باب يكون للناس عرفاء أهل صدق وأمانة يعرفون الإمام (4) بأحوال الناس
3117 - عن عروة بن الزبير: أن مروان بن الحكم والمِسْوَر بن مخرمة أخبره أن رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- قال حين أذن لهم المسلمون في عتق سبي هوازن 5:1234
"إني لا أدري مَنْ أَذِنَ منكم (1) ممن لم يأذن، فارجعوا حتى يرفع لنا عرفاؤكم أمركم"، فرجع الناس، فكلمهم عرفاؤهم، فرجعوا إلى رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- فأخبروه أن الناس قد طيَّبوا وأذنوا.
(17) باب ما يكره من إطراء السلاطين والحكام بالمِدْحَة
3118 - عن عبد اللَّه بن عمر، عن أبيه: قال أناس لابن عمر: إنا ندخل على سلطاننا فنقول لهم بخلاف ما نتكلم إذا خرجنا من عندهم، قال: كنا نعدُّ هذا نفاقًا.
3119 - وعن أبي هريرة: أنه سمع رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- يقول: "إن شرار الناس ذو الوجهين: الذي يأتي هؤلاء بوجه وهؤلاء بوجه".
-
- * (1) في "صحيح البخاري": "فيكم".
3118 - خ (4/ 337 - 338)، (93) كتاب الأحكام، (27) باب ما يكره من ثناء السلطان، وإذا خرج قال غير ذلك، من طريق أبي نعيم، عن عاصم بن محمد ابن زيد بن عمر، عن أبيه به، رقم (7178). 3119 - خ (4/ 338)، في الكتاب والباب السابقين، من طريق الليث، عن يزيد بن أبي حبيب، عن عِراك، عن أبي هريرة به، رقم (7179).
- * (1) في "صحيح البخاري": "فيكم".
(18) باب من لم يكترث فطعن من لم يعلم، وإثم الخصم الأَلَدّ
3120 - عن ابن عمر قال: بعث رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- بعثًا، وأمَّر عليهم أسامة ابن زيد، فطُعن في إمارته، فقال: "إن تطعنوا في إمارته فقد كنتم طعنتم (1) في إمارة أبيه من قبله، وَايْمُ اللَّه، إن كان لخليقًا للإمارة (2)، وإن كان لمن أحب الناس إليَّ، وإن هذا لمن أحب الناس إليَّ بعده".
3121 - وعن عائشة قالت: قال رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم-: "أبغض الرجال إلى اللَّه الألدُّ الخَصِمُ".
(19) باب إذا قضى الحاكم بجَوْرٍ أو خلاف النص فهو رَدٌّ
3122 - عن ابن عمر قال: بعث النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- خالد بن الوليد إلى بني1
جُذَيمة، فلم يحسنوا أن يقولوا: أسلمنا، فقالوا: صبأنا صبأنا، فجعل خالد يقتل ويأسر، ودفع إلى كل رجل منا أسيره، فأمر كلَّ رجل منا أن يقتل أسيره، فقلت: واللَّه، لا أقتل أسيري، ولا يقتل رجل من أصحابي أسيره، فذكرنا ذلك للنبي -صلى اللَّه عليه وسلم- فقال: "اللهم إني أبرأ إليك مما صنع خالد" (1)، مرتين.
(20) باب لابد للحاكم من كاتب عاقل أمين ومترجم، ويكفي واحد
وقد تقدم في باب جمع القرآن 2 قول أبي بكر لزيد بن ثابت: إنك شاب عاقل لا نتهمك، قد كنت تكتب الوحي لرسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم-.
3123 - وقال خارجة بن زيد بن ثابت: (عن زيد بن ثابت) (3): إن النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- أمره أن يتعلم كتاب اليهود، حتى كتبت للنبي -صلى اللَّه عليه وسلم- كتبه،1
وأقرأته كتبهم إذا كتبوا إليه.
وقال عمر -وعنده عليٌّ وعبد الرحمن وعثمان-: ماذا تقول هذه؟ قال عبد الرحمن بن حاطب: فقلت: تخبرك بصاحبها الذي صنع بها.
وقال أبو جَمْرة: كنت أترجم بين ابن عباس وبين الناس.
وقال بعض الناس: لابد للحاكم من مترجمين.
قلت: والأحاديث المذكورة أعلاه ترد عليه، والترجمة من باب الخبر لا من باب الشهادة، واللَّه أعلم.
(21) باب كتاب الحاكم إلى عُمَّاله وإلى أمنائه، وله أن يبعث واحدًا لينفذ الحكم، ولكل والٍ بطانتان
وقد تقدم من حديث سهل: أن رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- كتب إلى اليهود في قتل عبد اللَّه أخي حُويِّصة ومحيِّصة 1. وحديث زيد بن خالد في الذي قال له رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم-: "واغُدْ يا أُنَيْس على امرأة هذا، فإن اعترفت فارجمها"، في الحدود 2.
3124 - وعن أبي سعيد الخدري: عن النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- قال: "ما بعث اللَّه من نبي وما استخلف من خليفة إلا كانت له بطانتان، بطانة تأمره بالمعروف وتحضه عليه، وبطانة تأمره بالشر وتحضه عليه، والمعصوم (1) من عصم اللَّه".
