اختصار صحيح البخاري وبيان غريبهصفحات 98-137

باب تسمية الفَرَس باسم عَلَمٍ، وينفي (1) من الشؤم فيها، والقَسْمِ لها

صفحات 98-137

البُرْدِ المُحَبَّر (1)، فقال: "رأيتَهُ؟ ". 1542 - عن أم حبيبة بنت أبي سفيان، عن زينب بنت جحش: أن النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- دخل عليها فَزِعًا يقول: "لا إله إلا اللَّه، ويل للعرب من شر قد اقترب، فُتِحَ اليوم من رَدْمِ يأجوج ومأجوج"، وحَلَّقَ بأصبعيه الإبهام والتي تليها، فقالت زينب بنت جحش: فقلت: يا رسول اللَّه! أَنهلِك وفينا الصالحون؟ قال "نعم، إذا كَثُرَ الخَبَثُ".
1543 - وعن أبي سعيد الخدري، عن النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- قال: "يقول اللَّه عز وجل: يا آدم! فيقول: لبيك وسعديك، والخير في يديك، فيقول: أَخْرِجْ بعثَ النار، قال: وما بعث النار؟ قال: من كل ألفٍ تسع مئة وتسعين، فعنده يشيب الصغير، ﴿وَتَضَعُ كُلُّ ذَاتِ حَمْلٍ حَمْلَهَا وَتَرَى النَّاسَ سُكَارَى وَمَا هُمْ بِسُكَارَى وَلَكِنَّ عَذَابَ اللَّهِ شَدِيدٌ﴾، قالوا: يا رسول اللَّه! وأيُّنَا ذلك الواحد؟ قال: "أبشروا، فإن منكم رجلًا، ومن يأجوج ومأجوج ألف"، ثم قال: "والذي (1) (المحبّر) من "الصحيح"، والمعنى: أنه طريقة حمراء، وطريقة سوداء؛ أي: طبقة.
1542 - خ (2/ 458)، (60) كتاب أحاديث الأنبياء، (7) باب قصة يأجوج ومأجوج، من طريق ابن شهاب، عن عروة بن الزبير، عن زينب بنت أبي سلمة، عن أم حبيبة بنت أبي سفيان، عن زينب بنت جحش به، رقم (3346)، أطرافه في (3598، 7059، 7135). 1543 - خ (2/ 458 - 459)، في الكتاب والباب السابقين، من طريق أبي أسامة، عن الأعمش، عن أبي صالح، عن أبي سعيد الخدري به، رقم (3348)، أطرافه في (4741، 6530، 7483).

نفسي بيده أرجو (1) أن تكونوا رُبع أهل الجنة"، فكبّرنا، فقال: "أرجو أن تكونوا ثُلُثَ أهل الجنة"، فكبرنا، قال: "أرجو أن تكونوا نصفَ أهلِ الجنة"، فكبرنا، فقال: "ما أنتم في الناس إلا كالشعرة السوداء في جلد ثورٍ أبيض، أو كشعرة بيضاء في جلد ثور أسود".
الغريب: "الرَّدْمُ": السد؛ لأنه رُدِمَ.
و"يأجوج ومأجوج": أُمَّتان عظيمتان، وهم أكثر الأمم، وإنما خص آدم بأن قيل: أخرِجْ بعثَ النار؛ لأن اللَّه تعالى قد جمع له جميع نَسَمِ بنيه المتوالدين منه إلى يوم القيامة، ودليل ذلك: أن نبينا -صلى اللَّه عليه وسلم- قد رأى آدم ليلة الإسراء في سماء الدنيا، وعن يمينه أَسْوِدة أهل اليمين، وعن يساره أَسْوِدَة أهل الشمال.
وقوله: "ما أنتم في الأمم إلا كالشعرة السوداء في جلد الثور الأبيض"؛ يعني: في المحشر، وأما في الجنة فهم نصف أهل الجنة، وكل من يدخلها من سائر الأمم النصف الآخر.


(6) باب في ذكر إبراهيم وإسماعيل وأمه، وقول اللَّه تعالى: ﴿وَاتَّخَذَ اللَّهُ إِبْرَاهِيمَ خَلِيلًا﴾ [النساء: 125]، وقوله عز وجل: ﴿إِنَّ إِبْرَاهِيمَ لَأَوَّاهٌ حَلِيمٌ﴾ [التوبة: 114]

قال أبو ميسرة: الرحيم بلسان الحبشة.1

1544 - من حديث ابن عباس، عن النبي -صلى اللَّه عليه وسلم-: "إنكم محشورون عُرَاة حفاة غُرْلًا"، ثم قرأ: ﴿كَمَا بَدَأْنَا أَوَّلَ خَلْقٍ نُعِيدُهُ وَعْدًا عَلَيْنَا إِنَّا كُنَّا فَاعِلِينَ﴾ [الأنبياء: 104]، وأول من يكسى يوم القيامة إبراهيم.
. . " الحديثَ وسيأتي إن شاء اللَّه تعالى.
1545 - وعن أبي هريرة، عن النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- قال: "يلقى إبراهيم أباه آزرَ يوم القيامة، وعلى وجه آزر قَتَرَةٌ وغَبَرَة، فيقول له إبراهيم: ألم أقل لك لا تعصني؟ فيقول أبوه: فاليوم لا أعصيك، فيقول إبراهيم: يا رب! إنك وعدتني ألَّا تخزيَني يوم يبعثون، فأي خِزْيٍ أخزى من أبي الأبعد؟ فيقول اللَّه 1: إني حرمت الجنة على الكافرين، ثم يقال: يا إبراهيم! ما تحت رجليك؟ فينظر فإذا هو بِذِيخٍ متلطخ، فيؤخذ بقوائمه فيُلْقَى في النار".
1546 - وعن ابن عباس، عن النبي -صلى اللَّه عليه وسلم-: لما رأى الصُّوَر في البيت لم يدخل حتى أمر بها فمُحِيَتْ، ورأى إبراهيم وإسماعيل بأيديهما (1) في "صحيح البخاري": "اللَّه تعالى".
1544 - خ (2/ 459)، (60) كتاب أحاديث الأنبياء، (8) باب قول اللَّه تعالى: ﴿وَاتَّخَذَ اللَّهُ إِبْرَاهِيمَ خَلِيلًا﴾، وقوله: ﴿إِنَّ إِبْرَاهِيمَ كَانَ أُمَّةً قَانِتًا لِلَّهِ﴾، ﴿إِنَّ إِبْرَاهِيمَ لَأَوَّاهٌ حَلِيمٌ﴾، من طريق سفيان، عن المغيرة بن النعمان، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس به، رقم (3349)، أطرافه في (3447، 4625، 4626، 4740، 6524، 6525، 6526). 1545 - خ (2/ 459)، في الكتاب والباب السابقين، من طريق ابن أبي ذئب، عن سعيد المقبري، عن أبي هريرة به، رقم (3350)، طرفاه في (4768، 4769). 1546 - خ (2/ 460)، في الكتاب والباب السابقين، من طريق أيوب، عن عكرمة، عن ابن عباس به، رقم (3352).

