شرح زاد المستقنع للحمدصفحات 5-23
أهل الأثرالأرشيف العلمي

فإذا قال " كلما لم أطلقك فأنت طالق " ومضى زمن يمكن إيقاع ثلاث طلقات مرتبة فيه فإنها تبين به المدخول بها لأنه يكون بذلك قد وقع عليها الطلاق ثلاثاً، وأما غير المدخول بها فإنها تبين بطلقة ويكون طلاقاً بائناً بطلقة.
قوله: [وإن قمت فقعدتِ، أو ثم قعدت أو إن قعدت إذا قمت أو إن قعدت إن قمت فأنت طالق لم تطلق حتى تقوم ثم تقعد] إذا علق طلاقه على شرطين مرتبين فلا يقع الطلاق إلا بهذين الشرطين مرتبين، فإذا قال لها " إن قمت فقعدت فأنت طالق " فإذا قامت فقعدت فإنها تطلق، وإذا قال لها " إن قمت ثم قعدتِ فأنت طالق " فإنها تطلق إذا قامت ثم قعدت " لأنه قد شرط شرطين مرتبين فلا تطلق إلا بقعود مسبوق بقيام.
قوله: [وبالواو تطلق بوجودها، ولو غير مرتبين] إذا قال " إن قعدت وقمت فأنت طالق " فلا يشترط الترتيب بل يكتفي بالجمع، لأن الواو لا تفيد الترتيب، فإذا قال لها " إن خرجت من الدار وذهبت إلى السوق فأنت طالق " فخرجت من الدار لكنها لم تذهب إلى السوق، فلا يقع الطلاق حتى يجتمع المتعاطفان بالواو.
قوله: [وبأو بوجود أحدهما] إذا قال إن خرجت من الدار إلى السوق أو إلى أهلك فأنت طالق " فخرجت من الدار إلى أهلها أو خرجت من الدار إلى السوق فإنها تطلق بأحدهما لأن " أو " تفيد ذلك، وما تقدم ذكره حيث كان بدلالة اللغة وأما العامة فإنه يحكم عليهم بما تقتضيه ألفاظهم عرفاً.

فصل

قوله: [إذا قال: إن حضت فأنت طالقٌ طلقت بأول حيضٍ متيقن] وذلك لوجود الصفة المشروطة، أما إذا كان حيضاً مشكوكاً فيه فلا، لأن الأصل بقاء عصمة النكاح، فالنكاح هو المتيقن فلا يزول بالشك.
قوله: [وإذا حضت حيضة تطلق بأول الطهر من حيضةٍ كاملة]

إذا قال لها " إن حضت حيضة فأنت طالق " فهنا علق الطلاق بحيضة كاملة فإذا حاضت مرة واحدة فإنها تطلق وهذا إنما يكون بأول الطهر، فأول طهرها يتم لها حيضة كاملة، فإن قال لها وهي حائض " إن حضت حيضة كاملة فأنت طالق " فإنها لا تطلق حتى تطهر من حيضها التي هي فيه، فإذا طهرت منه فحاضت حيضة كاملة فإنها تطلق بأول الطهر.
قوله: [وفي إذا حِضتِ نصف حيضةٍ تطلق في نصف عادتها] إذا قال لها " إن حضت نصف حيضة فأنت طالق " فإنها تطلق في نصف عادتها، فإذا كانت عادتها ستة أيام فإذا تم اليوم الثالث فإنها تطلق، وعليه فلا يُعلم نصف العادة حتى يمضي الحيض كله وذلك لأن العادة قد تطول وقد تقصر.
والمشهور في مذهب الإمام أحمد أن المرأة يقبل قولها في الحيض فإذا قالت " إني قد حضت حيضة" فإن قولها يقبل، وقال بعض الحنابلة لا يقبل إلا بيمين لإحتمال كذبها، وعن الإمام أحمد وهو قول أبي بكر من الحنابلة وصوبه صاحب الإنصاف وهو أرجح الأقوال الثلاثة " أنها تعطى خرقة فتضعها في فرجها، فتعطيها بعض النساء الثقات قطنة أو نحوها فتضعها في فرجها " وذلك لأنه يمكن أن يعلم الحيض من غير جهتها فلم يقبل فيه القول المجرد، فالقول المجرد إنما يقبل حيث لا يمكن أن يعلم إلا من جهة الشخص وأما إذا كان يمكن العلم به من غير جهته فإنه لا يقبل قوله وهنا يمكن أن يعلم الحيض الذي ادعته وأنكره الرجل، يمكن أن يعلم من غير جهتها، بخلاف ما لو قال لها " إن كنت تبغضيني فأنت طالق " فقالت المرأة " إني أبغضك " فإنه يقع الطلاق لأنه أمر قلبي ولا يطلع عليه غيرها فإن قولها يصدق لأنه لا يعلم إلا من جهتها.

فصل قوله: [إذا علقه بالحمل فولدت لأقل من ستة أشهر طلقت منذ حلف]

إذا قال " إن كنت حاملاً فأنت طالق " فولدت لأقل من ستة أشهر سواء كان الزوج يطأ أو لا يطأ فحينئذٍ يعلم أنها حامل لأنها لما ولدت لأقل من ستة أشهر علمنا قطعاً أنها حامل حين حلفه، سواء كان يطأها أو لا يطأها وعليه فإنها تطلق، وإذا ولدت لأقل من أربع سنين وهو لا يطأها فنقطع أنها حامل وهذا هو أكثر مدة الحمل في المذهب وعليه فتطلق، وقد تقدم أن المدة القصوى للحمل غير محددة كما في كتاب الفرائض فإذا أتت به وهي فراشٌ لزوجها ولا يطأها ولو كان بعد أكثر من أربع سنين فهو ابنٌ له، وعليه فتكون حاملاً عند قوله المتقدم وإن أتت به لأكثر من أربعة سنين.
فإن وطيء بعد الحلف وولدت لستة أشهر فأكثر من أول وطئه لم تطلق لإمكان أن يكون الحمل من الوطء بعد الحلف والأصل بقاء عصمة النكاح.
قوله: [وإن قال: إن لم تكوني حاملاً فأنت طالق] إذا قال " إن لم تكوني حاملاً الآن فأنت طالق " وهي عكس المسألة السابقة.
قوله: [حرم وطئها قبل استبرائها بحيضة في البائن] فهذا الحكم للمسألتين كلتيهما فإنه يحرم عليه الوطء حتى يستبريئها بحيضة، أي حتى تثبت براءة الرحم من الحمل بحيضة واحدة فإذا حاضت فإنه يعلم أنها ليست بحامل في المسألة الأولى فلا تكون طالقاً، وعنه وهو ظاهر كلام المؤلف أنه لا يحرم في المسألة الأولى وطؤها عقيب اليمين ما لم يظهر بها حمل وفي المسألة الثانية يعلم أنها ليست بحامل فتكون طالقاً لكن هذا في البائن فهي التي يحرم وطئها،ن لكن لو كان طلاقاً رجعياً فله أن يطأ لأن الرجل لا يمنع من وطء امرأته في الطلاق الرجعي.
قوله: [وهي عكس الأولى في الأحكام] وهذا ظاهر فالحالة الأولى إثبات والمسألة الثانية نفي فعكس الأحكام المتقدمة في المسألة الأولى يثبت عكسها في المسألة الثانية فماذا قلنا في المسألة الأولى يقع الطلاق فنقول في المسألة الثانية لا يقع الطلاق.

قوله: [وإن علق طلقة إن كانت حاملاً بذكر وطلقتين بأنثى فولدتهما طلقت ثلاثاً] إذا قال لامرأته " إن كنت حاملاً بذكر فأنت طالق طلقةً، وإن كنت حاملاً بأنثى فأنت طالق طلقتين " فولدتهما طلقت ثلاثاً لوجود الصيغتين اللتين وقع عليهما الطلقات ويأتي ما في هذه المسألة من النظر في آخر هذا الدرس.
قوله: [وإن كان مكانه إن كان حملُك أو ما في بطنك لم تطلق بهما] إذا قال لها مكان قوله إن كنت حاملاً قال " إن كان حملك " أو قال " إن كان ما في بطنك " فإنها لا تطلق إن ولدتهما وذلك لأن قوله هنا " حملك " وقوله " ما في بطنك" ظاهره الحصر بأن يكون ذكراً أو أنثى وهو هنا بعضه ذكرٌ وبعضه أنثى، وعليه فلا يقع الطلاق.

فصل قوله: [إذا علق طلقة على الولادة بذكر وطلقتين على الولادة بأنثى فولدت ذكراً ثم أنثى حياً أو ميتاً، طلقت بالأول وبانت بالثاني ولم تطلق به] في المسألة المتقدمة منها تعليق الطلاق على الحمل وأما هنا فهو تعليق له على الولادة، فإذا قال لامرأته " إن ولدت ذكراً فأنت طالق طلقة وإن ولدت أنثى فأنت طالق طلقتين " فولدت ذكراً ثم ولدت أنثى حياً كان المولود أو ميتاً طلقت بالأول منها سواءً كان ذكراً أو أنثى، فإن كان ذكراً فإنها تطلق طلقة وإن كان أنثى فإنها تطلق طلقتين فإذا ولدت ذكراً فإنها تكون قد طلقت طلقةً، فلما أتت بالثاني فإنها لا تطلق بالثاني لكنها تبين به، لأنها بالثاني تكون قد وضعت حملها والمرأة إذا وضعت حملها فقد خرجت من عدتها وإذا خرجت من عدتها فهي بائن منه.
قوله: [وإن أشكل كيفية وضعهما فواحدة] فإذا أشكل كيفية وضعهما فلا يدري آلذكر سابقٌ أم الأنثى فواحدة، وذلك لأن الأصل بقاء النكاح والطلقة الثانية مشكوك فيها وعليه فتبين بواحدة.

فصل قوله: [إذا علقه على الطلاق، ثم علقه على القيام، أو علقه على القيام، ثم على وقوع الطلاق فقامت طلقت طلقتين فيهما]

إذا قال لامرأته " إن طلقتك فأنت طالق " ثم قال لها " إن قمت فأنت طالق " فقامت طلقت طلقتين، الطلقة الأولى بقيامها والطلقة الثانية بطلاقها.
وقوله " أو علقه على القيام، ثم على وقوع الطلاق "؛ إذا قال لها إن قمت فأنت طالق " ثم قال " إن وقع عليك الطلاق فأنت طالق " فقامت فإنه يقع لها الطلاق المعلق الأول، وبوقوعه عليها يقع الطلاق الثاني.
قوله: [وإن علقه على قيامها ثم على طلاقه لها فقامت فواحدة] هذه بعكس المسألة الأولى، فإذا علقه على قيامها ثم على طلاقها، فالفرق بين المسألة الثالثة والمسألة الأولى؛ أن المسألة الثالثة هي عكس الأولى، والفرق بين المسألة الثالثة والمسألة الثانية أن المسألة الثانية فيها وقوع الطلاق فإنه قال في المسألة الثانية " ثم علقه على وقوع الطلاق "، أما في المسألة الثالثة فإنه قال " ثم علقه على طلاقها "، وفرق بين قوله " إن طلقت فأنت طالق " وبين قوله " إن وقع عليك الطلاق فأنت طالق " والمسألة الثالثة هي إذا قال لامرأته " إن قمتِ فأنت طالق " ثم قال بعد ذلك " إن طلقتك فأنت طالق " فإذا قامت فلا يقع عليها إلا طلاق واحداً، لأن قوله " إن طلقتك فأنت طالق " يقع الطلاق ليس منه إنما بالشرط الذي قد وقع فهو طلاق معلق بخلاف ما إذا علقه على وقوع الطلاق فإنه متى ما قلنا بوقوع الطلاق فحينئذٍ يحصل الشرط.
قوله: [وإن قال: كلما طلقتك أو كلما وقع عليك طلاقي فأنت طالق فوجدا طلقت في الأولى طلقتين وفي الثانية ثلاثاً] إذا قال " كلما طلقتك فأنت طالق " ثم قال لها " أنت طالق " فحينئذٍ يقع الطلقة الأولى وهي قوله " أنت طالق " ويقع الطلاق المعلق فيكون عليها طلقتان لكن لو قال " كلما وقع عليك طلاقي فأنت طالق" فالثانية طلقة واقعة عليها فتقع بها ثالثة.
مسألة:

وهي تسمى بالسرجية؛ نسبة إلى ابن سُريج الشافعي، وهي فيما إذا قال الرجل لامرأته " إن وقع عليكِ طلاقي فأنت طالق قبله ثلاثاً " قال ابن سريج الشافعي " وهو قول محدث في الإسلام " كما قال شيخ الإسلام " قال لا يقع شيء "، لأن قوله " أنت طالق " مسبوق بثلاث وعليه فهو طلاق منفي وليس بشيء لأنه طلقة رابعة والطلقة الرابعة ليست بشيء، وما دام أنها ليست بشيء فكذلك ما قبلها، وهو قوله " فأنت طالق قبله ثلاثاً " أي كذلك الذي علقت عليه ليس بشيء فما دام منفياً فلا يمكن أن يثبت ما يترتب عليه، هذا هو قول ابن سريج وهو كما تقدم قول محدث في الإسلام.

