فمثلاً: أذن الظهر وهو في سفر، وأرد أن يجمع صلاة الظهر مع العصر في وقت العصر لكنه قدم إلى البلد وقد بقي وقت لأذان العصر، فما زالت في وقت الظهر، فلا يجوز أن ينتظر فيؤخر صلاة الظهر فيؤخرها مع العصر؛ ذلك لأن العذر قد زال بزوال المقتضي، وزوال السبب يمنع من الجمع.
وكذلك من زال مرضه: فمثلاً مريض أراد أن يؤخر صلاة المغرب إلى وقت العشاء فزال مرضه أثناء وقت المغرب فإنه لا يجوز له الجمع لزوال عذره، وهو السبب المقتضي للجمع.
إذن: عندنا شرطان في جواز جمع التأخير:
أن ينوي الجمع في أثناء وقت الأولى.
ألا يزول العذر إلا وقد خرج وقت الأولى.
وقد قال عمر: (الجمع بين الصلاتين من غير عذر من الكبائر) .
قال في الأنصاف: " بلا نزاع بين أهل العلم "، فلا نزاع في هذه المسألة.
والحمد لله رب العالمين.
فصل
في الكلام على صلاة الخوف حكماً وصفة ومسائل.
والمراد بصلاة الخوف: هي الصلاة المكتوبة عند الخوف وليس المراد بها أنها يشرع عند الخوف كصلاة الاستسقاء تشرع عند طلب السقيا.
وإنما المراد الصلاة المكتوبة كيف تصلي عند الخوف.
واعلم أن الثابت عن النبي - صلى الله عليه وسلم - وهو الثابت في القرآن في باب صلاة الخوف إنما كان في الخوف من الكفار عند القتال وقاس عليه أهل العلم: كل خوف جائز كالخوف من ظالم أو سبع أو سيل أو نحو ذلك.
ولو كان الخوف في قتال ليس مع الكفار كقتال أهل بدعة أو بغي ونحو ذلك فإن هذا حيث ثبت الخوف فيه تشرع عنده صلاة الخوف.
أما إن كان القتال قتالاً محرماً فإنه لا يرخص له، وحكاه النووي إجماعاً، كالخارج على إمام أو المعتدي على المسلمين أو نحو ذلك وهو ظاهر، وليس كالمسألة السابقة، فإن هنا إعانة ظاهرة، فإن كونه يصلي الصلاة على راحلته كصلاة الخائف – كما سيأتي تفصيله على مراتبها - فإن في ذلك إعانة له على هربه أو تقوية له، وفي هذا ما ينافي مقصود الشارع من إضعافه فلم يرخص له في ذلك.
إذن: القياس يكون حيث ثبت الخوف في أمر مشروع كالقتال في سبيل الله أو في أمر مباح كالهرب من سيل أو سبع أو نحو ذلك.
قال المؤلف رحمه الله: (صلاة الخوف صحت عن النبي - صلى الله عليه وسلم - بصفات كلها جائزة)
فهي ثابتة صحيحة عن النبي - صلى الله عليه وسلم - في أحاديث كثيرة سيأتي ذكر بعضها.
وهو أيضاً – أي أصل صلاة الخوف – ثابت في القرآن في قوله تعالى: ﴿وإذا كنت فيهم فأقمت لهم الصلاة فلتقم طائفة منهم معك﴾ الآية فإنها في صلاة الخوف وكذلك قوله تعالى: ﴿فإن خفتم فرجالاً أو ركباناً﴾ فهي أيضاً في صلاة الخوف.
وليس هذا مختصاً بالنبي - صلى الله عليه وسلم - خلافاً لمن زعم ذلك في قوله: ﴿وإذا كنت فيهم فأقمت لهم الصلاة ….﴾ لأن ما كان ثابتاً للنبي - صلى الله عليه وسلم - فهو ثابت لأمته إلا أن يدل دليل على التخصيص.
ولفعل الصحابة بعده كما صح ذلك عن طائفة منهم، وهو مذهب عامة العلماء.
وقد صحت صلاة الخوف بصفات عدة، ذكر الإمام أحمد أنها ثبتت عن النبي - صلى الله عليه وسلم - بستة أوجه أو سبعة أوجه كلها ثابتة جائزة، قال الإمام أحمد: (فمن ذهب إليها كلها فحسن، وأما حديث سهل فأنا أختاره " وسيأتي ذكره وصفة الصلاة فيه.
ومقتضى كلام الإمام أحمد – كما قال ذلك الموفق وصاحب الفروع – خلافاً للمشهور عند الحنابلة – مقتضى كلامه: صحة صلاة الخوف ركعة؛ لأنها من الأوجه الثابتة عن النبي - صلى الله عليه وسلم -، كما في قول ابن عباس ورفعه إلى النبي - صلى الله عليه وسلم -: (وصلاة الخوف ركعة) رواه مسلم.
وثبت في سنن أبي داود بإسناد صحيح عن حذيفة: أن النبي - صلى الله عليه وسلم -: (صلى صلاة الخوف بهؤلاء ركعة وبهؤلاء ركعة ولم يقضوا) .
وهذا في الحضر والسفر، ومقتضى كلام الإمام أحمد جواز [ذلك] حضراً وسفراً سواء كان ذلك من الإمام والمأمومين، أو من المأمومين فقط، وهو قول ابن عباس وإسحاق وطائفة من التابعين لثبوت ذلك عن النبي - صلى الله عليه وسلم -.
وأما عامة أهل العلم فإنهم لم يجيزوا ذلك ورأوا أن صلاة الخوف تبع لصلاة الحضر وصلاة السفر، فصلاة الخوف تصلى في الحضر أربعاً وفي السفر ركعتين.
وهذا ظاهرٌ إلا ما استثنى في حديث ابن عباس المتقدم.
إذن: جماهير العلماء يرون أن الخوف لا أثر له في عدد الركعات لكن الخوف قد أثَّر في هيئتها، فأصبحت في هيئة يُؤمن على المسلم فيها، فهي هيئة مأمونة.
وقولهم أصح، وأما حديث ابن عباس فيحمل على شدة الخوف حيث كان الخوف شديداً يقتضي أن تتأثر الركعات فحينئذ يجوز ذلك.
فالأظهر: أنه لا يجوز التصرف بركعاتها حضراً ولا سفراً وأما التصرف في الهيئات فهو الوارد إلا أن يكون الخوف شديداً - لا يبلغ أن يصلي راكباً أو قائماً كما سيأتي – لكنه يحتاج المسلم فيه إلى أن يختصر الركعات فيصليها ركعة كأن تقام قبل التقاء الصفوف ويكون في صلاتها أربع ركعات أو ركعتين أو ثلاثاً فيه مشقة فحينئذ يصلونها ركعة.
ومما يدل عليه قوله تعالى: ﴿وإذا كنت فيهم فأقمت لهم الصلاة﴾ و" أل " هنا في الظاهر أنها العهدية أي إذا أقمت لهم الصلاة المعهودة وهي المكتوبة فحينئذ هي على ركعاتها المشهورة حضراً وسفراً.
- واعلم أن أولى هذه الصفات الواردة عن النبي - صلى الله عليه وسلم - في العمل هو ما اختاره الإمام أحمد؛ لأن هذه الصفة هي التي وافقها القرآن وهي الصفة التي تفعل في كل حال سواء كان العدو في تجاه القبلة أو ميمنتها وميسرتها أو معاكساً لها.
وصفتها: أن يقسم الجيش طائفتين، ولا يشترط في هاتين الطائفتين التساوي لكن يشترط أن تكون كل طائفة فيها تثبت بها الكفاية في الوقوف أمام العدو لو حدث منه ميل إلى المسلمين، فيصلي بهم ركعة ثم يثبت قائماً فيتموا لأنفسهم ثم ينصرفون، فيقفوا وجاه العدو، وتأتي الطائفة الأخرى فيصلي بهم الركعة التي بقيت ثم يثبت جالساً فيتموا لأنفسهم ثم يسلم بهم، فيكون لهؤلاء ميزة التسليمة وللآخرين ميزة التكبيرة.
ودليل ذلك: ما ثبت من حديث صالح بن خوات: عمن شهد مع النبي - صلى الله عليه وسلم - يوم ذات الرقاع – وفي مسلم – عن سهل بن أبي حثمة.
لذا قال الإمام أحمد – كما تقدم – (وأما حديث سهل فأنا أختاره) –. وهو عند البيهقي (عن صالح بن خوات عن أبيه) ولا مانع أن يكون رواه عن أبيه ورواه عن سهل بن أبي حثمة – عمن شهد مع النبي - صلى الله عليه وسلم - يوم ذات الرقاع صلاة الخوف: (أن طائفة صفت معه، وطائفة وجاه العدو فصلى بالتي معه ركعة ثم ثبت قائماً فأتموا لأنفسهم ثم انصرفوا وجاه العدو، وجاءت الطائفة الأخرى فصلى بهم ركعة ثم جلس فأتموا لأنفسهم ثم سلم بهم) وهو أنكى للعدو وأحفظ للمسلمين، فإنها تفعل حيث كان العدو في أي جهة.
ومن الصفات: ما ثبت في الصحيحين من حديث ابن عمر: وصفتها: (أن تقوم طائفة مع الإمام وطائفة تبقى وجاه العدو، فيصلي بالطائفة التي قامت معه ركعة، ثم ينصرفون عن الإمام إلى مواقعهم ويتمون لأنفسهم لكنهم ينتظرون الآخرين في الإتمام ثم تأتي الطائفة الأخرى فتصلي مع الإمام الركعة الثانية ويتمون لأنفسهم) .
هذه صفة أخرى لكنها حيث كان الخوف أخف من الوضع المتقدم لأنهم يبقون يتمون جميعاً لكن معلوم أن الإتمام حيث كان منهم جميعاً لابد فيه من مفارقة، فهذا قائم وهذا جالس وهذا ساجد فيكون هناك نظر للعدو – وإن كانت هذه الصفة إنما تبقى أن يفعل حيث كان العدو وجاه القبلة وإلا فقد تحدث – حينئذ – غرة من الكفار لذا لا ينبغي أن يفعل إلا حيث كان العدو أمامهم وحيث كان الخوف أخف مما يحتاج فيه إلى الصورة المتقدمة.
وهناك صفة ثالثة: ثبتت في الصحيحين من حديث جابر، وصفتها: أن يصلي الإمام ويصلي الناس معه جميعاً ويقسمهم إلى صفين، فيركع ويركعون معه ويرفع ويرفعون معه ويسجد ويسجد الصف الأول معه فقط، ويبقى الصف الثاني قائماً، فإذا قام إلى الركعة الثانية سجد الصف الثاني ثم يقومون ويتأخر الصف الأول ويتقدم مَنْ في الصف الثاني ويفعلون كما فعلوا في الركعة الأولى، وهذا حيث كان العدو تجاه القبلة.
وهناك صفة أخرى: وهي ما تقدم من أن النبي - صلى الله عليه وسلم - صلى بطائفة ركعة وبطائفة أخرى ركعة ولم يقضوا كما في حديث حذيفة وتقدم أن هذا حيث كان الخوف شديداً.
وهناك صفة أخرى ثبتت في النسائي من حديث جابر – وفي أبي داود من حديث أبي بكرة وهي صفة ظاهرة، وهي: أن النبي - صلى الله عليه وسلم -: (صلى بطائفة ركعتين ثم سلم، ثم صلى بالآخرين ركعتين ثم سلم) .
وهذا لا إشكال فيه.
ومن هنا يجوز لهم أن يقسموا أنفسهم إلى جماعات، فتصلي هذه الجماعة الآن والجماعة الأخرى في وقت آخر، وإنما كان النبي - صلى الله عليه وسلم - يفعل ما تقدم لفضيلة إمامته – عليه الصلاة والسلام – وإلا فلو قسموا أنفسهم قسمين فصلت الطائفة الأولى ثم صلت بعدهم الطائفة الأخرى فذلك لا بأس به.
ولنقف عند الصفة المختارة التي اختارها الإمام أحمد رحمه الله.