(22) باب كيف بايع الإمام الناس، وهل يكتب له بالبيعة؟
3125 - عن عبد اللَّه بن دينار قال: شهدت ابن عمر حيث اجتمع الناس على عبد الملك قال: إني أقر بالسمع والطاعة لعبد اللَّه عبد الملك أمير المؤمنين على سُنَّة اللَّه ورسوله ما استطعت، وإن بَنِيَّ قد أقروا بذلك.
وقد تقدم من حديث جرير (2) قال: بايعت النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- على السمع والطاعة، فلقنني: "فيما استطعت"، والنصح لكل مسلم.1
3126 - وعن المِسْوَر بن مَخْرَمَةَ: أن الرهط الذين ولَّاهم عمر اجتمعوا فتشاوروا، فقال لهم عبد الرحمن: لست بالذي أنافسكم في هذا 1 الأمر، ولكنكم إن شئتم اخترت لكم منكم، فجعلوا ذلك إلى عبد الرحمن، فلما ولَّوا عبد الرحمن أمرهم، مَالَ 2 الناس على عبد الرحمن، حتى ما أرى أحدًا من الناس يتبع أولئك الرهط، ولا يطأ عقبه، ومال الناس على عبد الرحمن يشاورونه تلك الليالي، حتى إذا كانت تلك 3 الليلة التي أصبحنا منها فبايعنا عثمان، قال المِسْوَر: طرقني عبد الرحمن بعد هجع من الليل، فضرب الباب حتى استيقظت، فقال: أراك نائمًا، فواللَّه ما اكتحلت هذه الليالي 4 الثلاث بكثير نوم، انطلق فادعُ إليَّ 5 الزبير وسعدًا، فدعوتهما له، فَسَارَّهُمَا 6، ثم دعاني فقال: ادع لي عليًّا، فدعوته، فناجاه حتى ابْهَارَّ الليل، ثم قام عليٌّ من عنده وهو على طمع، وقد كان عبد الرحمن يخشى من عليٍّ شيئًا، ثم قال: ادع لي عثمان 7، فناجاه حتى فَرَّق بينهما المؤذن بالصبح، فلما
صلى الناس الصبح، واجتمع أولئك الرهط عند المنبر، فأرسل إلى من كان حاضرًا من المهاجرين والأنصار، وأرسل إلى أمراء الأجناد -وكانوا وافوا تلك الحَجَّة مع عمر- فلما اجتمعوا تشهَّد عبد الرحمن ثم قال: أما بعد، يا عليُّ! فإني نظرت في أمر الناس فلم أرهم يَعْدِلُون بعثمان، فلا تَجْعَلَنَّ (1) على نفسك سبيلًا، فقال: أبايعك على سنة اللَّه وسنة رسوله والخليفتين من بعده، فبايعه عبد الرحمن، وبايعه (2) المهاجرون والأنصار وأمراء الأجناد والمسلمون.
(23) باب بيعة الصغير والنساء
3127 - عن عبد اللَّه بن هشام -وكان قد أدرك النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- وذهبت به أمه زينب بنت 3 حميد إلى رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- فقالت: يا رسول اللَّه! بايعه، فقال رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم-: "هو صغير"، فمسح برأسه ودعا له، وكان يضحي بالشاة الواحدة عن جميع أهله.12
3128 - وعن عائشة قالت: كان النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- يبايع النساء بالكلام (وبهذه الآية: ﴿لَا يُشْرِكْنَ بِاللَّهِ شَيْئًا﴾ [الممتحنة: 12]، قالت: وما مست يد رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- يد امرأة إلا امرأة يملكها) 1. 3129 - وعن أم عطية قالت: بايعنا رسول اللَّه 2 -صلى اللَّه عليه وسلم- فقرأ علينا: ﴿أَنْ لَا يُشْرِكْنَ بِاللَّهِ شَيْئًا﴾، ونهانا عن النياحة، فقبضت امرأة يدها فقالت: فلانة أسعدتني، وأنا أريد أن أجزيها، فلم يقل شيئًا، فذهبت ثم رجعت، فما وَفَّتِ امرأة إلا أم سُلَيْم وأم العلاء وابنة أبي سبرة، وامرأة معاذ (3).
(24)
باب
في الاستخلاف 3130 - عن القاسم بن محمد قال: قالت عائشة: وارأساه! فقال
رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم-: "ذاك لو كان وأنا حيٌّ، فأستغفر لك وأدعو لك"، فقالت عائشة: واثُكْلَيَاهُ! واللَّه إني لأظنك تحب موتي، ولو كان ذلك لظللت آخر يومك مُعَرِّسًا ببعض أزواجك، فقال النبي -صلى اللَّه عليه وسلم-: "بل أنا وارأساه! لقد هممت -أو أردت- أن أرسل إلى أبي بكر وابنه وأعهد 1، أن يقول القائلون أو يتمنى المُتَمَنُّون، ثم قلت: يأبى اللَّه ويدفع المؤمنون، أو يدفع المؤمنون ويأبى اللَّه 2 ".
3131 - وعن عبد اللَّه بن عمر قال: قيل لعمر: ألا تستخلف؟ قال: إن أستخلف، فقد (3) استخلف من هو خير مني أبو بكر، وإن أترك فقد ترك من هو خير مني رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم-، فأثنوا عليه، فقال: راغب وراهب، وددت أني نجوت منها كَفَافًا، لا لي ولا عليَّ، لا أتحملها حيًّا وميتًا.