وقال الحنابلة؛ يقع الطلاق ثلاثاً، فقوله " أنت طالق " يقع طلقة، وقد قال " إن وقع عليك طلاقي فأنت طالق قبله ثلاثاً " فنختار من هذه الثلاث اثنتين فتكون طالقاً ثلاث، واختار شيخ الإسلام ابن تيمية وهو قول ابن عقيل من الحنابلة " أنها لا تطلق إلا واحدة في قوله أنت طالق "، وأما قوله " فأنت طالق قبله ثلاثاً " فعلى القول بصحة طلاق الثلاث بكلمة واحدة، وقد تقدم أن شيخ الإسلام لا يختار هذا القول وعليه فما نذكره هو دليل ابن عقيل فعلى القول بصحة طلاق الثلاث يكون من الطلاق الماضي والطلاق في المضي لا يقع، فالراجح أنه تقع عليها طلقة واحدة، وفي قول المؤلف " إذا علق طلقة على الولادة بذكر وطلقتين بأنثى "، إن ولدتهما فإنها تطلق ثلاثاً كما تقدم تقريره وكذلك في الحمل، وهذا فيه نظر، فإن مراده في الغالب الحمل الواحد والولادة الواحدة، إذ الأصل أن يكون حملاً واحداً وأن تكون الولادة ولادة واحدة، وعليه فيقع على ما نواه، وهو رواية عن الإمام واختاره شيخ الإسلام، فإذا قال الرجل لامرأته " إن كنت حاملاً بذكر فأنت طالق طلقةً، وإن كنت حاملاً بأنثى فأنت طالق طلقتين " فتبين أنها حامل بذكر وأنثى جميعاً فإن هذا ليس مراده بل مراده حيث كان الحمل منفردأ أي منفرداً بالذكورية أو منفرداً بالأنثوية والأمر لم يكن كذلك وهو حمل كلامه على الأصل ونّوعه هنا بالذكورية والأنثوية وعلق على هذا التنويع لأن الأصل هو هذا التنويع، وهذا القول هو الراجح في هذه المسألة.

فصل قوله: [إذا قال: إذا حلفتُ بطلاقك فأنت طالقٌ، ثم قال: أنت طالق إن قمت طلقت في الحال] تقدم معنى الحلف بالطلاق عند الفقهاء وأن معناه تعليق الطلاق بشيء للحض والمنع فإذا قال " إذا حلفت بطلاقك فأنت طالق " قم قال " أنت طالق إن قمت "، فقوله هنا " أنت طالق إن قمت " هذا حلفٌ بالطلاق فتطلق في الحال وذلك لوجود الصفة.

قوله: [لا إن علقه بطلوع الشمس ونحوه لأنه شرطٌ لا حلف] إذا قال لها " إذا حلفت بطلاقك فأنت طالق "، ثم قال بعد ذلك " إن طلعت الشمس فأنت طالق " فلا تطلق عليه في الحال وذلك لأن قوله " إن طلعت الشمس فأنت طالق " ليس حلفاً بل هو شرط محض لأن المكلف لا يقصد بمثله الحض أو المنع وهذا ظاهر، وقد تقدم الفرق بين الحلف والشرط وأن عرف الفقهاء على ذلك كما تقدم نقله عن شيخ الإسلام.
قوله: [وإن حلفتُ بطلاقك فأنت طالقٌ، أو إن كلمتك فأنت طالقٌ وأعاده مرةً أخرى طلقت مرة] إذا قال لامرأته " إن حلفت بطلاقك فأنت طالق " ثم قال " إن حلفت بطلاقك فأنت طالق " فإنها تطلق بالجملة الثانية طلقةً واحدة وذلك لوجود الصفة وهي الحلف بالطلاق، وإذا قال لها " إن كلمتك فأنت طالق " ثم قال لها " إن كلمتك فأنت طالق " فإنها تطلق بالجملة الثانية طلقة واحدة، وذلك لأن قوله " إن كلمتك فأنت طالق " كلام وقد علق طلاقها بكلام وهذا كلام فيقع الطلاق به.
قوله: [ومرتين فثنتان وثلاثاً فثلاثٌ] إذا قال لها " إن حلفت بالطلاق فأنت طالق " ثم قال " وإن حلفت بالطلاق فأنت طالق " طلقت واحدة، ثم قال " إن حلفت بالطلاق فأنت طالق " طلقت ثانية، ثم قال " إن حلفت بالطلاق فأنت طالق " طلقت ثالثة، لوجود الصفة المعلق عليها الطلاق في كل مرة، هذا ما لم يقصد إفهامها أو التأكيد، أما إذا قصد إفهامها أو التأكيد فإنه لا يقع إلا في الأولى، فإذا قال لها " إن كلمتك فأنت طالق " ثم قال لها " إن كلمتك فأنت طالق " طلقت واحدة، فإن قال لها ذلك مرة أخرى وقصد إفهامها أو التأكيد فإنها لا يقع عليه طلقة أخرى لأنه لا يقصد الطلاق وإنما يقصد إفهامها قوله أو يقصد التأكيد.

فصل قوله: [إذا قال: إن كلمتك فأنت طالق فتحققي أو قال: تنحي أو اسكتي طلقت] فتتحققي؛ أي تحققي قولي وأنتهي له.

إذا قال لزوجته " إن كلمتك فأنت طالق فتحققي أو اسكتي أو تنحي " فإنها تطلق لأنه قال لها " إن كلمتك فأنت طالق " ثم قال لها " فتحققي " أو " اسكتي " وهذا كلام فالصفة قد وجدت وعليه فالطلاق واقع، وظاهر كلام المؤلف أن ذلك مطلقاً سواء أراد إفهامها أو أراد الابتداء بالكلام وهذا فيه نظر ظاهر، ولذا اختار ابن القيم التفصيل في هذه المسألة، فإذا قال " إن كلمتك فأنت طالق " ثم قال " اسكتي " وأراد بذلك منعها من الكلام ولم يرد بذلك ابتداء كلام يقع به الطلاق، فإن الطلاق لا يقع، وأما إن كان يريد ابتداء كلام يقع به الطلاق فإن الطلاق يقع والراجح هو ما ذكره ابن القيم لأن هذا هو مقصود الحالف فمقصود الحالف أن يتكلم بكلام في مجلس آخر وأما أن يقصد أن ذلك يدخل بمجرد الكلام ولو كان يريد به التأكيد أو الإفهام أو نحو ذلك وهو احتمال في المغني وصوبه صاحب الأنصاف.
قوله: [وإن بدأتك بالكلام فأنت طالق، فقالت: إن بدأتك به فعبدي حر، انحلت يمينه] إذا قال لزوجته " إن بدأتك بكلام فأنت طالق " فقالت له امرأته " إن بدأتك بالكلام فعبدي حر " فإن يمينه تنحل فلا حنث عليه وذلك لأنها بدأته بالكلام، فإذا تكلم معها فلا يكون مبتدءاً الكلام.
قوله: [ما لم ينو عدم البداءةِ في مجلس آخر] فإذا كان لا يريد ما يقع بينه وبينها من نقاش وجدال أو نحو ذلك في ذلك المجلس بل يريد ما يكون بعد ذلك، فإن كان هذا مرداه ومقصوده فإنه يحنث إن بدأها بالكلام وإن قالت له ما تقدم، لأنه ينوي مجلساً آخر ووقتاً آخر.

والقول الثاني في المسألة وهو احتمالٌ للموفق ابن قدامة، وقال صاحب الإنصاف في هذا القول " وهو قوي جداً " وهو كما قال، هذا القول مبني على أنه يريد بذلك وقتاً آخر وعليه فلا يحنث إلا أن يبدأها بالكلام في وقت آخر لأن هذا هو مراده، فالرجل إذا قال لامرأته " إن بدأتك بالكلام فأنت طالق " فإنه لا يريد ما يقع من الكلام في المجلس الذي وقع فيه الحلف بل يريد وقتاً آخر، وعليه فإذا بدأها في وقت آخر بالكلام فإن الطلاق يقع، ولا عبرة بإجابتها إياه في المجلس الذي وقع فيه الحلف لأن الحالف بمثل هذا إنما يريد وقتاً آخر، هذا هو الجاري في العرف وهذا هو الغالب في إرادة المتكلمين.

فصل قوله: [إذا قال: إن خرجت بغير إذني أو إلا بإذني أو حتى آذن لك، أو إن خرجت إلى غير الحمام بغير أذني فأنت طالق] هنا قد علق الطلاق بالخروج من البيت بلا إذن، فالوصف الذي علق عليه الطلاق هو الخروج بلا إذن إلا ما استثنى، كأن يقول لها " إن خرجت من الدار إلا لأهلك فأنت طالق.
قوله: [فخرجت مرة بإذنه ثم خرجت بغير إذنه] أي قالت له مرة " استأذنك بالخروج إلى السوق مثلاً " فقال لها " قد أذنت لك" فخرجت إلى السوق ثم خرجت بغير إذنه خروجاً آخر فإن الطلاق يقع لوجود الصفة.
قوله: [أو أذن لها ولم تعلم] أي أخبر أباها أو أمها أو أحد أبنائها أنه أذن لها لكن هذا الإذن لم ينقل إليها فخرجت عاصيةً له فإن الطلاق يقع وذلك لوجود الصفة وهي الخروج بلا إذن، والأذن إنما يكون إذناً حيث أعلم به المأذون له فلا إذن إلا بإعلام، فالإذن في اللغة هو الإعلام ومنه سمي الأذن إذناً لما فيه من الإعلام، والوجه الثاني في المذهب لا تطلق والأول هو الراجح.
قوله: [أو خرجت تريد الحمام وغيره] فإذا قال لها " إن خرجت بلا إذن فأنت طالق إلا إلى أهلك "، فخرجت إلى أهلها وإلى غيرهم، فإنها تطلق وذلك لوجود الصفة.
قوله: [وعدلت منه إلى غيره]

ففي المثال السابق، أنها خرجت إلى أهلها لكنها عدلت عن أهلها إلى غيرهم فإن الطلاق يقع لأنه خروج غير مأذون به فوجدت الصفة التي علق الطلاق عليها.
إذن؛ إذا جمعت بين مأذون به وغير مأذون به فإنها تطلق.
قوله: [طلقت في الكل] وذلك لوجود الصفة التي علق الطلاق عليها.
قوله: [لا إن أذن فيه كلما شاءت] إذا قال الرجل لامرأته: " إن خرجت يوماً من الدهر بلا إذني فأنت طالق " فما هو المخرج من ذلك؟ المخرج أن يقول لها: " أذنت لك في الخروج كلما شئت ". قوله: [أو قال: إلا بإذن زيدٍ فمات زيدٌ ثم خرجت] إذا قال لها: " لا تخرجي إلا بإذن والدك وإن خرجت بغير إذنه فأنت طالق " فمات والدها فخرجت فلا طلاق، وذلك لأن الميت لا إذن له، ولأن هذا معلوم من حلفه فإنه إنما أراد حيث كان له إذنٌ وأما الميت فلا إذن له.

