يا رسول اللَّه! أرأيت أمورًا كنت أتَحَنَّثُ بها في الجاهلية من صِلَة وعَتَاقَةٍ وصدقة، هل (1) لي فيها أجر؟ قال حكيم: قال رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم-: "أسلمتَ على ما أسلفتَ من خير".
قال ابن إسحاق: التَحَنُّث: التَبَرُّر.
(6) باب رحمة الولد، وتقبيله ومعانقته، والصبر على البنات
2657 - عن أبي هريرة قال: قَبَّل رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم - الحسنَ بن عليٍّ، وعنده الأقرع بن حابس التميمي جالس (2)، فقال الأقرع: إن لي عشرة من الولد ما قَبَّلْتُ منهم أحدًا، فنظر إليه رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- ثم قال: "من لا يَرْحَمْ لا يُرْحَم".
2658 - وعن عائشة قالت: جاء أعرابي إلى النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- فقال: تُقَبِّلُون الصبيان، فما نقُبِّلُهُمْ.
فقال النبي -صلى اللَّه عليه وسلم-: "أَوَ أَمْلِكُ لك إن نزع اللَّه من قلبك الرحمة؟ ".1
2659 - وعنها قالت: جاءتني امرأة ومعها (1) ابنتان تسألني، فلم تجد عندي غير تمرة واحدة، فأعطيتها فقَسَمَتْهَا بين ابنتيها، ثم قامت فخرجت، فدخل النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- فحدثته فقال: "من بُلِيَ من هذه البنات بشيءٍ (2) فأحسن إليهن، كُنَّ له سترًا من النار".
(7) باب سعة رحمة اللَّه بجميع عباده، وأن للَّه مئة رحمة
2660 - عن عمر بن الخطاب: قُدِمَ على النبي-صلى اللَّه عليه وسلم- بِسَبْيٍ، فإذا امرأة من السَّبْي تحلب ثديها تسقي، إذا وجدت صبيًّا في السَّبْي أخذته فألصقته ببطنها وأرضعته، فقال لنا النبي 3 -صلى اللَّه عليه وسلم-: "أترون هذه طارحةً ولدها في النار؟ " قلنا: لا، وهي تقدر على أن لا تطرحه.
فقال: "اللَّه أرحم (4) بعباده من هذه بولدها".12
2661 - وعن أبي هريرة قال: سمعت رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- يقول: "جعل اللَّه الرحمة في مئة جزء، فأمسك عنده تسعة وتسعين جزءًا، وأنزل في الأرض جزءًا واحدًا، فمن ذلك الجزء يتراحم الخلق، حتى ترفع الفرس حافرها عن ولدها خشية أن تصيبه".
2662 - وعن أبي هريرة قال: قام رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- في صلاة، وقمنا معه، فقال أعرابي وهو في الصلاة: اللهم ارحمني ومحمدًا، ولا ترحم معنا أحدًا.
فلما سَلَّم النبي-صلى اللَّه عليه وسلم- قال للأعرابي: "لقد حَجَّرْتَ واسعًا"، يريد: رحمة اللَّه.
(8) باب وضع الصبي على الفخذ، وضمّه سرورًا به
3 - عن أبي عثمان النَّهْدِي، عن أسامة بن زيد قال: كان12
رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- يأخذني فيقعدني على فخذه، ويقعد الحسن (1) على فخذه الأخرى، ثم يضمهما ثم يقول: "اللهم ارحمهما؛ فإني أرحمهما".
(9) باب فضل كفالة اليتيم، والسعي على الأرملة والمسكين
2664 - عن أبي هريرة، عن النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- قال: "الساعي على الأرملة والمسكين كالمجاهد في سبيل اللَّه، أو كالذي يصوم النهار ويقوم الليل".
2665 - وعن سهل بن سعد، عن النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- قال: "أنا وكافل اليتيم في الجنة هكذا" وأشار بأصبعيه السبابة والوسطى.
-
- * (1) في "صحيح البخاري": "الحسن بن علي".
