فأخبرتها فلما جاء النبي -صلى اللَّه عليه وسلم-، أخبرته عائشة بمجيء فاطمة، فجاء النعي -صلى اللَّه عليه وسلم- إلينا وقد أَخَذْنَا مضاجعنا، فذهبت لأقوم، فقال: "على مكانكما"، فقعد بيننا حتى وجدت برد قدميه على صدري، وقال: "ألا أعلّمكما خيرًا مما سألتماني؟ إذا أخذتما مضاجعكما، فكبّرا أربعًا وثلاثين، وسبِّحا ثلاثًا وثلاثين، وتحمدا ثلاثًا وثلاثين، فهو خير لكما من خادم".
1724 - وعن المِسْوَرِ بن مَخْرَمَة: أن رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- قال: "فاطمة بَضْعَةٌ مني، فمن أغضبها أغضبني".
وقد تقدم بشارة النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- بأنها أول أهل بيته لُحُوقًا به.
(59) باب مناقب عائشة أم المؤمنين -رضي اللَّه عنها-
1725 - عن أبي سلمة: أنَّ عائشة قالت: قال رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- يومًا: "يا عائشة 1! هذا جبريل يقرئك السلام"، فقلت: عليه السلام ورحمة اللَّه (1) في "صحيح البخاري: "يا عائش".
1724 - خ (3/ 35)، (62) كتاب فضائل الصحابة، (29) باب مناقب فاطمة عليها السلام، من طريق ابن عيينة، عن عمرو بن دينار، عن ابن أبي مليكة، عن المسور بن مخرمة به، رقم (3767).
1725 - خ (3/ 35)، (62) كتاب فضائل الصحابة، (30) باب فضل عائشة -رضي اللَّه عنها-، من طريق الليث، عن يونس، عن ابن شهاب، عن أبي سلمة، عن عائشة به، رقم (3768).
وبركاته، ترى ما لا نرى؛ تريد: رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم-.
1726 - وعن أبي موسى الأشعري: قال رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم-: "كَمُلَ من الرجال كثير، ولم يَكْمُل من النساء إلا مريم ابنة (1) عمران، وآسيةُ امرأة فرعون، وفضل عائشة على النساء كفَضْلِ الثَّرِيد على سائر الطعام".
1727 - وعن القاسم بن محمد: أن عائشة اشتكت، فجاء ابن عباس فقال: يا أم المؤمنين، تَقْدَمِين على فَرَطِ صِدْقٍ 2، على 3 رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم-، وعلى أبي بكر.
1728 - وعن أبي وائل قال: لما بعث عليٌّ عمّارًا والحسن إلى الكوفة ليستنفرهم (4)، خَطَبَ عمارُ فقال: إني لأعلم أنها زوجته في الدنيا والآخرة، ولكن ابتلاكم لتتبعوه أم إياها.
1729 - وعنه (1) قال: كان الناس يَتَحَرَّون بهداياهم يوم عائشة، قالت عائشة (2): فاجتمع صواحبي إلى أم سلمة، فقالوا (3): يا أم سلمة! واللَّه إن الناس يتحرون بهداياهم يوم عائشة، وإنَّا نريد الخير كما تريده عائشة، فمري رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- أن يأمر الناس أن يهدوا إليه حيثما كان أو حيثما دار، قالت: فذكرَتْ ذلك أم سلمة للنبي -صلى اللَّه عليه وسلم-، قالت: فأعرض عني، فلما عاد إليَّ ذكرت له ذلك فأعرض عني، فلما كان في الثالثة، ذكرت له ذلك، فقال: "يا أم سلمة! لا تؤذيني في عائشة؛ فإنه واللَّه ما نزل عليَّ الوحي وأنا في لحاف امرأة منكن غيرها".
وقد تقدم قوله: "إنها أحب الناس إليه".
(60) باب مناقب الأنصار وإخائهم للمهاجرين، وقوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ تَبَوَّءُوا الدَّارَ وَالْإِيمَانَ﴾ الآية [الحشر: 9]
1730 - وعن غيلان بن جرير قال: قلت لأنس: أرأيت اسم الأنصار12
كنتم تُسَمَّوْنَ به أَمْ سمَّاكم اللَّه؟ قال: بل سَمَّانا اللَّه عز وجل 1، كنا ندخل على أنس فيحدثنا بمناقب الأنصار ومشاهدهم، ويقبل على أو على رجل من الأَزْد فيقول: فعل قومك يوم كذا وكذا وكذا وكذا 2.
1731 - وعن عائشة قالت: كان يوم بُعَاث يومًا قَدَّمَهُ اللَّه لرسوله، فَقَدِمَ رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- وقد افترق مَلَؤُهم، وقُتِلَتْ سَرَوَاتهم (3)، وجُرِحُوا فقدمه لرسوله -صلى اللَّه عليه وسلم- في دخلوهم في الإسلام.
"بُعَاث": موضع على ميلين من المدينة.
1732 - وعن أنس قال: قالت الأنصار يوم فتح مكة -وأعطى قريشًا- واللَّه إن هذا لَهُوَ العجب، إن سيوفنا تقطر من دماء قريش، وغنائمنا تُرَدُّ عليهم، فبلغ ذلك النبي -صلى اللَّه عليه وسلم-، فدعا الأنصار فقال: "ما الذي بلغني عنكم؟ " -وكانوا لا يكذبون- فقالوا: هو الذي بلغك، قال: "أو لا ترضون أن يرجع
الناس بالغنائم إلى بيوتهم، وترجعون برسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- إلى بيوتكم؟ لو سلكت الأنصار واديًا أو شِعْبًا، لسلكتُ وادي الأنصار أو شِعْبَهم".
1733 - وزاد من حديث أبي هريرة: "ولولا الهجرة لكنتُ امرءًا من الأنصار".
1734 - وعن أنس قال: قَدِمَ علينا عبد الرحمن بن عوف وآخى النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- بينه وبين سعد بن الربيع -وكان كثير المال- فقال سعد: علمت الأنصار أني من أكثرها مالًا سأقسم مالي بينك وبيني (1) شَطْرَيْن، ولي امرأتان فانظر أعجبهما إليك، فأطلقها حتى إذا حَلَّتْ تزوجتَها، فقال عبد الرحمن: بارك اللَّه لك في أهلك ومالك، فلم يرجع يومئذ حتى أَفْضَلَ شيئًا من سمن وأقط، فلم يلبث إلا يسيرًا، حتى جاء رسولَ اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- وعليه وَضَر من صُفْرة، فقال له رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم-: "مَهْيَمْ" قال: تزوجتُ امرأة من الأنصار، فقال: "ما سُقْتَ إليها؟ " قال: وزن نواة من ذهب -أو نواة من ذهب- فقال: "أَوْلِمْ ولو بِشَاةٍ".