مسائل:
المسألة الأولى: إذا كان في الإقامة فأراد أن يصلي أربعاً أو في السفر وأراد أن يصلي المغرب فحينئذ هل يكون انتظار الإمام عند القيام أم عند التشهد.
قولان لأهل العلم في الأولى: وعليه: فإن أي الصفتين فعل فلا بأس.
فسواء قام وانتظرهم قائماً أم جلس فلا بأس لكن أيهما الأولى؟
الأظهر أن الأولى أن ينتظرهم وهو جالس؛ لأن الانتظار إنما فعل في حال القيام في الصورة المتقدمة للاحتياج إليه – حينئذ –، وإلا فإن فيه مشقة على الإمام في التطويل في القيام في انتظاره هؤلاء حتى يسلموا ثم هؤلاء حتى يأتوا.
وأما الجلوس فإنه لا مشقة عليه ما في انتظارهم فيه، وفيه مصلحة أخرى: وهي أن تدرك الطائفة الثانية أول شروعه في الركعة الثالثة.
المسألة الثانية: في الانتظار حيث كانت الصلاة ركعتين فقد تقدم أنه ينتظر في حال قيامه، فينتظر الطائفة الأولى حتى تسلم وتأتي الطائفة الأخرى، وفي حال جلوسه ينتظر الطائفة الثانية حتى تتم صلاتها فيسلم بها.
فهل يشرع بالتشهد ويشرع بالقراءة في حال انتظاره أو ينتظرهم حتى يأتوا فيشرع؟
قولان لأهل العلم:
أظهرهما أنه يشرع بمجرد قيامه؛ لأن هذا هو الأصل فيما يشرع، ولأن خلاف ذلك يتضمن سكوتاً وهو ليس بمشروع في الصلاة، فحينئذ بمجرد قيامه يشرع بالفاتحة لكنه يطيل القراءة حتى تأتي الطائفة الأخرى فيدركون معه الفاتحة.
لكن إن ركع قبل أن يقرؤوا الفاتحة فذلك جائز لكنه خلاف السنة.
قال: (ويستحب أن يحمل معه في صلاتها من السلاح ما يدافع به عن نفسه ولا يثقله كسيف ونحوه)
من غير أن يكون ذلك يثقله كدرع ونحوه.
واستدلوا بقوله تعالى: ﴿وليأخذوا أسلحتهم﴾
قالوا: هذا يدل على مشروعية حمل السلاح أثناء الصلاة؛ ولأنه لا يؤمن أن يأتي الكفار على حين غرة من المسلمين فيتمكنون منهم.
وما ذكروه من الدليل ظاهر في مشروعية ذلك لكنه واضح في الوجوب كما هو مذهب الشافعية والظاهرية ومال إليه الموفق: وأنه يجب ذلك لظاهر الآية الكريمة ولأن الله قال: ﴿ولا جناح عليكم إن كان بكم أذى من مطر أو كنتم مرضى أن تضعوا أسلحتكم﴾ فنفى الحرج - نفاه - حيث كان المرض والأذى، فدل ذلك على ثبوت الجناح حيث لم يكن أذى ولا مطراً أو عذراً يقتضي ذلك.
وهذه الآية ظاهرة في وجوب ذلك كما هو اختيار الموفق ومذهب الشافعية والظاهرية وهذا القول هو الراجح.
والمعنى يقتضي ذلك أيضاً وهو حفظ المسلمين من إغارة العدو على حين إقبالهم على صلاتهم ولا سلاح معهم يتمكنون به الدفاع عن أنفسهم.
أما إذا كان الخوف شديداً لا يتمكن به المسلم أن يصلي على الصور المتقدمة فإنه يصلي على حاله راكباً وماشياً ومستقبل القبلة وغير مستقبلها وهو يقاتل العدو ويضرب بسيفه، فإنه يصلي على حاله حيث حضرت الصلاة.
ودليله قوله تعالى: ﴿فإن خفتم فرجالاً أو ركباناً﴾ قال ابن عمر – كما في الصحيحين: (فإن كان خوف هو أشد من ذلك فرجالاً قياماً على أقدامهم أو ركباناً مستقبلي القبلة وغير مستقبليها) وهذا من تخفيف الله لهذه الأمة.
وهنا مسائل – على هذه الصورة:
الأولى: وهي داخلة في هذه المسألة والمسائل قبلها – أنه إذا صلى صلاة الخوف على هذه الصورة وغيرها من الصور من غير خوف يقتضي ذلك فإن الصلاة تبطل؛ لأن هذه الصلاة على هيئة لا تصح في حال الأمن لما فيها من مفارقة الإمام بلا عذر وترك متابعته، والصلاة مع العمل أو ترك استقبال القبلة سوى ما تقدم من صلاته ركعتين بطائفة وركعتين بطائفة أخرى فإن هذه الصلاة صحيحة أمناً وخوفاً.
إذن: إذا صلى صلاة الخوف المفارقة لصلاة الأمن فصلاها ولا خوف أو لا خوف يقتضي ذلك فإن الصلاة تبطل.
الثانية:
فإن ظن شيئاً كأن يرى شيئاً فيظن أنهم الكفار قدموا عليهم وكأن تأتيهم مدد من المسلمين فيظنوهم الكفار – فيصلون صلاة الخوف بناء على أن هذا شيء يقتضي صلاة الخوف فتبين لهم أنه ليس بعدو فهل يعيدون الصلاة أم لا؟
قولان لأهل العلم:
الحنابلة قالوا: يجب عليهم أن يعيدوا الصلاة؛ لأنهم تركوا واجباً من واجباتها وهو ما تقدم مما يترك في صلاة الخوف.
قال الشافعية - وهو أرجح –: بل لا يعيدونها؛ لأنهم صلوا الصلاة مع ظنهم القوي الغالب المؤثر في الحكم، أن الصلاة تجوز لهم – حينئذ –، فقبلت الصلاة منهم وصحت، فإذا تبين لهم سوى ذلك فإنه لا يؤثر، فإنهم قد أدوا الصلاة مع وجود السبب المقتضي لذلك.
الثالثة: إذا تغير الأمر من أمن إلى خوف، أو من خوف إلى أمن أثناء الصلاة فما الحكم؟
يجب على كل منهما أن ينتقل إلى الصلاة الأصلية لزوال السبب المقتضي لخلافها.
فمثلاً: رجل يصلي راكباً وهو يقاتل العدو غير مستقبل القبلة فزال الخوف وانتصر المسلمون – وهو يصلي – فيجب عليه أن ينزل فيتم صلاته مستقبلاً القبلة.
والعكس كذلك: فلو كان يصلي صلاة الآمنين فحدث أمر يخيف كأن يكون المسلمون يصلون صلاة الآمنين فأتاهم الكفار على حين غرة فإنهم يتمون صلاتهم رجلاً وركباناً.
إذن: إذا حدث السبب المجيز لصلاة الخوف فإنهم يتمون كصلاة الخوف.
الرابعة: هل يلحق في كونه يصلي راكباً أو راجلاً – هل يلحق بذلك إذا خاف فوات طلبه، كأن يكون يلحق عدواً له من الكفار مثلاً، فخشي أن يمكث على الأرض فصلى أن يفوته هذا العدو وعلم أنه إذا لحقه وصلى راكباً أو راجلاً فإنه يدركه، فهل يجوز له أن يصلي كذلك؟
قال الحنابلة: يجوز ذلك.
واستدلوا: بما رواه أبو داود من حديث عبد الله بن أنيس أن النبي - صلى الله عليه وسلم -: (بعثه إلى قتل خالد بن سفيان الهذلي فأدركه وعلم أنه إذا مكث للصلاة أنه يفوته فصلى ماشياً يومئ بصلاته حتى أدركه فقتله) وهو وجه عن الشافعية.
والوجه الثاني – عند الشافعية – وهو الأصح عندهم: أن ذلك لا يجوز، وهو مذهب جمهور العلماء.
قالوا: لأنه محصل لا خائف، والصلاة إنما شرعت عند الخوف، وهذا في الحقيقة ليس بخائف لكنه محصل لأمر.
قالوا: والجواب - لم أره لهم لكن هذا مقتضى قولهم، الجواب - على الحديث المتقدم فهو ضعيف؛ لأن فيه محمد بن إسحاق وقد عنعن وهو مدلس.
والراجح مذهب الشافعية وهو مذهب الجمهور: وأنه لا يجوز ذلك لضعف الحديث الوارد، ولأنه محصل لا خائف والصلاة إنما شرعت عند الخوف.
لكن يستثنى من ذلك – كما استثنى الشافعية – ما إن ترك متابعته أن يعود إليه العدو فيدركه ويكون منقطعاً عن أصحابه فيخشى على نفسه فيكون حينئذ بحكم الخائفين.
الخامسة: قال الحنابلة: إذا كان ذاهباً إلى عرفة وخشي أنه إن وقف وصلى أن يفوته الوقوف فيها، بحيث أنه لا يمكنه أن يدرك إلا الشيء اليسير من ليلتها، فخشي أن يفوته الوقوف بعرفة، فيجوز له أن يصلي صلاة الخائف، وهو هنا محصل كما تقدم فهي مقيسة على المسألة السابقة.
وهذا اختيار شيخ الإسلام وتلميذه ابن القيم وهو وجه عند الشافعية.
والوجه الثاني، وهو المصحح عندهم: أن ذلك لا يجوز؛ لأنه محصل لا خائف، والصلاة فرض على الهيئة المشروعة لا يستثنى من ذلك إلا ما ورد في النصوص، ومثل هذا لم يرد في النصوص الشرعية.
وهذا أظهر وأنه لا يجوز ذلك؛ لأنه لا دليل على الاستثناء.
أما مسألة الجمع فنعم لكنه غير وارد في صلاة الفجر، فليست المسألة جمعاً ليقبل بذلك.
والحمد لله رب العالمين.
باب: صلاة الجمعة
الجمعة: الميم حكي كسرها، وكذلك بالضم وبالفتح وبالسكون، ففيها أربع أوجه، ولغة الحجاز ضمها وهي التي نزل بها القرآن.
وسمي يوم الجمعة بذلك: لأن القيامة تقوم فيه وهو يوم الجمع، وثبت في مسلم عن أبي هريرة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال – في يوم الجمعة -: (وفيه تقوم الساعة)
والناس – أيضاً – فهم يجتمعون فيه لأداء الصلاة المكتوبة فيجتمعون في مسجد واحد في المقر الكبير فسمي بذلك، وسمي جمعة أيضاً لأنه هو اليوم الذي جمع الله فيه خلق آدم، كما ثبت هذا في مسند أحمد وصححه ابن خزيمة بإسناد جيد أن النبي صلى الله عليه وسلم قال لسلمان: (يوم الجمعة يوم جمع فيه أبوك أو أبوكم)
فهو يوم الجمعة لأن الجمع للخلق في الآخرة يكون فيه، والجمع للمسلمين في الدنيا يكون فيه، ولأن الله جمع فيه خلق أبي البشر آدم صلى الله عليه وسلم.
وصلاة الجمعة مستقلة عن صلاة الظهر، والظهر بدل عنها، ودليل ذلك: ما ثبت في سنن النسائي بإسناد صحيح وتقدم –من حديث عمر– وفيه: (وصلاة الجمعة ركعتان تمام غير قصر)
وعند الإمام أحمد: أنها ظهر مقصورة وهو ضعيف بدليل أن الإمام لا يجوز فيها باتفاقهم، بخلاف الصلوات المقصورة في السفر فإنها لو أتمت لصحت خلافاً لأبي حنيفة.
فإذن الصحيح أنها مستقلة والظهر بدل عنها.
قال: (تلزم)
فهي فرض عين وهذا بالإجماع فحضورها فرض عين على من سيأتي ذكره.