2664 - خ (4/ 93)، (78) كتاب الأدب، (25) باب الساعي على الأرملة، من طريق مالك، عن ثور بن زيد الديلي، عن أبي الغيث مولى ابن مطيع، عن أبي هريرة به، رقم (6006). 2665 - خ (4/ 92)، (78) كتاب الأدب، (24) باب فضل من يعول يتيمًا، من طريق عبد العزيز ابن أبي حازم، عن أبيه، عن سهل بن سعد به، رقم (6005).
- * (1) في "صحيح البخاري": "الحسن بن علي".
(10) باب مثل المؤمنين في تراحمهم وتعاطفهم، والوصية بالجار، ووجوب صرف البوائق عنه
2666 - عن النعمان بن بَشِير قال: قال رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم-: "ترى المؤمنين في تراحمهم وتوادهم وتعاطفهم كمثل الجسد، إذا اشتكى عضو منه 1 تداعى له سائر جسده بالسهر والحُمَّى".
2667 - وعن عائشة، عن النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- قال: "ما زال جبريل يوصيني بالجار حتى ظننتُ أنه سيُوَرِّثُهُ".
ومثله عن ابن (2) عمر.
2668 - وعن أبي شُرَيْح: أن النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- قال: "واللَّه لا يؤمن، واللَّه
لا يؤمن، واللَّه لا يؤمن" قيل: يا رسول اللَّه! ومَنْ (1)؟ قال: "الذي لا يأمن جارُه بوائقَه"، وقد رُوِي عن أبي هريرة (2). 2669 - وعنه قال: قال رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم-: "من كان يؤمن باللَّه واليوم الآخر فلا يؤذ جاره".
(11) باب أحق الجارين بالبرِّ أقربهما بَابًا، وكل معروفٍ صدقة
2670 - عن عائشة قالت: قلت: يا رسول اللَّه! إن لي جارَيْن، فإلى أيهما أُهْدِي؟ قال: "إلى أقربهما منك بابًا".1
2671 - وعن جابر بن عبد اللَّه، عن النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- قال: "كلُّ معروف صدقة".
2672 - وعن أبي موسى الأشعري قال: قال رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم-: "على كل مسلم صدقة"، قالوا: فإن لم يجد؟ قال: "فيعمل بيديه فينفع نفسه، فيتصدَّق" (1)، قالوا: فإن لم يستطع؟ أو لم يفعل؟ قال: "فيُعِيْنُ ذا الحاجة الملهوف"، قالوا: فإن لم يفعل؟ قال: "فيأمر بالخير -أو قال- بالمعروف"، قال: فإن لم يفعل؟ قال: "فيمسك عن الشر؛ فإنه له صدقة".
(12) باب طِيبِ الكلام، والرفق في الأمور
وقال أبو هريرة: الكلمة الطيبة صدقة.
2673 - وعن عدي بن حاتم قال: ذكر النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- النار فتعوَّذ منها وأشاح (1) في "صحيح البخاري": "ويتصدق".
2671 - خ (4/ 95)، (78) كتاب الأدب، (33) باب كل معروف صدقة، من طريق أبي غسان، عن محمد بن المنكدر، عن جابر بن عبد اللَّه به، رقم (6021).
2672 - خ (4/ 95)، في الكتاب والباب السابقين، من طريق سعيد بن أبي بردة بن أبي موسى الأشعري، عن أبيه، عن جده به، رقم (6022).
2673 - خ (4/ 95)، (78) كتاب الأدب، (34) باب طيب الكلام، من طريق شعبة، عن عمرو هو ابن مُرَّة، عن خيثمة هو ابن عبد الرحمن، عن عدي بن حاتم به، رقم (6023).
وأثر أبي هريرة قبل هذا الحديث مباشرة.
بوجهه، ثم ذكر النار فتعوَّذ منها وأشاح بوجهه، ثم قال (1): "اتقوا النار ولو بشِقِّ تمرة، فإن لم يجد (2) فبكلمة طيبة".
2674 - وعن عائشة قالت: دخل رهط من اليهود على رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم-، فقالوا: السَّام عليكم، قالت عائشة: ففهمتها فقلت: عليكم السام واللعنة، قالت: فقال النبي (3) -صلى اللَّه عليه وسلم-: "مهلًا يا عائشة، إن اللَّه يحب الرفق في الأمر كله" فقلت: يا رسول اللَّه! أو لم تسمع ما قالوا؟ قال رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم-: "قد قلت: عليكم".
