اختصار صحيح البخاري وبيان غريبهصفحات 3-44

قال الشيخ الفقيه الإمام العالم العامل الورع الزاهد، قدوة الحفاظ، عمدة المحدثين - جمال الدين أبو العباس أحمد بن عمر بن إبراهيم الأنصاري القرطبي -رضي اللَّه عنه-: الحمد للَّه الذي خص أهل السنة بالتوفيق، وسلك بهم في صحيح نقلها، وإيضاح معانيها سواء الطريق، ورقَّاهم ببركة الاقتداء بها من حضيض التقليد إلى ذِرْوة التحقيق، وأسكت بصولة حججها كل مهذار مِنْطِيق.
أحمده، وهو بجميع المحامد حقيق، وأشكره شكر من علم لمن شكر نعمه مِنَّةٌ وتوفيق.
وأشهد ألا إله إلا اللَّه وحده لا شريك له شهادة من انشرح صدره بمعارفها، واتسع لقبولها من غير ضيق.
وأشهد أن محمدًا رسول خُصَّ من الرسالة الإلهية بالركن الوثيق، ومن المِلَّة الحنيفية بالمنهج الواضح الأنيق، ومن الرئاسة الإنسانية بالشرف الشامخ والكرم العريق.
صلى اللَّه عليه، وعلى آله وأزواجه وذريته، صلاة توصل إلى الرحب، وتنجي من المضيق.

ورضي اللَّه عن جميع صحابته، الملتئم من كل صِدِّيقَةٍ وصِدِّيق.
أمّا بعد: فلما قضت نتائج العقول، وأدلة الشرع المنقول بأن سعادة الدارين لا تنال إلا بمتابعة هذا الرسول، وأن الهداية الحقة باقتفاء سنته، وسنته واجبة الحصول - انتهضت همم أعلام العلماء، والسادة الفضلاء من الصحابة السابقين والتابعين اللاحقين إلى البحث عن سنته، وآثاره، وأقواله وفعاله، فحصلوا ذلك ضبطًا وحفظًا، وقيدوه معنى ولفظًا، واستنبطوا معانيه فقهًا وعقلًا، وبلغوها إلى غيرهم مشافهة ونقلًا.
ثم لم يزل أهل العلم يتناقلون ذلك جيلًا بعد جيل، ويتوارثونه جليلًا بعد جليل، إلى أن انتهى ذلك إلى عصر الأئمة المصنفين الذين اختارهم اللَّه لحفظ هذا الدين، وارتضاهم لإظهار سنة سيد المرسلين.
فأولهم تصنيفًا وترصيفًا، وأولاهم إمامة وتشريفًا أبو عبد اللَّه مالك بن أنس بن أبي عامر الأصبحي فهو الذي حاز قَصَبَات السِّبَاق؛ إذ هو المشهود له بأنه أمير المؤمنين في الحديث والعلم بالاتفاق.
ثم تلاه أئمة المصنفين، متسابقين، مُصَلِّين وتالين ومُسَلِّين 1، وكل من بعده منهم لم يَغْرِف إلا من فضالته، ولم يَسْرِ ذلك المَسْرى إلا بدلالته.
وهؤلاء الأئمة هم: أبو عبد اللَّه محمد بن إسماعيل بن إبراهيم الجُعْفِي، البخاري 2، وأبو

الحسين مسلم بن الحَجَّاج القشيري النيسابوري، وأبو داود سليمان بن الأشعث السِّجِسْتَاني، وأبو عيسى محمد بن عيسى بن سورة الترمذي، وأبو عبد الرحمن أحمد بن شعيب النسائي.
فهؤلاء صدور الأئمة الأبرار الذين هجروا في طلب حديث رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- الأوطان والأوطار، وأنفقوا في تحصيله نفائس الأموال والأعمار، وارتحلوا في جمعه إلى متفرقات البلدان والأقطار، وبذلوا وسعهم في تمييز صحيحه من سقيمه، ومعوجه من مستقيمه.
ثم دونوا وألفوا، وأسندوا وصنفوا، ثم بذلوا لمن ابتغاه، قاصدين بذلك وجه الإله، فأجورهم دائمة الاستمرار والاستقامة؛ "من سن في الإسلام سنة حسنة كان له أجرها وأجر من عمل بها إلى يوم القيامة" 1، خصوصًا إمامي علماء الصحيح، المُبَرِّزِينَ في علم الجرح والتعديل: أبي عبد اللَّه محمد بن إسماعيل البخاري، وأبي الحسين مسلم بن الحجاج النيسابوري؛ فإنهما جمعا كتبهما على شرط الصحيح، وبذلا جهدهما في ترتيبهما من كل عِلَّة، فتم لهما المراد، وانعقد الإجماع على تلقيهما باسم الصحيحين أو كاد.
فجازى اللَّه جميعهم عن الإسلام أحسن الجزاء، ووفاهم من أجر من انتفع بكتبهم أفضل الإجزاء؛ فلقد حفظ اللَّه بهذين الإمامين الصحيح من سنن الدين، وأنهض بكتبهما حجة المحدثين والعلماء الراسخين.
= الكمال" (6/ 227 - 237) رقم (5648)، و"سير أعلام النبلاء" (12/ 391) رقم (171).

غير أن أئمة النقل، وجهابذة النقد اختلفوا فيمن السابق منهما ومن المُصَلِّي؛ إذ ليس في حلبتهما تالٍ ولا مُسَلِّي.
فذهبت طائفة إلى ترجيح البخاري وكتابه، وإليه ذهب أكثر المشارقة.
وذهبت طائفة أخرى إلى ترجيح مسلم وكتابه، وإليه ذهب أكثر المغاربة، واحتجت كل طائفة منها بما انتهى إليها من مناقب مرجحها.
ونحن ننقل من عيون أخبارهما ما يدل على مناقبهما؛ لتعرف مقاديرهما، محذوفة الإسناد؛ لشهرتها في كتب المؤرخين النقاد على منهاج المباحث الفقهية، وتقرير الطريقة النظرية.
ومما يُحتج به للطائفة البخارية ما قاله أبو بكر محمد بن إسحاق بن خزيمة: "ما تحت أديم السماء أعلم من البخاري بالحديث" 1. وقال مسلم بن الحجاج للبخاري، وقد مسألة عن عِلَّة حديث خفيت على مسلم فأجابه عن ذلك بما أعجبه، فقال له: "لا يبغضك إلا حاسد، وأشهد أن ليس في الدنيا مثلك" 2. وقال أبو بكر الجوزقي: سمعت أبا حامد الشَّرَقِي يقول: رأيت مسلم ابن الحجاج بين يدي البخاري كالصبي بين يدي مُعَلّمه 3. وقال الدارقطني: "لولا البخاري ما ذهب مسلم ولا جاء".
وقال أحمد بن محمد الكرابيسي: رحم اللَّه الإمام أبا عبد اللَّه البخاري؛

