باب صفة الصلاة الدرس السبعون (يوم السبت: 20 / 3 / 1415 هـ)
" صفة الصلاة "
أي كيفيتها الواردة عن النبي صلى الله عليه وسلم ويدخل في ذلك الصفة المجزئة والصفة المستحبة.
والأصل في هذا الباب ما ثبت في البخاري من حديث مالك ابن الحويرث وفيه – أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (صلوا كما رأيتموني أصلي) 1 ويستحب أن يمشي إلى الصلاة بسكينة ووقار.
لما ثبت في الصحيحين أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (إذا سمعتم الإقامة فامشوا وعليكم السكينة والوقار ولا تسرعوا فما أدركتم فصلوا وما فاتكم فأتموا) 2 فهذا الحديث فيه أن المستحب أن يمشي بسكينة ووقار.
والسكينة: هي التأني بالحركات وعدم العبث.
والوقار: هو أن يكون بسمت حسن من غض للبصر ونحو ذلك، وأكد ذلك بقوله (ولا تسرعوا) فيكره الإسراع إلى الصلاة أو أن يمشي إليها بغير وقار، بل ينبغي أن يتصف بالتأني المنافي للإسراع، والوقار الذي ينبغي أن يتصف به العاقد إلى الصلاة.
وهذا الحديث عام في كل حال سواء كان إسراعه يفيده إدراكاً لتكبيرة الإحرام، أو إدراكاً للركعة أو إدراكاً للجماعة، فإنه لا يسرع الإسراع بل المستحب التأني مطلقاً.
وقد نص الإمام أحمد على أنه إذا كان يرجو إدراك تكبيرة الإحرام فإنه لا بأس بالإسراع غير القبيح.
وذهب بعض أهل العلم: إلى أنه لا بأس بالإسراع إذا كان لإدراك ركعة.
وذهب بعضهم: إلى أنه لا بأس بالإسراع إذا كان يدرك الجماعة.
والصحيح أنه لا يشرع الإسراع مطلقاً، ودليل هذا ما ورد في رواية مسلم أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (فإن أحدكم إذا كان يعمد إلى صلاة فهو في صلاة) 1 فدل ذلك على أن المشي إلى المساجد صلاة، ولا يشرع في هذه الصلاة إلا أن يمشي بسكينة ووقار سواء كان يدرك بإسراعه تكبيرة الإحرام أو لا، وسواء كانت تفوته الجماعة إن لم يسرع أو لا تفوته.
فالعلة – من عدم الإسراع - هي أنه في صلاة فلا يشرع له أن يسرع.
قال رحمه الله: (يسن القيام عند " قد " من أقامها)
أي عند قوله: (قد قامت الصلاة) كما صرح بذلك صاحب المغني وغيره – وهذا إذا كان الإمام في المسجد يراه المأمومون.
هذا هو المشهور في المذهب – قالوا: لأن قوله (قد قامت الصلاة) خبر بمعنى الأمر، أي قوموا إليها وانتصبوا قائمين لأدائها، وهذا المشهور في المذهب وهو مروي عن ابن عمر كما في مصنف عبد الرزاق 2 ، وعن أنس كما عند ابن المنذر (3) .
والمذهب الثاني: أن المشروع أن يقوم إذا انتهى المقيم من إقامته، وهذا مذهب الشافعية 3 .
والقول الثالث، وهو مروي عن طائفة من التابعين كعمر بن عبد العزيز وسالم بن عبد الله بن عمر والزهري: أن المشروع أن يقوم عند أول شروع المقيم بالإقامة.
وهذه المسألة الباب فيها واسع، ولكن مع ذلك – فيما يظهر – الأولى أن يقوم عند أول شروعه بالإقامة؛ ذلك لعدة أوجه.
الوجه الأول: أن هناك إشارات إلى هذه المسألة في بعض الأحاديث الواردة عن النبي صلى الله عليه وسلم، فمن ذلك: ما ثبت في الصحيحين عن أبي هريرة: (أن الصلاة تقام لرسول الله صلى الله عليه وسلم فيأخذ الناس مصافهم قبل أن يقوم النبي صلى الله عليه وسلم مقامه) 1 .
والنبي صلى الله عليه وسلم كان يأمرهم بعد الإقامة أن يستووا ويعتدلوا، كما وردت الأحاديث في هذا، ومعلوم أنهم لو قاموا عند قوله (قد قامت الصلاة) أو بعد انتهاء الإقامة لما كان ذلك كافياً لأن يسووا صفوفهم قبل أن يقوم النبي صلى الله عليه وسلم مقامه، بل الظاهر أنهم كانوا يقومون عند شروع المؤذن بالإقامة أو عند رؤيتهم الإمام وهو يأتي لإقامة الصلاة، وأن هذا هو الوقت الكافي لأن يأخذوا مصافهم حيث كان يأمر بتسوية الصفوف بعد إقامة الصلاة، فقد ثبت في صحيح البخاري عن أنس قال: (أقيمت الصلاة فأقبل علينا النبي صلى الله عليه وسلم بوجهه وقال: (أقيموا صفوفكم وتراصوا فإني أراكم من وراء ظهري) 1 . فهنا كان النبي صلى الله عليه وسلم يأمرهم بتسوية الصفوف بعد الإقامة، وفي الحديث السابق كانوا يقومون ويسوون الصفوف قبل أن يقوم النبي صلى الله عليه وسلم مقامه، فيبعد أن يكون قيامهم عند انتهائه، وأظهر منه أن يكون ذلك عند قوله (قد قامت الصلاة) .
2- ويقوي هذا - وهو الوجه الثاني -: ما رواه عبد الرزاق في مصنفه إلى الزهري بسند صحيح قال: (كان الناس ساعة يقول المؤذن (الله أكبر، الله أكبر) يقيم الصلاة يقومون فيأتي النبي صلى الله عليه وسلم مقامه ثم تُعدل الصفوف) 1 .
الوجه الثالث: أن المعنى الذي ذكره الحنابلة في لفظة (قد قامت الصلاة) ثابت في الإقامة كلها.
نعم لفظة (قد قامت الصلاة) هي صريح الإقامة لكن ألفاظها كلها إنما شرعت ليقوم الناس إلى الصلاة، فإنها تسمى إقامة، كما أن النداء صريحه: (حي على الصلاة حي على الفلاح) وكله نداء، فهذه كلها إقامة وإن كان صريحها لفظة (قد قامت الصلاة) .