(13) باب تعاون المسلمين وتشافعهم بعضهم في بعض، وقوله تعالى: ﴿مَنْ يَشْفَعْ شَفَاعَةً حَسَنَةً يَكُنْ لَهُ نَصِيبٌ مِنْهَا﴾ [النساء: 85]
2675 - عن أبي موسى: عن النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- قال: "المؤمن للمؤمن كالبنيان12
يشُدُّ بعضه بعضًا" (1). وكان النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- إذا جاءه رجل يسأل، أو طالب حاجة، أقبل علينا بوجهه فقال: "اشفعوا، فلتؤجروا، ولْيَقْضِ اللَّه على لسان نبيه ما شاء".
(14) باب اجتناب الفُحْشِ والتَّفَاحُشِ، والحض على الإحسان ومكارم الأخلاق
2676 - عن مسروق قال: دخلنا على عبد اللَّه بن عمرو حين قدم مع معاوية إلى الكوفة، فذكر رسولَ اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- قال: لم يكن فاحشًا ولا مُتَفَحِّشًا.
وقال: قال رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم-: "إنَّ مِن أَخْيَرِكم أَحْسَنَكم خُلقًا".
2677 - وعن عائشة: أن يهود أتوا النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- فقالوا: السام عليك 2، قالت عائشة: عليكم، ولعنكم اللَّه وغضب عليكم (3). . . .1
فقال 1: "مهلًا يا عائشة، عليك بالرفق، وإياكِ والعَنَت 2 والفُحْش" قالت: أولم تسمع ما قالوا؟ قال: "أولم تسمعين ما قلت؟ رددت عليهم، فيستجاب لي فيهم، ولا يستجاب لهم فيَّ".
2678 - وعن أنس بن مالك قال: لم يكن رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- سَبَّابًا ولا فَحَّاشًا ولا لعَّانًا، كان يقول لأحدنا عند المَعْتَبَةِ: "ماله، تَرِبَتْ جبهته 3 ".
2679 - وعن عائشة: أن رجلًا استأذن على النبي -صلى اللَّه عليه وسلم-، فلما رآه قال: "بئس أخو العشيرة"، أو: "بئس (4) ابن العشيرة" فلما جلس تَطَلَّق النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- في وجهه وانبسط له، فلما انطلق الرجل قالت له عائشة: يا رسول اللَّه! حين رأيتَ الرجل قلتَ له كذا وكذا، ثم تطلقت في وجهه وانبسطت إليه؟ فقال رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم-: "يا عائشة! متى عَهِدْتِني فَحَّاشًا؟ إن شر الناس عند اللَّه منزلة
يوم القيامة من تركه الناس اتِّقَاء شره" 1.
وقال ابن عباس 2: كان النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- أجود الناس، وأجود ما يكون في رمضان.
وقال أبو ذر لمَّا بلغه مبعث النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- لأخيه 3: اركب إلى هذا الوادي، فاسمع من قوله، فرجع فقال: رأيته يأمر بمكارم الأخلاق.
وقال أبو سفيان في حديثه مع هرقل 4: إنه يأمر بالصلاة والصدق والعفاف والصلة.
(15) باب ما يُنْهَى عنه من السباب واللَّعْن
2680 - عن عبد اللَّه -هو ابن مسعود- قال: قال رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم: "سِباب المسلم فسوق وقتاله كُفْر".
2681 - وعن أبي ذر: أنه سمع النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- يقول: "لا يرمي رجلٌ رجلًا بالفِسْق 1، ولا يرميه بالكفر، إلا ارتدت عليه إن لم يكن صاحبه كذلك".
2682 - وعن سليمان بن صُرَد -رجل من أصحاب النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- قال: استَبَّ رجلان عند النبي -صلى اللَّه عليه وسلم-، فغضب أحدهما فاشتد غضبه حتى انتفخ وجهه وتغيَّر، فقال النبي -صلى اللَّه عليه وسلم-: "إني لأعلم كلمة لو قالها لذهب عنه الذي يجد" فانطلق إليه الرجل فأخبره بقول النبي -صلى اللَّه عليه وسلم-، وقال: تعوَّذ باللَّه من الشيطان، فقال: أترى بي بأسًا؟ (2). . . .