فإنه الذي ألف الأصول، وبين للناس، وكل من عمل بعده قد أخذ من كتابه، كمسلم بن الحجاج، فرق كتبه في كتابه، وتجلد فيه حق الجلادة، حيث لم ينسبه إلى قائله.
ومنهم من أخذ كتابه فنقله بعينه كأبي زرعة وأبي حاتم 1. وقال أبو المصعب: محمد بن إسماعيل عندنا؛ لو أدركت مالكًا ونظرت إلى وجهه ووجه محمد بن إسماعيل، لقلت: كلاهما واحد في الفقه والحديث.
وقال يعقوب الدورقي: محمد بن إسماعيل فقيه هذه الأمة.
وذكر أبو أحمد بن عدي أن البخاري لما قدم بغداد امتحنه المحدثون بأن قلبوا أسانيد مئة حديث، فخالفوا بين أسانيدها ومتونها، ثم فرقوها على عشرة من طلحة الحديث، لكل منهم عشرة.
فلما استقر بالبخاري المجلس قام إليه واحد من العشرة، فذكر له حديثًا من عشرته وسأله عنه فقال: لا أعرف هذا، ثم سأله عن بقية العشرة واحدًا واحدًا، والبخاري يقول في كل ذلك: لا أعرف، ثم قام بعده ثان ففعل مثل ذلك، فأجابه البخاري: بلا أعرف، ثم قام ثالث كذلك، إلى أن أكمل العشرة المئة الحديث المقلوبة، فظن كل من في المجلس عجز البخاري وانقطاعه، فعند ذلك دعا البخاري الأول فرد متون أحاديثه إلى أسانيدها، وكذلك فعل بجميعهم، فبهت السائلون، وأعجب بذلك الحاضرون والسامعون.

وقال محمد بن حمدويه: سمعت البخاري يقول: أحفظ مئة ألف حديث صحيح، وأعرف مئتي ألف حديث غير صحيح 1. وقال جعفر بن محمد القطان: سمعت محمد بن إسماعيل يقول: كتبت عن أكثر من ألف شيخ، ما عندي حديث إلا أذكر سنده 2. ونقل أبو الفرج ابن الجوزي عن البخاري أنه قال: صنفت كتاب "الصحيح" في ست عشرة سنة، من ست مئة ألف حديث، وجعلته حجة بيني وبين اللَّه 3. وقال إبراهيم بن معقل: سمعت البخاري يقول: ما أدخلت في كتاب "الجامع" إلا ما صح، وقد تركت من الصحيح 4. وقال محمد بن مطر: قال لي محمد بن إسماعيل: ما وضعت في كتاب الصحيح حديثًا إلا اغتسلت وصليت ركعتين.
وقال عبد القدوس بن همام: سمعمت عدة من المشايخ يقولون: دَوَّن البخاري تراجم كتابه بين قبر النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- ومنبره، وكان يصلي لكل ترجمة ركعتين 5. ولما علم أهل زمانه فضله على أقرانه وتقدمه على علماء أوانه كان يجتمع عليه في مجلسه أكثر من عشرين ألفًا.

وقال الفِرَبْرِي: سمع كتاب البخاري تسعون ألفًا، فما بقي أحد يرويه غيري 1. هذا مع علو إسناده، فقد أدرك جماعة ممن أدركوا متأخري التابعين كمكيّ بن إبراهيم البلخي، وأبي عاصم النَّبِيل، ومحمد بن عبد اللَّه الأنصاري، وعصام بن خالد الحمصي.
وقد روى عنه جماعة من الأئمة؛ كمسلم بن الحجاج، وأبي حاتم الرازي، ومحمد بن إسحاق بن خزيمة، وأبي حامد بن الشرقي، وأبي عيسى الترمذي، وإبراهيم بن إسحاق الحربي، في آخرين يطول ذكرهم.
فقد حصل بالنقل المتواتر، والإصفاق أن البخاري جاز قصب السباق.
وللطائفة النيسابورية أن تقول: نحن لا ننازع في صحة ما نقلتم، ولا ننكر فضل من فَضَّلْتم، ولكنا ننقل من فضائل صاحبنا 2 وأخباره نحو ما ذكرتم، ثم نثبت له ولكتابه من المزية ما يوجب لها أولوية.
فمن ذلك ما قاله أبو علي الحسن بن علي النيسابوري: "ما تحت أديم السماء أصح من كتاب مسلم، وما رأيت أحفظ منه".
ويلزم من هذا القول أنه أعلم بالصحيح من كل من تحت أديم السماء، وهذا نحو مما قاله ابن خزيمة في البخاري.

وكان أبو زرعة وأبو حاتم يقدمان مسلمًا على مشايخ عصرهما، والبخاري من مشايخ عصرهما، فقد حكما لمسلم بالتقدم على البخاري.
وقال أبو مروان الطُّنُبِي: كان من شيوخي من يفضل كتاب مسلم على كتاب البخاري.
وقال مسلمة بن قاسم في تاريخه: مسلم جليل القدر من أئمة المحدثين، وذَكَر كتابه في الصحيح وقال: لم يضع أحد مثله.
وقال أبو حامد الشَّرَقِي: سمعت مسلمًا يقول: ما وضعت شيئًا في هذا المسند إلا بحجة، وما أسقطت شيئًا منه إلا بحجة.
وقال أبو محمد بن أبي حاتم: مسلم بن الحجاج ثقة من الحفاظ له معرفة بالحديث، سئل أبي عنه فقال: صدوق.
وقال إبراهيم بن سفيان: قال لي مسلم: ليس كل الصحيح وضعت هنا، إنما وضعت ما أجمعوا عليه.
وقال الحسن بن محمد الماسرجسي: سمعت أبي يقول: سمعت مسلم ابن الحجاج يقول: صنفت هذا المسند من ثلاث مئة ألف حديث مسموعة.
وقال مسلم بن الحجاج: لو أن أهل الحديث يكتبون الحديث مئتي سنة فمدارهم على هذا المسند، ولقد عرضت كتابي هذا على أبي زرعة الرازي، وكل ما أشار أن له علة تركته، وما قال: هو صحيح أخرجته.
وقال أبو يعلى الخليلي الحافظ: مسلم بن الحجاج القشيري صاحب الصحيح هو أشهر من أن تذكر فضائله، رحل إلى العراق، والحجاز، والشام، ومصر، سمع يحيى النيسابوري، وقتيبة بن سعيد، وإسحاق بن راهويه،

