فقد ثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه أمر بأذان بلال وأُذن له به، وثبت أنه أمر بأذان أبي محذورة وأذن له به وكان هو أذان أهل مكة، وأذان بلال هو أذان أهل المدينة.
فعلى ذلك: السنة أن يفعل هذا تارة وهذا تارة ما لم يكن في ذلك فتنة، لذا الإمام أحمد نص على أنه لا بأس بأذان أبي محذورة لثبوت ذلك 1 .
قال: (يرتلها)
يترسل بها ترسلاً ويتمهل في الأذان لأن المقصود منه إعلام الغائبين فكان المستحب فيه الترسل.
وقد روى الترمذي أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: لبلال: (إذا أذنت فترسل وإذا أقمت فاحدر) 2 أي أسرع وتعجل، والحديث إسناده ضعيف لكن العمل عليه كما قال ذلك الترمذي 3 ، وكذلك المعنى يدل عليه فإن المقصود من الأذان إعلام الغائبين فكان المشروع فيه الترسل والتمهل.
وأما الإقامة فإنها إعلام لمن حضر في المسجد بإقامة الصلاة فكان المشروع فيها الحدر والإسراع.
قال: (على علو) على منارة ونحوها، لأن ذلك أبلغ في الإعلام.
ويدل عليه ما رواه أبو داود مبوباً عليه بقوله " باب الأذان على المنارة " ثم روى أن بلالاً كان يؤذن على أرفع بيت حول المسجد 1 .
وروى ابن أبي شيبة بإسناد صحيح عن عبد الله بن شقيق هو تابعي قال: من السنة أن يؤذن على المنارة، وأن يقيم في المسجد) (2) والإسناد صحيح إلى عبد الله – والتابعي إذا قال " من السنة " فهو مرفوع.
وأما مع ظهور رافعات الصوت فإن استعمالها كاف عن ذلك فإن الحكم يدور مع علته وجوداً وعدماً.
- ويستحب للمؤذن أن يؤذن قائماً إجماعاً وهو كذلك أرفع لصوته وأبلغ في الإعلام، فإن أذن جالساً فأذانه صحيح بالإجماع 2 .
قال: (متطهراً)
يستحب أن يؤذن متطهراً وفي الترمذي أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (لا يؤذن إلا متوضئ) 3 لكن الحديث إسناده ضعيف.
وروى موقوفاً إلى أبي هريرة وإسناد ضعيف أيضاً فلا يصح موقوفاً ولا مرفوعاً.
لكن يستدل له بما روى أبو داود بإسناد صحيح أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (إني كرهت أن أذكر الله على غير طهر) 1 فإن أذن بغير وضوء فأذانه صحيح باتفاق العلماء.
قال: (مستقبل القبلة) إجماعاً – وهذا ما عليه العمل عند أهل العلم – فإن أذن لغير القبلة فصحيح، لكن المستحب أن يؤذن إلى القبلة، وقد أجمع أهل العلم على القول به.
قال: (جاعلاً إصبعيه في أذنيه)
لما ثبت في حديث بلال وفيه: (وجعل إصبعيه في أذنيه) 1 والحديث ليس فيه ذكر الإصبع أهي السبابة أم غيرها، ولكن قد جزم غير واحد من أهل العلم كالنووي وغيره أن المستحب أن تكون السبابة.
وهذا حسن، ولكن الحديث لم يعين ذلك، والأحرى أن تكون هي السبابة فهي أنسب من غيرها في ذلك.
قال: (غير مستدير)
أي لا يستدير ببدنه، وفي أبي داود من حديث بلال وفيه: (ولم يستدر) 1 فلا يشرع له أن يستدير بل ينبغي له أن يبقي بدنه على استقبال القبلة، ولا تشرع له الاستدارة لما فيها من التحول عن القبلة.
قال: (ملتفتاً في الحيعلتين يميناً وشمالاً) وظاهر المذهب أنه يقول " حي على الصلاة، حي على الصلاة " عن اليمين، ثم " حي على الفلاح، حي على الفلاح " عن الشمال – هذا هو المصرح به في المذهب.
- وذهب بعض أهل العلم: إلى أن المستحب أن يقول " حي على الصلاة " عن اليمين، ثم " حي على الفلاح " عن الشمال، ثم " حي على الصلاة " عن اليمين،ثم " حي على الفلاح " عن الشمال.
وهو أولى، وممن اختار هذا القول ابن دقيق العيد في شرحه للعمدة 1 . وهذا أولى، لأن كلاً من الجهتين تأخذ نصيبها من هاتين الجملتين، فتنال جهة اليمين التي يصل الصوت منها إلى أهل اليمين تصل إليهم " حي على الصلاة " وكذلك " حي على الفلاح " وكذلك من كان عن شماله.
ومعلوم أنه ربما لا يسمع أهل الجهة اليسرى مثلاً ما يؤديه المؤذن إلى الجهة اليمنى مع البعد.
والمناسب أن تصل كل جملة من الجملتين إلى أهل كل جهة فكان الأنسب ما اختاره ابن دقيق العيد.
ودليل ذلك: ما ثبت في أبي داود أن بلالاً كان يلوي عنقه ويقول: (حي على الصلاة حي على الفلاح يميناً وشمالاً) 2 .
وهذا الحديث ظاهره ما ذهب إليه ابن دقيق فإنه جمع للجملتين كليهما جهة اليمين وجهة الشمال، فقال: " حي على الصلاة حي على الفلاح يميناً وشمالاً "، وظاهره أن كل جملة ثبت لها جهة اليمين وجهة الشمال.
قال: (قائلاً بعدها في صلاة الصبح الصلاة خير من النوم مرتين) 1
وهل هو في الأذان الأول أم في الثاني؟
ظاهر إطلاقات الفقهاء – كما قال ذلك الشيخ على بن محمد بن عبد الوهاب وغيره – أنه يقول ذلك بالأذانين كليهما.
ودليل ذلك: ما ثبت في ابن خزيمة بإسناد صحيح عن أنس بن مالك قال: (من السنة أن يقول المؤذن في أذان الفجر بعد حي على الصلاة حي على الفلاح: الصلاة خير من النوم الصلاة خير من النوم) (2) وهنا قال " في أذان الفجر " والأول والثاني كلاهما أذان للفجر.
وقد ثبت أن هذا من أذان بلال وأنه كان يقولها في أذانه كما ورد هذا عن بلال من طرق ترتقي إلى درجة الحسن في مسند أحمد وغيره 1 ، وبلال كان يؤذن تارة أذان الفجر الأول، وتارة أذانه الثاني، وكان يقول في أذانه " الصلاة خير من النوم ".
فإن قيل: فما الجواب: عما ورد في النسائي من حديث أبي محذورة قال: (كنت أؤذن للنبي صلى الله عليه وسلم بمكة فكنت أقول في أذان الفجر الأول: " الصلاة خير من النوم، الصلاة خير من النوم ") 1
فالجواب: أن في هذا الحديث راو مجهول وهو أبو سليمان 1 وهو مجهول الحال – فعلى ذلك الحديث يتوقف في قبوله لوجود هذه الجهالة – وما كان كذلك فهو في حكم المردود.
