أجمع أهل العلم على أن ذلك يجزئ 1 وأن المقصود ألا يتجاوز هذه المواقيت إلا بإحرام واتفقوا على أن المشروع أن يحرم منها، وأن الإحرام قبلها مكروه، وأما ما رواه البيهقي أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (من تمام الحج أن تحرم من دويرة أهلك) 2 ففيه جابر بن نوح وهو ضعيف الحديث، وأما ما رواه أبو داود من أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (من أهل بحجة أو عمرة من المسجد الأقصى إلى المسجد الحرام غفر له ما تقدم من ذنبه وما تأخر وأدخل الجنة) 3 ففيه جهالة، وقال ابن القيم: قال غير واحد من الحفاظ: " إسناده ليس بالقوي ".
ولولا الإجماع على أن ذلك جائز، لقلنا بأنه محرم.
مسألة:
هل يجوز له أن يتجاوز الميقات من غير إحرام إن كان غير مريد للحج والعمرة؟
قولان لأهل العلم:
1- ذهب جمهور العلماء وهو مذهب الحنابلة: إلى وجوب ذلك، فلا يجوز له أن يمر من الميقات إلا بإحرام.
واستدلوا: بما ثبت عند البيهقي بإسناد صحيح عن ابن عباس قال: (لا يدخل مكة أحد من أهلها أو من غير أهلها إلا بإحرام) 4 .
2- وذهب الشافعية: إلى أنه لا يجب ذلك عليه، وهو رواية عن الإمام أحمد واختارها طائفة من أصحابه كابن عقيل.
واستدلوا: بما ثبت في الصحيحين أن النبي صلى الله عليه وسلم: (دخل مكة وعلى رأسه المغفر) أي دخل مكة فاتحاً وهو غير محرم.
واستدلوا: بمفهوم قول النبي صلى الله عليه وسلم: (ممن أراد الحج أو العمرة) فمهومه أن من لم يرد الحج والعمرة فلا يجب عليه أن يحرم من هذه المواقيت.
قالوا: وأما أثر ابن عباس فهو مخالف بأثر ابن عمر الذي رواه البخاري في صحيحه معلقاً ووصله ابن أبي شيبة بإسناد صحيح، أنه كان لا يفعل ذلك، فهذا فعل منه يخالف ما ورد عن ابن عباس، والحجة فيما ثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم.
فما ذهب إليه الشافعية هو الصحيح.
والحمد لله رب العالمين
بابُ: الإحرام
قال المؤلف رحمه الله تعالى: (الإحرام نية النسك)
الإحرام في اللغة: مصدر أحرم، يقال: أحرم يحرم إحراماً وهو الدخول في التحريم.
وأما في الشرع فقال المؤلف هنا: نية النسك.
والنية تقدم تعريفها بأنها: القصد الجازم، والنسك: هو الحج أو العمرة.
وهنا يشكل أن الرجل إذا خرج من بلدته إلى مكة فهو قاصد جزماً الحج أو العمرة ومع ذلك فلا يعد محرماً، وإنما يعد محرماً إذا أتى الميقات فنوى فيه، وحينئذٍ فيجب أن يقيَّد بما قيَّده المؤلف كما في الشرح بأن يقال: نية الدخول في النسك أي نية الدخول في الحج أو العمرة – ولا شك أن هذا القيد هو مراد المؤلف -.
والصلاة كذلك فإن الرجل يخرج من بيته وهو قاصد الصلاة وأما النية التي هي شرط في الصلاة فهي نية الدخول في الصلاة، فالإحرام هو نية الدخول في النسك سواء كان النسك حجاً أو عمرة.
وهل يشترط فيه شرط آخر؟
جمهور العلماء من الحنابلة والشافعية والمالكية في المشهور عندهم: أنه لا يشترط شيء، فإذا نوى الدخول في النسك فإن ذلك يجزئ عنه ولا يشترط شرطاً آخر سوى ذلك.
وذهب الأحناف وهو رواية عن الإمام أحمد واختاره شيخ الإسلام: إلى أنه يشترط مع النية قول أو فعل يدل على النية وهو أن يسوق الهدي أو أن يلبي.
فإذا أتى رجل الميقات ولم يسق الهدي ولم يتلفظ بقول: " لبيك عمرة أو لبيك حجاً " أو يقول " لبيك اللهم لبيك ... " فإنه لا يجزئ عنه.
أما الأحناف: فإنهم قاسوا الحج على الصلاة، فإن الرجل إذا صلى بنية فإنه لا يجزئ عنه إلا بتكبيرة الإحرام.
وأما شيخ الإسلام فعلل ذلك بقوله: إن الرجل إذا خرج من بلدته إلى مكة فإنه قاصد الحج والعمرة ناوٍ ذلك ففرض عليه إذا نوى عند الميقات أن يقول قولاً أو يفعل فعلاً يدل على إرادته للحج، والقول هو التلبية والفعل هو سياقه الهدي.
وعليه - فإن مقتضى تعليله – رحمه الله – أنه يجزئ عنه تجرده، فإذا تجرد ولبس الإزار والرداء فإن هذا فعل في أزماننا لا يراد إلا للحج فيكون دليلاً على نيته.
وعلى ذلك فإن الراجح ما ذهب إليه جمهور العلماء؛ وذلك لأن الأصل هو الاكتفاء بالنية وتكبيرة الإحرام قد دلت الأدلة الشرعية على أنها ركن من أركان الصلاة ولم يرد مثل ذلك في التلبية في الحج أو في سياق الهدي.
وأما تعليل شيخ الإسلام، فإن فيه نظراً تقدم التنبيه عليه: وهو أن الرجل إذا قصد مكة خارجاً من بلدته فإن هذا مجرد قصد للعبادة والنسك بخلاف نيته في الميقات فإنها نية الدخول في النسك – وهذا شبيه كما تقدم بالصلاة – فإن الرجل يخرج من بيته قاصداً المسجد ناوٍ الصلاة ومع ذلك فإن هذه النية لا تجزئ عنه وإن كبر للإحرام ما لم ينو نية جديدة وهي نية الدخول في الصلاة، فالصحيح أنه لا يشترط، وسيأتي حكم النية هل هي ركن أم واجب أم سنة في موضعه – إن شاء الله -.
قال: (يسن لمريده الغسل)
فيسن لمن يريد الدخول في النسك الغسل، ودليله ما ثبت في مستدرك الحاكم بإسناد صحيح عن ابن عمر قال: (من السنة أن يغتسل عند إحرامه وعند دخوله مكة) وقول الصحابي من السنة يرفعها.
ويدل عليه أيضاً ما ثبت في مسلم أن النبي صلى الله عليه وسلم: (أمر أسماء بنت عميس وكانت نفساء أن تغتسل عند إحرامها) 1
قال: (أو يتيمم لعدم)
فإن لم يقدر على الاغتسال لعدم ماء أو لعذر كمرض أو برد فإنه يسن له أن يتيمم – هذا هو قول القاضي من الحنابلة – وهو المشهور عند المتأخرين.
ودليلهم: أن التيمم ينوب عن الغسل في الطهارة المشروعة أو المفروضة كما يكون هذا فيمن أصيب بجنابة فلم يجد ماءً يغتسل به فإنه يتيمم.
واختار الموفق وصوبه وصاحب الإنصاف: إلى أنه لا يشرع له التيمم.
قالوا: لأن هذا الغسل غسل مستحب، قالوا: والأغسال المستحبة إنما شرعت للتنظيف وإزالة القذر فهي مشروعة لذلك، والتيمم لا يحصل به ذلك.
قلت: ومما يدل على ذلك ما تقدم من أمر النبي صلى الله عليه وسلم أسماء بنت عميس أن تغتسل وكانت نفساء ومعلوم أن غسلها لا يفدها طهارة، لا طهارة مفترضة ولا طهارة مستحبة - وإنما يراد منه التنظف وإزالة القذر من عرق ونحوه – وهذا هو القول الراجح.
قال: (وتنظيف)
فيستحب له التنظيف بأن ينتف إبطه ويحلق عانته ويقلم أظافره ويزيل ما يكون في بدنه من الأوساخ ونحو ذلك.
ودليل ذلك: مشروعية الاغتسال فإنه تقدم أن الاغتسال إنما شرع للتنظيف فيشبهه إزالة الأقذار وتقليم الأظفار ونتف الإبط وحلق العانة فإنها مستحبة لما فيها من التنظيف فهذا من باب القياس على الاغتسال، فالاغتسال إنما شرع للتنظيف وهنا كذلك.
قال: (وتطيب)
فيستحب له أن يتطيب عند إحرامه، ودليل ذلك ما ثبت في الصحيحين عن عائشة قالت: (كنت أطيب النبي صلى الله عليه وسلم لإحرامه قبل أن يحرم ولحله قبل أن يطوف بالبيت) قالت: (وكأني أنظر إلى وبيص " أي لمعان " الطيب في مفارق رسول الله صلى الله عليه وسلم) 1 وهذا الحديث فيه فائدتان:
الأولى: ما تقدم وهو مشروعية الطيب عند الإحرام.
الثانية: أنه لا بأس باستدامته، فإذا وضع الطيب على رأسه فبقي بعد الإحرام فإنه لا بأس بذلك، أو بقي على ردائه بعد الإحرام فلا حرج في ذلك، مما يدل عليه ما ثبت في أبي داود عن عائشة قالت: (كنا نخرج مع النبي صلى الله عليه وسلم إلى مكة فنضمد وجوهنا بالمسك المطيب عند الإحرام فإذا عرقت إحدانا سال على وجهها فيراها النبي صلى الله عليه وسلم فلا ينهاها) 2 ، في هذا الحديث فائدة أخرى وهي أنه إذا تحول الطيب من موضع إلى موضع بغير فعل من المحرم فلا حرج، كأن ينتقل بسبب إذابة الشمس، أو بالعرق إلى موضع آخر فلا حرج.
أما إذا أخذه المحرم بيده فوضعه في موضع آخر فإن ذلك ابتداء للتطيب في ذلك الموضع فيجب عليه أن يفدي.
ولا فرق بين الطيب الذي يبقى أثره ولونه، وبين الطيب الذي لا يبقى أثر له إلا الرائحة.
مثال الأول: المسك، ومثال الثاني: البخور، فلا فرق بينهما.