وأحمد بن حنبل، ويحيى بن معين، وعبد اللَّه بن مسلمة القعنبي، ومسلم بن إبراهيم، وأبا بكر وعثمان ابني أبي شيبة، ومحمد بن بشار بندار، ومحمد ابن المثنى، وخلقًا كثيرًا يطول ذكرهم، وروى عنه إبراهيم بن محمد بن سفيان المرضي الزاهد، وأبو محمد بن أحمد بن علي بن الحسن بن المغيرة بن عبد الرحمن القلانسي، ولا يروى كتابه إلا من طريقهما.
وروى عنه أيضًا مكي بن عَبْدَان، وأبو حامد بن الشرقي، ويحيى بن محمد بن صاعد، ومحمد بن مخلد، وآخرون.
وسمع منه أبو حاتم مع جلالته، وابنه عبد الرحمن.
وعند تقابل هذه الفضائل يتوقف في الترجيح بينهما كل منصف فاضل.
وأما نكتة المزية الموحية للأولوية فهي أن مسلمًا متفق على إمامته، مجمع على قبول قوله وحديثه، كما حكى القاضي أبو الفضل عياض، وليس كذلك البخاري؛ فإن أبا محمد بن أبي حاتم قال في البخاري: إن أبي وأبا زرعة تركا حديثه عندما كتب إليهما محمد بن يحيى النيسابوري أنه أظهر عندهم أن لفظه بالقرآن مخلوق 1. ولما تقاصرت الهمم في هذا الزمان عن بلوغ الغايات من حفظ جميع هذا الكتاب بما اشتمل عليه من الأسانيد والروايات، أشار من إشارته غنم، وطاعته حتم، إلى تقريبه على المتحفظ وتيسيره على المتفقه، بأن نختصر أسانيده، ونحذف تكراره، وننبه على ما تضمنته أحاديثه بتراجم تسفر عن

معناها، وتدل الطالب على موضعها وفحواها.
فاستعنت باللَّه تعالى وبادرت إلى مقتضى الإشارة، بعد أن قدمت في ذلك دعاء النفع به والاستخارة، فاقتصرت من الإسناد على ذكر الصاحب، إلا أن تدعو الحاجة إلى ذكر غيره فأذكره لزيادة فائدة، وحصول عائدة، ومن تكرار المتون على أكملها مساقًا، وأحسنها سياقا، ملحقا به ما في غيره من الرواية، محافظًا -إن شاء اللَّه تعالى- على ألا أغفل منه شيئًا من مهمات الفوائد، فإذا قلت: عن أبي هريرة -مثلًا- وأفرغ من مساق متنه، وقلت: وفي رواية، فأعني أنه عن ذلك الصاحب المتقدم من غير ذلك الطريق، وربما قدمت بعض الأحاديث وأخرت حيثما إليه اضطررت؛ حرضا على ضم الشيء لمشاكله، وتقريبًا له على متناوله.
وقد اجتهدت فيما رويت ورأيت، ووجهَ اللَّه الكريم قصدت، وهو المسؤول في أن ينفعني به، وكل من اشتغل به، ويبلغنا المأمول، وأن يجعلنا وإياه من العلماء العاملين الهداة المهتدين، وهو المستعان وعليه التكلان، وهو حسبنا ونعم الوكيل.

(1) كتاب بدء الوحي

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ وصلى اللَّه على محمد وآله وصبحه وسلم

(1) كتاب بدء الوحي

(1) باب تعبد النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- وكيف كان يأتيه الوحي، وما كان يدعو الناس إليه

1 - قال عَلْقَمَةُ بن وَقَّاصٍ الليثي: سمعت عمر بن الخطاب -رضي اللَّه عنه- على المنبر يقول: سمعت رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- يقول: "إنما الأعمال بالنيات وإنما لكل امرئ ما نوى، فمن كانت هجرته إلى دنيا يصيبها، أو إلى امرأة ينكحها فهجرته إلى ما هاجر إليه".
2 - وعن عائشة أم المؤمنين -رضي اللَّه عنها- أنها قالت: أول ما بُدِئَ به رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- من الوحي الرؤيا الصالحة في النوم، فكان لا يرى رؤيا إلا جاءت مثل فلق

الصبح، ثم حُبِّب إليه الخلاء، وكان يخلو بغار حِرَاء فَيَتَحَنَّثُ فيه -وهو التعبد 1 - الليالي ذوات العدد قبل أن ينزع إلى أهله، ويتزوّد لذلك، ثم يرجع إلى خديجة فيتزود بمثلها، حتى جاءه الحق، وهو في غار حراء، فجاءه الملك فقال: اقرأ.
قال: "قلت: ما أنا بقارئ" 2 قال: "فأخذني فَغَطَّني 3 حتى بلغ مني الجَهْدُ، ثم أرسلني فقال: اقرأ.
فقلت: ما أنا بقارى، فأخذني فَغَطَّنِي الثانية حتى بلغ مني الجهد ثم أرسلني فقال: اقرأ.
فقلت: ما أنا بقارئ، فأخذني فَغَطَّنِي الثالثة.
ثم أرسلني فقال: ﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ (1) خَلَقَ الْإِنْسَانَ مِنْ عَلَقٍ (2) اقْرَأْ وَرَبُّكَ الْأَكْرَمُ﴾ [العلق: 1 - 3]، فرجع بها رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- يَرجُفُ فؤاده، فدخل على خديجة بنت خويلد -رضي اللَّه عنها- فقال: "زَمِّلُوني، زملوني"، فزملوه 4 حتى ذهب عنه الرَّوْعُ، فقال لخديجة، وأخبرها الخبر: "لقد خَشِيتُ على نفسي" 5.