الأزلام، فقال: "قاتلهم اللَّه، واللَّه إنِ استقسما بالأزلام قط".
1547 - وعن أبي هريرة قال: قال رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم-: "اختتن إبراهيم النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- (1) وهو ابن ثمانين سنة بالقَدُّوم": مشددة الدال، وفي رواية 2: قال أبو الزناد: بالقَدُومِ مخففة.
1548 - وعن أبي هريرة: لم يكذب إبراهيم إلا ثلاث كذبات: ثنتين منهما في ذات اللَّه عز وجل قوله: ﴿إِنِّي سَقِيمٌ﴾، وقوله ﴿بَلْ فَعَلَهُ كَبِيرُهُمْ﴾، وقال: بينا هو ذاتَ يومٍ وسارة؛ إذ أتى على جَبَّارٍ من الجبابرة، فقيل له: إن ههنا رجلًا معه امرأة من أحسن الناس، فأرسل إليه يسأله 3 عنها، فقال: من هذه؟ قال: أختي، فأتى سارّة، فقال: يا سارة! ليس على وجه الأرض مؤمن غيري وغيرك، وإن هذا سألني، فأخبرته: أنك أختي، فلا تكذبيني، فأرسل إليها، فلما دخلت عليه ذهب يتناولها بيده فأُخِذَ، فقال: ادْعِي اللَّه لي ولا أَضُرُّكِ، فدعت اللَّه، فاُطْلِقَ، ثم تناولها ثانية (4)، فأُخِذَ مثلها أو أَشَدّ،

فقال: ادْعِي اللَّه لي ولا أضرك، فدعت، فأُطْلِقَ، فدعا بعضَ حَجَبَتِهِ، فقال: إنك لم تأتني بإنسان 1، إنما أتيتني 2 بشيطان، فأَخْدَمَهَا هاجر، فأتته وهو قائم يصلي، فأومأ بيده: مَهْيَمْ 3؟ قالت: رَدَّ اللَّهُ كيدَ الكافر -أو الفاجر- في نحره، وأخدم هاجر.
قال أبو هريرة: تلك أمُّكم يا بني ماء السماء 4. 1549 - وعن أبي هريرة قال: أُتِيَ النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- يومًا بلحم، فقال: "إن اللَّه يجمع يوم القيامة الأولين والآخرين في صعيد واحد، فيُسْمِعُهم الداعي، ويُنْفِذُهُم البصر، وتدنو الشمس منهم -فذكر حديث الشفاعة- فيأتون إبراهيم، فيقولون: أنت نبي اللَّه، وخليله من أهل الأرض، اشفع إلى ربك -ويقول 5: وذكر كذباته- نفسي نفسي نفسي 6، اذهبوا إلى موسى".
تابعه أنس عن النبي -صلى اللَّه عليه وسلم-.

1550 - وعن سعيد بن جُبَيْر، عن ابن عباس قال: أول ما اتَّخَذَ النساءُ المِنْطَقَ من قِبَلِ أم إسماعيل؛ اتخذت مِنْطَقًا؛ لتعفي أثرها على سارة، ثم جاء بها إبراهيم وبابنها إسماعيل وهي ترضعه، حتى وضعها عند البيت، عند دَوْحَةٍ فوق زمزم في أعلى المسجد، وليس بمكة يومئذ أحد، وليس بها ماء، فوضعها هنالك، ووضع عندها جِرَابًا فيه تمر، وسقاء فيه ماء، ثم قَفَّى إبراهيم منطلقًا، فتَبِعَتْهُ أمُّ إسماعيل، فقالت: يا إبراهيم! أين تذهب وتتركنا بهذا الوادي الذي ليس فيه أنيس 1 ولا شيء؟ فقالت ذلك مرارًا، وجعل لا يلتفت إليها، فقالت له: آللَّه أمرك بهذا؟ قال: نعم، قالت: إذن لا يُضَيِّعنا -في رواية 2: حتى لما بلغوا كَدَاءَ نادته من ورائه: يا إبراهيم! إلى من تتركنا؟ قال: إلى اللَّه، قالت: رضيت، قال: - فرجعت 3، فانطلق إبراهيم، حتى إذا كان عند الثَّنِيَّةِ حيث لا يرونه، استقبل بوجهه البيت، ثم دعا بهؤلاء الدعوات، ورفع يديه، فقال: ﴿رَبَّنَا 4 إِنِّي أَسْكَنْتُ مِنْ ذُرِّيَّتِي بِوَادٍ غَيْرِ ذِي زَرْعٍ﴾.
. . حتى بلغ: ﴿يَشْكُرُونَ﴾، وجعلت أم إسماعيل ترضع

إسماعيل، وتَشْرَبُ من ذلك الماء حتى إذا نفَدَ ما في السِّقَاءِ، عطشت وعطش ابنها، وجعلت تنظر إليه يَتَلَوَّى أو قال يَتَلَبَّطُ 1 -وفي رواية 2: كأنه ينشغ بالموت- فانطلقت كراهية أن تنظر إليه، فوجدت الصفا أقرب جبلٍ في الأرض إليها 3، فقامت عليه، ثم استقبلت الوادي تنظر هل ترى أحدًا، فلم تر أحدًا، فهبطت من الصفا، حتى إذا بلغت الوادي، رفعت طرف دِرْعِها، ثم سعت سعي الإنسان المجهود، حتى جاوزت الوادي، ثم أتت المروة، فقامت عليها، فنظرت هل ترى أحدًا، فلم تر أحدًا، ففعلت ذلك سبع مرات".
قال ابن عباس: قال النبي -صلى اللَّه عليه وسلم-: "فلذلك 4 سعى الناس بينهما، فلما أشرفت على المروة، سمعت صوتًا، فقالت: صَهٍ -تريد: نفسها- ثم تسَمَّعَتْ فسمعت 5 أيضًا، فقالت: قد أسْمَعْتَ إن كان عندك غواث؛ (فإذا هي بالمَلَكِ) 6 عند موضع زمزم، فبحث بعَقِبه -أو قال: بجناحه- حتى ظهر الماء، فجعلت تُحَوِّضه وتقول بيدها هكذا، وجعلت تغرف من الماء في سقائها وهو يفور بعدما تغرف".
قال ابن عباس: قال النبي -صلى اللَّه عليه وسلم-: "يرحم اللَّه أم إسماعيل؛ لو تركت

زمزم -أو قال- لو لم تغرف من الماء، لكانت زمزم عَيْنًا مَعِينًا" -وفي رواية 1: أنها قالت بعد السَّبعْ: لو ذهبت فنظرت ما فعل؛ فإذا هي بصوت، فقالت: أَغِثْ إنْ كان عندك خير؛ فإذا جبريل، قال: فقال بعَقِبه هكذا، وغمز عقبه على الأرض- قال: فانبثق الماء، فدَهَشت 2 أم إسماعيل، فجعلت أم إسماعيل 3 تَحْفِر"، قال: فقال أبو القاسم -صلى اللَّه عليه وسلم-: "لو تركَتْهُ كان الماء ظاهرًا".
قال 4: فشربتْ وأرضعتْ ولدها، فقال لها الملك: لا تخافوا الضَّيْعَة؛ فإنَّ ههنا بيت اللَّه، يبنيه 5 هذا الغلام وأبوه، وإن اللَّه لا يضيع أهله -وكان البيت مرتفعًا من الأرض كالرابية، تأتيه السيول فتأخذ عن يمينه وعن شماله 6، فكانت كذلك، حتى مرت بهم رُفْقَةٌ من جُرْهُمْ، أو أهل البيت من جُرْهم مقبلين من طريق كَدَاء، فنزلوا في أسفل مكة، فرأوا طائرًا عَائِفًا، فقالوا: إن هذا الطائر ليدور على ماء، لَعَهْدُنا بهذا الوادي وما فيه ماء، فأرسلوا جَرِيًّا أو جرييّن؛ فإذا هم بالماء، فرجعوا فأخبروهم بالماء، فأقبلوا وأم