- وذهب الإمام مالك: إلى أن استدامته من محظورات الإحرام، واستدل بما في الصحيحين أن النبي صلى الله عليه وسلم أتاه رجل في عمرة الجعرانة (وكانت في السنة 8 هجرية) فقال يا رسول الله: كيف ترى في رجل أحرم بعمرة وهو متضمخ بطيب؟ فسكت النبي صلى الله عليه وسلم ساعة ثم قال: (اغسل الطيب الذي عليك) 1 الحديث وهو من حديث يعلى بن أمية.
وردّ هذا جمهور العلماء بأن هذا الحديث منسوخ فإنه كان في السنة الثامنة للهجرة في عمرة الجعرانة، وما تقدم فكان في حجة الوداع في السنة العاشرة فهي أحاديث ناسخة لحديث يعلى بن أمية المتقدم.
فالقول الراجح هو مذهب الجمهور.
(قال الفقهاء: إذا كان الثوب … فليس أن يلبسه) 2 . قال: (وتجرَّد من مخيط) المخيط: هو الثوب المفصل على شيء من البدن كالقمص والسراويل وليس المراد ما فيه خيوط، فالمراد: الثوب المفصل على شيء من البدن سواء كان البدن كله أو جزء منه كالقمص والسراويل.
وأما ما كان فيه خيوط كأن يكون عليه رداء فيه خيوط أو نعول فيها خيوط فإن هذا لا حرج فيه وليس ثمت أحد من العلماء ينهى عن ذلك، وإنما يريدون بالمخيط الثياب المفصلة على قدر البدن أو بعضه.
فإذاً: يسن أن يتجرَّد من المخيط، وقد روى الترمذي بإسناد فيه جهالة أن النبي صلى الله عليه وسلم: (تجرَّد لإهلاله واغتسل) 3 .
وقال صلى الله عليه وسلم – كما سيأتي -: (وليحرم أحدكم بإزار ورداء ونعلين) 1 فيسن له أن يتجرد من الثياب المخيطة.
وهذا فيه إشكال فإنه من المعلوم الإجماع على وجوب ذلك برواية من لبس مخيطاً فإن عليه فدية – وسيأتي -.
وزوال الإشكال أن يقال: إن مراد المؤلف قبل الإحرام فقبل نية النسك يستحب له أن يخلع ما عليه من المخيط لتكون نيته للنسك وليس عليه شيء يحتاج إلى إزالته.
وعليه: فإذا نوى النسك وعليه شيء مخيط فخلعه فلا حرج عليه في ذلك.
أما إذا استدامه ولم يزله فوراً فعليه الفدية.
فالواجب عليه بمجرد نية النسك أن يزيل ما عليه فإذا تركه ولو لحظة مع إمكان إزالته فإن عليه الفدية.
فمرادهم يسن قبل إحرامه لئلا يعرّض إحرامه لبقاء هذه الثياب المخيطة عليه لحظة من زمن مستديماً لها مفرطاً فتلزمه الفدية.
قال: (ويحرم في إزار ورداء أبيضين)
للحديث المتقدم الذي رواه أحمد في مسنده بإسناد صحيح أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (وليحرم أحدكم في إزار ورداء ونعلين) 2
وأما دليل استحباب كونهما بيضاً قوله صلى الله عليه وسلم: (البسوا من ثيابكم البياض فإنها من خير ثيابكم) 3 فإن أحرم بثوب لونه آخر فلا حرج في ذلك.
قال: (وإحرام عقب ركعتين)
فيستحب له أن يكون إحرامه بعد ركعتين، فإن كانت فريضة فبعد أن يصلي الفريضة، وإن لم تكن فريضة صلى ركعتين للإحرام، هذا هو المشهور في مذهب الحنابلة.
واستدلوا: بما روى أبو داود من حديث ابن عباس أن النبي صلى الله عليه وسلم: (أهل عند المسجد بعد أن صلى فيه ركعتين) 1 والحديث فيه خُصيف بن عبد الرحمن وهو ضعيف، لكن له شاهد عند البزار من حديث انس: (أن النبي صلى الله عليه وسلم أهل دبر الصلاة) .
واختار شيخ الإسلام وتلميذه ابن القيم، أن المستحب له أن يصلي إن وافق فريضة وإلا فإنه ليس للإحرام صلاة تخصه.
قالوا: لأنه لم يصح عن النبي صلى الله عليه وسلم تخصيص صلاة للإحرام لا بقوله ولا بفعله.
وأما ما تقدم من حديث ابن عباس فكان ذلك بعد الفريضة، فقد ثبت في الصحيحين عن أنس قال: (صلى بنا النبي صلى الله عليه وسلم ونحن معه بالمدينة الظهر أربعاً والعصر بذي الحليفة ركعتين فبات بها النبي صلى الله عليه وسلم حتى أصبح ثم ركب حتى استوت به راحلته على البيداء) 2 فكان ذلك بعد صلاة الصبح فهما الركعتان اللتان ذكرهما ابن عباس في الحديث الذي تقدم أنه حديث حسن لغيره.
فعلى ذلك يستحب له أن يحرم بعد صلاة الفريضة، فإن لم توافق فريضة فلا يشرع أن يصلي صلاة بنية أنها للإحرام فإن ذلك لم يصح عن النبي صلى الله عليه وسلم لا بقوله ولا بفعله.
قال: (ونيته شرط)
فنية الإحرام شرط وهذا ظاهر فإن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (إنما الأعمال بالنيات وإنما لكل امرئ ما نوى) 3
والحج عمل فلا يصح إلا بنية فمن شروط الحج النية، فإن حج بلا نية لم يصح حجه.
قال: (ويستحب قول: اللهم إني أريد نسك كذا فيسره لي)
لم أر هذا يثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم، وإنما ثبت عنه قوله: (لبيك عمرة في حجة) 4 .
قالوا: ويستحب له هذا – أي ما تقدم – أو ما في معناه، لكن إن دعا بدعاء مباح فلا بأس بذلك من غير أن يتخذ ذلك سنة فإنه لم يصح عن النبي صلى الله عليه وسلم هذا الدعاء ولا غيره.
قال: (وإن حبسني حابس فمحِلِّي حيث حبستني)
" إن حبسني حابس " يعني منعني من الوصول إلى المناسك مانع من مرض أصبت به أو عدوٍ أو نحو ذلك فمحلي حيث حبستني، فإذا قال مثل هذه العبارة فحصل له شيء فإنه يحل من حجه ولا شيء عليه، فلا يجب عليه هدي الإحصار.
قالوا: لما ثبت في الصحيحين عن عائشة قالت: دخل النبي صلى الله عليه وسلم على ضباعة بنت الزبير فقالت: يا رسول الله: إني أريد الحج وأنا شاكية " أي مريضة " قال: (حجي واشترطي أن محلي حيث حبستني) 1 ، وفي النسائي: (فإن لك على ربك ما استثنيت) 2 .
قالوا: فهذا يدل على مشروعية الاشتراط، وهذا سواء كان للشخص عذر يحتمل وقوعه أم لم يكن، فإن هذا المشهور في مذهب الحنابلة.
واختار شيخ الإسلام أن ذلك لا يشرع إلا للخائف، فإن اشترط الخائف نفعه ذلك.
كرجل مريض يُخشى أن يؤثر عليه المرض ويمنعه من الحج فيشترط إن حبسه حابس أن محله حيث حبس فحينئذٍ متى ما ثقل عليه المرض فلم يستطع أن يمضي إلى الحج وقد أحرم فيه فإنه يحل ولا شيء عليه.
وقبل ذلك: لو كانت البلاد خائفة فاشترط ثم كان في الطرق ما يخل بأمنها بحيث أنه لا يستطيع المضي لأداء الحج فإنه يحل ولا شيء عليه.
وما ذهب إليه شيخ الإسلام هو الراجح؛ فإن النبي صلى الله عليه وسلم لم يقل ذلك ولا أمر به أصحابه، وإنما أمر به من كانت شاكية خائفة أن تمنعها شكايتها من تمام حجها، فعلّمها النبي صلى الله عليه وسلم هذا الاشتراط، وهذا هو القول الراجح.
فيستحب ذلك لمن كان خائفاً كالمريض والخائف ونحوهما فيستحب لهم ذلك وينفع لهم ذلك، فإن حدث لهم مانع فإنهم يحلون ولا شيء عليهم.
أما الآخر فإنه لا يشرع له ولا يترتب عليه هذه الأحكام لأن هذا فعل غير مشروع فلا تترتب عليه الأحكام الشرعية.
والحمد لله رب العالمين
قال المؤلف رحمه الله تعالى: (وأفضل الأنساك التمتع)
الأنساك ثلاثة: التمتع والقران والإفراد
فالتمتع والقران يجمع فيهما بين العمرة والحج، والفرق بينهما أن التمتع يتحلل منه المعتمر ثم يهل بالحج في أشهره، وأما القران فإنه يقرن بينهما من غير تحلل.
فعلى ذلك التمتع: هو الإهلال بالعمرة والحج في أشهر الحج بتمتع بينهما، فيقول في الميقات: لبيك عمرة، ثم يؤدي مناسك العمرة ثم يتحلل الحل كله ثم يهل بالحج – وهذا كله في أشهر الحج – وعليه فإذا أهل بالعمرة في رمضان ثم مكث في مكة إلى الحج فأهل به فليست بمتمتع، فإن التمتع عند أهل العلم الجمع بين الحج والعمرة في أشهر الحج.
وأما القران فهو أن يهل بالعمرة والحج معاً، فيقول عند الميقات: " لبيك عمرة وحجاً " أو " لبيك عمرة في حجة " ويفعل مناسك الحج ولا يتحلل بينهما، فلا يتحلل إلا إذا رمى الجمرة يوم النحر.
وأما الإفراد: فهو أن يهل بالحج مفرداً فلا يدخل فيه عمرة.
فالتمتع هو: الإهلال بالعمرة والحج في أشهر الحج يتحلل بينهما، والقران بغير تحلل.
وأما الإفراد: فهو أن يهل بالحج منفرداً متجرداً عن العمرة.
وقد قال المؤلف: " أفضل الأنساك التمتع "
اعلم أن جماهير العلماء على أن المسلم مخير بين هذه الأنساك الثلاثة فإن شاء أهل متمتعاً وإن شاء أهل قارناً وإن شاء أهل مفرداً.
واستدلوا: بما ثبت في مسلم عن عائشة قالت: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (من أراد أن يهل بالحج والعمرة فليفعل " وهذا هو القران " ومن أراد أن يهل بالعمرة فليفعل " وهذا هو التمتع " ومن أراد أن يهل بالحج فليفعل) 1 وهذا هو الإفراد)
وذهب ابن عباس رضي الله عنه – وهو مذهب ابن حزم من الظاهرية ومال إليه ابن القيم – إلى أن التمتع واجب، وذكر ابن القيم في زاد المعاد أربعة عشر حديثاً عن النبي صلى الله عليه وسلم تدل على أمره بالتمتع لأصحابه في حجة الوداع.
