باب (1) إذا قالت المرأة: إنها حاضت في شهر ثلاث حيض وما يصدق النساء فيه من ذلك
في الاستسقاء (1)، وأنه يرفع حتى يرى بياض إبطيه.
(3) باب من اكتفى بصلاة الجمعة في الاستسقاء
534 - عن أَنس قال: كان رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- يخطب يوم الجمعة 2، فقام الناس فصاحوا فقالوا: يا رسول اللَّه! قَحَطَ المطرُ، وَاحْمَرَّتِ الشَّجَرُ، وهلكت البهائم، فادعُ اللَّه أن 3 يسقينا فقال: "اللهم اسقنا" مرتين، وايمُ اللَّه ما نرى في السماء قَزَعَةً من سحاب، فنشأت سحابة وأمطرت، ونزل عن المنبر فصلى، فلما انصرف لم تزل تمطر إلى الجمعة التي تليها، فلما قام النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- يخطب صَاحُوا إليه: تهدمت البيوت، وانقطعت السُّبُل، فادع اللَّه يحبسها عنا، فتبسم النبي -صلى اللَّه عليه وسلم-، وقال: "اللهم حوالينا ولا علينا"، وتكشطت 41
المدينة، فجعلت تمطر حولها وما تمصر (1) بالمدينة قطرة، فنظرت إلى المدينة وإنها لفي مثل الإكليل.
(4) باب الدعاء في الصحو عند كثرة المطر
535 - وعن أَنس: أن رجلًا دخل المسجد يوم الجمعة من باب كان نحو 2 دار القضاء -ورسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- قائم يخطب- فاستقبلَ رسولَ اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- قائمًا ثم قال: يا رسول اللَّه! هلكت الأموال، وانقطعت السُّبُل، فادع اللَّه يُغيثنا، فرفع رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- يديه ثم قال: "اللهم أغثنا، اللهم أغثنا، اللهم أغثنا" قال أَنس: واللَّه ما نرى في السماء من سحاب ولا قَزَعَةٍ، وما بيننا وبين سَلْعٍ من بيتٍ ولا دار قال: فطلعت من ورائه سحابة مثل التُّرْسِ، فلما توسطت انتشرت ثم أمطرت.
فلا واللَّه، ما رأينا الشمس 3 سبتًا.
ثم دخل رجل من ذلك الباب في الجمعة -ورسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- قائمٌ يخطب- فاستقبله قائمًا فقال: يا رسول اللَّه، هلكت الأموال وانقطعت السُّبُل، فادع اللَّه يمسكها عَنَّا.
قال:1
فرفع رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- يديه ثم قال: "اللهم حوالينا ولا علينا، اللهم على الآكام والظِّرَابِ 1، وبطون الأودية، ومنابت الشجر" قال: فأقلعت، وخرجنا نمشي في الشمس.
قال شَرِيكُ: فسألت 2 أنسًا: أهو الرجل الأول؛ فقال؟ ما أدري.
الغريب:
"قَحَط المطر": يَقْحَط قُحُوطًا: إذا احتبس، وحكى الفراء: قَحِطَ بكسر الحاء.
و"قَزَعَة": قطعة من السحاب.
و"نشأت": ابتدأت.
و"تَكَشَّطَت": أي: أقلعت عن المدينة.
و"دار القضاء": سميت بذلك؛ لأنها بيعت في قضاء دين عمر بن الخطاب، مات وعليه عشرون ألفًا دينًا، فوصَّى إن يُوَفَّى دينه من ماله، فبيعت تلك الدار من معاوية، وماله بالغابة لغيره، وكان هذا الدين مما كتبه على نفسه لبيت المال.
و"الإكْلِيل": شبه عصابة تزين بالجوهر، ويسمَّى التاج إكليلًا؛ يعني: أن الماء أحاط بالمدينة كإحاطة هذه العصابة بالرأس.
و"الأموال": هنا المواشي والإبل وغيرها.
و"السُّبُل": جمع سبيل، وهو الطريق، وهلاك المواشي لعدم المرعى، وهلاك الطرق لتعذر المسير فيها من جهة ما يؤكل فيها.
و"سَلْع" بفتح السين وسكون اللام: جبل بقرب المدينة.
و"سَبْتًا": أي: إلى السبت المقبل، كما يقال جمعة.
و"حَوَالَيْنَا": أي: حولنا، وهو ظرف منصوب بفعل مضمر؛ أي: أنزل.
و"الآكام": جمع أكَمَةٍ، وهي الرابية، ويجمع آكام بفتح الهمزة وكسرها، وبالوجهين رويته هنا.
ويجمع أيضًا أكَمَةٍ، وأكَم وأُكُم.
و"الظِّرَاب": الروابي جمع ظرب.
و"الرابية": دون التل.
(5) باب استشفاع المشركين بالمسلمين عند القحط، والتوسل بالأنبياء والصالحين، وانتقام اللَّه بالقحط إذا انتُهِكَتْ محارِمُه
536 - عن مسروق قال: أتيت ابن مسعود قال: إن قريشًا أبطؤوا عن الإسلام، فدعا عليهم النبي -صلى اللَّه عليه وسلم-، فأخذتهم سَنَةٌ حتى هلكوا فيها، وأكلوا الميتة والعظام.
فجاء 1 أَبو سفيان فقال: يا محمد جئت تأمر بصلة الرحم، وإن قومك
هلكوا فادع اللَّه، فقرأ: ﴿فَارْتَقِبْ يَوْمَ تَأْتِي السَّمَاءُ بِدُخَانٍ مُبِينٍ﴾ [الدخان: 10] ثم عادوا إلى كفرهم.
فذلك قوله: ﴿يَوْمَ نَبْطِشُ﴾ [الدخان: 17] 1 يوم بدر.
وفي رواية 2: فدعا رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- فسُقُوا الغيث.
فأطبقت عليهم سبعًا، وشكا الناس كثرة المطر.