إسماعيل 1 عند الماء، فقالوا: أتأذنين لنا أنْ ننزل عندك؟ قالت 2: نعم، ولكن لا حَقَّ لكم في الماء، قالوا: نعم.
قال ابن عباس: قال النبي -صلى اللَّه عليه وسلم-: "فأَلْفَى ذلك أمَّ إسماعيل وهي تُحِبُّ الأُنْس، فنزلوا وأرسلوا إلى أهليهم فنزلوا معهم، حتى إذا كان بها أهل أبياتٍ منهم، وشبَّ الغلام، وتعلم العربية منهم، وأَنْفَسَهُمْ وأعجبهم حيث شب، فلما أدرك زَوَّجُوه امرأة منهم، وماتت أم إسماعيل، فجاء إبراهيم بعد ما تزوج إسماعيل يطالع تَرِكتهُ، فلم يجد إسماعيل، فسأل امرأته عنه، فقالت: خرج يبتغي لنا، ثم سألها عن عَيْشِهِمْ؟ 3 فقالت: نحن بِشَر، نحن في ضيق وشدة، وشكت 4 إليه، قال: فإذا جاء زوجك اقرئي 5 عليه السلام، وقولي له: يُغيِّر عتبةَ بابه، فلما جاء إسماعيل كأنه آنس شيئًا، فقال: هل جاء 6 من أحدٍ؟ قالت: نعم، جاءني شيخ كذا وكذا، فسألنا عنك فأخبرته، وسألني كيف عيشنا؟ فأخبرته: أنَّا في جَهْدٍ وشدة، قال: فهل أوصاك بشيء؟ قالت: أمرني 7 أن أقرأ عليك السلام، ويقول: غَيِّر عتبة بابك، قال: ذاك أبي، وقد أمرني أن أفارقك، الحقي بأهلك، فطلقها، وتزوج منهم أخرى، فلبث عنهم إبراهيم

ما شاء اللَّه، ثم أتاهم بعدُ فلم يجده، ودخل 1 على امرأته، فسألها عنه، فقالت: خرج يبتغي لنا، قال: كيف أنتم؟ وسألها عن عيشهم وهمتهم 2؟ فقالت: نحن بخير وسَعَةٍ، وأثنت على اللَّه، قال 3: ما طعامكم؟ قالت: اللحم، قال: فما شرابكم؟ قالت: الماء، قال: اللهم بارك لهم في اللحم والماء، قال النبي -صلى اللَّه عليه وسلم-: "ولم يكن لهم يومئذ حَبٌّ، ولو كان لهم دعا لهم فيه -قال: فهما لا يخلو عليهما أحد بغير مكة إلا لم يوافقاه- قال: فإذا جاء زوجك فاقرئي عليه السلام، ومُرِيه يُثَبِّت عتبة بابه، فلما جاء إسماعيل، قال: هل أتاكم من أحد؟ قالت: نعم، أتاني شيخ حسن الهيئة، وأثنت عليه، فسألني عنك فأخبرته، فسألني: كيف عيشنا؟ فأخبرته: أنَّا بخير، قال: فأوصاك بشيء؟ قالت: نعم، هو يقرأ عليك السلام، ويأمرك أن تثبتَ عتبة بابك، قال: ذاك أبي، وأنت العتبة، أمرني أن أمسكك، ثم لبث عنهم ما شاء اللَّه، ثم جاء بعد ذلك وإسماعيل يبري نَبْلًا له تحت دَوْحَة قريبًا من زمزم، فلما رآه قام إليه، فصنعا كما يصنع الوالد بالولد والولد بالوالد، ثم قال: يا إسماعيل! إن اللَّه أمرني بأمرٍ، قال: فاصنع ما أمرك ربك، قال: وتعينني؟ قال: وأعينك، قال: فإن اللَّه أمرني أن أبنيَ ههنا بيتًا، وأشار إلى أكمة مرتفعة على ما حولها، قال: فعند ذلك رفعا القواعد من البيت، فجعل إسماعيل يأتي بالحجارة، وإبراهيم يبني، حتى إذا ارتفع البناء، جاء بهذا الحجر، فوضعه له، فقام عليه وهو يبني، وإسماعيل يناوله الحجارة وهما

يقولان: ﴿رَبَّنَا تَقَبَّلْ مِنَّا إِنَّكَ أَنْتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ﴾ [البقرة: 127]. وفي رواية قال: حتى ارتفعَ البناء، وضعف الشيخ عن نقل الحجارة، فقام على حجر المقام، فجعل يناوله الحجارة، ويقولان: ﴿رَبَّنَا تَقَبَّلْ مِنَّا إِنَّكَ أَنْتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ﴾.
الغريب: "غُرْلًا": غير مختونين.
والغُرْلَة: ما يقطعه الخاتن، وهي القُلْفَة.
و"الذِّيخ": بالذال والخاء المعجمتين من فوقهما- ذَكَر الضَّبْعَان.
"يُناولها": بضم الياء؛ أي: يعطيها يده لتواقعه.
و"تَنَاوَلَها": بالتاء باثنتين من فوقها، مد يده ليأخذها، واللَّه أعلم.
و"المِنْطَقُ": الثوب يشد على الوسط، وربما ينجر على الأرض.
و"تُعْفِّي": تخفى وتمحو لأجل غيرة سارة، "قَفَّى": ولاها قفاه، وهي مشددة الفاء.
و"كُدَاءَ": الأول موضع بأسفل مكة، وهو بضم الكاف، والقصر كذلك.
و"كَدَاء": الثاني ثَنِيّة بأعلى مكة، وهي بفتح الكاف والمد.
و"يَنْشَغُ للموت": يشهق وتضيق نفسه.
و"المجهود": الذي بلغ منه التعب والجهد.
"صه": اسكت، تقول ذلك لنفسها.
"فبحث": يحك بجناحه ويمسح.
و"تُحَوِّضُه": تُصَيِّرُه كالحوض، وهو مجتمع الماء.
"مَعينًا": بفتح الميم، كثيرًا طيبًا.
و"عائفًا": طالبًا للماء هنا.
و"الدوحة": الشجرة العظيمة.
و"أَنْفَسهم": أي: صار نفيسًا فيهم؛ أي: رفيعًا بحيث يتنافس في الوصول إليه.

و"الجَرِيُّ": بالياء المشددة الرسول المسرع؛ لأنه يجري.


(7) باب في ذكر صالح وقوله تعالى: ﴿كَذَّبَ أَصْحَابُ الْحِجْرِ الْمُرْسَلِينَ﴾ الآيات [الحجر: 80]

1551 - عن عبد اللَّه بن زَمْعَة قال: سمعت النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- وذكر الذي عَقَرَ الناقة -فقال 1: "ابْتَدَرَ لها رجل ذو عِزٍّ ومَنَعَةٍ في قومه كأبي زمعة".
1552 - وعن ابن عمر: أنَّ رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- لما نزل الحِجْر -في رواية (2): أرض ثمود الحِجْرَ - في غزوة تبوك- أمرهم أن لا يشربوا من بئرها، ولا يَسْتَقُوا منها، فقالوا: قد عَجَنَّا منها واسْتَقَيْنَا، فأمرهم أن يطرحوا ذلك العجين، ويهريقوا ذلك الماء.