أمجنونٌ أنا؟ اذهب (1).
(16) باب ما ينهى عنه من النَّمِيمَة والغِيبَةِ، ومن تجوز غيبته، وما جاء في ذي الوجهين
وقد تقدم قوله -صلى اللَّه عليه وسلم- في صاحبي القبرين 2: "إنهما ليعذبان وما يعذبان في كبير، أحدهما يمشي بالنميمة، والثاني لا يستتر من بوله".
2683 - وعن همام قال: كنا مع حذيفة فقيل له: إن رجلًا يرفع الحديث إلى عثمان، فقال له حذيفة 3: سمعت النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- يقول: "لا يدخل الجنة قَتَّاتٌ".
وقد تقدم قوله -صلى اللَّه عليه وسلم- للرجل: "بئس أخو العشيرة -أو ابن العشيرة" ثم1
ألان له القول (1)؟ 2684 - وعن أبي هريرة قال: قال النبي -صلى اللَّه عليه وسلم-: "تجد من شر (2) الناس يوم القيامة عند اللَّه ذا الوجهين، الذي يأتي هؤلاء بوجه وهؤلاء بوجه".
(17) باب كراهة المدح على جهة الإطراء، وجوازه على غير ذلك إذا أُمِنَتِ الفتنة
2685 - عن أبي موسى قال: سمع النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- رَجُلًا يثني على رجل ويُطْرِيه في المِدْحَة، فقال: "أهلكتم -أو: قطعتم- ظَهْر الرجل".
2686 - وعن أبي بَكْرَة: أن رجلًا ذُكر عند النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- فأثنى عليه رجل خيرًا، فقال النبي -صلى اللَّه عليه وسلم-: "ويحك، قطعت عنق صاحبك -يقوله1
مرارًا- إن كان أحدكم مادحًا أخاه (1) لا مَحَالَة فليقل: أَحْسَبُه كذا وكذا، إن كان يرى أنه كذلك، وحَسِيبه اللَّه (2)، ولا يُزَكِّي على اللَّه أحدًا".
وقد تقدم قوله -صلى اللَّه عليه وسلم- (3): "خير دور الأنصار بني (4) النجار".
وقول النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- لأبي بكر -حين قال له: يا رسول اللَّه! إن إزاري يسقط- فقال: "إنك لَسْتَ منهم" (5).
(18) باب ما يُنْهَى عنه من التحاسد والتهاجر والتباغض
وقد تقدم من حديث 6 أبي هريرة، قوله -صلى اللَّه عليه وسلم-: "إياكم والظن، فإن الظن12345
أكذب الحديث، ولا تجسسوا، ولا تحسسوا، ولا تحاسدوا، ولا تدابروا، ولا تباغضوا، وكونوا عباد اللَّه إخوانًا، ولا يَحِلُّ لمسلم أن يَهْجُرَ أخاه فوق ثلاثة أيام".
(19) باب ستر المؤمن على نفسه، وما يجوز من الظن
2687 - عن أبي هريرة قال: سمعت رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- يقول: "كل أمتي مُعَافى إلا المجاهرون 1، وإن من الخيانة أن يعمل الرجل بالليل عملًا ثم يصبح وقد ستره اللَّه، فيقول: يا فلان! عملت البارحة كذا وكذا، وقد بات يستره ربه، ويصبح يكشف ستر اللَّه عنه".
2688 - وعن صفوان بن مُحْرِز: أن رجلًا سأل ابن عمر: كيف سمعت رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- يقول في النجوى؟ قال: "يدنو أحدكم من ربه حتى يضع كَنَفَهُ عليه فيقول: اذكر كذا، اذكر كذا؟ فيقول: نعم، فيقرره (2)، ثم يقول: إني
سترت عليك في الدنيا، وأنا أغفر لك اليوم".