3132 - وعن أنس بن مالك: أنه سمع خطبة عمر الآخرة حين جلس على المنبر -وذلك الغد من يوم توفي النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- فتشهد وأبو بكر صامت
لا يتكلم- قال: قد كنت أرجو أن يعيش رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- حتى يَدْبُرَنَا -يريد بذلك أن يكون آخرهم- فإن يك محمد 1 قد مات، فإن اللَّه 2 جعل بين أظهركم نورًا تهتدون به بما 3 هدى اللَّه محمدًا 4، وإن أبا بكر صاحب رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- ثاني اثنين، وإنه أولى المسلمين 5 بأموركم، فقدموا 6 فبايعوه، وكانت طائفة منهم قد بايعوه قبل ذلك في سقيفة بني ساعدة، وكانت بيعة العامة على المنبر.
3133 - وعن جبير بن مُطْعِم قال: أتت امرأة النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- 7 فكلمته في شيء، فأمرها أن ترجع إليه، فقالت 8: يا رسول اللَّه! أرأيت إن جئت ولم أجدك؟ -كأنها تريد الموت- قال: "إن لم تجديني فائتي أبا بكر".
(25) باب
3134 - وعن جابر بن سَمُرة قال: سمعت النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- يقول: "يكون اثنا عشر أميرًا 1، كلهم من قريش".
(70) كتاب التمني
(70) كتاب التمني أحاديثه كلها متكررة، وليس في تراجمه ما يخفى، وكذلك كتاب الآحاد.
(71) كتاب الاعتصام
(71) كتاب الاعتصام
قد تقدم من حديث أنس 1 خطبة عمر بن الخطاب الغد من مبايعة أبي بكر على منبر رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- التي قال فيها: أما بعد، فاختار اللَّه لنبيه ما عنده على ما عندكم، وهذا الكتاب الذي هدى اللَّه به رسوله، فخذوا به تهتدوا، وإنما هدى اللَّه به رسوله.
3135 - وعن أبي المنهال: أنه سمع أبا بَرْزَةَ يقول: إن اللَّه يغنيكم بالإسلام وبمحمد -صلى اللَّه عليه وسلم-.
قال البخاري: وقع هنا - يغنيكم - وإنما هو - نعَشَكم 2.
وقال ابن عون 3: ثلاث أُحبهن لنفسي ولإخواني: هذه السُّنة أن يتعلموها
ويسألوا عنها، والقرآن أن يتفهموه ويسألوا عنه، ويَدَعُوا الناس إلا من خير.
3136 - وعن مُرَّة الهمداني قال: قال عبد اللَّه: إن أحسن الحديث كتاب اللَّه، وأحسن الهَدْي هَدْيُ محمد -صلى اللَّه عليه وسلم-، وشر الأمور محدثاتها، وإن ما توعدون لآتٍ وما أنتم بمعجزين.
3137 - وعن همام، عن حذيفة: يا معشر القراء! استقيموا، فقد سُبِقْتُم سبقًا بعيدًا، وإن (1) أخذتم (يمينًا) (2) وشمالًا فقد ضَلَلْتُم ضلالًا بعيدًا.
(1) باب مثل من اقتدى بالنبي -صلى اللَّه عليه وسلم- واتَّبع سُنَّته ومثل من عصاه
3138 - عن جابر بن عبد اللَّه قال: "جاءت ملائكة إلى النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- وهو نائم، فقال بعضهم: إنه نائم، وقال بعضهم: إن العين نائمة والقلب يقظان،1
فقالوا: إن لصاحبكم [هذا] مَثَلًا، قال: فاضربوا له مثلًا، (فقال بعضهم: إنه نائم.
وقال بعضهم: إن العين نائمة والقلب يقظان) 1 فقالوا: مثله كمثل رجل بنى دارًا، وجعل مأدبة 2، وبعث داعيًا، فمن أجاب الداعي دخل الدار وأكل من المأدبة، ومن لم يجب الداعي لم يدخل الدار، ولم يأكل من المأدبة، فقالوا: أوِّلوها له يفقهها، قال بعضهم: إنه نائم، وقال بعضهم: إن العين نائمة والقلب يقظان، فقالوا: الدار 3 الجنة، والداعي محمد -صلى اللَّه عليه وسلم-، فمن أطاع محمدًا فقد أطاع اللَّه، ومن عصى محمدًا فقد عصى اللَّه، محمد فَرَّقَ بين الناس".
3139 - وعن أبي موسى: عن النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- قال: "إنما مَثَلِي ومثل ما بعثني اللَّه به كمثل رجل أتى قومًا فقال: يا قوم! إني رأيت الجيش بعيني، وإني أنا النذير العُرْيَان، فالنجاء النجاء، فأطاعه طائفة من قومه فأدلجوا، فانطلقوا على مهلهم فَنَجَوْا، وكذبت طائفة 4 فأصبحوا مكانهم، فصبَّحهم الجيش فأهلكهم واجتاحهم، فذلك مثل من أطاعني فاتَّبَعَ ما جئت به، ومثل من عصاني وكَذَّبَ ما جئت به من الحق".
