لكن على القول الراجح الذي تقدم ذكره.
وأن المقصود هو الاستبراء من الثاني، فإنها إذا وضعت الحمل فإنه يعلم استبراء رخمها من الثاني، لكن تبقى عدة الأول، وعليه فإذا كان الحمل من الحمل، فبوضعه تنتهي من العدتين جميعاً، فلو أن امرأة وهي حامل وطئها آخر بنكاح باطل فإنها إذا وضعت حملها تنتهي من العدتين جميعاً، لأن عدو الأول تنتهي بوضع الحمل منه، وعدة الثاني تنتهي بوضع الحمل، لأن الحمل إذا وضع يعلم براءة الرحم.
قال: [ومن وطئ بعدته البائن بشبهه استأنفت العدة بوطئه، ودخلت فيها بقية الأول]
رجل طلق امرأته ثلاثاً فكانت في الطلاق بائياً منه، ثم وطئها – وهذا وطء محرم فهو وطء من أجنبي، فإنها تستأنف العدة من جديد بوطئه كأنه زوج آخر، ودخلت بقية الأول فهنا العدتان تتداخلان لأنهما لرجل واحد.
فمثلاً طلقها طلاقاً بائناً فحاضت حيضة واحدة ثم وطئها، فنقول لها احسبي ثلاث حيض مرة أخرى وما بقي من الحيض من العدة الأولى فإنها تدخل في العدة الثانية لأنهما من زوج واحد.
وعلى القول الراجح وهو أن الوطء الذي يكون بشبهة أو بزنا أو بعقد فاسد يكفي الاستبراء، فإنها إذا أتت عليها حيضة فإن رحمها تعلم براءته.
فلو أن رجلاً وطئ مطلقته البائن بعد انقطاع دمها من الحيضة الثالثة وقبل أن تغتسل، فإنها تعتد بحيضة على القول الراجح.
قال: [وإن نكح من]
إذا نكح مطلقته البائن في عدتها ثم طلقها قبل الدخول بها فإنها تبني على العدة الأولى، لأن النكاح الثاني لم يحصل فيه مسيس.
فهذا النكاح باطل ولكن لا عدة فيه، وذلك لانه فراق قبل المسيس.
وذلك أن تقول هو عقد فاسد فكان وجوده كعدمه.
والمذهب أن الرجل إذا طلق امرأته الرجعية فإنها تبني على عدتها، وأما إن راجعها مطلقها فإنها تستأنف العدة من جديد.
ورجل طلق امرأته طلقه واحدة فحاضت حيضتين ثم طلقها ثانية، وقد تقدم الخلاف في صحة هذا الخلاف والمذهب أنه صحيح.
فهنا يقولون بنى على عدتها فيبقى لها حيضة، ولكن لو راجعها بعد هاتين الحيضتين ثم طلقها فإنها تستأنف عدة جديدة وهذا ظاهر وذلك لأن الرجعة تذهب اثر الطلاق وتعود المرأة إلى نكاحها الأول.
فصل
قال: [يلزم الإحداء مدة العدة كل متوفى عنها زوجها في نكاح صحيح ولو ذمية أو أمة أو غير مكلفة] .
فالإحداء يلزم مدة العدة كل متوفى عنها زوجها في نكاح صحيح ولو كانت الزوجة ذمية أو أمةً أو صغيرة وذلك لعموم الأدلة – فالأدلة عامة في كل زوجة – وإنها يلزمها الإحداء سواء كانت مسلمة أو ذمية، صغيرة أو كبيرة حرةً كانت أو أمةً.
ففي الصحيحين إن النبي صلى الله - صلى الله عليه وسلم - قال: (لا تُحد امرأة على ميت فوق ثلاث إلا على زوج أربعة أشهر وعشرا، ولا تلبس ثوباً مصبوغاً إلا ثوب عَصب، ولا تكتحل ولا تمس طيباً إلا إذا طهرت نبذة من قسط أو أظفار) .
والعَصْب: هو نوع من الأصباغ مهيجاً للنظر إلى المرأة.
والنبذة: هي القطعة من الشيء.
والقُسط والأظفار: نوعان من الطيب.
وقد قال النبي - صلى الله عليه وسلم - لفُريعه بنت مالك: (امكثي في بيتك حتى يبلغ الكتاب أجله) رواه الخمسة بإسناد صحيح فالإحداد على الزوج واجب مدة العدة.
والإحداد: هو اجتناب المرأة ما يدعو إلى جماعها ويرغب في النظر إليها.
قال: [ويباح الباين من حي]
ولا يجب ولا يسن، فيباح للبائن من حي أن تُحدًّ عليه لكن ذلك ليس بسنة.
قال: [ولا يجب على رجعية وموطوءة بشبهة أو زنا أو نكاح فاسد أو باطل] .
فالنكاح الفاسد: النكاح بلاولي عند من يرى أن ذلك منهي عنه.
قال: [أو ملك يمين]
فالآمة المملوكة لا يجب عليها الاحداد.
فالرجعية والموطوءة بشبهة أو نكاح فاسد أو باطل أو ملك يمينن لا تجب عليها الاحداد، لأن الله عز وجل إنما أوجب الاحداد على المرأة المتوفى عنها.
والرجعية زوجة لم يتوفى عنها، وممن ذكر سواها فإنهن لسن بزوجات له فلم يجب عليهن الاحداد ولم يشرع.
قال: [والإحداد اجتناب ما يدعو إلى جماعها ويرغب في النظر إليها من الزينة]
أي من الزينة في البدن والثياب.
الزينة في البدن كالكحل مثلاً أو الحمرة أو الخضاب في الشعر ونحو ذلك.
وأما الزينة في الثياب فكأن تلبس ثوباً مصبوغاً كأن يكون أحمر أو أصفر فيه فيرغب النظر إليها.
قال: [والطيب والتحسين]
فالتحسين: هو تجميل الوجه ونحوه.
فالطيب والتحسين تمنع منهما المرأة المُحادة وقد تقدم قول النبي - صلى الله عليه وسلم - (ولا تمس طيباً) ، ولكن يستثنى ما ورد في الحديث فإنها إذا طهرت تأخذ نبدة من قسط أو أظفار لتصفية فرجها لتزيل الرائحة الكريهة الناتجة عن الحيض.
قال: [وما صُبغ للزينة]
كأن يكون الثوب أحمر أو أصفر أو أخضر أو نحو ذلك.
أما إذا كان مصبوغاً لغير الزينة وهو ما يصبغ ليتحمل الوسخ والدنس فلا بأس أن تلبيسه كالأسود ونحوه إن كان ليس للزينة بل هو من ثياب المهنه.
قال: [وحلي]
فليس لها أن تلبس الحلي، وفي سنن ابي داود بإسناد صحيح عن أم سلمة قالت: قال رسول - صلى الله عليه وسلم - (المتوفى عنها زوجها لا تلبس المعصفر من الثياب ولا المُمَشقه " هي الثيلب التي قد صبغت بالطين الأحمر" ولا تلبس الحلي ولا تكتحل ولا تمتشط)
فليس لها أن تلبس من الحلي شيئاً، لا سواراً ولا خاتماً ولا غير ذلك.
قال: [وكحلٍ أسود]
فليس لها أن تكتحل لحديث أم سلمة المتقدم وفيه (ولا تكتحل) ولحديث أم عطية ان النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: (لا تحد امرأة على ميت فوق ثلاث إلا على زوج أربعة أشهر وعشرا) الحديث وفيه ولا تكتحل وفي ابي داود والنسائي ايضاً (ولا تختضب) وفي النسائي ولا تمتشط.
وفي الصحيحين (ولا تكتحل) . فالمحادة تنهى عن الكحل.
فإن احتاجت إلى الكحل للتداوي فلها أن تضعه في الليل وتنزعه في النهار، ففي سنن أبي داود بإسناد لا بأس به أن أم سلمة قالت (وضعت في عيني صبراً لما توفى أبو سلمة فقال النبي - صلى الله عليه وسلم - إنه يَشبُّ الوجه " أي يزيد في لون الوجه " فلا تجعليه إلا بالليل وانزعيه في النهار ولا تمتشطي بالطيب والحناء فإنه خضاب قال: قلت بأي شئ أمتشط فقال بالسدر) ، فلها أن تمتشط بالسدر ونحوه مما لا يكون له رائحة طيبة، وهذا باتفاق أهل العلم.
قال: [لا توتيا ونحوها]
(لا توتيا) ؛ لا أعرف هذا، ولعله من الكحل المعروف عندهم قديماً، وكذلك ذكروا في الشرح كحل العنزروت، وهذه الأنواع ليست مما يكون فيه الجمال أي لا يعطي العين جمالاً ونضيره وحسياً، وهكذا إذا كان من الكحل شئ يتصف بهذا الوصف وهذا لا شك غير الأسود أي ليس فيه نضرة ولا جمال ولا حسن فلا بأس للمرأة أن تضعه، وأما الكحل الأسود فلا.
قال: [ولا نقاب]
أي لا تمنع من لبس النقاب وكذلك البُرقع، وهذا ينبني على أن النقاب والبرقع، وعندهم وليس من لباس الجمال والزينة، والذي يظهر أنه عندنا من لباس الجمال والزينة، وأن المرأة تلبسه تجملاً وتزيناً، وعليه فيمتنع من ذلك.
والخزفي من الحنابلة منع المرأة في إحدادها أن تنتفي وهذا هو القول الراجح.
فالمرأة - لاسيما النساء عندنا اللاتي تلبسه تجملاً وتزيناً وهو الجمال في حقهن وزينة – فإنها تمنع منه، بخلاف المرأة التي هو من عادتها كنساء البادية ونحوهن فليس من لباس الجمال من حقهن فلا يمنعن منه.
قال: [وأبيض ولو كان حسناً]
فإذا لبست ثوباً أبيض ولو كان حسناً فلا يأس بذلك، قالوا: لأن طبيعته الحسن فليس الحسن طارئاً عليه وهذا فيه نظر ظاهر.
والقول الثاني في المسألة وهو قول في المذهب وهو اختيار الشيخ عبد الرحمن بن سعدي أن المرأة تمنع منه.
وهو القول الصحيح في المسألة وذلك لأن الحكم يدور مع علته وجوداً وعدماً، فلا فرق بين أن يكون مصبوغاً بالبياض الذي يعطي هذا الثوب حسناً ونضرة أو أن يكون البياض أصلياً فيه.
فصل
قال: [وتجب عدة الوفاة في المنزل حيث وجبت]
فتجب عدة الوفاة في المنزل حيث وجبت العدة، فإذا كانت في منزل من منازل زوجها وهي في ذلك المنزل فيجب عليها أن تعتد في ذلك المنزل، ففي السنن ومسند أحمد بإسنادٍ صحيح عن فريعة بنت مالك؛ (أن زوجها خرج في طلب –أعبد له فقتلوه، قالت: قسألت النبي - صلى الله عليه وسلم - أن أرجع إلى أهلي فإن زوجي لم يترك لي مسكناً يملكه ولا نفقة فقال لها - صلى الله عليه وسلم -: نعم، فلما كانت في الحجرة ناداها النبي - صلى الله عليه وسلم - فقال لها: امكثي في بيتك حتى يبلغ الكتاب أجله، قالت: فاعتددت أربعة أشهر وعشراً، ثم قضى بذلك عثمان رضي الله عنه) .
وهذا الحديث فيه أنه يجب على المرأة أن تعتد في بيت زوجها الذي توفي وهي فيه سواء كان هذا البيت ملكاً له أو مستأجراً أو إعارة، فيجب عليها أن تمكث فيه.
مسألة:
إذا كان البيت مستأجراً أو كان مملوكاً فهل يخرج ذلك من تركة الرجل فإن كان مملوكاً فإن الورثة يلزمون بإبقاء المرأة فيه ولا يحل لهم أن يخرجوها منه، وإذا كان مستأجراً فيؤخذ من تركته ما يدفع لصاحب الدار لتبقى فيه، أم ليس كذلك؟
قولان لأهل العلم:
القول الأول: هو مذهب الجمهور، قالوا: لا يجب على الورثة أن يدعوها لتمكث فيه، ويشرع لهم ذلك لأنه من باب الإحسان.
وإذا كان البيت مستأجراً فلا يخرج من تركته شيئاً لتسكن فيه.
القول الثاني: وهو مذهب المالكية، وهو رواية عن الإمام أحمد وقول في نذهب الشافعي: ان لها حقاً في ذلك، فإذا له مال فإنه يؤخذ من تركته ما يستأجر له به هذا البيت الذي توفي زوجها وهي فيه، وإن كان له ورثة فإن الورثة يلزمون بترك زوجة أبيهم حتى تحد في البيت، وهذا هو القول الراجح في المسألة.