فصل قوله: [إذا علقه بمشيئتها بإن أو غيرها من الحروف لم تطلق حتى تشاء ولو تراخى] إذا قال لها: " أنت طالق إن شئت أو إذا شئت أو متى شئت " فإنها لا تطلق حتى تشاء أي حتى تشاء بلسانها فتقول شئت ذلك، أما مشيئة القلب فلا عبرة بها وذلك لأن ما في القلب لا يعلق به حكم حتى يعبر عنه باللسان.
" ولو تراخى " فلو قالت بعد يوم أو شهر أو سنة قالت: " شئت " فإنها تطلق عليه، فمتى قالت شئت فإنها تطلق عليه ولو كان ذلك مع التراخي كسائر التعاليق، فكما أنه إذا قال لها: " إذا دخلت الدار فأنت طالق " فليس له الرجوع فكذلك: " أنت طالق إن شئت ". وقال الشافعية: بل هو على الفور، وذلك لأنه تمليك للطلاق فأشبه ما لو قال لها: "اختاري " وقد تقدم أنه إذا قال لها: " اختاري " فإن الخيار يثبت لها في المجلس، والراجح هو القول الأول.

والجواب عن الثاني، أن الفرق بين هذه المسألة وبين قوله: " اختاري " ظاهر، فإن قوله: " أنت طالق إن شئت " من باب الشروط، وقوله: " اختاري " من باب الخيار، والخيار على الفور، ولا يصح رجوعه كبقية التعاليق وعنه يصح كاختاري.
قوله: [فإن قالت: قد شئتُ إن شئتَ فشاء لم تطلق] إذا قالت له: " شئت إن شئتَ " فهنا شرطت مشيئته وشرط المشيئة ليس بمشيئة فلا تكون طالقاً، فهي لم تقل: " شئت " لكنها علقت مشيئتها بمشيئته فهذا شرط وليس بمشيئة وعليه فلا طلاق.
قوله: [وإن قال: إن شئتِ وشاء أبوكِ أو زيدٍ لم يقع حتى يشاءآ معاً، وإن شاء أحدهما فلا] إذا قال لها: " أنت طالق إن شئت أو شاء زيد " فشاءت ولم يشأ زيد فلا طلاق لعدم وجود الصفة وهي مشيئتهما جميعاً، أو قال لها: " إن شئتِ وشاء أبوكِ " لم تطلق حتى يشاءا معاً ولو تراخى أحدهما فالمشيئة ثابتة.
قوله: [وأنت طالق أو عبدي حرٌ إن شاء الله وقعا] إذا قال لامرأته: " أنت طالق إن شاء الله " أو قال: " عبدي حر إن شاء الله " فإن زوجته تطلق وعبده يعتق، قالوا:؛ لأنه قد علقه إلى ما لا سبيل إلى علمه وهي مشيئة الله فأشبه تعليقه على المستحيل.
وعن الإمام أحمد وهو مذهب أبي حنيفة والشافعي: أن الطلاق لا يقع، قالوا: لأنه علقه على صفةٍ لا يعلم وجودها، فهو لا يعلم هل شاء الله عز وجل الطلاق أم لم يشأه.

وفصل شيخ الإسلام تفصيلاً حسناً في هذه المسألة فقال: إن كان تعليقاً فلا يقع، وإن كان تحقيقاً أو تأكيداً فإنه يقع، فإذا قال ذلك تعليقاً أي علقه على مشيئة الله المستقبلة فلا تطلق عليه لأن الله لا يشاؤه في الواقع وقوعاً حتى يتكلم به هذا المكلف، فلا يقال إن الله شاء الطلاق لفلانة من فلان إلا أن يكون قد وقع وحدث، وعليه فإذا قال لها "أنت طالق إن شاء الله " فلا تطلق حتى يقول لها بعد ذلك: " أنت طالق "، وأما إن كان تحقيقاً أو تأكيداً بمعنى قال: " إن شاء الله" يحقق قوله أي قد وقع قوله وشاءه الله عز وجل فهذا هو التحقيق، أو تأكيداً كأن يقول: " إن شاء الله " مؤكداً للطلاق مثبتاً له وهذا تفصيل جيد في المسألة.
أما لو قال: " أنت طالق إلاّ أن يشاء الله " فإنها تطلق وذلك لأن قوله: " أنت طالق إن شاء الله " جملة فيها إثبات الطلاق ووقوعه، وفيها تعليق رفعه على مشيئة الله فقوله: " إلا أن يشاء الله " تعليق لرفع الطلاق على مشيئة الله ومشيئة الله ليست بمعلومة.
قوله: [وإن دخلت الدار فأنت طالق إن شاء الله طلقت إن دخلت] إذا قال لها: " إن دخلت الدار فأنت طالق إن شاء الله " فإنها تطلق بذلك، وهذا تفريعٌ عن المسألة السابقة، ما لم ينو الاستثناء للفعل وهو دخولها فإنها لا تطلق وذلك لأنها إن دخلت فيعلم أن الله عز وجل قد شاءه ويكون هذا التعليق كالتعليق على اليمين، كما قال - صلى الله عليه وسلم -: (من حلف على يمين فقال إن شاء الله لم يحنث) رواه الترمذي والنسائي وغيرهما وهو حديث صحيح، فإذن إن قال لها: " إن دخلت الدار فأنت طالق إن شاء الله " إن كانت المشيئة للفعل المحلوف عليه فلا تطلق إن دخلت، لأن دخولها بمشيئة الله المعلق عليها، وكل يمين علقت بمشيئة فلا حنث فيها للحديث المتقدم بخلاف ما إذا كان التعليق للطلاق.
قوله: [وأنت طالق لرضا زيدٍ أو لمشيئته طلقت في الحال]

لأن معنى كلامه " أنت طالق لكون زيد رضى ذلك " و " أنت طالق لكون زيد يشاء ذلك " فإنها تطلق في الحال كما تقدم، ومعنى كلامه " وقد اوقعت عليك الطلاق لأن أمك تشاء ذلك أو لأن أباك يشاء ذلك.
قوله: [فإن قال: أردت الشرط، قُبل حكماً] أي أردت " أنت طالق إن رضي زيد " أو " أنت طالق إن شاء زيدٌ " فإنه يقبل في الحكم الظاهر، لأن لفظه يحتمل.
وعن الإمام أحمد وهو أحد الوجهين عند الشافعية: أنه لا يقبل في الحكم، وهو الأرجح لأنه يخالف ظاهر قوله فإذا قال: " أنت طالق لرضا أبيك " فإنها تطلق لأن ظاهر لفظه " أنت طالق لكون أبيك يرضى ذلك " فإذا ادعى أنه أراد الشرط فإن هذا الإدعاء يخالفه الظاهر، والإدعاء الذي يخالفه الظاهر لا يقبل في الحكم وأما كونه يدين فيما بينه وبين ربه فهذا ظاهر.
قوله: [وأنت طالقٌ إن رأيت الهلال، فإن نوى رؤيتها لم تطلق حتى تراه، وإلا طلقت بعد الغروب برؤية غيرها] إذا قال لها: " إن رأيت الهلال فأنت طالق " فتقول ما الذي تنويه؟ فإن قال: " نويت أنها طالق إن رأته بعينها " فحينئذٍ لا تطلق إلا إذا عاينته ببصرها، وهنا لفظه يحتمل ذلك، وإن قال: " لم أرد معاينتها بل أريد رؤية الهلال فتطلق بغروب الشمس حيث رأى الهلال غيرها، كما أنها تطلق بتمام الشهر ثلاثين وذلك لأن تمام الشهر ثلاثين في حكم رؤية الهلال شرعاً.

فصل قوله: [وإن حلف لا يدخل داراً أو لا يخرج منها فأدخل أو أخرج بعض جسده أو دخل طاق الباب أو لا يلبس ثوباً من غزلها فلبس ثوباً فيه منه أولا يشرب ماء هذا الإناء فشرب بعضه لم يحنث] طاق الباب؛ هو أي ما عطف من الابنية أي جانباه للباب.

فلا يحنث في هذه المسائل كلها وذلك لأن فعل البعض ليس كفعل الكل، والحلف إنما هو عن الامتناع عن فعل الكل وليس فعل البعض كفعل الكل، ولذا كان النبي - صلى الله عليه وسلم - يخرج رأسه وهو معتكف لعائشة فترجله ولم يكن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يخرج من معتكفه وليس هذا في حكم الخروج من المعتكف، لكن لو قال: " أنت طالق إن شربت ماء هذا النهر " فقطعاً لا يريد كله ولا يمكن أن تصرف اليمين إلى ذلك، فإذا شرب بعضه فإنه يحنث لأنه يمتنع إرادة الكل فتصرف يمينه على إرادة البعض، ومبنى الأيمان على نية الحالف، فلو أنه قال: " أنت طالق إن شربت ماء هذا الإناء " وهو ينوي بعضه، فشرب البعض فإنه يحنث فإن الأيمان مبناها على النية، فالأحكام المتقدمة إنما ينظر فيها باعتبار الألفاظ أما لو نوى خلاف ظاهر لفظه فإن الأيمان مبناها على النية.
قوله: [وإن فعل المحلوف عليه ناسياً أو جاهلاً حِنث في طلاق وعتاقٍ فقط] إذا قال: " إن فعلتُ كذا فامرأتي طالق " أو قال: " إن فعلتِ كذا فأنت طالق " ففعل هو أو فعلت هي نسياناً، أو كان ذلك عن جهل كأن تكون هي لم تعلم باليمين ففعلت ما فعلت، وإذا قال لامرأته: " إن خرجت من الدار فأنت طالق " فنسيت فخرجت، أو قال لأحدٍ من الناس: " إن خرجت امرأتي من الدار فهي طالق " فخرجت من غير أن تعلم بيمينه.
قال الحنابلة: يثبت الحنث وذلك لأن يمين الطلاق ويمين العتاق فيها حق آدمي ولا فرق فيها بين تعمد ولا خطأ ولا نسيان، ويعذر عندهم المكره والنائم والمغمى عليه.