فأقوى الأقوال - مع أن فيه سعة - ما ذهب إليه بعض التابعين: من أن المشروع أن يقوم عند شروع المؤذن بالإقامة.
وهذا – كما تقدم – إذا كان الإمام في المسجد أو كان في معنى من هو في المسجد كأن يكون قريباً إلى المسجد فأقام الصلاة له.
أما إذا لم يكن الأمر كذلك فأقامها وهم ينتظرون الإمام، والإمام ليس في المسجد ولا قريباً منه، وهذا وإن كان يقل وقوعه في هذه الأزمان، لكن كان يكثر وقوعه للنبي صلى الله عليه وسلم والخلفاء ونحو ذلك، فقد كانت الصلاة تقام قبل حضورهم فيسمعون الإقامة فيأتون إلى المسجد فمثل هذا لا يشرع القيام حتى يروه؛ لما ثبت في الصحيحين أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (إذا أقيمت الصلاة فلا تقوموا حتى تروني) 1 .
قال: (وتسوية الصفوف)
أي يسن تسوية الصفوف وتسوية الصف بأن يتراص المصلون فيه بأن يلزق منكبه بمنكب صاحبه وكعبه بكعب صاحبه.
فقد ثبت في صحيح البخاري عن أنس في الحديث المتقدم الذي فيه: أن النبي صلى الله عليه وسلم أقبل عليهم بوجهه فقال: (أقيموا صفوفكم وتراصوا فإني أراكم من وراء ظهري) 2 قال أنس: فكان الرجل - أي من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم - يلزق منكبه بمنكب صاحبه وقدمه بقدمه ". فهذا الفعل من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم والنبي يراهم، فإنه قال: (فإني أراكم من وراء ظهري) فكان يراهم.
وفي سنن أبي داود – وأصله في الصحيحين – من حديث النعمان بن بشير: أن النبي صلى الله عليه وسلم أقبل علينا بوجهه فقال: (أقيموا صفوفكم ثلاثاً – ثم قال: لتسون صفوفكم أو ليخالفن الله بين قلوبكم) قال: فكان الرجل يلزق منكبه بمنكب صاحبه وركبته بركبة صاحبه، وكعبه بكعبه) 1 .
فالإطلاق المتقدم في رواية البخاري من قول أنس من قوله: (وقدمه بقدمه) هنا قد ثبت التصريح بأن ذلك في الكعب.
وهذا ظاهر في أول الصلاة وأن الواجب أو المشروع للمصلين أن يتراصوا في الصف بأن يلزق منكبه بمنكب صاحبه وركبته بركبته وكعبه بكعبه – والأحاديث فيه واضحة –.
وأما بعد ذلك فالأظهر – ولم أر لأحد من أهل العلم في هذه المسألة كلام، والأظهر -: أن يكون ذلك من غير مشقة، ومعلوم أن متابعة ذلك في كل ركعة من ركعات الصلاة فيه مشقة بخلاف التراص فإنه لا مشقة فيه.
ففي آخر الصلاة لا يبقى ذلك مشروعاً في حقه لثبوت تراص فيما تقدم، ومثل هذا فيه إلحاق مشقة وكلفة.
وظاهر قوله (وتسوية الصفوف) أن ذلك مسنون وهذا مذهب جمهور العلماء وحكى إجماعاً.
لكن هذا فيه نظر، فقد ذهب شيخ الإسلام ووجَّه ذلك صاحب الفروع وهو مذهب الظاهرية ومذهب الإمام البخاري: أن ذلك واجب والأدلة دالة على ذلك.
فقد ثبت في الصحيحين أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (لتسون صفوفكم أو ليخالفن الله بين وجوهكم) 1 أي ليلقين الله في قلوبكم العداوة والبغضاء ومثل هذا لا يقال إلا فيما كان محرماً، ويفسره الرواية المتقدمة في أبي داود: (أو ليخالفن الله بين قلوبكم) 2 فهذا يدل على أن تسوية الصفوف واجبة إذا لا يترتب مثل هذه العقوبة إلا على أمر واجب وتركه محرم.
فإذا ثبت وجوب ذلك: فمثل ذلك على الراجح – وهو مذهب الظاهرية -: أن ترصَّ الصفوف بعضها ببعض فلا يكون بين الصفوف إلا ما يكفي المصلين لإقامة ركوعهم وسجودهم، فيجب أن تكون قد اتصل بعضها ببعض ولا يكون بين كل صف وصف مسافة زائدة على ما يحتاج إليه المصلي لإقامة ركوعه وسجوده.
يدل على ذلك: ما ثبت في أبي داود أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (رصوا صفوفكم وقاربوا بينها وحاذوا بالأعناق والذي نفسي بيده إني لأرى الشيطان يتخلل بين الصفوف كأنها الحذف) 3 وهي صغار المعز.
ففيه الأمر بأن تقارب الصفوف بعضها إلى بعض لقوله: (وقاربوا) .
وذلك – أي ما يكفي المصلي لركوعه وسجوده ذلك - بنحو ثلاثة أذرع.
وقد وردت أحاديث تدل على وجوب تسوية الصفوف:
فمن ذلك: ما ثبت في أبي داود أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (أقيموا صفوفكم وحاذوا بين الأعناق وسددوا الخلل ولينوا بأيدي إخوانكم " أي لتسوية الصفوف " ولا تذروا فرجات للشيطان ومن وصل صفاً وصله الله ومن قطع صفاً قطعه الله) 1 فقوله (قطعه الله) ، ظاهر ذلك الإثم وأن من قطع شيئاً من الصفوف بأن جعل بينها خللاً فإنه يقطعه الله، ومثل هذه العقوبة لا تكون إلا على فعل أمر محرم.
وقد كان النبي صلى الله عليه وسلم يبالغ في تسوية الصفوف حتى كان يقومها كالقِدْح.
كما ثبت هذا في أبي داود عن النعمان بن بشير قال: (كان النبي صلى الله عليه وسلم يسوينا في الصلاة كما يقوم القدْح) 1 وهو خشبة الرمح أي كما تنحت خشبة الرمح وتسوى وتقوم بحيث تكون في غاية الاعتدال لا اعوجاج فيها ولا ميل.
