اختصار صحيح البخاري وبيان غريبهصفحات 343-382

باب صفة النبي -صلى اللَّه عليه وسلم-،

صفحات 343-382

عمر، وليس كذلك، ولكن عمر يوم الحديبية أرسل عبد اللَّه إلى فرس له عند رجل من الأنصار يأتي به ليقاتل عليه ورسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- يبايع الناس عند الشجرة، وعمر لا يدري بذلك، فبايعه عبد اللَّه ثم ذهب إلى الفرس، فجاء به إلى عمر يَسْتَلْئِمُ 1 للقتال، فأخبره: أن رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- يبايع تحت الشجرة، قال: فانطلق فذهب معه حتى بايع رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم-، فهي التي يتحدث الناس: أن ابن عمر أسلم قبل عمر.
1895 - وعن أبي وائل قال: لما قدم سهل بن حُنيف من صِفّين، أتيناه نستخبر 2، فقال: اتهموا الرأي، فلقد رأيتُني يوم أبي جندل، ولو أستطيع أن أرد على رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- أمره لرددت، واللَّه ورسوله أعلم، وما وضعنا أسيافنا على عواتقنا لأمر يفظعنا إلَّا أَسْهَلْنَ بنا إلى أمر نعرفه قبل هذا الأمر، ما نسُدُّ به 3 خُصمًا إلَّا انفجر علينا خُصْمٌ، ما ندري كيف نأتي له (4). 1896 - وعن طارق بن عبد الرحمن قال: انطلقت حاجًّا فمررت

بقوم يُصَلُّون، قلت: ما هذا المسجد؟ قالوا: هذه الشجرة، حيث بايع رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- بيعة الرضوان، فأتيت سعيد بن المسيب فأخبرته، فقال سعيد: حدثني أبي أنَّه كان فيمن بايع رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- تحت الشجرة، قال: فلما خرجنا من العام المقبل، نسيناها فلم نقدر عليها، فقال سعيد: إن أصحاب محمد -صلى اللَّه عليه وسلم- لم يعلموها وعلمتموها؟ فأنتم أعلم! وقد تقدم حديث مروان والمِسْوَر بن مخرمة في قصة الحديبية بكماله في كتاب الشروط.
الغريب: "فما يُنْضِجُون كراعًا"؛ أي: ما يجدون كراعًا يُنْضِجُونه.
و"الضبع": السنة الجَدْبَةُ الشديدة.
و"نستفيء": نتفيأ بمعنى أنهم أكلوا من غنائم المذكورين حتى شبعوا.
و"الثُّكْل": فقد الولد.
و"نَزَرْت رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم-": أغضبته، خاف أن يكون ذلك.
و"الخُصم": بضم الخاء مسيل الماء من المزادة.


(36) باب قصة عُكْل وعُرَيْنَة

1 - عن أَنس: أن ناسًا من عُكْل وعُرَيْنَة قدموا المدينة على النبي -صلى اللَّه عليه وسلم-، وتكلموا بالإسلام، فقالوا: يا نبي اللَّه! إنا كنا أهل ضَرْعٍ،

ولم نكن أهل ريف، واستوخموا المدينة، فأمر لهم رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- بذودٍ وراعٍ، وأمرهم أن يخرجوا فيه، فيشربون من ألبانها وأَبوالها، فانطلقوا حتى إذا كانوا بناحية الحَرَّةِ، كفروا بعد إسلامهم، وقتلوا راعي النبي -صلى اللَّه عليه وسلم-، واستاقوا الذُّود، فبلغ النبي -صلى اللَّه عليه وسلم-، فبعث الطلب في آثارهم، فأمر بهم فَسمَروا أعينهم، وقطعوا أيديَهُم، وتُركوا في ناحية الحرة حتى ماتوا على حالهم.
وقال قَتَادة: وبلغنا (1) أن النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- بعد ذلك يحث على الصدقة وينهى عن المُثْلة.


(37) غزوة ذي قَرَد

الغزوة التي أغاروا على لقاح النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- قبل خيبر بثلاث.
1898 - عن سلمة بن الأكوع قال: خرجت قبل أن يُؤَذَّنَ بالأولى 2، وكانت لقاح رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- ترعى بذي قَرَد، قال: فلقيني غلام لعبد الرحمن ابن عوف، فقال: أُخذت لقاح رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم-، قلت: من أخذها؟ قال:1

غَطَفَان.
قال: فصرخت ثلاث صرخات: يا صباحاه 1، فأسمعت ما بين لابتي المدينة، ثم اندفعت على وجهي حتى أدركتهم، وقد أخذوا يستقون الماء، فجعلت أرميهم بنبلي، وكنت راميًا، وأقول: أنا ابن الأكوع ... واليوم يوم الرُّضَّع وأرتجز حتى استنقذت اللقاح منهم، واسْتَلَبْتُ منهم ثلاثين بُرْدَة، قال: وجاء النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- والناس، فقلت: يا رسول اللَّه 2! لقد حَمَيْتُ القوم الماء، وهم عطاش، فابعث إليهم الساعة، فقال: "يا ابن الأكوع! ، مَلَكْتَ فأَسْجِحْ 3 " قال: ثم رجعنا ويردفني رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- على ناقته حتى دخلنا المدينة.
الغريب: و"القَرَد": الصوف الرديء المتلبّد.
و"الذَّود": من اثنتين إلى التسع من إناث الإبل، وقيل: من الثلاث إلى التسع، ولا يقال على الواحد: ذود في المشهور، وإنَّما يقال على الواحد: بعير، وحكى بعض اللغويئ أنَّه يقال على الواحد ذود.
و"اللقاح": النوق ذات اللبن.
و"الرُّضع": جمع راضع، كشاهد وشُهَّد، ويعني بذلك: أنهم لئام، من قول العرب: لئيم راضع.
و"حميت": منعت.


(38) باب غزوة خيبر

1899 - عن سلمة بن الأكوع قال: خرجنا مع رسول اللَّه 1 -صلى اللَّه عليه وسلم- إلى خيبر، فسرنا ليلًا، فقال رجل من القوم لعامر: يا عامر! ألا تسمعنا من هُنَئاتِكَ -وكان عامرٌ رجلًا شاعرًا- فنزل يحدو بالقوم يقول: اللهم لولا أنت ما اهتدينا ... ولا تصدقنا ولا صلينا فاغفر فدًى 2 لك ما اتقينا ... وثبت الأقدام إن لاقينا وأَلْقِيَنْ سكينة علينا ... (إنا إذا صيح بنا أبينا ويالصياح عوَّلوا علينا) 3 فقال رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم-: "من هذا السائق؟ " قالوا: عامر بن الأكوع، قال: "يرحمه اللَّه"، قال رجل من القوم: وجبت يا نبي اللَّه، لولا أمتعتنا به، فأتينا خيبر، فحاصرناهم حتى أصابتنا مخمصة شديدة، ثم أنزل اللَّه تعالى فتحها عليهم، فلما أمسى الناس مساء اليوم الذي فُتِحَتْ عليهم، أوقدوا نيرانًا كثيرة، فقال النبي -صلى اللَّه عليه وسلم-: "ما هذه النيران؟ على أي شيء توقدون؟ " قالوا: على لحم،