قال 3: "اللهم حوالَيْنَا ولا علينا"، فانحدرت السحابة عن رأسه، فسقُوا الناسُ حولهم.
537 - وعن عبد اللَّه بن دينار قال: سمعت ابن عمر يتمثل بشعر أبي طالب:
وأبيضُ يُسْتَسْقَى الغَمَامُ بوَجْهِهِ 4 ... ثِمَالُ اليتامى عِصْمَةٌ للأَرَامِلِ 5
وقال 6: ربما ذكرت قول الشاعر وأنا أنظر إلى وجه النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- يستسقي فما ينزل حتى يَجِيشَ كلُّ ميزابٍ.
وأنشد قول أبي طالب.
. . البيت.
538 - وعن أنس: أن عمر بن الخطاب كان إذا قحطوا استسقى بالعباس ابن عبد المطلب فقال: اللهم إنَّا كُنَّا نتوسل إليك بنبينا فتسقينا، وإنا نتوسل إليك بعم نبينا فاسقنا، قال: فيُسْقَوْنَ.
(6) باب ما يقال عند المطر، وذكر الرياح والزلازل
539 - عن عائشة: أنَّ رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- كان إذا رأى المطر قال: "صَيِّبًا نافعًا".
540 - وعن زيد بن خالد الجُهَنِيِّ أنه قال: صلى لنا رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- صلاة الصبح بالحديبية على إثر سماءٍ (1) كانت من الليل، فلما انصرف النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- (1) (إثر السماء)؛ أي: مطر؛ لكونه ينزل من جهة السماء، وكل جهة علو تسمى سماء.
538 - خ (1/ 318)، في الكتاب والباب السابقين، من طريق أبي عبد اللَّه بن المثنى، عن ثمامة بن عبد اللَّه بن أنس، عن أنس به، رقم (1010)، طرفه في (3710).
539 - خ (1/ 324)، (15) كتاب الاستسقاء، (23) باب: ما يقال إذا أمطرت، من طريق عبيد اللَّه، عن نافع، عن القاسم بن محمد، عن عائشة به، رقم (1032).
540 - خ (1/ 326)، (15) كتاب الاستسقاء، (28) باب: قول اللَّه تعالى: ﴿وَتَجْعَلُونَ رِزْقَكُمْ أَنَّكُمْ تُكَذِّبُونَ﴾، من طريق صالح بن كيسان، عن عبيد اللَّه بن عبد اللَّه بن عتبة ابن مسعود، عن زيد بن خالد الجهني به، رقم (1038).
أقبل على الناس فقال: "هل تدرون ماذا قال ربكم؟ " قالوا: اللَّه ورسوله أعلم.
قال: "أصبح من عبادي مؤمن بي وكافر، فأما من قال: مطرنا بفضل اللَّه ورحمته فذلك مؤمن بي، كافر بالكوكب، وأما من قال: بنَوْءِ كذا وكذا، فذلك كافر بي، مؤمن بالكوكب".
541 - وعن ابن عباس: أنَّ النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- قال: "نصرت بالصَّبَا، وأُهْلِكَتْ عاد بالدَّبُور".
542 - وعن أبي هريرة قال: قال رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم-: "لا تقوم الساعة حتى يُقْبَضَ العلم، وتكثر الزلازل، ويتقارب الزمان، وتظهر الفتن، ويكثر الهَرْجُ -وهو القتل- حتى يكثر فيكم المال فيفيض".
543 - وعن ابن عمر قال (1): اللهم بارك في شامنا وفي يمننا.
قال: قالوا: وفي نَجْدِنَا (قال: اللهم بارك لنا في شامنا وفي يمننا.
قال: (1) قال الحافظ في "الفتح" (2/ 522): هكذا وقع في هذه الروايات التي اتصلت لنا بصورة الموقوف عن ابن عمر قال: "اللهم بارك" لم يذكر النبي -صلى اللَّه عليه وسلم-.
وقال القابسي: سقط ذكر النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- من النسخة، ولا بد منه؛ لأن مثله لا يقال بالرأي.
541 - خ (1/ 325)، (15) كتاب الاستسقاء، (26) باب: قول النبي -صلى اللَّه عليه وسلم-: "نصرت بالصبا"، من طريق شعبة، عن الحكم، عن مجاهد، عن ابن عباس به، رقم (1035)، أطرافه في (3205، 3343، 4105).
542 - خ (1/ 325 - 326)، (15) كتاب الاستسقاء، (27) باب: ما قيل في الزلازل والآيات، من طريق أبي الزناد، عن الأعرج، عن أبي هريرة به، رقم (1036).
543 - خ (1/ 326)، (15) كتاب الاستسقاء، (27) باب: ما قيل في الزلازل والآيات، من طريق ابن عون، عن نافع، عن ابن عمر به، رقم (1037).
قالوا: وفي نَجْدنا) (1) قال: هناك الزلازل والفتن وبها يطلع قَرْنُ الشيطان.
(7) باب لا يدري متى يجيء المطر إلا اللَّه
544 - عن ابن عمر قال: قال النبي -صلى اللَّه عليه وسلم-: "مفاتيح الغيب خمس لا يعلمها إلا اللَّه: لا يعلم أحد ما يكون في غَدٍ، ولا يعلم أحدٌ ما يكون في الأرحام، ولا تعلم نفسٌ ماذا تكسب غدًا، وما تدري نفس بأي أرض تموت، وما يدري أحد متى يجيء المطر".
الغريب:
"صَيِّبًا": نازلًا، يقال: صَابَ يَصُوبُ صَوْبًا، فهو صائب وصيِّب.
قلبت واوه ياء وأدغمت في الياء، وهو منصوب بفعل مُضْمَرٍ؛ أي: اجعله صَيِّبًا.
و"إثر سماء": بعد مطر.
و"الحُدَيْبِيَة": ما قربت من مكة، ومن اعتقد أن المطر يكون بخلق الكوكب فهو كافر حقيقة.
