اختصار صحيح البخاري وبيان غريبهصفحات 197-237

باب (1) إذا قالت المرأة: إنها حاضت في شهر ثلاث حيض وما يصدق النساء فيه من ذلك

صفحات 197-237

وكان ابن عمر يبدأ برجله اليمنى، فإذا خرج بدأ برجله اليسرى (1).


(19) باب في بناء المساجد، وكراهية زخرفتها

وأمر عمر ببناء المسجد وقال: أَكِنُّ الناس من المطر، وإياك أن تُحَمِّرَ أو تُصَفِّرَ فتفتن الناس.
وقال أنس: يتباهون فيها، ولا يعمرونها إلا قليلًا.
وقال ابن عباس: لتزخرفنها كما زخرفت اليهود والنصارى.
258 - وعن نافع: أن عبد اللَّه أخبره أن المسجد كان على عهد وسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- مَبْنِيًّا باللَّبِنِ، وسقفه الجريد، وعُمُده 2 خشب النخل، فلم يزد فيه أبو بكر شيئًا، وزاد فيه عمر، وبناه على بنيانه في عهد رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- باللَّبِن وأعاد عُمُده خشبًا، ثم غَيَّرَهُ عثمان، فزاد فيه زيادة كثيرة، وبنى جداوه بالحجارة المنقوشة والقَصَّةِ، وجعل عَمَدَهُ من حجارة منقوشة، وسقفه بالسَّاجِ.1

259 - وعن عمرو بن دينار وعُبَيْد اللَّه بن أبي يزيد قالا: لم يكن على عهد النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- حول البيت حائط كانوا يصلون حول البيت، حتى كان عمر فبنى حوله حائطًا.
قال عبيد اللَّه: جَدْرُه قَصير، فبناه ابن الزبير.
260 - وعن عُبَيْد اللَّه الخولاني: أنه سمع عثمان بن عفان يقول عند قول الناس فيه حين بنى مسجد الرسول -صلى اللَّه عليه وسلم-: إنكم أكثرتم (1)، وإني سمعت رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- بيقول: "مَنْ بنى مسجدًا -حسبت أنه قال- يبتغي وجه اللَّه، بَنَى اللَّهُ له مِثْلَهُ في الجَنَّةِ".
الغريب: "أُكِنُّ الناس": أسترهم.
"وتَفْتِن": تشغل، وتصرف عن الصلاة.
و"الزخرفة": التذهيب، و"الزُّخْرُف": الذهب.
و"اللَّبِنُ": جمع لَبِنَة، وهي الطوب المطبوخ.
و"العُمُد": القوام التي يقوم عليها السقف، وتكون من حجارة ومن خشب.
و"السَّاج": خشب صلب أسود.
(1) (إنكم أكثرتم)؛ أي: في الإنكار ونحوه.
259 - خ (3/ 50)، (63) كتاب مناقب الأنصار، (25) باب: بنيان الكعبة، من طريق حماد بن زيد، عن عمرو بن دينار وعبيد اللَّه بن أبي يزيد به، رقم (3830). 260 - خ (1/ 162)، (8) كتاب الصلاة، (65) باب: من بنى مسجدًا، من طريق بُكَيْر، عن عاصم ابن عمر بن قتادة، عن عبيد اللَّه الخولاني به، رقم (450).

و"القَصَّة" بفتح القاف: الجِصُّ، وقد تقدم.


(20) باب المرور وإنشاد الشعر واللعب بالحِرَابِ في المسجد، ومن دخل المسجد بسلاح فليمسك على نصولها

261 - وعن أبي بُرْدَة، عن أبيه، عن النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- قال: "من مرَّ في شيء من مساجدنا أو أسواقنا بنَبْلٍ، فليأخذ على نصالها لا يَعْقِر بكَفِّهِ 1 مُسْلِمًا".
262 - وعن جابر: أن رجلًا مرَّ في المسجد بأسهم قد أبدى نصولها، فأمره أن يأخذ بنُصُولِهَا لا يخدش مسلمًا.
263 - وعن (2) عبد الرحمن بن عوف: أنه سمع حسَّان بن ثابت الأنصاري

يستشهد أبا هريرة -رضي اللَّه عنه-: أنشدك اللَّه هل سمعت النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- يقول: "أَجِبْ عن رسول اللَّه، اللهم أيده بروح القُدُسِ؟ " قال أبو هريرة: نعم.
264 - وعن عائشة قالت: لقد رأيت رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- يومًا على باب حجرتي، والحبشة يَلْعَبُونَ في المسجد، ورسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- يسترني بردائه، أنظر إلى لَعِبهم.


(21) باب التقاضي والملازمة، وحبس الأسير والغريم في المسجد

2 - عن كعب بن مالك: أنه تقاضى ابن أبي حَدْرَدٍ دَيْنًا كان له عليه في المسجد، فارتفعت أصواتهما حتى سمعها رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- وهو في بيته، فخرج إليهما حتى كشف سِجْفَ حجرته فنادى: "يا كعب" قال: لبيك يا رسول اللَّه، قال "ضع من دينك هذا"، وأومأ إليه؛ أي: الشَّطرَ، قال: لقد فعلتُ يا رسول اللَّه، قال: "قُمْ فَاقْضِهِ".1

266 - عن أبي هريرة: عن النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- قال: "إن عِفْرِيتًا من الجن تَفَلَّتَ عليَّ البارحةَ -أو كلمة نحوها- ليقطع عَلَيَّ الصلاة.
فأمكنني اللَّه منه.
فأردت أن أربطه إلى ساريةٍ من سواري المسجد حتى تصبحوا وتنظروا إليه كلكم، فذكرت قول سليمان: ﴿رَبِّ اغْفِرْ لِي وَهَبْ لِي مُلْكًا لَا يَنْبَغِي لِأَحَدٍ مِنْ بَعْدِي﴾ [ص: 35] فردَّهُ خَاسِئًا".
267 - وعن أبي هريرة قال: بعث النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- خيلًا قِبَل نَجْدٍ، فجاءت برجلٍ من بني حَنِيفَةَ يقال له: ثُمَامَة بن أُثَالٍ، فربطوه بساريةٍ من سواري المسجد، فخرج إليه النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- فقال: "أَطْلِقُوا ثُمَامَةَ"، فانطلق إلى نخلٍ قريب من المسجد فاغتسل، ثم دخل المسجد فقال: أشهد أن لا إله إلا اللَّه، وأن محمدًا رسول اللَّه.
وكان شُرَيْح يأمر بالغريم أن يُحْبَس في المسجد إلى سارية (1). الغريب: "سِجْفَ الحجرة": سترها.
و"الشَّطْر": النصف.
(1) قول شريح قبل الحديث في "صحيح البخاري".
266 - خ (1/ 165)، (8) كتاب الصلاة، (75) باب: الأسير أو الغريم يُربط في المسجد، من طريق شعبة، عن محمد بن زياد، عن أبي هريرة به، رقم (461)، أطرافه في (1210، 3284، 3423، 4808). 267 - خ (1/ 165 - 166)، (8) كتاب الصلاة، (76) باب: الاغتسال إذا أسلم، وربط الأسير أيضًا في المسجد، من طريق الليث، عن سعيد بن أبي سعيد، عن أبي هريرة به، رقم (462)، أطرافه في (469، 2422، 2423، 4372).