قال "على أيّ لحم؟ " قالوا: لحم حُمُر الإنسية، قال النبي -صلى اللَّه عليه وسلم-: "أهرقوها واكسروها"، فقال رجل: يا رسول اللَّه! أونهريقها ونغسلها، قال: "أَوْ ذاك"، فلما تصافّ القوم، كان سيف عامر قصيرًا، فتناول به ساق يهودي ليضربه، فرجع 1 ذباب سيفه فأصاب عين ركبة عامر، فمات منها 2، قال: فلما قفلوا، قال سلمة: رآني 3 رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- وهو آخذ بيدي، قال: "مَالَك؟ " قلت له: فداك أبي وأمي زعموا أن عامرًا حبط عمله، قال النبي -صلى اللَّه عليه وسلم-: "كذب من قاله، وإن له أجرين -وجمع بين أصبعيه- إنه لَجَاهِدٌ مُجاهِدٌ، قَلَّ عربي مشى بها مثله".
1900 - وعن أَنس قال: صلى النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- الصبح قريبًا من خيبر بغَلَسٍ، ثم قال: "اللَّه أكبر خَرِبَتْ خيبر، إنا إذا نزلنا بساحة قوم، فساء صباح المُنْذَرِين"، فخرجوا يَسْعَوْنَ في السكك -وفي رواية 4: يقولون: محمد واللَّه، محمد والخميس- فقتل النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- المُقَاتِلَة وسَبَى الذُّرُّيَّة، وكان في السَبْي صفية، فصارت إلى دِحْية الكلبي، ثم صارت إلى رسول 5 اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم-، فجعل عتقها

صداقها -وفي رواية 1: فأعتقها وتزوجها، فقال ثابت لأنس: ما أصدقها؟ قال: أصدقها نَفْسَها فأعتقها.
1901 - وعن أبي موسى قال: لما غزا رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- خيبر -أو قال: لما توجه رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- أشرف الناس على وادٍ، فرفعوا أصواتهم بالتكبير، اللَّه أكبر 2، لا إله إلَّا اللَّه، فقال رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم-: "اربَعُوا على أنفسكم، إنكم لا تدعون أصم ولا غائبًا، إنكم تدعون سميعًا قريبًا، وهو معكم"، وأنا خلف دابة رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم-، فسمعني وأنا أقول: لا حول ولا قوة إلَّا باللَّه، فقال 3: "يا عبد اللَّه بن قيس" قلت: لَبَّيكَ يا رسول اللَّه 4، قال: "ألا أدلك على كلمة من كنز الجنَّةَ؟ (5) " قلت: بلى يا رسول اللَّه فداك أبي وأمي، قال: "لا حول ولا قوة إلَّا باللَّه".
1902 - وعن أبي هريرة قال: شهدنا خيبر، فقال رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- لرجل

ممن معه يدَّعي الإسلام: "هذا من أهل النار"، فلما حضر القتال، قاتل الرجل أشد القتال، حتى كثرت به الجراحة، فكاد بعض الناس يرتاب، فوجد الرجل ألم الجراحة، فأهوى يده 1 إلى كِنَانتِهِ، فاستخرج منها سهمًا 2، فنحر بها نفسَه، فاشتد رجال من المسلمين، فقالوا: يا رسول اللَّه! صَدَّق اللَّه حديثك، انتحر فلان قتل نفسه، قالا قم يا بلال فأذِّن ألا يدخل الجنَّةَ إلَّا مؤمن، إن اللَّه يؤيد الدين بالرجل الفاجر".
1903 - وعن يزيد بن أبي عبيد قال: رأيت أثر ضربة في ساق سلمة، فقلت: يا أبا مسلم! ما هذه الضربة؟ فقال: هذه ضربة أصبتها 3 يوم خيبر، فقال الناس: أصيب سلمة، فأتيت النبي -صلى اللَّه عليه وسلم-، فنفث فيها ثلاث نفثات، فما اشتكيتها (4) حتى الساعة.
1904 - وعن أَنس بن مالك قال: قدمنا خيبر، فلما فتح اللَّه عليه الحصن، ذُكر له جمال صفية بنت حُيَيّ بن أخطب، وقد قتل زوجها وكانت عروسًا،

فاصطفاها النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- لنفسه، فخرج بها حتى بلغنا سدَّ الصهباء حلَّت، فبنى بها رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم-، ثم صنع حَيْسًا في نِطع صغير، ثم قال: "ائذن 1 من حولك"، فكانت تلك وليمته -صلى اللَّه عليه وسلم- على صفية، ثم خرجنا إلى المدينة، فرأيت النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- يحوِّي لها 2 وراءه بعباءة، ثم يجلس عند بعيره فيضع ركبته وتضع صفية رِجْلَها على ركبته حتى تركب.
وفي رواية 3 قال أَنس: إن النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- أقام على صفية بنت حُيي بطريق خيبر ثلاثة أيام، حتى أعرس بها 4، فدعوت المسلمين إلى وليمته، وما كان فيها خبز 5 ولا لحم، وما كان فيها إلَّا أن أمر بلالًا بالأنطاع فبُسِطَتْ، فألقى عليها التمر والأَقِط والسمن، فقال المسلمون: إحدى أمهات المؤمنين، أو ما ملكت يمينه؟ فقالوا 6: إن حَجَبَها فهي إحدى أمهات المؤمنين، وإن لم يحجبها فهي مما ملكت يمينه، فلما ارتحلت وطأ لها خلفه، ومَدَّ الحجاب.
1905 - وعن أبي بردة 7، عن أبي موسى قال: بلغنا مخرج النبي -صلى اللَّه عليه وسلم-

ونحن باليمن، فخرجنا مهاجرين إليه أنا وأَخَوان لي، أنا أصغرهم -أحدهما: أَبو بُرْدَةَ، والآخر أَبو رُهْمِ- إما قال: بضعًا 1، وإما قال: في ثلاثة وخمسين- من قومي 2، فركبنا سفينة، فألقتنا سفينتنا إلى النجاشي بالحبشة، فوافقنا جعفر بن أبي طالب، فأقمنا معه حتى قدمنا جميعًا فوافقنا النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- حين افتتح خيبر، وكان أناس من الناس يقولون لنا -يعني لأهل السفينة-: سبقناكم بالهجرة، ودخلتْ أسماء بنت عُمَيْس -وهي فيمن 3 قدم معنا- على حفصة زوج النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- زائرة، وقد كانت هاجرت إلى النجاشي فيمن هاجر، فدخل عمر على حفصة وأسماء عندها، فقال عمر حين رأى أسماء: من هذه؟ قالت: أسماء بنت عُميس، قال: آلحبشية هذه؟ آلبحرية هذه؟ قالت أسماء: نعم، قال: سبقناكم بالهجرة، فنحن أحق برسول اللَّه منكم، فغضبت، وقالت: كلا واللَّه، كنتم مع رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- يُطْعِمُ جائعكم، ويَعِظُ جاهلكم، وكنا في دار -أو أرض 4 - البُعَداء البغضاء بالحبشة، وذلك في اللَّه، وفي رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم-، وَايْمُ اللَّه لا أطْعَمُ طعامًا ولا أشرب شرابًا حتى أذكر ما قلت للنبي 5 -صلى اللَّه عليه وسلم- وأساله، ونحن كنا نؤذَى ونخاف، وسأذكر ذلك للنبي -صلى اللَّه عليه وسلم- وأساله، لا أكذب 6 ولا أزيغ ولا أزيد عليه، فلما جاء النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- = أثبتناه، وفي الأصل: "عن أبي بريدة".