فقالت: كلا واللَّه ما يُخْزِيكَ اللَّه أبدًا، إنك لتصلُ الرَّحِمَ، وتحمل الكَلَّ 1، وتَكْسِبُ المعدوم، وتُقْرِي الضيف، وتعين على نوائب الحق.
فانطلقت به خديجة حتى أتت به ورقة بن نوفل بن أسد بن عبد العُزَّى، ابن عم خديجة، وكان امْرءًا تَنَصَّر في الجاهلية، وكان يكتب الكتاب العِبْرَاني، فيكتب من الإنجيل بالعبرانية ما شاء اللَّه أن يكتب، وكان شيخًا كبيرًا قد عَمِيَ فقالت له خديجة: يا بن عم، اسمع من ابن أخيك.
فقال له ورقة: يا بن أخي ماذا ترى؟ فأخبره رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- خَبَر ما رأى فقال له ورقة: هذا الناموس 2 الذي نزَلَ اللَّهُ على موسى، يا ليتني فيها جَذَعًا 3، ليتني أكون حيًّا إذ يخرجك قومك، فقال رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم-: "أومُخْرِجِيَّ هم؟ " قال: نعم، لم يأت رجل قط بمثل ما جئت به إلا عُودِيَ، وإن يدركني يومك أنصرك نصرًا مؤزَّرًا 4، ثم لم يَنْشَبْ 5 ورقةُ أن توفي، وفَتَر الوحيُ.

3 - وقال جابر بن عبد اللَّه -رضي اللَّه عنهما-: قال -يعني رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- وهو يحدث عن فترة الوحي- فقال في حديثه: "بَيْنَا أنا أمشي إذ سمعت صوتًا من السماء، فرفعت بصري، فإذا الملك الذي جاءني بحراء جالس على كرسي بين السماء والأرض فرُعِبْتُ منه، فرجعت فقلت: زَمِّلوني، زَمِّلوني، فأنزل اللَّه تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ 1 قُمْ فَأَنْذِرْ 2 وَرَبَّكَ فَكَبِّرْ (3) وَثِيَابَكَ فَطَهِّرْ (4) وَالرُّجْزَ فَاهْجُرْ﴾ [المدثر: 1 - 5] فَحَمِيَ الوحي وتتَابَعَ".
4 - وعن عائشة رضي اللَّه عنها: أن الحارث بن هشام -رضي اللَّه عنه- سأل رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- فقال: يا رسول اللَّه، كيف يأتيك الوحي؟ فقال رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم-: "أحيانًا يأتيني مثل صَلْصَلَةِ الجَرَسِ، وهو أشده عليَّ (1)، . . . . . (1) (مثل صلصلة الجرس، وهو أشده عليَّ): شبه الوحي بالجرس من حيث القوة، لا من حيث الطنين والطرب، وقوله: "وهو أشده عليَّ" يفهم منه أن الوحي كله شديد، ولكن هذه الصفة أشدها، وهو واضح؛ لأن الفهم من كلامٍ مثل الصلصلة أشكلُ من الفهم من كلام الرجل بالتخاطب المعهود، وقيل: سبب تلك الشدة: أن الكلام العظيم له مقدمات تؤذن بتعظيمه للاهتمام به.
وقيل: إنما كان شديدًا عليه؛ ليستجمع قلبه، فيكون أوعى لما سمع، والظاهر أن هذه الشدة لا تختص بالقرآن، وفائدة هذه الشدة ما يترتب على المشقة من زيادة الزلفى والدرجات.
3 - خ (1/ 15)، (1) كتاب بدء الوحي، (3) باب، قال البخاري: قال ابن شهاب: وأخبرني أبو سلمة بن عبد الرحمن، عن جابر به.
ثم قال عقبه: تابعه عبد اللَّه بن يوسف وأبو صالح، وتابعه هلال بن ردَّاد، عن الزهري.
رقم (4) وأطرافه في (3238، 4922، 4923، 4924، 4925، 4926، 4954، 6214). 4 - خ (1/ 13 - 14)، (1) كتاب بدء الوحي، (2) باب، من طريق مالك، عن هشام أبن عروة، عن أبيه، عن عائشة به، رقم (2). طرفه في (3215).

فيُفْصَمُ (1) عنِّي، وقد وعيت عنه ما قال، وأحيانًا يتَمَثَّل في الملك رجلًا فيكلمني فأعي ما يقول".
قالت عائشة -رضي اللَّه عنها-: ولقد رأيتُهُ ينزل عليه الوحيُ في اليوم الشديد البرد فيُفْصَمُ عنه، كان جَبِينَهُ لَيَتَفَصَّدُ عَرَقًا (2). 5 - وعن ابن عباس -رضي اللَّه عنهما- قوله تعالى: ﴿لَا تُحَرِّكْ بِهِ لِسَانَكَ لِتَعْجَلَ بِهِ﴾ [القيامة: 16] قال: كان رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- يعالج من التنزيل شدة، وكان مما يحرك شفتيه، فقال ابن عباس: فأنا أحركهما لك كما كان رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- يحركهما.
وقال سعيد: فأنا أحركهما كما رأيت ابن عباس يحركهما، فحرك شفتيه، فأنزل اللَّه تعالى: ﴿لَا تُحَرِّكْ بِهِ لِسَانَكَ لِتَعْجَلَ بِهِ (16) إِنَّ عَلَيْنَا جَمْعَهُ وَقُرْآنَهُ﴾ [القيامة: 16 - 17]، قال: جمعه لك في صدرك، وتقرأه.
﴿فَإِذَا قَرَأْنَاهُ فَاتَّبِعْ قُرْآنَهُ﴾ [القيامة: 18]، قال: فاستمع له وأنصت، ﴿ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنَا بَيَانَهُ﴾ [القيامة: 19]، ثم إن علينا أن نقرأه.

فكان رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- بعد ذلك إذا أتاه جبريل استمع، فإذا انطلق جبريل قرأه النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- كما قرأ 1. 6 - وعن ابن عباس -رضي اللَّه عنهما- قال: كان رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- أجود الناس، وكان أجود ما يكون في رمضان حين يلقاه جبريل عليه السلام، وكان يلقاه في كل ليلة من رمضان فيُدَارِسُهُ القرآن، فَلَرَسُولُ اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- أجود بالخير من الريح المُرسَلَةِ 2. 7 - وعن ابن عباس -رضي اللَّه عنهما-: أن أبا سفيان بن حرب أخبره أن هرقل أرسل