وذلك لقول الله تعالى: ﴿والذين يتوفون منكم ويدرون أزوجاً وصيةً لأزواجهم متاعاً إلى الحول غير إخراج﴾ .
فنهى الله الأولياء أن يخرجوهن، والآية إنما نسخت المدة فيها، وأما النهي عن الإخراج فلم ينسخ، وهذا دليل من الأثر.
وأما من النظر، فلأن هذه المرأة معتدة لحق زوجها فوجب لها في تركته ذلك.
وعلى القول الأول - وهو قول الجمهور – هل يلزمها أن تستأجر هي من مالها أم لا يلزمها ذلك؟
فلو توفي عنها زوجها وهي في دار فهل يلزمها أن تستأجر هذه الدار أربعة أشهر وعشراً سواء كان المستأجر منه الورثة أو غيرهم أم لا يلزمها ذلك.
المشهور في المذهب: أن ذلك لا يلزمها وأن الواجب عليها هو السكن لا تحصيل المسكن.
والقول الثاني في المسألة وهو مذهب أبي حنيفة وهو قول في المذهب: أن ذلك يلزمها.
…وذلك لأن ما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب.
…فالأرجح وهو المشهور في المذهب أن ذلك لا يلزمها، وذلك لأن الله إنما أوجب عليها السكن، وأمر الأولياء أن يحصلوا لها المسكن فقال سبحانه: ﴿غير إخراج﴾ .
…هذا القول هو الأصح من هذين القولين، وإلا فالراجح من أصلي القولين ما تقدم وهو مذهب المالكية وأنه لا يجوز للأولياء أن يخرجوهن، وليس لهن أن يخرجن إذا كان البيت مستأجراً، فإنه يؤخذ من التركة ما يدفع به الإيجاز ثم تسكن فيه هذه المرأة مدة العدة.
قال: [فإن تحولت خوفاً] .
أي تحولت من هذا البيت خوفاً من هدم أو لص أو غير ذلك.
قال: [أو قهراً] .
أي تخرج بظلم كأن يخرجها الأولياء حيث قلنا إنه ليس للأولياء أن يخرجوها.
قال: [أو بحق] .
كأن تؤذي فتخرج بحق.
قال: [انتقلت حيث شاءت] .
فمتى ما كان لها عذر في ترك هذه الدار فإنها تنتقل حيث شاءت قرب الموضع من الدار أم لم يقرب.
وذلك لأن الواجب عليها قد سقط بالعذر وليس هناك مكان معين آخر، فكان لها أن تعتد في أي موضع شاءت.
قال: [ولها الخروج لحاجتها نهاراً لا ليلاً] .
اتفق العلماء على أن المرأة المحادة ليس لها أن تخرج ليلاً إلا لضرورة وذلك لأن الخروج في الليل مظنة الفساد.
وأما النهار فلها أن تخرج قال المؤلف هنا: " لحاجتها " قالوا: كأن تشتري أو تبيع، ولو كان هناك من يقوم بمصالحها لأن هذه حاجة وليست ضرورة.
ودليل ذلك ما روى ابن أبي شيبة في مصنفه: "أن ابن عمر رخّص للمتوفي عنها أن تخرج إلى أهلها في بياض النهار" في مصنف ابن أبي شيبة أيضاً: أن النساء شكين إلى بن مسعود الوحشة فأجاز لهن أن يجتمعن في بيت إحداهن إلى الليل، فإذا كان الليل ذهبن كل واحدة منهن إلى بيتها".
وهذا باتفاق العلماء.
لكن في ذكر الحاجة نظر ظاهر، كما قرر هذا الزركشي من الحنابلة فإنه من المعلوم والمتقرر أن المرأة تمنع من الخروج من بيتها إلا لحاجة لقوله تعالى: ((وقرن في بيوتكن)) ، عادة فلا حاجة إلى هذا الاشتراط، وليس هذا الاشتراط مذكوراً من كلام الإمام أحمد، بل أجاز ذلك في النهار مطلقاً وهذا يترجح لي ولم أر دليلاً يدل على منع المرأة من أن تخرج من بيتها وهي محادة نهاراً.
والحنابلة كما تقدم يجيزون خروجها للحاجة كأن تشتري أو تبيع أو أن تجد وحشة فتحتاج إلى الخروج.
والذي يترجح أن لها الخروج مطلقاً لكن إن كان لغير حاجة فإن ذلك يكره وهو قول في مذهب الإمام أحمد وهو رواية عن الإمام أحمد بل ذكر الزركشي أن هذا الشرط لا حاجة إليه لأن المرأة يكره لها أن تخرج بلا حاجة سواء كانت في حداد أو غيره.
قال: [وإن تركت الإحداد أثمت، وتمت عدتها بمضي زمانها] .
إذا تركت المرأة الإحداد في عدتها فلم تحد، فإنها تأثم لتركها الواجب.
لكن عدتها تتم، بمضي زمانها إذ ليس من شروط العدة الإحداد، فالعدة تصح بلا احداد، وذلك لأنه كما تقدم لا يشترط للعدة النية فأولى من ذلك ألا يشتراط فيها الإحداد.
" باب الإستبراء"
الاستبراء: مشتق من البراءة، وهو عند الحنابلة تربص يقصد منه العلم ببراءة رحم ملك اليمين.
فخصوه بملك اليمين.
والراجح ما تقدم وأن الاستبراء يكون لنكاح الشبهة ويكون للزنا وللمختلعة وغيره مما تقدم ذكره.
وأما الحنابلة فخصوه بملك اليمين فإذا اشترى أمةً وهي توطأ فلا يحل له أن يسقي ماءه زرع غيره، فلا بد وأن يستبرئ المرأة بحيضة أو أن تضع حملها.
قال: [من ملك أمة يوطأ مثلها من صغيرٍ وذكر وضدهما حرم عليه وطؤها ومقدماته قبل استبرائها] .
من ملك أمةً يوطأ مثلها من صغير، ليس هنا المالك الجديد هو الصغير بل المالك القديم هو الصغير.
فإذا اشترى رجل أمةً مملوكة لصغيرة أو ذكر أو صدهما بأن تكون لكبير أو امرأة فإذا اشترى أمة من امرأة عجوزٍ حرم عليه وطؤها حتى يستبرئها وهذا قول ضعيف.
ولذا عن الإمام أحمد وهو اختيار شيخ الإسلام، أنها إذا كانت مملوكة لمن لا يطأ كالطفل، والمرأة فإنه لا يجب عليه الاستبراء وذلك للعلم ببراءة الرحم.
قال: [ومقدماته] فليس له الوطء ولا مقدماته، كأن يباشرها أو يقبلها أو نحو ذلك وهذا خلاف الراجح.
فعن الإمام أحمد وهو اختيار ابن القيم أن له أن يباشرها وله أن يستمتع بها دون الوطء وذلك لأن النهي عن الوطء فقط، فلا دليل على المنع من مباشرتها والاستمتاع بها دون وطئها.
وكذلك العلة لا تثبت فالعلة هي ألا يسقي ماءه غيره وحيث استمتع بها دون الفرج فالعلة ليست ثابتة والحكم يدور مع علته وجوداً وعدماً.
قال: [واستبراء الحامل بوضعها، ومن تحيض بحيضة] .
لما ثبت في مسند أحمد وسنن أبي داود بإسناد صحيح أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: (لا توطأ حامل حتى تضع،، ولا غير ذات حمل حتى تحيض حيضة) .
فإذا كانت حاملاً فلا يحل وطئوها حتى تضع سواء كانت عند من يطأ أو عند من لا يطأ كصغير وأنثى، لأن الحمل قد ثبت فيها وقد يكون من زنا أو شبهة أو غير ذلك.
وإذا كانت غير ذات حمل فحتى تحيض حيضة إن كانت عند من يطأ.
قال: [والآيسة والصغيرة بمضي شهر] .
وذلك لأن الاستبراء بحيضة، والشهر يقابل الحيضة وعن الإمام أحمد وهو القول الثاني في المسألة، وذكر الموفق أنه المشهور في المذهب، أنها تستبرأ بثلاثة أشهر وهذا هو الظاهر وكما تقدم بقليل مسألة سابقة وأن العلم ببراءة الرحم لا يكفي فيه الشهر ولا الشهران بل يحتاج إلى ثلاثة أشهر، فهنا لا يكفي في الاستبراء بشهر بل لابد من ثلاثة أشهر لأن التربص ثلاثة أشهر يعلم به براءة الرحم.
وهنا مسألتان:
- المسألة الأولى: أن الرجعية في حكم المحادة في مسألة المكث في البيت.
قال تعالى: ((واتقوا الله لا تخرجوهن من بيوتهن ولا يخرجن إلا أن يأتين بفاحشة مبينة)) . فالرجعية كالمتوفي عنها في وجوب المكث في البيت. - المسألة الثانية: وأما البائن فليست كذلك، لأن البائن ليست بزوجة لكن إن أحب زوجها تحصناً لفراشه أن تمكث في بيته حيث لا محذور في ذلك، أي حيث كان مأموناً وكان الموضع مأموناً منه ومن غيره، فإنها تلزم بذلك وذلك لرفع الضرر (ويراجع قول آخر) .
والمذهب أنه لا يلزم بالنفقة.
واختار شيخ الإسلام أن له ذلك بشرط أن يلتزم بالنفقة وهذا الأظهر وذلك لأنها محبوسة لأجله ولحقه.
إذن للزوج الذي قد طلق امرأته طلاقاً بائناً أن يمنعها من أن تخرج إلى أهلها أو إلى بيت آخر وأن يأمرها أن تمكث في البيت لكن ذلك بشرطين: 1) ألا يكون هناك محذور في ذلك. - أن ينفق عليها في الأصح.
" كتاب الرضاع "
الرضاع: بفتح الراء وكسرها.
وهو في اللغة: مصّ الثدي.
وفي اصطلاح فقهاء الحنابلة: هو مصُّ من دون الحولين لبناً ثاب عن حمل أو شربه أو نحوه، هذا تعريفه في اصطلاح فقهاء الحنابلة ويأتي ما فيه من النظر.
وقد دل الكتاب والسنة والإجماع على ثبوت الرضاع.
قال تعالى: ((وأمهاتكم اللاتي أرضعنكم وأخواتكم من الرضاعة)) وقال - صلى الله عليه وسلم - من حديث عائشة: (يحرم من الرضاعة ما يحرم من الولادة) متفق عليه.
وفي الصحيحين من حديث ابن عباس: (يحرم من الرضاع ما يحرم من النسب) وقد أجمع أهل العلم على ثبوت الرضاع في الجملة.
قال: [يحرم من الرضاع ما يحرم من النسب] .
لما تقدم من حديث ابن عباس وحديث عائشة وما تقدم من الكتاب والإجماع.
قال: [والمحرم خمس رضعات] .
فالمحرم خمس رضعاتٍ في المشهور في مذهب أحمد ومذهب الشافعي.
ودليل ذلك ما ثبت في صحيح مسلم عن عائشة قالت: " كان فيما أنزل من القرآن عشر رضعات معلومات يحرمن ثم نسخن بخمس معلومات فتوفي النبي - صلى الله عليه وسلم - وهن فيما يتلى من القرآن".
أي أن بعض الناس لم يطلّع على النسخ فبقي يتلو هذه الآيات ولا يعلم أنها منسوخة.
وعليه فالآية الناسخة والمنسوخة كلاهما، يتفقان في النسخ اللفظي، والآية الثانية التي فيها التحريم بخمس رضعات لم ينسخ حكمها وأما الآية الأولى التي فيها أن التحريم بعشر رضعات فقد نسخ لفظها وحكمها.
وذهب المالكية والأحناف إلى أن مجرد الرضاع يحرم، فلو امتص شيئاً قليلاً من اللبن فإن الرضاع يثبت من غير أن ينظر إلى عدد واستدلوا: بالإطلاق في قوله تعالى: ((وأمهاتكم اللاتي أرضعنكم)) فالآية مطلقة فبمجرد الرضاع يثبت الحكم.
واستدلوا: بحديث عقبة بن الحارث وأنه تزوج أم يحي بنت إهاب، فأتته امرأة فقالت: إني أرضعت عقبة والتي تزوج، فأتي النبي - صلى الله عليه وسلم - فقال له ذلك، فقال النبي - صلى الله عليه وسلم -: (كيف وقد قيل) ففارقها عقبة فنكحت رجلاً غيره) رواه البخاري.
فقد أثبت النبي - صلى الله عليه وسلم - هذا الحكم بمجرد ثبوت الرضاع وأجاب أهل القول الأول عن هذه الأدلة: بأنها مطلقة وأن السنة قد قيدتها وبينت أن الرضاع المحرم هو خمس رضعات.