قالت: يا نبي اللَّه! إن عمر قال كذا وكذا، قال: "فما قلتِ له؟ " قالت قلت: كذا وكذا - قال: "ليس بأحقَّ بي منكم، وله ولأصحابه هجرة واحدة، ولكم أنتم أهل السفينة هجرتان"، قالت: فلقد رأيت أبا موسى وأصحاب السفينة يأتون 1 أرسالًا يسألونني 2 عن هذا الحديث، ما من الدنيا شيء هُم أفرح به 3 ولا أعظم في أنفسهم مما قال لهم النبي -صلى اللَّه عليه وسلم-، قال أَبو بردة: قالت أسماء: ولقد رأيت أبا موسى وإنه ليستعيد هذا الحديث مني.
وقال 4 أَبو بردة عن أبي موسى: قال النبي -صلى اللَّه عليه وسلم-: "إني لأعرف أصوات رُفْقَةَ الأشعريين بالقرآن حين يدخلون بالليل، وأعرف منازلهم من أصواتهم بالقرآن بالليل وإن كنت لم أر منازلهم حين نزلوا بالنهار، ومنهم حكيم، إذا لقى الخيل، أو لقي العدو 5 قال لهم: إن أصحابي يأمرونكم أن تنتظروهم 6 ". 1906 - وعن أبي هريرة قال: افتتحنا خيبر، . . .

فلم 1 نغنم ذهبًا ولا فضة، غنمنا البقر والإبل والمتاع والحوائط، ثم انصرفنا مع رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- إلى وادي القُرى، ومعه عبد له يقال له: مِدْعَم، أهداه له أحد بني الضِّباب، فبينا 2 هو يحط رحل رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم-؛ إذ جاءه سهم عائر حتى أصاب ذلك العبد، فقال الناس: هنيئًا له الشهادة، فقال رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- 3: "والذي نفسي بيده، إن الشَّمْلَةَ التي أصابها يوم خيبر من المغانم، لم يصبها 4 المقاسم لتشتعل عليه نارًا لا، فجاء رجل حين سمع ذلك من النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- بِشِرَاكٍ أو شراكين، فقال: هذا شيء كنت أصبته، فقال رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم-: "شِرَاك أو شراكان من نار".
1907 - وعن عمر بن الخطاب: أنَّه قال: والذي 5 نفسي بيده، لولا أن أترك آخر الناس بَبَّانًا 6 ليس لهم شيء، ما فتحت قرية (7) إلَّا قسمتها كما

قسم النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- خيبر، ولكني أتركها لهم خِزَانة 1 يقتسمونها.
الغريب: "ألا تسمعنا من هنيهاتك"؛ أي: من أراجيزك، وهو تصغير هَنَة، وهو كناية عن النكرات.
و"الأَكْوَعُ": اعوجاج من قبل الكوع في اليد، و"الوكع" في الرِّجْل، وهو أن يميل إبهامها على أصابعها، واسم "الأكوع": سنان بن عبد اللَّه، وهو أَبو سلمة.
و"وجبت"؛ أي: ثبتت الشهادة بسبب دعوة النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- بالرحمة.
و"التمتع": الترفه إلى انقطاع مدة.
و"المَخْمَصَة": الجوع الشديد.
و"الإنسية": يقال: بفتح الهمزة والنون، وبكسرها وسكون النون، والأول من الأنس، وهو الإبصار، والثاني من الإِنْس وهو التأنس، وقيل: هما لغتان بمعنى واحد، غير أن إحداهما خالفت القياس.
و"ذُباب السيف": طرفه المهلك.
و"حَبِطَ": بطل.
و"لجَاهِدٌ مُجَاهِدٌ": رواه الحَمَويِّ والمُسْتَمْلِي بفتح الجيم والهاء الأولى وكسر الثانية وفتح الدال فيهما، على الأول فعل ماضٍ، والثاني: جمع مُجْهَد، ورواه الكشميهني والأصيلي بكسر الهاءين وضم الدالين منونان، وبضم الميم على أنهما اسمان، الأول: مرفوع على أنَّه خبر، والثاني: اتباع له، كما قالوا: جَادٌّ مُجِدٌّ على جهة التأكيد، وهو الصواب إن شاء اللَّه تعالى.
و"السَّاحَة": الناحية.
و"الخَمِيس": الجيش؛ لأنه يقسم على خمسة

كما تقدم.
و"ارْبَعُوا": ارفقوا.
و"الشَّاذَّة": الخارجة.
و"الفَاذَّة": المنفردة.
و"الحَيْس": خليط التمر والسمن والأَقِط.
و"أجزأ": مهموزًا، أغنى.
و"جزى": غير مهموز، كفى.
و"الطيالس": الأكسية، واحدها طَيْلَسَان.
و"تنظروهم": تنتظروهم؛ أي: للقتال.
و"سهم عَائِر": هو بالعين المهملة، وهو الذي لا يعرف راميه.
و"بَبَّان": بباءين يعني شيئًا واحدًا؛ أي: في الأجر من الأرض المقسومة، قال أَبو عبيد: ولا أحسبها عربية، قال غيره: هي حبشية، قال أَبو سعيد الضرير: ليس في كلام العرب بَبَّان، والصحيح ببانًا واحدًا، والعرب إذا ذكرت ما لا يُعرف، قالوا: هذا هَبَّان ابن ببان، والمعنى: لا يسوي بينهم في العطايا.


(39) باب ما صنع رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- في أرض خيبر، واستعماله عليها

1908 - عن عروة، عن عائشة: أن فاطمة 1 بنت رسول اللَّه 2 -صلى اللَّه عليه وسلم- أرسلت إلى أبي بكر تسأله ميراثها من رسول اللَّه، -صلى اللَّه عليه وسلم- مما أفاء اللَّه عليه بالمدينة وفَدَك وما بقي من خُمس خيبر، فقال أَبو بكر: إن رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم-