(20) باب لا هجرة بعد ثلاث، إلا أن يكون الهجران لأجل معصية، فلا يحل أن يرفع حتى يتوب العاصي
2689 - عن عوف بن الطفيل -وهو ابن أخي عائشة زوج النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- لأمها- أن عائشة حُدِّثَتْ أن عبد اللَّه بن الزبير قال في بيع أو عطاء أعطته عائشة: واللَّه لتنتهين عائشة، أو لأَحْجُرَنَّ عليها.
فقالت: أهو قال هذا؟ قالوا: نعم.
قالت: هو للَّه عليّ نذر أن لا أكلم ابن الزبير أبدًا.
فاستشفع ابن الزبير لها 1 حين طالت الهجرة.
فقالت: لا واللَّه لا أشفع فيه أبدًا، ولا أحنث 2 في نذري، فلما طال ذلك على ابن الزبير كلَّم المِسْوَر بن مَخْرَمَة وعبد الرحمن بن الأسود بن عبد يغوث -وهما من بني زُهْرَة- وقال لهما: أَنْشُدُكما باللَّه لما أدخلتماني على عائشة، فإنها لا يحل لها أن تنذر قطيعتي.
فأقبل به المِسْوَر بن مخرمة وعبد الرحمن مشتملَيْن بأَرْدِيَتِهِمَا حتى استأذنا
على عائشة، فقالا: السلام عليكِ ورحمة اللَّه وبركاته، أندخل؟ قالت عائشة: ادخلوا.
قالوا: كلنا؟ قالت: نعم، ادخلوا كلكم.
ولا تعلم أن معنا (1) ابن الزبير، فلما دخلوا دخل ابن الزبير الحجاب فاعتنق عائشة فَطَفِق (2) يناشدها ويبكي، وطفق المِسْوَرُ وعبد الرحمن يناشدانها إلا ما كلمت (3) وقبلت منه، ويقولان: إن النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- قد نهى عما قد عملت من الهجرة، وأن (4) لا يحل لمسلم أن يهجر أخاه فوق ثلاث ليال، فلما أكثروا على عائشة من التذكرة والتحريج، طفقت تُذَكِّرُهما وتبكي وتقول: إني نذرت، والنذر شديد.
فلم يزالا بها حتى كلمت ابن الزبير، وأعتقت في نذرها ذلك أربعين رقبة.
وكانت تذكر نذرها بعد ذلك وتبكي (5) حتى تبلَّ دموعها خمارها.
(21) باب التزاور وتكراره
2690 - عن عائشة قالت: لم أعقل أبويَّ إلا وهما يدينان الدِّين،12345
ولم يمر عليهما يوم إلا يأتينا فيه رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- طَرَفَي النهار، بُكْرَةً وعشيًّا، فبينا (1) نحن جلوس في بيت أبي بكر في نحر الظهيرة قال قائل: هذا رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- في ساعة لم يكن يأتينا فيها.
قال أبو بكر: ما جاء به في هذه الساعة إلا أمر.
قال: "إني أُذِنَ (2) لي في الخروج".
2691 - وعن أنس بن مالك: أن رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- زار أهل بيت من الأنصار، فَطَعِمَ عندهم طعامًا، فلما أراد أن يخرج أمر بمكان من البيت فَنُضحَ له على بساط، فصلى عليه ودعا لهم.
(22) باب الإخاء في اللَّه تعالى، والحِلْف الشرعي
وقال أبو جُحَيْفَةَ: آخى النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- بين سلمان وأبي الدرداء.
وقال عبد الرحمن بن عوف: لما قدم المدينة آخى النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- بيني وبين سعد بن الربيع.12
2692 - عن أنس قال: قدم (1) علينا عبد الرحمن، فآخى النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- بينه وبين سعد بن الربيع، فقال النبي -صلى اللَّه عليه وسلم-: "أَوْلِمْ ولو بشاةٍ".
2693 - وعن عاصم قال: قلت لأنس بن مالك: أَبَلَغَكَ أن رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- قال: "لا حلف في الإسلام؟ " فقال: قد حالف النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- بين قريش والأنصار (2).