(2) باب ما يكره من التعمق والغلوِّ والبدع في الدين
لقوله تعالى: ﴿لَا تَغْلُوا فِي دِينِكُمْ وَلَا تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ إِلَّا الْحَقَّ﴾ [النساء: 171] وقوله -صلى اللَّه عليه وسلم- في حديث تحريم المدينة: "فمن أحدث فيها حدثًا، فعليه لعنة اللَّه والملائكة والناس أجمعين"، وقد تقدم 1. 3140 - وعن عائشة قالت: صنع رسول 2 اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- شيئًا ترخص فيه، فتنزه 3 عنه قوم، فبلغ ذلك النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- فحمد اللَّه 4 ثم قال: "ما بال أقوام يتنزهون عن الشيء أصنعه، فواللَّه إني لأعلمكم 5 باللَّه وأشدكم 6 له خشية".
(3) باب ما يكره من ذم الرأي والقياس الفاسد، ولا تزال طائفة من هذه الأمة قائمة بالحق
3141 - عن عبد اللَّه بن عمرو قال: سمعت رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- يقول: "إن اللَّه لا ينزع العلم بعد أن أعطاكموه انتزاعًا، لكن ينزعه 1 منهم مع قبض العلماء بعلمهم، فيبقى ناس جُهَّال يستفتون فيفتون برأيهم، فَيَضِلُّون ويُضِلُّون".
3142 - وعن المغيرة بن شعبة: عن النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- قال: "لا تزال طائفة من أمتي ظاهرين حتى يأتيهم أمر اللَّه وهم ظاهرون" (2).
3143 - وعن معاوية بن أبي سفيان قال: سمعت النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- يقول: "من يُرِد اللَّه به خيرًا يفقهه في الدين، وإنما أنا قاسم، ويعطي اللَّه، ولن
يزال أمر هذه الأمة مستقيمًا حتى تقوم الساعة، أو حتى يأتي (1) أمر اللَّه".
(4) باب إثم من دعا إلى ضلال أو سَنَّ سُنَّة، لقوله عز وجل: ﴿وَمِنْ أَوْزَارِ الَّذِينَ يُضِلُّونَهُمْ بِغَيْرِ عِلْمٍ﴾ [النحل: 25]
3144 - عن مسروق، عن عبد اللَّه قال: قال النبي -صلى اللَّه عليه وسلم-: "ليس من نفس تقتل ظلمًا إلا كان على ابن آدم الأول كفل منها"، وربما قال سفيان: "من دمها؛ لأنه سَنَّ القتل أولًا".
3145 - وعن أبي هريرة: عن النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- قال: "لا تقوم الساعة حتى تأخذ أمتي بأخذ القرون قبلها، شبرًا بشبر، وذراعًا بذراع"، فقيل: يا رسول اللَّه! كفارس والروم؟ فقال: "ومَنِ الناسُ إلا أولئك؟ " (2).1
3146 - وعن أبي سعيد الخدري: عن النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- قال: "لتتبعن سَنَن من قبلكم (1) شبرًا بشبر، وذراعًا بذراع، حتى لو دخلوا جُحْر ضبٍّ تبعتموهم"؛ قلنا: يا رسول اللَّه! اليهود والنصارى؟ قال: "فمن؟ ".
(5) باب وجوب قبول خبر الواحد العدل، رجلًا كان أو امرأة في الأحكام الشرعية
لقوله تعالى: ﴿فَلَوْلَا نَفَرَ مِنْ كُلِّ فِرْقَةٍ مِنْهُمْ طَائِفَةٌ لِيَتَفَقَّهُوا فِي الدِّينِ وَلِيُنْذِرُوا قَوْمَهُمْ إِذَا رَجَعُوا إِلَيْهِمْ لَعَلَّهُمْ يَحْذَرُونَ﴾ [التوبة: 122]. ولقوله -صلى اللَّه عليه وسلم- لمالك بن الحويرث ومن كان معه: "ارجعوا إلى أهليكم فأقيموا فيهم الصلاة وعلموهم"، ولقوله في وفد عبد القيس لما ذكر لهم ما يحتاجون إليه من أمورهم في دينهم، قال: "احفظوهن وأبلغوا من وراءكم"، ولقوله -صلى اللَّه عليه وسلم-: "واغْدُ يا أُنَيْسُ على امرأة هذا، فإن اعترفت فارجمها"، ونحوه كثير (2). 3147 - وعن عبد اللَّه بن عباس: أن رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- بعث بكتابه إلى1
كسرى، فأمره أن يدفعه إلى عظيم البحرين، فدفعه عظيم البحرين إلى كسرى، فلما قرأه كسرى مزَّقَه، فحسبت أن ابن المسيَّب قال: فدعا عليهم رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- أن يُمَزَّقوا كل مُمَزَّق.
قلت: كذا وقع هذا الحديث في الأمهات، ولم يذكر فيه دحية بعد قوله: بعث، والصواب إثباته، وقد ذكره البخاري فيما ذكره الكشميهني مُعَلَّقًا.
وقال ابن عباس: بعث النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- دحية الكلبي بكتابه إلى عظيم بُصْرَى، وأن يدفعه إلى قيصر (1)، وهو الصواب، واللَّه أعلم.
(6) باب ترك النكير من النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- حجة، لا من غيره
3148 - عن محمد بن المنكدر قال: رأيت جابر بن عبد اللَّه يحلف باللَّه أن ابن صياد الدجال، قلت: تحلف باللَّه، قال: إني سمعت عمر يحلف على ذلك عند رسول 2 اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم-، (فلم ينكره النبي -صلى اللَّه عليه وسلم-) 3.