قال: "لا نُورَثُ، ما تركنا صدقة"، إنما يأكل آل محمد 1 في هذا المال، وإني واللَّه لا أغير شيئًا من صدقة رسول اللَّه على عن حالها التي كانت عليه 2 في عهد رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم-، ولأعملن فيها بما عمل به رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم-.
فأبى أَبو بكر أن يدفع إلى فاطمة منها شيئًا، فَوَجَدَتْ فاطمةُ على أبي بكر في ذلك، فهجرته فلم تكلمه حتى توفيت، وعاشت بعد النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- ستة أشهر، فلما توفيت دفنها زوجها عليٌّ ليلًا، ولم يُؤْذِنْ بها أبا بكر، وصلى عليها، وكان لعليٍّ من الناس وَجْهٌ حياةَ فاطمة، فلما توفيت استنكر عليٌّ وجوه الناس، فالتمس مصالحة أبي بكر ومبايعته، ولم يكن بايع تلك الأشهر، فأرسل إلى أبي بكر أن ائتنا، ولا يأتنا أحد معك، كراهة لمحضر عمر، فقال عمر: لا واللَّه، لا تدخل عليهم وحدك، فقال أَبو بكر: وما عسيتهم أن يفعلوا بي؟ واللَّه لآتينهم، فدخل عليهم أَبو بكر، فتشهد عليٌّ، فقال عليٌّ 3: إنا قد عرفنا فضلك فيما أعطاك اللَّه، ولم نَنْفِسْ خيرًا 4 ساقه اللَّه إليك، ولكنك استبددت علينا بالأمر، وكنا نرى لقرابتنا من رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- نصيبًا، حتى فاضت عينا أبي بكر، فلما تكلم أَبو بكر، قال: والذي نفسي بيده، لَقَرابةُ رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- أحب إليَّ أن أَصِل من قرابتي، وما الذي شجر بيني وبينكم من هذه الأموال، فإني لم آلُ فيها عن الخير 5، ولم أترك أمرًا رأيت رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- يصنعه فيها

إلَّا صنعته، فقال عليٌّ لأبي بكر: موعدك العشية للبيعة، فلما صلى أَبو بكر الظهر، رقى على المنبر، فتشهد، وذكر شأن عليٍّ، وتخلفه عن البيعة، وعَذَرَه بالذي اعتذر به 1، ثم استغفر، وتشهد عليٌّ، فعظَّم حق أبي بكر، وحدَّث أنَّه لم يحمله على الذي صنع نفًاسةً على أبي بكر، ولا إنكارًا للذي فَضَّله اللَّه به، ولكنا كنا نرى أن لنا في هذا الأمر نصيبًا، فَاسْتُبِدَّ به علينا، فوجدنا في أنفسنا، فَسُرَّ بذلك المسلمون، وقالو ا: أصبت، وكان المسلمون إلى عليٍّ قريبًا حين راجع الأمر بالمعروف.
1909 - وعن ابن عمر قال: ما شبعنا حتى فتحنا خيبر.
1910 - وعن عائشة قالت: لما (2) فتحت خيبر، قلنا: الآن نشبع من التمر.
1911 - وعن أبي سعيد وأبي هريرة: أن النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- بعث أخا بني عَدِيّ

من الأنصار إلى خيبر، فأمَّره عليها.
1912 - وعن ابن عمر قال: أعطى النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- خيبر ليهود (1)؛ أن يعملوها ويزرعوها، ولهم شَطْر ما يخرج منها.


(40) غزوة زيد بن حارثة وعُمرة القضاء

وقد تقدم من حديث ابن عمر 2: أن رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- أمَّر أسامة على قوم، فطعنوا في إمارته، فقال: "إن تطعنوا في إمارته، فقد طعنتم في إمارة أبيه من قبله، وايْمُ اللَّه، إن كان 3 خليقًا للإمارة، وإن كان من أحبّ الناس إليَّ، وإِنَّ هذا لمن أحب الناس إليَّ بعده".
1913 - وعن البراء قال: لما (4) اعتمر النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- في ذي القَعْدَة، فأبى أهل مكة أن يَدَعُوه يدخل مكة، حتى قاضاهم على أن يقيم بها ثلاثة أيام،1

فلما كتب الكتاب، كتبوا: هذا ما قاضى عليه محمد رسول اللَّه، قالوا: لا نقرُّ لك بهذا، لو نعلم أنك رسول اللَّه ما منعناك شيئًا، ولكن أنت محمد بن عبد اللَّه، (فقال: "أنا رسول اللَّه، وأنا محمد ابن عبد اللَّه") 1، ثم قال لعليِّ ابن أبي طالب: "امْحُ رسولَ اللَّه" قال 2: لا واللَّه، لا أمحوك أبدًا، فأخذ رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- الكتاب -وليس يُحْسِنُ يكتب- فكتب: هذا ما قاضى عليه 3 محمد بن عبد اللَّه، لا يُدْخِلُ مكة السلاحَ إلَّا السيف 4 في القراب، وأن لا يَخْرج من أهلها بأحد 5 أراد أن يَتْبَعَهُ، وأن لا يمنع من أصحابه أحدًا أراد أن يقيم بها، فلما دخلنا ومضى الأجل، أتوا عليًّا، فقالوا: قل لصاحبك: اخرج عنا، فقد مضى الأجل، فخرج النبي -صلى اللَّه عليه وسلم-، فتبعته ابنة حمزة تنادي: يا عمِّ يا عمِّ! فتناولها عليٌّ 6، وأخذ بيدها، وقال لفاطمة 7: دونك بنت 8 عمك، احمليها 9، فاختصم فيها عليٌّ وزيد وجعفر، قال عليٌّ: أنا آخذها 10،

وهي بنت عمي، وقال جعفر: بنت عمي (1) وخالتها تحتي، وقال زيد: بنت أخي (2)، فقضى بها رسول اللَّه (3) على لخالتها، وقال: "الخالة بمنزلة الأم"، وقال لعليٍّ: "أنت مني وأنا منك"، وقال لجعفر: "أشبهت خَلْقِي وخُلُقِي"، وقال لزيد: "أنت أخونا، ومولانا"، قال عليٌّ: ألا تتزوج بنت حمزة؟ قال: "إنها بنت أخي (4) من الرضاعة".
1914 - وعن ابن أبي أَوْفَى قال: لما اعتمر رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم-، سترناه من غلمان المشركين ومنهم؛ أن يؤذوا رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم-.


(41) غزوة مؤتة من أرض الشام

1915 - عن ابن عمر قال: أَمَّر رسولُ اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- في غزوة مؤتة زيد بن123

حارثة، فقال رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم-: "إن قُتِلَ زيد فجعفر، وإِن قُتِلَ جعفر فعبد اللَّه ابن رواحة"، قال عبد اللَّه: كنت فيهم في تلك الغزوة، فالتمسنا جعفر بن أبي طالب، فوجدناه في القتلى، ووجدنا في جسده بضعًا وتسعين من طعنة ورمية.
1916 - وعن أَنس: أن النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- نعى زيدًا وجعفرًا وابن رواحة للناس قبل أن يأتيهم خبرهم، فقال: "أخذ الراية زيد فأصيب، ثم أخذها 1 جعفر فأصيب، ثم أخذها 2 ابن رواحة فأصيب وعيناه تذرفان، حتى أخذ الراية سيف من سيوف اللَّه حتى فتح اللَّه عليهم".
1917 - وعن عائشة قالت: لما قتل 3 ابن رواحة وابن حارثة وجعفر ابن أبي طالب، جلس رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- يُعْرَفُ فيه الحزن، قالت عائشة: وأنا أطَّلع من صائر الباب -يعني (4): من شَقِّ الباب- فأتاه رجل فقال: أي