وثبت في سنن أبي داود عن أنس بن مالك بإسناد صحيح قال: (كان النبي صلى الله عليه وسلم يتخلل بين الصفوف من ناحية إلى ناحية يمسح على صدورنا ومناكبنا ويقول لا تختلفوا فتختلف قلوبكم ثم يقول " إن الله وملائكته يصلون على الصفوف المقدمة) 2
مسائل في تسوية الصفوف:
منها: أن أفضل الصفوف الصفوف المتقدمة وخير صفوف الرجال أولها وشرها آخرها، وشر صفوف النساء أولها وأفضلها آخرها، كما ثبت هذا في مسلم عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (خير صفوف الرجال أولها وشرها آخرها وخير صفوف النساء آخرها وشرها أولها) 1 وذلك للقرب من الرجال.
فالأفضل الصفوف المقدمة للرجال، والمتأخرة للنساء.
والأفضل الصفوف التي تقع في ميمنة المسجد؛ لما ثبت في سنن أبي داود والنسائي وغيرهما عن البراء قال: (كنا إذا صلينا وراء النبي صلى الله عليه وسلم أحببنا أن نكون عن يمينه فيقبل علينا بوجهه فسمعته يقول: (ربنا قنا عذابك يوم تبعث عبادك) 2 .
وأما ما رواه أبو داود أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (إن الله وملائكته يصلون على ميامن الصفوف) 1 فالحديث وإن كان إسناده حسن لكنه معلول فهو شاذ، وقد رواه الثقات كما في المسند وسنن ابن ماجه عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: (إن الله وملائكته يصلون على الذين يصلون الصفوف) 2 هذا هو اللفظ المحفوظ كما قرر هذا البيهقي 3
وغيره، وأما لفظة (على ميامن الصفوف) فهي خطأ من بعض الرواة، فعلى ذلك الحديث ضعيف.
وأما ما ورد في ابن ماجه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (من عمر ميسرة المسجد كان له كفلان من الأجر) 1 فالحديث فيه ليث بن أبي سليم وهو ضعيف فلا يثبت.
فميمنة المسجد أفضل من ميسرته.
ولكن هل من بَعُد وهو عن يمين الصف أفضل ممن قرب وهو عن يساره؟
قال صاحب الفروع: " ويتوجه أن بُعد يمينه ليس بأفضل من قرب يساره قال: ولعله مرادهم " أي مراد الحنابلة.
أي: أن ذكرهم تفضيل الميمنة على الميسرة ليس عاماً بل يكون حيث استويا أو كانا متقاربين في القرب من الإمام.
أما إذا كان صاحب الميسرة هو القريب من الإمام وصاحب الميمنة بعيد فهذا لا يدخل في مرادهم فهذا له فضيلة القرب وهذا له فضيلة الميمنة.
ولم يصرّح بتفضيل الميسرة حينئذ، بل ذكر أن الميمنة – حينئذ – لا تكون أفضل من الميسرة فيحتمل أن تكون مثلها في الفضيلة أو أفضل منها.
والأظهر التفصيل في هذا:
فإن كان قريباً إلى الإمام بحيث يكون ممن يلي الإمام فهو أفضل، وإن كان في ميسرة المسجد ممن كان بعيداً في الميمنة لقوله صلى الله عليه وسلم: (ليَلَنِي منكم أولو الأحلام والنهى) 2 رواه مسلم، وهو شامل لمن كان والياً له عن يمينه وعن شماله.
وأما إن لم يكن ممن يلي الإمام فالأظهر التساوي فهذا قد فضل بالقرب وهذا قد فضل بالميمنة، فكل منهما فضيلته فحينئذ: لا يجزم بتفضيل أحدهما على الآخر.
والمسألة الثانية:
صفة إقبال الإمام على المأمومين لتسوية الصفوف؟
ظاهر الأحاديث الصحيحة أنه يقبل عليهم بوجهه، فمن ذلك ما تقدم من حديث أنس قال: (أقيمت الصلاة فأقبل علينا صلى الله عليه وسلم بوجهه) 1 رواه البخاري، وما تقدم من حديث النعمان بن بشير في أبي داود وفيه: (أقبل علينا النبي صلى الله عليه وسلم بوجهه) 2 .
وأما ما رواه أبو داود: أن النبي صلى الله عليه وسلم: (أخذ عن يمينه فقال: (سووا صفوفكم واعتدلوا ثم أخذ عن يساره فقال: سووا صفوفكم واعتدلوا) 3 فهو حديث ضعيف فيه مصعب بن ثابت الزبيري وهو ضعيف، فلا يكون معارضاً للأحاديث المصرحة في أن النبي صلى الله عليه وسلم يقبل على الناس بوجهه.
فعلى ذلك الأظهر أنه يقبل على الناس بوجهه.
إذن: في مسألة تسوية الصفوف أربعة مسائل:
المسألة الأولى: في كيفية ذلك: وأن المشروع فيه أن يلزق كعبه بكعبه وركبته بركبته ومنكبه بمنكبه فلا يكون التساوي بأطراف الأصابع كما يفعله كثير من الناس هذا أمر ليس بمشروع، فإن الناس يتفاوتون في ذلك فلا يتم حينئذ التساوي.
والثانية: في حكم ذلك وأن الراجح فرضية ذلك ووجوبه.
ومثل ذلك: أن يرص الصفوف بعضها ببعض.
والثالثة: في تفضيل صفوف الرجال المتقدمة على صفوفهم المتأخرة والعكس للنساء.
وهذه المسألة ظاهرة في عهد النبي صلى الله عليه وسلم، وأما في الأزمان المتأخرة، حيث وضعت الجدر بين الرجال والنساء وأصبح عازل كامل بين الرجال والنساء، بخلاف المساجد كالحرمين أو نحوها أو عازل خفيف فإن الحكم يبقى –.
أما إذا كان هناك عازل قوي قد فصل الرجال عن النساء، فيبقى القول بأن الصفوف المقدمة للنساء أفضل من الصفوف المتأخرة لزوال العلة؛ ولأن النساء شقائق الرجال كما في مسند أحمد 1 .
فالأصل أن أحكام الرجال كأحكام النساء، والعلة التي جعلت صفوف النساء المتقدمة مفضولة عن الصفوف المتأخرة علة قد ذهبت وزالت حيث وجدت الجدر العازلة أو كانت النساء يصلين جماعة وحدهن.