وذهب أهل الظاهر وهو رواية عن الإمام أحمد: أن الرضاع المحرم هو ثلاث رضعات.
أدلتهم هي:
ما ثبت في مسلم من حديث عائشة أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: (لا تحرم المصة والمصتان) ومن حديث أم الفضل: " لا يحرم الإملاجة أو الإملاجتان" وهذه من الأدلة التي يرد بها على أهل القول الثاني.
وأما الجواب عن استدلالهم أي أهل الظاهر، فأن يقال: ما ذكرتموه مفهوم، فإن قوله: " لا تحرم المصة والمصتان" فمفهومه أن الثلاث تحرم، وكذلك "لا تحرم الإملاجة والإملاجتان" فإن مفهومه أن الثلاث تحرم.
لكن عندنا منطوق وهو حديث عائشة وأن الرضاع المحرم هو خمس رضعات معلومات.
والمنطوق مقدم على المفهوم، كما هو مقرر في أصول الفقه إذن الصحيح ما ذهب إليه الحنابلة والشافعية من أن الرضاع المحرم هو خمس رضعات معلومات.
واختلف أهل العلم فيما يسمى رضعة:
فالمشهور في المذهب أنه إذا مص الثدي فتركه باختياره أو بغير اختياره فإنها تحسب رضعة.
فلو أنه امتص الثدي ثم انتقل إلى الثدي الآخر، أو قطعه لتنفس أو لعطاس، ونحو ذلك فإنها تحسب رضعة أخرى.
والقول الثاني في المسألة: وهو مذهب الشافعية وهو وجه في مذهب الإمام أحمد واختاره الشيخ عبد الرحمن السعدي أن الرضعة المحرمة هي الرضعة الكاملة التي يترك معها مص الثدي باختياره.
وأما إذا تركه بغير اختياره كأن ينتقل من ثدي إلى ثدي آخر أو أن يتركه لتنفس أو نحو ذلك فإن مجموع ذلك يسمى رضعة واحدة فرجوعه إلى الثدي بين التنفس أو العطاس لا يعتبر رضعة ثانية بل كلاهما رضعة واحدة.
وهذا هو القول الراجح وهو الذي يدل عليه العرف فإن الرجل لا يعد قد أكل أكلتين أو ثلاثاً إذا كان قطع أكله لتنفس أو لانتقال إلى طعام آخر أو لشرب ماء أو عطاس أو نحو ذلك بل لائق في العرف إلا أكلاً أكلةً واحدة.
قال: [في الحولين] .
فالرضاع المحرم إنما يكون في الحولين.
قالوا: لقوله تعالى: ((والوالدات يرضعن أولادهن حولين كاملين لمن أراد أن يتم الرضاعة)) .
ولما روى الدارقطني أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: (لا رضاع إلا في الحولين) وهذا هو مذهب الجمهور.
واختار شيخ الإسلام وهو قول بعض السلف أن الرضاع المحرم ما يكون قبل الفطام سواء كان ذلك في الحولين أو بعدهما فلو أنه فطم بعد سنة من ولادته ثم رضع فإن هذا الرضاع ليس بمعتبر عند شيخ الإسلام.
ولو أنه تأخر فطامه إلى ما بعد الحولين فرضع بعد الحولين فإن الرضاع معتبر إذن العبرة بالفطام سواء كان هذا في الحولين أو بعدهما وهذا هو القول الراجح، ويدل عليه أدلة منها:-
ما ثبت في الصحيحين أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: (انظرن إخوتكن فإنما الرضاعة من المجاعة) أي حيث كان اللبن يسد جوعته وينشر عظمه وينبت لحمه.
ويدل عليه أيضاً وهو أصرح دلالة، ما ثبت في سنن الترمذي بإسناد صحيح وصححه الترمذي وغيره، أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: (لا يحرم من الرضاع إلا ما فتق الأمعاء في الثدي وكان قبل الفطام) .
والشاهد قوله: (وكان قبل الفطام) .
وقوله: (في الثدي) أي في زمن الرضاع، وفي صحيح مسلم أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: (إن إبراهيم رضي الله عنه مات في الثدي فجعل الله له مرضعاً في الجنة) .
والجواب عما استدل به أهل القول الأول:-
أن قوله: (يرضعن أولادهن حولين كاملين) هذا بناءً على الغالب، فالغالب في الرضاع أن يكون في الحولين.
وأما حديث: (لا رضاع إلا في الحولين) فالصواب وقفه على ابن عباس رضي الله عنه كما رجح ذلك الدارقطني وابن عدي.
فالصحيح ما اختاره شيخ الإسلام.
وذهب أهل الظاهر إلى أن رضاع الكبير مؤثر، فلو رضع ابن عشر أو ابن ثلاثين فإن الرضاع مؤثر.
وهو قول أم المؤمنين عائشة.
ودليله: ما رواه مسلم في صحيحه، أن إبنة سهل زوج أبي حذيفة سألت النبي - صلى الله عليه وسلم - فذكرت له أن سالماً مولى أبي حذيفة قد بلغ مبلغ الرجال وعقل ما عقلوا، وأنها ترى أن في نفس أبي حذيفة من ذلك شيئاً) وفي رواية: أنه ذو لحية " فقال النبي - صلى الله عليه وسلم - ارضعيه تحرمي عليه".
قالوا: فهذا يدل على أن رضاع الكبير مطلقاً مؤثر.
وهو قول أم المؤمنين عائشة وأبى ذلك سائر أزواج النبي - صلى الله عليه وسلم - كما في صحيح مسلم، وقلن: ما نرى إلا أنها رخصة أرخصها النبي - صلى الله عليه وسلم - لسالم خاصة) .
وما أجابته نساء النبي - صلى الله عليه وسلم - هو جواب الجمهور، فقالوا: هذا الحديث خاص بسالم.
إذن هي عندهم: خصوصية عين.
واختار شيخ الإسلام وتلميذه ابن القيم أن الخصوصية خصوصية وصف لا عين.
وهو القول الراجح في المسألة إذ الأصل عدم الخصوصية ولو أن امرأة أخذت لقيطاً فربته عندها فبلغ مبلغ الرجال واعتاد على الدخول عليها وشق عليه أن يستغني عنهم فلها أن ترضعه وإن كان ابن عشرين سنة كما هو اختيار شيخ الإسلام وهو القول الراجح.
قال: [والسعوط والوجور] .
السُعوط: أن ينقط الحليب في الأنف.
والوجور: هو أن يصب الحليب في فيه أي في الطفل فيثبت الحكم.
وكذلك لو جُِبن عند الجمهور.
وفي أصح قولي العلماء وهو مذهب الشافعية ووجه عند الحنابلة قالوا: ولو حقن في دبره، فكل ذلك يثبت به التحريم وذلك لأن هذا الفعل من سعوط أو وجور أو حقنة أو تجبين يحصل به ما يحصل بالرضاع من الفائدة، والحكم يدور مع علته وجوداً وعدماً.
قال: [ولبن الميتة] .
كذلك لبن الميتة يثبت به التحريم كما هو مذهب الجمهور خلافاً للشافعي وذلك لأنه رضاع.
فلو أنه رضع أربع رضعات وهي حيه، ثم رضع منها الخامسة وهي ميتة فغن هذا الرضاع مؤثر لأنه يسمى رضاع ولأنه يحصل بهذا اللبن من الميتة ما يحصل من لبن الحية.
وهذا القول هو الراجح وهو مذهب جمهور العلماء.
قال: [والموطوءة بشبهة أو بعقد فاسد] .
فإذا وطئت المرأة بشبهة كأن يطأ الرجل امرأة يظنها زوجته فينتج عن هذا الوطء حمل وثاب من هذا الحمل لبن، فإذا رضع طفل من هذا اللبن، فإن هذه الموطوءة بشبهة تكون أماً له، والواطء يكون أباً له.
كذلك الموطوءة بعقد فاسد، وذلك لأنه لبن ويحصل منه ما يحصل من لبن الموطوءة بنكاح صحيح.
ولأن النسب يثبت فيثبت الرضاع فإن الرضاع يتفرع عن النسب.
قال: [أو باطل] .
فالموطوءة بعقد باطل كمن نكح امرأة في عدتها فحملت فثاب عن هذا الحمل لبن، فرضع منه الطفل فالحكم يثبت لأنه قد رضع من هذه المرأة وهي ذات لبن ويحصل من لبنها ما يحصل من لبن غيرها.
قال: [أو زنا محرم] .
فلو زنى بامرأة فحملت فثاب عن هذا الحمل لبن فكذلك.
يثبت حكم الرضاع.
لكن في المسألتين الأخيرتين لا يكون الزاني ولا الناكح نكاحاً باطلاً لا يكون أباً له من الرضاع عن الثيب فكما أن النسب لا يثبت فكذلك الرضاع.
قال: [وعكسه البهيمة] .
اتفاقاً: فلبن البهيمة لا يثبت به التحريم باتفاق أهل العلم.
قال: [وغير حبلى ولا موطوءة] .
إذا رضع من امرأة بكر لم توطأ، أو رضع من امرأة موطوءة وهي غير حبلى إذن فيها لبن لكنه لم يثب من حمل، فإنه لا يثبت به التحريم هذا هو المشهور في المذهب.
وذهب الجمهور وهو راوية عن الإمام أحمد أنه مؤثر للتحريم قالوا: لأنه رضاع فيدخل في قوله تعالى: ((وأمهاتكم اللاتي أرضعنكم)) .
وأما الحنابلة: فقالوا: ليس بلبن بل هو رطوبة متولدة فلا يكون قد امتص لبناً بل امتص رطوبة متولدة، فلا ينبت لحماً ولا ينشز عظماً
ومرجع هذه المسألة إلى أهل الخبرة.
وإن كان من حيث النظر، ما ذهب إليه الحنابلة هو الراجح في هذه المسألة فلا يثبت أن اللبن الذي يكون في المرأة غير الحامل لا يثبت أن فيه فائدة فينشز عظماً أو ينبت لحماً.
لكن إن قرر أصحاب الخبرة من الأطباء أن اللبن الذي يكون في غير الحامل أن فيه النفع الذي يكون في لبن الحامل فيكون له نفس الحكم أي يكون مؤثراً للتحريم لأن الحكم يدور مع علة وجوداً وعدماً فالذي يترجح الآن هو ما ذهب إليه الحنابلة.
قال المؤلف رحمه الله: [فمتى أرضعت امرأة طفلاً صار ولدها في النكاح والنظر والخلوة والمحرمية] .
فمتى أرضعت امرأة طفلاً بالشروط المتقدمة صار ولدها في النكاح أي في تحريم النكاح قال تعالى: ((وأمهاتكم اللاتي أرضعنكم وأخواتكم من الرضاع)) .
ويصير ولدها أيضاً في إباحة النظر والخلوة والمحرمية لأنها فرع عن تحريم النكاح بسبب مباح.
ويدل عليه ما ثبت في الصحيحين عن عائشة أن أفلح أخا أبي القعيس جاء يستأذن عليها بعد الحجاب قالت: فأبيت أن آذن له فلما جاء رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أخبرته بالذي صنعته فأمرني أن آذن له علي وقال: " إنه عمك".
فهذا يدل على إباحة الخلوة ونحوها من النظر.
إذن: يحرم النكاح ويباح له الخلوة، والنظر والمحرمية.
ولا يترتب على الرضاع شيء من الأحكام التي تترتب على النسب من إرث أو نفقة أو ولاية أو غير ذلك بل لا يترتب عليه لا النكاح وما يتفرع عنه من جواز النظر والخلوة وثبوت المحرمية.
قال: [وولت من نسب لبنها إليه بحمل أو طء] .
أي وصار المرتضع ولد من نسب لبنها إليه.
وفي مسلم من حديث عائشة المتقدم، أنها قالت يا رسول الله إنما أرضعتني المرأة ولم يرضعني الرجل فقال النبي - صلى الله عليه وسلم - تربت يمينك: " فقد أنكر عليها النبي - صلى الله عليه وسلم - ذلك فاللبن للرجل، وعليه فثبت له الأبوة من الرضاع، ولذا قال المؤلف هنا: " وولد من نسب لبنها إليه بحمل أو وطء" أي صار المرتضع ولد من نسب لبنها إليه بحمل أو وطء.
مسألة:
إذا كان له امرأتان فأرضعت إحداهما الطفل رضعتين، وأرضعت الأخرى الطفل ثلاثا، فمجموع إرضاعهما خمس رضعات، هنا: لا إشكال في أن الأمومة لا تثبت لأن كل واحدة منهما لم يرضع هذا الطفل خمس رضعات معلومات، لكن هل يثبت الأبوة من الرضاع أم لا؟.