إليه في ركب من قريش، وكانوا تجار، بالشام في المُدَّةِ 1 التي كان رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- مادَّ فيها أبا سفيان وكفار قريش، فأتوه، وهم بإيلياء فدعاهم في مجلسه وحوله عظماء الروم، ثم دعاهم ودعا ترجمانه.
فقال: أيكم أقرب نسبًا بهذا الرجل الذي يزعم أنه نبي؟ فقال أبو سفيان: فقلت: أنا أقربهم نسبًا.
قال 2: أدنوه مني، وقربوا أصحابه فاجعلوهم عند ظهره.
ثم قال لترجمانه: قل لهم: إني سائل هذا 3 عن هذا الرجل 4، فإن كذبني فكذبوه، فواللَّه لولا الحياء من أن يَأْثِرُوا عليَّ كذبًا لكذبت عنه.
ثم كان أول ما سألني عنه أن قال: كيف نسَبُهُ فيكم؟ قلت: هو فينا ذو نسب.
قال: فهل قال هذا القول منكم أحدٌ قط قبله؟ قلت: لا.
قال: فهل كان من آبائه من مَلِكٍ؟ قلت: لا.
قال: فأشراف الناس اتبعوه أم ضعفاؤهم؟ فقلت: بل ضعفاؤهم.
قال: أيزيدون، أم ينقصون؟ قلت: بل يزيدون.
قال: فهل يرتدُّ أحد منهم سَخْطَةً لدينه بعد أن يدخل فيه؟ قلت: لا.
قال: فهل كنتم تتهمونه بالكذب قبل أن يقول ما قال؟ قلت: لا.
قال: فهل يَغْدِرُ؟ قلت: لا، ونحن منه في مُدَّةٍ لا ندري ما هو فاعل فيها.
قال: ولم تُمَكِّنِّي كلمةٌ أُدْخِلُ

فيها شيئًا غير هذه الكلمة 1. قال: فهل قاتلتموه؟ قلت: نعم.
قال: فكيف كان قتالكم إياه؟ قلت: الحرب بيننا وبينه سِجَالٌ ينال منا وننال منه.
قال: ماذا يأمركم؟ قلت: يقول: اعبدوا اللَّه وحده ولا تشركوا به شيئًا، واتركوا ما يقول آباؤكم.
ويأمرنا بالصلاة والصدق والعفاف والصِّلَة.
فقال للتَّرْجُمَان: قل له: إني سألتك عن نسبه فذكرت أنه فيكم ذو نسب، وكذلك الرسل تُبْعَثُ في نسب قومها.
وسألتك: هل قال أحدكم منكم هذا القول.
فذكرت أن لا، فقلت: لو كان أحد قال هذا القول قبله لقلت: رجل يَأْتَسِي بقولٍ قيل قبله.
وسألتك: هل كان من آبائه من ملك؟ فذكرت أن لا.
قلت: لو كان من آبائه من ملك قلت: رجل يطلب مُلْكَ أبيه، وسألتك: هل كنتم تتهمونه بالكذب قبل أن يقول ما قال.
فذكرت أن لا، فقد أعرف أنه لم يكن ليذر الكذب على الناس ويكذب على اللَّه، وسألتك: أشراف الناس اتبعوه أم ضعفاءهم.
فذكرت أن ضعفاءَهم اتبعوه، وهم أتباع الرسل، وسألتك: أيزيدون أم ينقصون، فذكرت أنهم يزيدون، وكذلك أمر الإيمان حتى يتم.
وسألتك: أيرتد أحد سخطة لدينه بعد أن يدخل فيه، فذكرت أن لا، وكذلك الإيمان حين تخالط بشاشتُه القلوب 2. وسألتك: هل يغدر؟ فذكرت أن لا، وكذلك الرسل لا تَغْدِرُ، وسألتك: بما يأمركم، فذكرت أنه يأمركم أن تعبدوا اللَّه ولا تشركوا به شيئًا، وينهاكم عن عبادة الأوثان، ويأمركم بالصلاة والصدق والعفاف، فإن كان ما تقول حقًّا،

فسيملك موضع قَدَمَيَّ هاتين 1، وقد كنت أعلم أنه خارج، لم أكن أظن أنه منكم، فلو أني أعلم أني أَخْلُص 2 إليه لتجشمت 3 لقاءه، ولو كنت عنده لغسلت عن قدميه 4. ثم دعا بكتاب رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- الذي بعث به دِحْيَة إلى عظيم بُصْرَى، فدفعه إلى هرقل فقرأه، فإذا فيه: "بسم اللَّه الرحمن الرحيم من محمد عبد اللَّه ورسوله، إلى هرقل عظيم الروم، سَلَامٌ على من اتبع الهدى 5. أما بعد؛ فإني أدعوك بدعاية الإسلام، أَسْلِمْ تَسْلَمْ، أَسْلِمْ يؤتك اللَّه أجرك مرتين، فإن توليت فإن عليك إثم الأريسيين 6 {قُلْ يَاأَهْلَ الْكِتَابِ تَعَالَوْا

إِلَى كَلِمَةٍ سَوَاءٍ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ أَلَّا نَعْبُدَ إِلَّا اللَّهَ وَلَا نُشْرِكَ بِهِ شَيْئًا وَلَا يَتَّخِذَ بَعْضُنَا بَعْضًا أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَقُولُوا اشْهَدُوا بِأَنَّا مُسْلِمُونَ} [آل عمران: 64] ". قال أبو سفيان: فلما قال ما قال، وفرغ من قراءة الكتاب كثر عنده الصَّخَبُ، وارتفعت الأصوات، وأُخْرِجْنَا، فقلت لأصحابي حين أخرجنا: لقد أَمِرَ 1 أمْرُ ابن أبي كبشة 2 إنه يخافه مَلِكُ بني الأصْفَرِ، فما زلت موقنًا أنه سيظهر حتى أدخل اللَّه عليَّ الإسلام.
وكان ابن النَّاطُورِ -صاحب إيلياء وهرقل - سُقُفًّا على نصارى الشام- يحدث أن هرقل حين قدم إيلياء أصبح يومًا خبيث النفس 3، فقال بعض بطارقته: قد استنكرنا هيئتك.
قال ابن الناطور: وكان هرقل حَزَّاءً 4 ينظر في النجوم، فقال لهم حين سألوه: إني رأيت الليلة حين نظرت في النجوم مَلِكَ الخِتَان قد ظهر 5، فمن

يختتن من هذه الأمة؟ [قالوا: ليس يختتن] 1 إلا اليهود، فلا يهمنك شأنهم، واكتب إلى مدائن ملكك فيقتلوا من فيهم من اليهود، فبينما هم على أمرهم أُتِيَ هرقل برجل أرسل به ملك غسان يخبر عن خبر رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- فلما استخبره هرقل قال: اذهبوا فانظروا: أمختتن هو أم لا؟ فنظروا إليه، فحدثوه أنه مختتن، وسأله عن العرب.
فقال: هم يختتنون.
فقال هرقل: هذا مُلْك هذه الأمة قد ظهر.
ثم كتب هرقل إلى صاحبٍ له بروميَّة، وكان نظيره في العلم، وسار هرقل إلى حمص، فلم يَرِمْ 2 حمص حتى أتاه كتاب من صاحبه يوافق رأي هرقل على خروج النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- وأنه نبيٌ 3، فأذن هرقل لعظماء الروم في دَسْكَرَةٍ 4 له بحمص، ثم أمر بأبوابها فغلِّقت، ثم اطَّلع فقال: [يا معشر الروم، هل لكم في الفلاح والرُّشدِ، وأن يثبت ملككم، فتبايعوا هذا النبي؟ فحاصوا 5 حَيْصَةَ حمرِ الوَحْشِ إلى الأبواب فوجدوها قد غلقت.