و"النَّوْءُ": النهوض بثقل.
و"الصبَا": الريح الشرقية.1
و"الدَّبور": الريح التي تأتي من دُبر قبلة أهل المدينة.
و"النجد": المرتفع من الأرض، وقرن الشيطان: الأمم الكفار التي كانوا هناك، ويحتمل أن يكون ذلك عبارة عن مُهيج القتل والشرور التي ظهرت، وتظهر من المشرق.
و"تَقَارُب الزمان": هُنا فساد أهله واستواؤهم في الفساد، وقيل: قصرُ الأعمار.
(16) كتاب الكسوف
(16) كتاب الكسوف
(1) باب ما يؤمر به عند الكسوف
545 - عن المُغِيرة بن شعبة: كَسَفَت الشمس على عهد رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- يوم مات إبراهيم، فقال الناس: كسفت لموت إبراهيم.
فقال رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم-: "إن الشمس والقمر لا ينكسفان لموت أحدٍ، ولا لحياته.
فإذا رأيتم فصلوا وادعو اللَّه".
وفي رواية 1: "الشمس 2 والقمر آيتان من آيات اللَّه لا ينكسفان لموت أحدٍ، ولا لحياته فإذا رأيتموها 3 فادعو اللَّه، وصلوا حتى ينجلي".
546 - وعن أبي موسى قال: خَسَفَت الشمس فقام النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- فَزِعًا يخشى أن تكون الساعة فأتى المسجد فصلى بأطول قيام وركوع وسجود رأيته قط يفعله، وقال: "هذه الآيات التي يرسل اللَّه لا تكون لموت أحدٍ ولا لحياته، ولكن يخوِّفُ اللَّه بهما 1 عباده، فإذا رأيتم شيئًا من ذلك فافزعوا إلى ذكر (2) اللَّه ودعائه واستغفاره".
547 - وعن أسماء بنت أبي بكر قالت: لقد أَمَرَ رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- بالعَتَاقَةِ في كسوف الشمس.
548 - ومن حديث عائشة: "فإذا رأيتم ذلك فادعوا اللَّه وكبروا وصَلُّوا وتَصَدَّقُوا".
(2) باب ما يُنَادَى به لصلاة كسوف الشمس، وكيفيتها
549 - عن عبد اللَّه بن عمرو قال: لما كسفت الشمس على عهد رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- نودي: إنَّ الصلاة جامعة، فركع النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- ركعتين في سجدة، ثم قام فركع ركعتين في سجدة، ثم جلس، ثم جُلِّيَ عن الشمس.
قال: وقالت عائشة 1: ما سجدت سجودًا قط كان أطول منها.
550 - وعن عائشة قالت: خَسَفَت الشمس في عهد رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- فصلى رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- بالناس، فأطال القيام، ثم ركع فأطال الركوع، ثم قام فأطال القيام -وهو دون القيام الأول- ثم ركع فأطال الركوع -وهو دون الركوع الأول- ثم سجد فأطال السجود، ثم فعل في الركعة الأخرى 2 مثل ما فعل في الركعة 3 الأولى، ثم انصرف وقد تجلت (4) الشمس، فخطب الناس فحمد اللَّه وأثنى عليه، ثم قال: "إن الشمس والقمر آيتان من آيات اللَّه لا ينخسفان لموت أحدٍ ولا لحياته، فإذا رأيتم ذلك فادعوا اللَّه، وكبِّروا،
وصلوا، وتصدقوا".
ثم قال: "يا أمة محمد! واللَّه ما من أحدٍ أَغْيَرُ من اللَّه أن يزني عبده أو تزني أَمَتُهُ، يا أمةَ محمد! واللَّه 1 لو تعلمون ما أعلم لضحكتم قليلًا، ولبكيتم كثيرًا".
وفي رواية 2: قالت: خَسَفَتِ الشمسُ في حياة النبي -صلى اللَّه عليه وسلم-، فخرج إلى المسجد فَصَفَّ الناسُ وراءَهُ، فكبر، فاقترأ قراءة طويلة، ثم كبَّر فركع ركوعًا طويلًا، ثم قال: "سمع اللَّه لمن حمده"، فقام ولم يسجد، وقرأ قراءة طويلة هي أدنى من القراءة الأولى، ثم كبر وركع ركوعًا طويلًا، هو 3 أدنى من الركوع الأول، ثم قال: "سمع اللَّه لمن حمده، ربنا ولك الحمد"، ثم سجد، ثم قال في الركعة الآخرة مثل ذلك، فاستكمل أربع ركعاتٍ في أربع سجدات.
وفي رواية 4 عنها قالت: جَهَرَ رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- في صلاة الكسوف 5 بقراءة، فإذا فرغ من قراءته كبَّر فركع، وإذا رفع من الركعة قال: "سمع اللَّه لمن حمده ربنا ولك الحمد"، ثم يعاود القراءة في صلاة الكسوف أربع ركعات في ركعتين وأربع سجدات.
قال الزهري (1): قلت لعروة (2): ما صنع أخوك (3) عبد اللَّه بن الزبير، ما صلى إلا ركعتين مثل الصبح إذ صلى بالمدينة، قال: أجل، إنه أخطأ السُّنَّةَ.