فمن ذلك ما ثبت في الصحيحين عن ابن عباس قال: (كانوا – أي أهل الجاهلية – يرون الاعتمار في أشهر الحج من أفجر الفجور فلما قدم النبي صلى الله عليه وسلم مكة بأصحابه صبيحة رابعة مهلين أمرهم أن يهلوا بعمرة أي أن يقلبوا حجهم إلى عمرة " فيعتمرون ثم يحلون ثم يحجون) فقالوا: يا رسول الله: أي الحل؟ فقال: الحل كله 2 .
وثبت في الصحيحين عن جابر: أن النبي صلى الله عليه وسلم: لما قدم مكة أمر أصحابه فقال: (أحلوا من إحرامكم بالطواف بالبيت وبين الصفا والمروة وقصروا ثم أقيموا حلالاً حتى إذا كان يوم التروية فأهلوا بالحج واجعلوا التي قدِمْتُم بها متعة فقالوا: يا رسول الله كيف نجعلها متعة وقد سمينا الحج؟ فقال: افعلوا ما أمرتكم ولولا أني سقت الهدي لفعلت الذي أمرتكم به ولكن لا يحل منى حرام حتى يبلغ الهدي محله) 1 وفي الصحيحين عن عائشة قالت: (خرجنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى مكة لا نذكر إلا الحج) 2 – الحديث – وفيه: فلما قدم النبي صلى الله عليه وسلم مكة قال لأصحابه: (اجعلوها عمرة فأحل الناس إلا من كان معه هدي) فهذه أحاديث صحيحة فيها أمر النبي صلى الله عليه وسلم أصحابه أن يهلوا بعمرة وأمر النبي صلى الله عليه وسلم للوجوب، وقد تشدد النبي صلى الله عليه وسلم على أصحابه في ذلك فدل ذلك على وجوبه.
قالوا: وأما ما استدل به الجمهور من حديث مسلم عن عائشة فإن هذا كان قبل أن يقدم النبي صلى الله عليه وسلم مكة فإنه قال ما تقدم: (من أحب أن يهل بالحج والعمرة فليفعل ومن أحب أن يهل بالعمرة فليفعل ومن أحب أن يهل بالحج فليفعل) 1 فلما قدم مكة أمرهم بأن يهلوا بعمرة كما تقدم من حديثها نفسها، فإنها قالت في الحديث المتفق عليه المتقدم: (خرجنا مع النبي صلى الله عليه وسلم إلى مكة لا نذكر إلا حجاً) إلى أن قالت: (فلما قدم النبي صلى الله عليه وسلم مكة قال لأصحابه: اجعلوها عمرة) 2 فنسخ النبي صلى الله عليه وسلم التخيير المتقدم.
فهذه أحاديث ظاهرة في وجوب ذلك.
وسلك شيخ الإسلام مسلكاً آخر وارتضاه الشنقيطي في أضواء البيان فقال: هذا الوجوب الذي دلت عليه الأحاديث المذكورة كان على أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم خاصة أما غيرهم فإن ذلك يستحب لهم ولا يجب.
واستدل: بما روى أبو داود في سننه من حديث الحارث بن بلال عن أبيه أن النبي صلى الله عليه وسلم سُئل فقيل له: (ألنا خاصة أم للناس عامة؟ فقال: بل لكم خاصة) 3 لكن الحديث فيه الحارث بن بلال وهو مجهول.
ويعارض هذا الحديث حديثاً متفق عليه وهو ما ثبت في الصحيحين عن سراقة بن مالك أنه سأل النبي صلى الله عليه وسلم فقال: (يا رسول الله ألعامنا هذا أم للأبد؟ فقال النبي صلى الله عليه وسلم: بل للأبد) 1 وزاد مسلم: (فشبك النبي صلى الله عليه وسلم بين أصابعه وقال: دخلت العمرة في الحج إلى يوم القيامة) 2 فهذا حديث متفق عليه فلا يعارض بالحديث المتقدم، وفيه الحارث بن بلال وهو مجهول.
واستدل شيخ الإسلام أيضاً: بما ثبت في مسلم عن أبي ذر أنه قال: (كانت المتعة لأصحاب النبي صلى الله عليه وسلم) 3 ونحوه عن عثمان في مسند أبي عوانة بإسناد صحيح.
والجواب على هذا: أنها أقوال صحابة فلا يعارض بأقوال النبي صلى الله عليه وسلم فإنه لما سئل (ألعامنا هذا أم للأبد؟ قال: بل للأبد) فيدل على أن هذا رأي منهما رضي الله عنهما.
فالراجح: ما ذهب إليه ابن عباس من الصحابة من وجوب التمتع 1 ، وأن الواجب على المسلم أن يتمتع بالعمرة إلى الحج.
وأفضل المناسك في المشهور عن الحنابلة هو التمتع، وهم يقولون – كما تقدم – بالتخيير بينه وبين القران والإفراد.
والتمتع عندهم أفضل للأحاديث المتقدمة فإنهم حملوها على الاستحباب.
وظاهر ذلك أن هذا مستحب مطلقاً لكن ذكر شيخ الإسلام أن نص الإمام أحمد وغيره من الأئمة الأربعة على أنه إن أفرد الحج بسفرة والعمرة بسفرة أخرى فإن ذلك أفضل، ودليل هذا ما ثبت في البيهقي بإسناد صحيح أن عمر بن الخطاب قال: (إن تفصلوا بين الحج والعمرة فتحرموا بالعمرة في غير أشهر الحج أتم لحج أحدكم وعمرته) 2
فالإمام أحمد نص على أن من أراد أن يفرد كلاً منهما بسفر فإنه هو الأفضل، فإذا جمع بينهما فإن الأفضل هو التمتع أما إن أراد عمرة منفردة بسفرة منفردة، وحجة منفردة بسفرة منفردة فإن هذا أتم لحجه وعمرته كما ورد ذلك عن عمر.
والصحيح ما تقدم: وهو وجوب التمتع وقد ثبت عند الطحاوي عن عمر بإسناد جيد، وقال ابن القيم: صح عن عمر من غير وجه أنه قال: (لو اعتمرت في السنة مرتين لجعلت مع حجي عمرة) فيحتمل أن يكون هذا ناسخاً لقوله.
قال: (وصفته أن يحرم بالعمرة في أشهر الحج ويفرغ منها ثم يحرم بالحج في عامه)
فلابد أن يحرم بالعمرة في أشهر الحج، فإن أحرم بها في غير أشهر الحج فليس بمتمتع اتفاقاً.
ومثل ذلك في المشهور من المذهب وهو أصح قولي العلماء: لو أحرم في رمضان وفعل المناسك في رمضان فإنه لا يعد متمتعاً، كرجل أحرم في آخر نهار رمضان وفعل المناسك ليلة العيد أو صبيحة العيد أي في شوال فإنه ليس بمتمتع، لأن الإحرام وهو ركن من أركان العمرة، قد وقع في غير أشهر الحج، ولا تكون العمرة في أشهر الحج حتى تكون العمرة كلها في أشهر الحج، وهنا قد وقع الإحرام في غير أشهره.
ولابد أن يهل بالحج في عامه ذلك، فإن أهل في عام آخر فليس بمتمتع، فلو أن رجلاً أهل بالعمرة في أشهر الحج ثم مكث بمكة سنة حتى أتى الحج القادم فأهل بالحج فليس بمتمتع.
وقد روى البيهقي بإسناد حسن – كما قال النووي – عن سعيد بن المسيب قال: (كان أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم يعتمرون في أشهر الحج فإذا لم يحجوا في عامهم ذلك لم يهدوا) .
ويدل على ذلك أيضاً الآية الكريمة: ﴿فمن تمتع بالعمرة إلى الحج فما استيسر من الهدي﴾ فظاهر الآية الموالاة بين الحج والعمرة، فإن اعتمر في سنة وحج في أخرى فليس ثمت موالاة.
فالتمتع: أن يحرم بالعمرة في أشهر الحج، وأن يكون الحج في العام نفسه الذي اعتمر فيه وإلا فليس بمتمتع، وبالتالي فليس عليه دم.
فلو أن رجلاً أهل بالعمرة في غير أشهر الحج ثم مكث في مكة إلى الحج فأهل بالحج فليس بمتمتع وليس عليه حينئذٍ دم هدي التمتع، ولو أنه أهل بالعمرة في أشهر الحج لكنه لم يحج إلا في عام آخر فإنه ليس عليه دم؛ لأنه ليس بمتمتع، وقد قال تعالى: ﴿فمن تمتع بالعمرة إلى الحج فما استيسر من الهدي 1 ﴾ وهو في هاتين المسألتين السابقتين ليس بمتمتع وهذا مما اتفق عليه أهل العلم.
قال: (وعلى الأفقي دم)
الأفقي: هو من ليس بحاضر المسجد الحرام.
فإذا تمتع حاضر المسجد الحرام فلا هدي عليه بلا خلاف بين العلماء، أما من لم يكن حاضراً للمسجد الحرام فعليه هدي.
وحاضر المسجد الحرام: هو من كان في الحرم أو بينه وبين الحرم مسافة لا تقصر فيها الصلاة.
ودليل المسألة قوله تعالى: ﴿فمن تمتع بالعمرة إلى الحج فما استيسر من الهدي فمن لم يجد فصيام ثلاثة أيام في الحج وسبعة إذا رجعتم تلك عشرة كاملة ذلك لمن لم يكن أهله حاضري المسجد الحرام﴾
والحاضر للمسجد الحرام هو المكي ومن بينه وبين مكة مسافة لا تقصر فيها الصلاة.
أما المكي فلا إشكال في أنه حاضر المسجد الحرام، وأما غيره فلأنه في حكم الحاضر له ولذلك صلاته صلاة حضر، فمن كان بينه وبين مكة مسافة لا تقصر فيها الصلاة أو هو في موضع لا تقصر فيه الصلاة فإن صلاته حضر لا سفر.