القول الأول: أن الأبوة لا تثبت.
قالوا: لأنه رضاع لم يثبت الأمومة فلم يثبت الأبوة.
القول الثاني: أن الأبوة تثبت وهو القول الراجح.
وذلك لأن الأبوة إنما تثبت له لأن الطفل قد رضع من لبنه، فاللبن الذي في امرأته ليس له، وقد ثبت أن هذا الطفل راضع من لبنه خمس رضعات معلومات وليست الأبوة فرعاً عن الأمومة كما هو ظاهر القول الأول، بل الأبوة أصل منفرد، فليس ثبوت أبوته لثبوت أمومة المرأة وإنما لكون هذا الطفل قد رضع من لبنه.
أما لو كان الرضاع من بناته، كأن يكون له خمس بنات مثلاً فترضع كل واحدة منهن الطفل رضعة واحدة، فإن الأمومة لا تثبت كما تقدم.
وهل تثبت للأب الجدودة من الرضاع أم لا؟
هنا لا تثبت وذلك لأن اللبن ليس له، وثبوت الجدودة له من الرضاع متفرعة عن ثبوت الأمومة لبناته فالفرعية هنا متحققة بخلاف الفرعية في المسألة الأولى.
مسألة:
وهي المسألة المتقدمة.
لو أن امرأة أرضعت طفلاً رضعتين من لبن زوجها ثم طلقها ثم تزوجت آخر فأرضعت هذا الطفل ثلاث رضعات من لبن الزوج الآخر هنا الأبوة لا تثبت وذلك لأن الزوجين كليهما لم يرتضع هذا الطفل من لبن أحدهما خمس رضعات معلومات.
وأما المرأة فقد رضع منها خمس رضعات، فتكون المرضعة أماً له، وأما الزوجان فليس أحد منهما أباً له.
مسألة:
إذا طلق الرجل امرأته وفيها لبن فتزوجهاآخر، فرضع الطفل من لبنها بعد الزواج الجديد فهل يكون ابناً من الرضاع للأول أو الثاني؟
في هذه المسألة تفصيل فللمسألة أربعة أحوال.
الحال الأولى: ألا يزيد اللبن ولا تلد المرأة حملت أو لم تحمل أو يزيد ولا تحمل.
فلو أن رجلاً طلق امرأته وفيها لبن فتزوجت آخر ولم يزد اللبن على ما هو عليه بسبب النكاح الجديد سواء حملت أم لم تحمل ما لم تلد منه.
أو زاد اللبن بعد الزواج الثاني لكنها لم تحمل.
فهنا يكون ابناً من الرضاع للأول لأن اللبن على ما هو عليه.
الحال الثانية: أن يزيد اللبن بسبب الحمل من الثاني.
فهنا يكون ابناً لهما جميعاً لأن اللبن مشترك بينهما.
الحالة الثالثة: أن تلد من الثاني، ويأتي اللبن بعد الولاد فهنا وقد اتفق العلماء على أن اللبن يكون للثاني، وأن الولادة فاصلة.
الحال الرابعة: ألا تلد من الثاني لكنها قد حملت منه، واللبن قد انقطع قبل الحمل ثم نشأ بعد الحمل.
بمعنى تزوجت الثاني فانقطع اللبن من الأول، ثم حملت من الثاني فنشأ لبن جيد.
فهنا في المسألة قولان لأهل العلم هما وجهان في المذهب.
القول الأول: أنه يكون لهما معاً، وأن الحمل يكون قد أعاد اللبن.
القول الثاني: أنه يكون للثاني منهما دون الأول.
وهذا هو الراجح وصوبه صاحب الإنصاف.
وذلك لأن انقطاعه ظاهر في زوال حكمه، كما أن نشوءه بسبب الحمل ظاهر في أنه للثاني.
قال: [ومحارمه محارمه] .
أي وصار محارم الأب من الرضاع محارم المرتضع فالأب من الرضاع له محارم وهم آباؤه وأمهاته وأجداده وجداته وأعمامه وعماته وأخواله وخالته وأبناؤه وبناته وإخوانه وأخواته، فهؤلاء كلهم يكونون محارم للمرتضع.
فإذا كان الأب من الرضاع له بنت، فإنها تكون أختاً لهذا المرتضع.
وإذا كان لهذا الأب من الرضاع أخ فإنه يكون عماً للمرتضع وهكذا.
قال: [ومحارمها محارمه] .
محارم المرضعة محارم للمرتضع فأم المرضعة تكون جدته وأختها تكون خالته، وأخوها يكون خال وابنها يكون أخاه وهكذا.
قال: [دون أبويه وأصولهما وفروعهما] .
فلا يتأثر بالتحريم إلا المرتضع وفروعه، أما أبواه وأصولهما وفروعهما وهم الحواشي فلا يتأثرون بالتحريم فلا يتأثر بالتحريم إلا المرتضع وفروعه أبناؤه وبناته فابن المرتضع تكون المرضعة جدة له من الرضاع، ويكون صاحب اللبن جداً له من الرضاع.
وأما إخوان المرتضع وأخواته، وأعمامه وعماته وآباؤه وأمهاته فلا دخل لهم بهذا الرضاع.
وهذا باجماع العلماء.
قال: [فتباح المرضعة لأبي المرتضع] .
فأبو المرتضع هو من الأصول، فيجوز له أن يتزوج المرضعة التي أرضعت ابنه.
قال: [وأخيه من النسب] .
فيجوز لأخي المرتضع من النسب أن يتزوج أم المرتضع وابنتها أو خالتها أو عمتها.
وذلك لأن التحريم لم يتعلق به ولم يتصل به.
قال: [وأمه وأخته من النسب لأبيه وأخيه من الرضاع] .
فيجوز أن يتزوج أبوه من الرضاع أمه من النسب ونحوه أن يتزوج أخوه من الرضاع أخته من النسب وهكذا.
فما ذكره المؤلف هنا من باب التمثيل.
مسألة:
هل يحرم من الرضاع ما يحرم من المصاهرة أم لا؟
بمعنى: هل تحرم عليكم أم زوجتك من الرضاع أي لك زوجة ولها أم من الرضاع فهل تحرم عليك؟ وهل تحرم عليك زوجة أبيك من الرضاع وهل تحرم عليك زوجة ابنك من الرضاع وهل تحرم عليك ابنة زوجك من الرضاع؟
جماهير أهل العلم على أنه يحرم من الرضاع ما يحرم من المصاهرة وحكى ذلك إجماعاً.
وتوقف في ذلك شيخ الإسلام فيه وقال: " إن كان أحد قد قال بعدم التحريم فهو أقوى".
ونصر ذلك تلميذه ابن القيم أي القول بأنه لا يحرم من الرضاع ما يحرم من المصاهرة.
وهذا القول هو الراجح في هذه المسألة، وأن التحريم من الرضاع لا يتعدى إلى المصاهرة، وذلك لقوله تعالى: ((وأحل لكم ما وراء ذلكم)) ولم يرد دليل أنه يحرم من الرضاع ما يحرم من المصاهرة.
والنبي - صلى الله عليه وسلم - إنما قال: " يحرم من الرضاع ما يحرم من النسب" وفرق بين النسب وبين المصاهرة، وقد قال تعالى: ((وهو الذي خلق من الماء بشراً فجعله نسباً وصهراً)) .
ومما يدل على هذا أن الله قال في كتابه الكريم: ((وأمهات نسائكم وربائبكم اللاتي من نسائكم)) وقوله: ((وحلائل أبنائكم الذين من أصلابكم)) وهذا الإطلاق لا يدخل فيه زوجة الابن من الرضاع ولا أم الزوجة من الرضاع ولا بنت الزوجة من الرضاع يدل على ذلك أن النية قال قبل ذلك: ((وأمهاتكم اللاتي أرضعنكم وأخواتكم من الرضاعة)) فلم يكتف بقوله، (حرمت عليكم أمهاتكم) عن قوله: ((وأمهاتكم اللاتي أرضعنكم)) .
ولم يكتف بقوله: ((وأخواتكم)) عن قوله: ((وأخواتكم اللاتي أرضعنكم)) .
فدل على أن الأخت إذا أطلقت فلا تدخل فيها الأخت للرضاع وكذلك أمهات النساء إذا أطلقن فلا يدخل فيهن أمهات النساء من الرضاع،
هذا هو القول الراجح في هذه المسألة وقد نصر هذا القول ابن القيم، ونفى أن يكون فيه إجماع، وهو من الإجماع الظني، وغاية ما فيه عدم معرفة الخلاف.
مسألة:
اللبن المشوب بالماء هل يثبت به التحريم أم لا؟
الجواب: إن كان اللبن ظاهراً ويحصل به ما يحصل باللبن غير المشوب من كونه ينشز العظم وينبت اللحم فإنه يثبت به، فإذا شربه كانت رضعة.
مسالة:
كره الإمام أحمد رحمه الله أن تسترضع الفاجرة والكافرة والحمقاء.
وقد ورد عن عمر وعمر بن عبد العزيز أنهما قالا: " اللبن يشبه" كما في سنن البيهقي.
قال المؤلف رحمه الله: " كان يقال الرضاع يُغير الطباع".
فلما يخشى من تأثر الرضيع بالمرضعة فإنها يكره أن تسترضع الحمقاء أو المشركة أو الفاجرة.
وفي أبي داود والحديث مرسل أن النبي - صلى الله عليه وسلم - نهى أن نسترضع الحمقاء.
مسألة:
المشهور في مذهب الإمام أحمد: أن الرضاع يثبت بشهادة امرأة ثقة.
فإذا شهدت امرأة ثقة بالرضاع فإنه يثبت هذا هو المشهور في المذهب وهو مذهب أهل الظاهر.
وقال الأحناف: لا يثبت إلا بشهادة رجل وامرأتين وقال الشافعية: لا يثبت إلا بشهادة أربع نسوة.
وقال المالكية: لا يثبت إلا بشهادة امرأتين.
وأصح هذه الأقوال القول الأول وهو مذهب أهل الظاهر ودليله ما تقدم في قصة عقبة بن الحارث وهي ثابتة في البخاري، أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: (كيف وقد زعمت أنها أرضعتكما) .
قال الشعبي: " كان القضاة أي من السلف يفرقون بين الرجل والمرأة بشهادة المرأة الواحدة في الرضاع" ا. هـ.
فهو مذهب جمهور السلف.
والحاجة داعية لذلك فإن الرضاع الغالب فيه ألا تشهد فيه إلا المرأة الواحدة أو المرأتان.
قال: [ومن حرمت عليه ابنتها فأرضعت طفلة حرمتها عليه وفسخت نكاحها منه إن كانت زوجته] .
انظر شرح هذه العبارة في آخر هذا الدرس.
قال: [وكل امرأة أفسدت نكاح نفسها برضاع قبل الدخول لا مهر لها] .
هذه المسألة في إفساد المرأة نكاح نفسها، وهذه المسألة وإن كانت نادرة لكن وقوعها ممكن.
وصورة هذه المسألة: أن يكون للرجل امرأتان، امرأة كبرى وامرأة صغرى، والمرأة الصغرى لا تزال في الحولين فترضع زوجته الكبرى زوجته الصغرى، فحينئذ تكون الصغرى ابنةً له من الرضاع، والكبرى تكون أم زوجته من الرضاع فتحرم عليه المرآتان جميعاً، "تراجع لأن الأولى عقد بها".
وأما الثانية فلأنها أم زوجته من الرضاع، فهذا على قول الجمهور.
فإذا أفسدت المرأة نكاح نفسها وكان ذلك قبل الدخول فلا مهر لها وذلك لأن الفرقة قد أتت من جهتها.
قال: [وكذا إن كانت طفلة فدبت فرضعت من نائمة] .
كذلك إن كانت له زوجة وهي طفلة فدبت هذه الطفلة فرضعت من نائمة كأمه أو أخته فإنها تحرم عليه لأنها تكون أخته أو ابنة أخته من الرضاع، فتحرم عليه.
فهذه لا مهر لها لأن الفرقة من قبلها.
قال: [وبعد الدخول مهرها بحاله] .
أما إذا كان هذا الإفساد بعد الدخول فإن المهر لها بحاله وذلك لأن المهر يستقر بالدخول.
إذن: إذا أفسدت نكاحها بنفسها وكان ذلك قبل الدخول فلا مهر لها، وأما بعد الدخول فلها المهر هذا هو مذهب الجمهور أهل العلم.
والقول الثاني في المسألة: وهو اختيار شيخ الإسلام رحمه الله أن خروج البضع عليه متقوم فهي قد أخرجت بفعلها من ملكية هذا الرجل والبضع متقوم، وعليه فتقوم المرأة بكراً وتقوم ثيباً والفارق بينهما يكون للزوج ولا شك أن هذا هو العدل وهذا هو الأصح.