وأما ما ثبت في البيهقي بإسناد جيد عن ابن عمر أنه قال: (كان يقال: في الأذان الأول بعد: حي على الصلاة حي على الفلاح الصلاة خير من النوم) 2
فالجواب على ذلك: أن ذلك ليس بظاهر في أنه أذان الفجر الأول، بل قال: " في الأذان الأول " وأذان الفجر هو الأذان الأول، بدليل أن العصر هي الصلاة الوسطى، وهذا أمر ظاهر فإن الفجر أول النهار فكان هو الأذان الأول.
ومع ذلك فإنه لو كان من اكتفاء به في أحد الأذانين كما يفعله الناس اليوم من كونهم يكتفون بهذا في أذان الفجر الثاني – فلو كان من اكتفاء لكان الأولى به هو أذان الفجر الأول الذي إنما شرع لإيقاظ النائم كما ورد هذا في الحديث المتفق عليه – في أذان بلال قال: (ليوقظ نائمكم) 1 فشرع لإيقاظ النائم أي " أذان الفجر الأول " فكان أحق أن يقال فيه هذه اللفظة، بخلاف أذان الفجر الثاني لأنه يؤذن وقد استيقظ الناس فهم يستعدون لصلاة الفجر.
وما يفعله الناس من الفارق البعيد بين الأذان الأول والأذان الثاني من الفجر خلاف السنة وسيأتي الدليل عليه في باب المواقيت إن شاء الله.
إذن: المستحب أن يقولها في الأذانين كليهما، ولو كان من اكتفاء بها في أحد الأذانين، فالمستحب أن يكون هو الأول لما فيه من المعنى المتقدم وهو إيقاظ النائم ليستعد للصلاة وليتسحر إن أراد الصيام.
وما ذكرته هو ما قرره الشيخ علي بن محمد بن عبد الوهاب في مسألة له في مجموعة المسائل النجدية (2) .
قال: (وهي - أي الإقامة - إحدى عشر جملة)
كما هي إقامة بلال الثابتة – كما تقدم – في الصحاح والسنن والمسانيد (3) .
وأما إقامة أبي محذورة فإنها سبع عشرة جملة، وهي ثابتة في المسند وسنن أبي داود والنسائي (4) وغيرهم بإسناد صحيح.
قال: (يحدرها)
أي يسرع بها ويتعجل، فلا يتريث كالأذان بل يحدرها، ودليل ذلك الحديث المتقدم وقد تقدم تضعيفه 2 لكن العمل عليه.
قال: (ويقيم من أذن)
لقوله صلى الله عليه وسلم: (من أذن فهو يقيم) 1 رواه الترمذي لكن الحديث إسناده ضعيف، وعليه عمل أكثر أهل العلم – كما قال الترمذي 2 – فعليه العمل في زمن النبي صلى الله عليه وسلم فما بعده، فإن بلالاً هو الذي كان يؤذن وهو الذي كان يقيم، وإذا أذن ابن أم مكتوم فهو الذي كان يقيم وهكذا.
قال: (في مكانه إن سهل)
يعني: إن سهل عليه فيقيم في مكانه أي على المنارة.
لكن هذا ضعيف لا دليل عليه.
- لذا ذهب بعض فقهاء الحنابلة: إلى أن المستحب أن يقيم في المسجد.
وقد تقدم أثر عبد الله بن شقيق وهو قوله: " من السنة أن يؤذن في المنارة ويقيم في المسجد" (3) وهذا كذلك الذي عليه العمل سلفاً وخلفاً.
فالمستحب أن تكون الإقامة في المسجد، والمعنى يدل على ذلك فإن الإقامة شرعت لإعلام الحاضرين بخلاف الأذان فهو لإعلام الغائبين.
والأذان لإعلام من هو خارج المسجد ليحضر إليه أما الإقامة فهي هنا لإعلام من حضر في المسجد فناسب أن تكون فيه لا سيما وأنه قد يكون الأمر على خلاف هذا المعنى تماماً – فقد لا يسمع من في المسجد الإقامة إن كانت على المنارة وهذا يخالف المقصود تماماً.
فالراجح: ما ذهب إليه بعض فقهاء الحنابلة من أن المستحب أن تكون الإقامة في المسجد؛ لأنها لإعلام الحاضرين وهم في المسجد فناسب أن تكون فيه، بخلاف الأذان فإنه لإعلام الغائبين فناسب أن يكون على المنارة.
- واعلم أن الإمام أملك بالإقامة كما أن المؤذن أملك بالأذان، فالمؤذن أملك بالأذان وهو إليه، وأما الإقامة فلا يشرع له أن يقيم إلا بإذن الإمام فإن فعل ذلك فقد أخطأ السنة، واستدلوا على ذلك: بما رواه ابن عدي أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (المؤذن أملك بالأذان والإمام أملك بالإقامة) 1 لكن الحديث إسناده ضعيف ولكنه ثابت عن علي رضي الله عنه – كما في البيهقي 2 بإسناد جيد.
وهو الذي يدل عليه النظر الصحيح فإن الصلاة التي تقام من شؤون الإمام فيما يختاره من الوقت الأنسب لها فيما يوافق السنة وبما فيه الرفق بالمأمومين، فكان ذلك إلى الإمام بخلاف الأذان فإنه راجع إلى تحرى الوقت فكان راجعاً إلى المؤذن.
والحمد لله رب العالمين الدرس الرابع والخمسون (يوم الاثنين: 17 / 2 / 1415 هـ)
قال المؤلف رحمه الله: (ولا يصح إلا مرتباً متوالياً)
" ولا يصح ": أي الأذان
" إلا مرتباً ": كما ورد " الله أكبر الله أكبر ... …الخ
لابد أن يكون مرتباً
" متوالياً ": بحيث لا يكون بين جمله فاصل طويل عرفاً.
ودليل هذه المسألة أن الوارد في الأذان الشرعي أن يكون مرتباً متوالياً، فلم يثبت التنكيس فيه ولا القطع.
فإذا ثبت ذلك فإن سواه مردود لكونه يخالف هدي النبي صلى الله عليه وسلم في الأذان وكل عمل ليس عليه أمر النبي صلى الله عليه وسلم فهو رد فإذا قدم بعض جمله على بعض فإن الأذان يبطل بذلك، وكذلك إذا فصله بفاصل طويل عرفاً كسكوت أو كلام طويل قاطع - ومرجع ذلك إلى العرف؛ لما تقدم - وكل عمل ليس عليه أمر النبي صلى الله عليه وسلم فهو رد.
قال: (من عدل 1)
أما إن كان فاسقاً فلا يصح أذانه وهذا رواية عن أحمد وهو المشهور عند الحنابلة، لقوله صلى الله عليه وسلم: (والمؤذن مؤتمن) 2 والفسق ضد الأمانة، فالواجب أن يكون أميناً ومن كان فاسقاً فليس كذلك.
قالوا: ولأن الله سبحانه وتعالى قال: ﴿يا أيها الذين آمنوا إن جاءكم فاسق بنبأ فتبينوا﴾ 3 وهذا خبر فوجب أن يرد؛ لأن خبر الفاسق مردود.
- وذهب الشافعي وهو رواية عن الإمام أحمد: إلى صحة أذان الفاسق؛ لأنه قد قام بوظيفة الأذان وهو مسلم وداخل في عموم قوله صلى الله عليه وسلم: (فليؤذن لكم أحدكم) 4 .
وأما قضية الخبر فهي راجعة إلى السامعين.