(3) باب من قال يُسِرُّ فيها، ولا يطول السجود
551 - عن عبد اللَّه بن عباس قال: انخسفت الشمس على عهد رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- 4، فقام قيامًا طويلًا نحوًا من قراءة سورة البقرة، ثم ركع ركوعًا طويلًا، ثم رفع فقام قيامًا طويلًا -وهو دون القيام الأول- ثم ركع ركوعًا طويلًا -وهو دون الركوع الأول- ثم سجد، ثم قام قيامًا طويلًا -وهو دون القيام الأول- ثم ركع ركوعًا طولًا -وهو دون الركوع الأول- ثم رفع فقام قيامًا طويلًا -وهو دون القيام الأول- ثم ركع ركوعًا طويلًا -وهو دون الركوع123
الأول- ثم سجد، ثم انصرف وقد تَجَلَّتِ الشمس فقال (1): "إن الشمس والقمر آيتان من آيات اللَّه لا يَخْسِفَان لموت أحد ولا لحياته، فإذا رأيتم ذلك فاذكروا اللَّه"، قالوا: يا رسول اللَّه! رأيناك تناولت شيئًا في مقامك، ثم رأيناك كَعْكَعْتَ فقال: "إني رأيت الجنة وتناولت (2) عنقودًا، ولو أصبته لأكلتم منه ما بقيت الدنيا، وأُريتُ النار فلم أر منظرًا كاليوم قطُّ أفظعَ، ورأيت أكثر أهلها النساء" فقالوا (3): بم يا رسول اللَّه؟ قال: "بكُفْرِهِنَّ".
قيل: يكفرن (4) باللَّه؟ قال: "يكفرن العشير، ويكفرن الإحسان، لو أحسنت إلى إحداهن الدهر كله، ثم رأت منك شيئًا، قالت: ما رأيت منك خيرًا قط".
(4) باب صلاة النساء مع الرجال في الكسوف
552 - عن أسماء بنت أبي بكر أنها قالت: أتيت عائشة -زوج النبي -صلى اللَّه عليه وسلم-1234
حين خَسَفَت الشمس، فإذا الناس قيام يصلون، وإذا هي قائمة تصلي.
فقلت: ما للناس؟ فأشارت بيدها إلى السماء، وقالت: سبحان اللَّه.
فقلت: آية؟ فأشارت أنْ نعم.
قالت: فقمت حتى تَجَلَّاني الغَشْيُ، فجعلت أصب فوق رأسي الماء، فلما انصرف رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- حمد اللَّه وأثنى عليه.
في رواية 1: خطب، فحمد 2 اللَّه بما هو أهله -ثم قال: "أما بعد: ما من شيء كنت لم أره إلا قد رأيته في مقامي هذا، حتى الجنة والنار، ولقد أوحي إليَّ أنكم تُفْتَنُونَ في القبور مثل -أو قريبًا- من فتنة الدَّجَّال -لا أدري أيتهما قالت أسماء- يؤتَى أحدكم فيقال له: ما علمك بهذا الرجل؟
فأما المؤمن-أو الموقن - لا أدري أيَّ ذلك قالت أسماء- فيقول: محمد رسول اللَّه 3، جاءنا بالبينات والهُدَى، فأجبنا وآمنَّا واتبعنا فيقال له: نم صالحًا، قد علمنا 4 إن كنت لموقنًا.
وأما المنافق أو المرتاب -لا أدري أيّهما قالت أسماء- فيقول: لا أدري، سمعت الناس يقولون شيئًا فقلته".
(5) باب من قال: يصلي في كسوف الشمس ركعتان كسائر النوافل
553 - عن أبي بَكْرَةَ قال: كنا عند النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- فانكسفت الشمس، فقام رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- يَجُرُّ رداءَه، حتى دخل المسجد ودخلنا 1، فصلى بنا ركعتين حتى انجلت الشمس فقال 2: "إنَّ الشمس والقمر لا ينكسفان لموت أحد، فإذا رأيتموها 3 فصلوا وادْعُوا حتى ينكشف ما بكم".
في رواية 4: وذلك 5 أنَّ ابنًا للنبي -صلى اللَّه عليه وسلم- مات، يقال له: إبراهيم.
فقال الناس في ذلك 6.
الغريب:
"الكسوف": التَّغَيُّر، و"الخسوف": النقصان.
قاله الأَصْمَعِيُّ.
فكسوف
الشمس والقمر وخسوفهما تغيرهما ونقصان ضوئهما.
وقال بعض اللُّغَوِييِّن: لا يقال في الشمس إلا كَسَفَتْ، ولا في القمر إلا خَسَفَ، وذكر هذا عن عروة.
وقال الليث بن سعد: الخسوف في الكل، والكسوف في البعض -يعني: في الشمس والقمر- والمعروف الأول.
وقوله في حديث ابن عمر: "فصلى ركعتين في سجدة": يعني ركعين في ركعة، وأهل الحجاز يسمون الركعة سجدة.
و"غَيْرَةُ اللَّه": عبارة عن صيانته المحارم بالردع والزجر عنها، والوعيد الشديد على من استباح شيئًا منها.
و"تَكَعْكَعْت": تاخرت يقال: كع وتكعكع بمعنى واحد، ورؤيته عليه السلام لِلْجَنَّةِ والنار على حقيقتهما، فإنه قوَّى إدراكه حتى رآهما حيث هما، كما فعل به حين أبصر بيت المقدس وهو بمكة.
و"أفظع": أكره وأصعب.
و"يَكْفُرْن الإحسان": يجحدن حقوق الأزواج وإنعامهم.
و"العشير": المعاشر، وهو الزوج هنا.
و"الغَشْي" بسكون الشين وبكسرها: هو خفيف الإغماء.
و"تُفْتَنُون": تمتحنون بالسؤال المذكور.
و"المُوقِنُ": الراسخ الإيمان، و"المُرْتَاب": الشاك.
وقوله: "سمعت الناس يقولون شيئًا فقلته" صريحٌ في ذم التقليد المَحْض وتحريمه.
(6) باب ما جاء في سجود القرآن، وأنه ليس بواجب
554 - عن ابن عمر قال: كان النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- يقرأ السجدة ونحن عنده، فيسجد ونسجد معه، فنزدحم حتى ما يجد أحدنا موضعًا لجبهته 1.
555 - وعن ربيعة بن عبد اللَّه بن الهُدَيْر التَّيْمِيِّ: عما حضر ربيعةُ من عمر بن الخطاب -قرأ يوم الجمعة على المنبر بسورة النحل.