فلما رأى هرقل نَفْرَتَهُمْ، وأَيِسَ من الإيمان 1 قال: ردوهم عليَّ، وقال: إني قلت مقالتي آنفًا أختبر بها شدتكم على دينكم، فقد رأيت، فسجدوا له، ورَضُوا عنه، فكان ذلك آخر شأن هرقل] 2.


(2) كتاب الإيمان

(2) كتاب الإيمان

(1) باب بيان معنى الإيمان والإسلام شرعًا

8 - عن أبي هريرة قال: كان النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- بارزًا يومًا للناس، فأتاه رجل فقال: ما الإيمان؟ (1) قال: "الإيمان أن تؤمن باللَّه وملائكته، وبلقائه، ورسله وتؤمن بالبعث".
(1) (ما الإيمان؟ ) قيل: قدَّم السؤال عن الإيمان؛ لأنه الأصل، وثنَّى بالإسلام؛ لأنه يظهر مصداق الدعوى.
وثَلَّثَ بالإحسان؛ لأنه متعلق بهما.
وفي رواية أخرى: بدأ بالإسلام؛ لأنه بالأمر الظاهر، وثنى بالإيمان؛ لأنه بالأمر الباطن، ورجح هذا الطيبي؛ لما فيه من الترقي.
8 - خ (1/ 33 رقم 50)، (2) كتاب الإيمان، (37) باب سؤال جبريل النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- عن الإيمان والإسلام والإحسان وعلم الساعة، وبيان النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- له.
ثم قال: "جاء جبريل عليه السلام يعلمكم دينكم"، فجعل ذلك كله ديئا، وما بيَّن النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- لوفد عبد القيس من الإيمان وقوله تعالى: ﴿وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الْإِسْلَامِ دِينًا فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ﴾.
من طريق أبي حيان التيمي، عن أبي زرعة، عن أبي هريرة به، رقم (50). وطرفه في (4777).

قال: وما الإسلام؟ قال: "الإسلام أن تعبد اللَّه ولا تشرك به شيئًا، وتقيم الصلاة وتؤتي الزكاة المفروضة وتصوم رمضان".
قال: ما الإيمان؟ قال: "أن تعبد اللَّه كأنك تراه، فإن لم تكن تراه فإنه يراك".
قال: متى الساعة؟ قال: "ما المسؤول عنها بأعلم من السائل".
وسأحدثك عن أشراطها؛ إذا ولدت الأَمَةُ رَبَّها، وإذا تطاول رعاء الإبل البُهْمِ في البنيان، في خمس لا يعلمهن إلا اللَّه، ثم تلا النبي -صلى اللَّه عليه وسلم-: ﴿إِنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ.
. .﴾ [لقمان: 34] الآية.
ثم أدبر.
قال: "رُدُّوه" فلم يَرَوْا شيئًا.
فقال: "هذا جبريل جاء يعلم الناس دينهم".
الغريب: "بارزًا": ظاهرًا.
و"الإحسان" هنا: مراقبة اللَّه في العبادات، والإتيان بها مكملة الآداب.
"الأشراط": العلامات.
"ربها": سيدها، ويعني بذلك أن يكثر التسرِّي ويتسامح الناس في بيع أمهات الأولاد، أو يكثر عقوق الأولاد للأمهات.
"البُهْم": بضم الباء جميع بهيم، وهو الشديد السواد، الذي لا يخالطه لون آخر، ويروى بضم الميم نعتًا للرعاة؛ لأن ذلك غالب رعاة العرب.

وبكسر الميم نعتًا للإبل.


(2) باب تسمية الإسلام بالإيمان تَوَسُّعًا

9 - عن أبي جَمْرَةَ نصر بن عمران الضَّبُعِي قال: كنت أقعد مع ابن عباس فيجلسني على سريره.
فقال: أقم عندي حتى أجعل لك سهمًا من مالي، فأقمت معه شهرين، ثم قال: إن وفد عبد القَيْسِ لما أتوا النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- قال: "مَن القومُ، أو من الوفد؟ ". قالوا 1: ربيعة.
قال: "مرحبًا بالقوم -أو بالوفد- غير خَزَايَا ولا نَدَامَى" فقالوا: يا رسول اللَّه! إنا لا نستطيع أن نأتيك إلا في الشهر الحرام، وبيننا وبينك هذا الحي من كفار مُضَر، فَمُرْنَا بأمرٍ فَصْلٍ نخبر به من وراءنا، وندخل به الجنة، وسألوه عن الأشربة، فأمرهم بأربع ونهاهم عن أربع: أمرهم بالإيمان باللَّه وحده.
قال: "أتدرون ما الإيمان باللَّه وحده؟ ". قال: اللَّه ورسوله أعلم.

قال: "شهادة أن لا إله إلا اللَّه، وأن محمدًا رسول اللَّه، وإقام الصلاة، وإيتاء الزكاة، وصيام رمضان، وأن تعطوا من المَغْنَمِ الخُمُسَ".
ونهاهم عن أربع؛ الحَنْتَم، والدُّبَّاء، والمزفَّت، وربما قال: المُقَيَّر، وقال: "احفظوهن، وأخبروا بهن من وراءكم".
الغريب: "الوفد": جمع وافد، وهو القادم والزائر.
"مرحبًا": رُحْبًا وسعة؛ أي: صادفتم.
"خزايا": جمع خَزْيان، كسَكَارى جمع سكران، من الخزي.
و"ندامى": جمع نادم، وقياس جمعه نادمين، لكن جمع كذلك اتباعًا لخزايا.
وحكى الفراء في "جامعه" أنه يقال للنادم: ندمان، وعلى هذا فيكون على القياس.
"الفَصْلُ": البليغ في لفظه، الواضح في معناه.
"الحَنْتَمُ": الجِرَار المطلية بالزجاج.
و"الدُّبَّاءُ": القَرْعَة.
و"المُزَفَّتُ": المَطْلِيُّ بالزِّفْتِ.
و"المُقَيَّرُ": المطلي بالقار، نوع من الزفت.
وحكمة النهي عن الانتباذ في هذه الظروف: خوفُ إسراع الإسكار إلى النبيذ، وقد نسخ ذلك النهي بما يأتي بعدُ إن شاء اللَّه تعالى.