-
- *1
(7) باب لا تسألوا أهل الكتاب عن شيء
3149 - قال حميد بن عبد الرحمن: أنه سمع معاوية يحدث رهطًا من قريش بالمدينة وذكر كعب الأحبار فقال: إن كان من أصدق هؤلاء المحدثين الذين يحدثون عن أهل 1 الكتاب، وإن كنا مع ذلك لنبلو عليه الكذب 2. 3150 - وعن أبي هريرة قال: كان أهل الكتاب يقرؤون التوراة بالعبرانية، ويفسرونها بالعربية لأهل الإسلام، فقال رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم-: "لا تصدقوا أهل الكتاب ولا تكذبوهم، وقولوا: ﴿آمَنَّا بِاللَّهِ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْنَا﴾ الآية [البقرة: 136] ". 3151 - وعن ابن عباس قال: كيف تسألون أهل الكتاب وكتابكم الذي أنزل على رسوله -صلى اللَّه عليه وسلم- (3) أحدث، تقرؤونه محضًا لم يشب، وقد حدثكم أن
أهل الكتاب بدَّلوا كتاب اللَّه وغيروه، وكتبوا بأيديهم الكتاب وقالوا: هو من عند اللَّه ليشتروا به ثمنًا قليلًا، لا ينهاكم ما جاءكم من العلم عن مسألتهم، لا واللَّه ما رأينا منهم رجلًا يسألكم عن الذي أُنْزل إليكم.
(8) باب المشاورة في الأمر لأهل العلم والأمانة والرأي
لقوله تعالى: ﴿وَشَاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ﴾ [آل عمران: 159]، ﴿وَأَمْرُهُمْ شُورَى بَيْنَهُمْ﴾ [الشورى: 38] والمشاورة قبل العزم، ﴿فَإِذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ﴾ [آل عمران: 159]، وقد شاور النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- أصحابه يوم بدر 1، وكان الأئمة بعد النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- يستشيرون الأمناء من أهل العلم في الأمور المباحة؛ ليأخذوا بأسهلها، فإذا وضح الكتاب والسُّنة، لم يَتَعَدَّوْه إلى غيره اقتداءً بالنبي -صلى اللَّه عليه وسلم-.
3152 - وعن عروة، عن عائشة: أن رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- خطب الناس، فحمد اللَّه وأثنى عليه وقال: "ما تشيرون عليَّ في قوم يَسُبُّون أهلي، ما علمت عليهم من سوء قط"؟
(9) باب نهى النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- عن التحريم إلا ما عُرفت إباحته، وأمره على الوجوب إلا ما علم خلافه
وقد تقدم قول أم عطية: نهينا عن اتباع الجنائز ولم يُعْزَم علينا (1).
3153 - وعن جابر بن عبد اللَّه قال: أهللنا أصحاب رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- في الحج خالصًا، ليس معه عمرة، قال عطاء: قال جابر: فقدم النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- صبح رابعة مضت من ذي الحجة، فلما قدمنا، أمرنا النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- أن نحلَّ، وقال: "أحلوا، وأصيبوا من النساء"، قال عطاء: قال جابر: ثم لم يعزم عليهم، ولكن أحلهُنَّ لهم، فبلغه أنَّا نقول: لمَّا لم يكن بيننا وبين عرفة إلا خمس أمرنا أن نحل إلى نساءنا، فنأتي عرفة تقطر مذاكيرنا المنيَّ، قال: ويقول جابر بيده هكذا وحركها، فقام رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- فقال: "قد علمتم أني أتقاكم للَّه وأصدقكم وأبركم، ولولا هديي لحللت كما تَحِلّون فَحِلُّوا، ولو استقبلت من أمري ما استدبرت ما أهديت"، فحللنا وسمعنا وأطعنا.
3154 - وعن عبد اللَّه المُزَنيِّ: عن النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- قال: "صلوا قبل صلاة (1) علقه هنا (خ 4/ 375)، وقد تقدم في الجنائز.
3153 - خ (4/ 375 - 376)، (96) كتاب الاعتصام بالكتاب والسنة، (27) باب نهي النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- على التحريم، إلا ما تعرف إباحته وكذلك أمره، من طريق ابن جريج، عن عطاء، عن جابر بن عبد اللَّه به، رقم (7367).
3154 - خ (4/ 376) - في الكتاب والباب السابقين، من طريق الحسين هو ابن ذكوان المعلم، عن ابن بريدة، عن عبد اللَّه المزني به، رقم (7368).
المغرب -قال في الثالثة- لمن يشاء"؛ كراهية (1) أن يتخذها الناس سُنَّة.
(10) باب كراهية الاختلاف
قد تقدم قوله -صلى اللَّه عليه وسلم- 2: "اقرؤوا القرآن ما ائتلفت عليه قلوبكم، وإذا اختلفتم، فقوموا عنه".
3155 - عن عبد اللَّه بن عباس قال: لما حُضِرَ رسول 3 اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- قال: وفي البيت رجال فيهم عمر بن الخطاب- قال: "هَلُمَّ أكتب لكم كتابًا لن تضلوا بعده"، قال عمر: إن النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- غلبه الوجع، وعندكم القرآن فحسبنا كتاب اللَّه، واختلف أهل 4 البيت واختصموا، فمنهم من يقول: قَرّبُوا يكتب لكم رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- كتابًا لن تضلوا بعده، ومنهم من يقول ما قال عمر، فلما كثر اللغط والاختلاف عند النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- قال: "قوموا عني".