حتى إذا جاء السجدةَ نزل فسجد وسجد الناس.
حتى إذا كانت الجمعة القابلة قرأ بها.
حتى إذا جاء السجدة قال: يا أيها الناس إنما 2 نمرُّ بالسجود فمن سجد فقد أصاب، ومن لم يسجد فلا إثم عليه، ولم يسجد 3 عمر.
في رواية نافع (4): إن اللَّه لم يفرض السجود إلا أن نشاء.
(7)
باب
مواضع سجد فيها النبي -صلى اللَّه عليه وسلم-
556 - عن أبي هريرة قال: كان النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- يقرأ في الجمعة في صلاة الفجر: ﴿الم 1 تَنْزِيلُ﴾ السجدة، و ﴿هَلْ أَتَى عَلَى الْإِنْسَانِ﴾.
557 - وعن ابن عباس قال: "ص" ليس من عزائم السجود، وقد رأيت رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- يسجد فيها.
558 - وعن الأسود، عن عبد اللَّه: أن النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- قرأ سورة النجم فسجد فيها (1)، فما بقي أحد من القوم إلا سجد، فأخذ رجل من القوم كَفًّا من حَصًى أو تراب، فرفعه إلى وجهه، وقال: يكفيني هذا.
قال (2) عبد اللَّه: لقد رأيته بعدُ قُتِل كافرًا.
559 - ومن حديث ابن عباس: أن النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- سجد بالنجم، وسجد معه
المسلمون والمشركون، والجن والإنس.
560 - وعن زيد بن ثابت: أنه قرأ على النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- "والنجم" فلم يسجد فيها.
561 - وعن أبي سلمة قال: رأيت أبا هريرة -رضي اللَّه عنه- قرأ ﴿إِذَا السَّمَاءُ انْشَقَّتْ﴾ فسجد بها.
فقلت: يا أبا هريرة ألم أرك تسجد؟ قال: لو لم أر النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- يسجد لم أسجد.
(8) باب
(1)
قيل لعمران بن حصين: الرجل يسمع السجدة لو يجلس؟ قال: أرأيت لو قعد لها -كأنه لا يوجبه عليه- وقال سلمان: ما لهذا غَدَوْنَا، وقال عثمان: (1) خ (1/ 338)، (17) كتاب سجود القرآن، (10) باب: من رأى أن اللَّه عز وجل لم يوجب السجود، وقد ذكر البخاري رحمه اللَّه هذه الآثار في صدر ترجمة الباب.
= المشركين، والمشرق نجس ليس له وضوء، من طريق أيوب، عن عكرمة، عن ابن عباس به، رقم (1071)، طرفه في (4862).
560 - خ (1/ 337)، (17) كتاب سجود القرآن، (6) باب: من قرأ السجدة ولم يسجد، من طريق أبي إياس، عن ابن أبي ذئب، عن يزيد بن عبد اللَّه بن قُسَيْط، عن عطاء ابن يسار، عن زيد بن ثابت به، رقم (1073)، طرفه في (1072).
561 - خ (1/ 337 - 338)، (17) كتاب سجود القرآن، (7) باب: سجدة ﴿إِذَا السَّمَاءُ انْشَقَّتْ﴾، من طريق هشام -هو الدَّسْتَوَائِي-، عن يحيى -هو ابن أبي كثير-، عن أبي سلمة، عن أبي هريرة به، رقم (1074).
إنما السجدة على من استمعها.
وقال الزهري: لا يسجد إلا أن يكون طاهرًا، فإذا سجدت وأنت في حضرٍ فاستقبل القبلة، وإن كنت راكبًا فلا عليك حيث كان وجهك.
وكان السائب بن يزيد لا يسجد لسجود القاصِّ.
(9) باب حكم قَصْرِ الصَّلاةِ في السفر، ومسافته
1 - عن عائشة قالت: الصلاة أول ما فُرِضَتْ ركعتين، فأُقِرَّتْ صلاةُ السفر، وأُتِمَّتْ صلاة الحضر.
قال الزهري: فقلت لعروة: ما بال عائشة تتم؟ قال: تأولت ما تأول عثمان.
2 - وعن ابن عباس قال: أقام النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- تسعة عشر يَقْصُرُ، فنحن إذا سافرنا تسعة عشر قصرنا، وإن زدنا أتممنا.
3 - وعن أنس قال: خرجنا مع النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- من المدينة إلى مكة، فكان
يصلي ركعتين ركعتين، حتى رجعنا إلى المدينة.
قلت: أقمتم بمكة شيئًا؟ قال: أقمنا عشرًا.
565 - وعن ابن عمر: أن النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- قال: "لا تسافر المرأةُ ثلاثة أيام، إلا مع ذي مَحْرَمٍ".
566 - وعن أبي هريرة قال: قال النبي -صلى اللَّه عليه وسلم-: "لا يحل لامرأة تؤمن باللَّه واليوم الآخر أن تسافر مسيرة يوم وليلةٍ ليس معها حُرْمَةٌ".
وكان ابن (1) عمر وابن عباس يَقْصرَانِ ويُفْطِرَانِ في أربعة بُردٍ، وهو ستة عشر فَرْسَخًا (2).
(10) باب قَصْرِ الصلاةِ بمِنًى
567 - عن نافع عن عبد اللَّه قال: صليت مع النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- بمنى ركعتين،1
وأبي بكر وعمر ومع عثمان صدرًا من إمارته، ثم أَتَمَّها.
568 - وعن حارثة بن وهب قال: صلى بنا النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- آمَنَ ما كان بمنًى ركعتين.
وفي رواية 1: ونحن أكثر ما كنا قَطُّ وآمَنُهُ.
569 - وعن عبد الرحمن بن يزيد قال: صلى بنا عثمان بن عفان 2 بمنًى أربع ركعات.