-
- * (1) في "صحيح البخاري": "بيني وبينك".
1733 - خ (3/ 38)، (63) كتاب مناقب الأنصار، (2) باب قول النبي -صلى اللَّه عليه وسلم-: "لولا الهجرة لكنت امرءًا من الأنصار"، من طريق غندر، عن محمد بن زياد، عن أبي هريرة به، رقم (3779)، طرفه في (7244). 1734 - خ (3/ 38)، (63) كتاب مناقب الأنصار، (3) باب إخاء النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- بين المهاجرين والأنصار، من طريق إسماعيل بن جعفر، عن حُميد، عن أنس به، رقم (3781).
- * (1) في "صحيح البخاري": "بيني وبينك".
(61) باب وجوب حب الأنصار وأتباعهم منهم
1735 - عن البراء: سمعت النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- أو قال: قال النبي -صلى اللَّه عليه وسلم-: "الأنصار لا يحبهم إلا مؤمن، ولا يُبْغِضهم إلا منافق، فمن أحبهم أحبه اللَّه، ومن أبغضهم أبغضه اللَّه".
1736 - وعن أنس بن مالك عن النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- قال: "آية الإيمان حب الأنصار 1، وآية النفاق بُغْض الأنصار".
1737 - وعنه قال: جاءت امرأة من الأنصار إلى رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- ومعها صبي لها، فكلمها رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- فقال: "والذي نفسي بيده إنكم لمن (2) أحب الناس إليَّ" مرتين.
1738 - وعن زيد بن أرقم: قالت الأنصار: يا رسول اللَّه! لكل نبي أتباع، وإنا قد اتَّبَعْنَاك، فادع اللَّه أن يجعل أتباعنا مِنَّا، فدعا به.
وفي رواية (1): "اللهم اجعل أتباعهم منهم".
(62) باب خير دور الأنصار
1739 - عن أنس بن مالك، عن أبي أُسَيْد قال: قال النبي -صلى اللَّه عليه وسلم-: "خير دور الأنصار بنو النجار، ثم بنو عبد الأَشْهَلِ، ثم بنو الحارث بن الخَزْرَج، ثم بنو ساعدة، وفي كل دُورِ الأنصار خير"، فقال سعد: ما أَرَى النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- إلا وقد (2) فَضَّل علينا، فقيل: قد فَضَّلكم على كثير.1
1740 - وعن أبي حُمَيْدٍ، عن النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- قال: "إنَّ خير دور الأنصار دار بني النجار، ثم عبد الأشهل، ثم دار بني الحارث، ثم بني ساعدة، وفي دور الأنصار خيرٌ"، فلحقنا سعد بن عُبَادة، فقال: أبا أُسَيْد! ألم تَرَ أنَّ رسول اللَّه (1) -صلى اللَّه عليه وسلم- خيَّر الأنصار، فجعلنا أخيرًا؟ قال: أوليس بِحَسْبِكُم أن تكونوا من الخيار؟
(63) باب وصية النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- للأنصار، والوصية بهم، والدعاء لهم
1741 - وعن أنس بن مالك قال: قال النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- للأنصار: "إنكم سَتَلْقَوْنَ بعدي أثَرَة، فاصبروا حتى تلقوني، وموعدكم الحوض".
1742 - وفي رواية: أنَّ رجلًا من الأنصار قال: يا رسول اللَّه! ألا تستعملني كما استعملت فلانًا؟ ، قال: "ستلقون بعدي أثَرةً، 1 في "صحيح البخاري": "نبي اللَّه".
1740 - خ (3/ 45)، في الكتاب والباب السابقين، من طريق عمرو بن يحيى، عن عباس بن سهل، عن أبي حميد به، رقم (3791).
1741 - خ (3/ 41)، (63) كتاب مناقب الأنصار، (8) باب قول النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- للأنصار: "اصبروا حتى تلقوني على الحوض"، من طريق شعبة، عن هشام، عن أنس ابن مالك به، رقم (3793).
1742 - خ (3/ 41)، في الكتاب والباب السابقين، من طريق شعبة، عن قتادة، عن أنس بن مالك، عن أسيد بن حضير به، رقم (3792).
فاصبروا حتى تلقوني على الحوض".
1743 - وعنه قال: دعا النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- الأنصار إلى أن يُقْطِعَ لهم البحرين، فقالوا: لا، إلا أن تُقْطِعَ لإخواننا من المهاجرين مثلها، قال: "إمَّا لا، فاصبروا حتى تلقوني، فإنكم (1) ستصيبكم أثَرَةٌ بعدي".
1744 - وعنه قال: كانت الأنصار يوم الخندق تقول:
نَحْنُ الذِينَ بايعوا محمدَا ... على الجهاد ما بَقِينَا أَبَدَ
فأجابهم:
اللهم لا عَيْشَ إلا عَيْشُ الآخِرَه ... فأكرم الأنصار والمهاجره
1745 - وعن سهل بن سعد قال: جاءنا رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- ونحن نحفر الخندق وننقل التراب على اكْتَادِنَا (2)، فقال رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم-:
اللهم لا عَيْشَ إلا عَيْشُ الآخرة ... فاغفر للمهاجرين والأنصار
1746 - وعن أنس بن مالك قال: مرَّ أبو بكر والعباس بمجلس من مجالس الأنصار وهم يبكون، فقال: ما يبكيكم؟ قالوا: ذكرنا مجلس النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- منا، فدخَلَ على النبي -صلى اللَّه عليه وسلم-، فأخبره بذلك، فخرج النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- وقد عصب على رأسه بحاشية 1 بُرْدٍ، قال: فصعد المنبر -ولم يصعده بعد ذلك اليوم- فحمد اللَّه وأثنى عليه، ثم قال: "أوصيكم بالأنصار؛ فإنهم كَرِشي وعَيَبتي، وقد قَضَوْا الذي عليهم، وبقي الذي لهم، فاقبلوا من محسنهم وتجاوزا عن مسيئهم".