و"الخاسئ": الذليل.


(22) باب إدخال المريض والبعير المسجد للعلة

1 - عن عائشة قالت: أصيب سعدٌ يوم الخندق في الأكْحَلِ، فضرب النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- بخيمة في المسجد ليعودَهُ من قريب، فلم يَرُعْهُمْ -وفي المسجد خيمة من بني غفار- إلى الدم يسيل إليهم، فقالوا: يا أهل الخيمة ما هذا الذي يأتينا من قبلكم؟ فإذا سعد جرحه يَغْذُو دمًا فمات منها.
2 - وعن أم سلمة قالت: شكوت إلى رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- أني أشتكي.
قال: "طوفي من وراء الناس وأنت راكبة"، فطُفْتُ ورسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- يصلي إلى جنب البيت يقرأ بالطور وكتاب مسطور.
الغريب: "فلم يَرُعْهُم": لم يفزعهم يعنون بهذا اللفظ السُّرعة لا نفس الفزع.
و"يَغْذُو": يسيل، يقال: غذا فم السقاء يغذو: إذا سال.

و"الأَكْحَل": عرق غليظ في الذراع وفي الساق إذا قطع لم ينقطع دمه.


(23) باب رفع الصوت في المساجد، والحِلَق، والاستلقاء، وتشبيك الأصابع فيها

270 - عن السائب بن يزيد قال: كنتُ نائمًا في المسجد فَحَصَبَنِي رَجلٌ، فنظرتُ فإذا عمر بن الخطاب، فقال: اذهب فَائْتِنِي بِهَذَيْنِ، فجئته بهما فقال 1: ممن 2 أنتما -أو من أين أنتما-؟ قالا: من أهل الطائف.
قال: لو كنتما من أهل البلد لأوجعتكما، تَرْفَعَانِ أصواتكما في مسجد رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم-! وقد تقدم حديث أبي واقد 3 في الثلاثة النَّفَرِ الذين رأى أحدهم فُرْجَةً في الحلقة فجلس فيهما.

271 - وعن عباد بن تميم عن عمه: أنه رأى رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- مستلقيًا في المسجد، واضعًا إحدى رجليه على الأخرى.
وعن ابن شهاب عن سعيد بن المسيب: أنه قال: كان عمر وعثمان يفعلان ذلك.
272 - وعن أبي هريرة قال: صلى بنا رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- إحدى صلاتي العَشِيِّ 1، فصلى بنا ركعتين ثم سَلَّم، فقام إلى خشبة معروضة في المسجد فَاتَّكَأَ عليها كأنه غضبان، ووضع يده اليمنى على اليسرى، وشبك بين أصابعه، ووضع خده الأيمن على ظهر كفه اليسرى.
. . الحديث، وسيأتي.
"حَصَبَنِي": رجمني بالحصباء.
و"أول العَشِيّ": زوال الشمس.

    • *23

(24) باب فتح خَوْخَة في المسجد، ووضع المساجد على الطرق إذا لم يضر ذلك بالناس

273 - عن ابن عباس قال: خرج رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- في مرضه الذي مات فيه عَاصِبًا رأسه بِخِرْقَةٍ، فقعد على المنبر فحمد اللَّه، وأثنى عليه ثم قال: "إنه ليس من الناس أحدٌ أَمنَّ 1 عليَّ في نفسه وماله من أبي بكر بن أبي قحافة، ولو كنت متخذًا خليلًا لاتخذت أبا بكر خليلًا، ولكن خُلَّةُ الإسلام أفضل، سُدُّوا عني كل خَوْخَةٍ (2) في هذا المسجد غير خَوْخَةِ أبي بكر".
274 - وعن عائشة زوج النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- قالت: لم أعقِلْ أَبَويَّ إلا وهما يدينان

الدِّينَ، ولم يمر علينا يوم إلا يأتينا فيه رسولُ اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- طَرَفَي النهار بُكْرَة وعشية ثم بدا لأبي بكر فَابْتَنَى مسجدًا بفناء داره، فكان يصلي فيه ويقرأ القرآن، فيقف عليه نساء المشركين وأبناؤهم (1) يعجبون منه وينظرون إليه.
وكان أبو بكر رجلًا بَكَّاءً لا يملك عينيه إذا قرأ القرآن، فأفزع ذلك أشراف قريش من المشركين.


(25) باب فضل الخُطَا إلى المساجد

275 - عن أبي هريرة، عن النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- قال: "صلاة الجماعة 2 تزيد على صلاته في بيته، وصلاته في سوقه خمسًا وعشرين درجة؛ فإن أحدكم إذا توضأ فأحسن، وأتى المسجد لا يريد إلا الصلاة لم يَخْطُ خُطْوَةً إلا رفعه اللَّه بها درجة، وحطَّ عنه بها خطيئةً حتى يدخل المسجد، وإذا دخل المسجد كان في صلاة ما كانت تحبسه، وتصلي الملائكة عليه ما دام في مجلسه الذي يصلي فيه: اللهم اغفر له، اللهم ارحمه، ما لم يؤذ فيه، ما لم يُحْدِثْ فيه 3 ".