ثبت في مسلم أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (ألا تصفون كما تصف الملائكة عند ربهم قالوا: وكيف تصف الملائكة عند ربهم؟ فقال: يتمون الصفوف المقدمة ويتراصون في الصف) 2
الرابعة: في تفضيل ميامن الصفوف على مياسرها وأن الأفضل أن يصلي في ميمن الصف.
مسألة:
هل يشرع أن يكون الإمام وسط المأمومين؟
الحديث الوارد في هذا: (وسطوا الإمام وسدوا الخلل) 3 فالحديث ضعيف فيه مجهولان.
فعلى ذلك لا يقال بمشروعية هذا، ولم يثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم ولا عن أحد من أصحابه.
نعم في الأصل في المسجد ينبغي أن يكون متوسطاً في المسجد 1 كما هي محاريب المسلمين، وقد تناقله المسلمون خلفاً عن سلف من كون الإمام يكون في المسجد في وسط المسجد، وأما كون هذا في الصفوف بحيث ينهى عن عدم ذلك، فهذا ليس هناك ما يدل عليه.
مسألة:
إذا استوت الصفوف فهل يشرع أن يقول استووا ونحو ذلك - هذه المسألة في الحقيقة فيها إشكال – والأولى فيما يظهر لي: أن يقول ذلك قبل أن ينظر إلى الصفوف، فإذا أقيمت الصلاة وهم بالاستواء والاعتدال ثم تابع ذلك بالنظر وحينئذ يكون قوله سابق لعدم تبينه استواء الصفوف، وحيث لم نقل بمثل هذا فإن فيه شيئاً من النظر؛ لأن المقصود حاصل، والله أعلم.
ولو قيل: يترك ذلك لأنهم عالمون به فحقيقة هو قول قوي، والعلم عند الله.
والحمد لله رب العالمين.
الدرس الحادي والسبعون (يوم الأحد: 21 / 3 / 1415هـ)
قال المؤلف رحمه الله تعالى: (ويقول: الله أكبر)
وهي تحريمة الصلاة كما ثبت عند الخمسة إلا النسائي بإسناد صحيح أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (مفتاح الصلاة الطهور وتحريمها التكبير وتحليلها التسليم) 1 فبه 2 تثبت الحرمة في الصلاة، فلا تنعقد الصلاة إلا بها اتفاقاً.
فإن تركها ناسياً أو ساهياً لم تصح صلاته.
ولا يصح إلا هذا اللفظ الذي ذكره المؤلف " الله أكبر "، أما لفظة: الله الأكبر أو الله أجل أو أعظم أو غير ذلك من الألفاظ، فإنها لا تجزئ، فلم يثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه افتتح صلاته بغير لفظة " الله أكبر " وقد قال صلى الله عليه وسلم: (صلوا كما رأيتموني أصلي) 3 .
وحقيقة التكبير الشرعي أن يقول " الله أكبر " فمتى قال غير ذلك من الألفاظ فإنه لا يجزئ، وقد ثبت في الصحيحين في حديث المسيء صلاته أن النبي صلى الله عليه وسلم قال له: (إذا قمت إلى الصلاة فكبر) 1 ، وفي أبي داود من حديث المسيء صلاته: (إنها لا تتم صلاة أحدكم حتى يسبغ الوضوء كما أمره الله) الحديث وفيه: (ثم يكبر الله عز وجل) 2 .
إذن: لا تنعقد الصلاة إلا بالتكبير " الله أكبر ".
فإن أتى به على صيغة الاستفهام كأن يقول " آلله أكبر " فلا يجزئه.
أو نكسه فلا يجزئه.
ولا يجزئه – اتفاقاً – إلا أن يقولها: قائماً في الفريضة، فإن قالها قاعداً أو راكعاً وهو غير عاجز عن القيام فلا يجزئه.
قال: (رافعاً يديه … حذو منكبيه)
السنة أن يرفع يديه مع تكبيرة الإحرام حذو منكبيه أو حذو فروع أذنيه، فكلاهما ثابتة عن النبي صلى الله عليه وسلم.
الصفة الأولى: أن يرفع يديه حذو منكبيه أي يكون الكفان حذو منكبيه.
ودليله: ما ثبت في الصحيحين عن ابن عمر قال: (كان النبي صلى الله عليه وسلم يرفع يديه حذو منكبيه إذا افتتح الصلاة، وإذا كبر للركوع وإذا رفع رأسه من الركوع ولا يفعل بين السجدتين) 3 .
والصفة الثانية: الرفع إلى حذو الأذن أو فروع الأذنين.
ودليله ما ثبت في مسلم عن مالك بن الحويرث قال: (كان النبي صلى الله عليه وسلم يرفع يديه إذا افتتح الصلاة حذو منكبيه) وفي رواية: (حذو أذنيه) وفي رواية (حذو فروع أذنيه) 1 أي شحمة أذنيه.
فيرفع إلى حذو الأذنين أو فروعهما، والأمر واسع فله أن يكون حذو الأذنين مباشرة أو فروعهما.
وجمع بعض أهل العلم من المالكية وغيرهم بين هاتين الصفتين.
فقالوا: تكون بطون الكفين حذو المنكبين وأطراف الأصابع حذو فروع الأذنين.
ويدل عليه ما رواه أبو داود من حديث عبد الجبار بن وائل عن وائل بن حجر وفيه: (أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يرفع يديه حذو منكبيه وإنها حذو فروع أذنيه) 2 لكن الحديث منقطع فيه ابن عبد الجبار بن وائل لم يدرك أباه.
والأظهر أنهما ضعيفان، فالحديث ضعيف لا يثبت، فعلى ذلك هما ضعيفان،فأيهما فعل فقد أصاب السنة.
والأفضل أن يفعل هذه تارة وهذه تارة.
وهل التكبير يكون سابقاً للرفع أو الرفع سابق للتكبير أو يكونا معاً؟
المشهور في المذهب: أنه يرفع يديه مع شروعه بالتكبير، فيبدأ برفع يديه مع شروعه بالتكبير.
فإذا انتهى التكبير يكون قد رفع يديه ثم يحطهما.
ودليل ذلك: ما ثبت في أبي داود من حديث وائل بن حجر أن النبي صلى الله عليه وسلم: (كان يرفع يديه مع التكبيرة) 1 .
وقد وردت السنة بصفتين أخريين:
الثانية: أن يرفع ثم يكبر، فيكبر واليدان على ارتفاعهما ثم يحطهما.