ولكن هذا فيه نظر ظاهر، فالأرجح مذهب أهل القول الأول، ولكن هذا ليس على الإطلاق، وإنما ذلك حيث يعتمد على أذانه أما إذا كان في بلدة فيها غيره من المؤذنين الذي يعتمد على أذانهم في الصلاة والصيام فإنه يصح أذانه لأن الله قال: ﴿إن جاءكم فاسق بنبأ فتبينوا﴾ وهنا يتم التبين والتثبت بسماع غيره من المؤذنين الذين هم من أهل العدالة والصدق.
فإذن: إنما يرد ولا يصح أذانه حيث كان في حالة يعتمد على أذانه فيها كأن يكون في قرية أو نحوها هو المؤذن.
أما إذا كان أذانه بمنزلة السنة المؤكدة، فإنه إذا أذن بعض المؤذنين في البلد وقامت بهم الكفاية فأذان غيرهم من باب السنة المؤكدة لأنه قد قام الفرض بأذان غيره – فعلى ذلك أذانه صحيح لأنه يمكن التبين والتثبت بسماع غيره من المؤذنين.
قال: (من عدل ولو ملحناً)
أي ولو كان مطرباً، أي فيه تطريب وتحسين صوت على هيئة غير شرعية بأن يكون فيه زيادة في المد وفيه شيء من ترديد الصوت أو نحو ذلك مما يخرجه عن هيئته الشرعية إلى أن يكون مشابها للغناء فهذا هو الملحن، فإنه لو كان ملحنا فالأذان صحيح.
وهذا أحد الوجهين في مذهب أحمد وهو المشهور.
وأما الوجه الثاني في المذهب فهو: أن أذان الملحن لا يجزئ.
واستدلوا: بما رواه الدارقطني: أنه كان للنبي صلى الله عليه وسلم مؤذن يطرب فقال له: (إن الأذان سهل سمح " أي بغير تكلف " فإن كان أذانك سهلاً سمحاً وإلا فاعتزلنا) 1 لكن الحديث إسناده ضعيف.
وهو ثابت عن عمر بن عبد العزيز كما رواه البخاري عنه معلقاً مجزوماً به ووصله ابن أبي شيبة 2 .
والذي استدل به أهل القول الأول من صحة الأذان: قالوا: إن الأذان الملحن يحصل به المقصود من إبلاغ السامعين الأذان الشرعي بألفاظه الصحيحة مستقيمة الألفاظ ليس فيها تغيير، إلا أن التغيير قد طرأ على أدائه أما الألفاظ فإنها هي الألفاظ الواردة، فعلى ذلك يكون مخطئاً مبتدعاً في فعله ذلك، وأما الأذان فإنه صحيح - وما ذكره أهل المذهب قول قوي – والعلم عند الله تعالى.
قال: (أو ملحوناً)
الملحون: الذي فيه خلل في اللغة العربية برفع ما يكون حقه النصب، أو نصب ما يكون حقه الجزم أو نحو ذلك ويصح أذان الملحون ما لم يحل المعاني، أما إذا أحال المعاني فإنه يبطل.
مثال غير المحيل للمعاني: إذا قال: " أشهدَِ" فهذا ليس مما يحيل المعنى فهو أذان صحيح لكنه مكروه كما نص عليه أهل المذهب.
وأما مثال ما يحيل المعاني: كقوله: " أشهد أن محمداً رسولَ الله " فهذا الأذان باطل على المذهب؛ لأنه يحيل المعنى ويبطله فإن المعنى هنا فاقد الخبر.
مثال آخر: " آلله أكبر " فهذا استفهام، كأنه يستفهم هل الله أكبر أم لا؟ فالأذان باطل.
أو قال: " الله أكبار " والأكبار هو الطبل وهذا مشهور عندنا فهذه كلها تُبطل الأذان؛ لأنها تحيل اللفظ عن معناه فتصرفه عن معناه المراد إلى معنى آخر وهذا كالقراءة أي قراءة الفاتحة.
قال: (ويجزئ من مميز)
اتفق أهل العلم على أن أذان الكافر والمجنون وغير المميز لا يصح؛ لأنهم لا نية لهم، وفي الحديث: (إنما الأعمال بالنيات وإنما لكل امرئ ما نوى) 1 .
والأذان عبادة يشترط فيها النية، وهؤلاء لا نية لهم فلم تصح عبادتهم.
وأما الكافر فلقوله تعالى: ﴿وما منعهم أن تقبل منهم نفقاتهم إلا أنهم كفروا بالله وبرسوله﴾ 2 .
وأما أذان المميز وهو من بلغ سن التمييز حيث يفهم الخطاب ويرد الجواب وهذا يكون في الغالب عند تمام سبع سنين فإنه يصح أذانه لذا قال هنا: " ويجزئ من مميز ". وهذا مذهب الجمهور.
قالوا: لصحة صلاته.
وذهب بعض أهل العلم إلى: أن أذان المميز لا يجزئ.
قالوا: لأنه ليس محلاً لقبول الخبر لذا لا يقبل خبره في حديث النبي صلى الله عليه وسلم حتى يبلغ، وهو ليس محلاً لقبول الأخبار لكونه غير مكلف فليس محلاً للمحاسبة على الصدق والكذب فلما كان كذلك لم يقبل أذانه.
وفصَّل شيخ الإسلام في هذه المسألة تفصيلاً حسناً حمل عليه قول أهل القول الأول، فقال – كلاماً معناه: والأشبه أن الأذان الذي يعتمد عليه في الصلاة والصيام لا يقبل من المميز ولا يعتد به قولاً واحداً، فأهل القول الأول لا يقبلونه في مثل هذه الحال؛ لأنه ليس أهلاً لذلك فليس بمكلف وليس بمؤاخذ على الكذب وغيره من الأمور المحرمة فلم يكن محلاً لقبول الخبر.
أما إن كان بحيث لا يعتمد عليه – وحينئذ – يكون الأذان سنة مؤكدة كأن يكون في مصر فيه مؤذنون يعتمد عليهم وهو من جملة من يؤذن في هذه البلدة فإن أذانه يصح – وهذا تفصيل حسن من الشيخ رحمه الله – قال: " وفيه روايتان عن الإمام أحمد والصحيح جوازه " 1 .
إذن: في هذه المسألة روايتان عن الإمام أحمد، وينبغي حمل هاتين الروايتين على المميز حيث لا يعتمد عليه في صلاة الناس وصيامهم، والصحيح الجواز كما تقدم في مسألة الفاسق، فهو أولى بقبول الخبر من الفاسق.
وأما إذا كان بحيث يعتمد عليه فحينئذ: لا ينبغي القول بقبول أذانه ولا الاعتماد عليه وينبغي أن يكون هذا قولاً واحداً في المذهب.
قال: (ويبطلهما فصل كثير)
فيبطل الأذان إذا كان فيه فصل كثير لاشتراط الموالاة في الأذان، فالفاصل الكثير عرفاً يبطله.
والفصل الكثير سواء كان بسكوت أو بكلام.
[ويسير محرم]
كيف يتصور هذا أي أن يتكلم بكلام يسير محرم؟
كأن يغتاب أو يقذف أو يسب أثناء الأذان وهذا في الحقيقة مسألة مستبعدة، فحينئذ ينقطع بذلك الأذان.
وعللوا ذلك: بعلة غريبة أيضاً: وهي أنه يظن أنه مستهزئ بالأذان فحينئذ: يرد أذانه لكونه يظن فيه أن يكون مستهزئاً حيث أدخل في الأذان هذا الكلام اليسير المحرم.