(3) باب أركان الإسلام وشُعَبِهِ

10 - عن ابن عمر قال: قال رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم-: "بُنِيَ الإسلام على خمس؛ شهادة أن لا إله إلا اللَّه، وأن محمدًا رسول اللَّه، وإقام الصلاة، وإيتاء الزكاة، والحج، وصوم رمضان" 1. 11 - وعن أبي هريرة، عن النبي -صلى اللَّه عليه وسلم-: "الإيمانُ بِضْعٌ وستون شُعْبَة، والحياء شعبة من الإيمان".

الغريب: أصل الشُّعْبَةِ: القطعة.
12 - (1) [وعن عبد اللَّه بن عمرو -رضي اللَّه عنهما-: أن رجلًا سأل النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- أي الإسلام خير؟ قال: "تُطعِمُ الطعام، وتقرأ السلام على من عَرَفْتَ ومن لم تعرف" (2).


(4) [باب أي الإسلام أفضل]

13 - [وعن عبد اللَّه بن عمرو -رضي اللَّه عنهما-: عن النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- قال: "المسلم من سَلِمَ1

المسلمون من لسانه ويده (1)، والمهاجر (2) من هَجَر ما نهى اللَّه عنه".
14 - وعن أبي موسى -رضي اللَّه عنه- قال: قالوا: يا رسول اللَّه! أي الإسلام أفضل؟ قال: "من سلم المسلمون من لسانه ويده"].


(5) [باب أمور الإيمان]

15 - [وعن أنس: عن النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- قال: "لا يؤمن أحدكم حتى يحب لأخيه ما يحب لنفسه".
16 - وعن أبي هريرة -رضي اللَّه عنه-: أن رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- قال: "فوالذي نفسي1

بيده، لا يؤمن أحدكم 1 حتى أكون أَحَبَّ إليه من والده وولده".
17 - وعن أنس قال: قال النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- "لا يؤمن أحدكم حتى أكون أَحَبَّ إليه من والده وولده والناس أجمعين".
18 - وعنه: عن النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- قال: "ثلاثٌ من كُنَّ فيه وجد حلاوة الإيمان: أن يكون اللَّه ورسوله أَحَبَّ إليه مما سواهما، وأن يُحِبَّ المَرْءَ لا يحبُّه إلا للَّه، وأن يكره أن يعود في الكفر كما يكره أن يقذف في النار" (2).

وفي رواية 1: "ومن يكره أن يعود في الكفر بعد أن أنقذه اللَّه منه".
19 - وعنه: عن النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- قال: "آية الإيمان حب الأنصار، وآية النفاق بُغْضُ الأنصار" (2). 20 - وعن عبد اللَّه بن عمر: أن رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- مر على رجل من الأنصار، = حديث عظيم، أصل من أصول الدين، ومعنى حلاوة الإيمان استلذاذ الطاعات، وتحمل المشاق في الدين، وإيثار ذلك على أعراض الدنيا، ومحبة العبد للَّه تحصل بفعل طاعته وترك مخالفته، وكذلك الرسول -صلى اللَّه عليه وسلم-.

وهو يعظ أخاه في الحياء (1). فقال رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم-: "دعه (2)؛ فإن الحياء من الإيمان".


(6) [باب إذا لم يكن الإسلام على الحقيقة]

21 - عن سعد بن أبي وقاص -رضي اللَّه عنه-: أن رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- أعطى رهطًا وسعد جالس] 3، فترك رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- رجلًا هو أعجبُهم إليَّ، فقلت: يا رسول اللَّه! مَا لَكَ عن فلان؟ فواللَّه إني لأُرَاه مؤمنًا، فقال: "أو مسلمًا" فسكتُّ قليلًا، ثم غلبني ما أعلم منه 4، فقلت: يا رسول اللَّه! مالك عن12

فلان، فواللَّه إني لأُرَاه مؤمنًا.
فقال: "أو مسلمًا" فسكتُّ قليلًا، ثم غلبني ما أعلم منه، فعدت لمقالتي، وعاد رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- ثم قال "يا سعدُ! إني لأعطي الرجل (1)، وغَيْرُهُ أَحَبُّ إليَّ منه خشيةَ أن يَكُبَّهُ اللَّه في النار".
"أُراه": بضم الهمزة، ومعناها: أظنه.


(7) باب المعاصي من أمر الجاهلية. ولا يَكْفُر صاحبها إلا بالشرك

22 - عن المَعْرُور بن سُوَيْدٍ قال: لقيتُ أبا ذر بالرَّبَذَةِ، وعليه حُلَّةٌ، 1 (إني لأعطي الرجل وغيره أحبّ إليّ.
. . إلخ) محصل القصة: أن النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- كان يوسع العطاء لمن أظهر الإسلام تألُّفًا، فلما أعطى الرهط وهم من المؤلفة، وترك رجلًا -وهو من المهاجرين- مع أن الجميع سألوه، خاطبه سعد في أمره، لأنه كان يرى أنه أحق منهم لما اختبره منه دونهم؛ ولهذا راجع فيه أكثر من مرة، فأرشده النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- إلى أمرين: أحدهما: إعلامه بالحكمة في إعطاء أولئك وحرمان هذا مع كونه أحب إليه ممن أعطى؛ لأنه لو ترك إعطاء المؤلَّف، لم يؤمن ارتداده فيكون من أهل النار.
ثانيهما: إرشاده إلى التوقف عن الثناء بالأمر الباطن دون الثناء بالأمر الظاهر.
22 - خ (1/ 26)، 2 كتاب الإيمان، (22) باب: المعاصي من أمر الجاهلية، ولا يكفر صاحبها بارتكابها إلا بالشرك لقول النبي -صلى اللَّه عليه وسلم-: "إنك امرؤ فيك جاهلية"، وقول اللَّه تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ﴾.
من طريق شعبة، عن واصل الأحدب، عن المعرور به، رقم (30)، طرفه في (6050، 2545).