    • *1

(26) باب ما جاء في خروج النساء إلى المساجد

276 - عن ابن عمر، عن النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- قال: "إذا استأذنكم نساؤكم بالليل إلى المسجد، فَائْذَنُوا لَهُنَّ".
277 - وعن عائشة قالت: لو أدرك رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- ما أحدث النساء، لمنعهن كما مُنِعَتْ نساء بني إسرائيل.
قال يحيى (1) بن سعيد: قلت لعمرة: أومُنِعْنَ؟ قالت: نعم.


(27) باب التبرك بالمواضع التي صلى فيها النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- والصلاة فيها

278 - عن موسى بن عقبة قال: رأيت سالم بن عبد اللَّه يتحرى أماكن (1) قوله: "قال يحيى بن سعيد": ليس في "صحيح البخاري".
276 - خ (2/ 277)، (10) كتاب الأذان، (162) باب: خروج النساء إلى المساجد بالليل والغَلَس، من طريق حنظلة، عن سالم بن عبد اللَّه، عن ابن عمر به، رقم (865)، أطرافه في (873، 899، 900، 5238). 277 - خ (2/ 277 - 278)، (10) كتاب الأذان، (163) باب: انتظار الناس قيام الإمام العالم، من طريق مالك، عن يحيى بن سعيد، عن عَمْرَة، عن عائشة به، رقم (869). 278 - خ (1/ 171)، (8) كتاب الصلاة، (89) باب: المساجد التي على طُرق المدينة، والمواضع التي صلى فيها النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- من طريق فُضَيْل بن سليمان، عن موسى بن عقبة به، رقم (483)، أطرافه في (1535، 2336، 7345).

من الطريق فيصلي فيها، ويُحَدِّثُ أن أباه كان يصلي فيها، وأنه رأى النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- يصلي في تلك الأمكنة.
وحدثني نافع عن ابن عمر: أنه كان يصلي في تلك الأمكنة وسألت سالمًا، فلا أعلم (1) إلا وافق نافعًا في الأمكنة كلها، إلا أنهما اختلفا في مسجدٍ بِشَرَفِ الرَّوْحَاء.
تركت الحديث الطويل في تعيين تلك الأمكنة؛ إذ يَعْسُر حفظه مع أنه ليس فيه حكم مهم، فمن أراده راجع الأصل (2).


(28) باب السترة للصلاة والدنو منها

279 - عن عبد اللَّه بن عباس أنه قال: أقبلت راكبًا على حمار أَتَانٍ، وأنا يومئذ قد ناهزت الاحتلام، ورسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- يُصَلِّي بمنًى إلى غير جدار، فمررت بين يدي بعض الصف فنزلت وأرسلت الأتان ترتع ودخلت في الصف، فلم يُنْكِرْ ذلك عليَّ أحدٌ.12

1 - وعن ابن عمر: أن رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- كان إذا خرج يوم العيد، أمر بالحَرْبَةِ فتُوضَعُ بين يديه فيصلي إليها والناس وراءه، وكان يفعل ذلك في السفر، فمن ثَمَّ اتخذها الأمراء.
2 - وعن عون بن أبي جُحَيْفَةَ قال: سمعت أبي يقول: خرج علينا رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- بالهَاجِرَةِ، فَأُتِي بوضوء، فتوضأ فصلى بنا الظهر -وبين يديه عَنَزَةٌ- والمرأة والحمار يمرون من ورائها.
3 - وعن سهل قال: كان بين مُصَلَّى رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- وبين الجدار ممر الشاة.
4 - وعن سلمة قال: كان جدار المسجد عند المنبر ما كادت الشاة أن تجوزها.


(29) باب الصلاة إلى الأسطوانة والراحلة والرَّحْلِ والنائمة والمضطجعة، وقال عمر: المُصَلُّون أحق بالسواري من المتحدثين إليها

ورأى ابن عمر رجلًا يصلي بين أسطوانتين فادناه إلى سارية فقال: صل إليها.
284 - وعن يزيد بن أبي عبيد قال: كنت آتي مع سلمة بن الأكوع فيصلي عند الأسطوانة التي عند المصحف، فقلت: يا أبا مسلم! أراك تتحرى الصلاة عند هذه الأسطوانة، قال: فإني رأيت رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- يتحرى الصلاة عندها.
285 - وعن أنس قال: لقد رأيت كبار أصحاب رسول 1 اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- يبتدرون السواري عند المغرب.
286 - وعن ابن عمر: عن النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- أنه كان يُعَرِّضُ راحلته فيصلي إليها، قلت: أفرأيت إذا هَبَّتِ الرِّكَابُ (2)؟ قال: كان يأخذ الرَّحْلَ فيُعَدِّلُه فيصلي

إلى آخِرَته -أو قال مُؤَخَّرِه 1 - وكان ابن عمر -رضي اللَّه عنهما- يفعلُه.
287 - وعن عائشة: -ذُكِرَ 2 عندها ما يقطع الصلاة فقالوا: يقطعها الكلب والحمار والمرأة- فقالت: لقد جعلتمونا كلابًا لقد رأيت النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- يصلي وإني لبينه وبين القبلة وأنا مضطجعة على السرير، فتكون لي الحاجة فكره أن أستقبله فأَنْسَلُّ انْسِلَالًا.
وفي رواية: فإذا أراد أن يسجد غمز رجلي فقبضتهما 3. وفي رواية: فيتوسط السرير فيصلي، فأكره أن أَسْنَحَهُ 4، فأنسل 5 من قِبَلِ رجلي السرير حتى أنسل من لحافي 6. = على المصلي؛ لعدم استقرارها، فيعدل عنها إلى الرَّحْل فيجعله سترة.

وفي أخرى: كان النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- وأنا راقدة معترضة على فراشه، فإذا أراد أن يوتر أيقظني فأوترت (1). الغريب: "الأسطوانة": السارية.
و"يتحرى": يقصد.
و"آخرة الرَّحْلِ ومُؤَخِّرَته": سواء، وهي ما يستدبر الراكب من الرحل، والأفصح الأَخِرَة.
و"هبت الركاب": تحركت واضطربت.
و"الرِّكاب": الإبل.
و"أَسْنَحه": أتعرَّض أمَامَهُ، يقال: سَنَح في الشيء: إذا ظهر وعرض، وأصله السانح من الطير في العيافة وضده البارح.
و"غمزني": عضبني.