لكن هذه المسألة على ندرة وقوعها، الصحيح أنها إذا وقعت فالأذان صحيح؛ لأن الأذان قد وقع على الوجه الشرعي، فقد أذن أذاناً مرتباً متوالياً، وليس من شرط الأذان ألا يتخلله شيء ولم يدل دليل شرعي على مثل ذلك، فالأذان صحيح لا شك فيه، وأما الإثم فهو واقع عليه.
والدليل على جواز الكلام فيه، ما رواه البخاري معلقاً قال: (وتكلم سليمان بن صرد وهو يؤذن) (1) ثم إنه لا دليل يدل على المنع منه والإبطال به، والأصل عدم التحريم وعدم البطلان.
قال: (ولا يجزئ قبل الوقت إلا الفجر بعد نصف الليل)
لا يجزئ الأذان قبل الوقت فإذا أذن قبل زوال الشمس وقبل غروبها فالأذان باطل؛ لأنه عمل ليس عليه أمر النبي صلى الله عليه وسلم فهو رد وهذا مما اتفق عليه أهل العلم، فعلى ذلك يجب إعادته حيث كان مما يعتد به، لأنه أذان ليس على هدي النبي صلى الله عليه وسلم وقد قال: (إذا حضرت الصلاة فليؤذن لكم أحدكم) 2 فلا أذان قبل حضورها.
" إلا الفجر ": لقوله صلى الله عليه وسلم: (إن بلالاً يؤذن بليل فكلوا واشربوا حتى يؤذن ابن أم مكتوم) 3 متفق عليه.
والليل ما كان قبل طلوع الفجر الصادق، فدل هذا على أن الفجر مستثني من هذه المسألة وأنه يؤذن قبل دخول الوقت وهو الأذان الأول.
" بعد نصف الليل ": إذن وقت الأذان الأول بعد نصف الليل.
لكن هذا ضعيف، قال في الإنصاف: " وقيل لا يصح إلا قبل الفجر بوقت يسير وهي رواية عن الإمام أحمد ". وهذا القول هو الراجح؛ لأن الأذان الوارد في هذا الباب وهو الأذان الأول للفجر كان قبيل أذان الفجر الصادق بوقت يسير، قالت عائشة – كما في النسائي 1 في أذان بلال وابن أم مكتوم – وكان بلال يؤذن الأذان الأول وابن أم مكتوم يؤذن الأذان الثاني قالت: (لم يكن بينهما إلا أن ينزل هذا ويرقى هذا) 2 فهو وقت يسير، ونحوه عن القاسم بن محمد في البخاري معلقاً 3 .
ومما يدل عليه أيضاً قوله صلى الله عليه وسلم – في المتفق عليه -: (لا يمنعن أحداً منكم أذان بلال عن سحوره) 1 ومن هنا نستفيد أنه كان قبيل أذان الفجر بحيث أنه يخشى على الناس أن يلبس عليهم أهو الأذان الأول أم الثاني " فإنه يؤذن بليل ليرجع قائمكم " ليستريح قليلاً في فراشه ليستعد لصلاة الفجر " ولينبه نائمكم " (2) ليستعد لصلاة الفجر وليستعد للسحور.
إذن: هو بقدر ما إذا كان الرجل نائماً بحيث أنه يستعد للوضوء أو الغسل أو نحو ذلك، ويستعد – إن كان مريداً للصوم بأن يطعم، فيكون قدراً كافياً لسحوره.
ومن هنا نعلم أن الأذان بعد نصف الليل وقبل الوقت المذكور أنه ليس بمشروع لأنه عمل ليس عليه أمر النبي صلى الله عليه وسلم فهو رد.
ويستحب لمن أذن الأذان الأول أن يكون هناك من يؤذن الأذان الثاني وأن يعرف الناس أنه يؤذن الأول لئلاً يلتبس عليهم فيتضررون في صلاتهم وعبادتهم.
يستحب أن يكون عرف الناس أنه يؤذن بليل لئلا يلتبس الأمر عليهم، ويستحب أن يكون هناك مؤذن آخر يؤذن للفجر.
وهذا الاستحباب في الاكتفاء به نظر، والأظهر وجوب ذلك أو شرطيته وأن ذلك شرط وهذا مقتضى كلام الموفق في كتاب الكافي (3) ؛ وذلك لأنه متى ترك الأذان الثاني فإنه يكون قد أخل بالواجب الأصلي وهو أذان الفجر عند دخول الوقت وإذا أذن بحيث يلبس على الناس فإنه قد أوقعهم بخلاف المقصود من الأذان الشرعي، فكان الواجب لا المستحب فقط أن يكون هناك من يؤذن الأذان الثاني وأن يعرف الناس أن هذا هو الأذان الأول بحيث لا يلبس عليهم أمر صلاتهم وصيامهم.
وقال في المبدع: " وأما ما يفعله الناس في زماننا من الأذان في أول الثلث الأخير فهو خلاف السنة وفي جوازه نظر " (4) وهو كما قال بل الراجح أنه ليس بصحيح.
والحمد لله رب العالمين.
الدرس الخامس والخمسون
(يوم الثلاثاء: 18 / 2 / 1415هـ)
قال المؤلف رحمه الله تعالى: [ويسن جلوسه بعد أذان مغرب يسيراً]
" يسيراً ": قال بعض فقهاء الحنابلة: بقدر ما يكفي لقضاء الحاجة والوضوء وصلاة ركعتين.
وقال بعضهم غير ذلك.
ولعل التي استحبت هذه المسألة من أجلها: أن الأذان مشروع للإعلام فاستحب أن يمكث المؤذن عن الإقامة بقدر ما يدرك الناس الصلاة، فلما كان الأذان للإعلام استحب أن يمكث يسيراً فلا يقيم إلا بعد هذا المكث حتى يتمكن الناس من إدراك الصلاة التي أذن لها، وحينئذ فإن مثل التقدير الذي تقدم ذكره لا يكون في كل حال من الأحوال، وإنما يكون في بعض الأحوال.
فالضابط على ذلك أن يقال: أن يمكث بقدر ما يتمكن الناس فيه من الحضور إلى المسجد وإدراك الصلاة تامة، فيمكث بقدر ما يكون كافياً لقضاء الحاجة والوضوء.
دليل هذا القائل الذي ذكر هذا القدر مع الركعتين استدل بما ثبت عن النبي - صلى الله عليه وسلم - وأصحابه من صلاة ركعتين بعد أذان المغرب وقبل صلاتها.
لكن هذا الدليل ليس بظاهر في هذا، فإنه من المحتمل أن يكونوا قد حضروا الأذان في المسجد، فيصلون ركعتين.
إذاً: المقصود من ذلك: أنه يسن له أن يمكث بعد أذانه - فلا يقيم إلا - بقدر ما يتمكن الناس الذين أعلموا بالأذان من إدراك الصلاة.
وهذا ليس خاصاً لصلاة المغرب بل هو عام فيها وفي غيرها من الصلوات التي يسن تعجيلها، فكل صلاة يستحب تعجيلها يسن هذا الفعل من المكث فيها.
وإنما خصت صلاة المغرب بهذا الحكم لقصر وقتها وضيقه، فهي أضيق من غيرها بالوقت.