يدل على ذلك قوله تعالى: ﴿يا أيها الذين آمنوا إذا نودي للصلاة من يوم الجمعة فاسعوا إلى ذكر الله﴾ وهذا أمر وهو للوجوب وقال - صلى الله عليه وسلم - كما في مسلم: (لينتهين أقوام عن ودعهم الجمعات أو ليختمن الله على قلوبهم ثم ليكونن من الغافلين) وقال في النسائي بإسناد صحيح: (رواح الجمعة واجب على كل محتلم)
وقال – كما في سنن أبي داود والحديث صحيح -: (الجمعة حق واجب على كل مسلم في جماعة إلا لمملوك أو امرأة وصبي ومريض) وقد تقدم الخلاف في صلاة الجماعة، أما الجمعة فإنها فرض بإجماع أهل العلم.
قال: (كل ذكر حر مكلف مسلم)
" كل ذكر ": فلا تلزم الأنثى.
" حر": فلا تلزم المملوك.
" مكلف ": فلا تلزم الصبي والمجنون.
" مسلم ": فلا تلزم الكافر ولا تصح منه.
أما الكافر فهذا ظاهر، وأما من تقدم ذكره: فللحديث المتقدم: (إلا مملوك وامرأة وصبي ومريض) ، فلا تجب الجمعة على الصبي غير المكلف ومثله المجنون لأنه غير مكلف فهو أولى، ولا تصح من المجنون فهو أولى من الصبي لأنها تصح منه، والمرأة لا تجب عليها الجمعة كما أنها لا تجب عليها الجماعة، والمملوك لا يجب عليه أن يحضر الجمعة.
إذن: هي واجبة على المسلم الذكر الحر المكلف للحديث المتقدم، وهذا باتفاق أهل العلم.
واتفقوا على أنهم لو صلوها لصحت، فلو أن امرأة أو مملوكاً أو مريضاً أو صبياً شهدوا الجمعة فصلوها ركعتين صحت، على أنهم لو صلوها في بيوتهم لصلوها أربعاً، وهذا باتفاق أو إجماع العلماء.
قال: (مستوطن ببناء)
لابد للوجوب عليه من أن يكون مستوطناً ببناء معتاد، سواء كان هذا البناء بلبن أو حجر أو قصب أو خوص أو نحو ذلك، فإن كان مستوطناً بخيام وهو لا يرتحل شتاءً ولا صيفاً فإنها عند جمهور العلماء لا تصح منه ولا يجزئ عنه، ولا يجوز لهم أن يقيموا الجمعة بل يصلوها ظهراً أو يشهدوا الجمعة فيما حولهم من المساجد التي في القرى التي تصح الجمعة منهم إذا حضروها، وأما إن يقيموها في محلهم وإن كانوا لا يرتحلون عنه شتاءً ولا صيفاً فلا تجوز.
- وقال الشافعي في أحد قوليه وهو اختيار شيخ الإسلام ابن تيمية وقال في الفروع: " وهو متوجه ": إن إقامة الجمعة لهم صحيحة جائزة، وهذا هو الظاهر؛ إذ المناط إنما هو الاستيطان، فما داموا مستوطنين بهذا الموضع لا يرتحلون عنه شتاءً ولا صيفاً فإنه لا فرق بينهم وبين أصحاب البناء من حجر أو غيره، وهذا هو الراجح.
أما أصحاب الخيام الذين يرتحلون شتاءً وصيفاً فإنه لا خلاف بين أهل العلم أنه لا يجزؤهم أن يصلوا الجمعة.
وإقامة الجمعة في القرى مع عدم ثبوت المصر الجامع هو مذهب جمهور العلماء.
ودليلهم: ما ثبت في البخاري عن ابن عباس قال: (أول جمعة جمعت في مسجد النبي صلى الله عليه وسلم في قرية بالبحرين 1) فهي قرية ومع ذلك صحت فيها الجمعة.
وقال عمر – كما في مصنف أبن أبي شيبة -: (جمعوا حيث شئتم) فتقام في القرى والأمصار.
وقال الأحناف: لا تقام إلا في الأمصار.
واستدلوا: بقول علي كما في مصنف عبد الرزاق: (لا جمعة إلا في مصر جامع) والجواب عنه: أنه يخالف ما ثبت عن عمر رضي الله عنه كما تقدم بل ما أقر عن جماعة الصحابة في إقامة الجمعة في القرية التي تقدم ذكرها، وكان ذلك إما في عهد النبي صلى الله عليه وسلم وإما في عهد أبي بكر وعمر ومع ذلك لم تنكر.
ثم إنه لا فرق بين المصر والقرية في إقامة الجمعة، ويحمل كلام علي رضي الله عنه جمعاً بينه وبين كلام عمر رضي الله عنه أنه لا جمعة كاملة إلا في مصر جامع.
ولو كان مراده " لا جمعة صحيحة " فإن أثر عمر يخالفه وأثر ابن عباس يخالفه، والنظر مع ما رواه ابن عباس ووافقه عمر رضي الله عنه إذ لا فرق بين المصر الجامع وبين القرية بخلاف الخيام التي لا يستوطن أهلها بمكان فإن المعنى يفارقها ففرق بينها وبين المصر الجامع.
قال: (بناء اسمه واحد ولو تفرق)
يعنى يجوز وإن كان متفرقاً - بيتاً هنا وبيتاً هناك - ما دام أن اسمه واحد وقد كانت المدينة متفرقة البيوت، وكانت بريداً في بريد أي أربعة فراسخ في أربعة فراسخ وكان أهلها متفرقون فيها ومع ذلك يجمعها اسم واحد ولم يقم في أي دار من دورهم جمعة على أنها قرية مختصة.
فالجمعة كانت في مسجد النبي صلى الله عليه وسلم وكل محلة من محلاتهم ودار من دورهم يثبت له اسم المدينة – وهذا هو الثابت في العرف واللغة – فكون البيوت متفرقة مع اتحاد الموضع هذا لا يؤثر، ومعلوم أن هذا من طبيعة العرب في بنائهم للبيوت وهو التفرق ومع ذلك يطلقون على محلاتهم اسماً واحداً فلها حكم واحد.
قال: (ليس بينه وبين المسجد أكثر من فرسخ)
هنا: المصلي الذي توفرت فيه الشروط المتقدمة له حالتان:
الأولى: أن يكون في هذا المصر وفي هذه القرية فحينئذ يجب عليه أن يجيب النداء ويشهد الجمعة وإن كان بينه وبينها أكثر من فرسخ.
فلو كان بينه وبينها فرسخان أو أكثر فيجب أن يحضرها لأن الجمعة قد أقيمت له، والجمعة – كما سيأتي – إنما تقام في مسجد واحد لأهل البلد كلهم.
فأهل المصر الواحد يجب عليهم جميعاً أن يحضروا الجمعة وإن كان بعضهم في أطرافها يبعد أكثر من فرسخ ولا خلاف بين أهل العلم في هذا.
فالمدينة كانت بريداً في بريد ومن كان في أقصاها ويبعد عن المسجد فرسخان أو ثلاثة، فيجب ... لأنه لا جمعة إلا ….
الثانية: أن تكون خارج المصر أو القرية كالبيوت النائية التي لا تتصل بالقرى وليس عندهم جمعة يقيمونها وكالخيام النائية فهل يجب عليهم حضور الجمعة أم لا؟ وإن قلنا بوجوبها فما هو المسافة المحددة لوجوب ذلك؟
أ – ذهب الأحناف: إلى أنه لا يجب عليه ذلك بل تجب على من كان في المصر.
ب – قال الشافعية: يجب على من سمع النداء وإن كان أكثر من فرسخ.
جـ – وقال الحنابلة والمالكية: يجب عليه إذا كان فرسخاً فأقل وما كان قريباً من الفرسخ كأن يكون فرسخاً وشيئاً قليلاً فإن الحكم فيه واحد فالمسألة تقريبية لا تحديدية أي فمن كان فرسخاً ونحو الفرسخ فأقل فيجب عليه حضور الجمعة.
أما الأحناف: فدليلهم أن الجمعة قد أقيمت في أهل المصر فلا يجب على غيرهم حضورها.
وهم محجوجون بما سيأتي ذكره من الأدلة.
وأما دليل الشافعية: فهو قوله صلى الله عليه وسلم: للأعمى: (أتسمع النداء؟ قال: نعم، قال: فأجب) وهذا الحديث عام فيمن كان من أهل القرية نفسها ومن كان قريباً منها وهو يسمع النداء.
قالوا: وأصرح منه أن النبي صلى الله عليه وسلم – كما في سنن أبي داود – قال: (الجمعة على من سمع النداء) لكن الحديث الراجح وقفه - كما رجح ذلك البيهقي – فهو موقوف على ابن عمرو.
لكن الحديث الأول الثابت في مسلم فيه غُنية عنه مع أنه موقوف على صحابي.
وأما المالكية والحنابلة: فقالوا: إن جعلنا لهذا الضابط مع ورود السنة فيه، إن جعلنا له ضابطاً هو ليس بضابط فيضبط لأن هذا يختلف باختلاف صوت المؤذن خفة ورفعاً.
ويختلف باختلاف صدور الأصوات شدة وخفة.
ويختلف أيضاً بحسب الريح كذلك، فإن الريح إذا أتت بخلاف الصوت خفضته بل لا يكاد يسمع، وإذا كانت الريح معه نشرته، وهكذا فإن هذا باختلاف الريح شدة وخفة وباختلاف الأصوات شدة وخفة وصحيحاً، وتختلف باختلاف المؤذن وعلوه ورفعه لصوته.
قالوا: ونظرنا فوجدنا أن المؤذن إذا أذن في موضع عال على السنة، وكان رفيع الصوت صيتاً – كما وردت به السنة – وكان الصوت هادئاً والريح ساكنة فإن أذانه يصل إلى فرسخ وهو ثلاثة أميال أي نحو 5 كيلو مترات، وهذا ظاهر، فإذا جعلنا هذا ضابطاً فهذا يكون منضبطاً ظاهراً، وحينئذٍ يكون كما لو كان المؤذن على عهد النبي صلى الله عليه وسلم، وكما لو كان في الأحوال العادية الطبيعية من سكون الريح ومن كون الأصوات هادئة.
ولأن خلاف هذا يؤول إلى إيجاب الجمعة على قوم وعدم إيجابها على قوم هم مما يكون لهم أولى منهم، فإن الصوت إذا ذهب به الريح إلى جهة أدى ذلك إيجابه على هذه الجهة دون غيرهم ممن هم أقرب منهم.
وكذلك باختلاف سمع الناس وباختلاف صوت المؤذن.
فإذا: أذن مؤذن حيث وصل الأذان إليهم فوجبت فإذا أذن في جمعة أخرى مؤذن خفيف الصوت لم تجب ذلك عليهم، فحينئذٍ لا يكون ذلك منضبطاً.
فالراجح ما ذهب إليه أهل هذا القول: من أن الحساب يكون بفرسخ – وهذا لا شك حيث لم يكن فيه مشقة – إذ المشقة متى ثبتت فإنه لو كان قريباً من المسجد فلا يجب على الحضور.
وهذا في العادة ليس فيه مشقة إذا كان ست كيلو مترات أو نحو ذلك فإن هذا أحياناً يكون ممن في أطراف المدينة يبعد أكثر من ذلك، والمدينة كانت بريداً في بريد يعني أربعة فراسخ في أربعة فراسخ، فكان بعض الناس يبعد عن المسجد النبوي وهو من أهل المدينة فرسخان أو أكثر أو نحو ذلك فهذا إذاً لا مشقة فيه.
- وذهب طائفة من أهل العلم: إلى أن من آواه بيته ومنزله قبل الليل فإنه يجب عليه أن يحضرها.
فإذا ذهب صباحاً وعلم أنه يعود قبل الليل فيجب عليه حضورها.
واستدلوا: بحديث لا يثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم رواه الترمذي: (الجمعة على من آواه الليل) لكن الحديث لا يثبت وإسناده ضعيف جداً.
والحمد لله رب العالمين قال المؤلف رحمه الله تعالى: (ولا تجب على مسافر سفر قصر)
تقدم البحث عن سفر القصر وهو السفر الذي يثبت به سفر القصر.
وقوله: " سفر قصر " بناءً على أن السفر قسمان:
سفر طويل: وهو سفر قصر.
وسفر قصير: وهو السفر الذي لا يثبت به القصر.