(30) باب إثم المار بين يدي المصلي والأمر برده

288 - عن أبي صالح السَّمَّان قال: رأيت أبا سعيد الخدري يوم الجمعة1

يصلي إلى شيء يستره من الناس، فأراد شاب من بني أبي مُعَيْطٍ أن يجتاز بين يديه فدفع أبو سعيد في صدره، فنظر الشاب فلم يجد مَسَاغًا إلا بين يديه، فعاد ليجتاز فدفعه أبو سعيد أشد من الأولى، فنال من أبي سعيد، ثم دخل على مروان فشكى إليه ما لقي من أبي سعيد، ودخل أبو سعيد خلفه على مروان، فقال: مالك ولابن أخيك يا أبا سعيد؟ قال: سمعت رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- يقول: "إذا صلى أحدكم إلى شيء يستره من الناس، فأراد أحد أن يجتاز بين يديه فليدفعه، فإن أبى فليقاتله؛ فإنما هو شيطان".
289 - وعن بُسْرِ بن سعيد: أن زيد بن خالد أرسله إلى أبي جُهَيْمٍ يسأله ماذا سمع من رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- في المار بين يدي المصلي؟ فقال أبو جُهَيْمٍ: قال رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم-: "لو يعلم المار بين يدي المصلي ماذا عليه، لكان أن يقف أربعين خيرًا له من أنه يمر بين يديه".
قال أبو النَّضْرِ: لأدري أقال أربعين يومًا أو شهرًا أو سنةً.

  • تنبيه: روى البَزَّارُ هذا الحديث من طريق مَرْضِيَّةٍ، وقال: "أربعين خريفًا" 1 (1) "البحر الزخار" (9/ 239)، مسند زيد بن خالد، من طريق سفيان بن عيينة، عن سالم أبي النضر عن بسر بن سعيد قال: أرسلني أبو جهيم إلى زيد بن خالد.
    . . وهكذا رواه ابن عيينة مقلوبًا، ويحتمل أن كلًّا منهما أرسل إلى الآخر.
    = يديه، من طريق حميد بن هلال العدوى، عن أبي صالح السمان به، رقم (509)، طرفه في (3274). 289 - خ (1/ 178)، (8) كتاب الصلاة، (101) باب: إثم المار بين يدي المصلي، من طريق مالك، عن أبى النضر مولى عمر بن عبيد اللَّه، عن بسر بن سعيد به، رقم (510).

و"المساغ": الطريق.
و"نال منه": أي ذَمَّه بسبب منعه.
و"فليقاتله": فليدفعه دفعًا شديدًا يشبه دفع المقاتل.
وقوله: "فإنما هو شيطان"؛ أي: فعله فعل شيطان، ويحتمل أن يريد أن الشيطان معه وحامل له على ذلك.
وقد جاء في رواية: "فإن معه القرين" (1)؛ يعني: الشيطان.


(9) كتاب المواقيت

(9) كتاب المواقيت

(1) باب مواقيت الصلاة وفضلها، وقوله: ﴿إِنَّ الصَّلَاةَ كَانَتْ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ كِتَابًا مَوْقُوتًا﴾ [النساء: 103]

1 - مالك، عن ابن شهاب: أن عمر بن عبد العزيز أخَّر الصلاة يومًا، فدخل عليه عروةُ بن الزبير فأخبره أن المغيرة بن شعبة أخَّر الصلاة يومًا وهو بالعراق، فدخل عليه أبو مسعود الأنصاري فقال: ما هذا يا مغيرة؟ أليس قد علمت أن جبريل نزل فصلى، فصلى رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم-، ثم صلى فصلى رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم-، ثم صلى فصلى رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم-، ثم صلى فصلى رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم-، ثم صلى فصلى رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم-، ثم قال: بهذا أُمِرْتُ.
فقال عمر لعروة: اعْلَمْ ما تُحدِّثُ، أَوَ إنَّ جبريل هو أقام لرسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- وقت الصلاة؟ قال عروة: كذلك كان بَشِيرُ بن أبي مسعود يحدث عن أبيه.

291 - قال عروة: ولقد حدثتني عائشة أن رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- كان يصلي العصر والشمس في حجرتها قبل أن تظهر.
وفي رواية: لم يظهر الفَيءُ من حجرتها (1). 292 - وعن عبد اللَّه -هو ابن مسعود قال: سألت رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم-: أيُّ العمل أحبُّ إلى اللَّه؟ قال: "الصلاة على وقتها" قال: ثم أيّ؟ قال: "ثم بر الوالدين" قال: ثم أيّ؟ قال: "الجهاد في سبيل اللَّه" قال: حدثني بهن، ولو استزدته لزَادَنِي.
293 - وعنه: أن رجلًا أصاب من امرأة قُبْلَةً، فأتى النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- فأخْبَرَهُ، فأنزل اللَّه تعالى: ﴿وَأَقِمِ الصَّلَاةَ طَرَفَيِ النَّهَارِ وَزُلَفًا مِنَ اللَّيْلِ إِنَّ الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ﴾ [هود: 114] فقال الرجل: يا رسول اللَّه! أَلِي هذا؟ قال: "لجميع أمتي كلهم".
(1) خ (2/ 25)، (9) كتاب مواقيت الصلاة، (13) باب: وقت العصر، من طريق الليث، عن ابن شهاب، عن عروة، عن عائشة به، رقم (545). 291 - خ (1/ 182)، في الكتاب والباب السابقين، من طريق عروة، عن عائشة به، رقم (522)، أطرافه في (544، 545، 546، 3103). 292 - خ (1/ 184)، (9) كتاب مواقيت الصلاة، (5) باب: فضل الصلاة لوقتها، من طريق شعبة، عن الوليد بن العَيْزَار، عن أبي عمرو الشيباني، عن عبد اللَّه به، رقم (527)، أطرافه في (2782، 5970، 7534). 293 - خ (1/ 184)، (9) كتاب مواقيت الصلاة، (4) باب: الصلاة كفارة، من طريق سليمان التيمي، عن أبي عثمان النهدي، عن ابن مسعود به، رقم (526)، طرفه في (4687).

"تظهر": تعلو.
و"بر الوالدين": الإحسان إليهما والقيام بحقوقهما.
و"الحجرة": الدار لأنها تحجر بحيطانها.
و"استزدته": سألته الزيادة.
و"زُلَفُ الليل": ساعاته.