ولما روى تمام في فوائده أن النبي - صلى الله عليه وسلم -[قال] 1 : جلوس المؤذن بين الأذان والإقامة في المغرب سنة) ، لكن الحديث إسناده ضعيف.
ومثله ما روى الترمذي أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال لبلال: (إذا أذنت فترسل وإذا أقمت فاحدر واجعل بين أذانك وإقامتك قدر ما يفرغ الآكل من أكله والشارب من شربه والمعتصر لقضاء الحاجة ولا تقيموا حتى تروني) 1 ، والحديث فيه عبد المنعم صاحب السقاء وهو منكر الحديث، فالحديث لا يثبت عن النبي - صلى الله عليه وسلم -.
فعلى ذلك: العلة التي تقدم ذكرها هي: أصل الاستدلال في هذه المسألة، فالأذان شرع للإعلام، فناسب أن يكون هناك فترة زمنية يتمكن بها الخارجون عن المسجد بعد سماعهم للنداء من الوضوء ونحوه مما يحتاجون إليه، وهذا بقدر عشر دقائق ونحوها، وهذا ليس خاصاً بصلاة المغرب بل فيها وفي غيرها، لكن غيرها أوسع منها لأمرين:
الأمر الأول: ثبوت الصلاة الراتبة فيها، لاسيما الفجر والظهر، بخلاف العصر فإنها شبيهة بالمغرب من هذا الوجه حيث لا سنة راتبة فيها، وإنما السنة الواردة في العصر والمغرب ليست براتبة.
الأمر الآخر: أن الصلوات الأخرى أوسع منها وقتاً.
ثم إن كثيراً من هذه الصلوات تكون غالباً بعد عمل الناس، فربما احتاجوا إلى وقت أوسع من ذلك، لذا الوقت بين أذان المغرب والإقامة يكون أقل من غيرها من الصلوات.
أما الصلوات الأخرى فإنه يزاد عن هذا الوقت بقدر الحاجة، فإن صلاة الفجر تكون بعد النوم فيحتاج ذلك إلى مزيد من الوقت للاستعداد لصلاة الفجر، وربما احتاج إلى غسل أو إحضار ماء وتسخينه ونحو ذلك مما يحتاج إليه، وكذلك صلاة العصر.
وصلاة الظهر تكون بعد إتيان الناس من أعمالهم، فالمقصود من ذلك: أنه ينبغي للإمام أن لا يأمر بالإقامة إلا بعد مضي وقت كاف لإدراك الناس الصلاة تامة ولإدراك ما يستحب قبلها من السنن الراتبة إن كان ثمت راتبة كالظهر والفجر.
قال: [ومن جمع أو قضى فوائت أذن للأولى ثم أقام لكل فريضة]
أما الجمع فلما ثبت في مسلم أن النبي - صلى الله عليه وسلم - جمع بين الظهر والعصر بعرفة بأذان وإقامتين " 1 .
وأما الفوائت فقد تقدمت الأدلة عليها.
قال: [ويسن لسامعه متابعته سراً]
لما ثبت في صحيح مسلم عن عمر بن الخطاب قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: (إذا قال المؤذن: الله أكبر الله أكبر، فقال أحدكم: الله أكبر الله أكبر، ثم قال: أشهد ألا إله إلا الله، فقال: أشهد ألا إله إلا الله، ثم قال: أشهد أن محمداً رسول الله، فقال: أشهد أن محمداً رسول الله، ثم قال: حي على الصلاة، فقال: لا حول ولا قوة إلا بالله، ثم قال:حي على الفلاح،فقال: لا حول ولا قوة إلا بالله، ثم قال: الله أكبر، الله أكبر، فقال: الله أكبر، الله أكبر، ثم قال: لا إله إلا الله، فقال: لا إله إلا الله، من قلبه دخل الجنة) 2 .
وثبت في صحيح مسلم أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: (إذا سمعتم المؤذن فقولوا مثل ما يقول ثم صلوا علي فإن من صلى علي صلاة صلى الله عليه بها عشراً) وفيه استحباب الصلاة على النبي - صلى الله عليه وسلم - بعيد الأذان (ثم سلوا الله لي الوسيلة، فإنها منزلة في الجنة لا تنبغي إلا لعبد من عباد الله وإني أرجو أن أكون أنا هو، فمن سأل الله لي الوسيلة حلت له الشفاعة) 1 ..
وثبت في أبي داود بإسناد صحيح عن عبد الله بن عمرو بن العاص أن رجلاً سأل النبي - صلى الله عليه وسلم - فقال: يا رسول الله إن المؤذنين يفضلوننا، فقال: (قل كما يقولون ثم سل تعطه) 2 .
ففي هذه الأحاديث سنية إجابة المؤذن.
ويستثنى من ذلك المصلي والمتخلي.
أما المصلي؛ فلأن الصلاة شغل، كما قال - صلى الله عليه وسلم -: (إن في الصلاة لشغلاً) 1 ، فيستثنى؛ لأنه متى أجاب المؤذن انشغل عن تدبر الصلاة والخشوع فيها.
وهذا هو مذهب الجمهور، وحكاه شيخ الإسلام في الفتاوى ولم يتعرض لخلافه بترجيح.
- ورجح – رحمه الله – كما في كتب الحنابلة في النقل عنه استحباب ذلك في الصلاة، وهو رواية عن الإمام مالك، وأنه يستحب إجابة المؤذن في الصلاة نفلاً وفرضاً، واختاره شيخ الإسلام كما تقدم، واختاره الشيخ عبد الرحمن بن سعدي، قال: " والعمومات تؤيده ".
والجواب: إن العمومات وإن كانت تؤيده، لكن الصلاة لها معنى خاص يقتضي إخراجها من هذا الحكم؛ لأنه متى أجاب فإن هذا يخل في خشوعه في صلاته وإقباله على الله فيها بمتابعة المؤذن.
فالأظهر مذهب الجمهور، وأن إجابة المؤذن لست بمشروعة في الصلاة، وكما تقدم فإن شيخ الإسلام ذكر في الفتاوى قول الجمهور ولم يعقب عليه.
وأما ما ذكره من الترجيح السابق فقد ذكر عنه في كتب الحنابلة، فلعله قول قديم له.
والعلم عند الله تعالى.
- وأما المتخلي، فكذلك، قالوا: ويجيب بعد خروجه من الخلاء.
واختار شيخ الإسلام أنه يجيب في الخلاء سراً.
والراجح خلافه؛ لأنه ثبت أن النبي - صلى الله عليه وسلم - لم يجب المسلِّم عند قضاء حاجته، وأجابه بعد ذلك، وقال: (إني كرهت أن أذكر الله على غير طهر) 2 ، وكذلك الأذان فإنه يجيب بعد خروجه من الخلاء، كما فعل النبي- صلى الله عليه وسلم - لما سلم عليه، فإنه لم يجب حتى قضى حاجته.
فالراجح: أن المتخلي يجيب بعد خروجه من الخلاء.
فائدة:
ذكرها النووي:
أنه قال: " ولم أر لأصحابنا في متابعة المؤذن بعد الأذان تعرضاً ". وهي مسألة: إجابة المؤذن بعد فراغه من الأذان، قال: " والذي يظهر إنه إن كان قد قرب فإنه يجيب وإن كان هناك فاصل كثير، فإنه لا يجيب "، وهو قول حسن، وأن من ترك الإجابة فإن كان الفاصل بين الأذان والمتابعة قريباً فإنه يجيب، أما إذا كان طويلاً عرفاً فإنه لا يجيب.