فما كان دون أربعة برد فهو السفر القصير، وما كان أربعة برد فما فوق فهو السفر الطويل، وتقدم أن هذه القسمة لا تصح ولا دليل عليها من الشرع ولا اللغة ولا العرف.
والمقصود هنا: أنه على اختلاف أهل العلم، فمتى قلنا: إن السفر سفر قصر تقصر فيه الصلاة، وأن هذا مسافر سفراً تقصر بمثله الصلاة فإنه لا تجب عليه الجمعة.
فإذن: المسافر لا تجب عليه الجمعة.
ويريدون بالمسافر: من ليس بمستوطن ولا مقيم، والمستوطن من اتخذ البلدة أو القرية أو المصر ونحو ذلك اتخذه وطناً.
وأما المقيم فهو من لم يتخذه وطناً لكنه نوى إقامة تمنعه من القصر، والذي لا تجب عليه الجمعة هو المسافر وهو: من نوى إقامة أربعة أيام فأقل.
إذن: المقيم والمستوطن تجب عليهم صلاة الجمعة.
وأما المسافر الذي يحق له أن يقصر الصلاة يجوز له أن يدع الجمعة فلا يحضرها ويصليها حينئذٍ ظهراً.
- والمذهب: أنه لا فرق بين أن يكون هذا في جماعة من المسافرين ليس تحضرهم جمعة كأن يكونوا في الطريق فيدركهم الوقت أو يكون في بلدة فينزل فيقيم فيها إقامة يثبت فيها القصر، ففي كلا الصورتين لا يجب عليه حضور الجمعة ومن هنا عبر المؤلف بقوله: " ولا تجب على مسافر " لتدخل هذه الصورة الثانية بظهور.
لأن الأولى غير جائزة ولا مجزئة فلوا صلوا جمعة لبطلت والواجب عليهم أن يصلوا ظهراً.
والنبي صلى الله عليه وسلم – وهذا باتفاق العلماء – لم يكن يصلي في سفره جمعة لا في حجته ولا في غزواته وعمرته.
ومن ذلك ما ثبت في صحيح مسلم أن النبي صلى الله عليه وسلم: (أتى عرفة فصلى بها الظهر ثم أقام فصلى العصر) وكان ذلك يوم جمعة، ودل عليه فعل الخلفاء الراشدين وأصحاب النبي صلى الله عليه وسلم عامة فإنهم كانوا لا يقيمون الجمعة في السفر.
وروى الدارقطني مرفوعاً عن ابن عمر أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (ليس على المسافر جمعة) ورواه الطبراني في الأوسط من حديث أبي هريرة، وكلا الإسنادين ضعيف، لكن كلاً منهما يشهد للآخر وفعل النبي صلى الله عليه وسلم وفعل أصحابه يشهد لذلك.
واحتمل شيخ الإسلام: أن المسافر الذي يكون في مكان ينادى فيه لصلاة الجمعة تلزمه للمقيمين، وقال في الفروع: " وهو متوجه " وقاله بعض الحنابلة وحكي رواية عن الإمام أحمد.
فهذا قول ثاني في الصورة الثانية، أما المسألة الأولى فلا خلاف فيها كما تقدم.
أما المسألة الثانية: فالجمهور على أنه لا يجب عليه حضورها.
- وقال ابن تيمية محتملاً: إنه تلزمه تبعاً للمقيمين، وحكي ذلك رواية عن أحمد وهو وجه عند الحنابلة وهو قول متوجه كما قال ذلك صاحب الفروع.
ودليل توجهه عمومات النصوص الشرعية التي تأمر بإجابة النداء عند سماعه، ومن ذلك - في خصوص الجمعة – قوله تعالى: ﴿يا أيها الذين آمنوا إذا نودي للصلاة من يوم الجمعة فاسعوا إلى ذكر الله﴾ وهذا عام في كل من سمعه من أهل المصر أو القرية سواء كان مسافراً أو مقيماً، وهذا القول أظهر في صلاة الجمعة وفي غيرها من الصلوات فيجب عليه أن يجيب منادي الله عز وجل، لعمومات النصوص الشرعية.
قال: (ولا عبد ولا امرأة) تقدم الدليل على هذا وهو باتفاق أهل العلم لحديث: (الجمعة حق واجب على كل مسلم في جماعة إلا أربعة – وذكر منهم – المرأة والمملوك) قال: (ومن حضرها منهم أجزأته)
اتفاقاً: فمن حضرها من هؤلاء الأربعة – المريض أو المسافر أو المرأة أو العبد - أجزأت عنه بإجماع العلماء وقد تقدم ذكر هذا.
قال: (ولم تنعقد به)
أي لم تنعقد بالعبد والمرأة والمسافر، وسيأتي استثناء المريض.
فإذا قلنا إن الجمعة لا تنعقد إلا بأربعين كما هو المشهور في المذهب – وسيأتي الكلام فيه – فهل يدخل في هذا العدد المرأة والمملوك والمسافر فتنعقد بهم أم لا؟
قال: (ولم تنعقد بهم)
أما المرأة فهذا باتفاق أهل العلم ولا خلاف بينهم في ذلك، لأنها ليست في الأصل محلاً للاجتماع لها، فالمرأة بإجماع أهل العلم واتفاقهم لا تنعقد بها الجمعة.
وأما المملوك والمسافر:
فهذا مذهب الجمهور: وهو أنها لا تنعقد بهم.
وقال الأحناف، وهو اختيار شيخ الإسلام: بل تنعقد بهم، وهذا القول هو الراجح، لأنهم رجال مكلفون حضروها فانعقدت بهم، وقد صحت منهم، وهم أهل للاجتماع وإنما خفف عنهم هذا الحكم لمعنى يقتضي ذلك.
فأما في المسافر فلعل ذلك لمشقة ذلك عليه أو لرفع الحرج عنه، وأما المملوك فلرفع الحرج عن سيده أو نحو ذلك، فإذا حضروها فإنها تنعقد بهم ولا دليل يدل على عدم انعقادها بهم.
قال: (ولم يصح أن يؤم فيها)
أما المرأة فظاهر، وقد تقدم البحث في هذا.
وأما المسافر والمملوك:
فكذلك عندهم.
وقال الجمهور " الشافعية - والمالكية: المسافر فقط – والأحناف ": بل المسافر والمملوك يصح أن يؤم فيها.
ومذهب المالكية أنه يصح في المسافر دون المملوك.
والصحيح صحة ذلك خلافاً للمشهور في المذهب، وأن المسافر والمملوك يصح أن يؤموا فيها، وما ذكروه علة فهو ضعيف.
فقد ذكروا أن المسافر والمملوك تبع لأهل البلدة في انعقاد الجمعة فلا يصح أن يكون التابع متبوعاً.
لكن هذا ضعيف ظاهر الضعف؛ لأن هؤلاء قد صحت صلاتهم ولا دليل شرعي يبطل إمامتهم بل الأدلة الشرعية تدل على أنهم أولى من غيرهم بالإمامة إذا توفرت بهم الشروط على وجه التمام والكمال، وهذا هو الصحيح.
فإذن: المسألة على الراجح: المرأة لا تنعقد بها ولا تؤم، والمريض تنعقد به ويؤم – هذا بالاتفاق وسيأتي – والمسافر والمملوك – على الراجح – تنعقد بهم ويؤموا أيضاً.
إذن: كل من حضرها من الذكور المكلفين سواء كانوا مسافرين أو مقيمين أحراراً أو مماليك تنعقد بهم الجمعة وتصح إمامتهم – هذا الراجح – وهو مذهب الأحناف في هذه الصور كلها، ووافقهم في بعض الصور طائفة من أهل العلم كما تقدم.
لذا قال هنا في استثناء المريض:
قال: (ومن سقطت عنه لعذر وجبت عليه بحضوره)
فالمريض إذا حضر المسجد وجبت عليه الجمعة، لأنها إنما سقطت عنه في الأصل لمشقة حضورها فإذا حضر فإنها تكون واجبة.
ولكن هذا في الحقيقة ليس على إطلاقه إذ قد يكون المرض يمنعه من إطالة البقاء فقد يشق عليه البقاء فيرى مشقة ذلك على نفسه فيجوز له أن يرجع إلى بيته، لكن المقصود من ذلك أنه متى حضر إلى المسجد فإنه حينئذٍ تكون واجبة عليه إلا أن تطرأ مشقة أخرى تقتضي إسقاطها عنه.
إذن: المريض باتفاق أهل العلم إذا حضر الجمعة فالجمعة واجبة عليه – وحينئذٍ – تنعقد به ويصح أن يكون إماماً فيها؛ وذلك لأنها إنما أُسقطت عنه لمشقة ذلك عليه فإذا حضرها فقد زالت المشقة المسقطة للحكم فكانت الجمعة واجبة عليه منعقدة به وكان إماماً فيها إذ لا معنى يقتضي خلاف ذلك وإنما سقطت عنه في الأصل لكونه مريضاً فإذا أتاها جاز أن يكون إماماً وانعقدت به.
قال: (ومن صلى الظهر ممن عليه حضور الجمعة قبل صلاة الإمام لم تصح)
رجل صلى في بيته أربع ركعات ظهراً ممن عليه حضور الجمعة فيستثنى – حينئذٍ – المرأة والمريض والمسافر والمملوك؛ لأنه ليس عليهم حضور الجمعة – وسيأتي في المتن استثناؤه – فإذا صلى قبل صلاة الإمام أو معه ما لم يفرغ الإمام فإنها لا تصح.
بل عليه [أن] ينظر فإذا تيقن أن الإمام قد سلم فحينئذٍ يصليها، وهذا باتفاق أهل العلم.
ودليل ذلك: أن هذا المكلف مخاطب بحضور الجمعة لقول الله تعالى: ﴿يا أيها الذين آمنوا إذا نودي للصلاة من يوم الجمعة فاسعوا إلى ذكر الله﴾ والظهر بدل عنها، وهو الآن مخاطب بالأصل ويمكنه أن يأتيه وليس ثمت عذر يقتضي إسقاط الجمعة عنه، وقد صلى البدل في غير موضعه فكان باطلاً، هذا هو مذهب جمهور العلماء وهو ظاهر؛ لأنه مخاطب فإنه مخاطب بحضور الجمعة في الأصل والظهر إنما هو بدل عن الجمعة لمن كان معذوراً أو فاتته الجمعة أما هذا فليس بمعذور ولم تفته الجمعة فكان الواجب عليه ألا يصليها إلا بعد صلاة الإمام.
وظاهر كلامهم: أنه لابد وأن ينتظر حتى يفرغ الإمام من صلاته، فإذا فرغ من صلاته وسلم فإنه يشرع في الصلاة، هذا هو ظاهر كلامهم في غير هذا المتن كما في المغني.
- وذهب بعض الحنابلة: إلى أن ذلك ليس بشرط بل متى ما علم أنه لو ذهب إلى المسجد فإنه لا يدركها فإنه يجوز أن يصليها ظهراً، لأنها في حكم الفائتة عنه فلا يمكن أن يدركها، فحينئذٍ لا يكون مخاطباً بالحضور لأن المخاطب بالحضور إنما هو القادر على حضورها وهذا ليس بقادر على حضورها لكنه آثم بتأخيره وعدم ذهابه في وقت يدرك به الجمعة، وهذا أظهر، لأنه متى ضاق عنه الوقت للذهاب لإدراكها فإنه في حكم من فاتته فيكون ليس مخاطباً بحضورها بل مخاطب بالقضاء وبالصلاة بدلها، والصلاة بدلها إنما هي الظهر.
- وخالف في ذلك الأحناف في أصل هذه المسألة وقالوا: لو صلى الظهر لصحت وإن كان يمكنه أن يحضر الجمعة، فلو صلاها من غير المعذورين قبل الجمعة لصحت.
قالوا: لأن الأصل إنما هي الظهر والجمعة بدل عنها، وهذا ضعيف في غاية الضعف لأن الجمعة أصل في يومها بدليل أنه باتفاق الجمهور والأحناف أنه يجب عليه أن يصليها جمعة في ذلك اليوم، ومعلوم أنه لا يمكن أن يقال بالبدل مع إمكان إيجاب أصله.