وهنا فروع في هذه المسألة:
الفرع الأول: إذا اعتمر من ليس أهله حاضري المسجد الحرام في الحج ثم أنشأ سفراً آخر ثم رجع من سفره بحجة فهل يجب عليه الهدي أم لا؟
مثال: رجل سافر إلى مكة معتمراً في أشهر الحج لكنه لم يمكث في مكة بل سافر سفراً تقصر فيه الصلاة كأن يسافر – مثلاً – إلى الطائف أو إلى خارج البلاد ثم يأتي من هذه البلدة التي سافر إليها ويأتي مهلاً بحج، فهل يجب عليه الهدي؟
قولان لأهل العلم:
1- القول الأول، وهو مذهب الأئمة الأربعة: أنه لا يجب عليه الهدي، على خلاف بينهم في هذا السفر.
فمنهم من قال: هو السفر الذي تقصر فيه الصلاة – كما هو مذهب الحنابلة –، ومنهم من قال: بل الميقات، فإذا ذهب إلى الميقات ثم رجع حاجاً فلا هدي عليه، وهذا مذهب الشافعي، ومنهم من قال: بل إذا رجع بلده خاصة كما هو مذهب أبي حنيفة، ومنهم من قال: إذا رجع إلى بلده خاصة أو ما يماثله مسافة وأولى من ذلك إذا كانت المسافة أكثر.
إذاً: هم متفقون على سقوط الهدي بتنوع السفر لكن اختلفوا في السفر.
2- وذهب الحسن البصري واختار ذلك ابن المنذر: إلى أنه لا يسقط عنه وإن رجع إلى بلدته أم إلى ما هو أبعد منها.
ومنشأ الخلاف في هذه المسألة راجع إلى الخلاف في الآية في سورة البقرة وهو قوله تعالى: ﴿فمن تمتع بالعمرة إلى الحج فما استيسر من الهدي … ذلك لمن لم يكن أهله حاضري المسجد الحرام﴾ فاختلف أهل العلم في " ذلك " هل الإشارة إلى التمتع أو إلى الهدي؟
أ- فهل هي إشارة إلى التمتع، فيكون التمتع غير مشروع لحاضري المسجد الحرام، فيكون المعنى: ذلك التمتع المذكور إنما يشرع لمن لم يكن حاضر المسجد الحرام، أما من كان حاضراً له فليس له أن يتمتع.
ب- والقول الثاني: أن الإشارة راجعة إلى الهدي أي ذلك الهدي المشروع إنما يشرع لمن لم يكن أهله حاضري المسجد الحرام أما من كان أهله حاضري المسجد الحرام فتمتع فليس عليه هدي.
فمذهب الأحناف وهو اختيار البخاري: أن الإشارة راجعة إلى التمتع ولذا يقول الأحناف بعدم مشروعية التمتع لحاضري المسجد الحرام.
ومذهب جمهور العلماء: إلى أن الإشارة إلى الهدي أي ذلك الهدي وما ينوب عنه من الصيام إنما يكون لمن لم يكن أهله حاضري المسجد الحرام، وذلك لأنه ترخَّص وترفَّه بأن جمع بين نسكين في سفر واحد، فلما جمع بينهما في سفر واحد أوجبنا عليه الهدي لترخصه في ذلك.
أما المتمتع من حاضري المسجد الحرام فليس له سفر فلم يترفه حينئذٍ فليس عليه هدي.
وقد استدل من قال بأنها راجعة إلى التمتع قالوا: يدل على ذلك أن لفظة " ذلك " قد جمعت بين اللام والكاف وهما إذا اجتمعا في اسم الإشارة فإن ذلك يدل على البعد والمذكور البعيد هو التمتع، فإنه قد ذكر قبل الهدي فهو أبعد.
قالوا: والقرينة الثانية أن الله قال ﴿لمن لم يكن أهله حاضري المسجد الحرام﴾ فأتى باللام –والتمتع له – والهدي عليه، فلم يقل ذلك " على " أي ذلك الهدي على من لم يكن أهله حاضري المسجد الحرام.
فدل على أن المراد بذلك التمتع الذي له وله أجره وثوابه أما الهدي فهو عليه واجب.
وأجاب الجمهور على ذلك فقالوا:
أما الإتيان بـ"ذلك " التي تفيد الإشارة إلى البعيد فإنه معلوم في لغة العرب أنها تأتي للإشارة إلى القريب وهذا مشهور في استعمالهم.
قالوا: ولفظة " اللام " تأتي بمعنى على، كقوله تعالى ﴿ويخرون للأذقان﴾ أي عليها، وقوله: ﴿وتله للجبين﴾ أي على الجبين.
قالوا: والأصل في الإشارة كالضمير أن يعود إلى أقرب مذكور، وأقرب مذكور هو الهدي.
والذي يتبين لي أن الأقوى ما ذهب إليه الأحناف واختاره الإمام البخاري: وأن الإشارة تعود إلى التمتع؛ وذلك لأن لفظة " ذلك " في الأصل إشارة إلى البعيد، وكونها إشارة إلى القريب خلاف الأصل وخلاف الظاهر.
ولأن اللام في الأصل كما ذكره الأحناف واختاره البخاري، وأما كونها تكون بمعنى " على " فإن هذا خلاف الأصل فهو نوع تأويل.
ولذا فالراجح – كما أنه الأحوط -: ما ذهب إليه الحسن البصري وهو اختيار ابن المنذر: من أن من سافر سفراً بين عمرته وحجته سواء كان هذا السفر يقصر فيه الصلاة فحسب أو كان أبعد من ذلك بأن يرجع إلى بلدته أو نحو ذلك مما تقدم فإن عليه أن يهدي لعموم قوله تعالى: ﴿فمن تمتع بالعمرة إلى الحج فما استيسر من الهدي﴾ وحقيقة التمتع هو الجمع بينهما في أشهر الحج، وقد قوى هذا القول الشنقيطي في أضواء البيان.
الفرع الثاني: هل يشترط أن ينوي في عمرته في ابتدائها أو في أثنائها أنه يريد الحج وأنه سيتمتع أم لا يشترط ذلك؟
رجل ذهب في شوال معتمراً فلما تحلل نوى أن يمكث في مكة حتى يأتي الحج فيحج فهل هو متمتع فيجب عليه الهدي أم ليس بمتمتع حتى ينوي في عمرته التمتع؟
وبصورة أخرى: هل يشترط له وهو في الميقات وقد قال لبيك عمرة أن ينوي أنه سيتمتع سواء كان ذلك في مبتدأ تلبيته أو كان ذلك في أثناء العمرة وقبل أن يحل أم لا يشترط ذلك؟
المشهور في مذهب الحنابلة أن ذلك شرط وهذا عندهم كما يكون في الجمع بين الصلوات، فشرط عندهم كما تقدم أن ينوي الجمع في الصلاة الأولى.
واختار الموفق أن ذلك ليس بشرط، وهذا هو القول الراجح فإنه لا دليل على اشتراطه، ولأنه قد تمتع بالعمرة إلى الحج فدخل في عموم الآية، واشتراط النية أثناء العمرة لا دليل عليه.
وعليه فلو ذهب معتمراً من غير أن ينوي أن هذه العمرة سيتمتع بها إلى الحج فلما أحل نوى أن يحج فبقي في موضعه حتى الحج أو رجع إلى بلدته فإنه متمتع وعليه الهدي.
الفرع الثالث: هل الهدي واجب على من جمع بين نسكي الحج والعمرة، ولكن أحدها له والآخر لغيره؟
كمن جمع بين الحج والعمرة بأن كانت العمرة له والحج عن غيره، فهل عليه الهدي أم لا؟
قولان لأهل العلم هما قولان في مذهب أحمد والشافعي ومالك وأبي حنيفة.
والمشهور في مذاهبهم: وجوب الهدي عليه؛ نظراً للفاعل فإن الفاعل واحد، والنسك قد حصل من قِبَل فاعل واحد فوجب عليه الهدي.
وقال بعض العلماء وهو قول في مذهب مالك والشافعي وأحمد وأبي حنيفة خلافاً للمشهور في مذاهبهم، قالوا: لا يجب عليه الهدي؛ نظراً لأن أحد النسكين له والآخر ليس له.
والأظهر هو الأول؛ فإن النظر إنما يكون للفاعل فإنه واحد والآخر له، وإنما أهدى ثوابه لغيره، فإن الأصل أن هذا الفعل له لكنه أهدى ثوابه لغيره، ولا شك أن هذا هو الأحوط.
واعلم أن القران باتفاق أهل العلم داخل في حكم التمتع في باب الهدي، فالقارن يجب عليه أن يهدي، والصحابة يطلقون على القران تمتعاً كما في غير حديث ثابت عنهم كما في الصحيحين وغيرهما.
وقد أهدى النبي صلى الله عليه وسلم – كما في الصحيحين – عن أزواجه وكن قارنات؛ ولأنه قد جمع بين النسكين فأشبه المتمتع الجامع بينهما – وهذا كما تقدم – مما اتفق عليه العلماء.
استدراك:
التمتع يجب على من لم يسق الهدي، فلو أن رجلاً ساق الهدي ثم تبين له الإيجاب فإنه لا يجب عليه حينئذٍ لأنه ساق الهدي، والنبي صلى الله عليه وسلم لما ساق الهدي لم يحل، بل الواجب على من ساق الهدي أن يكون قارناً ولا يجوز له أن يتمتع.
مسألة:
رجل اعتمر في أشهر 1 الحج ثم مكث في مكة ونوى الحج فهل يجب عليه أن يتمتع فحينئذٍ يأتي بعمرة؟
فإن قلنا بوجوب التمتع فإنه يجب عليه أن يخرج إلى الحل فيأتي بعمرة لوجوب التمتع.
وإذا نظرنا إلى جهة أخرى وهي أن العمرة ليست بمشروعة لمن كان في مكة سواء كان آفاقياً أو مقيماً قلنا: إنه لا يشرع.
وهذا - فيما يظهر لي – أقوى؛ وذلك لأن هذا الفعل ليس بمشروع والأمر به يناقض مقصود الشارع من عدم مشروعية الاعتمار لمن كان في مكة وكان آفاقياً أو غيره.
فالذي يظهر لي أن يقال: أنه ليس بواجب عليه، وحينئذٍ فيكون التمتع واجباً لمن كان خارجاً عن مكة.
وهذا ظاهر في اختيارنا المتقدم في قوله " ذلك " وأن التمتع لا يشرع لمن كان حاضراً المسجد الحرام – لكن هذا قد ينظر في الاستدلال به – بأن هذا ليس حاضراً للمسجد الحرام وإن كان فيه حينئذٍ؛ لأنه ليس مقيماً في المسجد الحرام فإقامته مؤقتة فليس له حكم المقيمين بل في حكم المسافرين فليس أهله حاضري المسجد الحرام، لكن الاستدلال السابق هو الأظهر وهو أن يقال: إن العمرة من مكة ليست بمشروعة والأمر بها ينافي مقصود الشارع من عدم مشروعيتها.