رسول اللَّه! إن نساء جعفر -قالت: فذكر بكاءهن 1 - فأمره أن يَنْهَاهُنَّ، قالت: ثم أتى 2، فقال: قد نهيتهُنَّ، فذكر 3 أنهن لم يُطِعْنَهُ، قال: فأمر أيضًا، قالت (4): فذهب، ثم أتى، فقال: واللَّه لقد غلبننا، فزعمتْ أن رسول اللَّه قال: "فاحْثُ في أفواههن من التراب"، قالت عائشة: فقلت: أَرْغَم اللَّه أنفك، فواللَّه، ما أنت تفعل، وما تركتَ رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- من العَنَاء.
1918 - وعن عامر قال: كان ابن عمر إذا حَيَّا ابن جعفر، قال: السلام عليك يا ابن ذي الجناحين.
1919 - وعن قيس بن أبي حازم قال: سمعت خالد بن الوليد يقول: لقد انقطعت في يدي يوم مؤتة تسعة أسياف، فما بقي في يدي إلَّا صفيحة يمانية.


(42) بعث النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- أسامة بن زيد إلى الحُرَقَات من جُهَيْنَة

1920 - عن أسامة بن زيد قال: بعثنا رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- إلى الحُرَقَةِ، وصَبَّحنا القوم، فهزمناهم، ولحقت أنا ورجل من الأنصار رجلًا منهم، فلما غَشِينَاه، قال: لا إله إلَّا اللَّه، وكفَّ الأنصاري، وطعنته برمحي حتى قتلته، (فلما قدمنا بلغ النبيَّ -صلى اللَّه عليه وسلم-، فقال: "يا أسامة" أقتلته) (1) بعد أن قال لا إله إلَّا اللَّه؟ " قلت: كان مُتَعَوِّذًا، فما زال يكررها حتى تمنيت أني لم اكن أسلمت قبل ذلك اليوم.
1921 - وعن سلمةَ بنِ الأَكْوَع قال: غزوت مع النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- سبع غزوات، وخرجت فيما يبعث من البعوث تسع غزوات، مَرَّةً علينا أَبو بكر، ومرة علينا أسامة.

    • (1) ما بين القوسين أثبتناه من "الصحيح"، وليس بالأصل.
      1920 - خ (3/ 147)، (64) كتاب المغازي، (45) باب بعث النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- أسامة بن زيد إلى الحُرقات من جهينة، من طريق هُشيم، عن حُصَين، عن أبي ظبيان، عن أسامة بن زيد به، رقم (4269)، طرفه في (6872). 1921 - خ (3/ 147)، في الكتاب والباب السابقين، من طريق حاتم، عن يزيد بن أبي عُبيد، عن سلمة بن الأكوع به، رقم (4270)، أطرافه في (4271، 4272، 4273).

(43) باب غزوة الفتح

1922 - عن ابن عباس: أن النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- خرج في رمضان من المدينة، ومعه عشرة آلاف، وذلك على رأس ثمان سنين ونصف من مَقْدَمِهِ المدينة، فسار هو ومن معه 1 من المسلمين إلى مكة يصوم ويصومون، حتى بلغ الكَدِيدَ -وهو ما بين عُسْفَان وقُدَيْد- أفطر وأفطروا.
قال الزهري: وإنما يؤخذ من أمر رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- الآخر فالآخر (2). 1923 - عن هشام، عن أبيه: لما سار رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- عام الفتح، وبلغ ذلك قريشًا، خرج أَبو سفيان بن حرب وحكيم بن حزام وبُديل بن ورقاء يلتمسون الخبر عن رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم-، فأقبلوا يسيرون حتى أتوا مَرَّ الظهران؛ فإذا هم بنيران كأنها نيران عرفة، فقال أَبو سفيان: ما هذه؟ لكأنها نيران عرفة، فقال بديل بن ورقاء: نيران بني عمرو، فقال أَبو سفيان: عمرو أقل من ذلك، فرآهم ناس من حرس رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم-، فأدركوهم فأخذوهم، فأتوا

بهم رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم-، فأسلم أَبو سفيان، فلما سار، قال للعباس: "احبس أبا سفيان عند خطم الجبل حتى ينظر إلى المسلمين"، فحبسه العباس، فجعلت القبائل تمر مع النبي -صلى اللَّه عليه وسلم-؛ تمر كتيبةً كتيبةً على أبي سفيان، فمرت كتيبةٌ، فقال: يا عباس! من هذه؟ قال: هذه غِفَارُ، قال: مالي ولغِفَار، ثم مَرَّتْ جُهَيْنَة، قال مثل ذلك، ثم مَرَّتْ سعد بن هُذَيْم، فقال مثل ذلك، ثم مرت سُليم 1، فقال مثل ذلك، حتى أقبلت كتيبة لم يرَ مثلها، فقال 2: من هذه؟ قال: هؤلاء الأنصار، عليهم سعد بن عُبادة معه الراية، فقال سعد بن عبادة: يا أبا سفيان" اليوم يوم المَلْحَمَة، اليوم تُسْتَحَلُّ الكعبة، فقال أَبو سفيان: يا عباس! حبَّذا يوم الذِّمار، ثم جاءت كتيبة -وهي أقل الكتائب- فيهم رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- وأصحابه، وراية النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- مع الزبير 3، فلما مر رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- بأبي سفيان قال: ألم تعلم ما قال سعد بن عبادة؟ قال: "ما قال؟ " قال: كذا وكذا، فقال: "كذب سعد، ولكن هذا يوم يُعَظِّمُ اللَّه فيه الكعبة، ويوم تكسى فيه الكعبة"، قال: وأمر رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- أن تُركَزَ رايته بالحُجُون.
قال عروة: وأخبرني نافع بن جبير بن مطعم قال: سمعت العباس يقول للزبير بن العوام: يا أبا عبد اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- ههنا 4 أمرك رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- أن تركز الراية، قال: وأمر رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- يومئذ خالد بن الوليد أن يدخل من أعلى مكة من كَداء، ودخل النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- من كُدًا، فقُتِلَ من خيل خالد بن الوليد يومئذ