هذا ما قرره النووي.
ومعلوم أن السنة أن يتابع المؤذن جملة جملة كما تقدم في حديث عمر.
وقد ذكر الحنابلة وهو مستحب عند الشافعية كما هو مستحب عند الحنابلة إجابة المقيم أيضاً؛ واستدلوا بما رواه أبو داود: أن بلالاً أخذ بالإقامة فلما قال: قد قامت الصلاة، قال النبي - صلى الله عليه وسلم -: (أقامها الله وأدامها) 1 ، لكن الحديث إسناده ضعيف لا يثبت عن النبي - صلى الله عليه وسلم -، بل هو ضعيف جداً.
لكن عمدتهم في الاستدلال هو عمومات الأحاديث، كقوله: (إذا سمعتم المؤذن) ، ومعلوم أن المقيم مؤذن، لقول النبي - صلى الله عليه وسلم -: (بين كل أذانين صلاة) 2 ، فكما أن الإعلام الخارجي بالأذان الأول أذان، فكذلك إعلام الحاضرين بالأذان الثاني هو أذان.
لكن الذي يظهر أن هذا الإطلاق من باب التغليب، كما يقال: العمران والقمران.
والأظهر: أن الإقامة لا تشرع لها الإجابة، وهو ما ذهب إليه بعض الشافعية؛ وذلك لوجوه:
منها: أن الإقامة المشروع فيها الحدر ومتى كان ذلك فإن في المتابعة عسراً.
ومنها: أنه قد ورد في الأحاديث في متابعة الأذان استحباب الصلاة على النبي - صلى الله عليه وسلم - بعد ذلك واستحباب الدعاء بالدعاء الوارد للنبي - صلى الله عليه وسلم - بالوسيلة والمقام المحمود، وهذا لا يسعه الوقت الذي يكون بين الإقامة والصلاة، فإنه وقت يسير جداً، فمتى انتهى المقيم من الإقامة واعتدلت الصفوف كبر للصلاة، وهذا في الغالب لا يسع لمثل هذا الدعاء.
ومنها: أن الإقامة إنما شرعت لإعلام الحاضرين بإقامة الصلاة في المسجد، وقد أجابوا منادي الله فحضروا في المسجد.
وأما الأذان الأول فهو إعلام للغائبين فشرع لهم أن يتلفظوا بتلك الألفاظ إعلاناً منهم بإجابة المؤذن وإجابة ندائه، وأنهم مستعدون ومتهيئون لحضور الصلاة وإجابة منادي الله تعالى.
فالأظهر ما ذهب إليه بعض الشافعية لهذه الوجوه المتقدمة.
مسألة:
هل تشرع الإجابة للمؤذن نفسه؟ بمعنى يجيب نفسه؟
ذهب الحنابلة: إلى مشروعية ذلك؛ وعللوا ذلك: بالجمع بين الأجرين، أجر الأذان وأجر المتابعة.
لكن الراجح خلاف ذلك، فهذه مسألة فيها نظر ظاهر، فإنه مناد لا مجيب، فهذا منادي،وهذا مجيب، فكيف يكون المنادي مجيباً.
ثم إن هذا قد يشغله عن إقامة الإذان على وجهه الصحيح.
ثم إن عمومات النصوص الشرعية إنما وردت في السامع (إذا سمعتم الأذان) ، ونحو ذلك، وليس يدخل في تلك الألفاظ إلا السامع، وإدخال المؤذن يحتاج إلى دليل ولا دليل على ذلك.
واعلم أن المستحب له أن يقول: " لا حول ولا قوة إلا بالله " عن قول المؤذن: "حي على الصلاة، حي على الفلاح " كما تقدم في حديث عمر.
وفي قول " الصلاة خير من النوم " في الإجابة قولان:
القول الأول، وهو المشهور في المذهب: أن يقول: " صدقت وبرِرْت ".
القول الثاني: أنه يجيبه بقول: " الصلاة خير من النوم ". وهذا هو الراجح؛ لعموم قوله - صلى الله عليه وسلم -: (إذا سمعتم المؤذن فقولوا مثل ما يقول) ، ويدخل في ذلك كل الألفاظ سوى الحيعلة، فإن الحديث الآخر – حديث عمر – قد ورد باستثنائها.
قال الحافظ ابن حجر: " وليس لصدقت وبررت أصل " (1) .
ومثل ذلك " أقامها الله وأدامها " عند الإقامة فهي ضعيفة لا تصح.
قال: [وحوقلته في الحيعلة]
الحوقلة: هي اختصار لقول: " لا حول ولا قوة إلا بالله ".
والحيعلة: هي اختصار لقول: " حي على الصلاة، حي على الفلاح ".
فيسن أن يجيبه بـ" لا حول ولا قوة إلا بالله " أي ليس لي تحول من حالتي هذه إلى حالة أخرى أجيب بها المنادي وأحضر إلى الصلاة إلا بقوة وتأييد من الله تعالى.
قال: [وقوله بعد فراغه: اللهم رب هذه الدعوة التامة والصلاة القائمة آت محمداً الوسيلة والفضيلة وابعثه مقاماً محموداً الذي وعدته]
والحديث رواه البخاري في صحيحه: أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: (من قال حين يسمع النداء: اللهم رب هذه الدعوة التامة والصلاة القائمة آت محمداً الوسيلة والفضيلة، وابعثه مقاماً الذي وعدته) 1 وفي النسائي وابن خزيمة: (وابعثه المقام المحمود) 2 .
ولفظة (مقاماً محموداً) أولى لوجهين:
الوجه الأول: أنها ثابتة في الصحيح.
الثاني: أنها موافقة للقرآن في قوله تعالى في سورة الإسراء: ﴿عسى أن يبعثك ربك مقاماً محموداً﴾ .
وفي التنكير من التعظيم ما هو ظاهر، لقوله تعالى: ﴿فيه رجال يحبون أن يتطهروا﴾ 1 أي رجال عظماء، وهنا (مقاماً محموداً) أي مقامً عظيماً محموداً.
أما لفظة (إنك لا تخلف الميعاد) 2 فقد وردت في البيهقي بإسناد صحيح، لكن راويها قد شذ عن بقية الرواة، وهم عشرة الذي رووا هذا الحديث فلم يذكروا هذه اللفظة، فشذ هذا الراوي – وهو ثقة – بذكرها.
فعلى ذلك: هذه اللفظة شاذة لا تصح نسبتها إلى النبي - صلى الله عليه وسلم -، وعليه فالسنة أن يقف إلى قوله (الذي وعدته) .
ويستحب له أن يدعو الله بين الأذان والإقامة بما شاء؛ لما ثبت في الترمذي أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: (الدعاء بين الأذان والإقامة لا يرد) 3 ، وهو حديث صحيح.
وقد تقدم حديث (قل كما يقولون ثم سل تعطه) .
أما ما رواه الترمذي من أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قيل له: فماذا نقول؟ فقال: (سلوا الله العافية في الدنيا والآخرة) 1 ، فالحديث فيه يحيى بن اليمان وهو ضعيف، فهذا التخصيص ضعيف، فيدعو الله بما شاء من خير الدنيا والآخرة , وهذا الموطن من مواطن الإجابة.