إذن: الراجح مذهب الجمهور وأنه لا يجوز له ذلك ولا تصح منه إذا أقيمت صلاة الجمعة وأمكنه إدراكها، وقد تقدم أن إطلاقهم – كما في المغني - شامل حتى يفرغ الإمام من الصلاة.
- وحينئذٍ- فلو أن قرية من القرى يمكنهم أن يقيموا الجمعة فلم يقيموها فصلوها ظهراً في وقت الجمعة لم تصح منهم لأن الفرض عليهم هو الجمعة.
لكن يستثنى هنا مسألة - في كون الرجل يصلي قبل الإمام الظهر – إذا تأخر الإمام تأخراً منكراً يشق على المأمومين فقام بعضهم فصلى منفرداً ظهراً فإن ذلك يجوز له ويعذر بذلك كما هو ظاهر كلام الإمام أحمد، وقد صرح به المجد بن تيمية.
قال: (وتصح ممن لا تجب عليه) فالذي لا تجب عليه الجمعة وهم المسافر والمريض والمرأة والمملوك إذا صلوا في بيوتهم فيجوز لهم أن يصلوا قبل صلاة الإمام؛ لأن العلة المتقدم ذكرها ليست فيهم فإنهم غير مخاطبين بالجمعة، فالخطاب الشرعي ليس بموجه إليهم لأنهم غير مكلفين بحضورها، وحينئذٍ الواجب عليهم بدلها وهو الظهر.
فلو أن مسافراً أو امرأة في بيتها صلوا الظهر بعد زوال الشمس قبل أن تُصلى الجمعة جاز ذلك، وهذا باتفاق أهل العلم.
قال: (والأفضل حتى يصلي الإمام) الأفضل له أي هذا المعذور في بيته الأفضل له حتى يصلي الإمام.
قالوا: خروجاً من الخلاف.
وهو خلاف أبي بكر عبد العزيز من كبار الحنابلة فإنه قد ذهب إلى أنه يجب عليهم أن ينتظروا فلا يصلوا حتى يصلي الإمام.
قال: لأنهم لا يتيقنون زوال العذر وحينئذ فتستثنى المرأة من هذا القول.
فمثلاً: المسافر لا يتيقن زوال العذر فقد ينوي الإقامة والمريض قد يشفى والمملوك قد يعتق ونحو ذلك.
وأجيب عن هذا: بأن الأصل غير ذلك فإن الأصل هو بقاء العذر لا زواله، كما أن الرجل إذا كان مسافراً وتيمم في أول الوقت فإن ذلك يجوز له مع أنه لا يتيقن زوال العذر لكن الأصل عدمه واستمراره.
والخروج من الخلاف فيه نظر، والصحيح أن الخلاف لا يترتب عليه حكم، إلا أن يقوى الخلاف فتكون المسألة من المشتبهات أما مطلق الخلاف فإنه لا يترتب عليه حكم شرعي.
قال: (ولا يجوز لمن تلزمه السفر في يومها بعد الزوال)
إذا زالت الشمس فلا يجوز لمن وجبت عليه الجمعة – سوى من استثنى كالمريض – فإذا زالت الشمس وإن لم يؤذن فلا يجوز له أن يسافر.
قالوا: لأن الوجوب يستقر في أول وقتها، فأول وقت الجمعة الواجب هو زوال الشمس مع أن أول وقتها الجائز مختلف فيه وسيأتي، فتستقر في ذمته، فلا يجوز له السفر؛ لأن الزوال قد دخل فاستقرت الصلاة في ذمته.
والصحيح أن الصلاة لا تستقر في الذمة إلا بالأذان وأنه إذا أذن ونودي فقد استقرت، لقوله تعالى: ﴿إذا نودي للصلاة من يوم الجمعة فاسعوا إلى ذكر الله﴾ فربط الله ذلك بالنداء فالراجح أن ذلك إنما هو بالنداء، فإذا أذن المؤذن فلا يجوز له أن يسافر لأنه مخاطب بحضورها مكلف بذلك موجهاً إليه الخطاب الشرعي بذلك فلا يحل له أن يسافر والحالة هذا، وهذا هو مذهب جمهور العلماء، فإذا أذن المؤذن فلا يجوز له أن يسافر.
وقال هنا: " بعد الزوال " وتقدم أن الظاهر أن الحكم مرتبط بالأذان لا بالزوال.
أما إذا سافر قبل زوال الشمس أو قبل الأذان فيجوز له ذلك، لقول عمر رضي الله عنه – كما ثبت ذلك عنه في مصنف عبد الرزاق – بإسناد صحيح أنه قال: (أن الجمعة لا تحبس مسافراً إلا أن يحين الرواح) أي إلا حين يجب الرواح وإنما يجب الرواح عند الأذان.
وأما ما رواه أحمد والترمذي أن النبي صلى الله عليه وسلم: بعث عبد الله بن رواحة في سرية يوم الجمعة فمكث بعض أصحابه فشهد الجمعة مع النبي صلى الله عليه وسلم ثم أراد أن يلحق بأصحابه فقال النبي صلى الله عليه وسلم: (لو أنفقت ما في الأرض ما أدركت فضل غدوتهم) والحديث إسناده ضعيف فيه الحجاج بن أرطاة وهو ضعيف مدلس.
فالحجة هو قول عمر ولأنه غير مكلف بحضورها حينئذٍ فجاز له أن يسافر.
إذن: - على الراجح – إن سافر وقد أذن فقد فعل أمراً محرماً إلا أن يكون في طريقه جمعة يغلب على ظنه أن يدركها فإن هذه مسألة أخرى، كأن تكون الخطبة فيها طول فيعلم أنه يحضر الصلاة في مسجد قريب من المدينة في قرية قريبة وتيقن من ذلك فلا بأس.
أما سوى ذلك فلا يجوز له.
والسفر قبل زوال الشمس جائز لكن قال الحنابلة بالكراهية.
وقال بعض الحنابلة: لا يكره، وهو أظهر؛ فإن الكراهية حكم شرعي ولا دليل عليه.
فإذن السفر قبل زوال الشمس يوم الجمعة جائز وليس فيه أي كراهية لعدم الدليل الدال على الكراهية.
مسألة:
ذكر الحنابلة أن من فاتته الجمعة فإنه يتصدق بدينار أو نصفه؛ لما روى أبو داود أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: (من ترك الجمعة بغير عذر فعليه دينار أو نصف دينار) ، والحديث ضعيف لا يثبت فلا يحتج به، وقد ذكره صاحب الفروع: وحكى الإجماع على عدم وجوب ذلك، والاستحباب فيه نظر؛ لأن الحديث ضعيف فلا يستدل به على مسألة إيجاب ولا استحباب.
والحمد لله رب العالمين
فصل
قال المؤلف رحمه الله تعالى: (يشترط لصحتها شروط ليس فيها إذن الإمام)
فلصحة الجمعة شروط يذكرها المؤلف، وليس فيها إذن الإمام.
فالمسألة: هل يشترط لإقامة الجمعة في قرية أو مصر أو في خيام على القول بصحتها قد استوطن أصحابها فيها لا يرتحلون عنها صيفاً ولا شتاءً هل يشترط في إقامتها إذن الإمام أم لا؟
قولان لأهل العلم:
1- المشهور عند الحنابلة وهو مذهب جمهور الفقهاء: وأن إذن الإمام ليس بشرط، وهو الذي يترجح في هذه المسألة.
واستدلوا: بقول عثمان رضي الله عنه: في الأثر المتقدم في صلاة إمام الفتنة فيهم وفيه أنه قال: (إن الصلاة أحسن ما يعمل الناس فإذا أحسنوا فأحسن معهم، وإذا أساؤا فاجتنب إساءتهم) والصلاة تشمل المكتوبة كلها، ومن ذلك الجمعة.
وقال الإمام أحمد: " وقعت الفتنة في الشام تسع سنين فكانوا يجمعون " أي من غير إذن الإمام.
قالوا: ولأن الجمعة فرض كما في حديث: (الجمعة حق واجب على كل محتلم في جماعة) وغيره من الأحاديث وفعل هذه الفريضة لا يشترط فيها إذن الإمام.
- وقال الأحناف، وهو رواية عن الإمام أحمد: بل يشترط فيها إذن الإمام.
واستدلوا: بأن الجمعة إنما يقيمها في كل الأعصار الإسلامية الأئمة، قالوا: فهذا إجماع يدل على أنها لا تشرع إقامتها إلا بإذنهم.
وفي هذا نظر – كما قرر ذلك الموفق في المغني – من وجهين: الأول: أن يقال: إن الإجماع هنا لا يسلم، فإن كونهم يقيمونها – أي الأئمة – لا يعنى ذلك أنهم مجمعون على أنهم لو لم يقيموها فإنها باطلة، بل فيه أن الأئمة يقيمونها، ففيه الإجماع على صحة الصلاة التي يقيمها الأئمة، وأن المشروع فيها في الأصل إقامة الأئمة، وليس فيه المنع من أن تقام بغير إذنهم.
إن هذا لا يسلم فإنها كانت تقام في قرى كثيرة في العصور الإسلامية بغير إذن الإمام، وادعاء وقوع ذلك بإذنه فيه عسر أي أن ذلك كله كان يقع بإذنه فيه عسر.
فما ذهب إليه أهل القول الأول هو الراجح وهو صحة الجمعة وإن لم يأذن الإمام، وسيأتي البحث في هذه المسألة إن شاء الله في مسألة تعدد الجمعات، وهل هذا الإذن غير معتبر من الإمام مطلقاً أو حيث كانت الجمعات متعددة.
فالراجح في أصل هذه المسألة أن إقامة الجمعة لا يشترط فيها إذن الإمام.
قال: (أحدها: الوقت)
فهو شرط للجمعة إجماعاً لقوله تعالى: ﴿إن الصلاة كانت على المؤمنين كتاباً موقوتاً﴾ والجمعة صلاة فدخلت في الصلوات المؤقتة، فالجمعة لها أول وآخر بإجماع أهل العلم، فلا تصح قبله ولا تصح بعده، وفرض أن تصلى فيه، وإن كانوا قد اختلفوا في بعض جزئيات هذه المسألة.
قال: (أوله أول وقت صلاة العيد وآخره آخر وقت صلاة الظهر)
أما كون آخر وقت صلاة الجمعة هو آخر وقت صلاة الظهر وهو وجوب أذان العصر فهذا بالإجماع.
- وإنما اختلفوا في أول وقتها:
فالمشهور عند الحنابلة: أن أوله أول وقت صلاة العيد أي إذا ارتفعت الشمس قيد رمح، وقد نص عليه الإمام أحمد.
والثاني، وهو رواية عن الإمام أحمد: أن أول وقتها في الساعة السادسة أي قبل زوال الشمس بنحو ساعة، وهو اختيار الموفق وأبي بكر عبد العزيز، وظاهر كلام الخرقي.
الثالث وهو رواية عن الإمام أحمد وهو مذهب الجمهور واختارها الآجري من أصحاب أحمد: أنها لا تصح إلا بعد زوال الشمس.
أما أدلة الجمهور: فهو القياس على صلاة الظهر، فإن الجمعة وإن كانت أصلاً في يوم الجمعة فهي بدل عن الظهر فيه، وإن كان الظهر في يوم الجمعة بدلاً عنها من جهة أخرى.
فالأصل الظهر لكن الشارع جعل الأصل في يوم الجمعة هو صلاة الجمعة، فكانت الظهر بدلاً عنها، فالأصل إنما هو في سائر الأيام هو صلاة الظهر، لكن الشارع استثنى من ذلك يوم الجمعة فجعل الجمعة أصلاً فيه، والظهر بدلاً عنها، وكون الظهر بدلاً عن الجمعة يدل على ارتباط بعضها ببعض.
قالوا: فحينئذٍ وقتها هو وقت صلاة الظهر.