وقال الشافعية وهو اختيار شيخ الإسلام وتلميذه ابن القيم وممن اختاره من المتأخرين الشيخ عبد الرحمن بن سعدي: أن الأيمان كلها لا حنث فيها مع الجهل والنسيان، وكذا لو عقدها يظن صدقَ نفسه فبان خلاف ذلك أو لقصد الإكرام، قال شيخ الإسلام: "من حلف بالطلاق كاذباً يعلم كذب نفسه لم تطلق "، وكذا من فعله متأولاً تقليداً لمن أفتاه أو فعل محلوفاً معتقداً زوال النكاح ونحو ذلك.
واستدلوا بقوله تعالى ﴿وليس عليكم جناح فيما أخطأتم به ولكن ما تعمدت قلوبكم﴾ ، وبقوله تعالى ﴿ربنا لا تؤاخذنا إن نسينا أو أخطأنا﴾ ، وبقول النبي - صلى الله عليه وسلم -: (رفع عن أمتي الخطأ والنسيان وما استكرهوا عليه) . قالوا: وهذه أدلة عامة ليس فيها استثناء.
وقالوا: ولأن حقيقة الحنث هو مخالفة اليمين، والمخالفة إنما تكون مع التعمد، وأما مع عدم التعمد، وعدم القصد فإنه ليس ثمت مخالفة، ولأن مقصود الحالف عدم المخالفة وإذا خولف أو خالف هو نسياناً أو خطأً فإن مقصوده لا ينتقض، فإذا قال لامرأته: " إن خرجت من الدار فذهبتِ إلى السوق فأنت طالق " وهو يريد ألا تخالفه وألا تعصيه فإنها إذا فعلت ذلك نسياناً أو خطأً فإنها لا تعد عاصية ولا مخالفة لأن العصيان إنما يكون مع التعمد وهذا هو الراجح في هذه المسألة، أما إذا فعل ما حلف عليه مكرهاً فقال الحنابلة: لا يحنث وذلك لأن المكره لا يضاف إليه الفعل، فإذا قال لامرأته: " إن خرجت من الدار فأنت طالق " فأخرجت كرهاً فإنها لا تطلق وذلك لأن المكره لا يضاف إليه الفعل وكذلك النائم والمغمى عليه لزوال العقل بعذر، فإذا فعلت ذلك نائمةً أو مغمى عليها فإن الحنث لا يقع كما هو المشهور في المذهب، وكذا لو عقدها يظن صدق نفسه أو للإكرام أو كاذباً فلا طلاق ولا كفارة.
قوله: [وإن فعل بعضه لم يحنث إلا أن ينويه]

إذا قال: " إن دخلتُ الدارَ فزوجتي طالق " فدخل بعض بدنه إلى الدار، أو قال: " إن شربت ماء هذا الإناء فامرأتي طالق " فشرب بعضه فإنها لا تطلق لأن فعل البعض ليس فعلاً للكل إلا أن ينويه، فإذا نوى منع نفسه من هذا الشيء كلية حتى القليل منه، فإن الأيمان مبناها على النية وإنما الأعمال بالنيات وإنما لكل امرئ ما نوى، فإن قال: " إن شربت هذا الماء الذي في الإناء فامرأتي طالق " وهو ينوي وقوع الطلاق ولو شرب بعضه، فإن شرب بعضه فإن زوجته تطلق عليه.
قوله: [وإن حلف ليفعلنه لم يبرأ إلا بفعله كله] وذلك لأن فعل البعض ليس فعلاً للكل وقد حلف أن يفعله كله، فلا يبرأ حتى يفعله كله.

والله أعلم وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين

الدرس الرابع والستون بعد الثلاثمائة كتاب العِدد العِدد: جمع عِدَّة وهي ما تتربصه المرأة عند النكاح بسبب طلاق أو فسخ أو وفاة.
وسمي عِدة لأنه مقدر، بالأقراء أو يقدر بالأشهر أو يقدر بوضع الحمل.
قال: [تلزم العدة كل امرأة فارقت زوجاً] فالعدة تلزم كل امرأة ’ سواء كانت المرأة مسلمة أو ذمية، حرة أو أمة، صغيرة يوطأُ قبلها أو كبيرة.
قال: [خلا لها مطاوعة] فالعدة تثبت بالخلوة، وهو قضاء الخلفاء الراشدين، وتقدم أن في سنده عن الخلفاء انقطاعاً، لكنه ثابت عن عمر وعلي بن أبي طالب، تقدم تقريره في كتاب الصداق، فإذا خلا بها فإن العدة تثبت وإن لم يطأ، فالخلوة مظنة الوطء والمظنات تعتبر في الشرع وإن لم تثبت الحقائق، فالعدة تثبت بالخلوة وإن لم يحصل وطء خلافاً للشافعي وقد تقدم البحث في هذه المسألة في درس سابق.
قوله: " مطاوعة "؛ فيشترط ألا تكون مكرهةً على هذه الخلوة فإن كانت مكرهةً على هذه الخلوة فلا عدة.
واختار شيخ ابن سعدي أن العدة تثبت وإن كانت مكرهةً وذلك لثبوت الخلوة، وهو ظاهر قضاء الخلفاء، ولأن اشتمال الخلوة للوطء مع الإكراه احتمال قوي، قد يكون أقوى إذا كانت مطاوعةً، ولأن الفقهاء قد قرروا ثبوت الخلوة ولو كان تمت مانع حسي كأن يكون الرجل مجبوباً أو تكون المرأة رتقاء، فإذا ثبت هذا فأولى من ذلك إذا كانت المرأة مكرهةً.
فالراجح أن المرأة إذا كانت مكرهةً على الخلوة فإن العدة تثبت.
قال: [مع علمه بها] أما لو لم يعلم بها كأن تكون في زاوية من الدار لم يطلع عليها، أو أن يكون غير بصير فلم يرها، فلا خلوة وذلك لعدم تحقق المظنة وهي الخلوة.
قال: [وقدرته على وطئها ولو مع ما يمنعه منهما أو من أحدهما حساً]

فلو كان معه ما يمنعه منها كأن يكون مجبوباً أو تكون المرأة رتقاء، بأن يكون فيهما جميعاً ما يمنع من الوطء، فإن الخلوة تثبت، وعلى ذلك فتثبت العدة، وعليه فقوله: " وقدرته على وطئها "؛ فيه إشكال، ولم أره في بعض كتب الحنابلة.
قال: [أو شرعاً] كأن تكون المرأة وهي صائمة فرض أو محرمة أو حائض فإن هذا المانع الشرعي لا يمنع من ثبوت العدة، وذلك لثبوت الخلوة، فقد خلا بها وإن كان لا يمكنه الوطء أو منها ما يمنعه من الوطء سواء كان ذلك حسياً أو شرعياً فالخلوة ثابتة، والحكم هنا متعلق بالمظنة لا تحقيقه الوطء، ولأنه قد استحل منها ما لا يستحله ممن تحرم عليه، فقد خلا بها ولا شك أن هذه الخلوة استلال لهذه المرأة.
قال: [أو وطئها] فإذا خلا بها ولم يطأها فإن العدة تثبت، وإذا وطئها فإن العدة تثبت من باب أولى.
قال: [أو مات عنها] فإذا مات عنها ولم يدخل بها فإنها تعتد، وقد تقدم ذكر ذليل هذا وهو ما ثبت عن ابن مسعود في قضائه في امرأة مات عنها زوجها ولم يدخل بها ولم يفرض لها صداقاً فقضى أن عليها العدة ولها الميراث لا وكس ولا شطط، فقام معقل بن سنان الأشجعي فقال: " قضى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في --- بنت واشق – امرأةٍ منا – قِبْلَ ما قضيت " وإسناده صحيح، فقضية المتوفى عنها لها حكم آخر فلا يشترط الدخول فإذا عقد على امرأة ولم يدخل بها فمات فإنها تعتد.
قال: [حتى في نكاحٍ فاسدٍ فيه خلاف] فلو أن رجلاً نكح امرأة بلا ولي وهو يعتقد صحته، كالحنفي؛ فإن هذا النكاح الفاسد المختلف فيه تترتب عليه العدة وذلك لأن فاعله يعتقد حله، فهو باعتقاده نكاح صحيح فيلحق بالصحيح في أحكامه.
قال: [وإن كان باطلاً وفاقاً لم تعتد للوفاة]

فإذا كان النكاح باطلاً اتفاقاً كنكاح الخامسة مثلاً أو نكاح المرأة في عدتها فهذا نكاح باطل باتفاق أهل العلم فهذا النكاح وجوده كعدمه لأنه باطل ولا يمكن مع بطلانه أن تترتب عليه الأحكام الشرعية، وعليه فإن العدة لا تثبت معه، فإذا نكح امرأ’ خامسة فإنه يؤمر بطلاقها ولا تعتد منه لكن لابد وأن تُستبرأ بحيضة ليُعلم برأة رحمها.
قال: [ومن فارقها حياً قبل وطء وخلوة أو بعدهما أو بعد أحدهما وهو ممن لا يولد لمثله، ... .. فلا عدة] إذا فارقها في حال الحياة قبل الوطء والخلوة، أو بعدها أو بعد أحدهما أي بعد الخلوة وقبل الوطء، أو بعد الوطء قبل الخلوة وهو ممن لا يولد لمثله أو كانت المرأة لا يوطأ مثلها فلا عدة، والذي لا يولد لمثله هو الصغير وهو في المذهب من كان دون عشر سنين، والمرأة التي لا يوطأ مثلها وهي في المذهب من كانت دون تسع سنين، وتقدم أن هذا لا حد له بل متى كانت لا يوطأ مثلها وإن كانت بنت اثني عشرة سنة فلها هذا الحكم، وكذلك الرجل وإن كان ابن اثني عشرة سنة، إذن: إذا كان لا يولد لمثله أو كانت المرأة لا يوطأ مثلها فلا عدة، قالوا: للعلم ببرأة الرحم، هذا إذا كان الزوج حياً، أما إذا توفى الرجل عن امرأته التي لا يوطأ مثلها، وهو لا يولد لمثله فإنها تعتبر عدة الوفاة، قالوا: لعموم الآية: ﴿والذين يتوفون منكم ويذرون أزواجاً يتربص بأنفسهن أربعة أشهر وعشراً﴾ ، أما إذا فارقها في الحياة فلا عدة، هذا هو المشهور في المذهب، وعندي في هذا القول نظر.

والذي يترجح – والله أعلم – هو ثبوت العدة وذلك لأمر الحكمة من العدة ليس ببراءة الرحم فحسب، بل لها حكم آخر، فمن ذلك حق الزوج الأول، ومن ذلك حق الله تعالى في العدة، فليس الحكمة من العدة هو العلم ببراءة الرحم فحسب، بدليل أنهم يقولون – وهو مذهب جماهير العلماء – أن المرأة إذا طلقها زوجها ثلاثاً فإنها تعتد بثلاث حيض مع أنها بحيضة واحدة يعلم براءة رحمها، ومن ذلك أيضاً؛ تشريف هذا العقد وهو عقد النكاح، فإن من تشريفه – إلا ما ورد استثناءه – أن تبقى المرأة إذا طلقها الرجل بعد ثبوت العقد وتقويته بالخلوة أن تبقى متربصة معتدة، ومن حكمه؛ تطويل المدة لعل الزوج يرجع إلى امرأته وهذا في الرجعية، ولا شك أن أكثر هذه العلل ثابتة في المرأة التي لا يوطأ مثلها أو في طلاق الرجل الذي لا يولد بمثله لصغره.
قال: [أو تحملت بماء الزوج] إذا عقد على امرأة، فأخذت من مائه في خرقة واستدخلته في فرجها قد تحملت بماء الزوج وهو لم يدخل بها فقال: فلا عدة، لقوله تعالى: ﴿يا أيها الذين آمنوا إذا نكحتم المؤمنات ثم طلقتموهن من قبل أن تمسوهن فمالكم عليهن من عدة تعتدونها﴾ ، وهنا لم يمسها ولم يخلو بها، فهذا الإستدخال ليس بوطء وليس بخلوة.
والقول الثاني في المسألة وهو مذهب الشافعية: أن العلدة تثبت هنا وذلك لانشغال رحمها بمائه.
والذي يترجح أن العدة لا تثبت وذلك لظاهر الآية المتقدمة لكن لابد أن تستبرئ بحيضة وذلك لانشغال رحمها بماء زوجها.
قال: [أو قبلها أو لمسها بلا خلوة فلا عدة] فإذا قبلها أو لمسها فلا خلوة فلا عدة، وذلك لظاهر الآية المتقدمة: ﴿إذا نكحتم المؤمنات ثم طلقتموهن قبل أن تمسوهن فمالكم من عدة تعتدونها﴾ .

