بن الدَّثِنَة ورجل آخر، فلما استمكنوا منهم أطلقوا أوتار قسيهم فربطوهم بها، قال الرجل الثالث: هذا أول الغدر، واللَّه لا أصحبكم، إن لي بهؤلاء أسوة -يريد: القتلى- فجرَّروه وعالجوه، فأبى أن يصحبهم، فلم يفعل فقتلوه 3، فانطُلِقَ بخبيب يزيد بن الدَّثِنَة حتى باعوهما بعد وقعة بدر، فابتاع بنو الحارث بن عامر (بن نوفل خُبيبًا، وكان حبيب هو قتل الحارث بن عامر) 4 يوم بدر، فلبث حبيب عندهم أسيرًا حتى أجمعوا على قتله، فاستعار من بعض بنات الحارث موسى يستحدُّ بها، فأعارته، فدرج بُنَيٌّ لها وهي غافلة حتى أتاه، فوجدته مُجْلِسَه على فخذه، والموسى بيده، قالت: ففزعت فزعة عرفها حبيب، فقال: أتخشين أن أقتله، ما كنت لأفعل ذلك، قالت: واللَّه ما رأيت أسيرًا خيرًا من حبيب، واللَّه لقد وجدته يومًا يأكل قِطْفًا من عنب في يده، وإنه لموثق في الحديد، وما بمكة من ثمرة، وكانت تقول: إنَّه لرزق رزقه اللَّه خُبَيْبًا، فلما خرجوا به من الحرم ليقتلوه في الحل، قال لهم خُبيب: دعوني أصلي ركعتين، فتركوه، فركع ركعتين، فقال: واللَّه
لولا أن تحسبوا أن ما بي جزع لزدت، اللَّهم 1 أحصهم عددًا، واقتلهم بددًا، ولا تبق منهم أحدًا، فقال 2:
فلست أبالي حين أُقْتَلَ مسلمًا ... على أيّ جنب كان في اللَّه مصرعي
وذاك 3 في ذات الإله وإن يَشَأْ ... يُبَارِكْ على أَوْصَالِ شِلْوٍ مُمَزَّعِ
ثم قام إليه أبو سِرْوَعَة 4 عقبة بن الحارث فقتله، فكان 5 خُبَيْبٌ هو سَنَّ لكل مسلم قُتل صبرًا الصلاة، فأخبر النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- 6 أصحابه يوم أصيبوا خبرهم، وبعث ناس من قريش إلى عاصم بن ثابت حين حُدِّثُوا أنَّه قتل، أن يُؤْتَوْا بشيء منه يعرف -وكان قتل رجلًا من عظمائهم 7 - فبعث اللَّه لعاصم مثل الظُّلَّة من الدَّبْر، فَحَمَتْهُ من رُسُلهم، فلم يقدروا أن يقطعوا منه شيئًا.
الغريب:
"أَحْصِهم"؛ أي: عُمَّهُمْ بهلاك.
و"بَدَدًا": متبددين أينما كانوا، و"الشلو": بقية الجسم.
و"ممزع": مقطّع.
و"الدَّبْر": الزُّنْبُور الكبير.
(20) خبر عليٍّ -رضي اللَّه عنه- عند بنائه بفاطمة -رضي اللَّه عنها-
1835 - عن علي بن الحسين: أن حسين بن علي أخبره، أن عليًا قال: كان لي شَارِف من نصيبي من المغنم يوم بدر، وكان النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- أعطاني، فما أفاء اللَّه 1 من الخُمُس يومئذٍ، فلما أردت أن أبتني بفاطمة 2 بنت رسول اللَّه 3 -صلى اللَّه عليه وسلم-، واعدت رجلًا صَوَّاغًا من 4 بني قينقاع أن يرتحل معي، فَآتِي بإذخر 5، فأردت أن أبيعه من الصواغين، فنستعين بذلك على وليمة عُرْسِي 6، فبينما 7 أنا أجمع لشارفيَّ من الأقتاب والحبال والغرائر 8، وشارفاي مناختان 9 إلى جنب محجرة 10 رجل من الأنصار، حتى جمعت
باب،
من طريق يونس، عن الزهري، عن علي بن حسين، عن حسين بن علي، عن عليّ بن أبي طالب به، رقم (4003).