وفي رواية 1: وأن يَعْلِفُوا الإبل العجين، وأنْ يستقوا من البئر التي كانت تَرِدُها الناقة.
وفي رواية 2: فأمرنا بإلقاء الطعام.
1553 - وعنه: أنَّ النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- لما مرَّ بالحِجْرِ قال: "لا تدخلوا مساكن الذين ظلموا أنفسهم 3 إلا أن تكونوا باكين؛ أنْ يصيبكم ما أصابهم"، ثم تَقَنَّعَ بردائه وهو على الرَّحْلِ.
الغريب: "الحِجْر": المحجور عليه؛ أي: المحاط به، ومنه الحجرة، وأصله: البناء المحيط، وقد يقال على الحرام، ومنه: ﴿حِجْرًا مَحْجُورًا﴾ [الفرقان: 22] وهو بكسر الحاء، وكذلك العقل، والأنثى من الخيل، فأما حَجْرَ اليمامة فهو بفتح الحاء، وهو المنزل فيها.
و"أبو زمعة" قيل: اسمه: عبيد، وهو بَلَويّ 4 صحابي ممن بايع عند الشجرة، قاله أبو عمر.


(8) باب ذكر يوسف وأيوب عليهما السلام، وقوله تعالى: ﴿لَقَدْ كَانَ فِي يُوسُفَ وَإِخْوَتِهِ آيَاتٌ لِلسَّائِلِينَ (7)﴾ [يوسف: 7]

1 - عن أبي هريرة: سُئِلَ رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم-: مَنْ أكرم الناس؟ قال: "أتقاهم للَّه"، قالوا: ليس عن هذا نسألك؟ قال: "فأكرم الناس يوسف نبي اللَّه ابن نبي اللَّه ابن خليل اللَّه"، قالوا: ليس عن هذا نسألك؟ قال: "فَعَنْ معادنِ العرب تسألونني؟ الناس معادن، خيارهم في الجاهلية خيارهم في الإسلام إذا فَقِهُوا".
2 - وعنه قال: قال رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم-: "يرحم اللَّه لوطًا، لقد كان يأوي إلى رُكْنٍ شديدٍ.
ولو لَبِثْتُ في السجن ما لبث يوسف، ثم أتاني الداعي لأَجَبْتُهُ".

  • تنبيه: ظاهره عتبٌ على لوط؛ إذ التفت إلى من يركن إليه من الخلق، ويحتمل أن يكون قوله: "يرحم اللَّه لوطًا" افتتاحًا للكلام بالدعاء له بالرحمة، فإنه قد كان من شأنه أن يقول إذا أراد ذكر نبي: "رحمة اللَّه علينا وعلى فلان"، وحينئذ يكون قوله: "لقد كان يأوي إلى ركن شديد" خبرًا

عن قوة اعتماد لوط على اللَّه تعالى، لكنه اعتذر للضيف بذلك القول، واللَّه أعلم.
1556 - وعنه: عن النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- قال: "بينما أيوب يغتسل عُرْيَانًا، خَرَّ عليه رِجْلُ جَرَادٍ (1) من ذهب، فجعل يَحْثِي في ثوبه، فناداه ربه: يا أيوب! ألم أكن أغنيتك عما ترى؟ قال: بلى يا رب، ولكن لا غِنَى لي عن بركتك" (2).


(9) ذكر موسى عليه السلام

1557 - عن أبي هريرة قال: قال النبي -صلى اللَّه عليه وسلم-: "ليلة أُسْرِيَ بي رأيتُ موسى؛1

وإذا هو رجل ضَرْبٌ رَجِلٌ، كأنه من رِجَال شَنُوءة 1، ورأيت عيسى؛ فإذا هو رجل رَبْعَة أحمر، كأنما خرج من من دِيمَاس، وأنا أشبه ولد إبراهيم 2 به، ثمَّ أتيت بإناءين في أحدهما لبن، وفي الآخر خمر، فقال: اشرب أيهما شئت، فأخذت اللبن فشربته، فقيل: أخذت الفطرة، أما إنك لو أخذت الخمر غَوَتْ أُمَّتُكَ".
1558 - وعن أبي سعيد الخدري، عن النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- قال: "الناس يُصْعَقُونَ يوم القيامة، فأكون أول من يُفِيق؛ فإذا أنا بموسى آخذٌ بقائمةٍ من قوائم العَرْشِ، فلا أدري أأفاق قبلي أم جُوزِيَ بصَعْقَةِ الطُّورِ؟ ". وقد تقدم حديث موسى مع الخضر في الإيمان.
الغريب: "الدِّيماس": الحَمَّام.
"الصَّعْقَة": صيحة منكرة، يكون معها موت

أو غشية.
و"جُوزِيَ": أي: حوسب بها، فلم يُصْعَق مع الأحياء حين صعقوا، ويفهم منه: أن موسى وإن كان غائبًا عن عالمنا [فـ]ـإنه حيٌّ ممن يمكن أن يصعقَ مع مَن صعق من أحياء الناس في وقت نفخة الصعق، واللَّه أعلم.
ويدل على هذا دلالة واضحة الحديث الآتي في وفاة موسى.


(10) باب في براءة موسى من العيوب واصطفائه ووفاته

1559 - عن أبي هريرة قال: قال رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم-: "إن موسى كان رجلًا حَيِيًّا سِتِّيرًا، لا يُرَى من جلده شيءٌ استحياءً منه، فآذاه مَنْ آذاه من بني إسرائيل، فقالوا: ما يستتر هذا التستر إلا من عَيْبٍ بجلده؛ إمَّا بَرَص، وإما آفة، وإما أُدْرَة 1، وإنَّ اللَّه -عز وجل- 2 أراد أنْ يبرِّئَهُ مما قالوا بموسى 3، فخلا يومًا وحده، فوضع ثيابه، ثمَّ اغتسل، فلما فرغ أقبل إلى ثيابه ليأخذها وإن الحَجَرَ عَدَا بثوبه، فأخذ موسى عصاه، وطلب الحجر، فجعل يقول: ثوبي حَجَرُ، ثوبي

حَجَرُ، حتى انتهى إلى ملأ من 1 بني إسرائيل، فرأوه عُرْيَانًا أحسن ما خلق اللَّه، وأبرأه مما يقولون، 2 وقام الحجر، فأخذ ثوبه فلبسه، وطفِقَ بالحَجَر ضربًا بعصاه"، فواللَّه إن الحجر لنَدْبًا من أثر ضربه ثلاثًا أو أربعًا أو خمسًا، فذلك قوله: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ آذَوْا مُوسَى فَبَرَّأَهُ اللَّهُ مِمَّا قَالُوا وَكَانَ عِنْدَ اللَّهِ وَجِيهًا﴾.
1560 - وعنه قال: قال رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم-: "احتج آدم وموسى، فقال له موسى: أنت آدم الذي أخرجتك خطيئتك من الجنة؟ قال له آدم: أنت موسى الذي اصطفاه اللَّه برسالاته وبكلامه، ثمَّ تلومني على أَمْرٍ قُدِّرَ عليَّ قبل أنْ أُخْلَقَ، فقال رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم-: فَحَجَّ آدمُ موسى" (3). 1561 - وعنه قال: أُرْسِلَ ملكُ الموت إلى موسى عليهما السلام، فلما جاءه صَكَّهُ، فرجع إلى ربه، فقال: أرسلتني إلى عبدٍ لا يريد الموت،

قال: ارجع إليه، فقل له: يضع يده على مَتْنِ ثور، فله بما غطت 1 يده بكل شعرة سنة، قال: أيْ رب! ثمَّ ماذا؟ قال: الموت، قال: فالآن، قال: فسأل اللَّه يُدْنِيهِ من الأرض المقدسة رَمْيَةً بحَجَرٍ، قال أبو هريرة عن 2 النبي -صلى اللَّه عليه وسلم-: "فلو كنت ثَمَّ لأريتكم قَبْرَهُ إلى جانب الطريق عند الكَثِيب الأحمر".