1747 - وعن ابن عباس قال: خرج رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- وعليه ملحفة مُتَعَطِّفًا 2 بها على منكبيه، وعليه عمامة دَسْمَاء (3)، حتى جلس على المنبر، فحمد اللَّه وأثنى عليه، ثم قال: "أما بعد، أيها الناس! فإن الناس يَكْثُرُونَ، وتقل الأنصار،
حتى يكونوا كالملح في الطعام، فمن ولي منكم أمرًا يَضُرُّ فيه أحدًا أو ينفعه، فليقبل من محسنهم، ويتجاوز عن مسيئهم".
قوله: "كَرِشي وعيبتي"؛ أي: جماعتي الخاصة بي وموضع سِرِّي.
والكَرِش الجماعة من الناس، قاله عِيَاض.
(64) باب في قوله تعالى: ﴿وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ﴾ [الحشر: 9]
1748 - وعن أبي هُريرة: أنَّ رجلًا أتى النبي -صلى اللَّه عليه وسلم-، فبعث إلى نسائه، فقلن: ما عندنا إلا الماء، فقال النبي -صلى اللَّه عليه وسلم-: "من يَضُمُّ -أو يضيف- هذا؟ "، فقال رجل من الأنصار: أنا، فانطلق به إلى امرأته، فقال: أكرمي ضيف رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم-، فقالت: ما عندي إلا قوتُ صبياني، فقال: هَيِّئي طعامك، وأَصْبِحِي سراجك، ونَوِّمي صبيانك إذا أرادوا عَشَاءً، فَهَيَّأت طعامها، وأصبحت سِرَاجها، ونوَّمت صبيانها، ثم قامت كأنها تصلِح سراجها فأطفأته، فجعلا يُريانه أنهما يأكلان فباتا طَاوِيين، فلما أصبح غدا إلى رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم-، فقال: "ضحك اللَّه الليلة -أو عَجِبَ- من أفعالكما" 1، فأنزل اللَّه ﴿وَيُؤْثِرُونَ
عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ}.
(65) باب مناقب سعد بن معاذ -رضي اللَّه عنه-
1749 - عن البراء قال: أهديت لرسول اللَّه 1 -صلى اللَّه عليه وسلم- حُلَّةُ حرير، فجعل أصحابه يلمسونها (2)، ويعجبون من لينها، فقال: "أتعجبون من لين هذه؟ ! لمناديل سعد بن معاذ خير منها أو أَلْيَن".
1750 - وعن جابر سمعت رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- يقول: "اهتز العرش لموت سعد بن معاذ"، فقال رجل لجابر: فإن البراء يقول: اهتز السرير؟ فقال: إنه كان بين هذين الحَيَّيْنِ ضغائن، سمعت النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- يقول: "اهتز عرش الرحمن لموت سعد بن معاذ".
1751 - وعن أبي سعيد الخدري: أن ناسًا نزلوا على حكم سعد بن
معاذ، فأرسل إليه، فجاء على حمار، فلما بلغ قريبًا من المسجد، قال النبي -صلى اللَّه عليه وسلم-: "قوموا إلى خيركم أو سيدكم (1) -قال- سعد (2)، إن هؤلاء نزلوا على حكمك"، قال: فإني أحكم فيهم أن تُقْتَل مقاتلِتُهم، وتُسْبَى ذراريهم، قال: "حكمت بحكم اللَّه، أو بحكم الملك".
(66) باب مناقب أُسَيْد بن حُضَيْر، وعباد بن بشر، وأُبَيّ بن كعب، وزيد بن ثابت
1752 - عن أنس: أنَّ رجلين خرجا من عند النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- في ليلة مظلمة؛ فإذا نوُرٌ بين أيديهما حتى تفرقا، فتفرق النور معهما؛ يعني: أُسَيْدًا وعبادًا (3). 1753 - وعن أنس بن مالك قال: قال النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- لأُبَيّ: "إن اللَّه أمرني أن أقرأ عليك: ﴿لَمْ يَكُنِ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ﴾ [البينة: 1] " قال: وسماني؟ ! قال: "نعم"، فبكى.12
وفي رواية (1): أن نبي الا للَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- قال لأُبي بن كعب: "إن اللَّه أمرني أن أقرئك القرآن"، قال: آللَّه سمّاني لك؟ ! قال "نعم"، قال: وقد ذكرت عند رب العالمين؟ ! قال "نعم"، فذرفت عيناه.
1754 - وعنه: جمع القرآن (2) على عهد رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- أربعة كلهم من الأنصار: أُبي ومعاذ بن جبل وأبو زيد، وزيد (3)، قال قتادة (4): قلت لأنس: من أبو زيد؟ قال: أحد عمومتي.
(67) باب مناقب أبي طلحة -رضي اللَّه عنه-
1755 - عن أنس قال: لما كان يوم أُحُد انهزم الناس عن النبي -صلى اللَّه عليه وسلم-123
وأبو طلحة بين يدي النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- مُجَوِّبٌ عليه بِجَحَفَةٍ له (1)، وكان أبو طلحة رجلًا راميًا شديد القِدِّ (2)، يَكْسِرُ يومئذ قوسين أو ثلاثة، وكان الرجل يمرُّ ومعه (3) الجعْبَة من النَّبْلِ فيقول: "انثرها لأبي طلحة"، فأشرف النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- ينظر إلى القوم، فيقول أبو طلحة: بأبي (4) أنت وأمي لا تُشْرِف يصيبك سهم من سهام القوم، نَحْرِي دون نحرك، ولقد رأيت عائشة بنت أبي بكر وأُم سُلَيْم وإنهما لمُشَمِّرَتان أرى خَدَم سوقهما، تُنْقُزَانِ القِرَبَ على متونهما، تفرغانه في أفواه القوم، ولقد وقع السيف من يدي أبي طلحة إما مرتين أو ثلاثًا.
"تنقزان": تسرعان بالقِرَبِ.
(68) باب مناقب عبد اللَّه بن سَلامٍ -رضي اللَّه عنه-
1756 - عن سعد بن أبي وقاص قال: ما سمعت النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- يقول لأحدٍ1234
يمشي على الأرض: "إنه من أهل الجنة" إلا عبد اللَّه بن سلام، قال: وفيه نزلت هذه الآية ﴿وَشَهِدَ شَاهِدٌ مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ عَلَى مِثْلِهِ﴾ الآية [الأحقاف: 10].