ودليل ذلك: ما ثبت في مسلم من حديث ابن عمر: (أن النبي صلى الله عليه وسلم قام إلى الصلاة فرفع يديه حتى يكونا حذو منكبيه ثم كبر) 2 ونحوه من حديث أبي حميد الساعدي في أبي داود والترمذي 3 وغيرهما.
وفي سنن أبي داود من حديث ابن عمر: (ثم كبر وهما كذلك) 4 أي وهما مرفوعتان.
ومما يدل عليها كذلك حديث مالك بن الحويرث – في مسلم – (أنه رأى النبي صلى الله عليه وسلم صلى فرفع يديه ثم كبر) 5
والصفة الثالثة - ولم أر أحداً من أهل العلم قال بها -: وهي أن يكبر قبل رفع اليدين، فإذا كبر رفع يديه، وهي ثابتة في مسلم من حديث مالك بن الحويرث أن النبي صلى الله عليه وسلم: (كبر ثم رفع يديه) 1 .
ولم أر أحداً من أهل العلم قال بها، لذا قال الموفق - وهو المشهور في المذهب –: أنه إذا كبر وانتهى من التكبير ولم يرفع يديه فإن السنة قد فات محلها، وهذا خلاف السنة فقد تقدم ثبوت ذلك عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه كبر ثم رفع يديه.
فالسنة أن يرفع يديه حذو منكبيه.
فإن لم يستطع أن يرفعهما حذو منكبيه رفعهما بقدر الاستطاعة.
كما أنه إن لم يستطع أن يرفع يديه كلتيهما رفع ما يستطيع منهما بأن يرفع يده الصحيحة وقد قال صلى الله عليه وسلم: (إذا أمرتكم بأمر فأتوا منه ما استطعتم) 2 .
وإذا كان مغط ليديه بثوب ونحوه من برد وغيره مما يحتاج فيه إلى تغطية اليدين فإنه يرفعهما بثوبه بقدر استطاعته.
لما ثبت في سنن أبي داود بإسناد صحيح من حديث وائل بن حجر أنه أتى النبي صلى الله عليه وسلم فقال: (رأيت النبي صلى الله عليه وسلم في الشتاء فرأيت أصحابه يرفعون أيديهم في ثيابهم في الصلاة) 3 ، وهذا هو المشهور في المذهب.
قال: (مضمومتي الأصابع ممدودة)
أما المد، فقد ثبت عند الخمسة إلا النسائي بإسناد صحيح من حديث أبي هريرة أن النبي صلى الله عليه وسلم: (كان إذا قام في الصلاة رفع يديه مداً) 1 وورد في الترمذي – هذا الحديث من حديث يحيى بن اليمان وهو ضعيف وتفرد به عن الثقات، ورواه بنفس السند إلى أبي هريرة: (أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يرفع يديه نشراً) 2 أي مفرقة
لكن الحديث ضعيف لضعف يحيى ولكونه خالف الثقات.
وهنا قال: (مضمومة الأصابع)
أي يلصق أصابعه بعضها ببعض.
ولم أر في السنة ما يدل على ذلك.
والمشهور عند الشافعية: أنه يفرقها، وهو رواية عن الإمام أحمد، واستدلوا بحديث أبي هريرة الذي تقدم ضعفه.
وذهب الأحناف: إلى أنه لا يتكلف ذلك، وهذا هو الراجح وأنه لا يتكلف ضماً ولا تفريقاً بل يدعهما على طبيعتها من غير ضم ولا تفريق.
قال: (كالسجود)
فالسجود يستحب له أن يفعل ما تقدم من كونه يضم أصابعه ويجعلهما ممدتي الأصابع وأن يكون حذو منكبيه وسيأتي الدليل على ذلك – عند الكلام على السنة في السجود.
قال: (ويسمع الإمام من خلفه)
لا زال الكلام في التكبير والسنة فيه.
فيسمع الإمام من خلفه فيرفع صوته بالتكبير لما ثبت في مسند أحمد أن النبي صلى الله عليه وسلم: (كان يرفع صوته بالتكبير حتى يسمع من خلفه) (1) والحديث صحيح، وقد قال صلى الله عليه وسلم: (صلوا كما رأيتموني أصلي) 1 .
فإن كان الإمام لا يسمع من خلفه فيلجأ إلى التبليغ بأن يرفع أحد المصلين صوته بالتكبير، فهذا مشروع فقد ثبت هذا من فعل أبي بكر خلف النبي صلى الله عليه وسلم كما في مسلم قال جابر: (صلى بنا النبي صلى الله عليه وسلم وأبو بكر خلفه فإذا كبر النبي صلى الله عليه وسلم كبر أبو بكر ليسمعنا) 2 فهذا يدل على مشروعية التبليغ عند الحاجة إليه أما إن لم تكن هناك حاجة فإنه ليس بمستحب باتفاق المسلمين كما قال ذلك شيخ الإسلام.
بل قد نص الحنابلة على أنه مكروه، بل هو بدعة محدثة في الدين.
قال: (كقراءته في أولتي غير الظهرين)
أي كما يرفع صوته في الركعتين الأوليين من غير الظهرين وهما الظهر والعصر، وهذا من باب التغليب كما يقال " الفجران والقمران ".
فهنا يسمع الإمام من خلفه التكبير كما يسمعهم القراءة في الركعتين الأوليين من صلاة المغرب والعشاء ومن صلاة الفجر، ورفع الصوت بالقراءة مشروع للإمام بالإجماع في الركعتين الأوليين من غير الظهر والعصر.
قال: (وغيره نفسه)
أي غير الإمام وهو المأموم والمنفرد يسمع نفسه، فيجب على من كان مأموماً أو منفرداً أن يسمع نفسه القراءة فيحرك لسانه بالحروف فينطق بها بحيث أنه يسمع نفسه.
والمراد هنا: ما لم يكن هناك عارض يمنع من سماع، فإن كان هناك عارض كأن يكون هناك أصوات أو لا يتمكن من إسماع نفسه كالعاجز عن الكلام أو كان لا يسمع نفسه كغير السميع فإنه يتلفظ بالقراءة والتكبير بحيث يسمع نفسه إن كان سميعاً أو يسمع نفسه لو لم يكن هناك هذا العارض الذي يمنع السماع.
إذن: يرفع صوته بالقراءة والتكبير بحيث يسمع نفسه لو كان ليس ثمت عارض يمنعه من السماع.