  • تنبيه: "حَجَرُ": مضموم الراء، على أنَّه منادى مفرد، محذوف حرف النداء على الشاذ؛ كقولهم: أَطْرِق كَرَا 3، وافْتَد مَخْنُوق، والقياس أن لا يحذف حرف النداء مع النكرات ولا مع المبهم.
    وقوله: "حج آدم موسى"؛ أي: غلبه بالحجة، ووجهها أن موسى قد أعلمه اللَّه في التوراة بقضية آدم، وبأن اللَّه تاب عليه منها، ورفع عنه المعاتبة والمؤاخذة، وأنه قد رده إلى أحسن مما كان قبل، فعتاب موسى لا موقعَ له، فكأنه قال له: كيف تعاتبني وتؤاخذني وقد علمتَ أنَّ اللَّه قد أسقط عني ذلك، وكان بعض العارفين يقول: ذكر الجفاء في محلّ الصفاء جفاء، واللَّه أعلم.
    وصَكُّ موسى لملك الموت إنما كان؛ لأنه جاء ليقبض روحه ولم

يخيِّره، وكان موسى قد علم أنَّ اللَّه لا يقبض نبيًّا حتى يخيره في الحياة وفي الموت كما قال نبينا -صلى اللَّه عليه وسلم-: "إن اللَّه لا يقبض نبيًّا حتى يخيّره"، فلما جاء ملك الموت بغير تخيير، فعل موسى معه فعل المؤدب، واللَّه أعلم، وقيل غير ذلك على ما ذكرناه في كتابنا "المُفْهِم"، وما ذكرناه في هذه المواضع المذكورة في هذا التنبيه هو أشبه ما قيل فيها إن شاء اللَّه.


(11) باب ذكر يونس وقوله: ﴿وَإِنَّ يُونُسَ لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ﴾ إلى قوله: ﴿وَهُوَ مُلِيمٌ﴾ [الصافات: 139 - 142]

1562 - عن أبي هريرة قال: بينما يهوديٌّ يعرض سِلْعَةً 1 أعطى بها شيئًا كَرِهَهُ، فقال: لا والذي اصطفى موسى على البشر، فسمع 2 رجل من الأنصار، فقام فلَطَمَ وَجْهَهُ، وقال: تقول: والذي اصطفى موسى على البشر والنبي -صلى اللَّه عليه وسلم- بين أَظْهُرِنَا؟ فذهب إليه، فقال: يا أبا القاسم 3! إن لي ذمَّةً وعَهْدًا؛

فما بال فلان لطم وجهي؟ فقال: "لِمَ لطمت وجهه؟ " فذكره، فغضب النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- حتى رُئِيَ في وجهه، ثمَّ قال: "لا تُفَضِّلُوا بين أنبياء اللَّه 1، فإنَّه يُنْفَخُ في الصور، فيصعق من في السموات ومن في الأرض إلا من شاء اللَّه، ثمَّ ينفخ فيه أخرى، فأكون أول مَنْ بُعث؛ فإذا موسى آخذٌ بالعرش، فلا أدري أَحُوسِبَ لصعقه 2 يوم الطور، أمْ بُعِثَ قَبْلِي، ولا أقول: إنَّ أحدًا أفضل من يُونُسَ ابن مَتّى".
وفي رواية 3: عن النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- قال: "لا ينبغي لعبدٍ أن يقول أنا خير من يونس بن متَّى".
وفي رواية 4: "لا تُخَيِّرُونِي على موسى -وفيها-: فلا أَدْرِي أكان ممن صُعِقَ فَأفاق قَبْلِي، أو كان ممن استثنى اللَّه؟ ". الغريب: "أبَقَ": فَرَّ مِنْ قومه لما لم يجيبوه.
"الفُلْك": السفينة، ويقال على الواحد والجمع بلفظ واحد.

و"المَشْحُون": المملوء.
"فسَاهَمَ": قَارَعَ.
"من المُدْحَضِين": المغلوبين.
"فالتقمه": ابتلعه، وصَيَّره كاللقمة.
"مُليم"؛ أي: ما يلام عليه، وهذا أولى من قول مجاهد: مذنب.
"من المُسَبِّحين": قيل: من المُصَلِّين، وأولى منه القائلين: سبحانك إني كنت من الظالمين؛ لما روي من ذلك.
"فَنَبَذْنَاهُ": ألقيناه كالمنبوذ.
"بالعراء": الأرض العَرِيَّة عن النبات.
"شجرة من يقطين"؛ أي: من غير ذات أصل؛ من قَطَنَ بالمكان: إذا قام فيه إقامة زائل، وهي القَرْعَة، وسَمَّاها شجرة وإن كانت من جنس ما يقال عليه نجم ونبات؛ لأنها أظلته بأوراقها وسترته فروعها.
"أو يزيدون": قيل: للإبهام على السامع، وقيل: بمعنى الواو.


(12) باب ذكر داود وسليمان عليهما السلام

1563 - عن أبي هريرة، عن النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- قال: "خُفِّفَ على داود 1 القرآن، فكان يأمر بدَوَابه فَتُسْرَجُ، فيقرأ القرآن قبل أن تسرج دوابه، ولا يأكل إلا من عمل يده".

1564 - وعنه: عن النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- قال: "إن عِفْرِيتًا من الجِنِّ تَفَلَّتَ عليَّ البارحةَ؛ ليقطع عليَّ صلاتي، فامْكَنِني اللَّه منه فأخذته، فأردت أنْ أَرْبِطَه على سارية من سواري المسجد؛ حتى تنظروا إليه كلكم، فذكرتُ دعوةَ أخي سليمان: ﴿رَبِّ اغْفِرْ لِي وَهَبْ لِي مُلْكًا لَا يَنْبَغِي لِأَحَدٍ مِنْ بَعْدِي﴾ [ص: 35] فرددته خَاسِئًا".
1565 - وعنه: عن النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- قال: "قال سليمان بن داود: لأَطُوفَنَّ الليلةَ على تسعين 1 امرأةً، تحمل كل امرأة فارسًا، يجاهد في سبيل، فقال له صاحبه: قل 2: إن شاء اللَّه، فلم يفعل، فلم تحمل 3 شيئًا إلا واحدًا ساقطَ (4) أحد شِقَّيْهِ، فقال النبي -صلى اللَّه عليه وسلم-: لو قالها لجاهدوا في سبيل اللَّه".
1566 - وعنه: أنَّه سمع رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- يقول: "مَثَلِي ومَثَلُ الناس كمثل

رجل استوقد نارًا، فجعل الفَرَاشُ وهذه الدواب تقع في النار".
قال: "وكانت امرأتان معهما ابناهما، فجاء 1 الذئب، فذهب بابن إحداهما، فقالت صاحبتها: إنما ذهب بابنك، وقالت الأخرى: إنما ذهب بابنك، فتحاكمتا إلى داود، فقضى به للكبرى، فخرجتا على سليمان بن داود فأَخْبَرَتَاهُ، فقال: ائتوني بالسكين أشقُّه بينهما، فقالت الصغرى: لا تفعل، يرحمك اللَّه، هو ابنها، فقضى به للصغرى".
قال أبو هريرة: واللَّه إنْ سمعتُ بالسِّكِّين إلا يومئذ، وما كنا نقول إلا المُدْيَةَ.
الغريب: "القرآن" الأول بمعنى: القراءة، والثاني: يعني به: الزبور الذي قال اللَّه فيه: ﴿وَآتَيْنَا دَاوُودَ زَبُورًا﴾ [النساء: 163]، والزبر: هو الكتب، والزبور بمعنى: المزبور، وهو المكتوب.
ويعني "بالدواب": الخيل المعدة للجهاد، وعمل يد داود كان في الدروع؛ كما قال تعالى: ﴿وَعَلَّمْنَاهُ صَنْعَةَ لَبُوسٍ لَكُمْ﴾ [الأنبياء: 80]، وقال ﴿أَنِ اعْمَلْ سَابِغَاتٍ وَقَدِّرْ فِي السَّرْدِ﴾ [سبأ: 11].
و"العِفْرِيت": من الجن والإنس: المتمرد الشديد الشر، واختلاف داود وسليمان في الحكم يدلّ على تصويب المجتهدين.