قوله: (الدعوة التامة) : هي دعوة التوحيد التي رفع المؤذن بها صوته.
" والصلاة القائمة ": أي الصلاة الدائمة المستمرة، وهي الصلاة التي دعا الناس إليها.
" الوسيلة ": هي منزلة في الجنة لا تنبغي إلا لعبد من عباد الله، وأن النبي - صلى الله عليه وسلم - يرجو أن يكون هو.
" مقاما محموداً ": هو مقام الشفاعة العظمى الذي يقومه النبي - صلى الله عليه وسلم - بين يدي الله بعد أن يسجد له فيشفع لعباد الله للفصل بينهم يوم القيامة وهي الشفاعة العظمى والمقام المحمود الذي وُهبه رسوله - صلى الله عليه وسلم -.
مسألة:
لفظة " حي على خير العمل " هل تستحب في الأذان؟
صحت هذه اللفظة عن ابن عمر، كما في البيهقي بإسناد صحيح 1 ، وأنه قالها إثر قوله " حي على الصلاة، حي على الفلاح ".
ورواها البيهقي عن علي بن الحسين، وتعقب البيهقي ذلك بقوله: " وليست هذه اللفظة ثابتة في الأذان الذي علمه النبي - صلى الله عليه وسلم - بلالاً وأبا محذورة ونحن نكره الزيادة "، وهو كما قال، فهذه اللفظة تعارض حصر النبي - صلى الله عليه وسلم - الأذان كما تقدم من تعليمه لبلال وأبي محذورة.
وقد ذكر شيخ الإسلام: أن هذه اللفظة إنما فعلها من فعلها من الصحابة لعارض تحضيضاً على الصلاة أي وجد تكاسلاً من الناس في الصلاة فوضع هذه اللفظة تحضيضاً على الصلاة، فيكون ذلك أمر عارض وليست في الأذان الراتب، كما قال شيخ الإسلام.
لكن في الحقيقة ليس بمبرر لمثل هذا، فهذا الاجتهاد من صحابي خالف فيه فعل النبي - صلى الله عليه وسلم -، فيكون مردوداً، والسنة في فعله - صلى الله عليه وسلم -، وأما أفعال الصحابة فحيث لا تخالف ما ثبت عن النبي - صلى الله عليه وسلم - وتعليم النبي - صلى الله عليه وسلم - لبلال وأبي محذورة الأذان وبقاؤهما تلك الفترة الطويلة بين يديه من غير زيادة يدل على أن الزيادة فيه ليست من السنة.
على أنها أصبحت من شعار أهل البدعة، فعلى ذلك: أصبحت بدعة ظاهرة، لكونها وإن كانت في زمن ابن عمر قد يتردد بالجزم بأنها بدعة، لكن لما أصبحت من شعار أهل البدعة فينبغي أن يشدد في النهي عنها.
مسألة:
هل يشرع الأذان على الراحلة؟
لا بأس به، وقد صح ذلك عن ابن عمر كما في البيهقي بإسناد صحيح أنه أذن على الراحلة ثم نزل فأقام " 1 .
مسألة:
يحرم الخروج من المسجد بعد الأذان أو لمن دخل المسجد بعد الأذان، فيحرم الخروج إلا لعذر أو إرادة الرجعة، أما مع عدم ذلك فإنه لا يجوز.
هذا ما صرح به الحنابلة.
ودليل ذلك: ما ثبت في صحيح مسلم عن أبي الشعثاء قال: " كنا قعوداً في المسجد ومعنا أبو هريرة، قال: فأذن المؤذن، فقام رجل من المسجد يمشي، فرماه أبو هريرة ببصره حتى خرج من المسجد، فقال: " أما هذا فقد عصى أبا القاسم " 2 .
فهذا الحديث ظاهر في تحريم الخروج من المسجد بعد الأذان، ومثل ذلك من دخل المسجد وقد أذن فيه؛ لأن هذا بمعنى الأول تماماً.
قال الترمذي: " والعمل على هذا من أصحاب النبي - صلى الله عليه وسلم - فمن بعدهم، يرون أنه لا يجوز لأحد أن يخرج من المسجد إلا لعذر " 3 .
ومن الأعذار أن يخرج لقضاء الحاجة أو ضوء أو نحو ذلك، أما أن يخرج لغير ذلك، فلا يجوز.
وقد استثنى بعض الحنابلة: خروجه لمسجد آخر لا سيما إذا كان إمامه أفضل.
ونحن إذا نظرنا إلى اللفظ العام المتقدم فإننا نقول: إن هذا لا يجوز وأنه لا يجوز أن يخرج لجماعة أخرى.
لكن إذا نظرنا إلى المعنى وهو ما يورثه الخروج من التهمة في ترك الصلاة جماعة، وما قد يكون سبباً لفوات الجماعة عليه فنحن نقيد 1 هذا الخروج بهذه القيود، فإذا خرج حيث لا تهمة، حيث لا يظن به ظناً سيئاً، وأن يظن ظناً غالباً أن يدرك جماعة أخرى، فإنه يرجى أنّ خروجه لا بأس به، حيث توفرت هذه المعاني المتقدمة.
ومع ذلك: فالأولى له والأحوط ألا يخرج من المسجد إلا لعذر من وضوء أو نحوه.
وهذا فيمن يجب عليه الصلاة جماعة.
أما من لا يجب عليه الصلاة جماعة، كامرأة أو من لا يجب عليه الصلاة أصلاً، فإن خروجه جائز؛ لأن الصلاة جماعة ليست بواجبة عليه، بل الصلاة فرضاً ليست بواجبة عليه.
إذاً: يحرم الخروج من المسجد بعد الأذان إلا لمن أراد الرجعة أو كان معذوراً.
مسألة:
أي مؤذن يجيب؟
ذكر الحنابلة: أنه يجيب المؤذن ومؤذناً ثالثـ[ـاً] ورابعـ[ـاً] .. الخ.
فهذا هو المستحب.
لكن هذا فيه نظر، والراجح أنه لا يجيب إلا المسجد الذي يريد أن يصلي فيه، وقد اختار هذا النووي.وقال صاحب المبدع: " فإن أجاب وحضر المسجد للصلاة فسمع المؤذن فإنه لا يجيب "؛ لأنه ليس بمدعو.
وما ذكره – رحمه الله – ليس خاصاً فيمن أجاب وحضر المسجد فحسب، بل هو عام فيه وفيمن 2 كان في حكمه وهو من يريد أن يذهب إلى مسجد خاص فسمع المنادي ينادي إليه، فإنه يجيب هذا المسجد بخصوصه الذي يقصد حضور الجماعة فيه.
والأظهر كذلك: أنه إن لم يحدد مسجداً فإنه يجيب مؤذناً واحداً؛ لأن المقصود الإجابة، وقد أجاب،وإذا أمر الشارع بأمر فإنه يفعل لا على التكرار إلا إذا دل دليل على التكرار، وإلا فإنه يفعل مرة واحدة، وهذا قد أجاب مؤذناً لصلاة فرض، فحينئذ لا يشرع له أن يجيب مؤذناً آخر للصلاة بعينها، فإنهما مؤذنا صلاة واحدة فلم يشرع إلا أن يجيب المؤذن الذي أجابه.
وإذا كان الإنسان مسجده بعيداً وهو لا يسمع النداء فإنه يجيب أي مؤذن.
والحمد لله رب العالمين.