1757 - وعن محمد عن قيس بن عباد 1 قال: كنت جالسًا في مسجد المدينة، فدخل رجل على وجهه أثر الخشوع، فقالوا: هذا رجل من أهل الجنة، فصلى ركعتين تجوَّز فيهما، ثم خرج وتبعته، فقلتُ: إنك حين دخلتَ المسجد، قالوا: هذا رجل من أهل الجنة، قال: واللَّه ما ينبغي لأحد أَنْ يقول ما لا يعلم، فسأحدثك 2 لمَ ذلك 3: رأيت رؤيا على عهد النبي -صلى اللَّه عليه وسلم-، فقصصتها عليه، ورأيت كأني في روضة -ذكر من سعتها وخضرتها- وسطها عمود من حديد أسفله في الأرض وأعلاه في السماء، في أعلاه عُروةٌ، فقيل لي: ارْقَهْ، فقلت: لا أستطيع، فأتاني مِنْصَفٌ 4، فرفع ثيابي من خلفي، فرقيت حتى كنت في أعلاها، فأخذت بالعروة 5، فقيل لي: استمسك، فاستيقظت وإنها لفي يدي، فقصصتها على النبي -صلى اللَّه عليه وسلم-، فقال: "تلك الروضة: الإسلام، وذلك العمود عمود الإسلام، وتلك العروة
الوثقى (1)، فأنت على الإسلام حتى تموت"، وذلك الرجل عبد اللَّه بن سلام.
1758 - وعن أبي موسى قال: أتيت المدينة (2)، فلقيت عبد اللَّه بن سَلَام، فقال: ألا تجيء فأطعمك سَوِيقًا وتمرًا وتدخل في بيت؟ ثم قال: إنك في أرض الرِّبَا بها فاشٍ، إذا كان لك على رجل حق، فَأَهْدَى إليك حِمْل تبن أو شعير (3)، أو حِمْلَ قَتٍّ فلا تأخذه فإنه رِبًا.
(69) باب مناقب خديجة بنت خويلد وتزوج النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- إياها
1759 - عن علي بن أبي طالب: عن النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- قال: "خير نسائها مريم، وخير نسائها خديجة".12
1760 - وعن عائشة قالت: ما غِرْتُ على امرأة للنبي -صلى اللَّه عليه وسلم- ما غِرت على خديجة، هلكت قبل أنْ يتزوجني.
في رواية 1: بثلاثِ سنين، لما كنت أسمعه يذكرها.
في رواية 2: فربما قلت له: كانه لم تكن في الدنيا امرأة إلا خديجة؟ فيقول: "إنها كانت وكانت وكان لي منها ولد"، وأمره اللَّه أنْ يُبَشِّرَهَا ببَيْتٍ من قَصَبٍ، وإن كان ليذبح الشاة.
في رواية 3: ثم يقطعها أعضاء، ثم يبعثها في صدائق خديجة.
وفي لفظ آخر 4: فيهدي في خلائلها منها ما يسعهن.
1761 - وعن عبد اللَّه بن أبي أَوْفَى: بَشَّرَ النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- خديجةَ ببيت في الجنة من قَصَب (5)، لا صَخَبَ فيه ولا نصَب.
1762 - وعن أبي هريرة قال: أتى جبريل النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- فقال: يا رسول اللَّه! هذه خديجة قد أتت معها إناء فيه إدام أو طعام أو شراب، فإذا هي أتتك، فاقرأ عليها السلام من ربِّها ومني، وبَشِّرْهَا ببيت في الجنة من قَصَبٍ، لا صَخَب فيه ولا نصب.
1763 - وعن عائشة قالت: استأذنت هالةُ بنت خويلد أخت خديجة على رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم-، فعرف استئذان خديجة 1 فارتاع 2 لذلك، فقال: "اللهم هالة".
قالت: فغِرْتُ فقلت: ما تذكر من عجوز من عجائز قريش حمراء الشدقين (3)، هلكت في الدهر، قد أبدلك اللَّه خيرًا منها.
الغريب:
(القَصَب): قصب الزمرد.
و (الصَّخَب): اختلاط الأصوات.
و (النَّصَب): التعب والمشقة.
(1)
(70) باب مناقب جَرِير بن عبد اللَّه البجلي -رضي اللَّه عنه-
1764 - عن جرير قال: ما حجَبَني رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- منذ أسلمت ولا رآني إلا ضحك.
1765 - وعن جرير أيضًا قال: كان في الجاهلية بيت يقال ذو الخَلَصَةِ، وكان يقال له: الكعبة اليمانية والكعبة الشامية -فقال لي رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم-: "هل أنت مريحي (2) من ذي الخَلَصَةِ؟ " قال: فنفرتُ إليه في خمسين ومئة فارس من أَحْمَسَ، قال: فكسرناه، وقتلنا من وجدنا عنده، فأتيناه فأخبرناه، فدعا لنا ولأحمسَ.
(71) باب مناقب حذيفةَ بن اليمان -رضي اللَّه عنه-
1766 - وعن عائشة قالت: لما كان يوم أحد هزم المشركون هزيمةً1
بَيِّنَةً، فصاح إبليس: أيْ عبادَ اللَّه! أُخْرَاكُم؟ فرجعت أولاهم على أخراهم، فاجْتَلَدَتْ أخراهم، فنظر حذيفة؛ فإذا هو بأبيه، فنادى: أي عباد اللَّه! أبي أبي، فقال: فواللَّه ما احتجزوا حتى قتلوه، فقال: حذيفة: غفر اللَّه لكم، قال عروة: فواللَّه ما زالت في حذيفة منها (1) بقية (2) حتى لقى اللَّه عز وجل.
(72) باب مناقب هند بنت عُتْبَة -رضي اللَّه عنها-
1767 - عن عائشة قالت: جاءت هند بنت عُتبة قالت: يا رسول اللَّه! ما كان على ظهر الأرض من أهل خِبَاءٍ أحبُّ إليَّ أن يُذَلُّوا من أهل خبائك، ثم ما أصبح اليوم على ظهر الأرض أهلُ خباء أحبَّ إليَّ أن يَعِزُّوا من أهل خبائك، قال: "وأيضًا والذي نفسي بيده" (3)، قالت: يا رسول اللَّه! إنَّ أبا12
سفيان رجل مِسِّيك، فهل عليَّ حرج أن أُطْعِمَ من الذي له عيالَنا؟ قال: "لا، إلا بالمعروف (1) ".