فقيل ذلك لعبد اللَّه بن مسعود فاسترجع، ثم قال: صليت مع رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- بمنى ركعتين 3، فليت حظى من أربع رَكَعَاتٍ ركعتان مُتَقَبَّلَتَانِ (4).
- تنبيه:
اختلف في تأويل عائشة وعثمان الذي حملهما على الإتمام في السفر على أقوالٍ ذكرناها في كتابنا المُفْهِم، وأشبهها أنهما تأَوَّلا أن القصر رخصة غير واجب، فأخذا بالأكمل والأتم، وكأنَّ عائشة رجعت عن حديثها الأول.
واللَّه أعلم.
(11) باب يقصر إذا فارق موضعه، وكم المدة التي إذا نواها المسافر أتم؟
وخرج (1) عليٌّ فَقَصَرَ وهو يرى البيوت، فلما رجع قيل له: هذه الكوفة قال: لا، حتى ندخلها.
570 - عن أنس قال: صليت الظهر مع رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- بالمدينة أربعًا، وبذي الحُلَيْفَةِ ركعتين.
571 - وعن العلاء بن الحَضْرَمِيِّ: قال رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم-: "ثلاث (1) خ (1/ 342)، (18) كتاب تقصير الصلاة، (5) باب: يقصر إذا خرج من موضعه، ذكر البخاري أثر علي في ترجمة الباب معلقًا.
570 - خ (1/ 342)، في الكتاب والباب السابقين، من طريق سفيان، عن محمد بن المنكدر وإبراهيم بن ميسرة، عن أنس به، رقم (1089)، أطرافه في (1546، 1547، 1548، 1551، 1712، 1715، 2951، 2986).
571 - خ (3/ 78)، (63) كتاب مناقب الأنصار، (47) باب: إقامة المهاجر بمكة بعد =
للمهاجر بعد الصَّدْرِ" (1).
(12) باب الجمع بين الصلاتين في السفر إذا أعجله السَّيْرُ
572 - عن سالم قال: كان ابن عمر (2) يجمع بين المغرب والعشاء بالمزدلفة.
قال سالم: وأَخَّرَ ابن عمر المغرب وكان استصرخ على امرأته صفية بنت أبي عبيد.
فقلت له: الصلاة.
فقال: سِرْ، فقلت: الصلاة.
فقال: سِرْ، حتى سار ميلين أو ثلاثة، ثم نزل فصلى، ثم قال: هكذا رأيت النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- يصلي إذا أعجله السَّيْرُ.1
وقال عبد اللَّه: رأيت النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- إذا أعجله السَّيْر يؤخر المغرب فيصليها ثلاثًا، ثم يسلم.
ثم قلَّ ما يلبث حتى يقيم العشاء، فيصليها ركعتين.
ثم يسلم ولا يُسَبِّح بعد العشاء حتى يقوم من جوف الليل.
573 - عن ابن عباس قال: كان رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- يجمع بين صلاة الظهر والعصر إذا كان على ظَهْرِ سَيْرٍ، ويجمع بين المغرب والعشاء.
574 - وعن أنس بن مالك: كان النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- يجمع بين (1) المغرب والعشاء في السفر.
575 - وقال: كان رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- إذا ارتحل قبل أن تزيغ الشمسُ أَخَّرَ الظهرَ إلى وقت العصر، ثم نزل فجمع بينهما، فإن زاغت الشمس قبل أن يرتحل صلى الظهر ثم ركب.
-
- * (1) في "صحيح البخاري": "صلاة المغرب.
. . ". 573 - خ (1/ 346)، (18) كتاب تقصير الصلاة، (13) باب: الجمع في السفر بين المغرب والعشاء، من طريق يحيى بن أبي كثير، عن عكرمة، عن ابن عباس به، تعليقًا، رقم (1107). 574 - خ (1/ 346)، في الكتاب والباب السابقين، من طريق يحيى بن أبي كثير، عن حفص بن عبيد اللَّه بن أنس، عن أنس به، رقم (1108). 575 - خ (1/ 347)، (18) كتاب تقصير الصلاة، (16) باب: إذا ارتحل بعدما زاغت الشمس صلى الظهر ثم ركب، من طريق عقيل، عن ابن شهاب، عن أنس بن مالك به، رقم (1112).
- * (1) في "صحيح البخاري": "صلاة المغرب.
(13) باب صلاة التطوع على الدواب في السفر حيثما توجهت
576 - عن عامر بن ربيعة قال: رأيت رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- وهو على الراحلة يسبِّحُ يومئ برأسه قِبَلَ أيّ وَجْهٍ توجَّهَ 1.
577 - وعن ابن عمر: أنه كان يصلي على دابته من الليل وهو مسافر، ما يبالي حيث كان توجهه.
وقال: كان (2) رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- يسبّح على الراحلة قِبَلَ أي وَجْهٍ تَوَجَّهَ، ويوتر عليها، غير أنه لا يصلي عليها المكتوبة.
578 - وعن جابر بن عبد اللَّه: أن النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- كان يصلي على راحلته نحو المَشْرِقِ، فإذا أراد أن يصلي المكتوبة نزل فاستقبل القبلة.
579 - وعن أنس بن سيرين قال: اسْتَقْبَلَنَا أنسٌ (1) حين قدم من الشام فلقيناه بعين التمر (2)، فرأيته يُصَلِّي على حمار ووجهه من ذا الجانب -يعني: عن يسار القبلة- فقلتُ: رأيتك تصلي لغير القبلة.
فقال: لولا أني رأيت رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- فعله لم أفعله.
(14) باب من لم يتطوع في السفر قبل الصلاة ولا بعدها، وتطوع في غير ذلك الوقت
580 - عن ابن عمر قال: صَحِبْتُ النبيَّ -صلى اللَّه عليه وسلم- فلم أرهُ يُسَبِّح في السفر، وقال اللَّه جل ذكره: ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ﴾ [الأحزاب: 21].1
وفي رواية: صحبت رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- فكان لا يزيد في السفر على ركعتين، وأبا بكر وعمر وعثمان -رضي اللَّه عنهم- كذلك (1). وقد تقدم في الباب الذي قبل هذا، أن النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- وابن عمر كانا يَتَنَفَّلَان في غير ذينك الوقتين في السفر.