(23) باب الحض على الصدق والهدي، والنهي عن الكذب
وقول اللَّه عز وجل: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَكُونُوا مَعَ الصَّادِقِينَ﴾ [التوبة: 119]. 2694 - عن عبد اللَّه -هو ابن مسعود-: عن النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- قال: "إن الصدق1
يهدي إلى البِرِّ، وإن البرَّ يهدي إلى الجنة، وإن الرجل ليَصْدُقَ حتى يكون صِدِّيقًا، وإن الكذب يهدي إلى الفجور، وإن الفجور يهدي إلى النار، وإن الرجل ليكذب حتى يكتب عند اللَّه كذَّابًا".
2695 - وعن سَمُرَة بن جُنْدُبٍ قال: قال النبي -صلى اللَّه عليه وسلم-: "رأيت الليلة 1 رجلين أتياني قالا: الذي رأيته يُشَقُّ شِدْقُهُ فكذاب يكذب بالكَذْبَةِ فتحمل عنه حتى تبلغ الآفاق، فيُصنع به إلى يوم القيامة".
2696 - وعن حذيفة قال: إن أشبه الناس دَلًّا وسَمْتًا وهَدْيًا برسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- لابنُ أم عبد، من حين يخرج من بيته إلى أن يرجع إليه، لا يُدْرَى ما يَصْنعُ في أهله إذا خلا.
2697 - وعن عبد اللَّه قال: إن أحسن الحديث كتاب اللَّه، وإن (2) أحسن الهدي هديُ محمد -صلى اللَّه عليه وسلم-.
(24) باب الصبر على الأذى، وترك المواجهة بالعتاب
2698 - عن أبي موسى، عن النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- قال: "ليس أحدٌ -أو قال: ليس شيءٌ 1 - أصبر على أذَّىَ سمعه من اللَّه، إنهم لَيَدْعُون له ولدًا، وإنه يعافيهم 2 ويرزقهم".
2699 - وعن عبد اللَّه قال: قسم النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- قسمًا 3 كبعض ما كان يقسم، فقال رجل من الأنصار: واللَّه إنها لقسمة ما أريد بها وجه اللَّه، قلت: أما لأقولن للنبي -صلى اللَّه عليه وسلم-، فأتيته وهو في أصحابه فساررته، فشق ذلك على النبي -صلى اللَّه عليه وسلم-، وتغيَّر وجهه، وغضب، حتى وَدِدْتُ أني 4 لم أكن أخبرته، ثم قال: "لقد أُوذِيَ موسى بأكثر من هذا (5) فصبر".
2700 - وعن عائشة قالت: صنع النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- شيئًا فترخص فيه، فَتَنَزَّه عنه قوم، فبلغ ذلك النبي -صلى اللَّه عليه وسلم-، فخطب فحمد اللَّه ثم قال: "ما بال أقوام يتنزهون عن الشيء أصنعه، فواللَّه إني لأعلمهم باللَّه، وأشدُّهم له خشية".
(25) باب إثم من كفَّر أخاه المسلم بغير تأويل، ومن لم يَرَ إكفار من قال ذلك متأوِّلًا
2701 - عن أبي هريرة: أن رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- قال: "إذا قال الرجل لأخيه: يا كافر، فقد باء به أحدهما".
ومثله عن ابن عمر (1). (1) خ (4/ 110)، في الكتاب والباب السابقين، من طريق مالك، عن عبد اللَّه بن دينار، عن عبد اللَّه بن عمر ولفظه: "أيما رجل قال لأخيه: يا كافر.
فقد باء بها أحدهما"، رقم (6104). 2700 - خ (4/ 110)، (78) كتاب الأدب، (72) باب من لم يواجه الناس بالعتاب، من طريق الأعمش، عن مسلم، عن مسروق، عن عائشة به، رقم (6101)، طرفه في (7301).
2701 - خ (4/ 110)، (78) كتاب الأدب، (73) باب من اكفر أخاه بغير تأويل فهو كما قال، من طريق علي بن المبارك، عن يحيى بن أبي كثير، عن أبي سلمة، عن أبي هريرة به، رقم (6103).
ومن حديث حاطب بن أبي بَلْتَعَة (1): حين قال له عمر: إنه نافق.
فقال النبي -صلى اللَّه عليه وسلم-: "وما يدريك، لَعَلَّ اللَّه اطَّلَعَ على (2) أهل بدر فقال: اعملوا ما شئتم، فقد غفرت لكم (3) ".