(73) باب ذكر زيد بن عمرو بن نفيل
1768 - عن ابن عمر: أنَّ النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- لقي زيد بن عمرو بن نُفَيْل بأسفل بَلْدَح قبل أن ينزلَ على النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- الوحي، فَقُدِّمَتْ إلى النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- سُفْرة فأبى أن يأكل منها، ثم قال زيد: إني لست بآكلٍ 2 مما تذبحون على أنصابكم، ولا بآكلٍ 3 إلا ما ذكر اسم اللَّه عليه، وكان يعيب 4 على قريش ذبائحهم ويقول: الشاة خلقها اللَّه، وأنزل لها من السماء ماء، وأنبت لها من الأرض، ثم تذبحونها على غير اسم اللَّه؟ إنكارًا لذلك وإعظامًا له.
وقال ابن عمر 5: إنَّ زيد بن عمرو خرج إلى الشام يسأل عن الدين1
ويتبعه، فلقي عالمًا من اليهود فسأله عن دينهم فقال: إني لَعَلِّي أنْ أَدِينَ دينكم فأخبرني؟ فقال: لا تكون على ديننا حتى تأخذ بنصيبك من غضب اللَّه، قال زيد: ما أَفِرُّ إلا من غضب اللَّه، ولا أحمل من غضب اللَّه شيئًا أبدًا وأَنَّى أستطيعه؟ فهل تدلني على غيره؟ قال: ما أعلمه إلا أن يكون حنيفًا، قال زيد: وما الحنيف؟ قال: دين إبراهيم، لم يكن يهوديًّا ولا نصرانيًّا ولا يعبد إلا اللَّه، فخرج زيد فلقي عالمًا من النصارى، فذكر مثله، فقال: لن تكون على ديننا حتى تأخذ نصيبك 1 من لعنة اللَّه، فقال: ما أَفِرُّ إلا من لعنة اللَّه، ولا أحمل من لعنة اللَّه، ولا من غضبه شيئًا أبدًا، وأَنَّى أستطيع، فهل تدلني على غيره؟ قال: ما أعلمه إلا أن يكون حنيفًا، قال: وما الحنيف؟ قال: دين إبراهيم لم يكن يهوديًّا ولا نصرانيًّا، ولا يعبد إلا اللَّه، فلما رأى زيد قولهم في إبراهيم 2 خرج، فلما برز رفع يديه، فقال: اللهم إني أشهدك أني على دين إبراهيم.
وقال الليث 3: كتب إليَّ هشامُ عن أبيه عن أسماء ابنة 4 أبي بكر 5 قالت: رأيت زيد بن عمرو بن نفيل قائمًا مسندًا ظهره إلى الكعبة، يقول: يا معشر قريش! ما منكم على دين إبراهيم غيري، وكان يحيى الموؤودة، يقول للرجل إذا أراد أن يقتل ابنته: لا تقتلها، أنا أكفيك مؤونتها،
فيأخذها، فإذا ترعرعت، قال لأبيها: إنْ شئت دفعتُها إليك وإن شئت كفيتك مؤونتها.
(74) باب ذكر أمور كانت في الجاهلية
1769 - عن قيس بن أبي حازم قال: دخل أبو بكر على امرأة من أَحْمَسَ يقال لها زينب، فرَاها لا تَكَلَّم فقال: ما لها لا تكلَّم؟ قالت: حَجَّتْ مُصْمَتَةً فقال لها: تكلمي؛ فإن هذا لا يحل، هذا من عمل الجاهلية، فتكلمت، فقالت: من أنت؟ قال: امرؤ من المهاجرين، قالت: أي المهاجرين؟ قال: من قريش، قالت: من أي قريش 1؟ قال: إنك لَسَؤول، أنا أبو بكر، قالت: ما بقاؤنا على هذا الأمر الصالح الذي جاء (2) به اللَّه بعد الجاهلية؟ قال: بقاؤكم عليه ما استقامت بكم أئمتكم، قالت: وما الأئمة؟ قال: أما لكان لقومك رؤوس وأشراف يأمرونهم فيطيعونهم؟ قالت: بلى، قال: فهم أولئك الناس.
1770 - وعن ابن عباس: إنَّ أول قَسَامَةٍ كانت في الجاهلية لَفِينا بني
هاشم، كان رجل من بني هاشم، استأجره رجل من قريش من فَخِذٍ أخرى، فانطلق معه في إبله، فمر به رجل من بني هاشم قد انقطعت عُروة جُوَالقِهِ 1، فقال: أغثني بعِقَالٍ أَشُدُّ به عروة جُوَالقي لا تَنْفِرُ الإبل، فأعطاه عقالًا، فشدَّ به واحدًا، فقال الذي استأجره: ما شأن هذا البعير لم يُعْقَل من بين الإبل؟ قال: ليس له عِقَالٌ، قال: فأين عقاله؟ قال: فَحَذَفَهُ بعصًا كان فيها أَجَلُه، فمرَّ به رجل من أهل اليمن فقال: أتشهد الموسم؟ قال: ما أشهد وربما شهدته، قال: هل أنت مُبَلِّغٌ عني رسالة مرَّةً من الدهر؟ قال: نعم، قال: فكتب: إذا أنت شهدت الموسم فنادِ: يا آل قريش! فإذا أجابوك فناد: يا آل بني هاشم! فإن أجابوك فاسأل 2 عن أبي طالب، فأخبره: أن فلانًا قتلني في عقال، ومات المُسْتَأجَرُ، فلما قدم الذي استأجره، أتاه أبو طالب، فقال: ما فعل صاحبنا؟ قال: مرض فأحسنتُ القيام عليه، فوليت دفنه، قال: قد كان أهل ذلك 3 منك، فمكث حينًا، ثم إن الرجل الذي أوصى إليه أن يبلغ عنه وافى الموسم، فقال: يا آل قريش! قالوا: هذه قريش، قال: يا آل بني هاشم! قالوا: هذه بنو هاشم، قال: أين أبو طالب؟ قالوا: هذا أبو طالب، قال: أخبرني فلان أن أبلغك رسالة: أنَّ فلان قتله في عِقَالٍ فأتاه أبو طالب، فقال 4: اختر منا إحدى ثلاث: إن شئتَ أن تؤدي مئة من الإبل؛ فأنت قتلت صاحبنا، وإن شئت حلف خمسون من قومك أنك لم
تقتله 1، فإن 2 أبيت قتلناك به، فأتى قومه، فقالوا: نحلف، فأتته امرأة من بني هاشم تحت رجل منهم قد ولدت له، فقالت: يا أبا طالب! أحب أن تُجِيز 3 ابني هذا برجل من الخمسين ولا تُصبِر يمينَهُ 4 حيث تُصبَرُ الأَيْمَان، ففعل فأتاه رجل منهم، فقال: يا أبا طالب! أردت خمسين أن يحلفوا مكان مئة من الإبل، يصيب كلَّ رجلٍ بعيران، هذان البعيران، فاقبلهما مني ولا تَصْبِر يميني حيث تُصْبَرُ الأَيْمَان فقبلهما، وجاء ثمانية وأربعون فحلفوا، قال ابن عباس: فوالذي نفسي بيده ما حال الحَوْلُ ومن الثمانية والأربعين 5 عينٌ تَطْرِفُ.