فإن قيل: عندما أمر النبي صلى الله عليه وسلم أصحابه بالتمتع لم يستثن المكيين؟
فالجواب أن يقال: ظواهر الأحاديث أن هذا كان لغير المكيين فإنه قال: " فلما قدمنا مكة "
ثم أيضاً: الأدلة الأخرى التي تدل على عدم مشروعية العمرة على أهل مكة تدل على أن ذلك إنما يوجه لغيرهم.
كما أن الغالب أن من كان معه لم يكن من أهل مكة بل من أهل الآفاق.
والحمد لله رب العالمين
قال المؤلف رحمه الله تعالى: (وإن حاضت المرأة فخشيت فوات الحج أحرمت به وصارت قارنة)
إذا حاضت المرأة المتمتعة فخشيت فوات الحج أحرمت بالحج وصارت قارنة.
فإذا لبت المرأة بعمرة على أنها متمتعة – حينئذٍ – تطوف بالبيت وبالصفا والمروة وتحل ثم تهل بالحج، لكن إن طرأ عليها الحيض قبل الطواف بالبيت، والمرأة ممنوعة من الطواف بالبيت – كما سيأتي دليله – فحينئذٍ إن بقيت منتظرة طهرها حتى تطوف لعمرتها فات عليها الوقوف بعرفة، فمثلاً في صبيحة اليوم الثامن أهلت بعمرة عند الميقات فأتاها الحيض، والحيض يمكث معها عدة أيام بحيث أنها لا تطهر قطعاً إلا بعد الوقوف بعرفة وهي لم تهل بالحج بعد، فإذا انتظرت حتى تطهر لتطوف بالبيت لعمرتها فاتها الحج فحينئذٍ تدخل الحج على عمرتها وتكون قارنة، فتقول: لبيك حجاً، وتكون حينئذٍ جامعة بين الحج والعمرة، وحينئذٍ تقف بعرفة وتفعل المناسك كلها وتطوف بالبيت إذا طهرت.
ودليل هذه المسألة ما ثبت في مسلم عن عائشة أنها أهلت بالعمرة فلم تطف بالبيت حتى حاضت فنسكت المناسك كلها وقد أهلت بالحج فلما كان يوم النفر قال لها النبي صلى الله عليه وسلم: (يسعك طوافك لحجك وعمرتك) [صحيح مسلم بشرح النووي: 8 / 156]
ويلحق بها كل من خشي فوات الحج من المتمتعين، فلو أن رجلاً قال: لبيك عمرة ثم طرأ عليه عارض منعه من الطواف بالبيت حتى خشي فوات الوقوف إن طاف وهو لما يطوف بالبيت فإنه حينئذٍ: يدخل الحج على العمرة ويكون حينئذٍ قارناً.
فهذه المسألة إدخال الحج على العمرة، والحديث دليل ظاهر في ذلك.
وهنا مسألة بعكس هذه المسألة: وهي مسألة إدخال العمرة على الحج.
رجل أهل بالحج مفرداً ثم بدا له أن يدخل العمرة فيكون قارناً " وقد يكون محتاجاً لذلك " بحيث أنه لا يمكنه التمتع كأن يكون قد ساق الهدي تبرعاً وقد أفرد الحج فأحب أن يدخل العمرة فيكون قارناً فهل يجوز ذلك؟
قال الحنابلة: لا يصح منه ذلك، واستدلوا: بأثر عن علي بن أبي طالب رواه البيهقي والأثرم وغيرهما.
وقال الأحناف: يصح منه ذلك، وهذا القول أصح، فإن النبي صلى الله عليه وسلم أمر أصحابه أن يقلبوا حجهم إلى عمرة ولا شك أن مسألتنا أولى بالجواز من تلك المسألة، فإن إدخال العمرة على الحج مع بقائه أولى من إبطال الحج وإثبات العمرة.
مسألة: حكم من أهل بالنسك مبهماً؟
وصفة الإبهام أن يقول: أهللت أو لبيت بمثل ما أهل به فلان أو لبى به فلان، فهذا هو الإهلال المبهم.
وحكمه الجواز بدليل: ما ثبت في الصحيحين بأن أبا موسى الأشعري: (قدم على النبي صلى الله عليه وسلم وهو منيخ بالبطحاء فقال له النبي صلى الله عليه وسلم: بم أهللت؟ فقال: قلت: لبيك بإهلال كإهلال النبي صلى الله عليه وسلم فقال له النبي صلى الله عليه وسلم: أحسنت، فأمرني بالطواف بالبيت وبالصفا والمروة ثم قال: أَحِلَّ) 1 .
مسألة:
يقاس على الإهلال مبهماً، ما إذا نوى نسكاً مُطْلِقاً ذلك، فنوى نسكاً مطلقاً، كأن يدخل في النسك هكذا على نية الإطلاق فيقول: " لبيك اللهم لبيك لا شريك لك لبيك.. .. " من غير أن يقيد حجاً أو عمرة أو حجاً وعمرة، فقد نوى الدخول في النسك لكنه لم ينو أن يكون متمتعاً ولا قارناً ولا مفرداً، فهذا جائز باتفاق العلماء قياساً على المسألة السابقة.
وحينئذٍ: فإنه يصرف نسكه إلى أيها شاء.
لكن المستحب له أن يعين كما تقدم من حديث مسلم الذي فيه أن النبي صلى الله عليه وسلم حث أصحابه على التعيين فقال: (من أحب أن يهل بالحج فالعمرة فليفعل ومن أحب أن يهل بالحج فليفعل ... ) 2 الحديث فهنا النبي صلى الله عليه وسلم قد استحب لهم التعيين.
قال: (وإذا استوى على راحلته قال: لبيك اللهم لبيك ….)
وهل المستحب له أن يكون ذلك عند مسجد الميقات أو يكون ذلك إذا أتى البيداء " وهي الموضع المرتفع وهو داخل الميقات "؟
ورد عن النبي صلى الله عليه وسلم أحاديث في هذا وفي هذا:
أما أنه على البيداء، فقد ثبت هذا من حديث أنس بن مالك في البخاري قال: (حتى إذا استوت به راحلته على البيداء حمد الله وسبحه وهلله ثم أهل بالحج والعمرة فأهل الناس معه) 1 وهو أيضاً ثابت في البخاري من حديث ابن عباس.
وأما أنه أهل عند المسجد: فهو ثابت في الصحيحين من حديث ابن عمر قال: (ما أهل النبي صلى الله عليه وسلم إلا عند المسجد) 2
بل أنكر أن يكون قد أهل على البيداء وقال: (بيداؤكم هذه التي تكذبون بها على النبي صلى الله عليه وسلم، ما أهل رسول الله صلى الله عليه وسلم إلا عند المسجد) 3 رواه مسلم، وفي البخاري أنه قال: (حتى استوت به راحلته قائمة) أي عند المسجد.
فإذاً: الأحاديث اتفقت على أن المستحب له أن يهل بالحج أو العمرة إذا استوت به راحلته.
ومن الصحابة من روى أنه أهل عند المسجد، ومنهم من روى أنه أهل عندما استوت به راحلته على البيداء.
والجمع بينهما: أن يقال: كل منهما حدث بما رأى.
فابن عمر رآه يهل عند المسجد، وأنس وابن عباس رأياه يهل وقد استوت به راحلته على البيداء، وكل قد فعله النبي صلى الله عليه وسلم.
فعلى ذلك المستحب له أن يهل إذا استوت به راحلته عند المسجد، وكذلك يهل إذا استوت به راحلته على البيداء، وقد تقدم أن المستحب أن يهل إذا استوت به راحلته، وهو ثابت في الأحاديث المتقدمة في الصحيحين من حديث ابن عمر، وفي البخاري من حديث أنس، وفي البخاري من حديث ابن عباس.
وفي البخاري سنة أخرى وهي أن يستقبل القبلة عند التلبية فقد ثبت هذا في البخاري من حديث ابن عمر أنه قال: (وهو مستقبل القبلة) 1
قال: (لبيك اللهم لبيك … إلى قوله: لا شريك لك)
لبيك: من لبى في المكان أي لزمه واستقر به، والمعنى: أنا مقيم على طاعتك ملازم لها غير خارج عنها إلى معصيتك.
وثنيت لإفادة التكثير أي أنا مقيم إقامة بعد إقامة، فأنا ملازم لطاعتك مجيب لأمرك سامع لخطابك.
فالتلبية هي: الإقامة على طاعة الله تعالى وعدم الخروج عنها إلى معصيته، وثنيت للتكثير.
وقوله: " لبيك اللهم لبيك لبيك لا شريك لك لبيك إن الحمد والنعمة لك والملك لا شريك لك " وهذه الجملة ثابتة في الصحيحين من حديث ابن عمر 2 ، وهي أيضاً ثابتة من حديث غيره من الصحابة.
وثبتت الزيادة من النبي صلى الله عليه وسلم عليها: ففي النسائي من حديث أبي هريرة: (لبيك إله الحق) 3 وفي ابن خزيمة: (إنما الخير خير الآخرة)
وهل يجوز له أن يزيد في التلبية؟
لا حرج في الزيادة، فقد ثبت في مسلم عن جابر قال: (فأهل الناس بهذا الذي يهلون به فلم يرد عليهم النبي صلى الله عليه وسلم صلى الله عليه وسلم شيئاً) 4
ومن ذلك ما ثبت في مسلم عن عمر أنه كان يقول: (لبيك وسعديك والخير بيديك والرغباء إليك والعمل) 1
وفي أبي داود: أن الصحابة كانوا يقولون: (لبيك ذا الفواضل لبيك ذا المعارج) 2
وفي البزار من حديث أنس: (لبيك حقاً حقاً تعبداً ورقاً)
فهذه الألفاظ ثابتة عن الصحابة، ولا بأس بالزيادة على ذلك.
وهنا مسائل:
المسألة الأولى: متى يقطع التلبية؟
في هذه المسألة تفصيل:
فإن كان قارناً أو مفرداً فإنه يلبي حتى يرمي جمرة العقبة، ففي الصحيحين عن الفضل بن عباس رضي الله عنهما قال: (لم يزل النبي صلى الله عليه وسلم يلبي حتى رمى جمرة العقبة) 3 ، وفي ابن خزيمة: (قطع التلبية مع آخر حصاة)
لكن يستثنى من ذلك: إذا دخل الحرم، فإنه إذا دخل الحرم أمسك عن التلبية.