- واختار شيخ الإسلام وهو مذهب المالكية ومذهب بعض الأحناف وهو وجه عند الحنابلة – كما قال شيخ الإسلام –: أنه يحرك لسانه بالحروف ولو لم يسمع نفسه، فليس شرطاً أن يسمع نفسه، فالشرط هو أن ينطق بالحروف، والنطق بالحروف هو تحريك اللسان بها وخروج الحروف من اللسان، فإذا خرجت الحروف من اللسان وحرك اللسان بها، فإن هذا كاف ولو لم يسمع – وهذا هو الظاهر – فإن إسماع نفسه لا دليل عليه.
وكونه قولاً، يثبت ذلك بمجرد إخراجه للحروف من لسانه، وليس بشرط القول والكلام أن يسمع نفسه أو يسمع غيره، بل شرط ذلك أن يتكلم بالحروف بصوت، فمتى خرجت الحروف وتحرك اللسان بها فهذا هو الكلام.
فإن كان ممن لا يمكنه أن يتكلم كأخرس أو نحوه: فإنه ينوي بقلبه التكبير ولا يحرك لسانه في أصح الوجهين في مذهب الإمام أحمد، واختار ذلك الموفق.
والقول الثاني: أنه يحرك لسانه؛ لأن المتكلم يحرك لسانه فينطق، فكان عليه أن يحرك لسانه كذلك، فكونه عاجز عن النطق لا يسقط عنه حركة اللسان.
لكن الراجح: القول الأول: وأنه لا يشرع أن يحرك لسانه بل ينوي بقلبه، لأن تحريك اللسان بحيث لا فائدة منه.
وإنما يحرك المتكلم لسانه لتخرج الحروف فينطق بها وحيث لم يكن ذلك فإنه لا فائدة من تحريك اللسان بالحروف.
وظاهر قوله: (وغيره نفسه) : إن هذا في المفرد مطلقاً سواء كان يصلي صلاة سرية أو جهرية، فلا يشرع له الجهر بالقراءة، وسواء كانت أداءً أو قضاءً.
وظاهره أيضاً – وهو المذهب – أن المرأة لا يشرع لها أن تجهر بصوتها مطلقاً سواء كانت في جماعة أو منفردة، وهو المشهور في المذهب.
- واختار شيخ الإسلام: أن المرأة يشرع لها الجهر إن كانت تصلي في جماعة.
وهذا هو الظاهر: وأنها يشرع لها الجهر إن صلت في جماعة لمصلحة الإسماع، ولأن النساء شقائق الرجال.
والصحيح أيضاً وهو قول في المذهب: أن المرأة يشرع لها أن تجهر مطلقاً وإن صلت وحدها صلاة تجهر بها، لقوله صلى الله عليه وسلم: (صلوا كما رأيتموني أصلي) ، والنبي صلى الله عليه وسلم كان يجهر بالصلاة فيشرع الجهر بها لمن صلى وحده منفرداً، ذكراً كان أو أنثى.
وهذا أحد القولين في المذهب أيضاً: وأن المنفرد إذا صلى الصلاة الجهرية فيشرع له الجهر، سواء كانت أداءً أو قضاءً، لحديث: (صلوا كما رأيتموني أصلي) ، وهذا يدخل فيه المنفرد.
فإن قيل: إنما شرع الجهر لإسماع المأمومين؟ فالجواب: ليس هذا بمسلم، بل الأظهر أن هذا إنما شرع أصلاً، وإنما شرع للإمام أن يزيد رفع صوته ليسمع المأمومين، وأما مجرد الجهر فإنه لا دليل على أنه إنما شرع للإسماع، وإنما لهذه الصلوات خصيصة في الصوت بها حيث أنها في وقت سكون وهدوء، فيشرع لمن لم يصل خلف الإمام أن يجهر، ويشرع للإمام أن يزيد في الجهر.
فالراجح وهو قول في المذهب إنه يشرع في الصلاة الجهرية الجهر بما يصدق عليه أنه جهر، وليس كجهر الإمام.
ومثله المرأة فيشرع لها إذا صلت في جماعة أو منفردة أن تجهر بصوتها بحيث يصدق عليه أنه جهر لا برفع صوتها رفعاً شديداً، فذلك إنما يشرع للإمام، وهي كذلك إذا صلت إمامة للنساء فيشرع لها أن تجهر بصوتها بحيث تسمع من خلفها.
وهذا الحكم حيث لم يكن هناك أجنبي، فإن كان هناك أجنبي فلا يشرع الرفع مطلقاً سواء في جماعة أو غيرها؛ لكونه ينافي ما تؤمر به المرأة من الستر ولما في ذلك من دواعي الفتنة.
مسألة:
والمذهب قولاً واحداً في أن رفع اليدين مشروع للإمام والمأموم والمنفرد؛ لعمومات الأحاديث.
لكن اختلفوا في المرأة: هل تدخل في ذلك أم لا؟
قولان في المذهب:
القول الأول: أنها ترفع يديها، وقد رواه الخلال عن أم الدرداء وحفصة بنت سيرين 1 وكانتا فقيهتين وهو قول طاووس.
ودليله: أن النساء شقائق الرجال، وأنهن مأمورات بالاقتداء بالنبي صلى الله عليه وسلم كما أن الرجال مأمورون بذلك: (صلوا كما رأيتموني أصلي) ولا دليل يخصص الرجال بهذا الحكم، والأصل أن النساء شقائق الرجال ولا دليل على التخصيص.
القول الثاني: أنه لا يشرع لهن ذلك كالتجافي الذي تنهى عنه المرأة وذلك لكونه ينافي الستر.
والراجح القول الأول؛ لأن هذا لا ينافيه مطلقاً إلا إذا كان هناك أجنبي.
فإن كان هناك أجنبي فلا يشرع لها ذلك؛ لأنه قد يظهر شيء منها فلا يشرع ذلك.
أما إن لم يكن هناك أجنبي فيشرع لها ذلك.
إذن: إنما تمنع المرأة عن التجافي ورفع اليدين ونحو ذلك مما فيه منافاة للستر من أحكام الصلاة حيث كان هناك أجنبي، أما إذا لم يكن هناك أجنبي فلا معنى لمنعها، والأصل بقاؤها على حكم الرجال إلا أن يدل دليل على التخصيص، ولا دليل.