(15) باب يُصَلّي المريض قاعدًا ومضطجعًا وبحسب إمكانه
581 - عن عمران بن حصين قال: كانت بي بَوَاسِيرُ 2، فسألت النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- عن الصلاة؟ فقال "صَلِّ قائمًا، فإن لم تستطع فقاعدًا، فإن لم تستطع فعلى جَنْبٍ".
وفي رواية 3: قال: . . . .1
سألته (1) عن صلاة الرجل قاعدًا؛ فقال: "إن صلى قائمًا فهو أفضل، ومن صلى قاعدًا فله نصف أجر القائم، ومن صلى نائمًا فله نصف أجر القاعد".
- تنبيه: "نائمًا": مضطجعًا، وهذا الحديث يحتمل أن يراد به صلاة النافلة، فإنه يجوز أن يصليها قاعدًا مع القدرة على القيام بالإجماع، غير أنه يبعده قوله فيه: "أو نائمًا"؛ فإنه لا يجوز أن يصلي النافلة مضطجعًا مع القدرة على القعود، وأشبه من هذا أن يحمل ذلك على من يشق عليه القيام أو القعود، فرخّص له في ذلك لضعفه عنها، لا لعدم قدرته، لأن العاجز عن ذلك إذا فعل ما يقدر عليه لم يكلّف غير ذلك، فيتم له أجره مكملًا كالصحيح؛ إذ كل واحد فعل ما فرض عليه، وقد بسطنا القول فيها في الكتاب "المُفْهِمِ".
(16) باب صلاة النفل قائمًا، أو قاعدًا مع القدرة على ذلك
582 - عن عائشة أم المؤمنين: أنها أَخْبَرَت 2 أنها لم تر رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم-1
يصلي الليل قاعدًا قَطُّ، حتى أَسَنَّ فكان يقرأ قاعدًا حتى إذا أراد أن يركع قام فقرأ نحوًا من ثلاثين أو أربعين آيةً ثم ركع.
583 - وعنها: أن رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- كان يصلي جالسًا فيقرأ وهو جالسٌ، فإذا بقي من قراءته نحوٌ من ثلاثين أو أربعين آية قام فقرأها وهو قائم، ثم ركع (1)، ثم سجد، يفعل في الركعة الثانية مثلَ ذلك، فإذا قضى صلاته نظر: فإن كنت يَقْظَى (2) تَحَدَّثَ معي، وإن كنت نائمة اضطجع.
(17) باب الحضّ على قيام الليل، وكيفيته، وما يقال فيه
584 - عن أم سَلَمة: أن النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- استيقظ ليلةً فقال: "سبحان اللَّه.
ماذا1
أُنْزِلَ الليلة من الفتن، ماذا أُنْزِلَ من الخزائن.
من يوقظُ صواحبَ الحُجُرات 1؟ يَا رُبَّ كاسيةٍ في الدنيا عاريةٍ في الآخرة".
585 - وعن عليِّ بن أبي طالب: أن رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- طرقه 2 وفاطمة بنت رسول اللَّه 3 -صلى اللَّه عليه وسلم- ليلة فقال: "ألا تُصَلِّيانِ؟ " فقلت: يا رسول اللَّه، أنفسنا بيد اللَّه، فإذا شاء أن يبعثنا بعثنا 4، فانصرف حين قلت ذلك ولم يرجع إليَّ شيئًا ثم سمعته وهو مُوَلٍّ يضرب فخذه (5) وهو يقول: " ﴿وَكَانَ الْإِنْسَانُ أَكْثَرَ شَيْءٍ جَدَلًا﴾ [الكهف: 54] ".
586 - ومن حديث ابن عمر الذي ذكر فيه رؤياه، -وسيأتي- قال رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم-: "نِعْمَ الرَّجلُ عبدُ اللَّه لو كان يصلي من الليل"، فكان بعدُ
لا ينام من الليل إلا قليلًا.
587 - وعن المغيرة بن شعبة قال: إن كان النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- ليقوم -أو ليصلي- حتى تَرِمَ قدماه -أو ساقاه- فيقال له، فيقول: "أفلا أكونُ عبدًا شكورًا؟ ! ".
588 - وعن عبد اللَّه قال: صليت مع النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- ليلة، فلم يزل قائمًا حتى هَمَمْتُ بأمرِ سوءٍ، قلنا: ما هممت؟ قال: هممت أن أقعد وأذر النبي -صلى اللَّه عليه وسلم-.
589 - وعن ابن عباس: قال: كان صلاة النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- ثلاث عشرة ركعة؛ يعني بالليل.
590 - وعن عائشة قال: كان النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- يصلي من الليل ثلاث عشرة ركعة منها الوتر 1. (1) زاد البخاري في "صحيحه": "وركعتا الفجر".
587 - خ (1/ 352)، (19) كتاب التهجد، (6) باب: قيام النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- الليل، من طريق مِسْعَر، عن زياد -هو ابن عِلَاقة-، عن المغيرة بن شعبة به، رقم (1130)، طرفه في (4836، 6471).
588 - خ (1/ 353)، (19) كتاب التهجد، (9) باب: طول القيام في صلاة الليل، من طريق شعبة، عن الأعمش، عن أبي وائل، عن عبد اللَّه -هو ابن مسعود- به، رقم (1135).
589 - خ (1/ 354)، (19) كتاب التهجد، (10) باب: كيف صلاة النبي -صلى اللَّه عليه وسلم-، وكم كان النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- يصلي من الليل؟ ، من طريق شعبة، عن أبي جَمْرَة، عن ابن عباس به، رقم (1138).