(2) باب وقت الظهر، وتأخيرها في شدة الحر

294 - عن أنس بن مالك: أن رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- خرج حين زاغت الشمس فصلى الظهر، فقام على المنبر فذكر الساعة، فذكر أن فيها أمورًا عظامًا، ثم قال: "من أحب أن يسأل عن شيء فليسأل، فلا تسألوني عن شيء إلا أخبرتكم ما دمت في مقامي هذا" 1 فأكثر الناس في البكاء، وأَكْثَرَ أن يقول: "سلوني"، فقام عبد اللَّه بن حُذَافَة السهميُّ فقال: من أبي؟ قال: "أبوك حُذَافة"، ثم أكثر أن يقول: "سلوني"، فبرك عمر على ركبتيه فقال: رضينا باللَّه ربًّا، وبالإسلام دينًا، وبمحمد -صلى اللَّه عليه وسلم- 2 نبيًّا.
فسكت، ثم قال: "عُرِضَتْ

عليَّ الجنة والنار آنفًا في عُرْضِ هذا الحائط، فلم أر كالخير والشر".
295 - وعن أبي بَرْزَةَ قال: كان النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- يصلي الصبح وأحدنا يعرف جليسه، ويقرأ فيها ما بين الستين إلى المئة، ويصلي الظهر إذا زالت الشمس، والعصر وأحدنا يذهب إلى أقصى المدينة رَجِعَ والشمس حيَّةٌ، ونسيت ما قال في المغرب - ولا يبالي بتأخير العشاء إلى ثلث الليل، ثم قال: إلى شَطْر الليل.
296 - وعن أنس بن مالك قال: كنا إذا صلى خلف رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- بالظهائر سجدنا على ثيابنا اتقاء الحر.
297 - وعن أبي هريرة عن النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- قال: "إذا اشتد الحَرُّ فأَبْرِدُوا بالصلاة؛ فإن شدة الحَرِّ من فَيْحِ جهنم"، "واشتكت النار إلى ربها، فقالت: ربي أكل بعضي بعضًا، فَأَذِنَ لها بِنَفَسَيْن: نَفَسٍ في الشتاء، ونَفَسٍ في الصيف، فهو 1 أَشَدُّ ما تجدون من الحَرِّ، وأَشَدُّ ما تجدون من الزَّمْهَرِير".
(1) "فهو" أثبتناها من "صحيح البخاري".
295 - خ (1/ 187 - 188)، (9) كتاب مواقيت الصلاة، (11) باب: وقت الظهر عند الزوال، من طريق شعبة، عن أبي المنهال، عن أبي برزة به، رقم (541)، أطرافه في (547، 568، 599، 771). 296 - خ (1/ 188)، في الكتاب والباب السابقين، من طريق غالب القَطَّان، عن بكر ابن عبد اللَّه المزني، عن أنس بن مالك به، رقم (542). 297 - خ (1/ 186)، (9) كتاب مواقيت الصلاة، (9) باب: الإبراد بالظهر في شدة الحر، من طريق الزهري، عن سعيد بن المسيَّب، عن أبي هريرة به، رقم (536، 537). الحديث رقم (536)، طرفه في (533). الحديث رقم (537)، طرفه في (3260).

298 - وعن أبي ذر: أذَّن مؤذن النبيِّ -صلى اللَّه عليه وسلم- الظهر، فقال: "أَبْرِدْ أَبْرِدْ، أو قال: انتظر انتظر"، وقال: "شدة الحر من فيح جهنم، فإذا اشتد الحر فأبردوا عن الصلاة" حتى رأينا فَيْءَ التُّلُولِ.
وفي رواية (1): كنا مع رسول 2 اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- في سَفَرٍ، فأراد المؤذن أن يؤذن للظهر، فقال النبي -صلى اللَّه عليه وسلم-: "أَبْرِدْ"، ثم أراد أن يؤذن فقال له: "أَبْرِدْ" حتى رأينا فَيْءَ التُّلُول، وذكر نحوه.
الغريب: "زاغت": مالت زالت عن كبد السماء.
و"العُرْضُ" بضم العين: الناحية، وبفتحها: خلاف الطول.
و"الظهائر": جمع ظهيرة.
و"الإِبْرَادُ": الدخول في أول وقت البَرْد وهو حين، تنكسر سَوْرةُ 3 الحر بعد الزوال، وقد قدر ذلك برُبُعِ القامة والزيادة اليسيرة.
و"الفَيْح": شدة حر النار، وكذلك اللَّفْح.

و"اشتكت النار": أي: خزنتها، ويحتمل أن يكون من باب: "شكى إليَّ جملي طولَ السُّرى".
و"الزَّمْهرير": شدة البرد.
و"الفَيْءُ": ظل ما بعد الزوال.
و"التُّلُول": جمع تَلٍّ، وهي الروابي المرتفعة.
و"حياة الشمس": بقاء حرارتها وارتفاعها.


(3) باب في وقت صلاة العصر وفضلها، والأمر بالتبكير بها، وإثم من فاتته من غير عذر

1 - عن أنس قال: كنا نصلي العصر، ثم يخرج الإنسان إلى بني عمرو بن عوف فيجدهم يصلون العصر.
2 - وعن أبي أُمَامَة قال: صلينا مع عمر بن عبد العزيز الظهر، ثم خرجنا حتى دخلنا على أنس بن مالك فوجدناه يصلي العصر، فقلت: يا عَمّ!

ما هذه الصلاة التي صليت؟ قال: العصر 1، وهذه صلاة رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- التي كنا نصلي معه.
301 - وعن أنس قال: كان رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- يصلي العصر والشمس مرتفعة حَيَّةٌ، فيذهب الذاهب إلى العَوَالِي فيأتيهم والشمس مرتفعة، وبعضُ العوالي من المدينة على أربعة أميال (2). 302 - وعن أبي المليح -واسمه عامر بن أسامة الهذلي- قال: كنا مع بُرَيْدَة في يوم ذي غَيْمِ، فقال: بَكَرُوا بصلاة العصر؛ فإن النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- قال: "من ترك صلاةَ العصر فقد حَبِطَ عملُه".
303 - وعن ابن عمر: أن رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- قال: "الذي تفوته صلاة العصرُ فكأنما وُترَ أَهْلَهُ ومالَهُ".