والحمد لله رب العالمين.
الدرس الثاني والسبعون (يوم الاثنين: 22 /3 /1415هـ)
قال المصنف رحمه الله تعالى: (ثم يقبض على كوع يسراه تحت السرة)
الكوع: هو العظم الناتئ الذي يقابل الإبهام وهو عند الرسغ.
وهذه الجملة فيها ثلاثة مسائل:
المسألة الأولى:
أن المستحب للمصلي أن يضع يده اليمنى على يده اليسرى في الصلاة.
فقد ثبت في البخاري عن سهل بن سعد قال: (كان الناس يؤمرون أن يضع الرجل يده اليمنى على ذراعه اليسرى في الصلاة) (1) ، وفي مسلم من حديث وائل بن حجر: أن النبي صلى الله عليه وسلم: (وضع يده اليمنى على يده اليسرى في الصلاة) 2 فالمستحب أن يضع يده اليمنى على اليسرى فلا يرسل يديه.
المسألة الثانية:
في صفة الوضع: فيها صفتان ثابتتان عن النبي صلى الله عليه وسلم:
الصفة الأولى: القبض، فيقبض بيمينه على شماله بأن يمسك كف اليسرى بباطن كف اليمنى.
ودليلها: ما ثبت في سنن النسائي من حديث وائل بن حجر قال: (رأيت النبي صلى الله عليه وسلم إذا كان قائماً في الصلاة يقبض بيمينه على شماله) 3 .
الصفة الثانية: أن يضع يده اليمنى من غير قبض على كفه اليسرى والرسغ والساعد.
ودليلها: ما ثبت في سنن النسائي: من حديث وائل بن حجر، وهو حديث طويل وفيه: (وضع يده اليمنى على كفه اليسرى والرسغ والساعد) 1
المسألة الثالثة:
في محل الوضع، هل المستحب أن يده على الصدر أو تحت السرة أو فوقها تحت الصدر؟
ثلاثة أقوال لأهل العلم:
1- المشهور عند الحنابلة: أن المستحب أن يضع يديه تحت السرة.
واستدلوا:
بما روى أحمد وأبو داود عن علي قال: (من السنة وضع اليمنى على الشمال تحت السرة) 2 وفيه عبد الرحمن بن إسحاق الواسطي وهو متروك الحديث، فعلى ذلك إسناده ضعيف جداً.
2- القول الثاني، وهو رواية عن الإمام أحمد وهو المشهور عند الشافعية: أنه يضعهما فوق سرته وتحت صدرته 3 .
واستدلوا:
بما رواه ابن خزيمة عن وائل بن حجر قال: (صليت مع النبي صلى الله عليه وسلم فوضع يده اليمنى على اليسرى على صدره) 1 ، والحديث فيه مؤمل بن إسماعيل وهو ضعيف لكن له شاهدان:
الشاهد الأول: عند أحمد مرفوعاً وموصولاً من حديث هُلْب الطائي لكن الحديث ضعيف.
والثاني عند أبي داود من حديث طاووس مرسلاً وسنده صحيح إلى طاووس، ويصلحان شاهدين له فيكون الحديث حسناً بشواهده فالحديث من ثلاثة أوجه.
لكن الاستدلال به على هذا القول فيه نظر؛ لأن أهل هذا القول لا يقولون بأنه يضع يديه على الصدر بل تحت الصدر وفوق السرة.
وإنما يصلح دليلاً لأهل القول الثالث، وهو قول للشافعي وقول إسحاق بن راهوية وهو مذهب لبعض المالكية: أن السنة أن يضع اليدين على الصدر.
وهذا أوجهها لما تقدم فالحديث حسن بشاهديه، ولم يعارضه معارض ينظر فيه، والحديث المتقدم إسناده ضعيف جداً.
فالراجح: أن السنة أن يضع يديه على صدره أي بأن يضعهما قريباً من النحر على عظام الصدر وبين الثندؤتين.
قال: (وينظر مسجده)
هذه سنة من سنن الصلاة وهي أن ينظر إلى مسجده أي إلى موضع سجوده.
قالوا: لأن ذلك أخشع للصلاة، وهو كذلك أبعد عن النظر إلى السماء المنهي عنه وهي حالة يتبين فيها خشوع الأعضاء لله عز وجل، وقد وردت فيها بعض الآثار.
فقد روى البيهقي عن سليمان الخولاني عن أبي قلابة قال: حدثني عشرة من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم عن صلاة النبي صلى الله عليه وسلم في قيامه وركوعه وسجوده بنحو من صلاة أمير المؤمنين - يعني عمر بن عبد العزيز – قال سليمان: (فرمقت عمر في صلاته فكان ينظر إلى موضع سجوده) 1 والحديث فيه صدقة وهو ضعيف.
لكن له شاهد مرسل عند الحاكم، ورواه الحاكم موصولاً من حديث أيوب عن محمد بن سيرين عن أبي هريرة وقد أخطأ بعض الرواة فوصله، وعامة الرواة أنه مرسل، قال الذهبي: " والصحيح مرسل ".
ولفظه: (أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يرفع بصره إلى السماء فلما نزلت: ﴿قد أفلح المؤمنون الذين هم في صلاتهم خاشعون﴾ طأطأ رأسه) (2) فهذا يدل على أنه يطأطأ رأسه وحيث كان كذلك فإن بصره إلى موضع سجوده.
إذن: المستحب كما قرر الحنابلة ويد عليه ما تقدم من الآثار ويعضدها المعنى: أن المستحب للمصلي أن يرمي ببصره إلى موضع سجوده، سوى ما يأتي من التشهد من كونه يستحب له أن يرمي ببصره إلى السبابة كما ثبت هذا في صحيح ابن خزيمة وسيأتي.
قال: (ثم يقول: سبحانك اللهم وبحمدك وتبارك اسمك وتعالى جدك ولا إله غيرك)
" سبحانك اللهم ": أي تنزيهاً لك اللهم.
" وبحمدك ": أي وبحمدك سبحتك.
" وتبارك اسمك ": أي كثر خير أسمائك وثبت.
" وتعالى جدك ": أي تعالت عظمتك وشرف قدرك.
" لا إله غيرك ": أي لا إله في الوجود على الحقيقة غيرك.
هذا هو الاستفتاح، فيستحب أن يستفتح الصلاة بشيء مما ورد من الاستفتاحات عن النبي صلى الله عليه وسلم.