قالوا: وهو الثابت عن النبي صلى الله عليه وسلم، فقد صح عنه من حديث سلمة بن الأكوع – كما في الصحيحين – قال: (كنا نصلي مع النبي صلى الله عليه وسلم الجمعة ثم ننصرف وليس للحيطان ظل يُستظل به) ، وفي مسلم: (كان يصلي إذا زالت الشمس ثم نرجع نتتبع الفيء) وثبت من حديث أنس قال: (كان النبي صلى الله عليه وسلم يصلي الجمعة حين تميل الشمس) أي حين تزول.
أما دليل من قال: إنها في الساعة السادسة: فهو ما ثبت في مسلم أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (ومن راح في الساعة الخامسة فكمن قرب بيضة فإذا خرج الإمام ... .) الحديث.
فرتب النبي صلى الله عليه وسلم خروج الإمام بعد انتهاء الساعة الخامسة أي قبل الجزء الأخير - السادس - من الوقت الذي بين أول الرواح إلى الجمعة المستحب وبين زوال الشمس.
قالوا: فهذا الحديث يدل على أن الإمام يجوز أن يخرج بعد انتهاء الساعة الخامسة، وزوال الشمس يكون بعد انتهاء الساعة السادسة، وهم كانوا يقسمون النهار إلى اثني عشرة ساعة، فما بين الفجر إلى زوال الشمس ست ساعات، وما بين زوالها إلى غروبها ست ساعات، وإن كان مقدار الساعة يختلف صيفاً وشتاءً طولاً وقصراً.
ولما ثبت في صحيح مسلم عن جابر قال: " كان النبي - صلى الله عليه وسلم - يصلي الجمعة ثم نذهب إلى جمالنا فنريحها حين تزول الشمس "
ولما ثبت في الصحيحين من حديث سهل بن سعد قال: (ما كنا نقيل ولا نتغدى إلا بعد الجمعة) قالوا: والقيلولة والغداء إنما يكون قبل زوال الشمس.
قالوا: والذي منعنا من أن نطلق فنقول كما قال أهل القول الثالث وهو قول الجمهور: أن الأصل هو قياس الجمعة على الظهر كما تقدم ولم نستثن إلا ما وردت به النصوص الشرعية، وهو ما كان قبيل الزوال في الساعة السادسة.
أما القول الثالث، وهو نص الإمام أحمد وهو المشهور عند الحنابلة: أن أول وقتها أول وقت صلاة العيد.
واستدلوا: بالأحاديث التي استدل بها أهل القول الثاني.
قالوا: هذه الأحاديث التي استدللتم بها تدل على أن وقت الجمعة ليس كوقت الظهر، فكون الشارع يثبت فرقاً بينهما فلا يصح – حينئذٍ – القياس؛ لأنه قياس مع الفارق، فهذه أحاديث صحيحة تدل على أنه كان يصلي قبل زوال الشمس فدل على أن الجمعة لا تقاس بالظهر، لأن الظهر لا تصح إلا إذا زالت الشمس.
قالوا: والمعنى يقتضي ذلك، فعندنا قياس هو أظهر من هذا القياس وهو قياس الجمعة على العيد، فإن الشارع قد فرَّق بين وقت الجمعة ووقت الظهر كما تقدم من كون النبي صلى الله عليه وسلم ثبت عنه أنه قد صلى الجمعة قبل الزوال فدل على أن القياس ضعيف.
أما قياسنا على العيد فهو أظهر، فإن الجمعة عيد الأسبوع، وقد قال صلى الله عليه وسلم – في أبي داود -: (اجتمع في يومكم هذا عيدان) أي عيد السنة وعيد الجمعة، فكان القياس في هذا أظهر، فهي عيد الأسبوع، وأما كون الشارع لا يصليها كصلاة العيد فلمصلحة حضور الناس واجتماعهم لها.
وقد أجزأت صلاة العيد عن الجمعة فدل على أنها في حكمها، فكونه يجزئ عنها دل على أنها في حكمها.
إذن: الراجح مذهب الحنابلة: وأن الجمعة لو أقيمت كما يقام العيد أي بعد ارتفاع الشمس قيد رمح فإنها تصح.
لكن قالوا: الأفضل أن يكون ذلك إذا زالت الشمس خروجاً من الخلاف.
ولا شك أن الخروج من الخلاف في هذه المسألة قوي؛ لأنه أحوط كما أنه أفضل، فإن النبي - صلى الله عليه وسلم - كان في غالب أمره، إما أن يصلي إذا زالت الشمس أو قبيل الزوال، وإن كانت الأحاديث في كونه يصليها بعد الزوال أكثر من التي فيها أنه صلاها قبيل الزوال، وكذلك هو أفضل لما فيه من مصلحة اجتماع الناس.
فهو الأحوط ومع ذلك لو فعل لصحت جمعته.
وظاهر قولهم أن هذا في الجمعة كلها بخطبتيها وصلاتها؛ لأن الخطبتين – عندهم – عن ركعتين.
فلو خطب الناس قبل الوقت – وإن صلى الجمعة بعد دخول الوقت – فإنها لا تصح، فالواجب أن يدخل في الوقت خطبتاها؛ لأنهما منها وسيأتي الكلام عن هذا - ونحوه - عند الكلام على شروط الخطبة.
وقد روى الإمام أحمد وابن أبي شيبة عن ابن سيدان قال: (شهدت مع أبي بكر خطبته وصلاته فكان ينصرف قبل أن ينتصف النهار، ثم شهدت عمر، فكانت خطبته وصلاته إلى أن أقول قد انتصف النهار، ثم شهدت عثمان فكانت خطبته وصلاته إلى أن أقول زال النهار)
لكن الأثر ضعيف فإن ابن سيدان قال فيه البخاري: " لا يتابع على حديثه " وهذا قد استدل به الحنابلة، ولكن في الأحاديث المتقدمة غُنية عن هذا الأثر الضعيف.
قال: (فإن خرج وقتها قبل التحريمة صلوا ظهراً وإلا فجمعة)
خرج وقت الجمعة قبل أن يكبر تكبيرة الإحرام فإنهم يصلون ظهراً، لأن الوقت لا يدرك بأقل من تكبيرة الإحرام.
أما إذا أدركوا تكبيرة الإحرام فجمعة لذا قال: " وإلا فجمعة " وهذا على القول المرجوح الذي تقدم، وتقدم أن الراجح خلافه وأن الوقت لا يدرك إلا بإدراك ركعة كاملة، خلافاً للمشهور من المذهب، لحديث: (ومن أدرك ركعة من الصلاة فقد أدرك الصلاة) فالصلاة لا تدرك إلا بركعة.
فإذا أدرك من الوقت ركعة فقد أدرك الجمعة.
فمثلاً: رجل خطب الناس ثم نزل فكبر للصلاة فأذن المؤذن للعصر وقد أتم ركعة فحينئذٍ يصلي ركعة أخرى جمعة.
أما إذا أذن المؤذن وهو لا زال في الركعة الأولى فإنه يصليها ظهراً.
والحمد لله رب العالمين
قال المؤلف رحمه الله تعالى: (الثاني: حضور أربعين من أهل وجوبها)
هذا الشرط الثاني من شروط انعقاد الجمعة وصحتها، وهو أن يحضرها أربعون من أهل وجوبها.
وتقدم من هم أهل وجوبها وهم: كل ذكر حر مكلف مسلم غير مسافر ويستثنى من الحر المملوك والمسافر، ومن المسلم المرأة فإن الجمعة لا تنعقد بها.
ولا يستثنى من ذلك المريض لأنه من أهل وجوبها وقد تقدم البحث في أهل وجوبها، وتبيَّن الراجح وعليه، فإن المملوك تنعقد به والمسافر تنعقد به فهم من أهل وجوبها لأنها تنعقد بهم على الراجح.
أما على المذهب: فيستثنى من ذلك المسافر والمرأة، والمملوك والصبي فهؤلاء ليس من أهل وجوبها، أما المريض فإنه من أهل وجوبها، وإنما عذر لمشقة ذلك عليه، فإذا حضر فقد زال عذره.
فيشترط أن يحضرها أربعون من أهل وجوبها.
واستدلوا: بما رواه أبو داود في سننه بإسناد حسن: أن كعب بن مالك كان إذا سمع النداء يوم الجمعة ترحم لأسعد بن زراره فسئل عن ذلك فقال: (لأنه أول من جمَّع بنا في هَزْم - المطمئن من الأرض - النَّبيت - موضع حول المدينة - من حرَّة بني بياضة - الحرة هي المكان الذي يكون فيه الحجارة السوداء - في نقيع - وهو ما ينتقع به ماء المطر ونحوه - يقال له: نقيع الخَضَمات - وهو موضع حول المدينة إلى قبل منها - فقيل له: كم كنتم يومئذ؟ فقال: أربعون " 1
وبما رواه الدارقطني عن جابر قال: (مضت السنة في أربعين فما فوق جمعة) .
هذا دليل الحنابلة والشافعية في هذه المسألة.
وقال أبو حنيفة: يشترط لها أربعة.
واستدل: بما رواه الدارقطني أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (الجمعة واجبة على كل قرية وإن لم يكن فيها إلا أربع) .
وذهب شيخ الإسلام وهو رواية عن الإمام أحمد وهو مذهب صاحبي أبي حنيفة: إلى أن الشرط أن يحضرها ثلاثة، لما رواه مسلم أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (إن كانوا ثلاثة فليؤمهم أحدهم وأحقهم بالإمامة أقرؤهم) .
وقال الظاهرية وهو مذهب النخعي والطبري صاحب التفسير: يشترط لها اثنان.
وقيل غير ذلك حتى ذكر الحافظ ابن حجر أن الأقوال فيها تصل إلى خمسة عشر قولاً.
أما دليل الحنابلة والشافعية:
أما قول جابر فهو ضعيف؛ لأن فيه عبد العزيز بن عبد الرحمن وهو متروك فهو ضعيف جداً.
وأما حديث كعب بن مالك في تجميع أسعد بن زراره بهم، فهو وإن كان حديثاً حسناً، فإن هذا قد وقع اتفاقاً، وليس فيه أنهم لو كانوا أقل من ذلك كأن يكون ثلاثين أو عشرة – أنه لم يجمع بهم إنما فيه جواز التجميع بأربعين وإقامتها بأربعين.
ويرد هذا القول بما ثبت في مسلم عن جابر أن النبي صلى الله عليه وسلم: (كان يخطب قائماً يوم الجمعة فجاءت عير من الشام فانفتل الناس إليها ولم يبق مع النبي صلى الله عليه وسلم إلا اثنا عشر رجلاً) فنزل قوله عز وجل: ﴿وإذا رأوا تجارة أو لهواً انفضوا إليها وتركوك قائماً﴾ ، فقد بقي مع النبي صلى الله عليه وسلم اثنا عشر رجلاً، قال الحنابلة ومن ذهب إلى قولهم: لا مانع من أن يكونوا قد رجعوا وقد سمعوا من الخطبة ما يجزئ وأقاموا الصلاة مع النبي صلى الله عليه وسلم.
والجواب عن هذا أن يقال: إن هذه دعوى تحتاج إلى دليل فقد أخبرنا الله عن انفضاضهم ولم يخبرنا عن رجوعهم وتعليق الحكم برجوعهم يحتاج إلى دليل يدل على ذلك.
فعلى ذلك هذا القول ضعيف كما تقدم.
وأما ما ذهب إليه أبو حنيفة فكذلك، فإن الحديث فيه راو متروك، وقد ورد من طرق في أسانيده رجال ضعاف جداً فلا يرتقي إلى درجة الحسن.
وأما ما ذهب إليه شيخ الإسلام وهو مذهب صاحبي أبي حنيفة وهو قولهم: أن الجمعة تصح بثلاثة، واستدلوا بالحديث المتقدم: (إن كانوا ثلاثة فليؤمهم أحدهم)
والجواب عنه: أن يقال: قد ثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: (وليؤمكما أكبركما) فصحت الجماعة باثنين فالجماعة اثنان فما فوق، فكوننا نفرق بين الاثنين والثلاثة هذا تفريق لا دليل عليه، فإذا جوزنا الثلاثة فكذلك الاثنين.