304 - وعن جرير بن عبد اللَّه قال: كنا مع 1 النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- فنظر إلى القمر ليلة، فقال: "إنكم سَتَرَوْنَ ربكم كما ترون هذا القمر، لا تُضَامُّون في رؤيته، فإن استطعتم ألا تُغْلَبُوا على صلاة قبل طلوع الشمس وقبل غروبها فافعلوا" ثم قرأ: ﴿وَسَبِّحْ (2) بِحَمْدِ رَبِّكَ قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ وَقَبْلَ الْغُرُوبِ﴾ [ق: 39].
قال إسماعيل: افعلوا، لا تفوتَنَّكم.
305 - وعن أبي هريرة: أن رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- قال: "يتعاقبون فيكم ملائكة بالليل وملائكة بالنهار، ويجتمعون في صلاة الفجر وصلاة العصر، ثم يَعْرُجُ الذين باتوا فيكم، فيسألهم -وهو أعلم بهم-: كيف تركتم عبادي؟ فيقولون: تركناهم وهم يصلون، وأتيناهم وهم يصلون".
الغريب والشرح: بين بني عمرو وبين المدينة قريبٌ من ثلاثة أميال.
و"حَبِطَ عمله": بطل وفسد.

ومقصود بُرَيْدَةَ من هذا الحديث: أنَّ من أخَّر صلاة العصر إلى آخر وقت فضيلتها بَطل ثوابها، وإن أجزأت عنه، ولا يصح حملُه على ظاهره، إلا أن يكون التارك جاحدًا للوجوب، فيكون ذلك رِدَّةً وهي مبطلة للأعمال بلا شك، وليس مُرَادَ الحديث، فتعين ما ذكرناه، وعلى ذلك يحمل قوله: "كأنما وُترَ أهله وماله"؛ أي: سلب ذلك يعني به ثواب التبكير، واللَّه أعلم.
وهو أحسن التأويلات فيما ظهر لي، وقد استوفيتها في الكتاب "المُفْهِمِ".
وقوله: "لا تَضَامُّون": يروى بفتح التاء وتشديد الميم من الانضمام والازدحام، ويروى بضم التاء والميم وتخفيفها من الضيم، وهو الذل؛ أي: لا يلحقكم عند رؤية اللَّه تعالى شيء من ذلك، بخلاف المرئيات السماوية المعتادة؛ فإن ذلك يلحق عند رَوْمِ رؤيتها عند طلوعها.
وقوله: "فإن استطعتم ألا تُغْلَبُوا على صلاةٍ قبل طلوع الشمس وقبل غروبها"؛ يعني بهما الفجر والعصر؛ أي: لا تُغْلَبُوا على فعلهما في أول وقتهما.
و"يتعاقبون": يعقب بعضهم بعضًا؛ أي: تنزل بعده، وعَقيبَه وهي لغة قوم من العرب يقولون: أكلوني البراغيث، والأفصح: أكلتني.


(4) باب من أدرك ركعة من العصر قبل الغروب

1 - عن أبي هريرة قال: قال رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم-: "إذا أدرك أحدكم سجدةً

من صلاة العصر قبل أن تغرب الشمس فَلْيُتِمَّ صلاته، وإذا أدرك سجدة من صلاة الصبح قبل أن تطلع الشمس فَلْيُتِمَّ صلاته".
307 - وعن سالم بن عبد اللَّه، عن أبيه: أنه سمع رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- يقول: "إنما بقاؤكم فيما سَلَفَ قبلكم من الأمم كما بين صلاة العصر إلى غروب الشمس، أُوتيَ أهلُ التوراةِ التوراةَ، فعملوا حتى 1 انتصف النهار، ثم (2) عجزوا فَأُعطوا قيراطًا قيراطًا، ثم أوتي أهل الإنجيلِ الإنجيلَ، فعملوا إلى صلاة العصر، ثم عجزوا، فَأُعطوا قيراطًا قيراطًا، ثم أوتينا القرآن فعملنا إلى غروب الشمس، فَأُعطينا قيراطين قيراطين.
فقال: أهل الكتابين: أي ربنا! أعطيت هؤلاء قيراطين قيراطين وأعطيتنا قيراطًا قيراطًا، ونحن كنا أكثر عملًا.
قال اللَّه عز وجل: هل ظلمتكم من أجركم من شيء؟ قالوا: لا.
قال: فهو فضلي أوتيه من أشاء".
308 - وعن أبي موسى: عن النبي -صلى اللَّه عليه وسلم-: "مَثَلُ المسلمين واليهود

والنصارى كمثل رجل استأجر قومًا يعملون له عملًا إلى الليل، فعملوا إلى نصف النهار، فقالوا: لا حاجة لنا إلى أَجْرِك، فاستأجر آخرين فقال: أكملوا بقية يومكم، ولكم الذي شرطت.
فعملوا حتى إذا كان حين صلاة العصر قالوا: لك ما عملنا.
فاستأجر قومًا فعملوا بقية يومهم حتى غابت الشمس، واستكملوا أجر الفريقين".
"ظلمتكم" هنا بمعنى: نقصتكم.


(5) باب وقت المغرب

1 - عن رافع خَدِيج قال: كنا نصلي المغرب مع النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- فينصرف أحدنا وإنه لَيُبْصِرُ مواقع نبلِهِ.
2 - وعن جابر بن عبد اللَّه قال: كان النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- يصلي الظهر بالهَاجِرَةِ، والعصر والشمس نقية، والمغرب إذا وَجَبَتْ، والعشاء أحيانًا وأحيانًا: إذا رآهم اجتمعوا عَجَّل، وإذا رآهم أبطؤوا أخر، والصبح كانوا أو كان النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- يصليها بغَلَسٍ.

309 - وعن سلمة قال: كنا نصلي مع النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- المغرب إذا توارت بالحجاب.
الغريب: "مواقع النَّبْل": حيث يقع؛ يعني: أنه كان يُبَكِّر بها قبل نزول الظلمة.
و"نقية": يعني لم يخالطها صفرة.
و"وجبت": يعني سقطت الشمس.
و"الغَلَس": اختلاط الضوء بالظلمة.
و"توارت": غابت.
و"الحجاب": ما يحجبها عن الأبصار عند مغيبها.