رجلان، حُبيش بن الأشعر، وكُرْزُ بن جابر الفهري.
1924 - وعن عبد اللَّه بن مُغَفَّل قال: رأيت رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- يوم فتح مكة على ناقته يقرأ سورة الفتح يُرَجِّعُ، وقال: لولا أن يجتمع الناس حولي لرجَّعْتُ كما رَجَّع.
1925 - وعن أسامة بن زيد قال زمن الفتح: يا رسول اللَّه! أين تنزل غدًا؟ قال النبي -صلى اللَّه عليه وسلم-: "وهل ترك لنا عَقيلٌ من منزل؟ " ثم قال: "لا يرث الكافرُ المؤمنَ، ولا يرث المؤمنُ الكافرَ" 1. 1926 - وعن أبي معمر، عن عبد اللَّه قال: دخل النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- مكة وحول البيت ستون وثلاث منة نُصُب، فجعل يطعنها بعود في يده ويقول: ﴿جَاءَ الْحَقُّ وَزَهَقَ الْبَاطِلُ﴾، ﴿جَاءَ الْحَقُّ وَمَا يُبْدِئُ الْبَاطِلُ وَمَا يُعِيدُ﴾.
1927 - وعن أبي قلابة، عن عمرو بن سلمة قال: كنا بماء يمر بنا (1) في "صحيح البخاري": "ولا يرث المؤمن الكافر، ولا الكافر المؤمن"، وزاد البخاري: قيل للزهري: ومن ورث أبا طالب؟ قال: ورثه عقيل وطالب.
1924 - خ (3/ 149)، (64) كتاب المغازي، (48) باب أين ركز النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- الراية يوم الفتح؟ من طريق شعبة، عن معاوية بن قَرَّة، عن عبد اللَّه بن مغفل به، رقم (4281)، أطرافه في (4835، 5034، 5047، 7540). 1925 - خ (3/ 149)، في الكتاب والباب السابقين، من طريق الزهري، عن عليّ بن حسين، عن عمرو بن عثمان، عن أسامة بن زيد به، رقم (4282). 1926 - خ (3/ 150)، في الكتاب والباب السابقين، من طريق ابن عيينة، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، عن أبي معمر، عن عبد اللَّه به، رقم (4287). 1927 - خ (3/ 152)، في الكتاب والباب السابقين، من طريق حماد بن زيد، عن أيوب، عن أبي قلابة، عن عمرو بن سلمة به، رقم (4302).

الناس (1)، وكان يمر بنا الركبان، فنسألهم: ما للناس، ما للناس؟ ما هذا الرجل، ما هذا الرجل؟ 2 فيقولون: يزعم أن اللَّه أرسله، أوحى إليه، أوحى إليه كذا 3، فكنت أحفظ ذلك الكلام، فكأنَّما 4 يَقَرُّ في صدري، وكانت العرب تَلَوَّمُ بإسلامهم الفتح، فيقولون: اتركوه وقومه، فإنه إن ظهر عليهم، فهو نبي صادق، فلما كانت وَقْعة أهل الفتح، بادر كل قوم لإسلامهم، وبدر أبي قومه بإسلامه 5، فلما قدم قال: جئتكم واللَّه من عند النبي 6 حقًّا، فقال: صَلُّوا صلاة كذا في حين كذا، وصلاة كذا 7 في حين كذا، فإذا حضرت الصلاة فليؤذّن أحدكم، وليؤمكم أكثركم قرآنًا، فنظروا فلم يكن أحدٌ 8 أكثر قرآنًا مني؛ لِمَا كنت أَتَلَقَّى من الركبان، فقدَّموني بين أيديهم، وأنا ابن ست أو سبع 9، وكانت عليّ بُردة، كنت إذا سجدت تقلَّصت عني، فقالت امرأة من الحيّ: ألا تغطوا عنا إستَ قارئكم؟ ! فاشتروا فقطعوا لي قميصًا، فما فرحت بشيء فرحي بذلك القميص.

الغريب: "خطم الجبل": بالخاء المنقوطة والجيم، رواية النسفي والقابسي -ويعني: وأنف الجبل- وهو طرفه الناثل منه، وهو المسمى بالكراع، ورواه سائر الرواة: (حطم) بالحاء المهملة.
و"الخيل": بالخاء المنقوطة؛ يعني به: مجتمع الخيل الذي تحطم فيه؛ أي: تتضايق حتى كاد بعضها يكسر بعضًا.
و"الحطم": الكسر.
و"الكتيبة": القطعة من العسكر المنظم، مأخوذ من الكَتْب، وهو الجمع.
و"حبذا يوم الذِّمَار"؛ أي: حين الغضب للحرم والأهل؛ أي: الأنصار لمن يمكنه، وقد فات أبا سفيان ذلك لما غُلِبَ.
و"الحُجون": موضع بمكة قريب من الصفا.
و"كَدا": ثنية بأعلى مكة، بفتح الكاف، والمد والقصر.
و"كُدا": بضم الكاف، ثنية بأسفل مكة، هذا هو أصح ما قيل، وقيل في السفلى: كُدَيّ بالتصغير.
و"يُقَرُّ في صدري": يقر ويثبت، وإمامة عمرو بن سلمة وهو صبي في الفرائض دليل الشافعي، ولمن يوافقه على جواز إمامة غير البالغ في الفرض، وخالف في ذلك مالك ومن قال بقوله، واعتذروا عن الحديث أن ذلك إنما كان في أول الإسلام؛ لقلة من كان في ذلك المحل من القراء، واللَّه أعلم.


(44) غزوة حُنَيْن

وقوله -عَزَّ وَجَلَّ-: ﴿لَقَدْ نَصَرَكُمُ اللَّهُ فِي مَوَاطِنَ كَثِيرَةٍ وَيَوْمَ حُنَيْنٍ إِذْ أَعْجَبَتْكُمْ كَثْرَتُكُمْ فَلَمْ تُغْنِ عَنْكُمْ شَيْئًا﴾ إلى قوله: ﴿غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [التوبة: 25 - 27]. 1928 - عن البَرَاء: وجاءه رجل، فقال: يا أبا عُمَارَة! أتولَّيْتَ يوم حنين؟ قال: أما أنا فأشهد 1 على النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- أنَّه لم يُوَلِّ، ولكن عَجِلَ سَرعان القوم، فَرَشَقَتْهُمْ هوازِن -وأَبو سفيان بن الحارث آخذٌ برأس بغلته البيضاء- يقول: "أنا النبي لا كَذِب، أنا ابن عبد المطلب".
وفي رواية 2: سئل البراء: أفررتم عن رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- يوم حنين؟ فقال: لكن رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- لم يفر، كانت هوازن رماة، وإنا لما حملنا عليهم انكشفوا، فأكببنا على الغنائم، فاستقبلونا 3 بالسهام، ولقد رأيت النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- على بغلته 4، وإن أبا سفيان بن الحارث آخذ بزمامها، وهو يقول: "أنا

النبي لا كَذِب، أنا ابن عبد المطلب 1 ". وفي رواية 2: أن النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- عن بغلته.
1929 - وعن أبي قتادة قال: خرجنا مع رسول اللَّه 3 -صلى اللَّه عليه وسلم- عام حُنين، فلما التقينا كانت للمسلمين جولة، فرأيت رجلًا من المشركين قد علا رجلًا من المسلمين، فضربته من ورائه على حبل عاتقه بالسيف، فقطعت الدرع، وأقبل على، فضمني ضمة وجدتُ منها ريحَ الموت، ثم أدركه الموت فأرسلني، فلحقت عمر بن الخطاب 4، فقلت: ما بال الناس؟ قال: أَمْرُ اللَّه -عَزَّ وَجَلَّ-، ثم رجعوا، فجلس 5 النبي -صلى اللَّه عليه وسلم-، فقال: "من قتل قتيلًا له عليه بَيِّنَةٌ، فلم سَلَبُه"، فقلت: ومن 6 يشهد لي، ثم جلست، فقال النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- مثله، فقلت 7:

من يشهد لي، ثم جلست، قال: ثم قال النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- مثله 1، فقمت فقال: "مالك يا أبا قتادة؟ " فاخبرته، فقال رجل: صدق، وسلبه عندي فأرضه مني، قال أَبو بكر: لا ها اللَّه، إذًا لا يَعْمِدُ إلى أسد من أُسْدِ اللَّه يقاتل عن اللَّه ورسوله، فيعطيك سلبه، فقال النبي صلى اللَّه عليه وسلم: "صدق، فأَعْطِهِا، فأعطانيه، فابتعَنَا 2 به مَخْرَفًا في بني سلمة، فإنه لأول مالٍ تَأْثَّلْتُه في الإسلام.
وفي رواية 3: قال أَبو قتادة: لما كان يوم حنين، نظرت إلى رجل من المسلمين يقاتل رجلًا من المشركين، وآخر من المشركين يَخْتِله من ورائه ليقتله، فأسرعت إلى الذي يختله، فرفع يده ليضربني، وأضرب يده فقطعتها، ثم أخذني، فضمني ضمًّا شديدًا حتى تخوفت، ثم نزل 4 فتحلل، ودفعته ثم قتلته، وانهزم المسلمون، فانهزمت معهم؛ فإذا بعمر بن الخطاب في الناس، فقلت: ما شأن الناس؟ قال 5: أمر اللَّه، ثم تراجع الناس إلى رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم-، فقال رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم-: "من أقام بينة على قتيل فله سَلَبُه"، فقلت 6: لألتمس بينة على قتيلي، فلم أر أحدًا يشهد لي، فجلست، ثم

بدا لي فذكرتُ أمري 1 لرسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- فقال رجل من جلسائه: سلاح هذا القتيل الذي ذكره عندي 2، فأَرْضِهِ منه، فقال أَبو بكر: كلا، لا يعطيه 3 أُضَيْبِع من قريش، ويدع أسدًا من أُسْد اللَّه يقاتل عن اللَّه ورسوله، قال: فقام رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم-، فأدَّاه إليَّ، فاشتريت منه مَخَرْفًا 4، فكان أول مال تأثلته.
الغريب: "الجولة": الاضطراب والتجلجل.
و"حبل العاتق": أعلى الكاهل، وهو الكتف.
و"فأرضه مني": أعطه ما يرضى به عِوَضًا عن السَّلَب.
"ها اللَّه": يُرْوى ممدودًا ومقصورًا، وهو قسم، والهاء عوض عن الهمزة التي تبدل من الواو في القسم.
و"إذًا": منون، وهو حرف جواب يقتضي التعليل، وقد قيده بعضهم (ذا) بغير تنوين، وقال: (ها) إنها (ذا) التي للإشارة، فُصِلَ بينها وبين (ها) التنبيه باسم اللَّه تعالى، وهذا لا يعضده قياس، ولا يشهد له نقل صحيح، و"مِخْرفًا": يروى بكسر الراء وفتحها، وهو الموضع الذي يخترف فيه الثمار.
و"تَأَثَّلْتُه"؛ أي: اتخذته أصلًا.
و"أُضَيْبع" بالضاد المنقوطة تصغير ضُبَيعْ، حَقَّره بذلك.


(45) غزوة أوطاس

1930 - عن أبي موسى -هو الأشعري- قال: لما فرغ النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- من حُنَيْن بعث أبا عامر على جيش إلى أوطاس، فلقي دُرَيْد بن الصِّمَّة، فقُتل دريد، وهزم 1 أصحابه.
قال أَبو موسى: وبعثني مع أبي عامر، فرُمِيَ أَبو عامر في ركبته، رماه جُشَمِيٌّ، فأثبته في ركبته، فانتهيت إليه، فقلت: يا عم! من رماك؟ فأشار إلى أبي موسى 2، فقال: ذاك قاتلي الذي رماني، فقصدت له فلحقته، فلما رآني فاتبعته، وجعلت أقول له: ألا تستحي؟ ! ألا تثبت؟ ! فكفَّ، فاختلفنا ضربتين بالسيف، فقتلته، ثم قلت لأبي عامر: قتل اللَّه صاحبك، قال 3: فانزع هذا السهم، فنزعته، فنزى منه الماء 4، قال: يا ابن أخي! أقرئ النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- 5 السلامَ، وقل له: يستغفر لي، واستخلفني أَبو عامر على الناس، فمكث يسيرًا ثم مات، فرجعت، فدخلت على النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- في بيته على سرير

مُرْمَلٍ (1)، عليه فِراش، قد أَثَّر رِمَالُ السرير في ظهره (2) وجنبيه، فأخبرته بخبره (3) وخبر أبي عامر، وقال: قل له: يستغفر لي، فدعا بماء فتوضأ، ثم رفع يده، فقال: "اللهم اغفر لعُبَيْدٍ أبي عامر"، ورأيت بياض إبطيه، ثم قال: "اللهم اجعله يوم القيامة فوق كثير من خلقك، ومن الناس" (4)، فقلت: وَلِي فاستغفر، فقال: "اللهم اغفر لعبد اللَّه بن قيس ذَنْبَهُ، وأدخله يوم القيامة مُدْخَلًا كريمًا".
قال أَبو بردة: إحداهما لأبي عامر (5)، والأخرى لأبي موسى.


(46) غزوة الطائف

1931 - عن عبد اللَّه بن عمرو 6 قال: لما حاصر رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- الطائف، فلم ينل منهم شيئًا، فقال: "اغدُوا على القتال"، فَغَدوْا فأصابهم جراح،12345

فقال: "إنا قافلون غدًا (1) إن شاء اللَّه"، فأعجبهم، فضحك النبي -صلى اللَّه عليه وسلم-.
وقال سفيان مرة: فتبسَّم.
1932 - وعن أبي عثمان -وهو النَّهْدي- قال: سمعت سعدًا -وهو أول من رمى بسهم في سبيل اللَّه- وأبا بكرة -وكان تسوَّر حصن الطائف في أناس- فجاءا إلى النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- فقالا: سمعنا النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- يقول: "من ادَّعى إلى غير أبيه، وهو يعلم، فالجنة عليه حرام".
وفي رواية (2): أن أبا بكرة نزل إلى النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- ثالث ثلاثة وعشرين من الطائف.


(47) باب قَسْم رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- ما أفاء اللَّه عليه من أموال هوازن

1933 - عن عبد اللَّه بن زيد بن عاصم قال: لما أفاء اللَّه12

على رسوله 1 يوم حنين، قسم في الناس في المؤلفة قلوبهم، ولم يعط الأنصار شيئًا، فكان بهم وَجْدٌ إذ لم يصبهم 2 ما أصاب الناس، قال: "ما منعكم أن تجيبوا رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم-" 3، فخطبهم النبي -صلى اللَّه عليه وسلم-، فقال 4: "يا معشر الأنصار! ألم أجدكم ضُلَّالًا فهداكم اللَّه بي، وكنتم متفرقين فألَّفكم اللَّه بي، وكنتم عالة فأغنكم 5 اللَّه بي"، كلما قال شيئًا، قالوا 6: اللَّه ورسوله أَمَنُّ 7، قال: "لو شئتم لقلتم 8: جئتنا 9 كذا وكذا، ألا ترضون أن يذهب الناس بالشاة والبعير وتذهبون بالنبي إلى رحالكم، لولا الهجرة لكنت امرءًا من الأنصار، ولو سلك الناس واديًا أو شِعْبًا 10، لَسَلَكْتُ وادي الأنصار وشِعْبَها، الأنصار شِعَار والناس دثار، . . .