فصل قال: [والمعتدات ست: الحامل] هذا الفصل في بيان أنواع المعتدات، وقد بدأ بالحامل.
قال: [وعدتها من موت وغيره إلى وضع كل الحمل بما تصير به أمةٌ أم ولدٍ]

فذات الحمل عدتها من موت وغيره أن تضع حملها، قال تعالى ﴿وأولات الأحمال أجلهن أن يضعن حملهن﴾ ، قوله؛ " قوله وضع كل الحمل " فلو كانت حاملاً بولدين، فوضعت الأول ثم وضعت الثاني بعد أسبوع، فإن الحمل كله قد وضع بوضع الثاني، وعليه فإنها تبقى معتدة حتى تضع الثاني وهذا هو ظاهر قوله تعالى: ﴿وأولات الأحمال أجلهن أن يضعن حملهن﴾ ، قوله؛ " بما يصير به أمةٌ أم ولدٍ " إن قيل: ما هو الولد الذي إن وضعته تنتهي بذلك عدتها، لو وضعت نطفة لم يمض لها إلا ثلاثون يوماً أو وضعت علقة لم يمض لها إلا ستون يوماً، أو وضعت مضغة ليس منها شيء من صورة الآدمي، أو وضعت مضغة على صورة الآدمي أو حتى ينفخ فيه من الروح، قال؛ " بما تصير به أم ولدٍ " يعني الذي تصير به الأمة أم ولد لسيدها فتعتق عليه بعد وفاته هو نفسه الذي تنتهي به المرأة من عدتها، هو ما تبين به الآدمي بأن يظهر فيه شيء من خلق الآدمي كرأسه أو رجله أو غير ذلك من صورة الآدمي، وهذا إنما يكون في المرحلة الثالثة والطور الثالث، وهو حالة كونه مضغة، فإذا كان مضغة، وهي المرحلة الأولى أو كان علقة وهي المرحلة الثانية، فإنه لا يمكن أن يتبين فيه خلق الإنسان، فإذا دخل في الطور الثالث وهو المضغة، وذلك يكون بعد ثمانين يوماً، فإنه يمكن أن يتبين خلق الإنسان في أوله أو في وسطه أو في آخره، فإذن؛ إذا وضعت ما يتبين به شيء من صورة الإنسان فإن هذا الساقط منها ينتهي به عدتها، وهذا بإجماع العلماء، أما إن كان نطفة أو علقة، فجاهير العلماء على أنه لا تنتهي به العدة.

وقال الحسن البصري: " بل تنتهي به العدة "، فإذا وضعت ما يسمى حملاً فإن العدة تنتهي به، وفيه قوة – فيما يظهر – وهو ظاهر القرآن ﴿وأولات الأحمال أجلهن أن يضعن حملهن﴾ ، فإذا وضعت ما يسمى حملاً سواء تبين به خلق الآدمي أم لم يتبين، فإنه حمل، تترتب عليه الأحكام الشرعية، وإن كان بعد أربعين يوماً مع أن الأحوط ما ذهب إليه الجمهور، وهي مسألة تترتب عليها حل البضع، فلاشك أن الاحتياط للأبضاع هو الأولى.
قال: [فإن لم يلحقه لصغره أو لكونه ممسوحاً أو ولدت لدون ستة أشهر منذ نكاحها ونحوه، وعاش لم تنقض به] إذا مات عنها وهي حامل لكن هذا الحمل لا يلحقه ولا ينسب إليه، ولم يلحقه الحمل لصغره، أي لكونه لا يولد لمثله، أو لكونه ممسوحاً أي مجبوب الذكر والأنثيين، أو ولدت بدون ستة أشهر منذ نكاحها، وعاش أو لأكثر من أربع سنين منذ أبانها، إذاً هذا الحمل تبين أنه ليس منه، فهل تنتهي عدتها بوضعه أم لا؟ قال جمهور العلماء: لا تنتهي به العدة، وذلك لأنه حمل منفي عنه بيقين، فأشبه ما لو حملت بعد وفاته، فإذا حملت بعد وفاته فلا شك أن هذا الحمل غير معتبر في العدة، فكذلك هنا.
وقال الأحناف وهو رواية عن الإمام أحمد: بل عدتها حين تضع هذا الحمل، وذلك لعموم الآية ﴿وأولات الأحمال أجلهن أن يضعن حملهن﴾ . والأولى ما ذهب إليه الجمهور في هذه المسألة، وذلك لأن هذا الحمل منفي عنه بيقين، كما لو حملته بعد فراقه لو مات أو فسخ، ثم أن الآية إنما تحمل على الأصل والغالب، فإن الأصل أن يكون الحمل منه هو، وأما هذا فهو شيء نادر أو خلاف الظاهر، فالذي يترجح ما ذهب إليه الجمهور وعليه فلو أن امرأة مات عنها زوجها وقد نكحها قبل شهرين فوضعت حملاً بعد ثلاثة أشهر وقد عاش متيقن من ذلك أن هذا الحمل إنما يكون بستة أشهر فأكثر، فثبت لنا أنه ليس منه، فحينئذٍ لا تنتهي بذلك عدتها لأن هذا الحمل ليس منه.

والمذهب أنها تستأنف عدة جديدة بعد وضع الحمل، فإذا وضعت الحمل نقول لها الآن إبدائي فاحسبي أربعة أشهر وعشراً، قالوا: لأنهما عدتان، عدة من الزوج وعدة من صاحب هذا الحمل غير الشرعي فهما عدتان، فلم تعتد أصلاً.
والأرجح وهو قول في المسألة؛ أنها تحسب من موت زوجها أربعة أشهر وعشراً، ويعلم براءة رحمها منه بوضع الحمل، فالمقصود من عدة الثاني العلم ببراءة الرحم وبوضع الحمل يتبين لنا براءة رحمها، إذاً الصحيح أنها تحسب من وفاة زوجها فإذا تم لها أربعة أشهر وعشراً فقد انتهت عدتها من زوجها، فإذا كان منها حمل فلا يحل لها أن تنكح حتى تضع هذا الحمل، وذلك لأنها بوضع الحمل تستبرئ رحمها من هذا الواطئُ الوطءَ غيرَ الشرعي.
قال: [وأكثر مدة الحمل أربع سنين وأقلها ستة أشهر وغالبها تسعة أشهر] تقدم الكلام على هذا ولا شك أن غالب الحمل تسعة أشهر وهذا معلوم من الواقع.
قال: [ويباح إلقاء النطفة قبل أربعين يوماً بدواء مباح] هذا في حكم إلقاء النطفة وهو ما يسمى بالإجهاظ أو الإنزال، فيباح إلقاء النطفة قبل أربعين يوماً بدواء مباح، هذا المشهور في المذهب – وهذا الشرط إذن الزوج لما له من الحق في ذلك، إذاً الأحوال في المذهب ثلاثة: الحالة الأولى: حالة النطفة فيباح إلقاء هذه النطفة بدواءٍ مباح.
الحالة الثانية: ما بعد النطفة وقبل نفخ الروح، أي في حال العلقة والمضغة، فيحرم على المذهب الإجهاظ الإختياري حينئذٍ.
الحالة الثالثة: إذا نفخ فيها الروح وذلك يكون بعد أربعة أشهر فيحرم الإجهاظ حينئذٍ، وهذا بإجماع أهل العلم.
أما الحالتان الأوليتان ففيهما خلاف.
والقول الثاني في المسألة أي الحالة الأولى والثانية؛ أن إلقاء النطفة والعلقة والمضغة؛ كل ذلك جائز، فإلقاء الجنين قبل قذف الروح فيه جائز، وهذا هو مذهب الأحناف ابن عقيل من الحنابلة.

والقول الثالث في المسألة وهو قول الظاهرية، وأكثر المالكية وهو قول بعض الحنابلة وبعض الشافعية وبعض الأحناف: أي إلقائه فمحرم مطلقاً وإن كان نطفة؛ وهذا القول هو أرجح هذه الأقوال وذلك لقول النبي - صلى الله عليه وسلم - في الحديث المتفق عليه: (يجمع خلق أحدكم في بطن أمه أربعين يوماً نطفة ….) ، والذي يتبين أنه في حال النطفة، أي في حال جمع الخلق، فيتبين أنه في حال تهئ للخلق الجديد، وعليه فهو محرم فإلقاءه محرم والتعدي عليه جناية.
واستدل الحنابلة على أنه اسكان نطفة، فيجوز إلقاءه، لما روى أحمد في مسنده أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال في حديث ابن مسعود: (أن النطفة تكون في الرحم أربعين يوماً لا تتغير) ، قالوا: فإذا كانت لا تتغير فإنها ليست بعد في طور التخلق وعليه فلا حرمة لها، فيجوز إلقاءها، لكن الحديث إسناده ضعيف وهو يعارض حديث ابن مسعود المتفق عليه المتقدم وفيه أنها تتخلق.
فالصحيح أنه يحرم الإجهاض مطلقاً، هذا حيث كان الإجهاض اختيارياً، وأما إذا كان إطرارياً فهذا: إن كان قبل نفخ الروح فاضطرت إلى اسقاطه لأنه يلحقها الضرر بإبقائه فإنه يجوز الإسقاط حينئذٍ، وذلك من باب تقديم الوقوع في المفسدة الصغرى درءاً للمفسدة الكبرى، فلا شك أن رفع الضرر عن هذه المرأة أولى من تخلق هذا الجنين الذي بعدُ لم ينفخ فيه الروح.
وأما إذا كان بعد نفخ الروح فإن الأمر يكون أعظم والتشدد فيه أكثر، وعليه فإذا كان في إبقائه إتلاف للأم وتعريض لحياتها للخطر فيجوز الإسقاط في الأظهر وذلك لوجهين: أن الأم هي الأصل والأبن فرع عنها، ولا شك أن إبقاء الأصل أولى من إبقاء الفرع.
أن الأم حياتها حياة متحققة وأما هذا الجنين فحياته حياة مظنونة غير متحققة، ومن ثمَّ فرق الشارع بين دية الجنين ودية المولود، فالجنين ديته غرة، وأما المولود فديته دية غيره كما سيأتي.

وهنا إيراد على المسألة التي تقدم ترجيحها وهي أنه لا يجوز الإسقاط قبل نفخ الروح مطلقاً.
إن قيل لما أجزنا العزل؟ فالجواب: أن بين العزل والإسقاط فرقاً، فإن الإسقاط يكون فيه إزالة ما هو موجود حاصل، فإن هذه النطفة قد حصلت في الرحم، واجتمع ماء الرجل بماء المرأة في رحمها، بخلاف العزل فإنه بموجود ولا حاصل، وفرق ظاهر بين ما هو موجود وحاصل وما ليس كذلك.

الدرس الخامس والستون بعد الثلاثمائة فصل قال رحمه الله: [الثانية: المتوفي عنها زوجها بلا حملٍ قبل الدخول وبعده] هذا هو القسم الثاني من المعتدات، المتوفي عنها زوجها قبل الدخول أو بعده لحديث معقل بن سنان الأشجعي الذي تقدم ذكره في الدرس السابق ودرسٍ قبله.
قوله: " بلا حمل منه "؛ فإن الحامل إذا وضعت حملها وقد توفى عنها زوجها، فإنها تنقضي عدتها بوضعها للحمل، ولو كان ذلك بعد ليالٍ يسيرة، ففي البخاري عن المسور بن مخرمة: " أن سبيعة الأسلمية نُفست بعد وفاة زوجها بليالٍ،فأتت النبي - صلى الله عليه وسلم -؛ فاستأذنته أن تُنكح فأذن لها " رواه البخاري، وأصله في الصحيحين.
أما إذا كانت حائلاً غير حاملٍ وتوفى عنها زوجها فإن عدتها، أن تتربص أربعة أشهرٍ وعشراً، لقوله تعالى: ﴿والذين يتوفون منكم ويدرون أزواجاً يتربصن بأنفسهن أربعة أشهرٍ وعشراً﴾ ، ولا فرق كما تقدم أن تكون مدخولاً بها أو غير مدخول بها، بخلاف المطلقة فإن المطلقة غير المدخول بها لا عدة لها.
قال: [للحرة أربعة أشهرٍ وعشراً] فالحرة تتربص أربعة أشهر وعشراً، أي وعشرة أيام، فهنا أتت العدد لتبين مسألة اتفقت عليها المذاهب الأربعة، وهي أن العدة؛ لا تنتهي بعد مضي أربعة أشهرٍ إلا مع مضي عشرة أيام بلياليهن، فإذا غابت الشمس من اليوم العاشر فإن العدة تنقضي عند جمهور العلماء.