-
- *1
(72) كتاب التوحيد
(72) كتاب التوحيد
(1) باب دعاء النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- التوحيد، لقوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ﴾ الآية [البقرة: 21]
وقال -صلى اللَّه عليه وسلم- لمعاذ: "إنك تقدم على قوم من أهل الكتاب، فليكن أول ما تدعوهم إلى أن يوحدوا اللَّه، فإذا عرفوا ذلك فأخبرهم أن اللَّه فرض عليهم خمس صلوات.
. . " الحديث، وقد تقدم 1.
3156 - وعن معاذ بن جبل قال: قال رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم-: "يا معاذ! أتدري ما حق اللَّه على العباد؟ " قال: اللَّه ورسوله أعلم، قال: "أن يعبدوه ولا يشركوا به شيئًا، أتدري ما حقهم على اللَّه 2؟ " قال: اللَّه ورسوله أعلم، قال:
"أن لا يعذبهم".
(2) باب قوله تعالى: ﴿وَلِلَّهِ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا﴾ [الأعراف: 180] ولا يُسَمَّى إلا بما سَمَّى به نفسه
3157 - عن أبي هريرة: أن رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- قال: "إن للَّه تسعة وتسعين اسمًا، مئة إلا واحدًا، من أحصاها دخل الجنة".
البخاري: أحصيناه حفظناه.
3158 - وعن سالم: عن 1 عبد اللَّه قال: أكثر ما كان رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- يحلف: "لا ومُقَلِّب القلوب".
وقال تعالى: ﴿السَّلَامُ الْمُؤْمِنُ الْمُهَيْمِنُ الْعَزِيزُ الْجَبَّارُ الْمُتَكَبِّرُ.
. .﴾ [الحشر: 23] إلى آخر السورة.
وقد تقدم حديث ابن مسعود (2): "إن اللَّه هو السلام"، وأخبر اللَّه عن
نفسه بقوله: ﴿وَكَانَ اللَّهُ سَمِيعًا بَصِيرًا﴾.
وقال الأعمش (1)، عن تميم، عن عروة، عن عائشة قالت: الحمد للَّه الذي وسع سمعه الأصوات، فأنزل اللَّه على النبي -صلى اللَّه عليه وسلم-: ﴿قَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّتِي تُجَادِلُكَ فِي زَوْجِهَا﴾ [المجادلة: 1].
وقال رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم-: "ارْبَعُوا على أنفسكم؛ فإنكم لا تدعون أصم ولا غائبًا، تدعون سميعًا بصيرًا"، وقد تقدم (2).
(3) باب ما سمى اللَّه تعالى به من وجه ونَفْس وذات وعين ويد وروح في كتابه وفي سُنَّة نبيه
فقال: ﴿وَيُحَذِّرُكُمُ اللَّهُ نَفْسَهُ﴾ [آل عمران: 28]، وقال: ﴿يُرِيدُونَ وَجْهَهُ﴾ [الكهف: 28]، وقال: ﴿تَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِي وَلَا أَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِكَ﴾ [المائدة: 116]، وقال: ﴿وَلِتُصْنَعَ عَلَى عَيْنِي﴾ [طه: 39]، ومع ذلك فليس كمثله شيء وهو السميع البصير، وقال: ﴿مَا مَنَعَكَ أَنْ تَسْجُدَ لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَيَّ﴾ [ص: 75]، وقال: ﴿وَنَفَخْتُ فِيهِ مِنْ رُوحِي﴾ [ص: 72].12
3159 - وعن أبي هريرة: أن النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- قال: "لما خلق اللَّه الخلق، كتب في كتابه -وهو (يكتب على نفسه، وهو) 1 وضع عنده على العرش-: إن رحمتي تغلب غضبي".
وقد تقدم قول خُبَيْب 2:
وذلك في ذات الإله وإنْ يَشَأْ ... يُبَارِك على أَوْصَالِ شِلْوٍ مُمَزَّع
3160 - وعن أبي هريرة قال: قال النبي -صلى اللَّه عليه وسلم-: "يقول اللَّه عز وجل 3: أنا عند ظن عبدي بي، وأنا معه إذا ذكرني، فإن ذكرني في نفسه ذكرته في نفسي، وإن ذكرني في ملأ ذكرته في ملأ خير منهم، وإن تقرّب إلى شبرًا تقربت إليه ذراعًا، وإن تقرب إلى ذراعًا تقربت منه باعًا (4)، وإن أتاني يمشي أتيته هرولة".
وفي حديث آدم (1): أن الناس يقولون له يوم القيامة: "أنت الذي خلقك اللَّه بيده، ونفخ فيك من روحه".
(4) باب: للَّه تعالى من المحامد ما لم يطلع عليها أحد في هذه الدار، ويستطيع على ما شاء منها نبيه المختار
وقد تقدم من حديث أبي هريرة في كتاب التفسير 2 أن النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- قال: "فآتي تحت العرش 3، فأقع ساجدًا لربي، ثم يفتح على من محامده وحسن الثناءعليه شيئًا لم يفتحه على أحد قبلي".
3161 - وعن أنس: أن النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- قال: "يجمع اللَّه المؤمنون يوم القيامة كذلك، فيقولون: لو استشفعت إلى ربنا حتى يريحنا من مكاننا هذا، فيأتوا آدم.