590 - خ (1/ 354)، في الكتاب والباب السابقين، من طريق حنظلة، عن القاسم بن محمد، عن عائشة به، رقم (1140).
591 - وعنها قالت: ما كان رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- يزيد في رمضان ولا في غيره على إحدى عشرة ركعة: يصلي أربعًا، فلا تَسَلْ عن حُسْنِهِنَّ وطولهن، ثم يصلي أربعًا، فلا تسل عن حسنهن وطولهن، ثم يصلي ثلاثًا، قالت عائشة: فقلت: يا رسول اللَّه! أتنام قبل أن توتر؟ فقال: "يا عائشة! إنَّ عينيَّ تنامان ولا ينام قلبي".
الغريب:
"الفِتَن": المِحَن التي وقعت بين الصحابة وغيرهم، بعد موت النبي -صلى اللَّه عليه وسلم-، من الاختلاف والتشاجر.
و"الخزائن": جمع خزانة، وهي ما يخزن فيها الشيء، ويعني بها -واللَّه أعلم- ما فتح على أصحابه وأمته من الدنيا وزينتها، وقَرَنهَا بالفتن؛ لأنها كما قال في الحديث الآخر (1): "إنما أخاف عليكم ما يخرج اللَّه لكم من زينة الدنيا"، وفي أخرى "ولكن أخشى عليكم أن تبسط عليكم الدنيا" 2.
و"كاسِيةٍ": من الثياب، "عارية": من التقوى، ويحتمل أن يريد به أنها
لِرِقَّةِ ثيابها لا تستر محاسنها، فيبدو منها للرجال ما لا يحل الاطلاع عليه.
واللَّه أعلم.
و"لم يَرْجِع": لم يَرُد.
و"تَرِمُ قدماه": تنتفخ من طول القيام.
(18) باب الوقت الأفضل للقيام
592 - عن عبد اللَّه بن عمرو بن العاص: أن رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- قال له: "أحبُّ الصلاة إلى الليل صلاة داود 1، وأحب الصيام إلى اللَّه صيام داود.
كان (2) ينام نصف الليل، ويقوم ثلثه، وينام سُدُسَهُ.
ويصوم يومًا، ويفطر يومًا".
593 - وعن مسروق قال: سألت عائشة: أيّ العمل كان أحبَّ إلى النبي -صلى اللَّه عليه وسلم-؟ قالت: الدائم.
قلت: متى كان يقوم؛ قالت: إذا سمع الصَّارِخَ.
594 - وعنها قالت: ما أَلْفَاهُ 1 السَّحَرَ عندي إلا نائمًا 2.
595 - وعن أبي هريرة: أن رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- قال: "ينزل ربنا تبارك وتعالى كل ليلة إلى السماء الدنيا حين يبقى ثلث الليل الآخِرُ، يقول: من يدعوني فأستجيبَ له؟ من يسألني فأُعْطِيَهُ؟ من يستغفرني فأغفرَ لَهُ؟ ".
596 - وعن الأسود قال: سألت عائشة: كيف صلاة النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- بالليل؟ قالت: كان (3) ينام أوله، ويقوم آخره، فيصلي، ثم يرجع إلى فراشه، فإذا أَذَنَ المؤذِّنُ وثب، فإن كانت به حاجة اغتسل، وإلا توضأ وخرج.
الغريب:
"الصَّارِخ": الدِّيك، ويحتمل أن يريد به الأذان الأول الذي هو أذان بلال، واللَّه أعلم.
و"ينزل ربنا": أي: يتنزل، وقد روي كذلك، وهو تنزل لُطْفٍ ورحمة، لا نزول حركة ونقلة.
وقيل: ينزل أمر ربنا، أو مَلَك ربنا.
كما رواه النسائي (1): "إذا كان الثلث الآخر من الليل أمر اللَّه مناديًا ينادي فيقول: من يدعوني فأستجيب له.
. . " الحديث.
(19) باب دعاء التهجد
597 - عن ابن عباس قال: كان رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- إذا قام من الليل يتهجد قال: "اللهم لك الحمد، أنت قَيِّمُ السموات والأرض ومن فيهن، ولك الحمد، أنت نور السموات والأرض ومن فيهن، ولك الحمد 2، مَلِكَ1
السموات والأرض ومن فيهن، ولك الحمد، أنت الحق، ووعدك الحق، ولقاؤك حق، وقولك حق، والجنة حق، والنار حق، والنبيون حق، ومحمد -صلى اللَّه عليه وسلم- 1 حق، والساعة حق، اللهم لك أسلمت، وبك آمنت، وعليك توكلت، وإليك أنبت، وبك خاصمتُ، وإليك حاكمت، فاغفر لي ما قدمت وما أَخَّرْتُ، وما أسررت وما أعلنت، أنت المُقَدِّمُ وأنت المؤخِّرُ، لا إله إلا أنت -أو- لا إله غيرك".
وفي رواية: "لا حول ولا قوة إلا باللَّه" 2.
الغريب:
"يَتَهَجَّد": يصلي ليلًا.
و"الهجود": النوم والسَّهَر، يقال: هجد وتهجد: إذا نام ليلًا وسهر، فهو مشترك، و"قَيّم"، و"قيوم"، و"قيّام" كلها مبالغة قَائِم، ويعني به أنه تعالى هو الذي يقيم السموات والأرض ومن فيهما، وبه يتقوَّم كل ذلك؛ إذ لا قوام لشيء من ذلك كله إلا به، و"نور السموات والأرض": خالق ما فيهما من الأنوار والهدايات، وغير ذلك مما يقال عليه: نور.
و"أسلمت": انْقَدْتُ.
و"آمنت": صَدَّقْتُ، و"توكلت": فَوَّضْتُ.
وقوله: "فاغفر لي ما قَدَّمْتُ وما أَخَّرْتُ.
. . إلى آخره": تعليم لنا كيف نستغفر، وأما هو: فهو مغفوز له، والأنبياء معصومون مما يناقض مدلول