ودليل ذلك: ما ثبت في البخاري أن ابن عمر: (كان إذا دخل الحرم أمسك عن التلبية ثم بات بذي طوى حتى يصبح ثم يغتسل ويقول: كان النبي صلى الله عليه وسلم يفعل ذلك) 4 وفي الموطأ: من فعله، وفيه: أن ذلك كان في الحج.
أما إن كان معتمراً أو متمتعاً فإنه يقطع التلبية إذا دخل الحرم، فإذا دخل الحرم أمسك عن التلبية حتى يهل بالحج يوم التروية، فإذا أهل بالحج أعاد التلبية.
وفي هذه المسألة خلاف بين العلماء، وما ذكرته هو مذهب الإمام مالك وهو مذهب ابن عمر كما تقدم في الأثر المتقدم.
وهو صريح عنه في البيهقي في المعتمر، أن عطاء بن أبي رباح سئل متى يقطع المعتمر التلبية؟ فقال: قال ابن عمر: (إذا دخل الحرم، وقال ابن عباس: إذا استلم الحجر) .
فمذهب ابن عمر أن المعتمر أو المتمتع: أنه إذا دخل الحرم أمسك عن التلبية.
ومذهب ابن عباس وهو مذهب جمهور العلماء أنه لا يقطعها إذا دخل الحرم بل إذا استلم الحجر عند الطواف فإنه يقطعها، وفي الترمذي عن ابن عباس مرفوعاً: (يلبي المعتمر حتى يستلم الحجر) 1 لكن الحديث فيه محمد بن عبد الرحمن بن أبي ليلى، وهو ضعيف الحديث والصواب أنه موقوف على ابن عباس.
فعندنا أثران متعارضان: أثر ابن عمر وأثر ابن عباس.
ومذهب ابن عمر وهو مذهب المالكية - هذا المذهب - أشبه بالسنة فإن النبي صلى الله عليه وسلم – وكان قارناً – كان يمسك عن التلبية إذا دخل الحرم فيشبهه المعتمر إذ لا فرق بين المعتمر وبين القارن في مثل هذه المسألة.
فالعلة التي من أجلها قطع القارن أو المفرد – قطع التلبية ثابتة قطعاً، وإن لم تعلم لكنها - ثابتة قطعاً لنفي الفارق في المتمتع.
فالأصح أن المعتمر إذا دخل الحرم أمسك عن التلبية.
المسألة الثانية: أنه يستحب له الإكثار من التلبية، ففي الترمذي والحديث حسن بشواهده: أن النبي صلى الله عليه وسلم لما سئل عن أفضل الحج فقال: (أفضل الحج العج والثج) 2
والعج: هو رفع الصوت بالتلبية.
والثج: هو النحر.
وفي الترمذي بإسناد صحيح أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (ما من ملبي يلبي إلا لبى ما عن يمينه وشماله من حجر أو شجر أو مدر حتى تنقطع الأرض من هاهنا وهاهنا) 3
قال أهل العلم: ويستحب له أن يلبي متى تجددت به حال، فإذا هبط وادياً لبى وإذا صعد لبى وإذا التقى برفيق لبى ودبر الصلوات يلبي وإذا نزل في موضع لبى، وإذا ركب راحلته لبى فكلما تجددت به حال لبى.
وفي مسند الشافعي بإسناد جيد: (أن ابن عمر: كان يلبي راكباً ونازلاً ومضطجعاً) .
وفي ابن أبي شيبة أن السلف كانوا يستحبون التلبية في أربعة مواضع: (دبر الصلاة وإذا هبطوا وادياً أو علوه وإذا التقوا بالرفاق)
ويدل على هذا ما تقدم أن النبي صلى الله عليه وسلم: لبى عند المسجد ولما استوت به راحلته على البيداء لبى.
المسألة الثالثة: حكم التلبية؟
فيها ثلاثة أقوال:
الأول: وهو مذهب الحنابلة والشافعية: أنها سنة، فعلها النبي صلى الله عليه وسلم وأمر بها أصحابه.
الثاني: وهو مذهب بعض المالكية وبعض الشافعية: أنها واجبة فعلى من تركها دم.
واستدلوا: بأن النبي صلى الله عليه وسلم قد فعلها وأمر بها وقال: (لتأخذوا عنى مناسككم) 1 .
الثالث: أنها ركن من أركان الحج لا يصح الإحرام إلا بها، وقد تقدم البحث في هذا القول في مسألة سابقة وترجيح أن التلبية ليست بركن من أركان الحج.
والذي يظهر لي من هذه الأقوال: القول الثاني: وأن التلبية واجبة بدليل: ما ثبت عن الخمسة عن خلاد بن السائب عن أبيه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (أتاني جبريل فأمرني أن آمر أصحابي أن يرفعوا أصواتهم بالإهلال) 2 فهذا أمر، والأصل في الأمر الوجوب.
فعلى ذلك: الواجب عليه أن يلبي ولو مرة فإن ترك التلبية فعليه دم، كما هو مذهب بعض الشافعية وبعض المالكية.
قال: (يصوت بها الرجل)
مستحب للرجل أن يرفع صوته بها وأن يجهر، بل يستحب له أن يبالغ ففي البخاري: أن أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم: (كانوا يصرخون بها صراخاً) 3 من حديث أنس.
وفي ابن أبي شيبة بإسناد صحيح: (أن أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم كانوا يرفعون أصواتهم بالتلبية حتى تبح أصواتهم) [الفتح: 3/477]
فيستحب رفع الصوت بالتلبية والمبالغة في ذلك.
قال: (وتخفيها المرأة)
لأن ذلك مظنة الفتنة، ولذا أجمع العلماء على أن المرأة لا يشرع لها أن ترفع صوتها بالتلبية كما حكى الإجماع ابن عبد البر وابن المنذر وغيرهما، فقد أجمعوا على أن المرأة لا يستحب لها أن ترفع صوتها بالتلبية.
لكن يستثنى من ذلك: إن كانت في موضع لا يخرج منه صوتها إلى أجنبي؛ فإن النساء شقائق الرجال في الأحكام الشرعية وإنما استثنيت هنا؛ لأن رفعها لصوتها مظنة الفتنة أما إذا كان الموضع ليس فيه إلا رفيقاتها ومحارمها فإنه يستحب لها ما يستحب للرجال فإن النساء شقائق الرجال.
أما إذا كان مظنة أن يخرج الصوت لأجنبي فإنه لا يشرع لها، وهذا بإجماع أهل العلم.
والحمد لله رب العالمين.
باب: محظورات الإحرام
محظورات الإحرام: أي ممنوعاته، أي المحرمات بسبب الإحرام.
قال: (وهي تسعة حلق الشعر)
وهنا ذكر المؤلف الحلق، ولا خلاف بين العلماء في أن إزالته بغير الحلق كالتقصير أو إذهابه بالنُورة أو نحو ذلك أنه له حكم الحلق.
وهنا عمم الشعر كله فقال: " حلق الشعر " فيدخل شعر الرأس وشعر الإبطين والشعر الذي يكون في الوجه وفي سائر الجسد.
والله عز وجل نص في كتابه الكريم على حلق الرأس فقال تعالى: ﴿ولا تحلقوا رؤوسكم حتى يبلغ الهدي محله 1 ﴾ وقاس جمهور العلماء – على حلق الرأس – إزالة غير شعر الرأس مما يكون على البدن كشعر الإبطين وغيره.
واستدل جمهور العلماء على هذه المسألة – أي إدخال غير شعر الرأس – في حكم شعر الرأس.
استدلوا:
أولاً: بحكاية الإجماع على ذلك – فقد حكاه الموفق في المغني – وأن الشعر كله أو سائره له حكم شعر الرأس.
وثانياً: بالقياس على حلق الرأس بجامع الترفيه، فإن حلق الرأس علة المنع فيه – عندهم – الترفه، فيقاس على ذلك إزالة بقية البدن بجامع الترفه، هذا هو مذهب جماهير العلماء.
- وذهب الظاهرية إلى القول بأن شعر البدن لا يلحق بشعر الرأس.
وهم لا يقولون بالقياس، وإن القياس الذي ذكره جمهور العلماء فيه نظر فإنا لا نسلم أن العلة من النهي عن حلق الرأس هي الترفه فإن الترفه قد يكون بإبقاء الشعر لا سيما لمن اعتاد ذلك.
ثم إن المحرم يجوز له كثير من الترفه كالاغتسال ونحوه.
والأظهر أن العلة هي تعلق النسك بشعر الرأس، فإن الحلق أو التقصير نسك من أنساك الحج والعمرة فهو واجب من واجبات الحج فنهى الشارع أن يؤخذ منه شيء بحلق أو تقصير حتى يوفر لينسك به الحاج في أوانه، فهذه هي العلة الظاهرة.
وأما ما ذكروه من الإجماع فإن كان صحيحاً فلا كلام في هذه المسألة وإلا فإن حكاية الإجماع فيها عسر، وكما قال الإمام أحمد: من ادعى الإجماع فقد كذب، لا سيما في هذه المسائل التي ليس فيها نصوص ظاهرة فهي من الإجماعات الظنية.
وفي رواية عن الإمام مالك: أنه لا فدية في حلق شعر البدن سوى شعر الرأس وأوجبها في حلق الرأس، والمشهور من مذهبه وجوب الفدية.
ومذهب الظاهرية أقرب إلى النظر إلا أن يصح الإجماع المتقدم، وقد تقدم التنبيه على أن كثيراً من الإجماعات التي يحكيها كثير من الفقهاء فيها نظر.
ولا يصح فيما يذكره كثير منهم إلا ما كانت عليه نصوص ظاهرة من الشريعة.
ومن المستبعد أن يجمع أهل العلم على مسألة كهذه ونجد الخلاف في مسائل فيها نصوص شرعية، فنرى الخلاف فيها منتشر ومثل هذه المسألة أولى ألا يثبت فيها الإجماع والله أعلم.
قال: (وتقليم الأظافر) هذه كالمسألة السابقة فجماهير العلماء حكوا الإجماع في هذه المسألة كما حكاه ابن المنذر والموفق وأن تقليم الأظافر من محظورات الإحرام.
واستدلوا: بالقياس على الشعر: كما أن المحرم ينهى عن حلق الشعر وتقصيره والعلة من ذلك الترفه فإنه ينهى عن تقليم الأظافر للترفه، فالجامع بين المسألتين هو الترفه.