فعلى ذلك تقوم بكراً وثيباً فيقال: مهرها وهي بكر مائة ألف، ومهرها وهي ثيب خمسون ألفاً فالفارق بينهما خمسون ألفاً، فهذه الخمسون ألفاً تلزم المرأة تدفعها للرجل لأنها أخرجت بضعها من زوجها بغير حق.
تراجع ولعله للزوجة.
قال: [وإن أفسده غيرها فلها على الزوج نصف المسمى قبله وجميعه بعده] .
فالمسألة المتقدمة حيث كان المفسد هو المرأة نفسها.
وأما هنا فالمفسد هو غيرها.
فإذا أفسده غيرها فلها على الزوج نصف المسمى قبل الدخول وجميعه بعده لأن الفرقة لم تأت من قبلها ولا فعل لها في فسخ النكاح فيثبت لها الحق من المهر فإن كانت لم يدخل بها فلها نصف المهر المسمى وإن كانت قد دخل بها فلها المهر كاملاً.
قال: [ويرجع به الزوج على المفسد] .
فالزوج يعطي المهر، إما نصفه حيث كان لم يدخل بها وإما جميعه حيث دخل بها، ويرجع على المفسد فالمفسد الذي حصلت هذه الفرقة بسببه وهي المرضعة يرجع الزوج عليها بذلك وذلك لأن الإفساد جاء من قبلها أي من قبل هذه المرضعة.
قال: [ومن قال لزوجته أنت أختي لرضاع بطل النكاح فإذا كان هذا قبل الدخول وصدقته فلا مهر لها] .
فمثلاً عقد على المرأة ولم يدخل بها ثم قال: " أنت أختي من الرضاع" وصدقته المرأة فلا مهر لها، وذلك لأنهما قد اتفقا على بطلان هذا النكاح، والنكاح الباطل لا مهر فيه.
قال: [وإن أكذبته فلها نصفه] .
إذا قالت له: " أنت كاذب" فلها نصف المهر، أي قبل الدخول، وذلك لأن هذا القول منه فيه إسقاط حقها فلم يلزمها قبوله بلا بينة.
أما إذا كانت هناك بينة فيلزمها قبوله وهذا ظاهر لكن الكلام هنا حيث لا بينة.
قال: [ويجب كله بعده] .
سواء صدقته أو أكذبته، فإذا كان ذلك أي قوله لها: " أنت أختي من الرضاع" بعد الدخول فلها المهر كاملاً سواء صدقته أو أكذبته.
وذلك لاستقرار المهر بالدخول.
لكن إن مكنته من نفسها فاستحل فرجها وهي تعلم أنها أخته من الرضاع وطاوعته ومكنت نفسها له فهي زانية والزانية لا مهر لها.
إذن: هنا حيث كانت جاهلة أو مكرهة فلها المهر بما استحل من فرجها.
قال: [وإن قالت هي ذلك وأكذبها فهي زوجته حكماً] .
إذا قالت المرأة لزوجها: "أنت أخي من الرضاع" فأكذبها فهي زوجته حكماً أي في الظاهر.
وذلك لأن قولها بإسقاط حقه لا يلزمه قبوله فهو قول منها في فسخ النكاح والنكاح حق له، وهذا القول يترتب عليه إسقاط حقه فيسح النكاح، فلم يلزمه القبول فحينئذ تكون زوجته في الحكم الظاهر.
وأما في الباطن فإما أن تكون صادقة في نفس الأمر وإما أن تكون كاذبة.
فإن كانت صادقة فالنكاح باطل ويجب عليها أن تفتدي نفسها منه وألا تمكنه من نفسها.
وأما إن كانت كاذبة في قولها فالنكاح صحيح في الظاهر وفي الباطن.
قال: [وإذا شك في الرضاع أو كماله أو شكت المرضعة ولا بينة فلا تحريم] .
إذا شك في الرضاع ولا بينة فلا يدري هل ثبت هذا الرضاع أم لم يثبت؟
أو شك في كماله ولا بينة لا يدري هل أرضعته خمساً أم أربعاً أو لا يدري هل أرضعته قبل الفطام أو بعده، وعلى القول المرجوح لا يدري هل أرضعته في الحولين أو بعدهما.
أو شكت المرضعة في ثبوته أو كماله ولا بينة فإنه لا تحريم في الكل.
وذلك لأن الأصل عدم الرضاع، والأصل هو الحل قال تعالى: ((وأحل لكم ما وراء ذلكم)) واليقين لا يزول بالشك.
أما شرح قول المؤلف: [ومن حرمت عليه ابنتها فأرضعت طفلة حرمتها عليه، وفسخت نكاحها منه إن كانت زوجته] .
من حرمت عليه ابنتها كالأم والأخت وبنت الأخت وبنت الأخ ونحوهما فأرضعت طفلة فإنها تحرمها عليه وتفسخ نكاحها منه إن كان قد تزوجها.
فمثلاً: الأخت ابنتها من النسب محرمة على أختها فإذا أرضعت طفلة فإنها تحرمها على أخيها.
" كتاب النفقات"
النفقات: جمع نفقة وهي في اللغة: الدراهم ونحوها.
وأما في اصطلاح الفقهاء فهي: إعطاء من يمونه ما يكفيه قوتاً ومسكناً وكسوة وما يتبع ذلك.
قال: [يلزم الزوج نفقة زوجته] .
إجماعاً قال تعالى: ((لينفق ذو سعة من سعته ومن قدر عليه رزقه فلينفق مما آتاه الله)) .
وقال تعالى: ((اسكنوهن من حيث سكنتم من وجدكم)) .
وقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - كما في الصحيحين من حديث هند بنت عتبة: (خذي ما يكفيك وولدك بالمعروف) .
وقال - صلى الله عليه وسلم -: (ولهن عليكم رزقهن وكسوتهن بالمعروف) رواه مسلم.
وفي أبي داود والنسائي وابن ماجه بإسناد جيد أن النبي - صلى الله عليه وسلم - لما سئل عن حق الزوجة على زوجها، قال: (أن تطعمها إذا طعمت وتكسوها إذا أكتسيت) الحديث.
فقد دل كتاب الله وسنة نبيه وإجماع العلماء على وجوب النفقة على الزوجة سواء كانت الزوجة موسرة أم معسرة.
قال: [قوتاً وكسوة وسكناها بما يصلح لمثلها] .
قوتاً: من أدم أو لحم أو غير ذلك.
وكسوة وسكنى بما يصلح لمثلها في العرف لقوله - صلى الله عليه وسلم -: (خذي ما يكفيك وولدك بالمعروف) وفي الحديث الآخر: (ولهن عليكم رزقهن وكسوتهن بالمعروف) .
قال: [ويعتبر الحاكم ذلك بحالهما عند التنازع] .
فإذا تنازع الزوجان في النفقة فإن الحاكم أي القاضي يعتبر ذلك بحالهما جميعاً أي بحال الزوج وحال الزوجة فالاعتبار بحاليهما جميعاً، وبيان ذلك:-
قال: [فيفرض للموسرة تحت الموسر قدر كفايتها] .
وكذلك في الصورة الثانية والثالثة يفرض قدر كفايتها، فالكفاية واجبة في المسائل كلها لقوله - صلى الله عليه وسلم - لهند: " خذي ما يكفيك".
وقال الشافعي: تأخذ مدين من قمح إن كانت تحت موسر ومداً إن كانت تحت معسر ومداً ونصف إن كانت تحت متوسط.
وهذا القول ضعيف ولا دليل عليه.
والجمهور على أنها تأخذ الكفاية سواء كانت تحت موسر أو معسر أو متوسط.
لكن الطعام يختلف باختلاف الإعسار واليسار وأما الكفاية فإنها تأخذها.
قال: [من أرفع خبز البلد أدمه، ولحماً عادة الموسرين بمحلهما] .
فمرجع ذلك إلى العادة، وهذا الكلام من المؤلف إيضاح لما جرت العادة به عندهم.
قال: [وما يلبس مثلها من حرير وغيره، وللنوم فراش ولحاف وإزار ومخدة، وللجلوس حصير جيد وزلي] .
الزلي: نوع من الحصر.
وهذا كله لما جرت العادة عندهم به.
وأما نحن فيختلف الأمر عندنا فالأرز واللحم أرفع القوت وما يتبع ذلك من فواكه وخضروات ونحوها وغرف النوم وما يتبعها والمساكن أيضاً.
فالمقصود: أن لها أرفع المساكن وأرفع المطاعم وأرفع الفرش وأرفع الألبسة.
قال: [وللفقيرة تحت الفقير من أدنى خبز البلد وأدم يلائمه وما يلبس مثلها وما يجلس عليه] .
وما قوله [يلائمه] أي يلائم الحال.
قال [وللمتوسطة مع المتوسط، والغنية مع الفقير وعكسهما ما بين ذلك عرفاً] .
فإذا كانت متوسطة مع متوسط، أو هي غنية وزوجها فقير، أو هي فقيرة وزوجها غني فحينئذ يكون الوسط لأن الاعتبار بحال الزوجين معاً.
هذا هو المشهور في مذهب الإمام أحمد.
وقال المالكية والأحناف، بل الاعتبار بحال الزوجة فإذا كانت الزوجةغنية فيجب على زوجها أن يكسوها وأن يطعمها وأن يسكنها ما يكون للأغنياء وإن كان هو فقيراً او متوسطاً.
وإن كانت فقيرة فينفق عليها نفقة الفقراء ولو كان غنياً.
قالوا: لحديث: (خذي ما يكفيك وولدك بالمعروف) .
وقال الشافعية وهو قول في مذهب الإمام أحمد: إن الواجب أن ينظر إلى حال الزوج فإن كان الزوج موسراً فنفقة موسر، وإن كان معسراً فنفقة معسر، وإن كان متوسطاً فنفقة متوسط.
واستدلوا: بقوله تعالى: ((لينفق ذو سعة من سعته ومن قدر عليه رزقه فلينفق مما آتاه الله)) .
وهذا القول هو القول الراجح وهو ظاهر القرآن وأما حديث هند بنت عتبة، فهي قضية عين، وأبو سفيان رضي الله عنه كان من الأغنياء.
قال: [وعليه مؤنة نظافة زوجته] .
فما يكون من ماء يحتاج إليه للنظافة أو سدر وغيره من أدوات التنظيف وأجره الماشطة والمشط ونحو ذلك مما تحتاج إليه في التنظيف فإنه يجب على الزوج وذلك لجريان العادة به.
وعللوا هذا أيضاً بتعليل فيما يظهر لي أنه ضعيف فقالوا: إنها كالدار المستأجرة، فكما أن المستأجر يجب عليه أن ينظف داره فكذلك يجب عليه أن يقوم بمؤنة تنظيف زوجته وهذا فيما يظهر لي تعليل ضعيف.
قال: [دون خادمها] .
فالخادم الذي يكون للزوجة لا يجب على الزوج أن ينفق عليه للتنظيف وذلك لأن التنظيف غير مراد فيه.
وقيل: بل يلزم، والأظهر: أن هذه المسألة راجعة إلى العرف فإن حكم العرف بذلك وجب وإلا فلا.
ويجب على الزوج إن كانت المرأة من جرت العادة والعرف بأن يخدم مثلها فيجب عليه الخادم، كأن تكون من ذوي الأقدار العالية أو أن تكون مريضة، تحتاج إلى من يخدمها وهذا لقوله تعالى: ((وعاشروهن بالمعروف)) ولا شك أن هذا من المعروف.
فإذا كانت من يخدم مثلها بأن تكون من ذوي الأقدار أو أن تكون مريضة فيجب عليه أن يخدمها.
فإن قالت المرأة: أنا أخدم نفسي وأعطني الأجرة، فهل يجب عليه ذلك؟
الجواب: لا يجب عليه ذلك، وذلك لأن الأجرة عليه فكان الخادم له دية، ولأن إخدامها يوفر هذه المرأة لحقوق زوجها وأيضاً فيه إعلاء لقدرها وفيه توفير لها لزوجها لتقوم بحقوقه.
ولا يجب عليه أن يملكها الخادم بل يجب عليه أن يأتي بمن يخدمها وإن لم يكن ذلك على سبيل التمليك.
وفي قوله: [وعليه مؤنة نظافة زوجته] .
ظاهره أنه ليس عليه مؤنة تزيينها فليس عليه أن يعطيها مالاً للكحل أو لتزيين الوجه أو للبس الحلي أو للطيب ونحو ذلك مما تتزين به المرأة وهذا هو المذهب وذلك لأن حق الاستمتاع بالمرأة له فلا يجب عليه ما يدعو إلى الاستمتاع بها والتزيين يدعوه إلى الاستمتاع بها.