1
انتهى باب الأذان والإقامة.
ويليه باب شروط الصلاة.
الدرس السادس والخمسون (يوم السبت: 22 / 2 / 1415هـ) باب شروط الصلاة الشروط: جمع شرط وهو ما يلزم من عدمه العدم ولا يلزم من وجوده وجود ولا عدم لذاته.
قال المؤلف رحمه الله تعالى: (شروطها قبلها منها الوقت)
أي شروط الصلاة قبلها، فالوضوء أو الغسل وهو الطهارة من الحدث وكذلك الطهارة من النجس، واستقبال القبلة، فهذه كلها يجب أن تكون قبل الصلاة.
وهذا ضابط في شروط الصلاة وأن كل شروطها يجب أن تكون قبلها إلا النية فإنها تصح مقارنة لها فجميع شروط الصلاة يجب أن تتوفر قبلها إلا النية فإنها تصح مقارنة لها.
ويجب في الشروط أن تستمر في العبادة، وهذا هو الفارق بين الشرط والركن، فالشرط في العبادة يستمر فيها، أما الركن فإنه يمكث فيها زمناً فلا يستمر فيها كلها فالركوع مثلاً ركن، وهذا الركن لا يتخلل إلا زمناً منها أما الوضوء فهو شرط منها كلها بحيث أنه يجب أن يشملها فلو تخلل ذلك شيئاً من الحدث فإن العبادة تبطل.
ومن الشروط: الإسلام، فمن لا إسلام له لا عبادة له كما تقدم، فإن العبادة مشروطة بالإسلام، فلا يقبل الله عبادة بلا إسلام.
ومنها العقل: فلا تقبل عبادة من مجنون ولا غير مميز؛ لأن النية شرط في العبادة ومن لا عقل له لا نية له.
قال المؤلف: (منها الوقت) وهذا بالإجماع، والوقت من التوقيت وهو التحديد، فالصلوات لها أوقات محددة شرعاً، فكل صلاة لها وقتها المحدد شرعاً وهذا بالإجماع، وسيأتي ذكر الأدلة عليه.
قال المؤلف: (والطهارة من الحدث) لما ثبت في الصحيحين أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (لا يقبل الله صلاة أحدكم إذا أحدث حتى يتوضأ) 1 قال: (والنجس)
أي الطهارة من النجس، فمن شروطها الطهارة من النجاسة بدناً وثوباً وبقعة وهذا بالإجماع وسيأتي الكلام عليه.
فهذه ثلاثة شروط قد أجمع عليها أهل العلم وهي الوقت والطهارة من الحدث والطهارة من النجس، وقد تقدم اشتراط الإسلام والعقل.
ثم شرع المؤلف رحمه الله في ذكر شرطية الوقت ومباحثه.
فقال: (فوقت الظهر) اعلم أن الوقت كما قال شيخ الإسلام هو آكد شروطها ولذلك شرع التيمم مع فقد الماء الذي هو الأصل في الطهارة وانتقل من ذلك إلى التطهر بالتراب لمصلحة المحافظة على الوقت.
وقد شرع بوقت الظهر أولاً، لأن وقت الظهر هو أول وقت صلاة جبريل لما أمَّ النبي صلى الله عليه وسلم كما ثبت ذلك في المسند وسنن الترمذي وغيره وأصله في مسلم 1 . وأيضاً لما ثبت في مسلم – وهو أصل من أصول إثبات المواقيت حديث عبد الله بن عمرو أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (وقت الظهر …) 2
فشرع أولاً بوقت صلاة الظهر - فكان الأولى اقتداءً بالنبي صلى الله عليه وسلم وجبريل – كان الأنسب والأولى هو البداءة بذلك.
وإلا فإن أول صلاته هي صلاة الفجر، فهي أول صلاة النهار، وقد تقدم أثر ابن عمر في تسمية الفجر بالأول، وسيأتي أن العصر هي الصلاة الوسطى، لذا شرع بعض أهل العلم كأبي الخطاب الحنبلي، شرع أولاً بالكلام على صلاة الفجر لكن الأنسب ما تقدم.
قال: (من الزوال إلى مساواة الشيء فيئه بعد فيء الزوال)
الفيء هو الظل بعد الزوال سمي فيئاً من فاء إذا رجع، أما الظل قبل الزوال فلا يسمى فيئاً.
ولفظة " الظل " شاملة للظل قبل الزوال وبعده.
أما لفظة " الفيء " فهي خاصة بالظل بعد الزوال.
فوقت الظهر من زوال الشمس أي زوالها عن وسط السماء إلى جهة المغرب، وهذا لا يدرك بالعين، لكنه يميز بالظل، فعندما ينصب عصاً أو نحوه ويكون الظل أولاً ناحية المغرب ثم كلما ارتفعت الشمس كلما قصر هذا الظل حتى تقف عند حد معين ثم بعد ذلك تتحرك الشمس من وسط السماء وبعده الظل إلى الحركة بعد التوقف، فعند رجوعه هذا هو علامة زوال الشمس فحينئذ: يعرف أنه قد زالت الشمس.
وهذا الظل الذي ثبت للعصا يزيد وينقص، فيختلف طوله وقصره صيفاً وشتاءً، فإن في الشتاء يطول وفي الصيف يقصر، لأن الشمس مرتفعة في الصيف فيقصر، أما في الشتاء فهي أقل ارتفاعاً منها فيكون حينئذٍ الظل أطول منه في الصيف.
إذن: عندما يقف الظل بعد امتداده ثم يشرع بالامتداد مرة أخرى فهذا هو علامة زوال الشمس، فإذا زالت الشمس فقد دخل وقت الظهر.
قال: (إلى مساواة الشيء فيئه بعد فيء الزوال)
هذا نهاية الوقت.
فالظل الثابت في الشاخص لا يحسب، فلابد أن يكون الفيء مساوياً للشاخص بعد فيء الزوال.
فمثلاً: وضعنا شاخصاً طوله متر، فكان توقفه على ربع متر ثم أخذ بالزيادة فلا تحسب هذه في المساواة فإذا وصل الظل إلى متر وربع فهذا انتهاء وقت صلاة الظهر.
والدليل على ذلك: حديث عبد الله بن عمرو أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (وقت الظهر إذا زالت الشمس وكان ظل الرجل كطوله ما لم يحضر وقت العصر ووقت العصر ما لم تصفر الشمس ووقت المغرب ما لم يغب الشفق ووقت العشاء إلى نصف الليل الأوسط ووقت الفجر إذا طلع الفجر ما لم تطلع الشمس فإذا طلعت الشمس فأمسك عن الصلاة فإنها تطلع بين قرني شيطان) 1 رواه مسلم.
الشاهد: قوله " وقت الظهر إذا زالت الشمس " هذا أول وقتها، وقوله: " وكان ظل الرجل كطوله " هذا نهاية وقتها.
قال: (وتعجيلها أفضل إلا في شدة الحر)
لما ثبت في صحيح مسلم أن النبي صلى الله عليه وسلم: (كان يصلي الظهر إذا دحضت الشمس) 2 أي زالت.
قالت عائشة – كما في الترمذي بإسناد ضعيف وله شاهد في مسند أحمد عن أم سلمة فالحديث حسن – قالت عائشة: (ما رأيت أشد تعجلاً للظهر من النبي صلى الله عليه وسلم ولا أبي بكر ولا عمر) 3 .