وقد تقدم النظر في هذا التعليل وأن الأصح في العلة التي من أجلها الشارع نهى عن حلق الرأس إنما هو النسك وليس الترفه وحكاية الإجماع فيها ما فيها كما تقدم.
وعن عطاء بن أبي رباح أنه لا فدية في تقليم الأظافر – مع أنه قال أنه محظور من محظورات الإحرام – ففرق بينه وبين حلق الرأس.
الحاصل من هذا: أن جماهير أهل العلم على أن تقليم الأظافر من محظورات الإحرام.
قال: (فمن حلق أو قلم ثلاثة فعليه دم)
هذا هو الحلق أو التقصير أو الإزالة أو التقليم الذي تثبت به الفدية.
وقول المؤلف هنا: " فعليه دم " موهم، والعبارة الصحيحة أن يقال: " فعليه فدية " فليس مراده الدم حتماً، وإنما مقصوده الفدية من دم أو إطعام أو صيام – كما سيأتي تقريره.
فمن حلق ثلاثة شعرات أو قصرها من رأسه أو شيء من بدنه من موضع واحد أو من مواضع مختلفة أو قلم ثلاثة أظفار من يديه أو رجليه أو بعضها من يديه وبعضها من رجليه فإن عليه الفدية.
قالوا: لأن الثلاثة هي أقل الجمع.
1- فأقل الجمع الذي يصدق عليه أنه شعر ثلاثة، هذا مذهب الحنابلة والشافعية.
2- وقال المالكية: إذا حلق ما يزول به الأذى ويحصل به الترفه فعليه الفدية، أو قلم ما يزول به الأذى ويحصل به الترفه فعليه الفدية.
3- وقال الظاهرية: إن فعل ما يصدق عليه أنه حلق فإن عليه الفدية فما صدق عليه أنه حلق، أو ما صدق عليه أنه تقليم، وهم لم يبحثوا في مسألة التقليم لكن هذا من باب قياس مذهبهم وإلا فإنهم لايقولون بالفدية أصلاً في تقليم الأظافر.
قالوا: إذا حلق من رأسه ما يثبت به أنه حلق بحيث أنه إذا فعله وجب عليه أن يحلق الجميع فإن النبي صلى الله عليه وسلم نهى عن القزع وهو أن يحلق بعض رأس الصبي ويترك بعضه فقال: (احلقوه كله أو اتركوه كله) 1
وهذا هو أظهر المذاهب، فهو ظاهر في الحلق لكنه في التقليم مشكل.
قال فقهاء الحنابلة والشافعية: فإن أخذ شعرة واحدة فعليه فدية طعام مسكين، وإن أخذ شعرتين فعليه فدية مسكينين.
قالوا: لأن ما ثبت الضمان بجملته فليثبت الضمان في أبعاضه، فإذا ثبت في الثلاثة فدية فيجب أن يثبت في الأبعاض، ومثل ذلك الأظافر.
وعن الإمام مالك رواية: إلى أنه لا يثبت الإطعام ولا غيره فيما دون التحديد، وهو عنده ما يزول به الأذى، فلا فدية عليه لأن النص إنما ورد في حلق الرأس وهذا – أي أخذ شعرة أو شعرتين ليس بحلق، ولا دليل على ما ذهب إليه الحنابلة والشافعية.
ولو قلنا بتقليم الأظافر فالذي يظهر لي أن يقال: ما يصدق عليه أنه تقليم، ولا يقال إنه يصدق عليه أنه تقليم في الأظفر والأظفرين ونحو ذلك، بل لا يقال ذلك إلا إذا أخذ الشيء الكثير من أظفاره فإذا أخذ الشيء الكثير من أظفاره صدق عليه أنه مقلم عرفاً.
وعلى القول بما ذهب إليه الظاهرية لا يشكل على هذا الكلام في مسألة الأظافر فإنا لا نحتاج إلى ذلك، وهذا قد يكون مما يبين صحة هذا القول، إذ الشريعة مع الحاجة إلى مثل هذه المسائل لم تبين شيئاً من مثل هذه الفروع مع حاجة الناس إليها.
وقد استدل الفقهاء بقياس، استدلوا به على النهي عن حلق بقية شعر البدن وتقليم الأظافر، وهذا ما ورد عن النبي صلى الله عليه وسلم في نهي المضحي أن يأخذ شيئاً من شعره أو بشرته.
قالوا: فيقاس على ذلك المحرم في الحج.
وهذا قياس مع الفارق أيضاً، فإن المضحي لا ينهى عن الطيب ولا ينهى عن كثير مما ينهى عنه المحرم في النسك، والعكس أيضاً فإن المحرم في النسك لا ينهى أن يأخذ شيئاً من بشرته بجرح أو نحو ذلك وينهى عن ذلك المضحي، فيثبت بينهما بالأدلة الشرعية فوارق وحيث ثبت ذلك فلا يصح القياس.
قال: (ومن غطى رأسه بملاصق فدى)
من غطى رأسه بشيء ملاصق كالعمامة أو الطاقية أو وضع على رأسه خباء فيستر رأسه أو نحو ذلك مما يغطي الرأس فإنه يفدي وقد فعل محظوراً من محظورات الإحرام.
وتغطية الرأس في الجملة من محظورات الإحرام بإجماع العلماء، وقد دل على ذلك ما ثبت في الصحيحين عن ابن عمر أن النبي صلى الله عليه وسلم: سئل ما يلبس المحرم من الثياب فقال: (لا يلبس القمص ولا العمائم ولا السراويلات ولا البرانس ولا الخفاف إلا أحد لا يجد النعلين فيلبس الخفين وليقطعهما أسفل من الكعبين، ولا يلبس شيئاً من الثياب مسه ورس أو زعفران) 1 والشاهد قوله: " ولا العمائم ولا البرانس ".
وثبت في الصحيحين أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: في الذي وقصته راحلته فمات: (اغسلوه بماء وسدر وكفنوه في ثوبيه ولا تحنطوه ولا تخمروا رأسه فإنه يبعث يوم القيامة ملبياً) 2
فهذه الأدلة تدل على أنه لا يجوز للمحرم أن يغطي رأسه سواء كان هذا المغطى لباساً معتاداً كالعمائم ونحوها أو كان غير معتاد كأن يضع على رأسه خماراً أو شيئاً من ذلك.
فإن حمل على رأسه شيئاً فما الحكم؟
قولان لأهل العلم:
مذهب الحنابلة والمالكية: أنه لا حرج في ذلك؛ لأنه لا يقصد به من ذلك الستر، فإن هذا الفعل لا يقصد منه في الأصل ستر الرأس وإنما يقصد منه حمل هذا الشيء.
مذهب الشافعية: أنه لا يجوز له هذا وأن عليه الفدية لأنه سترٌ وتغطية.
والأصح هو الأول، لأن المقصود منه اللباس، ما يقصد به ستر الرأس وتغطيته وأما هنا فلا يقصد منه ذلك.
فإن كان في محمل كأن يكون في هودج أو سيارة أو نحو ذلك أو كمن يحمل الشمسية فما الحكم في ذلك؟
المشهور في المذهب أنه لا يجوز له ذلك وعليه الفدية؛ قالوا: لأنه بحكم تغطية الرأس.
2- وذهب الشافعية إلى أن ذلك لا بأس به، واستدلوا بما ثبت في مسلم عن أم الحصين أنها حجت مع رسول الله صلى الله عليه وسلم حجة الوداع قالت: (فرأيت أسامة بن زيد وبلالاً أحدهما آخذ بخطام ناقة النبي صلى الله عليه وسلم والآخر رافع ثوبه فوق رأسه يستره من الحر حتى رمى الجمرة) رواه مسلم [صحيح مسلم بشرح النووي: المجلد الثالث: 9 / 45، 46]
ثم إن هذا – بدليل هذا الحديث – ليس في حكم التغطية الملاصقة للرأس، فليس في حكم التغطية التي هي من جنس الملبوسات ألا ترى أن الشارع نهى المحرم أن يغطي بدنه بالقمص والسراويل ونحوهما وأمره أن يغطيها بالأُزر والأردية ونحو ذلك فهذا من جنس ذلك.
فإنه ليس النهي عن مجرد التغطية، بل النهي عن التغطية الملاصقة التي هي بحكم الملبوسات.
وقد أجمع أهل العلم على أن من دخل قبة أو داراً فإن ذلك جائز ولا فدية عليه.
ودليل ذلك: ما رواه مسلم من حديث جابر وهو حديث طويل وفيه: أن النبي صلى الله عليه وسلم: (ضربت له قبة بنمرة) 1 .
مسألة:
هل يجوز للمحرم أن يغطي وجهه أم لا؟
روايتان عن الإمام أحمد:
الرواية الأولى: وهي المشهورة عند الحنابلة: أنه يجوز له أن يغطي وجهه لعدم الدليل الوارد في النهي عن ذلك.
قالوا: وأما الحديث الذي رواه مسلم وفيه: (ولا تغطوا وجهه) 2 - في حديث الذي وقصته راحلته فمات – فإن الحديث لا يصح إذ هو ليس في الرواية المتفق عليها.
الرواية الثانية: وهو مذهب الأحناف والمالكية: أنه لا يجوز له أن يغطي وجهه وهو من محظورات الإحرام، إلا أن الإمام مالكاً لا يرى فيه الفدية.
واستدلوا: برواية: (ولا تغطوا وجهه) وهي ثابتة في صحيح مسلم في حديث الذي وقصته راحلته فمات وهي رواية ثابتة في مسلم ولا مطعن فيها.
ثم إن القياس يدل عليها فإن أهل العلم نهوا المرأة عن تغطية وجهها إلا إن كان ثمت أجانب، ولا يجوز لها أن تغطي وجهها في خيمتها حيث لا يراها أجنبي، وإحرامها في وجهها – كما سيأتي بيانه – ولا فرق بين الرجل والمرأة في مثل هذه المسألة بل الرجل أولى فإن المرأة في الأصل واجب عليها أن تغطي وجهها عند الأجانب بخلاف الرجل فإنه لا يغطي وجهه مطلقاً فكان أولى بهذه المسألة.
فالقياس يدل على ذلك، فإذا كانت المرأة منهية عن تغطية وجهها فالرجل أولى من ذلك.
فالصحيح ما ذهب إليه الإمام أحمد في رواية عنه وهو مذهب الأحناف والمالكية أنه لا يجوز للمحرم أن يغطي وجهه.