وقال الأوزاعي: " بل تنقضي بمضي أربعة أشهرٍ وعشر ليالٍ "، وهذا متضمن لمرور تسعة أيام، وعليه؛ فإذا كان الفجر الصادق من اليوم العاشر، فإن العدة تنقضي.
واستدل الأوزاعي: بتذكير العدد في قوله تعالى ﴿والذين يتوفون منكم ويذرون أزواجاً يتربصن بأنفسهن أربعة أشهرٍ وعشراً﴾ ، فهنا ذكّر العدد، وتذكير العدد يدل على أن المعدود مؤنث، وعليه فإذا مضت أربعة أشهرٍ وعشر ليالٍ فإن العدة تنقضي.
وأجاب الجمهور: بأن مثل هذا ورد في لغة العرب، فيؤنثون العدد ويريدون بذلك دخول أيامها معها، ومن ذلك قوله تعالى عن نبيه زكريا عليه السلام ﴿ثلاث ليالٍ سويا﴾ ، وقد قال في آية أخرى ﴿ثلاثة أيام إلا رمزاً﴾ ، فذكره لليال في الآية الأولى، دخلت فيها الأيام بدليل الآية الأخرى، لكن ما ذهب إليه الأوزاعي فيه قوة لأن هذا – أي ما أجاب به الجمهور - من باب المجاز، وإلا فالأصل أن المراد بذلك، الليالي دون أيامها، ففي ما ذهب إليه قوة، لكن الأحوط ما ذهب إليه الجمهور، لا سيما في هذه المسألة التي يترتب عليها تحليل الابضاع.
قال: [وللأمة نصفها] فالأمة عدتها نصف عدة الحرة، أي شهران وخمس ليالٍ بأيامهن قياساً على عدة الأمة المطلقة، فقد اتفق الصحابة؛ على أن عدة الأمة المطلقة حيضتان، على نصف عدة الحرة، وإنما لم تكن عدة الأمة حيضة ونصف، لأن الحيض لا يتبعض، قالوا: فكذلك في عدة الوفاة، تكون على نصف عدة الحرة، وهذا باتفاق أهل العلم.
قال: [فإن مات زوج رجعية في عدة طلاقٍ سقطت وابتدأت عدة وفاة منذ مات] رجلٌ طلق امرأته طلاقاً رجعياً - والمطلقة الرجعية زوجه – فحاضت حيضتين، ثم مات زوجها، فهل يبقى لها شهران وعشرة أيامٍ، أم أنها تستأنف عدة الوفاة من جديد؟

قال المؤلف هنا: " ابتدأت عدة وفاة "؛ فتستأنف عدة الوفاة من جديد، منذ مات ولا تحسب الشهرين، ذلك لأنها زوجه، وقد قال تعالى: ﴿الذين يتوفون منكم ويذرون أزواجاً يتربصن بأنفسهن أربعة أشهرٍ وعشراً﴾ ، وقوله؛ سقطت، أي سقطت الأيام التي مضت من عدة طلاقها.
قال: [وإن مات في عدة من أبانها في الصحة لم تنتقل] فلوا أن رجلاً طلق امرأته ثلاثاً، فهي بائنٌ منه، ثم مات وقد مضى من العدة شهران، فإنها تستأنف من جديد، بل تكمل عدة الطلاق، ولا تعتد عدة الوفاة، لذا قال المؤلف: " لم تنتقل "؛ أي لم تنتقل من عدة الطلاق إلى عدة الوفاة بل تبقى على عدة الطلاق، ذلك لأنها ليست زوجة، والآية المتقدمة في الزوجة،وفي قوله: " في الصحة "؛ إحتراز من هذه المسألة التي ذكرها بعد ذلك، وهي قوله: [وتعتد من أبانها في مرض موته الأطول من عدة وفاة وطلاقٍ] إذا طلق امرأته طلاقاً بائناً في مرضه في مرضه المخوف فإنها، ترث منه فإذا مضى على عدتها شهران ثم مات الزوج فإنها تعتد الأطول من عدة وفاة وطلاق، فتنظر أطول الأجلين فتعتد به، أما ثبوت عدة الطلاق لها؛ فلأنها بائنٌ فهي ليست بزوجة، وأما ثبوت عدة الوفاة فلأنها وارثة، وحينئذٍ نكون قد أوجبنا عليها الأطول من العدتين، وذلك لأن الأقل يندرج في الأكثر هذا هو المشهور في مذهب الإمام أحمد وذهب المالكية والشافعية إلى أنها تعتد بعدة الطلاق فحسب، لأنها ليست بزوجة فهي بائن منه فلا تدخل في قوله تعالى ﴿والذين يتوفون ويدرون أزواجاً﴾ ، وعليه فلا تعتد عدة الوفاة، وإنما ورثناها لأنه أراد حرمانها ومنعها حقها، فأعطيناها حقها الثابت لها، وهذا هو القول الراجح في هذه المسألة.
إذاً إذا أبان امرأته في مرضه المخوف حكمنا لها بالإرث، فالمذهب أنها تعتد بأطول الأجلين من عدة الطلاق وعدة الوفاة.

والقول الثاني في المسألة: أنها تعتد عدة الطلاق، وذلك لأنها ليست بزوجة فلا تدخل في الآية المتقدمة.
قال: [ما لم تكن أمة] هذا استثناء على المذهب، فإذا كانت الزوجة أمة وأبانها في مرضه المخوف، فإنها تعتد عدة الطلاق فحسب، لأن الأمة لا ترث.
قال: [أو ذمية] لأن الذمية لا ترث منه لاختلاف الدين.
قال: [أو جاءت البينونة منها] كأن تسأله الطلاق، فإذا سألته الطلاق فطلقها طلاقاً بائناً، فإنه لا إرث لها لأن منعها من الإرث جاء من جهتها.
قال: [فطلاق لا غير] أي فعدة طلاق لا غير، فإذا كانت لا ترث فإنهم لا يقولون بأنها تعتد أطول الأجلين، لأنهم إنما أمروها؛ أن تعتد عدة الوفاة لأنها ورثت، وأما في هذه المسائل فإنها لا ترث وعليه فإنها لا تعتد عدة الوفاة.
قال: [وإن طلق بعض نسائه مبهمةً أو معينتاً ثم أنسيها ثم مات قبل قرعة، أعتد كل منهن سوى الحامل الأطول منهما] إذا طلق بعض نسائه مبهمةً، أو عين لكنه نسي المعينة، ثم مات قبل أن يقرع بين النساء لإخراج المطلقة، فكل واحدة من نسائه تعتد الأطول من الأجلين فتعتد عدة المطلقة لأنها قد تكون هي المخرجة بالقرعة، فتكون هي المطلقة وتعتد عدة الوفاة لأنها ربما لا تكون هي المخرجة بالقرعة، وعليه فيكون نكاحها نافد، وعليه فيكون قد توفى عنها وهي زوجٌ فيجب عليها أن تعتد عدة الوفاة، قال " سوى حامل "؛ فالحامل واضح استثنائها، لأن الحامل عدتها واحدة، سواء كانت مطلقة أو متوفى عنها، فإن عدتها أن تضع حملها فلا فرق بين أن تخرج القرعة عليها أو لا تخرج.
قال: [الثالثة؛ الحائل ذات الأقراء] الحائل هي ضد الحامل.
قال: [وهي الحيض] فالأقراء هي الحيض في أصح قولي العلماء، فقد اختلف أهل العلم في المراد بالقرء في قوله تعالى ﴿والمطلقات يتربصن بأنفسهن ثلاثة قروء﴾ ، والقروء جمع قرء، هل القرء هو الحيض أم أنه هو الطهر؟

اختلف أهل العلم على قولين، ولفظة القرء من الألفاظ المشتركة، فتر في اللغة ويراد بها الطهر، وتر في اللغة ويراد بها الحيض، ومن ثم اختلف أهل العلم فيالمراد بالقرء في هذه الآية: القول الأول: وهو مذهب الأحناف والحنابلة؛ إلى أن القرء هو الحيض.
القول الثاني: وهو مذهب المالكية والشافعية؛ إلى أن القرء هو الطهر.
فإذا قلنا هو الحيض فطلقها في طهرٍ فإنها تنتظر حتى تحيض ثلاثة حيض، فإذا حاضت الحيضة الأولى ثم طهرت ثم حاضت الحيضة الثانية ثم طهرت ثم حاضت الحيضة الثالثة ثم طهرت، ثم يأتي الخلاف المتقدم في قضية خروجها من العدة، هل ينتظر حتى تغتسل من الحيض أم بمجرد انقطاع الدم.
وإن قلنا هو الطهر؛ فإذا طلقها وهي طاهر فحينئذٍ يحسب طهراً، فحاضت ثم طهرت، هذا هو الطهر الثاني، فحاضت ثم طهرت فهذا هو الطهر الثالث، فإذا دخلت الحيضة الثالثة بعد طلاقها فإنها تنقضي لذلك عدتها.
أستدل أهل القول الثاني: بقوله تعالى ﴿فطلقوهن لعدتهن﴾ ، قالوا: ومعنى هذه الآية فطلقوهن وقت عدتهن، ووقت الطلاق هو الطهر، وعليه؛ فالعدة هي في الطهر.
واستدلوا بقوله تعالى ﴿والمطلقات يتربصن بأنفسهن ثلاثة قروء﴾ ، قالوا: قال ثلاثة، فالعدد هنا مؤنث، والعدد إذا أنث فهذا يدل على أن العدد مذكر، والمذكر من المعنيين هو الطهر، فالحيض مؤنثة والطهر مذكر.
أما أدلة أهل القول الأول فهي: ما روى ابن ماجة بإسناد صحيح أن بريرة أمرها النبي - صلى الله عليه وسلم - أن تعتد ثلاثة حيض، وهو من حديث عائشة وإسناده صحيح.
واستدلوا: بقول النبي - صلى الله عليه وسلم - الثابت في سنن أبي داود وغيره: (اترك الصلاة أيام أقرائك) ، قالوا: فالشارع قد أطلق الإقراء على الحيض، فإذاً المعروف عن الشارع أن القرء هو الحيض.
قالوا: ولأن من حكم العدة الإستبراء، والإستبراء إنما يحصل بالحيض.