لذا ذهب أهل القول الأخير وهم الظاهرية وهو مذهب الطبري: إلى أنها تجزئ باثنين.
واستدلوا:
بقول النبي صلى الله عليه وسلم: (الجمعة حق واجب على كل مسلم في جماعة) الحديث، فقد قال: " في جماعة " وقد دلت السنة على أن اثنين فما فوق جماعة - كما تقدم هذا في باب صلاة الجماعة – ويدل عليه حديث: (وليؤمكما أكبركما) فهذا القول هو أرجح الأقوال.
- وقال المالكية، وهو قول قوي: إن العدد المشروط هو ما تتقرَّى به القرية أي: إذا كان هناك عدد يصبح به هذه المحل المستوطن به قرية فإنهم يجوز لهم أن يجمعوا، ويرجع ذلك إلى العرف، فالبيت مثلاً أو البيتان في عرف الناس ليس بقرية فلا يجوز لهم أن يجمعوا.
قالوا: ويستثنى من ذلك الثلاثة والأربعة وما في معناها فإنهم لا يجوز لهم أن يجمعوا.
وهذا القول مع قوته لكونه ضابطاً يرجع إلى العرف، لكن ما ذهب إليه أهل القول الأخير وأنها تصح باثنين أظهر مع هذا الشرط ولابد.
فإن ما ذكره المالكية إنما هو شرط في الموضع الذي تقام فيه الجمعة، فإذا كان هناك موضع فيه بيوتات يصح أن يطلق عليها قرية في عرف الناس فإنهم يقيمون جمعة وإن لم يحضرها إلا اثنان أو ثلاثة منهم.
فأرجح الأقوال وهو مذهب الظاهرية وقول الطبري والنخعي: أنها تصح باثنين فأكثر لكن بشرط أن يكون الموضع – وهو ما ذهب إليه المالكية وينبغي أن يكون شرطاً عند هؤلاء لأنه قد تقدم أن المسافر لا يقيم جمعة وأهل البادية غير المستوطنين فيها، الذين يرتحلون صيفاً وشتاءً لا يقيمون الجمعة، فإذا كان هناك - في قرية، في عرف الناس، فصلوا الجمعة صحت منهم وإن لم يشهدها إلا جماعة منهم والجماعة اثنان فصاعداً كما تقدم.
وهذا الحضور شرط في الخطبة والصلاة، ولابد أن يحضر هذا العدد قدر الإجزاء من الخطبة – وسيأتي –، لذا لو أن الإمام خطب في عشرين فلما أقيمت الصلاة تموا أربعين فليس لهم أن يقيموا الجمعة إلا وأن يعيدوا الخطبة؛ لأنها وقعت غير مجزئة للجمعة؛ لأن الشرط فيها أن يحضرها أربعون كالصلاة.
فإن حضر فيها قدر الإجزاء أي سمع ما تصح وما يجزئ خطبة فإن ذلك يجزئ.
قال: (الثالث: أن يكونوا بقرية مستوطنين)
تقدم هذا الشرط وأن الاستيطان شرط فلا يقيمها مسافر ولا من كان في بادية ينتقل عن موضعه شتاءً وصيفاً وإنما من كان مستوطناً قد اتخذ الموضع وطناً له فإنه يقيم الجمعة بالعدد المذكور المتقدم.
قال: (وتصح فيما قارب البنيان من الصحراء)
أي يصح لهم أن يقيموا الجمعة في المصر أو القرية بل لهم أن يقيموها في موضع فسيح عن البلدة.
فلو كانت البلدة ليس فيها موضع يتسع للناس فصلوا الجمعة في الصحراء – كما يكون ذلك في العيد والاستسقاء – فإنه لا بأس بذلك.
ودليله: حديث كعب بن مالك المتقدم وفيه: أنهم أقاموا الجمعة في حرة بني بياضة، وهي على ميل من المدينة -. ولكن هذا الإطلاق يقع في النفس منه شيء، وهو أن يقال: إنها حينئذ تكون مضاهية لما يشرع له الخروج إلى الصحراء وإن وقع ذلك مجزئاً، فإن القول بمثل هذا لا ينبغي إلا أن يحتاج إليه كأن يكون الموضع في الحاضرة في الاجتماع فيه عسر ويسبب ازدحاماً أو نحو ذلك.
أما أن يخرجوا مع عدم الحاجة فإن ذلك خلاف السنة، فإن النبي صلى الله عليه وسلم قد فرَّق بين الجمعة وغيرها كالعيد والاستسقاء، فكان يصلي العيد والاستسقاء في الصحراء، ويصلى الجمعة في البلدة، فالذي يظهر أن ذلك خلاف السنة لكن مع ذلك تقع مجزئة، إلا أن يحتاجوا إلى ذلك فلا بأس.
قال: (فإن نقصوا قبل إتمامها استأنفوا ظهراً)
هنا مسألتان:
المسألة الأولى: ظاهر قول المؤلف هنا: أنهم لو نقصوا عن الأربعين فأصبحوا – مثلاً – تسعاً وثلاثين أو ثمانياً وثلاثين فإن الجمعة لا تنعقد ولا تصح منهم، وحينئذٍ فإنهم يستأنفون ظهراً.
وظاهر قوله هنا: سواء أدركوا ركعة أو لم يدركوها.
فمثلاً: لما انتهوا من الركعة الأولى حدث عذر لبعض المصلين فانصرف - فأصبحوا تسعاً وثلاثين – فإنهم تبطل جمعتهم.
- والقول الثاني، وهو مذهب الإمام مالك أنها لا تبطل، ومثل هذا في الحقيقة هو القوي، لأن إبطالها بخروج رجل واحد، هذا محل مشقة على المصلين، فكان الأولى ما ذهب إليه الإمام مالك فيما إذا أدركوا ركعة فيها لقوله صلى الله عليه وسلم: (من أدرك ركعة من الجمعة فقد أدرك الجمعة) رواه النسائي بإسناد صحيح من حديث أبي هريرة، وهؤلاء قد أدركوا ركعة من الجمعة، وهو قول لبعض الحنابلة وهو الراجح.
المسألة الثانية: فهي أنه إذا دخل مع الإمام فلم تصح له الجمعة فإنه يجب عليه أن يستأنفها، فبطلان الجمعة يوجب استئنافها لا إتمامها.
فمثلاً: كبروا ثم ثبت أنهم ليسوا بأربعين أو حدث عذر كما تقدم، فإن الواجب أن يستأنفوها ظهراً، فيقطع الإمام صلاته ويكبر مرة أخرى بنية الظهر.
فإذا بطلت أثناء صلاتهم الجمعة بنقص العدد المذكور، فالواجب عليهم أن يستأنفوها ظهراً، ولا يتموها ظهراً بل يستأنفونها من جديد.
قالوا: لأن الجمعة صلاة مستقلة فليست بظهر، وقد دخل فيها بنية الجمعة، وإنما الأعمال بالنيات وإنما لكل امرئ ما نوى.
وقال بعض الحنابلة: يتموها ظهراً بلا استئناف.
واستدل: بأنها ظهر مقصورة.
وتقدم أن هذا ضعيف، وأن الجمعة صلاة مستقلة على الصحيح، فيشترط فيها أن ينويها جمعة.
ويتضح هذا في مسألة ذكرها المؤلف بعد ذلك وهي قول: قال: (من أدرك مع الإمام منها ركعة أتمها جمعة)
فمن أدرك مع الإمام من الجمعة ركعة فإنه يتمها جمعة.
فمثلاً: رجل أدرك مع الإمام الركوع، فإنه يدرك الجمعة فيضيف لها ركعة أخرى.
لما ثبت في النسائي من حديث أبي هريرة، بإسناد صحيح أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (من أدرك من الجمعة ركعة فقد أدرك الجمعة) ولا يكون إدراك الركعة إلا بإدراك ركوعها.
أما إن لم يكن ذلك بأن يدرك أقل منها فإنه يصليها ظهراً لذا.
قال: (وإن أدرك أقل من ذلك أتمها ظهراً)
فإذا أدرك من الصلاة أقل من ركعة، كأن يأتي والإمام رفع رأسه من الركوع أو في التشهد فإنه يصليها ظهراً، لما ثبت عن ابن مسعود – في مصنف ابن أبي شيبة ومعجم الطبراني في الكبير – أنه قال: (من أدرك من الجمعة ركعة فليضف إليها أخرى، ومن فاتته الركعتان فليصل أربعاً) والأثر صحيح، وإجماع أهل العلم عليه.
وهو ثابت من فعل الزبير بن العوام في مصنف ابن أبي شيبة بإسناد صحيح، ولا يعلم لهما من الصحابة مخالف فكان ذلك إجماعاً.
لكن هنا: شرط المؤلف شرطاً:
قال: (إذا كان نوى الظهر)
أي إذا دخل بنية الظهر، فمثلاً: دخل رجل والإمام قد رفع من الركوع فقد فاتته الجمعة فحينئذٍ يكبر بنية الظهر فيتم الصلاة ظهراً، فيصلي مع الإمام ما أدرك ثم يقوم فيتم أربعاً.
وهناك شرط آخر ذكره الحنابلة: وهو أن يكون ذلك في وقت الظهر.
وعليه: فلو كان ذلك قبل زوال الشمس فلا يتمها ظهراً بل نفلاً؛ لأن الواجب في الظهر أن تصلى في وقتها ووقتها بعد زوال الشمس.
فإذا أتى والإمام في التشهد في صلاة الجمعة فعليه أن ينوي إذا دخل معه أنها ظهر، ويشترط كذلك أن يكون في ذلك في الوقت الذي تصح به الظهر أي بعد الزوال وليس في الوقت الذي تصح فيه الجمعة.
فإذا دخل بغير نية الظهر فإنه يبطلها ويستأنفها ظهراً، فلو كبر مع الإمام بنية الجمعة فتبين أن الإمام قد ركع الركوع الثاني وقد فاتته الركعتان فحينئذٍ يستأنفها ظهراً، لأنه قد نواها جمعة، وإنما الأعمال بالنيات ولكل امرئ ما نوى والجمعة صلاة مستقلة.
والحمد لله رب العالمين.
قال المؤلف رحمه الله تعالى: (ويشترط تقدم خطبتين)
أي ويشترط في صحة صلاة الجمعة تقدم خطبتين، فمن شروط صلاة الجمعة أن تتقدمها خطبتان؛ لفعل النبي صلى الله عليه وسلم، وهذا باتفاق العلماء، وأن الخطبة شرط في الجمعة.
ودليل ذلك: أن الله أمر بقوله: ﴿فاسعوا إلى ذكر الله﴾ وهذا أمر من الله يوجب السعي إلى ذكره، وذكره يوم الجمعة في الخطبة وصلاتها، وقد بينه النبي صلى الله عليه وسلم بفعله، كما ثبت في الصحيحين عن ابن عمر رضي الله عنهما قال: (كان النبي صلى الله عليه وسلم يخطب خطبتين وهو قائم يفصل بينهما بجلوس) ، وفي صحيح مسلم عن جابر قال: (كان للنبي صلى الله عليه وسلم خطبتان يجلس بينهما يقرأ القرآن ويذكر الله) .
فهذه الأحاديث التي فيها فعله الراتب الذي قد داوم عليه - عليه الصلاة والسلام - هو بيان لمجمل قوله تعالى: ﴿فاسعوا إلى ذكر الله﴾ فكانت الخطبتان يوم الجمعة قبل صلاتها فرضاً من فروضها، فلا تصح الجمعة إلا بذلك – كما هو مذهب جماهير العلماء -.
قال: (ومن شروط صحتها 1 حمدُ الله تعالى)
أي من شروط الخطبة، فالخطبة لها شروط لا تصح إلا بها.
فهذه أركان الخطبة التي لا تصح الخطبة إلا بها، وهذه الأركان أو الشروط التي يذكرها المؤلف في الخطبتين كلتيهما الأولى والثانية.