قال: (وإن لبس ذكر مخيطاً فدى)
المخيط هو الثوب المفصل على البدن أو على شيء منه.
والواجب على المحرم أن يلبس إزاراً ورداءً، فنهى عن القمص والسراويلات ونحوها من الثياب المفصلة على البدن، ومثل ذلك الخفاف والجوارب.
فإن لبس إزاراً ووضع فيه إبراً أو خيطاً أو شوكاً ونحو ذلك فأصبح على هيئة الملبوس – فإنه كما ذكر ذلك صاحب المغني وغيره – يكون قد فعل محظوراً من محظورات الإحرام لأنه حينئذٍ يكون في حكم المخيط، والنظر يقتضيه لأنه أصبح في حكم المخيط.
مسألة:
إن لم يجد نعلين فلبس خفين فهل يجب عليه أن يقطعهما حتى يكونا أسفل من الكعبين؟
قولان لأهل العلم:
القول الأول، وهو مذهب الجمهور: أنه يجب عليه أن يقطعهما حتى يكونا أسفل من الكعبين.
واستدلوا: بحديث ابن عمر المتقدم وفيه: (فليقطعهما حتى يكونا أسفل من الكعبين) 1
القول الثاني: وهو مذهب الحنابلة واختيار شيخ الإسلام وتلميذه ابن القيم قالوا: لا يجب عليه ذلك بل يلبس الخفين ولا شيء عليه.
واستدلوا:
بما ثبت في الصحيحين عن ابن عباس: أنه سمع النبي صلى الله عليه وسلم وهو يخطب بعرفات فقال: (من لم يجد إزاراً فليلبس سراويل ومن لم يجد نعلين فليلبس الخفين) 1
قالوا: وأطلق النبي صلى الله عليه وسلم هنا فلم يأمر بقطع الخفين حتى يكونا أسفل من الكعبين.
قال جمهور العلماء: هذا حديث مطلق وحديثنا حديث مقيد فيقيد المطلق بالمقيد.
فأجاب الحنابلة وقالوا: حديثنا الذي استدللنا به قد قاله النبي صلى الله عليه وسلم بعرفات ومعه المدنيون والمكيون وسائر الناس ممن حج من جهات كثيرة من العرب، وأما حديث ابن عمر الذي استدللتم به فإنما قاله النبي صلى الله عليه وسلم في المدينة، وفي مسند أحمد بإسناد جيد عن ابن عمر قال: (سمعت النبي صلى الله عليه وسلم يقول على المنبر أي منبره في المدينة)
فالنبي صلى الله عليه وسلم حدث بحديث ابن عباس على مشهد الناس عامة وحدث بحديث ابن عمر على مشهد الناس خاصة، ولو كان واجباً قطع الخفين إلى أسفل الكعبين لبينه النبي صلى الله عليه وسلم في المشهد العام، فدل ذلك على أنه منسوخ؛ لأن تأخير البيان عن وقت الحاجة لا يجوز فيمتنع على النبي صلى الله عليه وسلم أن يحدث الناس بقيد في مجتمع خاص ثم يحدث بغير قيد في مجتمع الناس العام.
وقد يقال: أنه إذا قطعهما حتى يكونا أسفل من الكعبين فإنهما يكونان بحكم النعلين بل هما نعلان – وحينئذٍ – يكون قول النبي صلى الله عليه وسلم من باب العزيمة، أما حديث ابن عباس فيكون من باب الرخصة.
فالصحيح ما ذهب إليه الحنابلة واختاره شيخ الإسلام وتلميذه ابن القيم أنه لا يجب عليه أن يقطعهما حتى يكونا أسفل من الكعبين.
مسألة:
حكم الهِمْيان والمِنطَقة؟
الهميان: هو ما يوضع فيه النقود مما يكون على الحقو.
المنطقة: هو ما يوضع على الإزار فيشد به على الحقو.
اختلف العلماء في حكمهما:
قولان لأهل العلم – هما قولان في مذهب أحمد:
الأول: أنه لا يجوز ذلك إلا أن يحتاج إليهما في النفقة.
الثاني: وهو مذهب الجمهور: أنه يجوز مطلقاً سواء احتاج إليه في النفقة أم لا.
وهذا القول أظهر؛ فإن المنطقة، والهميان كانت مشهورة في زمن النبي صلى الله عليه وسلم ولم يبين النبي صلى الله عليه وسلم فيها حكما، وتأخير البيان عن وقت الحاجة لا يجوز.
ثم إن الهميان والمنطقة شبيهة بالنعلين ونحوهما من الألبسة فليست مما يفصل على العضو تاماً.
ولا شك أنه إذا أمكنه أن يتخلى عنهما وأمكنه أن يشد إزاره بغير ذلك فإن هذا أولى وأحوط.
وعلى قول الحنابلة: لو لبسهما لغير حاجة فقد فعل محظوراً وعليه الفدية، والصحيح مذهب الجمهور.
مسألة:
هل يجوز للمحرم أن يلبس الساعة ومثل ذلك الخاتم؟
الذي يظهر لي أنه لا بأس بذلك، وأن هذه من الأمور المشهورة وهي ليست من الألبسة التي تعم البدن أو عضواً منه كالألبسة التي ذكرها النبي صلى الله عليه وسلم في الحديث، وتأخير البيان عن وقت الحاجة لا يجوز.
فالأظهر الجواز وهي شبيهة بحكم المنطقة.
والحمد لله رب العالمين
قال المؤلف رحمه الله تعالى: (وإن طيب بدنه أو ثوبه)
هذا محظور من محظورات الإحرام: الطيب.
فمن طيب بدنه أو ثوبه فدى وهذا بالإجماع لأنه قد فعل محظوراً من محظورات الإحرام.
والدليل على أن الطيب من محظورات الإحرام، ما تقدم من حديث من وقصته راحلته فمات أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (ولا تحنطوه) والحنوط أخلاط من الطيب، وفي رواية للبخاري: (ولا تقربوه طيباً) 1
قال: (أو أدهن بمطيب)
إذا ادهن أو استعط أو اكتحل بشيء من الأدهان المطيبة كدهن ورد ونحو ذلك فإن عليه الفدية، لأنه قد قرب طيباً فإن هذا الدهن مطيب وحيث ادهن به فإنه يكون حينئذٍ قد مس طيباً، أما إذا ادهن بدهن ليس من الأدهان المطيبة فلا حرج في ذلك إجماعاً.
قال: (أو شم طيباً)
كذلك إذا شم الطيب قصداً فإن عليه الفدية؛ وذلك لأن المقصود من الطيب رائحته، وهذا يحصل بالشم فإذا شمه قاصداً فإنه يكون قد فعل هذا المحظور.
فالمقصود من الطيب هو رائحته بدليل أنه لو مسه بيده وكان يابساً لا ينتقل إلى اليد بالمس كما لو مس قطع كافور أو نحو ذلك فإنه بالاتفاق ليس بفاعل لمحظور لأن اليد لم يعلق فيها شيء من الطيب فلا يؤثر هذا المس.
وهنا: إن أكل أو شرب طعاماً فيه شيء من الأطياب كالزعفران أو نحوه؟
قولان لأهل العلم:
القول الأول: وهو المشهور في مذهب الحنابلة وهو مذهب الشافعية قالوا: أنه يكون قد فعل محظوراً.
قالوا: لأن المقصود هو الرائحة فإذا أكله أو شربه فظهرت الرائحة من فيه فإنه حينئذٍ يكون قد حصل المقصود من الطيب بخلاف ما لو ذهبت الرائحة بالطبخ فإنه لا حرج في ذلك إذ الحكم يدور مع علته وجوداً وعدماً.
القول الثاني: وهو مذهب الأحناف والمالكية: أنه ليس بمحظور سواء وجدت الرائحة أم لم توجد لأنه استحال بالطبخ عن كونه طيباً إلى كونه مطعوماً.
والقول الأول أظهر؛ لأن العلة فيه أصح والحكم يدور مع علته وجوداً وعدماً.
فسواء وضع الطيب على بدنه أو ثوبه أو أكل طعاماً فيه نوع من الأطياب فظهرت هذه الرائحة من فيه ولم يذهبها الطبخ بل بقيت ظاهرة في فيه فالأصح – حينئذٍ - أنه يكون قد فعل محظوراً لأن الحكم يدور مع علته وجوداً وعدماً، والمقصود من التطيب هو الرائحة وقد ظهرت الرائحة من فيه.
مسألة:
وهنا: إن كان الطعام الذي قد أكله فيه رائحة طيبة ليست برائحة الأطياب، لكن هذا الطعام ليس طِيباً في الأصل بل فيه هذه الرائحة الطيبة فباتفاق أهل العلم أنه ليس بفاعل محظوراً من محظورات الإحرام وأنه لا بأس بذلك كأن يأكل فاكهة أو نحو ذلك.
وليس معنى ذلك أنه لو استخرج من بعض الأطعمة طِيباً واتخذه الناس طِيباً أنه ليس طِيباً يقع - المكلف بقربه - في المحظور.
بل متى اتخذ الناس شيئاً من الأطياب ولو كان من بعض الأطعمة كما يوجد الآن في الأطياب التي تكون من فاكهة أو نحوها فإن هذا طيب لأن الناس قد اتخذوه طيباً.
لكن الرائحة الموجودة في بعض الأطعمة هذه لا حرج فيها ولا يكون قد فعل محظوراً، أما لو وضع الطيب في طعام وهو مما يتخذه الناس طيباً فلم يذهب بالطبخ بل بقيت رائحته ظاهرة فإنه حينئذٍ يكون قد فعل المحظور بقربه الطيب.
قال: (أو يتبخر بعود أو نحوه)
هنا كذلك لأن هذا تطيب والمقصود من التطيب الرائحة ولا شك أن البخور يبقي رائحة في الثياب وفي البدن.
قال: (وإن قتل صيداً مأكولاً برياً أصلاً ولو تولد منه أو من غيره أو تلف في يده فعليه جزاؤه)
المحظور السادس من محظورات الإحرام وهو قتل الصيد البري.
والأصل في تحريم الصيد على المحرم قوله تعالى: ﴿لا تقتلوا الصيد وأنتم حرم ومن قتله منكم متعمداً فجزاء مثل ما قتل من النعم﴾ 1 وقال تعالى: ﴿أُحل لكم صيد البر وطعامه متاعاً لكم وللسيارة وحرم عليكم صيد البر ما دمتم حرماً﴾ 2