واستدلوا أيضاً بقوله تعالى: ﴿والآئي يئسن من المحيض من نسائكم فعدتهن ثلاثة أشهرٍ والآئي لم يحضن﴾ ، فهنا قد جعل الأشهر مقابل المحيض، فالحيض ثلاثة والأشهر ثلاثة.
وأجابوا عن أدلة أهل القول الثاني: أن استدلالهم بقوله تعالى ﴿فطلقوهن لعدتهن﴾ ، وان المعنى؛ طلقوهن وقت عدتهن " وهو الطهر ". وأجابوا عن هذا الإستدلال: أن الطلاق هو سبب العدة فإذا كان ذلك كذلك، فإنه لا يمكن أن يكون الطلاق في أثناء العدة، بل لا بد أن يكون سابقاً لها.
وعليه؛ فالمراد " اجعلوا الطلاق سابقاً للعدة "، فتستقبل المرأة العدة وهي مطلقة، وحينئذٍ يكون الطلاق في الطهر، فتستقبل الحيض بعد ذلك.
وأما استدلالهم بقوله تعالى: ﴿ثلاثة قروء﴾ ؛ وأنه لما أنث دل على أن المعدود مذكر.
أجابوا عن هذا الإستدلال: بأنه أنت باعتبار اللفظ المذكور وهو قوله " قروء "، والقرء لفظ مذكر، فأنث الله عز وجل باعتبار اللفظ لا باعتبار المعنى، وهو ظاهر معروف في لغة العرب.
قالوا: ويستدل بهذه الآية عليكم فإن الله قال: ﴿ثلاثة قروء﴾ ، وقد فسرتموه أنتم بالأطهار، وأنتم إذا طلقها في طهرٍ فإنكم تحسبون هذا الطهر الذي طلقها في أثنائه ثم تضيفون إليه طهرين بعده – وهو أي الطهر الأول –، إنما هو بعض طهرٍ وليس طهراً كاملاً، فلو طلقها قبل حيضها بيومٍ واحد، وبعد مضي أيامٍ كثُّر من طهرها، فإنكم تحسبونه طهراً، وهو بعض طهر والله قال ﴿ثلاثة قروء﴾ وهذا نص في أن القروء ثلاثة، والنص لا يقبل المجاز، وعليه فلا بد أن تكون القروء ثلاثة فإذا كانت قرآن وبعض قرء فلا يدخل هذا في الآية، وأما قوله تعالى ﴿الحج أشهر معلومات﴾ فلفظة أشهر أسم جمع فيه المجاز، قلنا أن تقول شهران وعشرة أيام، وهو مذهب الجمهور مع أن الراجح ما ذهب إليه المالكية، وأن الأشهر لابد وأن تكون ثلاثة.

وما ذهب إليه الحنابلة والأحناف، وهو قول أكثر الصحابة، بل هو قول أكابر الصحابة، كما قال ذلك الإمام أحمد وهو قول أكثر أئمة الحديث.
وأما القول الثاني؛ فهو قول عائشة وزيد بن ثابت والعبرة في رواية عائشة لا برأيها فقد تقدم أنها روت أن بريرة اعتدت ثلاثة حيض، ولعل هذا الرأي منها هو الذي جعل بعض أهل العلم يعلوا هذا الحديث فقد ذكر الحافظ في البلوغ، أن الحديث معلولٌ، ولم أقف على علله، أو على من علله، فلعل التعليل لمخالفة عائشة، لكن العبرة بالرواية لا بالرأي، فعلى كلٍ فلو لم يثبت هذا الحديث بل كان معلولاً حقاً ففي الأدلة التي ذكروها، ما يدل على قوة قولهم، فالصحيح أن الأقراء هي الحيض.
قال: [المفارقة في الحياة] طلاقٌ أوفسخ أو خلع، فالمختلعة تعتد ثلاث حيض والمطلقة تعتد ثلاث حيض، وهكذا من فسخت، واختار شيخ الإسلام وهو رواية عن الإمام احمد، وهو قول اسحاق واختاره تلميذه ابن القيم: أن المختلعة تعتد بحيضة، وهو القول الراجح في هذه المسألة، ويدل عليه ما ثبت في سنن النسائي بإسنادٍ صحيح أن النبي - صلى الله عليه وسلم - جعل عدة المختلعة حيضة.
قال: [فعدتها إن كانت حرة أو مبعضة ثلاثة قروء كاملة] فعدتها إذا كانت حرة أو مبعضة ثلاثة قروء لقوله تعالى: ﴿والمطلقات يتربصن بأنفسن ثلاثة قروء﴾ ، والمبعضة؛ هي التي بعضها حرٌ وبعضها رقٌ، وإنما تعتد ثلاثة حيض لأن الحيضة الثالثة لا تتبعض عليها، فاعتدت حيضة كاملة فكانت كالحرة.
قال: [وإلا قرآن] فإذا كانت أمة فإنها تعتد قرئين وبذلك أفتى الصحابة كعمر وابن مسعود كما في مصنف عبد الرزاق وكابن عمر كما في سنن الدارقطني،والأسانيد إليهم صحيحة ولا يعلم لهم مخالف وقد اتفق أهل العلم على القول بهذا.
قال: [الرابعة: من فارقها حياً ولم تحض لصغرٍ أو إياس فتعتد حرة ثلاثة أشهرٍ وأمة شهرين]

فالرابعة هي من فارقها حياً ولم تحض، لأنه إذا فارقها ميتاً فإنها تعتد عدة المتوفى عنها زوجها، لكن هنا قد فارقها وهو حي ولم تحض لصغر وإياس لقوله تعالى ﴿والآئى يئسن من المحيض من نسائكم إن إرتبتم فعدتهن ثلاثة أشهر والآئى لم يحضن﴾ ، فاليائسة من المحيض، والتي لم تحض لصغرها تعتد ثلاثة أشهر للآية المتقدمة وهذا بإجماع أهل العلم.
واختلف أهل العلم في سن اليأس: فالمشهور في المذهب؛ أن سن اليأس خمسون سنة فإذا بلغت المرأة خمسين سنة فإنها تعتد بالأشهر.
وعن الإمام أحمد؛ أن سن اليأس ستون.
وقال بعض أهل العلم؛ أنه اثنان وستون، وقيل غير ذلك.
واختار شيخ الإسلام أنه لا حد لأكثر سن الحيض، فقد تحيض المرأة وهي بنت سنتين، وقد ينقطع عنها الدم وهي بنت أربعين.
وهذا هو القول الراجح في هذه المسألة إذ لا دليل يصار إليه في أكثر سن الحيض، وعليه فمرجع ذلك إلى حيضها، فإذا انقطع عنها الحيض وانقطع رجاؤها فيه فإنها حينئذٍ تكون آيسة منه وعليه فتعتد بثلاثة أشهر.
فالحرة تعتد ثلاثة أشهر، وتعتد الأمة شهران، لأن عدتها حيضتان، والحيضة تقابل الشهر، وعليه فتعتد شهرين، وهو رواية عن الإمام وقول في مذهب الشافعي.
والمسألة فيها ثلاثة أقوال هي روايات عن الإمام أحمد وأقوال في مذهب الإمام الشافعي: القول الأول: هو ما ذكره المؤلف.
القول الثاني: أنها تعتد شهراً ونصف، وذلك لأن الأصل أن الأمة عدتها حيضة ونصف، لكن لم تُنَصِّف الحيضة لأن الحيضة لا تتبعض، أما الشهر فإنه يتبعض.
القول الثالث: وهو مذهب مالك وهو - كما تقدم – رواية عن الإمام أحمد وهو قول في مذهب الشافعي؛ أن الأمة تعتد ثلاثة أشهر كالحرة.
وذلك لأن هذه المدة تتربصها المرأة ليعلم براءة رحمها، وهو في الغالب لا يعلم إلا بعد مرور ثلاثة أشهر ولا فرق في هذا بين الأمة والحرة.

فالأمة التي تحيض بمجرد ما تحيض حيضة فإنه يعلم براءة رحمها وإنما زويا --- عليها حيضة نظراً لحيض الحرة، وأما هنا فإن براءة الرحم لا تعلم بشهر ونصف فاحتجنا إلى ثلاثة أشهر، وهذا هو أقوى المذاهب وأحوطها والله أعلم.
قال: [ومبعضة بالحساب ويجبر الكسر] فالمبعضة إذا كان بعضها حر وثلاثة أرباعها رق، فإنها تعتد شهرين وثمانية أيام، ويجبر الكسر، فربع الشهر سبعة أيام وكسر، فيجبر الكسر فتكون ثمانية أيام، وإن لم يكن هناك كسر كأن يكون نصفها حر، فإنها تتربص شهرين ونصف.
وأما على القول الراجح الذي تقدم فلا تحتاج إلى ذلك.

الدرس السادس والستون بعد الثلاثمائة قال المؤلف رحمه الله: [من ارتفع حيضها ولم تدر سببه] الخامسة – أي من المعتدات – من ارتفع حيضها ولم تدر سببه، فهي غير آيسة لكن قد ارتفع الحيض وهي لا تدري ما السبب وهذا قد يقع لبنت عشرين سنة مثلاً.
قال: [فعدتها سنة، تسعة أشهر للحمل وثلاثة للعدة] فعدتها تسعة أشهر للحمل لأن غالب مدة الحمل تسعة أشهر وثلاثة للعدة وهذا هو قضاء أمير المؤمنين عمر بن الخطاب - رضي الله عنه - كما روى ذلك البيهقي وغيره، قال ابن المنذر: " وهو قضاء عمر بين المهاجرين والأنصار ولم ينكره منكر "، وهو مذهب المالكية، وهو اختيار شيخ الإسلام ابن تيمية.
وقال الأحناف والشافعية: بل تتربص حتى يرجع إليها الحيض، أو تيئس منه على الخلاف المتقدم في سن اليأس.
وهذا القول هو قول ابن مسعود – وإن كان ليس على هذا الإطلاق –، ولا شك أن هذا القول لا يوافق يسر الشريعة، ولا يشبه أصولها وذلك لأن فيه ضرراً عظيماً بالمرأة فقد تكون بنت خمس عشر سنة ويقال لها؛ انتظري حتى تبلغي سن اليأس أو حتى يأتيك الحيض.
قال: [وتنقص الأمة شهراً]

وهذا بناءً على القول بأن عدة من لم تحض لصغر أو يأس من الإماء بأن عدتها شهران فحينئذ ينقص من السنة شهر، وعلى القول الذي تقدم وأن عدة الأمة ثلاثة أشهر فحينئذ تكون عدتها هنا سنة إذ لا فرق بين الأمة والحرة في الاعتداد بالأشهر، وإنما الفرق بالاعتداد بالحيض.
قال: [وعدة من بلغت ولم تحض – إلى أن قال – ثلاثة أشهر] لقوله تعالى: ﴿والائي يئسن من المحيض من نسائكم إن ارتبتم فعدتهن ثلاثة أشهر والائي لم يحضن﴾ ، أي فكذلك.
قال: [والمستحاضة الناسية، والمستحاضة المبتدأة ثلاثة أشهر] إذا كانت مستحاضة ناسية أيقد نسيت هل تحيض في كل شهر أو في كل شهرين، فعدتها ثلاثة أشهر أو كانت مستحاضة مبتدأة – أي لم يسبق لها حيض – فأول ما نزل معها الحيض تتابع عليها فكانت مستحاضة فعدتها ثلاثة أشهر وذلك لأن غالب النساء يحضن في كل شهر فتلحق بغالب النساء،أما إذا كانت المسحاضة لها عادة سابقة أولها تمييز مالها لعمل بعادتها السابقة أو بتمييزها.
قال: [والأمة شهران] تقدم النظر في هذا، وأن الراجح أن الأمة عدتها ثلاثة أشهر.
قال: [وإن عملت ما رفعه من مرض أو رضاع أو غيرهما فلا تزال في عدةٍ حتى يعود الحيض فتعتد به أو تبلغ سن الإياس فتعتد عدته] إذا ارتفع عليها الحيض وهي تعلم سبب ارتفاعه عنها كأن يكون بها مرض أو تكون رضاع فإنها لا تزال في عدة حتى تحيض أو تبلغ الإياس.