1771 - وعن ابن عباس أنه قال: يا أيها الناس! اسمعوا مني ما أقول لكم، وأَسْمِعُوني ما تقولون، ولا تذهبوا فتقولوا: قال: ابن عباس قال: ابن عباس، من طاف بالبيت فَلْيَطُف من وراء الحِجْرِ، ولا تقولوا: الحَطِيم؛ فإن الرجل في الجاهلية كان يحلف فيلقي سوطه أو نعله أو قوسه 6.
1772 - وعن عمرو بن ميمون قال: رأيت في الجاهلية قِرْدَةٌ اجتمع عليها قِرَدَةٌ، قد زنت فرجموها، فرجمناها معهم.
1773 - وعن ابن عباس قال: من خِلال الجاهلية: الطعن في الأنساب، والنياحة، ونسي الثالثة.
قال سفيان: ويقولون: إنها الاستسقاء بالأنواء (1).
-
- * = عصًا علامة لقصد حلفهم، فسموه الحطيم لذلك، لكونه يحطم أمتعتهم، وقيل غير ذلك.
(1) في "ص": نُجِّزَ الجزء الأول من اختصار "كتاب البخاري" بحمد اللَّه وعونه، ويتلوه (كتاب السِّيَر والمغازي)، والحمد للَّه شكرًا على نعمائه، والصلاة على سيدنا محمد وآله وصحبه طرًّا في خامس عشري ذي الحجة حجة سبع وثمانين وست مئة.
1772 - خ (3/ 54)، في الكتاب والباب السابقين، من طريق هُشَيْم، عن حُصَيْن، عن عمرو بن ميمون به، رقم (3849). 1773 - خ (3/ 54)، في الكتاب والباب السابقين، من طريق سفيان، عن عبيد اللَّه، عن ابن عباس به، رقم (3850).
- * = عصًا علامة لقصد حلفهم، فسموه الحطيم لذلك، لكونه يحطم أمتعتهم، وقيل غير ذلك.
(38) كتاب السير والمغازي
(38) كتاب السير والمغازي
(1) باب مبعث النبي -صلى اللَّه عليه وسلم-، وما لقي هو وأصحابه من المشركين، وذكر نَسَبه
محمد بن عبد اللَّه بن عبد المطلب بن هاشم بن عبد مَنَاف بن قُصَيٍّ بن كِلَاب بن مُرَّة بن كعب بن لُؤَيّ بن غالب بن فِهْر بن مالك بن النَّضْر بن كِنَانةَ ابن خُزَيْمَة بن مُدْرِكَةَ بن إلياس بن مُضَر بن نِزَار بن مَعد بن عَدنان.
1774 - عن ابن عباس قال: أُنزل على رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- وهو ابن أربعين، فمكث ثلاث 1 عشرة سنة، ثم أُمِر بالهجرة، فهاجر إلى المدينة، فمكث بها عشر سنين، ثم توفي 2.
1775 - وعن خَباب بن الأَرَتِّ قال: أتيت النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- وهو مُتَوَسِّدٌ بِبُرْدَةٍ 1 في ظل الكعبة 2، وقد لَقِينَا من المشركين شدة، فقلت 3: ألا تدعو اللَّه وهو مُحْمَرٌّ وجهه 4؟ فقال: "لقد كان مَنْ قبلكم لَيُمشَّط بأمشاط 5 الحديد ما دون عِظَامه من لحم أو عَصَب، ما يصرفه ذلك عن دينه، ويوضع المنشار 6 على مِفْرق رأسه، فَيُشَقُّ باثنين، ما يصرفه ذلك عن دينه، وليُتِمَّنَّ اللَّهُ هذا الأمر حتى يسير الراكب من صنعاء إلى حضرموت ما يخاف إلا اللَّه، والذئب على غنمه 7، ولكنكم تستعجلون" (8). 1776 - وعن عروة بن الزبير قال: . . . . . .
سألت ابن العاص 1، أخبرني بأشد شيء صنعه المشركون بالنبي -صلى اللَّه عليه وسلم-، فقال 2: بَيْنَا النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- يصلي في حِجْر الكعبة؛ إذ أقبل عُقبة بن أبي مُعَيْط فوضع ثوبه في عنقه فخنقه خنقًا شديدًا، فأقبل أبو بكر حتى أخذ منكبه ودفعه عن النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- قال: ﴿أَتَقْتُلُونَ رَجُلًا أَنْ يَقُولَ رَبِّيَ اللَّهُ﴾ الآية [غافر: 28].
والصحيح: (عمرو بن العاص) بدل (ابن العاص)، وقيل: عبد اللَّه بن عمرو.
1777 - وعن عمار بن ياسر قال: رأيت رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- وما معه إلا خمسة أَعْبُدٍ، وامرأتان، وأبو بكر.
1778 - وعن أبي هريرة قال: قال رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- حين أراد حُنينًا: "منزلنا غدًا إن شاء اللَّه خيف (3) بني كِنَانة؛ حيث تقاسموا على الكفر".
1779 - وعن جابر بن عبد اللَّه: أنه سمع رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- يقول: "لما كذبتني قريش قمت في الحِجْر، فجلى اللَّه لي بيت المقدس، فطفقتُ أخبرهم عن آياته، وإني أنظر إليه".
(2) باب نصر أبي طالب للنبي -صلى اللَّه عليه وسلم-، ووفاة أبي طالب
1780 - عن العباس بن عبد المطلب: قال للنبي -صلى اللَّه عليه وسلم-: ما أَغْنَيْتَ عن عمك؛ فإنه كان يحوطك ويغضب لك؟ قال: "هو في ضَحْضَاحٍ (1) من نار، ولولا أنا لكان في الدرك الأسفل من النار".