وهناك وجه في المذهب، إن ذلك واجب عليه.
والذي يترجح أن هذه المسألة راجعة إلى العرف وكون ذلك يراد للاستمتاع ليس ذلك مختصاً بالاستمتاع بل المرأة أيضاً نحتاج إلى التزين وإن كان هذا ليس للزوج فإنها تحتاج للتزيين والتجمل عند بنات جنسها.
قال: [لا دواء وأجرة طبيب] .
لا يجب عليه أن يعطيها مالاً لطبيب استأجرته، ولا أن يدفع لها مالاً لتشتري به الدواء.
قالوا: لأن ذلك من الحاجيات غير المعتادة، وإنما يكون لعارض وعلله بعضهم بتعليل ضعيف وهو أن يقال: إن المرأة كالدار المستأجرة فإذا فسد شيء من الدار المستأجرة كأن يسقط شيء من أطرافها فلا يجب عليه أن يصلح ذلك.
ولا شك أن هذا تعليل ضعيف، فكيف تقاس المرأة بالدار المستأجرة وقد أمر الله بمعاشرتها بالمعروف.
والقول الثاني في المسألة وهو قول في المذهب: وجوب ذلك على الزوج، وهو ظاهر.
لأن ذلك من المعاشرة بالمعروف وقد قال تعالى: ((وعاشروهن بالمعروف)) فليس من المعاشرة بالمعروف أن تمرض المرأة فلا يأتي لها بطبيب ولا يدفع له أجره.
وقد قال تعالى: ((ولهن مثل الذي عليهن بالمعروف)) .
فالصحيح وجوب ذلك عليه.
قال رحمه الله: " فصل " [ونفقة المطلقة الرجعية وكسوتها وسكناها كالزوجة] .
فالمطلقة الرجعية لها النفقة ولها السكنى كالزوجة قال تعالى: ((لا تخرجوهن من بيوتهن ولا يخرجن إلا أن يأتين بفاحشة مبينة)) .
ولأن الرجعية زوجة، وفي النسائي قال النبي - صلى الله عليه وسلم - من حديث فاطمة بنت قيس: (إنما السكنى والنفقة لمن تملك الرجعة) .
قال: [ولا قسم لها] .
كما تقدم في الكلام على القسم بين النساء في كتاب عشرتهن.
قال: [والبائن بفسخ أو طلاق لها ذلك إن كانت حاملاً] .
البائن بفسخ كالمختلعة أو البائن بطلاق وهي من بُت طلاقها لها النفقة إن كانت حاملاً.
لقوله تعالى: ((وإن كن أولات حمل فأنفقوا عليهن حتى يضعن حملهن)) .
وفي مسند أحمد وسنن أبي داود في حديث فاطمة بنت قيس أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: (لك النفقة إن كنت حاملاً) – وظاهر كلام المؤلف – وهو المذهب- أنه لا نفقة لها ولا سكنى إن لم تكن حاملاً، وهو الذي دل عليه حديث فاطمة بنت قيس ففي صحيح مسلم قالت طلقني زوجي ثلاًثاً فلم يجعل لي النبي - صلى الله عليه وسلم - سكنى ولا نفقة)
وقد قال تعالى: ((لا تخرجوهن من بيوتهن ولا يخرجن)) وقال: ((لا تدري لعل الله يحدث بعد ذلك أمراً)) وهذا يدل على أن قوله: ((لا تخرجوهن من بيوتهن)) في الآية إنما هي في المطلقة الرجعية بدليل قوله: ((لا تدري لعل الله يحدث بعد ذلك أمراً)) أي رجعة، والمطلقة البائن لا يمكن أن يحدث أمر فقد بت طلاقها.
قال: [والنفقة للحمل لا لها من أجله] .
هذه النفقة التي تجب للمطلقة البائن الحامل، هي للحمل فقط لا لها من أجله، هذا هو المشهور في المذهب.
قالوا: لأن النفقة تجب لوجوده أي الحمل، ولا تجب بعدمه، فدل ذلك على أن النفقة للحمل.
وعليه: لو أنه لم ينفق عليها للحمل ومضى الزمن ولم تنفق هي بنية الرجعة ولم تستدن هي لتنفق على نفسها بنية الرجعة فإن النفقة تسقط لأن النفقة للحمل، والحمل ولد فحينئذ تكون من باب النفقة على الأقارب وليست من باب النفقة على الزوجات، والنفقة على الأقارب تسقط بمضى الزمان، فلو أن رجلاً لم ينفق على ابنه فإنا لا نأمره بأن ننفق عليه فيما مضى من الزمان إلا أن يكون قد أتفق عليه بنية الرجوع وعن الإمام أحمد رحمه الله: أن النفقة لها من أجله أي للحامل من أجل الحمل.
قالوا: بدليل أنها تجب عند اليسار والإعسار والنفقة على الأقارب لا تجب عند العسر بخلاف الزوجة فإنها تجب الإنفاق عليها في حال الإعسار واليسار.
واختار شيخ الإسلام رحمه الله الجمع بين القولين، فقال: النفقة للحمل ولها، وهو الصحيح لأن العلتين المتقدمتين قويتان.
وعليه فالراجح أنها للحمل ولها.
والمعنى يدل على ذلك أما كونها للحمل فهو ظاهر لأن الحمل ولدله فالإنفاق على الحامل ينتفع به ولده.
بل بقاء ولده موقوف على النفقة على الحامل.
وأما كونه لها فلأنها تتكلف حمله وتلحقها المشقة في ذلك فكان لها أيضاً.
إذن الصحيح، أنها له بدليل أن النفقة تسقط بعدمه وتجب بوجوده.
وهو لها بدليل وجوب النفقة في الإعسار واليسار وعليه فتجب للناشز وعليه أيضاً لا تسقط بمضي الزمان لأنها لها ونفقة المرأة لا تسقط بمضي الزمان.
قال: [ومن حبست ولو ظلماً أو نشزت أو تطوعت بلا إذنه بصوم أو حج أو أحرمت بنذر حج أو صوم أو صامت عن كفارة أو قضاء رمضان مع سعة الوقت، أو سافرت لحاجتها ولو بإذنه سقطت النفقة] .
فالنفقة تسقط في هذه المسائل.
أما المسائل الأولى، فلأن النفقة في مقابل تمكينها نفسها لزوجها وهنا لم تمكن نفسها له.
وأما المسألة الأخيرة، وهي قوله (أو سافرت لحاجتها ولو بإذنه) فلأنها منعت نفسها منه بسبب من غير جهته.
هذا هو المشهور في المذهب في هذه المسائل كلها.
والقول الثاني في المسألة: وهو اختيار الشيخ السعدي وهو الصحيح في هذه المسألة، أن نفقة الزوجة لا تسقط إلا حيث نشزت أو عصت.
وأما ما سوى ذلك فإنها لا تسقط وذلك لأن الأصل هو وجوب النفقة على الزوجة ولا دليل على إسقاطها ولا نسلم أن النفقة تجب في مقابل تمكينها نفسها له بدليل أن النفقة تجب للمريضة التي لا يستطيع زوجها أن يطئها وتجب للنساء، فليس هذا في مقابل تمكينها نفسها له بل تجب النفقة بالزوجية.
وقول المؤلف: [أو صامت عن كفارة أو قضاء رمضان مع سعة الوقت] .
بخلاف ما لو كان الوقت غير متسع كأن تصوم القضاء من رمضان في آخر شعبان، فهنا لا تسقط نفقتها على المذهب وذلك عليها شرعاً.
وقد تقدم أن الراجح عدم سقوطها مطلقاً إلا إذا نشزت أو عصت.
قال: [ولا نفقة ولا سكنى لمتوفي عنها] .
تقدم البحث في هذه المسألة وأن الراجح وجوب السكنى دون النفقة.
قال: [ولها أخذ نفقة كل يوم من أوله] .
للمرأة أن تأخذ نفقة كل يوم من أوله، فمثلاً: ما يكفيها من الأرز ومن الخبز ومن الأدم ونحو ذلك فإنها تأخذه من أول النهار وذلك لأنه أول وقت الحاجة.
وهذا القول فيه نظر ظاهر وذلك لأن العادة لم تجر بمثل هذا بل يرجع في هذا إلى العرف والعادة.
قال: [لا قيمتها] .
فلا يجب عليه أن يعطيها القيمة، فلو قالت له: ((آخذها دراهم)) فإن ذلك لا يجب عليه.
ولا أصل لتقويم الطعام بالدراهم لا في كتاب الله ولا في سنة رسول الله ولا في أقوال الصحابة ولا التابعين ولا أتباعهم ولا نص عليه أحد من أئمة الإسلام)) كما قرر هذا ابن القيم.
قال: [ولا عليها أخذها] .
فلو قال الرجل: أنا أعطيك الدراهم، فقدر لها مائة ريال في كل يوم، فلا يلزمها قبول ذلك.
وهذا ظاهر وذلك لأن الواجب لها ما جرت العادة به، والعادة جارية بالطعام لا بقيمته.
ولأنها تحتاج من يشتري لها بهذه الدراهم الطعام.
قال: [فإن اتفقا عليه أو على تأخيرها أو تعجيلها مدة طويلة أو قليلة جاز] .
إذا اتفقا على القيمة، أو اتفقا على تأخيرها بأن تأخذها في آخر السنة، أو اتفقا على تعجيلها بأن تأخذها في أول السنة، سواء كان هذا التعجيل أو التأخير مدة طويلة أو قليلة جاز ذلك.
وذلك لأن الحق لهما فلا يعدوهما.
قال: [ولها الكسوة كل عام مرة في أوله] .
فالكسوة تجب في أول كل عام.
وقيل في أول الصيف كسوة الصيف، وفي أول الشتاء كسوة الشتاء.
والصحيح وهو قول في المذهب: أن ذلك يجب بقدر الحاجة وتبعاً للعرف.
"يقدر الحاجة"، بمعنى أنها لو لم تبل كسوتها فلا يجب عليه أن يعطيها في العام الجديد كسوة أخرى، ولو بليت كسوتها فيجب عليه أن يعطيها كسوة جديدة ولو كان ذلك قبل نهاية العام.
فالصحيح أنها تجب بقدر الحاجة وهي تتبع العرف، وهو اختيار الشيخ السعدي، وذلك لقوله تعالى: ((وعاشروهن بالمعروف)) فمرجع هذه المسائل على العرف.
قال: [وإذا غاب ولم ينفق لزمته نفقة ما مضى] .
رجل غاب سنة عن امرأته فلم ينفق عليها فيجب أن يعطيها نفقة ما مضى وهي نفقة سنة أو نفقة سنتين أو نفقة ثلاث سنين.
وهذا ظاهر وذلك لأن النفقة تجب لها مع الإعسار واليسار فلم تسقط بمضى الزمان، فهي حق لها كالأجرة، تجب مع الإعسار واليسار فلم يسقط ذلك بمضى الزمان.
قال: [وإن انفقت في غيبته من ماله فبان ميتاً غرّمها الوارث ما أنفقته بعد موته] .
امرأة غاب زوجها فأنفقت في غيبته من ماله فبان ميتاً فإن الوارث يغرمها ما انفقته بعد موته وذلك لتبين عدم استحقاقها لأنها بموت زوجها لا نفقة لها.
وعليه فللوارث أن يغرفها ما مضى.
وتقدم أن الصحيح أن المتوفي عنها زوجها لها السكنى والنفقة وعليه فالنفقة مدة اعتدادها في بيت زوجها واجبة في تركته.
[يراجع هذا الترجيح بناء على ماسبق] .
مسألة:
لو أن رجلاً انفق على مطلقته البائن يظنها حاملاً فبانت حائلاً أي ليست بحامل، فله أن يرجع في النفقة وذلك لتبين عدم استحقاقها.
والعكس فلو أنه لم ينفق عليها يظنها حائلاً فبانت حاملاً فإنها ترجع إليه بالنفقة وذلك لتبين استحقاقها.
قال رحمه الله: [فصل: ومن تسلم زوجته أو بذلت نفسها ومثلها يوطأ وجبت نفقتها] .
ذكر المؤلف شرطين لوجوب النفقة على الزوجة:-
الشرط الأول: التسليم، والمراد به التسيلم التام وذلك بأن تبذل المرأة نفسها لزوجها.
فإن امتنعت من ذلك أو امتنع وليها أو تساكتاً بعد العقد أي الزوجان فلم تبذل ولم يطلب فلا نفقة وهذا الشرط لا خلاف فيه بين أهل العلم.