والقول الثاني في المسألة – وممن إختاره من المتأخرين الشيخ عبد الرحمن السعدي – أنها إذا كان يغلب على ظنها أن العادة ترجع إليها كأن يكون سببه ارتفاع العادة هو الرضاع وتعلم أنها إذا توقفت عن الرضاع أو قضت الرضاع فإن العادة ترجع إليها فإنها حينئذٍ تنتظر حتى تحيض ثلاث حيض، وأما إن غلب على ظنها أن العادة لا ترجع إليها كأن يصاب بمرض لا يرجى برؤه ويغلب على ظنها أن العادة لا يرجع إليها فإنها تعتد سنة تسعة أشهر للحمل وثلاثة أشهر للعدة وهذا القول هو الراجح وهو الموافق لأصول الشرع.
قال: [السادسة: امرأة المفقود تتربص ما تقدم في ميراثه ثم تعتد للوفاة] إن كان الغالب على سفره السلامة فإنها تتربص تسعون سنة من ولادته ثم تعتد للوفاة، وإن كان الغالب على سفره الهلال فإنها تتربص أربع سنين منذ فقد ثم تعتد عدة الوفاة وهو قضاء عمر كما في البيهقي وتقدم النظر في هذا وأن المدة ترجع إلى الحاكم وأنها تختلف باختلاف الأزمان، فإذا قرر القاضي أنها تتربص مثلاً سنة، فإنها بعد انقضاء السنة تعتد للوفاة.
قال: [وأمة كحرة فالتربص] فلا فرق بين الأمة والحرة في التربص وهذا ظاهر إذ ليس هناك ما يدعي إلى التفريق بين الأمة وبين الحرة في مسألة التربص لأنها متعلقة بالزوج ونوع غيبته.
قال: [وفي العدة نصف عدة الحرة] كما تقدم في الدرس السابق، فعدة الأمة شهران وخمسة أيام.
قال: [ولا تفتقر إلى حكم حاكم بضرب المدة وعدة الوفاة] فإذا مضى أربع سنين فيما ظاهره عدم السلامة ثم مضى أربعة أشهر وعشر فلها أن تتزوج بعد ذلك ولا تحتاج بعد ذلك ولا تحتاج إلى حكم حاكم.
قال: [وإن تزوجت فقدم قبل وطءِ الثاني فهي للأول] إذا تزوجت هذه المرأة ثم قدم الأول قبل أن يطأها الثاني فإنها تكون للأول لأن نكاحه على ما هو عليه وبقدومه يبطل نكاح الثاني، ولا مانع من الرد، وعليه فإذا قدم وقد عقد عليها ولم توطأ فإنها حينئذٍ تكون للأول.

قال: [وبعده له أخذها زوجةً بالعقد الأول.
ولو لم يطلق الثاني، ولا يطأ قبل فراغ عدة الثاني] أما إذا أتى زوجها الأول، وقد عقد عليها ودخل بها فله خياران: الخيار الأول: أن يأخذها زوجة له بالعقد الأول فلا يحتاج إلى عقد جديد لأن نكاحه على ما هو عليه ولم يطلق الثاني، لأن نكاحه على ما هو عليه، لكنه لا يطأ حتى تفرغ من عدتها من الثاني لأن نكاح الثاني نكاح صحيح، فليس له يطأها حتى تفرغ من عدة الثاني.
قال: [وله تركها معه من غير تجديد عقد] هذا هو الخير الثاني: وهو أن يتركها مع الثاني من غير تجديد عقد وذلك لأن نكاحه صحيح لكنا رجحنا الأول لأن نكاحه هو الأسبق.

قال: [ويأخذ قدر الصداق الذي أعطاها من الثاني ويرجع الثاني عليها بما أخذه منه] فإذا اختار أن يتركها مع زوجها الثاني، فله أن يأخذ الصداق الذي أصدقها إما قبل ذلك يأخذه من الثاني ويرجع الثاني على المرأة بما أخذه الأول منه، ففي سنن البيهقي بإسناد صحيح أن عمر قال في امرأة المفقود (إن جاء زوجها وقد تزوجت فإنه يخير بين إمرته وصداقها، فإن اختار صداقها كان على زوجها الآخر،وإن اختار امرأته اعتدت – أي من الثاني –حتى تحل ثم ترجع إلى زوجها الأول ولها مهرها من الزوج الآخر بما استحل من فرجها) ، وفي البيهقي عن عمر وعلي: أنهما قد جعلا له صداق الأول، وما ذكره المؤلف ينبني على هذا الأثر، لكن قول المؤلف:" ويرجع الثاني عليها بما أخذه منه " فيه نظر وعلل الحنابلة في المشهور عندهم هذا القول بأن هذا الصداق قد لزمه بسبب وطئه إياها، فكان كما لو حصل فيها تغرير له.

والقول الثاني في المسألة وأستظهره صاحب المغني أنه لا يرجع إليها بما أخذه منه الأول، وهو ظاهر أثر عمر بن الخطاب فإنه قال: "فإن اختار صداقها كان على زوجها الآخر " وليس فيه أنه يرجع إلى امرأته بالصداق، والمرأة لم تغره، وكونه بسبب وطئها فلاشك أن ذلك تعليل ضعيف جداً بل هو الذي قد وطئ وهو الذي قد أتلف المعوض على الناكح الأول، فقد أتلف على الناكح الأول معوضه فكان عليه هو المعوض.
إذاً: الصحيح القول الثاني في المسألة وهو رواية عن الإمام أحمد وأنه لا يرجع إلى المرأة، وأيضاً أثر عمر المتقدم ليس فيه تجديد عقد وليس فيه اشتراط طلاق الأول وهذا هو الموافق لما ذكره المؤلف هنا.
والقول الثاني في المسألة: اشتراط أن يطِّلق الأول وأن يجَّدد للثاني العقد، وهذا ضعيف والأثر يدل على خلافه، ونكاحهما جميعاً صحيح لكن رجحنا الأول لأنه هو الأسبق.
وهكذا كل فراق بين الزوجين لموجب تبين انتقاؤه، كأن يفرق بينه وبين امرأته لدعوى رضاع بينهما فتنكح زوجاً آخر، ثم يتبين ألا رضاع، فالمسألة كذلك.

فصل قال: [ومن مات زوجها الغائب، أو طلقها اعتدت منذ الفرقة وإن لم تحد] فمن مات زوجها وهو غائب، أو طلقها وهو غائب اعتدت منذ الفرقة، فلوا أن امرأة توفي زوجها ولم تعلم بذلك إلا بعد سنة أو طلقها زوجها ولم تخبر إلا بعد مضي عليها ثلاث حيض فحينئذ تكون قد خرجت من العدة وإن لم تخبر وهذا مذهب جمهور العلماء، وذلك لأن النية غير مشترطة وغير معتبر في العدة بدليل ثبوت العدة على الصغيرة والمجنونة.
قال: [وعدة موطوءة بشبهة أو زنا أو بعقد فاسد كمطلقة] فلو أن رجلاً وطئ امرأة بشبهة سواء كانت نكاح أو اشتبهت عليه امرأته بالأجنبية فوطئ الأجنبية يظنها امرأته، أو زنا بامرأة، أو وطئ امرأة بعقد فاسد كأن ينكح امرأة ولي وهو يعتقد أنه لا يصح النكاح إلا بولي، فعدتهن كمطلقة فإنهن يتربصن ثلاث حيض وهذا هو مذهب جمهور العلماء.

وعن الإمام أحمد وهو اختيار شيخ الإسلام رحمه الله: أنها حيضة، فالمرأة المزني بها والمرأة الموطوءة بشبهة والمرأة المنكوحة بعقد فاسد تعتد بحيضة، وهذا هو القول الراجح وذلك لأن المقصود من عدتها استبراء رحمها، فليس ثمة حكمة من عدتها إلا استبراء رحمها، واستبراء الرحم يحصل بحيضة بدليل استبراء الأمة بحيضة، وكذلك استبراء المختلعة بحيضة، وهن – أي المزني بها – الموطوءة بشبهة أو بعقد فاسد لا يدخلن في عمومات النصوص، فإن عمومات النصوص إنما وردت في الزوجة وهي ليست بزوجة، فإن قوله تعالى: ﴿والمطلقات يتربصن بأنفسهن ثلاثة قروء﴾ ، فهو خاص بالزوجة، والمذكورات لسن بمطلقات لأن الطلاق فرع النكاح وهذه ليست بمنكوحة.
قال: [وإن وطئت معتدةٌ بشبهةٍ أو نكاحٍ فاسد فرق بينهما، وأتمت عدة الأول] اذا وطئت معتدة بشبهة – أي بشبهة نكاح – أو وطئت بنكاح فاسد كأن تنكح بعد انقطاع الدم من الحيضة الثالثة وقبل أن تغتسل فهذا نكاح فاسد – فالحكم انه يفرق بينهما لأنه عقد فاسد وجودة كعدمة، فوجب أن يفرق بينهما.
(أو أتمت عدة الأول) فيجب عليها أن تتم عدة الأول.
قال [ولا يحتسب منها مقامها عند الثاني] فلا يحتسب من العدة مقامها عند الثاني، فمثلاً: مضت حيضة من عدتها ثم تزوجت بشبهة نكاح ثم حاضت حيضة ثانية بعد أن وطئها هذا الناكح ثم فرقنا بينهما، فلا تحتسب لها هذه الحيضة التي حضتها عند هذا الناكح الثاني، بل نقول حضت حيضة واحدة، فوجب عليك أن تتربصي حتى تحيضي حيضتين فيتم لك ثلاث حيض وهو قول عمر رضي الله عنه كما في البيهقي.
اولاً: الوطء يقطع العدة وهذا ظاهر لأن رحمها قد أنشغل بماء غير من هي معندة له.
ومن حكم العدة استبراء الرحم وهنا حيث كان موطوءة من غيره بقي رحمها مشغولاً بغير مائه فلم يعتد بهذه المدة.
قال: [ثم إعتدت للثاني] فإذا انتهت من عدة الأول فإنها تعتد للثاني، وعلى القول الراجح المتقدم عدتها فتعتد منه بحيضة.

قال: [وتحل له بعقد بعد انقضاء العدتين] أي تحل للثاني بعقد جديد بعد انقضاء العدتين، لأن العقد الأول عقد باطل، وظاهر كلام المؤلف أنه ليس له أن ينكحها في عدتها () في عدة الثاني.
فإذا اعتدت للثاني، فليس للثاني أن ينكحها في اثنا عدتها منه، فظاهر كلام المؤلف أن العقد لا يصح، والراجح صحته وهو مذهب الشافعية وهو اختيار الموفق من الحنابلة، وذلك لأن العدة له هو.
ولا يصان ماؤه الأول من مائه الثاني قال: [وإن تزوجت في لم تنقطع حتى يدخل بها] اذا عقد هذا الناكح الثاني على هذه المعتده ولم يطأها فإن عدتها لزوجها الأول لا تنقطع بذلك لعدم الوطء فإن العلة كما تقدم انشغال رحمها بماء جديد وهنا الأمر ليس كذلك لعدم الوطء.
قال: [فإذا فارقها بنت على عدتها من الأول ثم استأنفت العدة من الثاني] فإذا فارقها الثاني فإنها تبني على عدتها من الأول ثم تستأنف العدة من الثاني – هذا حيث وطئها الثاني، أما إن لم يطأها الثاني فإنها لا تعتد إلا بعد المس.
فهذه الجملة راجعة إلى المسألة ما قبل الأخيرة.
قال: [وإن أتت بولد من أحدهما انقضت عدتها به] إذا أتت بولد من أحد الناكحين فإن عدتها تنقضي به – أي انقضت عدتها من هذا الناكح الذي قد نشأ من مائه هذا الحمل، وهذا هو الظاهر.
قال: [ثم اعتدت للآخر] فإذا وضعت الحل، فإنها تكون قد انقضت عدتها من الناكح الذي نشأ هذا الحمل من مائه، وثم تعتد للآخر ولا يقال إن العدتين تتداخلان لأنهما حقان لزوجين.

فصول الكتاب · 11 فصل · 298 صفحة
الانتقال إلى صفحة
فصول شرح زاد المستقنع للحمد · 298 صفحة
المقدمة
كتاب الزكاة
كتاب الصيام
كتاب المناسك
كتاب الجهاد
كتاب الوصايا
كتاب الوصايا
كتاب الفرائض
كتاب الطلاق
كتاب الحدود
كتاب الشهادات
جارٍ التحميل