1781 - وعن أبي سعيد الخدري: أنه سمع النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- وذكر عنده عمه (1) (ضحضاح) الضحضاح من الماء: ما يبلغ الكعبين، والمعنى: أنه خفف عنه العذاب.
1779 - خ (3/ 63)، (63) كتاب مناقب الأنصار، (41) باب حديث الإسراء، وقول اللَّه تعالى: ﴿سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلًا مِنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الْأَقْصَى﴾، من طريق ابن شهاب، عن أبي سلمة بن عبد الرحمن، عن جابر بن عبد اللَّه به، رقم (3886)، طرفه في (4710).
1780 - خ (3/ 62)، (63) كتاب مناقب الأنصار، (40) باب قصة أبي طالب، من طريق سفيان، عن عبد الملك، عن عبد اللَّه بن الحارث، عن العباس بن عبد المطلب به، رقم (3883)، طرفاه في (6208، 6572).
1781 - خ (3/ 63)، في الكتاب والباب السابقين، من طريق الليث، عن ابن الهاد، عن عبد اللَّه بن خباب، عن أبي سعيد الخدري به، رقم (3885)، طرفه في (6564).
فقال: "لعله تنفعه شفاعتي يوم القيامة، فيجعلَ في ضَحْضَاح من النار يبلغ كعبيه، يغلي منه دماغه".
1782 - وعن سعيد بن المُسَيَّب، عن أبيه: أن أبا طالب لما حضرته الوفاة، دخل عليه النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- وعنده أبو جهل، فقال: "أيْ عم! قل: لا إله إلا اللَّه كلمة أحاجّ لك بها عند اللَّه"، فقال أبو جهل وعبد اللَّه بن أبي أُمية: يا أبا طالب! ترغب عن ملة عبد المطلب؟ فقال النبي -صلى اللَّه عليه وسلم-: "لأَسْتَغْفِرَنَّ لك ما لم أُنْهَ عنك" (1)، فنزلت: ﴿مَا كَانَ لِلنَّبِيِّ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَنْ يَسْتَغْفِرُوا لِلْمُشْرِكِينَ﴾.
. . إلى: ﴿أَصْحَابُ الْجَحِيمِ﴾ [التوبة: 113]، ونزلت ﴿إِنَّكَ لَا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ﴾ [القصص: 56].
(3) باب الإسراء بالنبي -صلى اللَّه عليه وسلم-، وأنه كان في اليقظة ورؤيا عَيْن
1783 - عن مالك بن صَعْصَعَةَ: أن نبي اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- حدثهم (2) عن ليلة أُسْرِي1
به قال 1: "بينما أنا في الحَطِيم -وربما قال: في الحِجْر- مضطجعًا، إذ أتاني آتٍ فَقَدَّ -قال: وسمعته يقول: فشق ما بين هذه إلى هذه.
فقلت للجارود وهو إلى جنبي: ما يعني به؟ قال: يعني من نحره 2 إلى شِعْرَتِه، وقال: من قَصِّهِ إلى شِعْرَتِهِ 3، فاستخرج قلبي، ثم أُتيت بطَسْتٍ من ذهب مملوءة إيمانًا، فغُسِل قلبي، ثم حُشِيَ، ثم أُعيد، ثم أُتيمت بدابة دون البغل وفوق الحمار أبيض 4، يضع خَطْوَهُ عند أقصى طَرْفِهِ، فحُملت عليه، فانطلق بي جبريل حتى أتى السماء الدنيا، فاستفتح، قيل: من هذا؟ قال: جبريل، قال 5: ومن معك؟ قال: محمد، قيل: وقد أُرسل إليه؟ قال: نعم، قيل: مرحبًا به، فنعم المجيء جاء، فَفَتَحَ له 6، فلما خَلَصْتُ فإذا فيها آدم، فقال: هذا أبوك آدم، فَسَلِّمْ عليه، فسلمت عليه، فردَّ السلام، ثم قال: مرحبًا بالابن الصالح والنبي الصالح، ثم صَعِد بي حتى أتى السماء الثانية، فاستفتح، فقيل 7: من هذا؟ قال: جبريل، قيل: ومن معك؟ قال: محمد، قيل: وقد أُرسل إليه؟ قال: نعم، قال: مرحبًا به، فنعم المجيء جاء، فَفَتَحَ، فلما خَلَصْتُ إذا بيحيى 8
وعيسى وهما ابنا الخالة 1، قال: هذا يحيى وعيسى فسلِّمْ عليهما، فسلمت فردَّا، ثم قالا: مرحبًا بالأخ الصالح، والنبي الصالح، ثم صَعِدَ بي إلى السماء الثالثة، فاستفتح، فقيل 2: من هذا؟ قال: جبريل، قيل: ومن معك؟ قال: محمد، قيل: وقد أُرسل إليه؟ قال: نعم، قيل: مرحبًا به، فنعم المجيء جاء ففُتح، فلما خَلَصْتُ إذا يوسف، قال: هذا يوسف فسلِّمْ عليه، فسلمت عليه، فردَّ ثم قال: مرحبًا بالأخ الصالح والنبي الصالح، ثم صعد بي حتى أتى السماء الرابعة، فاستفتح، فقيل 3: من هذا؟ قال: جبريل، قال 4: ومن معك؟ قال: محمد.