الشرط الثاني: أن تكون هذه المرأة ممن يوطأ مثلها أي من حيث السن، وهذا شرط عند جمهور أهل العلم وهي في المشهور في المذهب، بنت تسع سنين.
والصحيح ما تقدم: وأن السن غير مؤثر هنا بل متى كانت المرأة يمكن وطؤها سواء كانت بنت ثمان سنين أو بنت تسع أو بنت عشر أو بنت أثنى عشرة سنة وهذا يختلف باختلاف النساء واختلاف الطبائع.
فالصحيح أن هذا لا ارتباط له بالسن وهو قول في المذهب فلو بذلت نفسها أو بذلها أولياؤها وهي صغيرة لا يوطء مثلها فلا نفقة، هذا هو مذهب الجمهور وذلك لأن لها حالاً أخرى يمكنه أن يستمتع بها استمتاعاً كاملاً والحال الأخرى حيث كانت كبيرة.
بخلاف ما لو كانت رتقاء أو عريضة أو نفساء أو حائض فإنه يجب عليه أن ينفق عليها عند جمهور العلماء.
والقول الثاني في المسألة وهو قول الثوري وقول في مذهب أحمد أن المرأة إذا ثبت التسليم التام ببذلها نفسها أو ببذل الأولياء لها فإن النفقة تجب وإن كانت لا يوطء مثلها.
وهذا هو القول الراجح في المسألة.
وذلك لأن الأصل وجوب النفقة على الزوجة ولا تسقط لها.
وتعذر الوطء لعجزها لا لمعصيتها ونشوزها.
والمراد بالتام في قولنا التسليم التام، أن يكون التسيلم غير مقيد بقيد لم يشترط في العقد.
فلو قالت المرأة لا أسلم نفسي لزوجي إلا في بيتي أو في بيت أبي أو في بلدي ونحو ذلك ولم يشترطا في العقد على ذلك فإن النفقة تسقط لأن التسليم ليس تسليماً تاماً.
أما إذا كان التسليم تاماً أو كأن مقيداً لكنها قد اشترطت ذلك في العقد فحينئذ تجب النفقة ومثال ذلك مالو قيدته بشيء يشهد العرق به فإن النفقة تجب لها.
قال: [ولو مع صغر زوج وجبه ومرضه وعنته] .
وهذا ظاهر، لأن عدم الوطء من جهته وليس من جهتها وأما هي فقد سلمت المعوض له.
قال: [ولها منع نفسها حتى تقبض صداقها الحال] .
فللمرأة أن تمنع نفسها من زوجها بألا تمكنه من وطئها حتى تقبض صداقها الحال.
فالتسليم المتقدم: أن تسلم نفسها له في داره وأما المقصود هنا بمنع نفسها، أن تمنع نفسها من أن يطئها.
وكذلك لها أن تمتنع من التسليم التام الذي يترتب عليه الوطء، لها ذلك حتى تقبض صداقها الحال.
فلها أن تمنع نفسها حتى تقبض صداقها الحال وذلك لئلا تفوت عليها منفعة بضعها، فإنه إذا جامعها فقد فاتت عليها منفعة البضع بحيث لا يمكنها استدراك ذلك.
وأما الصداق المؤخر المؤجل، فليس لها أن تمنع نفسها من زوجها حتى تأخذه وذلك لأن رضاها بتأجيله متضمن لرضاها بالوطء قبل تسلمه.
قال: [فإن سلمت نفسها طوعاً ثم أرادت المنع لم تملكه] .
فإذا سلمت امرأة نفسها طوعاً لا كرهاً فليس لها بعد ذلك أن تمتنع عن زوجها، قالوا: لأن هذا التسليم منها قد استقر به العوض وهو المهر برضا المسلم فلم تمكن من استعادة المعوض بعد ذلك كالمبيع.
فإذا سلم صاحب السلعة، سلمها المشتري ولم يقبض الثمن بعد فإنه لا يمكن بعد التسليم من أخذ السلعة مرة أخرى فكذلك هنا فهذه المرأة قد سلمت نفسها لزوجها فأستقر بذلك المهر وكان ذلك برضا منها فلم تمكن بعد ذلك من الامتناع كالمبيع هذا مذهب الجمهور وهو أحد الوجهين في المذهب، وهو المشهور في المذهب.
والقول الثاني في المسألة: وهو قول أبي حنيفة والوجه الثاني في المذهب أن المرأة لها أن تمنع زوجها من وطئها بعد لك.
قالوا: لأن التسليم يوجبه عقد النكاح فلا فرق بين التسليم الأول والتسليم الثاني، فكما جاز لها أن تمتنع من التسليم الأول فلها أن تمتنع من التسليم الثاني.
ويفارق هذا المبيع: بأن التسليم مستمر أي باستمرار وطئها.
بخلاف المبيع أي السلعة فإنها حيث استلمت أصبحت ملكاً للمشتري في المرة الأولى.
وأما هنا: فالانتفاع ببعضها مستمر فكان امتناعها بعد ذلك لحفظ حقها جائزاً لها.
ولأنها إنما مكنت نفسها بناءً على أنه سيعطيها صداقها وقد منعها صداقها فكان لها أن تعود إلى الامتناع وهذا القول أظهر لقوة تعليله.
ولها حيث منعت نفسها بحق، لها النفقة فلو أن امرأة قالت: (لا أسلم نفسي لك حتى تعطيني صداقي الحال فلم يعطها فيجب عليه أن ينفق عليها في زمن الامتناع لأنه بحق والأصل وجوب النفقة على الزوجة وهنا المرأة لم تعص ولم تنشز وإنما امتنعت من الوطء لحفظ حقها وأخذ صداقها فكان هذا الامتناع بحق.
قال: [وإذا أعسر الزوج بنفقة القوت أو الكسوة أو ببعضها أوالمسكن فلها فسخ النكاح] .
إذا أعسر زوج المرأة بنفقة القوت أو بنفقة الكسوة أو ببعض ذلك أو كان ينفق عليها يوماً ويعجز في اليوم الآخر، أو عجز عن للمسكن فلها فسخ النكاح وإن كانت عالمة بإعساره قبل العقد.
إذن للمرأة أن تفسخ النكاح بسبب عسر الزوج سواء كان هذا العسر طارئاً على الزوج أو كان معسراً أي بأن تكون عالمة بإعساره قبل الزواج، هذا هو مذهب الجمهور.
واستدلوا بقوله تعالى: ((فإمساك بمعروف أو تسريح بإحسان)) وبقوله: ((ولا تمسكوهن ضراراً لتعتدوا)) .
واستدلوا: بما روى الدارقطني عن سعيد بن المسيب أنه قال في الرجل لا يجد ما ينفق على امرأته قال: (يفارقها) فقيل له (سنة) فقال (سنة) وهذا مرسل صحيح.
وقال الأحناف وهو اختيار ابن القيم واختاره من متأخري الحنابلة الشيخ عبد الرحمن بن سعدي، أن المرأة ليس لها أن تفسخ النكاح حيث اعسر الزوج.
ومن باب أولى إذا كان معسراً في الأصل ثم نكحته وهي تعلم بإعساره ورضيت بذلك.
واستدلوا: بأن الفقر كان كثيراً في عصر الصحابة رضي الله عنهم بل كان العسر أضعاف اليسر بل أضعاف مضاعفة ولم يمكن النبي - صلى الله عليه وسلم - امرأة قط من الفسخ بسبب عسر زوجها.
قالوا: والعسر واليسر مطيتان يمتطيهما أكثر الناس فالناس يتقلبون بين عسر ويسر، فلو مكنت المرأة من الفسخ لحصل فساد كبير.
قالوا: وقد قال تعالى: ((ومن قدر عليه رزقه فلينفق مما آتاه الله لا يكلف الله نفساً إلا ما آتاها)) .
وهذا القول الراجح في المسألة.
إلا أن يكون ثمت ضرر على المرأة بأن تكون المرأة فقيرة غير قادرة على التكسب.
أما إذا كانت المرأة غنية أو قادرة على التكسب من غير أن يترتب على ذلك أذىً لها فإنه ليس لها أن تفسخ وأما إذا كان هناك ضرر عليها بأن كانت فقيرة غير قادرة على التكسب فإنها لها الفسخ فقد قال - صلى الله عليه وسلم -: (لا ضرر ولا ضرار) وقد قال تعالى: ((ولا تمسكوهن ضراراً لتعتدوا)) .
وأما أثر سعيد بن المسيب فليس فيه الفسخ مطلقاً فيحمل هذا على ثبوت الضرر.
على أن الصحيح كما قرر ابن القيم، أنه موقوف على أبي هريرة حيث قال كما في البخاري: (والمرأة تقول اطعمني أو طلقني) ومثل هذا عن أبي هريرة ليس فيه أن لها حق الفسخ لكن فيه الخبر من أن المرأة تطالب بالطلاف أو الإنفاق.
فالصحيح مذهب الأحناف وهو اختيار ابن القيم من أن المرأة لا تمكن من الفسخ حيث أعسر زوجها إلا أن يترتب على ذلك ضرر عليها فيدفع الضرر عنها بحق الفسخ لها.
وأما إذا كانت غنية أو قادرة على التكسب فليس لها الفسخ وعليه فليس للزوج أن يمنعها من التكسب بل تمكن من ذلك.
وظاهر كلام الفقهاء، أنها إن اختارت البقاء وصبرت على عسر زوجها فليس له أن يمنعها من التكسب مطلقاً ولو كانت غنية وذلك لأنها محبوسة عليه بشرط أن ينفق عليها لكن هذا القول فيه نظر، فلا يتبين أن المرأة تمكن من التكسب بلا إذن وليها ولو كانت غنية بل إذا كانت فقيرة فنعم، وأما إن كانت غنية فلا تمكن من ذلك إلا بإذن الزوج وذلك لوجوب طاعة الزوج وهذا الوجوب لا مسقط له، فحق الزوج على زوجته أن تطيعه وحيث كانت غنية فلا مسقط لهذا الحق.
والمشهور في مذهب أحمد: أنها تمكن من الفسخ على الفور وعند الشافعية أنها تمكن من الفسخ على التراخي وضربوا لذلك ثلاثة أيام.
وعند المالكية ضربوا لذلك شهراً.
والصحيح أنها لا تمكن من الفسخ مطلقاً بل تلزم بالبقاء إلا أن يكون ثمت ضرر، فإن كان ثمت ضرر فإن ذلك على الفور ليدفع عنها الضرر.
قال: [فإن غاب ولم يدع لها نفقة وتعذر أخذها من ماله واستدانتها عليه فلها الفسخ بإذن الحاكم] .
فإذا غاب الزوج ولم يدع لزوجته نفقة، وتعذر عليها أخذها من ماله، بأن يكون له محل أودار لها إبجاب أو نحو ذلك.
وتعذر أن ستدين على زوجها فلها الفسخ بإذن الحاكم.
وهذا بناءاً على المسألة المتقدمة فلها الفسخ أيضاً للإعسار لأن النفقة قد تعذرت.
وقوله: " بإذن الحاكم" وذلك لأن هذه المسألة من المسائل المتنازع فيها فاشترط فيها إذن القاضي ليثبت الإعسار ثم يفسخ.
والجمهور على أنه فسخ وليس بطلاق في المسألتين كلتيهما.
فإذا فرق بين المرأة وزوجها لإعساره أو كونه غائباً ولم يترك لها نفقة فإن هذه الفرقة فسخ وليست بطلاق فلا تحسب تطليقة.
وعليه فلا يرجع إليها إلا بعقد جديد، فمثلاً فسخت اليوم ثم تيسرت حاله فإنه لا يرجع إليها إلا بعقد جديد ولا تحسب عليه تطليقة.
وهنا مسائل:-
المسألة الأولى:
أن المرأة إذا كان زوجها موسراً فلها إن ماطل، أن تأخذ نفقتها ونفقة خادمها ونفقة أولادها بالمعروف من غير إذنه ولا علمه.
لقوله - صلى الله عليه وسلم -??لهند: (خذي?ما يكفيك وولدك بالمعروف) متفق عليه.
وهكذا كل سبب ظاهر لا يحتاج إلى إثبات فكذلك كحق الضيف وغير ذلك من الحقوق الظاهرة، وحق القريب كأن يأخذ الابن من مال والده حيث كان الأب لا ينفق عليه وهكذا.
وأما إذا كان السبب غير ظاهر بل يحتاج إلى إثبات كالدين فليس له أن يأخذ ذلك لقوله - صلى الله عليه وسلم -???أدّ الأمانة إلى من ائتمنك ولا تخن من خانك) .