(13) باب ذكر لُقْمَانَ وقوله: ﴿وَلَقَدْ آتَيْنَا لُقْمَانَ الْحِكْمَةَ﴾ [لقمان: 12]

1 - عن علقمة، عن ابن مسعود قال: لما نزلت: ﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ﴾ [الأنعام: 82] شق ذلك على المُسْلِمينَ، فقالوا: يا رسول اللَّه! وأيُّنَا لا يظلم نفسه؟ فقال: "إنما هو الشرك، ألم تسمعوا ما قال لقمان لابنه وهو يعظه: ﴿يَابُنَيَّ لَا تُشْرِكْ بِاللَّهِ إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ﴾ [لقمان: 13] ".

  • تنبيه: قال ابن المسيّب: كان لقمان أسود نُوبِيًّا، من سودان مصر ذا مَشَافِرَ، وكان خياطًا، وقيل: نجارًا.
    ابن عباس: كان راعيًا.
    و"الحكمة": النبوة.
    عن عكرمة: وقيل: هي الفهم عن اللَّه، والعمل على مقتضاه.
    وروي عن النبي -صلى اللَّه عليه وسلم-: أنَّ لقمان لم يكن نبيًّا ولكن عبدًا صمصامة، كثير التفكير، حسن اليقين، أحبَّ اللَّه فأحبَّهُ وخيّر في القوم بين الخلافة والحكمة، فقال: إن كان عزمًا فسمعًا وطاعةً، وإلا فأختار العافية، وأصل الظلم: وضع الشيء غير موضعه، وقد تقدم.

(14) باب ذكر زكريا ويحيى عليهما السلام، وقوله تعالى: ﴿يَازَكَرِيَّا إِنَّا نُبَشِّرُكَ بِغُلَامٍ اسْمُهُ يَحْيَى لَمْ نَجْعَلْ لَهُ مِنْ قَبْلُ سَمِيًّا﴾ [مريم: 7]

1568 - عن مالك بن صَعْصَعَة -في حديث الإسراء، وسيأتي إن شاء اللَّه- أنَّ النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- خَبَّرهم 1 عن ليلة أُسْرِيَ به: "ثمَّ صعد حتى أتى السماءَ الثانية فاستفتح، فقيل له: مَنْ هذا؟ 2 وذكره 3 - فلما خَلَصْتُ؛ فإذا بيحيى 4 وعيسى، وهما ابنا خالةٍ، قال: هذا يحيى وعيسى، فسَلِّمْ عليهما، فسلَّمْتُ فَرَدَّا، ثمَّ قالا: مرحبًا بالأخ الصالحِ والنبي الصالح".


(15) باب ذكر عيسى ومريم وآسِيَة وقوله: ﴿وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ مَرْيَمَ إِذِ انْتَبَذَتْ مِنْ أَهْلِهَا مَكَانًا شَرْقِيًّا﴾ [مريم: 16]

1569 - عن أبي هريرة قال: سمعت رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- يقول: "ما من 1 بني آدم مولودٌ إلا يَمَسُّه الشيطان حين يولد، فيستهِلُّ صارخًا من مس الشيطان (2) غير مريمَ وابنها".
ثمَّ يقول أبو هريرة: ﴿وَإِنِّي أُعِيذُهَا بِكَ وَذُرِّيَّتَهَا مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ﴾ [آل عمران: 36].
1570 - وعن عليٍّ قال: سمعت رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- يقول: "خيرُ نسائها

مريم ابنة عمران، وخير نسائها خديجة".
1 - وعن أبي موسى الأشعري قال: قال رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم-: "فَضْلُ عائشة على النساء كفضل الثَّرِيدِ على سائر الطعام، كَمُلَ من الرجال كثير، ولم يَكْمُل من النساء إلا مريم ابنة عمران، وآسيةُ امرأة فرعون".
2 - وعن أبي هريرة قال: سمعت رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- يقول: "نساء قريش خير نساءٍ ركبن الإبل؛ أَحْنَاهُ على طفلٍ، وأرعاه على زوج في ذات يده".
يقول أبو هريرة على إثر ذلك: ولم تركب مريم بنتُ عمران بعيرًا قط.
الغريب: الهاء في "نسائها" للدنيا، وهي وإن لم يجر لها ذكر لكنها يفسرها الحال والمشاهدة، ويعني بذلك: أنَّ كل واحدة منهما خير نساء عالمها في وقتها، واللَّه أعلم.
و"أحناه": أشفقه وأرحمه.
و"أرعاه": أحفظه.

      • = أَيُّهُمْ يَكْفُلُ مَرْيَمَ وَمَا كُنْتَ لَدَيْهِمْ إِذْ يَخْتَصِمُونَ}، من طريق النضر، عن هشام، عن أبيه، عن عبد اللَّه بن جعفر، عن عليّ، رقم (3432)، طرفه في (3815).

(16) باب في وصف عيسى عليه السلام والتحذير من الغُلُوِّ فيه وقوله تعالى: ﴿يَاأَهْلَ الْكِتَابِ لَا تَغْلُوا فِي دِينِكُمْ وَلَا تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ إِلَّا الْحَقَّ﴾.
. . إلى قوله: ﴿وَكِيلًا﴾ [النساء: 171]

1573 - عن عبادة بن الصَّامِتِ، عن النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- قال: "من شهد أنْ لا إله إلا اللَّه وحده لا شريك له، وأنَّ محمدًا عبده ورسوله، وأنَّ عيسى عبد اللَّه ورسوله، وكلمته ألقاها إلى مريم، وروح منه، والجنة حق، والنار حق، أدخله اللَّه الجنة على ما كان من العمل".
وفي رواية 1: "أدخله اللَّه من أبواب الجنة الثمانية أيّها شاء".
1574 - وعن عمر بن الخطاب أنَّه قال على المنبر: سمعت رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- (1) خ (2/ 487)، في الكتاب والباب السابقين، من طريق ابن جابر، عن عمير، عن جنادة، ذكره عقب حديث الأوزاعي، رقم (3435). 1573 - خ (2/ 487)، (60) كتاب أحاديث الأنبياء، (47) باب قوله: ﴿يَاأَهْلَ الْكِتَابِ لَا تَغْلُوا فِي دِينِكُمْ وَلَا تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ إِلَّا الْحَقَّ إِنَّمَا الْمَسِيحُ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ رَسُولُ اللَّهِ وَكَلِمَتُهُ أَلْقَاهَا إِلَى مَرْيَمَ وَرُوحٌ مِنْهُ فَآمِنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ وَلَا تَقُولُوا ثَلَاثَةٌ انْتَهُوا خَيْرًا لَكُمْ إِنَّمَا اللَّهُ إِلَهٌ وَاحِدٌ سُبْحَانَهُ أَنْ يَكُونَ لَهُ وَلَدٌ لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَكَفَى بِاللَّهِ وَكِيلًا﴾، من طريق الأوزاعي، عن عُمير بن هانئ، عن جنادة ابن أبي أمية، عن عبادة به، رقم (3435). 1574 - خ (2/ 489 - 490)، (60) كتاب أحاديث الأنبياء، (48) باب قول اللَّه: ﴿وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ مَرْيَمَ إِذِ انْتَبَذَتْ مِنْ أَهْلِهَا﴾، من طريق سفيان، عن الزهري، عن عبيد اللَّه ابن عبد اللَّه، عن ابن عباس، عن عمر به، رقم (3445).