إنكم ستلقون بعدي أَثَرَةَ، فاصبروا حتى تَلْقَوْنِي على الحوض".
1934 - وعن أَنس بن مالك قال: قال أناس 1 من الأنصار -حين أفاء اللَّه على رسوله من أموال هوازن ما أفاء، وطفق النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- يعطي رجالًا المئة من الإبل، فقالوا: يغفر اللَّه لرسول اللَّه 2، يعطي قريشًا ويتركنا، وسيوفنا تقطر من دمائهم.
قال أَنس: فحدثت 3 رسول اللَّه بمقالتهم، فأرسل إلى الأنصار، فجمعهم في قبة من أَدَمٍ، ولم يَدْعُ معهم غيرهم، فلما اجتمعوا قام النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- فقال: "ما حديثٌ بلغني عنكم؟ " فقال فقهاء الأنصار: أما رؤساؤنا يا رسول اللَّه فلم يقولوا شيئًا، وأما أناس 4 منا حديثةٌ أسنانهم، فقالوا: يغفر اللَّه لرسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم-، يعطي قريشًا ويتركنا، وسيوفنا تقطر من دمائهم؟ فقال النبي -صلى اللَّه عليه وسلم-: "فإني أُعْطِي رجالًا حديثي عهد بكُفْرٍ أتألفهم، أما تَرْضَوْنَ أن يذهب الناس بالأموال، وتذهبون بالنبي -صلى اللَّه عليه وسلم- إلى رحالكم؟ فواللَّه ما تنقلبون به خير مما ينقلبون به"، قالوا: يا رسول اللَّه! قد رضينا، فقال لهم النبي -صلى اللَّه عليه وسلم-: "فتجدون 5

أثَرَةً شديدة 1، فاصبروا حتى تلقوا اللَّه ورسوله -صلى اللَّه عليه وسلم-، فإني على الحوض" 2. قال أَنس: فلم يصبروا.
1935 - وعنه قال: لما كانت يوم حُنَيْن أقبلت هوازن وغَطَفان وغيرهم بنَعَمِهم وذراريهم، ومع النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- عشرة آلاف ومن الطلقاء 3، فأبروا عنه حتى بقي وحده، فنادى يومئذ نداءين، لم يخلط بينهما، التفت عن يمينه، فقال: "يا معشر الأنصار"، قالوا: لَبَّيكَ يا رسول اللَّه، أَبْشِر نحن معك، ثم التفت عن يساره، فقال: "يا معشر الأنصار"، قالوا: لَبَّيكَ يا رسول اللَّه، أبشر نحن معك، وهو على بغلة بيضاء، فنزل فقال: "أنا عبد اللَّه ورسوله"، فانهزم المشركون، وأصاب 4 يومئذ غنائم كثيرة، قسم في المهاجرين والطلقاء، ولم يعط الأنصار شيئًا، فقالت الأنصار: إذا كانت شديدة فنحن نُدْعَى، ويُعْطَى الغنيمةُ غيرنا، فبلغه 5 ذلك، . . .

فجمعهم في قبة، وقال (1): "يا معشر الأنصار! ما حديث بلغني عنكم؟ "، فسكتوا، فقال: "يا معشر الأنصار" ألا ترضون أن يذهب الناس بالدنيا، وتذهبون برسول اللَّه (2)، تحوزونه إلى بيوتكم؟ " قالوا: بلى، قال (3) النبي -صلى اللَّه عليه وسلم-: "لو سلك الناس واديًا وسلكت الأنصار شِعبًا، لأخذت شِعْبَ الأنصار".
قال (4) هشام: قلت: يا أبا حمزة (5)! وأنت شاهد ذلك؟ قال: وأين أغيب عنه؟


(48) باب بعث النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- خالد بن الوليد إلى بني جَذِيمة، وسرية عبد اللَّه بن حذيفة وقد تقدمت أحاديثهما

بَعْث أبي موسى ومعاذ إلى اليمن قَبْل حَجَّة الوداع.
1936 - عن أبي بُرْدَة قال: بعث رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- أبا موسى ومعاذ بن12345

جبل إلى اليمن، قال: وبعث كل واحد منهما على مِخْلَافٍ، قال: واليمن مخلافان، ثم قال: "يَسِّرا ولا تُعَسِّرا، وبشِّرا ولا تنفِّرا"، في رواية 1: "وتطاوعا ولا تختلفا"، فانطلق كل واحد منهما إلى عمله، قال: وكان كل واحد منهما إذا سار في أرضه، كان قريبًا من صاحبه، أحدث به عهدًا فسَلَّم عليه، فسار معاذ في أرضه قريبًا من صاحبه أبي موسى، فجاء يسير على بغلته، حتى انتهى إليه وهو جالس، وقد اجتمع إليه الناس، وإذا رجل عنده قد جُمعت يداه إلى عنقه، فقال له معاذ: يا عبد اللَّه بن قيس! أَيْمَ 2 هذا؟ قال: هذا رجل كفر بعد إسلامه، قال: لا أنزل حتى يقتل، قال: إنما جيء به لذلك، قال 3: فأنزل، قال: ما أنزل حتى يقتل، فأمر به فقتل، ثم نزل فقال: يا عبد اللَّه! كيف تقرأ القرآن؟ قال: أَتَفَوَّقُه تفوُّقًا 4، قال: فكيف تقرأ أنت يا معاذ؟ قال: أنام أول الليل، فاقوم وقد قضيت حزبي 5 من النوم، فاقرأ ما كتب اللَّه لي، فاحتسب نومتي كما أحتسب قومتي.
المخلاف: العمل المنفرد عن الآخر، وهي لغة يمانية.


(49) بعث عليّ بن أبي طالب وخالد بن الوليد -رضي اللَّه عنهما- إلى اليمن

1937 - عن أبي إسحاق قال: سمعت البراء قال: بعثنا رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- مع خالد بن الوليد إلى اليمن، قال: ثم بعث عليًّا بعد ذلك مكانه، فقال: "مُرْ أصحاب خالد من شاء منهم أن يُعَقِّب 1 معك فليعقِّب، ومن شاء فَلْيُقْبِل"، فكنت فيمن عقَّب معه، قال: فغنمت أواقي ذوات عدد.
1938 - وعن عبد اللَّه بن بُريدة، عن أبيه قال: بعث النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- عليًّا إلى خالد ليقبض الخمس، وكنت أبغض عليًّا، وقد اغتسل (2)، فقلت لخالد: ألا ترى إلى هذا؟ فلما قدمنا على النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- ذكرت ذلك لك، فقال:

جارٍ التحميل