إذن الأخذ من مال الغير حيث كان له فيه حق:-
لا يخلو هذا الحق إما أن يكون ظاهراً أو خفياً فإذا كان حقك ظاهراً فلك أن تأخذ وإن لم يعلمه وإن كان خفياً فليس لك أن تأخذ إلا بإذنه وعلمه، فلو أن رجلاً أخذ منك ديناً ثم وضع عندك أمانة وكان قد كتم دينك أو ماطل فيه، فليس لك أن تأخذ من ماله الذي أئتمنك عليه، ليس لك أن تأخذ حقك منه وذلك لأن السبب خفي وليس بظاهر.
وهكذا ما يعتقده بعض الناس من حقه في بيت المال، فيأخذ على سبيل الخفية وهذا لا يجوز.
فعلى التسليم بثبوت حقه في ذلك - ولا يسلم - لو سلم لذلك فإن هذا وجه خفي فحينئذ يكون محرماً فقد قال - صلى الله عليه وسلم -???أد الأمانة إلى من أئتمنك ولا تخن من خانك) .
فلا بد أن يكون السبب ظاهراً لا خفياً كما قرر هذا شيخ الإسلام ابن تيمية وغيره وهذه المسألة تسمى بمسألة الظفر أي الظفر بالحق.
?المسألة الثانية:
??????إذا مضى زمن لم ينفق فيه الرجل على امرأته فهل تسقط النفقة أم لا تسقط؟
الجواب: جمهور العلماء على أنها لا تسقط وهو الصحيح الذي يدل عليه أثر عمر بن الخطاب ففي البيهقي أن عمر كتب إلى أمراء الأجناد في رجال غابوا عن نسائم أن يأخذوهم بأن ينفقوا أو يطلقوا، فإن طلقوا بعثوا بنفقة ما حبسوا) إذن نفقة الزوجة لا تسقط بمضى الزمان.
??المسألة الثالثة:
??إذا اختلف الزوج وزوجته في النفقة فأنكرت المرأة النفقة ولا بينة لأحد منهما.
فالمشهور في المذهب أن القول قول الزوجة لأن الأصل معها إذ الأصل عدم النفقة.
والقول الثاني: وهو مذهب مالك واختيار شيخ الإسلام وتلميذه ابن القيم، أن القول قول الزوج إذا شهد له العرف وهو القول الراجح وذلك لأن الأصل الذي ذكره الحنابلة معارض بالظاهر، فالظاهر حين شكت الزوجة أن زوجها لا ينفق عليها فما تطعمه وأجرة، مسكنها وغير ذلك من الزوج، فحينئذ تعارض عندنا ظاهر الحال والأصل، وظاهر الحال أقوى من الأصل، هذا إذا شهد بذلك العرف.
وأما إذا لم يشهد بذلك العرف كأن لا يكون العرف على ذلك فنقول بالأصل وهو ما تقدم.
" باب نفقة الأقارب"
?????قال: [تجب أو تتمتها لأبويه وإن علوا، ولولده وإن سفل حتى ذوي الأرحام منهم] .
?أجمع أهل العلم على وجوب النفقة على الوالدين ووجوب النفقة على الولد.
قال تعالى: ((وبالوالدين إحساناً)) .
قال - صلى الله عليه وسلم -????أفضل ما يأكل الرجل من كسبه، وإن ولده من كسبه) .
وفي الصحيحين أن النبي - صلى الله عليه وسلم -?قال لهند بنت عتبة: (خذي ما يكفيك وولدك بالمعروف) .
إلا أن مالكاً لم يوجبها إلا أن يكون الوالد والداً على المباشرة وكذلك الولد، وأما مع الواسطة كالجد أو الجدة أو ابن الابن أو بنت الابن ونحوهم فإن الإمام مالك لم يوجب ذلك.
والصحيح ما ذهب إليه الجمهور لظاهر الأدلة: (وبالوالدين إحساناً) فالجد والد والجدة والدة، ??خذي ما يكفيك وولدك بالمعروف) . فإبن الابن ولد، وبنت الابن بنت وهكذا.
?وقد قال - صلى الله عليه وسلم -????إن ابني هذا سيدُ) قال أبو بكر وكما في صحيح البخاري: "الجد والد"
إذن النفقة واجبة على الوالدين وإن علو وعلى الأولاد وإن نزلوا حتى ذوي الأرحام منهم.
فمثلاً: أم أب الأم هذه من ذوي الأرحام، وهي تجب لها النفقة وبنت البنت من ذوي الأرحام كما تقدم في كتاب الفرائض فتجب لهم النفقة وإن كانوا من ذوي الأرحام أي ليسوا من ذوي الفرض ولا التعصيب.
فلا يشترط في النفقة على الأصول، (وهم الوالدان وإن علوا) ولا الفروع (وهم الأولاد وإن نزلوا) لا?يشترط الإرث فسواء كانوا وارثين أم لم يكونوا كذلك فإن النفقة واجبة عليهم لعمومات الأدلة الشرعية وقد تقدم بعضها.
قال: [حجبه معسر أو لا] .
????سواء حجبه معسر أو لا، وذلك لأن الإرث ليس بشرط.
فمثلاً: إذا كان له جد أو أب وأبوه معسر فتجب عليه النفقة وإن كان ليس بوارث، فالوارث هنا هو الأب، فإن ابن الابن لا إرث له مع الابن، فهنا يجب عليه أن ينفق على جده وإن كان الأب موجوداً وهو الوارث وذلك لأن الإرث ليس بشرط.
أو لم يحجبه: كأن يكون له جدً أب أب ويكون أبوه ميتاً وذلك لما تقدم لأن الإرث ليس بشرط.
فالمقصود: أنه سواء كان محجوباً بمعسر أم لم يكن كذلك فالنفقة واجبة.
فالقاعدة: أن النفقة على الأصول والفروع واجبة سواء كانوا وارثين أم لم يكونوا كذلك.
قال: [ولكل من يرثه بفرض أو تعصيب لا برحم سوى عمودي نسبه] .
??عمود: النسب هما الأصول والفروع.
فالنفقة واجبة لكل من يرثه بفرض أو تعصيب لا برحم سوى عمودي النسب.
فقد تقدم الكلام على عمودي النسب.
وهنا الكلام فيما سوى عمودي النسب من الحواشي والولاء هنا يقول: تجب لكل من يرثه بفرض أو تعصيب لا برحم فالقاعدة في الحواشي: أن النفقة واجبة بشرط الإرث، فإن كنت ترثه لو مات فيجب عليك أن تنفق عليه، وإلا فلا.
???فمثلاً: له أخ وهذا الأخ له أبناء، فهنا لا يرث أخاه لوجود أبنائه فلا يجب عليه أن ينفق وأما إذا كان له أخ هو يرثه فإن النفقة واجبة له، إذن القاعدة في الحواشي أن النفقة واجبة بشرط الإرث أي بأن يكون المنفق يرث المنفق عليه.
قال: [سواء ورثه الآخر كأخ أولاً كعمة وعتيق] .
????أي سواء كان الآخر وهو المنفق عليه يرث كأن يكون المنفق عليه أخاً.
أو كان لا يرث كأن يكون عمه أو عتيقاً.
فالشرط في وجوب النفقة هو أن يكون المنفق وارثاً للمنفق عليه، ولا ننظر هل يرث المنفق عليه، المنفق أم لا، بل سواء ورثه أم لم يرثه.
هذا هو المشهور في مذهب الإمام أحمد.
وقال الأحناف: وهو اختيار شيخ الإسلام ابن تيمية وتلميذه ابن القيم، تجب النفقة للحواشي مطلقاً سواء كان المنفق وارثاً أم لم يكن وارثاً.
إذن الحنابلة لا يوجبون النفقة على الحواشي إلا إذا كان المنفق وارثاً فلا يوجبوها للخال ولا للأخ إذا كان له أبناء وهكذا.
ويستدلوا بقوله تعالى: ((وعلى الوارث مثل ذلك)) .
وأما الأحناف واختيار شيخ الإسلام وتلميذه ابن القيم فقالوا بوجوبها للخال وغيره من ذوي الأرحام.
واستدلوا بعمومات الأدلة الدالة على وجوب النفقة على الأقارب قال تعالى: ((وبالوالدين إحساناً وبذي القربى)) وقال تعالى: ((وآت ذا القربى حقه)) .
?وقال - صلى الله عليه وسلم -?كما في الصحيحين لما قيل له: (من أحق الناس بصحابتي؟ قال: "أمك" قيل ثم من؟ قال: " أمك" قيل ثم من؟ قال: " أمك" قيل ثم من؟ قال: " أبوك ثم أدناك فأدناك".
وفي الترمذي وأبي داود نحوه وفيه (ثم الأقرب فالأقرب) فهذه أدلة عامة بوجوب النفقة على الأقارب سواء كانوا وارثين أم لم يكونوا وارثين وهذا هو القول الراجح في المسألة.
وأما قوله تعالى: ((وعلى الوارث مثل ذلك)) فهذا فيه أن الإرث سبب يقتضي النفقة وليس فيه أن الرحم لا يقتضي ذلك.
وعليه فهناك سببان للنفقة:
الإرث وقد دل عليه قوله تعالى: ((وعلى الوارث مثل ذلك)) .
وهناك سبب آخر وهو الرحم دلت عليه الأدلة الشرعية.
قال: [بمعروف] .???لقوله تعالى: ((وعلى المولود له رزقهن وكسوتهن بالمعروف)) فتجب النفقة بالمعروف.
قال: [مع فقر من تجب له وعجزه عن تكسب] .
????هذا شرط لابد منه.
فلا بد أن يكون المنفق عليه، فقيراً عاجزاً عن التكسب أما لو كان غنياً أو قادراً على التكسب أي يمكنه أن يصنع صنعة ونحو ذلك فلا تجب النفقة له لكن لو كان العمل الذي يعمله الأب لا يليق بالمسلم أن يترك أباه يعمله بأن يكون عملاً ممتهناً فيكد والده وهو غني قادر على التكسب فلا شك أن هذا من القطيعة وأنه من العقوق وأن ذلك لا يجوز.
إذن: لابد أن يكون فقيراً ليس بيده مال حاصل ولا متحصل بصناعة أو غيره.
لكن مثل الوالد والوالدة لو قدرا على التكسب بمهنة ممتهنة عند الناس وهو قادر على أن ينفق عليهما وهما من ذوي الشرف أو دون ذلك فليس مناسباً لهما العمل به، فليس له أن يتركهما يعملان هذا العمل وذلك لأن هذا من عقوق الوالدين.
قال: [إذا فضل عن قوت نفسه وزوجته ورقيقه يومه وليلته وكسوة وسكنى من حاصل أو متحصل] .
هذا هو الشرط الثاني: وهو غنى المنفق، لا بد أن يكون المنفق غنياً وذلك بأن يكون له مال يفضل عن قوت نفسه وقون زوجته ورقيقه يومه وليلته إذن قال - صلى الله عليه وسلم -????كفى بالمرء إثماً أن يضيع من يقوت) .
من حاصل: أي من مالٍ بيده.
أو متحصل: كصنعة ونحوها.
قال: [لا من رأس مال وثمن ملك وآلة صنعة] .
فلا نأمره أن ينفق على قريبه من رأس ماله، كأن يكون له تجارة ومعاشه قائم على هذه التجارة فلا يأمره أن يأخذ من رأس المال لينفق على أقاربه.
كذلك لا نأمره أن يبيع شيئاً من ملكه حيث يتضرر بذلك ولا أن يبيع آلة الصنعة، لقول النبي - صلى الله عليه وسلم -????لا ضرر ولا ضرار) .
إذن: يشترط أن يكون المنفق غنياً وذلك بأن يكون حق المال الذي أوجبنا أن ينفقه على قريبه أن يكون فاضلاً عن قوته وقوت ولده وقوت زوجته وقوت رقيقه وأن يكون من مال حاصل أو متحصل فلا يكون من رأس ماله ولا من ثمن ملكه ولا من ثمن صنعته لحصول الضرر عليه بذلك.
ومقتضى تعليلهم أنه لو لم يكن يتضرر بذلك كأن يكون له رأس مال، ورأس?المال فائض عن القدر المناسب كأن تكون هذه التجارة يكفيها عشرة آلاف وقد وضع فيها عشرين ألفا حينئذ يأخذ من رأس المال لأنه لا يتضرر.
قال: [ومن له وارث غير أب فنفقته عليهم على قدر إرثهم] .
الحنابلة: يشترطون في الحواشي أن يكون المنفق وارثاً للمنفق عليه.
فالأب له حكم آخر، وأما من له وارث غير أب فإنه ينفق عليه على قدر إرثه.
فالأب: ينفق وحده على أولاده لقوله - صلى الله عليه وسلم -?لهند: (خذي ما يكفيك وولدك بالمعروف) .