وقال الحنابلة – في المشهور عندهم -: أن الخطبتين تقومان مقام الركعتين من صلاة الظهر، وهذا على أن الظهر هي الأصل وهي تمام، وأن الجمعة بالنسبة إليها ظهر مقصورة في يوم الجمعة، وهذا خلاف الراجح.
والراجح ما تقدم وأن الجمعة تمام وليست بظهر مقصورة، وقد تقدم قول عمر: (والجمعة ركعتان تمام غير قصر على لسان النبي صلى الله عليه وسلم) رواه النسائي بإسناد صحيح.
" حمد الله تعالى ": فحمد الله ركن في الخطبة.
واستدلوا: بما رواه أبو داود أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (كل أمر ذي بال لا يبدأ فيه بالحمد لله فهو أقطع) والحديث الصواب أنه مرسل كما رجح ذلك الدارقطني وغيره.
لكن ذلك ثابت من فعله – صلى الله عليه وسلم – كما في مسلم من حديث جابر قال: (كانت خطبة النبي صلى الله عليه وسلم يحمد الله ويثني عليه ثم يقول إثر ذلك وقد علا صوته …) الحديث وفيه: (أما بعد فإن أصدق الحديث كلام الله، وخير الهُدى هدي محمد " وتصح: خير الهَديْ هدي محمد " وشر الأمور محدثاتها، وكل بدعة ضلالة " وفي رواية: " من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له)
وقال شيخ الإسلام: بأن الواجب إنما هو التشهد بأن يتشهد فيقول: " أشهد أن لا إله إلا الله، وأشهد أن محمداً رسول الله " وهو اختيار ابن القيم.
واستدل بقول النبي صلى الله عليه وسلم، - رواه الترمذي وأبو داود والحديث حسن -: (كل خطبة ليس فيها تشهد فهي كاليد الجذماء) 1 أي كاليد المقطوعة، فقال بوجوب ذلك وإن لم يكن ذلك شرطاً عنده في صحتها.
وما ذهب إليه شيخ الإسلام أصح، وهو وجوب التشهد فيها فهو واجب للحديث المتقدم، لكن ذلك ليس شرطاً في صحتها، والحمد فيها مستحب لحديث جابر المتقدم.
قال: (والصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم)
قالوا: لأن كل موضع ورد فيه ذكر الله فإنه يشرع فيه الذكر للنبي صلى الله عليه وسلم فالصلاة عليه كالأذان، ففيه شهادة أنه لا إله إلا الله، وفيه شهادة أن محمداً رسول الله.
لكن يرد هذا: بعدم ثبوته عن النبي صلى الله عليه وسلم فلم يصح لنا أنه كان يصلي على نفسه في خطبته، وإن كان ذلك مشهوراً عند أصحابه كما ذكر ذلك ابن القيم.
ولكن ما ذكره شيخ الإسلام وجيه: أي في فرضية التشهد على النبي صلى الله عليه وسلم أي في قوله: " وأشهد أن محمداً رسول الله " أي وجوب الشهادة بأنه رسول الله.
ولا شك أن شهادة أن محمداً رسول الله أولى من الصلاة عليه، فإن الشهادة لا يصح الإيمان إلا بها.
بخلاف الصلاة عليه فإن غاية أمرها الوجوب كما ذهب إلى ذلك بعض أهل العلم.
لكن الراجح: أن الواجب أن يصلي عليه ولو مرة وأن ما سوى ذلك مستحب.
فلا شك أن الإخبار بأنه رسول الله وإعلان ذلك على الملأ ذلك أبلغ من مجرد الصلاة عليه.
ولكن مع ذلك على القول بعدم وجوبها، فإن الصلاة عليه أمر مستحب لشهرته عن الصحابة.
قال: (وقراءة آية)
فقراءة الآية شرط في صحة الخطبة، لما تقدم من حديث جابر أن النبي صلى الله عليه وسلم: (كان يقرأ القرآن ويذكر الله) رواه مسلم.
لكن هذا الحديث لا يدل على فرضية ذلك، نعم هو أفضل المواعظ وأعلاها قدراً وأولاها بالاتعاظ والعبرة لكن ذلك لا يدل على فرضيته، فتصح الخطبة ولو لم تقرأ فيها آية، هذا هو الراجح وهو رواية عن الإمام أحمد واختيار الشيخ الموفق.
وإن كان الأولى في الخطبة والأفضل أن تشتمل على آيات قرآنية لأن الآيات القرآنية هي أعظم المواعظ وفيها أعظم التأثير والاعتبار.
قال: (والوصية بتقوى الله عز وجل)
وليس مراده هنا: تخصيص هذا اللفظ بأن يقول: اتقوا الله أو نحو ذلك.
لكن المقصود من ذلك أن يعظهم بأن يحثهم على طاعة الله ورسوله وترك معصيتهما خوفاً من الله.
لذا عبَّر بعضهم: بلفظ: " الموعظة " محل قوله " الوصية بتقوى الله ".
ولا شك أن الموعظة هي الشرط الأساسي في الخطبة فهي المقصود الأعظم منها – وقد كان النبي صلى الله عليه وسلم– كما في مسلم -: (يقرأ القرآن ويذكر الناس)
وروى أحمد عن علي أو الزبير بن العوام – والشك في الرواية – قال: (كان النبي صلى الله عليه وسلم يخطبنا ويذكرنا بأيام الله حتى نعرف ذلك في وجهه) .
فكانت خطبته تذكيراً للناس بالله عز وجل، وهذا هو الذي يناسب يوم الجمعة، وهو اليوم الذي خلق فيه آدم وفيه يبعث الناس وفيه الصعقة والنفخة كما صحت بذلك الأحاديث، ولذا شرع أن يقرأ في صبيحته " بالسجدة " و " هل أتى على الإنسان "؛ لما فيهما من التذكير العظيم والاعتبار والموعظة.
فإذن: روح الخطبة الموعظة والتذكير، فكانت خطبته موعظة للناس وتعليماً لهم وتفقيهاً في قواعد الإسلام وشرائعه.
لذا كان النبي صلى الله عليه وسلم – في خطبته -: كأنه منذر جيش يقول: " صبحكم ومساكم " أي: كان في غاية ما يكون من التأثير والتأثر في خطبه كالتأثير الخارج من منذر الجيش الذي يقول لهم: " صبحكم أو مساكم ".
وهي شرط في الخطبتين كلتيهما، فكل خطبة يجب أن تشتمل على التذكير بالله وبأوامره وبشرعه وبقواعد الإسلام فإن الخطبة إنما شرعت لذلك.
- وقال الأحناف وهو رواية عن الإمام مالك: الشرط فيها ذكر الله فقط، فإذا ذكر الله ولو قال: " سبحان الله " ونحو ذلك صحت.
لكن هذا ضعيف، لأن فعل النبي صلى الله عليه وسلم يبين مجمل القرآن ويوضحه فإن الله قد أمر بذكره وذكره ما كان عليه النبي صلى الله عليه وسلم من خطبتين مشتملتين على التذكير والمواعظ.
فإذن: الخطبة المجزئة هي الخطبة المشتملة على المواعظ والتعليم والتفقيه في الخطبتين كلتيهما، ولا يشترط فيهما على الصحيح الصلاة على النبي - صلى الله عليه وسلم - ولا قراءة آية من القرآن وإن كان المستحب هو ذلك – أي الصلاة وقراءة القرآن - ولا يشترط فيهما الحمد والثناء وإن كان مستحباً.
ويجب فيهما على الراجح – وإن لم يكن شرطاً – أن يشهد لله بالألوهية ولنبيه بالرسالة يقول: " أشهد أن لا إله إلا الله وأشهد أن محمداً رسول الله ".
قال: (وحضور العدد المشترط)
تقدم أن المذهب: اشترط عدد أربعين في الجمعة وقد تقدم وصفهم.
فذلك الشرط المذكور شرط في الخطبة أيضاً؛ لأن الخطبة من الجمعة، فالجمعة خطبة وصلاة، فالشرط شرط فيهما جميعاً.
وقد تقدم أن الراجح أن القرية إذا أقيمت فيها الجمعة فإنه لا يشترط فيها عدد بل لمّا صحت به الجماعة فإن الجمعة تصح منه على القول الراجح، وقد تقدم.
ومن شروط صحة الخطبة: الوقت، فلا تصح قبل دخول الوقت وإن كانت الصلاة بعد دخوله.
وقد تقدم أن المذهب أن أول وقتها أول وقت صلاة العيد أي إذا ارتفعت الشمس قيد رمح، فلا يصح أن يخطب قبل ذلك وإن صلى بعده، فكما أن الوقت شرط في الصلاة فهو شرط في الخطبة كذلك؛ لأن الجمعة تشمل الخطبة والصلاة جميعاً، فما كان شرطاً في الصلاة فهو شرط في الخطبة، وهذا باتفاق أهل العلم.
ومن شروطها: الموالاة بين أجزائها.
فإذا قطعها بقاطع طويل عرفاً فإنها تبطل، لأن الخطبة لا تسمى خطبة إلا إذا اتصل بعضها ببعض.
وهل تبطل بالكلام اليسير المحرم؟
قال الحنابلة: تبطل.
وقال بعض الحنابلة: لا تبطل كالأذان، وقد تقدم أن الأذان لا يبطله الكلام اليسير المحرم، فكذلك الخطبة ثم إن الخطبة قد توفرت فيها شرائطها وأركانها، وكونها يقع فيها النهي هو يعود إلى ذاتها ولا إلى شرط فيها فلم يبطلها.
ومثال اشتمالها على الكلام المحرم، كأن يتكلم ببدعة ونحوه.
ومن شروطها – في المشهور في المذهب – أن تكون باللغة العربية مع القدرة على ذلك، أما مع غير القدرة والعجز فإنها تصح بغير العربية، لقوله تعالى: ﴿فاتقوا الله ما استطعتم﴾ ولحديث: (إذا أمرتكم بأمر فأتوا منه ما استطعتم) .
أما مع القدرة على التكلم بالعربية فهي شرط، فلا تصح الخطبة إن كان هناك من يمكن أن يتكلم باللغة العربية.
وظاهر كلامهم مطلقاً وإن كان من يحضرها من العجم: لذا قال بعض الحنابلة، بل تصح، وهذا أرجح، وأن الخطبة بغير العربية تصح إن كان الحاضرون لها لا يفهمون إلا بذلك، لأنه لا يحصل المقصود من الخطبة إلا أن يكون الفهم فيها، ولا يكون الفهم إلا إذا كانت باللغة التي يتخاطب بها المستمعون.
فحينئذٍ: الراجح وهو قول للحنابلة خلافاً للمشهور عندهم أن الخطبة بغير اللغة العربية تصح، وإن كان الخطيب قادراً على أن يتكلم باللغة العربية إذا كان من يسمعها من غير العرب.
ثم إن الخطبة ليست قرآناً أو ذكراً من الأذكار الواردة عن النبي صلى الله عليه وسلم الموقوفة عليه، لا تصح إلا بهذا الذكر بلفظه أو آية قرآنية التي لا يجوز أن يترجم إلى لغة أخرى.
فالخطبة المقصود منها الوعظ من غير أن يتوقف بلفظ محدد، فحينئذ لا معنى لاشتراط أن تكون بلغة عربية، فإذا خطب بلغة أعجمية لعجم لصحت بل هو أولى لأن التفاهم لا يحصل إلا بذلك وهو مقصود الخطبة.
قال: (ولا يشترط لها الطهارة)
فلا يشترط للخطبة الطهارة فلو خطب الخطيب جنباً أو محدثاً حدثاً أصغر فإن الخطبة تصح، وإن كان المستحب له أن يخطب طاهراً، لأن النبي صلى الله عليه وسلم لم يكن يفصل بين خطبته وصلاته بطهارة.
لكنه إن خطب جنباً أو محدثاً حدثاً أصغر، فالخطبة صحيحة وهو المشهور في المذهب وأحد قولي الشافعي.
والرواية الأخرى عن أحمد وهي أحد قولي الشافعي: أن الخطبة تشترط لها الطهارة.
ولا دليل على ذلك فهي كالأذان، وإنما الطهارة شرط في الصلاة.