وعلى غلامه حُلَّةٌ، فسألته عن ذلك فقال: إني ساببت رجلًا (1) فَعَيَّرْتُهُ بأمه، فقال لي النبي -صلى اللَّه عليه وسلم-: "يا أبا ذر! أَعَيَّرْتَهُ بأمه؟ ! إنك امرؤ فيك جاهلية".
وفي رواية (2): قلت: على حين 3 ساعتي هذه من كبر السن؟ قال: "نعم، إخوانكم خَوَلُكُمْ، جعلهم اللَّه تحت أيديكم، فمن كان أخوه تحت يده فليُطْعِمْهُ مما يأكل، وليُلْبِسْهُ مما يلبس، ولا تكلفوهم ما يَغْلِبُهم، فإن كلفتموهم فأعينوهم".
"الحلة": كل ثوبين غير مُلَفَّقَيْن مجموعَيْن على لابسٍ، حريرًا كانا أو غيره.
23 - وعن عبادة بن الصامت -وكان شهد بدرًا- وهو أحد النقباء ليلةَ العَقَبَةِ: أن رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- قال -وحوله عصابة من أصحابه- "بايعوني على ألا تشركوا باللَّه شيئًا، ولا تسرقوا، ولا تزنوا، ولا تقتلوا أولادكم، ولا تأتوا ببهتان تَفْتَرُونَهُ بين أيديكم وأرجلكم، ولا تعصوا في معروف، فمن وفى منكم فأجره على اللَّه، ومن أصاب من ذلك شيئًا فعوقب في الدنيا فهو كفارة

له 1، ومن أصاب من ذلك شيئًا، ثم ستره اللَّه فهو إلى اللَّه؛ إن شاء عفا عنه، وإن شاء عاقبه".
فبايعناه على ذلك.
24 - وعن الأَحْنَفِ بن قيس قال: ذهبت لأنصر هذا الرجل 2 فلقيني أبو بَكْرَةَ فقال: أين تريد؟ قلت: أنصر هذا الرجل.
قال: ارجع فإني سمعت رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- يقول: "إذا التقى المسلمان بسيفيهما فالقاتل والمقتول في النار" 3. قلت: يا رسول اللَّه! هذا القاتل، فما بال المقتول؟ قال 4: "إنه كان حريصًا على قتل صاحبه".
قوله: يفترينه بين أيديهم وأرجلهن: قيل فيه: إنه الزنا.
وقيل فيه: أن تربي ولد غير زوجها وتنسبه له.
واللَّه أعلم.


(8) باب كفران الحقوق، وكفر دون كفر، وظلم دون ظلم

25 - عن ابن عباس قال: قال النبي -صلى اللَّه عليه وسلم-: "أُرِيتُ النار فرأيت أكثر أهلها النساء يكفرن"، قيل: أيكفرن باللَّه؟ قال: "يكفُرْنَ العَشِيرَ 1، ويكفرن الإحسان، إن أحسنت إلى أحداهن الدهر ثم رأت منك شيئًا.
قالت: ما رأيت منك خيرًا قط".
26 - وعن عبد اللَّه بن مسعود: لما نزلت: ﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ﴾ [الأنعام: 82] قال أصحاب رسول اللَّه (2): أَيُّنَا لم يظلم نفسه؟ ،

فأنزل اللَّه تعالى: ﴿إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ﴾ [لقمان: 13].
الغريب: "الكفر" لغة: هو التغطية، والجحد مطلقًا، وهو في عرف الشرع: جحد ما علم من ضرورة الشرع.
و"الظلم": وضع الشيء غير موضعه، وقد يقال على النقص، ومنه قوله تعالى: ﴿وَلَا يُظْلَمُونَ نَقِيرًا﴾.
"العشير": المعاشر، وهو المخالط، وعدل عنه للمبالغة، وهو الزوج هنا.


(9) باب زيادة الإيمان ونقصانه

وقوله تعالى: ﴿أَيُّكُمْ زَادَتْهُ هَذِهِ إِيمَانًا﴾ [التوبة: 124]، و ﴿لِيَزْدَادُوا إِيمَانًا مَعَ إِيمَانِهِمْ﴾ [الفتح: 4] وقال ابن أبي مُلَيْكَةَ: أدركت ثلاثين من أصحاب رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- كلهم يخاف النفاق على نفسه، ما منهم أحد يقول: إنه على إيمان جبريل وميكائيل.
27 - عن عائشة قالت: كان النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- إذا أمرهم، أمرهم 1 من الأعمال

بما يُطِيقُون.
قالوا: لسنا كهيئتك يا رسول اللَّه، قد غفر اللَّه لك ما تقدم من ذنبك وما تأخر؟ فيغضب، حتى يعرف الغضب في وجهه، ثم يقول: "إن أتقاكم وأعلمكم باللَّه أنا".
28 - وعن أبي سعيد الخدري، واسمه سعد بن مالك بن سنان عن النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- قال: "يدخل أهل الجنةِ الجنةَ وأهل النارِ النارَ، ثم يقول: أخرجوا من كان في قلبه مثقال حبة من خَرْدَلٍ من إيمان، فيخرجون منها قد اسْوَدُّوا، فيُلْقَوْنَ في نهر الحيا -أو الحياة - شك مالك- فينبتون كما تنبت الحِبّه في جانب السَّيْلِ، ألم تَرَ أنها تخرج صفراء ملتوية؟ ". (الحِبَّة) -بكسر الحاء-: بزر الصحراء مما ليس بقُوتٍ، وبالفتح لما ليس كذلك كحبة الحنطة (1)، ونحوها.


(10) باب كمال الإسلام في نفسه، وتفاوت أهله فيه

29 - عن عمر بن الخطاب: أن رجلًا من اليهود قال له: يا أمير (1) ما أثبتناه من "البخاري"، وفي الأصل: "الحنطية".
28 - خ (1/ 23 - 24)، (2) كتاب الإيمان، (15) باب: تفاضل أهل الإيمان في الأعمال، من طريق مالك، عن عمرو بن يحيى المازني، عن أبيه، عن أبي سعيد الخدري به، رقم (22). وأطرافه في (4581، 4919، 6560، 6574، 7438، 7439). 29 - خ (1/ 31)، (2) كتاب الإيمان، (33) باب: زيادة الإيمان ونقصانه، وقول اللَّه تعالى: ﴿وَزِدْنَاهُمْ هُدًى - وَيَزْدَادَ الَّذِينَ آمَنُوا إِيمَانًا﴾، وقال: {الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ =

جارٍ التحميل