(6) باب من كره أن يقال للمغرب: العشاء وللعشاء: العتمة، ومن رآه واسعًا

310 - عن عبد اللَّه المزني: أن النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- قال: "لا تَغْلِبَنَّكمُ الأعرابُ على اسم صلاتكم المغرب قال 1: ويقول الأعراب: هي العشاء".
(1) في "صحيح البخاري": "قال الأعراب وتقول هي العشاء".
309 - خ (1/ 192)، في الكتاب والباب السابقين، من طريق المكي بن إبراهيم، عن يزيد بن أبي عبيد، عن سلمة به، رقم (561). 310 - خ (1/ 193)، (9) كتاب مواقيت الصلاة، (19) باب: من كره أن يقال للمغرب: العشاء، من طريق عبد الوارث، عن حسين، عن عبد اللَّه بن بُرَيْدَة، عن عبد اللَّه المزني به، رقم (563).

311 - وعن عبد اللَّه بن عمر (1) قال: صلى لنا النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- ليلة صلاة العشاء -وهي التي يدعو الناس العَتَمَة-، ثم انصرف فأقبل علينا فقال: "أرأيتَكُم ليلتَكم هذه؛ فإن رأس مئة سنة منها لا يبقى ممَّنْ هو على ظهر الأرض أحد".
فَوَهَلَ 2 الناس في مقالة النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- إلى ما يتحدثون من هذه الأحاديث عن مئة سنة، وإنما قال النبي -صلى اللَّه عليه وسلم-: "لا يبقى ممن هو اليوم على ظهر الأرض" يريد بذلك أنها تَخْرِمُ ذلك القرن.
وقال عليه (3) السلام: "لو يعلمون ما في العَتَمَةِ والصبح، لأَتَوْهُمَا ولو حَبْوًا".
قال البخاري: والاختيار أن يقول: العشاء؛ لقوله تعالى ﴿وَمِنْ بَعْدِ صَلَاةِ الْعِشَاءِ﴾ [النور: 58].

الغريب: "العَتمة": شدة ظلمة الليل، وكانت العرب تحلبُ في ذلك الوقت، وتسمى تلك الحلبة العتمة، وأراد بقوله عليه السلام: "لا يبقى ممن هو على ظهر الأرض من أحد" أن ذلك القرن يذهب، تنبيهًا على قِصَر أعمارهم؛ ليغتنموا فرصة المبادرة للصلاة وغيرها.
و"وَهَل الناس": وَهِمُوا، وهو بفتح الهاء.


(7) باب فضل العشاء وما يكره من النوم قبلها والحديث بعدها

1 - عن أبي موسى قال: كنت أنا وأصحابي الذين قدموا معي في السفينة نزولًا في بقيع بُطْحَان -والنبي -صلى اللَّه عليه وسلم- بالمدينة- فكان يتناوبُ النبيَّ -صلى اللَّه عليه وسلم- عند صلاة العشاء كل ليلة نفًرٌ منهم، فَوَافَقْنَا النبيَّ -صلى اللَّه عليه وسلم- أنا وأصحابي وله بعض الشُّغُل في بعض أمره، فأَعْتَم بالصلاة حتى ابْهَارَّ الليل، ثم خرج النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- فصلى بهم، فلما قضى صلاته قال لمن حضره: "على رِسْلِكُمْ أبشروا، إن من نعمة اللَّه عليكم أنه ليس أحد من الناس يصلي في هذه الساعة غيركم" -أو قال-: "ما صلى هذه الساعةَ أحدٌ غيركم" لا يدري أيَّ الكلمتين قال.

قال أبو موسى: فرجعنا ففرحنا بما سمعنا من رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم-.
1 - عن أبي بَرْزَةَ: أن رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- كان يكره النوم قبل العشاء والحديث بعدها.
2 - عن عروة: أن عائشة قالت: أَعْتَمَ رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- بالعشاء حتى ناداه عمر: الصلاةَ، نام النساء والصبيان، فخرج فقال: "ما ينتظرها أحدٌ من أهل الأرض غيركم".
قال: ولا يُصَلَّى يومئذ إلا بالمدينة، وكانوا يصلون فيما بين أن يغيب الشفق إلى ثلث الليل الأول.
3 - عن عبد اللَّه بن عمر: أن رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- شغل عنها ليلة فأَخَّرها، حتى رقدنا في المسجد، ثم استيقظنا، ثم رقدنا، ثم استيقظنا، ثم خرج علينا النبي -صلى اللَّه عليه وسلم-، ثم قال: "ليس أحد من أهل الأرض ينتظر الصلاة غيركم"، وكان ابن عمر لا يبالي أَقَدَّمَهَا أم أَخَّرَهَا، إذا كان لا يخشى أن يغلبه النوم عن وقتها، وكان يرقد قبلها.

1 - قال ابن جريج: قلت لعطاء.
وقال: سمعت ابن عباس يقول: أَعْتَمَ رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- ليلةً بالعشاء حتى رقد الناس واستيقظوا، ورقدوا واستيقظوا، فقام عمر بن الخطاب فقال: الصلاة.
قال عطاء: قال ابن عباس: فخرج نبي اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم-، كأني أنظر إليه الآن يقطر رأسه ماءً، واضعًا يده على رأسه فقال: "لولا أن أشق على أمتي لأمرتهم أن يصلوها هكذا"، فَاسْتَثْبَتُّ عطاءً: كيف وضع النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- يده على رأسه كما أنبأه ابن عباس؟ فَبَدَّدَ لي عطاءٌ بين أصابعه شيئًا من تبديد، ثم وضع أطراف أصابعه على قرن الرأس، ثم ضمها يُمِرُّها كذلك على الرأس حتى مست إبهامه طرفَ الأُذن مما يلي الوجه على الصُّدْغِ وناحية اللحية لا يُقَصِّرُ ولا يَبْطُشُ إلا كذلك، وقال: "لولا أن أشق على أمتي لأمرتهم أن يصلوا هكذا".
2 - عن أنس قال: أَخَّرَ النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- صلاة العشاء إلى نصف الليل، ثم صلى، ثم قال: "قد صلى الناس وناموا، أما إنكم في صلاةٍ ما انتظرتموها" قال أنس: كأني أنظر إلى وبيص خاتمه ليلتئذٍ.
قلت: "وَبِيصُ الخاتم": بريقه ولمعانه.