يقول: "لا تُطْرُونِي كما أطرت النصارى ابن مريم؛ فإنما أنا عبد، فقولوا: عبد اللَّه ورسوله".
1575 - وعن أبي هريرة قال: قال رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم-: "أنا أَوْلَى الناس بعيسى ابن مريم في الدنيا والآخرة، والأنبياء إخوةٌ لعِلَّات (1)، أُمَّهَاتُهم شتى، ودينهم واحد".
وفي رواية (2): "ليس بيني وبينه نبي".
1576 - وفي حديث الإسراء من حديث أبي هريرة: أنَّه عليه السلام لقي عيسى فنعته؛ فقال: "رَبْعَة أحمر، كأنما خرج من دِيمَاس"؛ يعني: الحَمَّام.
1577 - ومن حديث ابن عمر: قال عليه السلام: "وأَرَاني الليلة عند

الكعبة في المنام؛ فإذا رَجُل آدمُ 1 كأحسن ما يُرى من أُدْمِ الرجال، تضرب لَمَّتُه 2 بين منكبيه، رَجِلُ 3 الشعر يَقْطُر رأسه ماءً، واضعًا يديه على مَنْكِبَيْ رجلين وهو يطوف بالبيت".
1578 - وعن ابن عباس قال: قال رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم-: "تُحْشَرُون حفاة غُرْلًا، ثمَّ قرأ: ﴿كَمَا بَدَأْنَا أَوَّلَ خَلْقٍ نُعِيدُهُ وَعْدًا عَلَيْنَا إِنَّا كُنَّا فَاعِلِينَ﴾ [الأنبياء: 104]، فأول من يُكْسَى إبراهيم، ثمَّ يؤخذ برجال من أصحابي ذات اليمين وذات الشمال، فأقول: أصحابي! فيقال: إنهم لم يزالوا مرتدين على أعقابهم منذ فَارَقْتَهُمْ، فأقول كما قال العبد الصالح عيسى ابن مريم: ﴿وَكُنْتُ عَلَيْهِمْ شَهِيدًا مَا دُمْتُ فِيهِمْ فَلَمَّا تَوَفَّيْتَنِي كُنْتَ أَنْتَ الرَّقِيبَ عَلَيْهِمْ وَأَنْتَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ (117) إِنْ تُعَذِّبْهُمْ فَإِنَّهُمْ عِبَادُكَ وَإِنْ تَغْفِرْ لَهُمْ فَإِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾ [المائدة: 117 - 118] ". قال قبيصة: هم المرتدون الذين ارتدوا على عهد أبي بكر فقاتلهم أبو بكر (4).

1 - وعن أبي هريرة قال: قال رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم-: "والذي نفسي بيده لَيُوشِكَنَّ أنْ ينزل فيكم ابنُ مريم حكمًا عدلًا، فيكسر الصليب، ويقتل الخنزير، ويضع الحرب، ويفيض المال حتى لا يقبله أحد، حتى تكون السجدة الواحدة خيرًا من الدنيا وما فيها"، ثمَّ يقول أبو هريرة: واقرؤوا إن شئتم: ﴿وَإِنْ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ إِلَّا لَيُؤْمِنَنَّ بِهِ قَبْلَ مَوْتِهِ وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يَكُونُ عَلَيْهِمْ شَهِيدًا﴾ [النساء: 159]. 2 - وعنه قال: قال رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم-: "كيف أنتم إذا نزل ابنُ مريم فيكم، وإمَامُكم منكم".
الغريب: "لَيُوشِكَنَّ"؛ أي: لابد من ذلك سريعًا.
و"يضع الجزية": قيل: يضربها على من لم يؤمن، وقيل: لا يأخذها لعدم احتياج الناس إليها؛ لما تخرج الأرض من زكاتها، ولما تلقيه من بطنها من الأموال، وإلى هذا أشار بقوله: "ويفيض المال" كما قد جاء مُفَسَّرًا في غير هذا الحديث.
﴿وَإِنْ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ﴾ (إِنْ) بمعنى: ما؛ أي: لا يبقى أحد من النصارى واليهود إلا آمن بعيسى عند نزوله، وقتله الخنزير ووضعه الجزية، هذا أحسن ما قيل فيه.

و"إمامكم منكم"؛ أي: رجل منكم؛ أي: لا يتأمَّر عليكم ولا يؤمكم، كما قد جاء في "مُسْلِم" أنَّه يقال له: "تعالَ صَلِّ لنا، فيقول: لا، إن بعضكم على بعض أمراء؛ تَكْرِمَةَ اللَّه هذه الأُمَّة".


(17) باب في قوله تعالى في عيسى: ﴿وَيُكَلِّمُ النَّاسَ فِي الْمَهْدِ وَكَهْلًا﴾ [آل عمران: 46]

1581 - عن أبي هريرة: عن النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- قال: "لم يَتَكَلَّمْ في المَهْدِ إلا ثلاثةٌ: عيسى؛ وكان في بني إسرائيل رجل يقال له: جُرَيْج يصلي، جاءته أُمُّه فدعته، فقال: أجيبها أو أصلي؟ فقالت 1: اللهم لا تُمِتْهُ حتى تُرِيَهُ وجوه المُومِسَات، وكان جريج في صومعته، فتَعَرَّضت له امرأة، فكلمته 2 فأبى، فأتت راعيًا، فأمكنته من نفسها، فولدت غلامًا، فقيل لها: ممن؟ فقالت: من جُرَيج، فأَتَوْهُ فكسروا صومعته، وأنزلوه وسَبُّوه، وتوضأ وصلَّى، ثمَّ أتى الغلام، فقال: من أبوك يا غلام؟ فقال: الراعي، قالوا: نبني صومعتك من ذهب، قال: لا، إلا من طين، وكانت امرأة ترضع ابنًا

لها من بني إسرائيل، فمر بها رجل راكب ذو شارة، فقالت: اللهم اجعل ابني مثله، فترك ثديها، وأقبل على الراكب، فقال: اللهم لا تجعلني مثله، ثمَّ أقبل على ثديها يمصه -قال أبو هريرة: كأني انظر إلى النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- يمصُّ إِصْبَعَه- ثمَّ مُرَّ بأَمَةٍ، فقالت (1): اللهم لا تجعل ابني مثل هذه، فترك ثديها، فقال: اللهم اجعلني مثلها، فقالت: لم ذلك (2)؟ فقال: الراكب جبار من الجبابرة، وهذه الأَمَةُ يقال لها: سرقت زنيت، ولم تفعل".
الغريب: "المُومِسَاتُ": جمع مومسة، وهي الزانية.
و"الشارة": الهيئة الحَسَنَة التي يتعجب منها ويشار إليها.


(18)

قول اللَّه -عز وجل-: ﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثَى﴾ [الحجرات: 13] وما يُنْهَى عنه من دعوى (3) الجاهلية

1582 - ابن عباس: ﴿وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ﴾ [الحجرات: 13] قال:123

الشعوب: القبائل العظام، والقبائل: البطون.
وقال البخاري: الشعوب: النَّسَب البعيد، والقبائل: دون ذلك.
1583 - وعن كُلَيْب بن وائل قال: حدثتني رَبِيتَةُ النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- زينب بنت أبي سلمة، قال: قلت لها: أرأيت النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- أكان من مُضَرَ؟ قالت: فممن كان إلا من مُضَرَ من ولد كِنَانة 1؟ . 1584 - وعن أبي هريرة: أنَّ النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- قال: "الناس تَبَعٌ لقريش في هذا الشأن، مسلمهم لمسلمهم 2، وكافرهم تبع لكافرهم.
. ." الحديثَ، وقد تقدم في العلم.
1585 - وعن ابن عباس: ﴿إِلَّا الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبَى﴾: أقرباء محمَّد -صلى اللَّه عليه وسلم-، وقال 3: إن النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- لم يكن بطنٌ من قريش إلَّا وله فيه قرابة، فنزلت فيه (4): إلا أنْ تَصِلُوا قرابةً بيني وبينكم.