قيل: وقد أرسل إليه؟ قال: نعم، قيل: مرحبًا به، فنعم المجيء جاء، فَفَتَح، فلما خلصت فإذا إدريس، قال: هذا إدريس فسلِّمْ عليه، فسلمت عليه، فردَّ، ثم قال: مرحبًا بالأخ الصالح والنبي الصالح، ثم صعد بي إلى السماء الخامسة، فاستفتح، قيل: من هذا؟ قال: جبريل، قال: ومن معك؟ قال: محمد 5 قيل: وقد أرسل إليه؟ قال: نعم، قيل: مرحبًا به، فنِعْمَ المجيء جاء، فلما خَلَصْتُ، فإذا هارون، قال: هذا هارون فسلِّمْ عليه، فسلمت عليه، فردَّ ثم قال: مرحبًا بالأخ الصالح والنبي الصالح، ثم صعد بي إلى السماء السادسة 6، فاستفتح، قيل: من هذا؟ قال:
جبريل، قيل: ومن معك 1؟ قال: محمد، قيل: وقد أُرسل إليه؟ قال: نعم، قال: مرحبًا به، فنعم المجيء جاء، فلما خَلَصْتُ، فإذا موسى، قال: هذا موسى فسلِّمْ عليه، فسلمتُ عليه، فردَّ ثم قال: مرحبًا بالأخ الصالح والنبي الصالح، فلما تجاوزت بكى، قيل له: ما يبكيك؟ قال: أبكي؛ لأنَّ غلامًا بُعث بعدي يدخل من أمته الجنة أكثر 2 ممن يدخل من أمتي، ثم صعد بي إلى السماء السابعة، فاستفتح جبريل، قيل: من هذا؟ قال: جبريل، قيل: من معك 3؟ قال: محمد، قيل: وقد بُعث إليه؟ قال: نعم، قال: مرحبًا به، فنعم المجيء جاء، فلما خلصت فإذا إبراهيم، قال: هذا إبراهيم 4 أبوك فسلِّمْ عليه، قال: فسلمت عليه، فردَّ السلام ثم قال: مرحبًا بالابن الصالح والنبي الصالح، ثم رُفِعْتُ إلى 5 سِدْرةِ المُنْتهى، فإذا نبِقُهَا مثل قِلَال هَجَر، وإذا ورقها كآذان الفِيَلَةِ، قال: هذه سدرة المنتهى، وإذا أربعة أنهار: نهران باطنان، ونهران ظاهران، فقلت: ما هذا 6 يا جبريل؟ فقال: أما الباطنان فنهران في الجنة، وأما الظاهران فالنيل والفرات، ثم رفع إليَّ 7 البيت المعمور (يدخله كل يوم سبعون ألف ملك) 8، ثم أُتيت لإناء من خمر، وإناء
من لبن، وإناء من عسل، فاخترت اللبن 1، فقال: هي الفطرة التي أنت عليها وأمتك، ثم فُرِضت عليَّ الصلاة 2 خمسين صلاةً، كل يوم، فرجعت فمررت على موسى، فقال: بِمَ أُمرتَ 3؟ قال: أُمرتُ بخمسين صلاة كل يوم، قال: إن أمتك لا تستطيع خمسين صلاة كل يوم، وإني واللَّه قد جربت الناس قبلك، وعالجتُ بني إسرائيل أشد المعالجة، فارجعْ إلى ربك، فاسأله التخفيف لأُمتك، فرجعت، فوضع عني عشرًا، فرجعت إلى موسى فقال مثله، فرجعت، فوضع عني عشرًا، فرجعت إلى موسى، فقال مثله، فرجعت، فوضع عني عشرًا، فرجعت إلى موسى، فقال مثله، فرجعت، فأُمرت بعشر صلوات كل يوم، فقال مثله، فرجعت، فأُمرت بخمس صلوات كل يوم، فرجعت إلى موسى، فقال: بما أمرت؟ قلت: أمرت بخمس صلوات كل يوم، قال: إن أمتك لا تستطيع خمس صلوات في كل يوم، وإني قد جربت الناس قبلك، وعالجت بني إسرائيل أشد المعالجة، فارجع إلى ربك فاسأله التخفيف لأمتك، قال: سألت ربي حتى استحييت، ولكن أرضى وأسلم، قال: فلما جاوزت ناداني 4 مناد: أمضيت فريضتي، وخففت عن عبادي".
1784 - وعن ابن عباس: في قوله تعالى: {وَمَا جَعَلْنَا الرُّؤْيَا الَّتِي أَرَيْنَاكَ
إِلَّا فِتْنَةً لِلنَّاسِ} [الإسراء: 60]، قال: هي رؤيا عين أُريها رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- ليلة أُسري به إلى بيت المقدس، قال: ﴿وَالشَّجَرَةَ الْمَلْعُونَةَ فِي الْقُرْآنِ﴾ [الإسراء: 60] قال: هي شجرة الزَّقُّوم.
(4) باب وفود الأنصار إلى النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- لمكة، وبيعة العقبة
1785 - عن عبد اللَّه بن كعب -وكان 1 قائد كعب حين عَمِيَ- قال: سمعت كعب بن مالك يحدِّثُ حين تخلف عن رسول 2 اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- في غزوة تبوك، قال 3: لقد شهدت مع رسول اللَّه 4 -صلى اللَّه عليه وسلم- ليلة العقبة حتى تواثقنا على الإسلام، وما أُحِبُّ أنَّ ليَ بها مَشْهَد بدر، وإن كانت بدر أَذْكَرَ في الناس منها.
. . وسيأتي إن شاء اللَّه تعالى.
1786 - وعن جابر بن عبد اللَّه قال: شهد بي خالاي العقبة، قال 1 ابن عيينة: أحدهما البَرَاءُ بن مَعْرُورٍ.
1787 - وعن عطاء: قال جابر: أنا وأبي وخالاي من أصحاب العقبة.
1788 - وعن أبي إدريس عائذ اللَّه: أن عبادة بن الصامت من الذين شهدوا بدرًا، مع رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم-، ومن أصحاب العقبة 2.
1789 - وعن عبادة بن الصامت أنه قال: إني من النُّقَبَاء الذين بايعوا رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم-، وقال: بايعناه على أن لا نشرك باللَّه شيئًا، ولا نسرق، ولا نَزْنِي، ولا نقتل النفس التي حرَّم اللَّه (3)، ولا نعصي، فالجنة إن فعلنا ذلك، فإن غَشِينَا من ذلك شيئًا، كان قضاءُ ذلك إلى اللَّه.
(5) باب وفاة خديجة، وتزويج عائشة -رضي اللَّه عنها-
1790 - عن هشام بن عروة، عن أبيه قال: توفيت خديجة قبل مَخْرَج النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- إلى المدينة بثلاث سنين، فلبث سنتين أو قريبًا من ذلك، ونكح عائشة وهي بنت ست سنين، ثم بنى بها وهي بنت تسع.
وفي طريق أخرى 1 أنَّها قالت: تزوجني النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- وأنا بنت ست سنين، فقدمنا المدينة، فنزلنا في بني الحارث بن الخزرج فَوَعِكْتُ، فتمرَّق شعري فَوَفَى جُمَيْمَة 2، فأتتني أمي أُم رومان وإني لفي أرجوحة ومعي صواحب لي، فصرخت بي، فأتيتها ولا أدري ما تريد بي، فأخذت بيدي حتى أوقفتني على باب الدار، وإني لأَنْهِجُ حتى سكن بعض نَفَسِي، ثم أخذتْ شيئًا من ماء، فنضحت به في وجهي 3 ورأسي، ثم أدخلتني الدار؛ فإذا