(8) باب وقت الفجر وفضلها وإدراك ركعةٍ منها

318 - عن أبي بكر بن عبد اللَّه بن قيس، عن أبيه: أن رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- قال: "مَنْ صَلَّى البَرْدينِ دخل الجنة".
319 - وعن أنس: أن زيد بن ثابت حدثه أنهم تَسحَّروا مع النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- ثم قاموا إلى الصلاة.
قلت: كم بينهما؟ قال: قدر خمسين أو ستين؛ يعني: آيةً.
وفي لفظٍ (1) آخر: كم كان من فراغهما من سُحورهما ودُخولهما في الصلاة؟ قال: قدر ما يقرأ الرجل خمسين آية.
320 - وعن أبي هريرة: أن رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- قال: "من أدرك من الصبح ركعةً قبل أن تطلع الشمس فقد أدرك الصبح، ومن أدرك ركعة من العصر قبل أن تغرب الشمس فقد أدرك العصر".
(1) خ (1/ 197)، في الكتاب والباب السابقين، من طريق سعيد، عن قتادة، عن أنس به.
رقم (576)، طرفه في (1134). 318 - خ (1/ 196)، (9) كتاب مواقيت الصلاة، (26) باب: فضل صلاة الفجر، من طريق همام، عن أبي جمرة، عن أبي بكر بن أبي موسى به، رقم (574). 319 - خ (1/ 197)، (9) كتاب مواقيت الصلاة، (27) باب: وقت الفجر، من طريق همام، عن قتادة، عن أنس به، رقم (575)، طرفه في (1921). 320 - خ (1/ 197)، (9) كتاب مواقيت الصلاة، (28) باب: من أدرك من الفجر ركعة، من طريق عطاء بن يسار، وعن بُسر بن سعيد، وعن الأعرج يحدثون عن أبي هريرة به، رقم (579).

وفي رواية أخرى: "من أدرك ركعةً من الصلاة فقد أدرك الصلاة" (1). الغريب: "البَرْدَان": هنا يعني بهما الفجر والعصر؛ لأنهما في وقت البَرْدين.
ويعني بمن أدرك ركعةً من الصلاة مع الإمام.
وكذا جاء مفسرًا في كتاب مسلم (2)؛ يعني به يكون مدركًا لحكم الجماعة وفضلها، والحديث الأول يعني به إدراك الوقت.


(9) باب القنوت في الفجر

321 - عن أنس قال: بعث النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- سبعين رجلًا لِحَاجَةٍ يقال لهم: القُرَّاء.
فعرض لهم حَيَّانِ من بني سُلَيْم، رِعْل وذَكْوَان عند بئر يقال لها: بئر12

مَعُونة فقال القوم: واللَّه ما إياكم أردنا.
فقتلوهم (1) فدعا النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- شهرًا عليهم (2) في صلاة الغَدَاة، وذلك بَدْءُ القنوت، وما كنا نقنت.
وسأل رجلٌ أنسًا (3) عن القنوت بعد الركوع أو عند فراغ من القراءة؟ قال: لا، بل عند فراغ من القراءة.


(10) باب النهي عن الصلاة بعد الفجر حتى ترتفع الشمس

322 - عن ابن عباس قال: شهد عندي رجال مَرْضِيُّونَ، وأرضاهم عمر: أن رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- نهى عن الصلاة بعد الصبح حتى تشرقَ الشمسُ، وبعد العصر حتى تغرب.
323 - وعن ابن عمر قال: قال رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم-: . . . . .12

"لا تتُحَرَّوْا (1) بصلاتكم طلوع الشمس ولا غروبها".
324 - وعنه قال: قال رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم-: "إذا طلع حَاجِبُ الشمس فأَخِّرُوا الصلاة حتى ترتفع، وإذا غاب حاجبُ الشمس فأَخِّروا الصلاة حتى تغيب".
325 - وعن معاوية قال: إنكم لتصلون صلاةً، لقد صحبنا رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- فما رأيناه يصليهما، ولقد نهى عنهما؛ يعني الركعتين بعد العصر.
"حاجب الشمس": أول ما يبدو منها عند طلوعها، وأول ما يغرب منها.


(11) باب من قال تجوز الصلاة بعد العصر إلا ساعة الغروب

326 - عن ابن عمر قال: أصلي كما رأيت أصحابي يصلون، لا أنهى (1) في "صحيح البخاري": "لا تحروا".
324 - خ (1/ 198)، في الكتاب والباب السابقين، من طريق عروة، عن ابن عمر به، رقم (583)، وطرفه في (3272). 325 - خ (1/ 199)، (9) كتاب مواقيت الصلاة، (31) باب: لا يتحرى الصلاة قبل غروب الشمس، من طريق شعبة، عن أبي التَّيَّاح، عن حمران بن أبان، عن معاوية به، رقم (587)، طرفه في (3766). 326 - خ (1/ 199 - 200)، (9) كتاب مواقيت الصلاة، (32) باب: من لم يكره الصلاة إلا بعد العصر والفجر، من طريق حماد بن زيد، عن أيوب، عن نافع، عن ابن عمر به، رقم (589).

أحدًا يصلي بليل أو نهار ما شاء غير أَنْ لا تَحَرَّوا طلوع الشمس ولا غروبها.
327 - وعن أم سلمة قالت: صلى النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- بعد العصر ركعتين وقال: "شغلني ناسٌ من عبد القَيْسِ عن الركعتين بعد الظهر".
328 - وعن عائشة قالت: والذي ذَهَبَ به ما تركهما حتى لقي اللَّه، وما لقي اللَّه حتى ثَقُلَ عن الصلاة، وكان يصلي كثيرًا من صلاته قاعدًا -تعني الركعتين بعد العصر- وكان النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- يصليهما، ولا يصليهما في المسجد؛ مخافةَ أن يُثقِّلَ على أمته وكان يُحِبُّ ما يُخَفِّفُ عنهم.
329 - وعنها قالت: ركعتان لم يكن رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- يدعهما سرًّا ولا علانيةً: ركعتان قبل الصبح، وركعتان بعد العصر.


(12) باب قضاء الفوائت وأحكامها

4 - وعن أبي قتادة -واسمه الحارث بن رِبْعِيٍّ- قال: سرنا مع123

جارٍ التحميل