1586 - وعن أبي ذر: أنَّه سمع النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- يقول: "ليس مِنْ رَجُلٍ ادّعى لغير أبيه وهو يعلمه إلا كفر 1، ومن ادَّعى قومًا ليس لهم فيهم نسب 2، فليتبوأ مقعده من النار".
1587 - وعن واثلة بن الأَسْقَعِ قال: قال رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم-: "إنَّ من أعظم الفِرَى أن يَدَّعِيَ الرجل إلى غير أبيه، أو يُرِيَ عينَهُ ما لم تَرَ (3)، أو يقولَ على رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- ما لم يَقُلْ".
1588 - وعن أبي هريرة قال: سمعت رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- يقول: "الفَخْرُ والخُيَلَاء في الفَدَّادِين أهل الوَبَر، والسكينة في أهل الغنم، والإيمان يَمَانٍ والحكمة يمانية".

قال البخاري: سميت اليمن؛ لأنها عن يمين الكعبة، والشام لأنها عن يسار الكعبة.
و"المَشْأَمَة": الميسرة، واليد اليسرى الشُّؤْمَى، والجانب الأيسر الأشأم.
الغريب: "الخُيَلَاء": التبختر والتكبر.
و"الفدّاد": المتكبر، وأصل الفديد الصوت.
و"أهل الوبر": أهل الإبل.
و"السكينة": السكون وانكسار النفس، وهو خبر عن الغالب من أحوال المذكورين.


(19) باب في مناقب قريش والأنصار وجُهَيْنَة ومُزَيْنَة

1589 - عن الزهري قال: كان 1 جُبَيْر بن مُطْعِم يحدث: أنَّه بلغ معاوية وهو عنده في وفد من قريش: أنَّ عبد اللَّه بن عمرو بن العاص يحدث: أنّه سيكون مَلِكٌ من قَحْطَانَ، فغضب معاوية، فقام: فأثنى على اللَّه بما هو أهله، ثمَّ قال: أما بعد، فإنَّه بلغني أن رجالًا منكم يتحدثون أحاديث ليست في كتاب اللَّه تعالى 2، ولا تُؤْثَرُ عن رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم-، فأولئك جهالكم، فإياكم

والأماني التي تُضِلُّ أهلها؛ فإني سمعت رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- يقول: "إن هذا الأمر في قريش لا يُعادِيهم أحدٌ إلا كَبَّهُ اللَّه على وجهه، ما أقاموا الدِّين".

  • تنبيه: قلت: هذا الذي أنكره معاوية على عبد اللَّه بن عمرو قد صح من حديث غيره على ما رواه البخاري (1) من حديث أبي هريرة، عن النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- قال: "لا تقوم الساعة حتى يخرج رَجُلٌ من قَحْطَانَ يسوق الناس بعَصَاهُ"، ولا تناقض بين الحديثين؛ لأنَّ خروج هذا القحطاني إنما يكون إذا لم تُقِمْ قريشُ الدين، فيدال عليهم في آخر الزمان، ولعله هو الملك الذي يخرج عليه الدجال، واللَّه أعلم.
    1590 - وعن ابن عمر: عن النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- قال: "لا يزال هذا الأمر في قريش ما بقي منهم اثنان".
    1591 - وعن أبي هريرة قال: قال رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم-: "قريش والأنصار وجهينة ومزينة وأَسْلم وأشجع وغِفَار مَوَالِيَّ، ليس لهم مولًى دون اللَّه ورسوله".
    • (1) خ (2/ 508)، (61) كتاب المناقب، (7) باب ذكر قحطان، من طريق سليمان ابن بلال، عن ثور بن زيد، عن أبي الغيث، عن أبي هريرة به، رقم (3517)، طرفه في (7117). 1590 - خ (2/ 504)، (61) كتاب المناقب، (2) باب مناقب قريش، من طريق عاصم ابن محمَّد، عن أبيه، عن ابن عمر به، رقم (3501). 1591 - خ (2/ 504 - 505)، في الكتاب والباب السابقين، من طريق عبد الرحمن ابن هرمز الأعرج، عن أبي هريرة به، رقم (3504)، طرفه في (3512).

(20) باب مناقب أَسْلَمَ وغِفَارَ

1592 - عن عبد اللَّه -هو ابن عمر-: أنَّ رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- قال وهو على المنبر: "غِفَارُ غفر اللَّه لها، وأَسْلَم سَالَمَهَا اللَّه، وعُصَيَّةُ عَصَتِ اللَّهَ ورسولَهُ".
1593 - وعن أبي بَكْرَةَ: أنَّ الأَقْرَعَ بن حَابِس قال للنبي -صلى اللَّه عليه وسلم-: إنما بايعك سُرَّاق 1 الحجيج من أسلم وغِفَار ومُزَيْنة -وأحسبه: جُهَيْنَة- قال النبي -صلى اللَّه عليه وسلم-: "أرأيت إن كان أسلمُ وغفار ومُزينة -وأحسبه: جهينة- خيرًا من بني تميم ويني عامر وأسد وغَطَفَان خَابُوا وخسروا؟ " قال: نعم، قال (2): "والذي نفسي بيده إنهم لأخيرُ منهم".
1594 - وفي طريق أخرى: قال رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم-: "أَسْلَمَ وغِفَارُ وشيء من مزينة وجُهَيْنَة -أو قال: شيء من جُهينة أو مُزينة- خير عند اللَّه -أو قال:

يوم القيامة- من أسد وتميم، وهوازن، وغطفان".


(21) باب كيف كان ابتداء أمر رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- بمكة وظهوره

1595 - عن أبي جَمْرَة قال: قال لنا ابن عباس: ألا أخبركم بإسلام أبي ذر؟ قال: قلنا: بلى، قال: قال أبو ذر: كنت رجلًا من غِفَارَ، فبلغنا: أنَّ رجُلًا قد خرج بمكة يزعم: أنَّه نَبِيٌّ، فقلت لأخي: انطلق إلى هذا الرجل كلمه، وائْتِني بخبره، فانْطَلَقَ فلقيه، ثمَّ رجع، فقلت: ما عندك؟ فقال: واللَّه لقد رأيت رجلًا يأمر بالخير، وينهى عن الشر، فقلت له: لم تشفني من الخبر، فأخذت جِرابًا وعصا، ثمَّ أقبلت إلى مكة، فجعلت لا أعرفه، وأكره أن أسأل عنه، وأشرب من ماء زمزم، وأكون في المسجد، قال: فمر بي علي بن أبي طالب 1، فقال: كأنَّ الرجل غريب؟ قال: قلت: نعم، قال: فانْطَلِقْ إلى المنزل، قال: فانطلقت معه لا يسألني عن شيء ولا أخبره، فلما أصبحت غَدَوْتُ إلى المسجد لأسأل عنه، فليس أحد يخبرني عنه بشيء، قال: فمرّ بي عليٌّ، فقال: أما نَاءَ 2 للرجل أن يعرف منزله بعد؟ قال: قلت:

جارٍ التحميل