. . " الحديث، وسيأتي فيه: "فأحمد ربي بمحامد علَّمنيها ربي".
-
- *1
(5) باب في قوله تعالى: ﴿قُلْ أَيُّ شَيْءٍ أَكْبَرُ شَهَادَةً قُلِ اللَّهُ﴾ [الأنعام: 19]، فسمى نفسه شيئًا، وفي قوله: ﴿وَكَانَ عَرْشُهُ عَلَى الْمَاءِ﴾ [هود: 7] ﴿وَهُوَ رَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ﴾ [التوبة: 129]
قد تقدم حديث عمران بن حصين في كتاب بدء الخلق (1): "إن اللَّه تعالى كان ولم يكن شيء غيره، وكان عرشه على الماء".
ومن حديث أبي هريرة (2) قوله -صلى اللَّه عليه وسلم-: "يمين اللَّه ملأى، لَا يَغِيضُها نفقة، سحَّاء الليل والنهار، أرأيتم ما أنفق منذ خلق السموات والأرض، فإنه لم يَنْقُص ما بيمينه وعرشه على الماء" (3).
(6) باب قوله تعالى: ﴿تَعْرُجُ الْمَلَائِكَةُ وَالرُّوحُ إِلَيْهِ﴾ [المعارج: 4] و ﴿إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ﴾ [فاطر: 10]
قد تقدم من حديث.
. .123
أبي هريرة (1): "يتعاقبون فيكم (2) ملائكة بالليل وملائكة بالنهار، فيجتمعون في صلاة العصر وصلاة الفجر، ثم يعرج الذين باتوا فيكم.
. . " الحديث.
ومن حديثه أيضًا (3): "من تصدق بصدقة من كسب طيب، ولا يصعد إلى اللَّه إلا الطيب.
. . " الحديث.
(7) باب قول اللَّه تعالى: ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاضِرَةٌ (22) إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ﴾ [القيامة: 22 - 23]
3162 - وعن جرير بن عبد اللَّه قال: كنا جلوسًا عند النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- إذا 4 نظر إلى القمر ليلة البدر قال: "إنكم سترون ربكم كما ترون هذا القمر، لا تُضَامُّون في رؤيته، فإن استطعتم أن لا تُغْلَبوا على صلاة قبل طلوع الشمس وصلاة قبل123
غروبها 1 فافعلوا".
3163 - وعن أبي سعيد الخدري: قلنا: يا رسول اللَّه! هل نرى ربنا 2؟ قال: "هل تُضَارُّون في رؤية الشمس 3 إذا كانت صحوًا؟ " قلنا: لا، قال: "فإنكم لا تضارون في رؤية ربكم 4 إلا كما تضارون في رؤيتها 5 -ثم قال- ينادي منادٍ: ليذهب كل قوم إلى ما كانوا يعبدون، فيذهب أهل الصليب مع صليبهم، وأهل الأوثان مع أوثانهم، وأصحاب كل آلهة 6 مع آلهتهم، حتى يبقى من كان يعبد اللَّه من بر وفاجر وغُبَّرَات من أهل الكتاب، ثم يؤتى بجهنم تعرض كأنها سراب، فيقال لليهود: ما كنتم تعبدون؟ قالوا: كنا نعبد عزيرًا ابن اللَّه 7، فيقال: كذبتم، لم يكن للَّه صاحبة ولا ولد، فما تريدون؟ قالوا: نريد أن تسقينا، فيقال: اشربوا، فيتساقطون في جهنم، ثم يقال للنصارى: ما كنتم تعبدون؟ فيقولون: كنا نعبد المسيح ابن اللَّه، فيقال: كذبتم، لم يكن للَّه صاحبة ولا ولد، فما تريدون؟ فيقولون: نريد أن تسقينا، فيقال:
اشربوا، فيتساقطون في جهنم، حتى يبقى من كان يعبد اللَّه من بر وفاجر، فيقال لهم: ما يجلسكم 1 وقد ذهب الناس؟ فيقولون: فارقناهم ونحن أحوج منا إليه اليوم، وإنا سمعنا مناديًا ينادي: ليلحق كل قوم بما كانوا يعبدون، وإنما ننتظر ربنا، فيأتيهم الجبار في صورة غير صورته التي رأوه فيها أول مرة، فيقول: أنا ربكم، فيقولون: أنت ربنا، فلا يكلمه إلا الأنبياء، فيقال 2: هل بينكم وبينه آية تعرفونها؟ فيقولون: الساق، فيكشف عن ساقه، فيسجد له كل مؤمن، ويبقى من كان يسجد للَّه رياءً وسمعة، فيذهب كيما يسجد فيعود ظهره طبقًا واحدًا، ثم يؤتى بالجسر، فيجعل بين ظهر 3 جهنم".
قلنا: يا رسول اللَّه! وما الجسر؟ قال: "مَدْحَضَةٌ، مَزِلَّةٌ، عليه خَطَاطِيف وكَلَالِيب، وحَسَكَةٌ مُفَلْطَحَةٌ لها شوكة عُقَيْفَة 4 تكون بنجد، يقال له: السعدان، المؤمن عليها كالطَّرْفِ، وكَالْبَرقِ، وكالريح، وكأجاويد الخيل والرَّكَاب، فناجٍ مُسَلَّم، وناج مخدوش 5، ومكدوس 6 في نار جهنم، حتى يمر آخرهم يسحب سحبًا، فما أنتم بأشد لي مناشدة في الحق قد تبين لكم من المؤمن يومئذ للجبار، فإذا 7 رأوا أنهم قد نجوا وبقي إخوانهم يقولون:
ربنا! إخواننا 1 كانوا يصلون 2 ويصومون معنا، ويعملون معنا، فيقول اللَّه 3: اذهبوا فمن وجدتم (في قلبه) 4 مثقال دينار من إيمان فأخرجوه، ويحرم اللَّه صورهم على النار، وبعضهم قد غاب في النار إلى قدميه 5، وإلى أنصاف ساقيه، فيخرجون من عرفوا، ثم يعودون فيقول: اذهبوا، فمن وجدتم في قلبه مثقال نصف دينار فأخرجوه، فيخرجون من عرفوا، ثم يعودون، فيقول: اذهبوا، فمن وجدتم في قلبه مثقال ذرة من إيمان فأخرجوه، فيخرجون من عرفوا".
قال أبو سعيد: فإن لم تصدقوني فاقرؤوا: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَظْلِمُ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ وَإِنْ تَكُ حَسَنَةً يُضَاعِفْهَا﴾ [النساء: 40]، "فيشفعون النبيون 6 والملائكة والمؤمنون، فيقول الجبار: بقيت شفاعتي، فيقبض قبضة من النار، فيخرج أقوام قد امْتُحِشُوا، فَيُلْقَوْن في نهر بأفواه الجنة يقال له: ماء الحياة، فينبتون في حافتيه كما تنبت الحِبَّةُ في حَمِيل السيل قد رأيتموها إلى جانب الصخرة، فما كان من هذه إلى الشمس كان أخضر 7، وما كان إلى 8 الظل كان أبيض، فيخرجون
كأنهم اللؤلؤ، فيجعل في رقابهم الخواتم، فيدخلون الجنة، فيقول أهل الجنة: هؤلاء عتقاء الرحمن، أدخلهم الجنة بغير عمل عملوه ولا خير قدموه، فيقال لهم: لكم ما رأيتم ومثله معه".
الغريب:
"تُضَامُون": بضم التاء والميم، ويروى: تَضَامُّون بفتح التاء والميم مشددة، من الضم؛ أي: تتضامون وتزدحمون، وكذلك في ذلك رواية: "يضامون"، روايةً ومعنًى، غير أن المؤمنين يرون اللَّه تعالى بأعين رؤية واضحة جلية، لا يزاحم غيره كما يُفْعَلُ عند رؤية 1 الأهلة، فهو تشبيه لحال الرائي لا بحال المرئي.
"الطواغيت": جمع طاغوت، وهو كل معبود من دون اللَّه.
وقوله: "فيأتيهم الجبار في الصورة التي يعرفون"، هذه من المواضع المُشْكِلَة، والأمور المتشابهة في الشريعة -الكتاب والسُّنة- التي درج الحكم باستحالة ظواهرها على اللَّه، فإنها من نعوت الأجسام وصفات المحدثات، غير أنهم لم يتعرضوا لتأويلها، ووكلوه إلى اللَّه وقالوا: ﴿آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنَا﴾ [آل عمران: 7].
وقالوا: أمِرُّوها على ما جاءت، وقد ذهب كثير من العلماء إلى حمل ألفاظها على ما يقتضيه الكلام العربي من الاستعارات والتوسعات، فمن ذلك: أن "في" بمعنى الباء في "بصورة"، كما قال: ﴿فِي ظُلَلٍ مِنَ الْغَمَامِ﴾ [البقرة: 210]؛ أي: بظلل من الغمام، ومعنى هذا -واللَّه أعلم-: أن اللَّه تعالى
يُظْهرُ لهم هذه الصورة الهائلة امتحانًا لأهل المحشر، فيقولون المؤمنون العالمون بصفات اللَّه لهذه الصورة: نعوذ باللَّه منك، حتى يأتينا ربنا؛ أي: حتى يتجلى بصفاته المعبَّر عنها: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾، وأما من كان مجسِّمًا فيعترف لهذه الصورة بالإلهية، فإذا تجلَّى الحق للمؤمنين بصفاته التي يعرفون سجدوا للَّه تعالى، وأما أهل الزيغ كلما أرادوا أن يسجدوا خرُّوا على أقفائهم، وتعود ظهورهم كالأطباق، واللَّه أعلم.
والتسليم أسلم.
و"السَّعْدَان": شوك يتعلق بالداخل فيه، له محاجن، و"المُوثَق": المهلك.
و"المخردل": المُقَطَّع؛ أي: قطعًا.
و"امْتُحِشُوا": هو بفتح الحاء، بمعنى: احترقوا وتغيروا.
و"الحَبْرَة": النعمة.
و"ضحك اللَّه": رضاه عن المضحوك، ويظهر نعمه عليه، وهو من باب قولهم: تضحك الأرض من بكاء الغمام.
و"غُبَّرَات أهل الكتاب"؛ أي: بقاياهم، وكأنهم -واللَّه أعلم- الموعودون من اليهود والنصارى.
(8) باب كلام اللَّه تعالى مع نبيه ومع المؤمنين يوم القيامة من غير حجاب يحجبهم به
1 - عن قتادة، عن أنس: أن النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- قال: "يحبس المؤمنون يوم