وقد رواه أبو داود والترمذي من حديث عائشة: أن النبي صلى الله عليه وسلم: كان يستفتح صلاته فيقول: (سبحانك اللهم وبحمدك) 1 الحديث.
وهو ثابت عند الخمسة من حديث أبي سعيد الخدري 2 وهو ثابت من قول عمر في مسلم منقطعاً ووصله الدارقطني بإسناد صحيح: (أن عمر كان يستفتح بسبحانك اللهم يجهر بذلك يُسمعنا ويُعلمنا) 3
وقد اختاره الإمام أحمد لكون عمر كان يعلمه الصحابة وإلا فسائر الاستفتاحات الواردة عن النبي صلى الله عليه وسلم حسنة، بل السنة أن يفعل هذا تارة وهذا تارة.
ومن ذلك ما ثبت في الصحيحين عن أبي هريرة قال: كان النبي صلى الله عليه وسلم: إذا كبر للصلاة سكت هنيهة فسألته فقال: أقول: (اللهم باعد بيني وبين خطاياي كما باعدت بين المشرق والمغرب، اللهم نقني من خطاياي كما ينقى الثوب الأبيض من الدنس، اللهم اغسلني من خطاياي بالماء والثلج والبرد) 1 ، وهي أنواع كثيرة هذا منها.
ولعل عمر إنما كان يستفتح بما تقدم لسهولة حفظه ولما فيه من الوحدانية لله والتعظيم له، ولذلك اختاره الإمام أحمد واستحسن غيره من الاستفتاحات الواردة عن النبي صلى الله عليه وسلم.
إذن: الاستفتاح سنة.
والسنة فيه الإسرار كما تقدم من حديث أبي هريرة فإنه قال: (سكت هنيهة) فلم يكن يسمعه، وإلا لم يحتج إلى سؤاله.
وإنما كان عمر يجهر به للتعليم، فحيث كان ذلك بأن يكون الناس محتاجين إلى تعليم فلا بأس به فهو فعل عمر، وإلا فالسنة الإسرار.
ومن مسائله:
أنه إن نسيه أو تركه عمداً حتى شرع في الاستعاذة فلا يشرع له أن يستفتح بعد؛ لأنها سنة وقد فات محلها – كما قرر هذا الحنابلة وغيرهم.
قال: (ثم يستعيذ)
يستعيذ بالله من الشيطان الرجيم للقراءة قال تعالى ﴿فإذا قرأت القرآن فاستعذ بالله من الشيطان الرجيم﴾ 2
وثبت عند الخمسة من حديث أبي سعيد الخدري:أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يقول في استعاذته في الصلاة: (أعوذ بالله السميع العليم من الشيطان الرجيم من همزه ونفخه ونفثه) (3)
همزه: أي الجنون وهو مس الجن.
ونفخه: وهو الكبر، ونفثه: وهو الشعر القبيح، والحديث حسن.
فهذا مما ورد عن النبي صلى الله عليه وسلم في الاستعاذة.
فإن استعاذ بقول: (أعوذ بالله من الشيطان الرجيم) فهو حسن أيضاً لقوله تعالى: ﴿فاستعذ بالله من الشيطان الرجيم﴾
وإن قال: (أعوذ بالله السميع العليم من الشيطان الرجيم) فهو حسن أيضاً لورود آية أخرى فيه.
وهل هي سنة أم واجب؟
جمهور أهل العلم: أنها سنة، وهي عندهم سنة في القراءة مطلقاً في الصلاة وغيرها.
وعن الإمام أحمد واختاره طائفة من كبار أصحابه المتقدمين وهو مذهب الظاهرية ومذهب عطاء: أنها واجبة للأمر القرآني: ﴿فاستعذ بالله﴾ وظاهر الأمر الوجوب، وهو قول قوي.
واختلف أهل العلم هل تشرع الاستعاذة في كل ركعة أم لا تشرع إلا في الركعة الأولى؟
- المشهور عند الحنابلة: أنها لا تشرع إلا في الركعة الأولى، أما في الركعات الثانية فلا يقال باستحباب ذلك وتأكيده فإن فعل فذلك حسن وإلا فلا يقال بمشروعيته كمشروعيته في الركعة الأولى.
واستدلوا: بما رواه مسلم عن أبي هريرة: قال: (كان النبي صلى الله عليه وسلم إذا نهض من الركعة الثانية استفتح بالحمد لله رب العالمين ولم يسكت) 1 قالوا: هذا يدل على أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يستفتح بالحمد لله رب العالمين ولا يسكت، والاستعاذة تحتاج إلى سكوت. - والقول الثاني، وهو رواية عن الإمام أحمد وهو مذهب الشافعية: أنه يشرع له أن يستعذ في كل ركعة.
ذلك لقوله تعالى: ﴿فإذا قرأت القرآن فاستعذ بالله﴾ (2) وظاهر الآية أنه يشرع له كلما قرأ أن يستعيذ، وكل ركعة لها قراءتها فإن بين الركعات فواصل من ركوع وسجود وقيام ونحو ذلك وذكر ونحوه.
بخلاف سجدة التلاوة، فإن سجدة التلاوة التي تخلل الصلاة من متعلقات القراءة فهي سجدة للقراءة، أما هذا السجود وهذا القيام والركوع في الصلاة فهي منفصلة عنها، فالقراءة ركن كما أن ما تقدم ذكره أركان من أركانها فليست بمتصلة فيها إلا حديث أنها من الصلاة، ففرقٌ بينهما.
وأجابوا عن الحديث المتقدم: بأن قول أبي هريرة: (لم يسكت) أي لم يسكت سكوتاً كسكوته في الركعة الأولى وهو السكوت الذي نقله هنا، فإنه سأل النبي صلى الله عليه وسلم عن سكوته في الصلاة فأخبره النبي صلى الله عليه وسلم أنه يقول: (اللهم باعد ….) ، فقد سأله عن تلك السكتة لكونها سكتة خارجية عن طبيعة السكوت الذي يكون الذي يكون قبيل القراءة، وأما المذكور في قوله: (ولم يسكت) أي لم يسكت كسكوته في الاستفتاح ولهذا نجمع بين الآية وبين ما ورد عن النبي صلى الله عليه وسلم.
فيكون قول أبي هريرة " لم يسكت " أي لم يسكت سكوتاً خارجاً عن السكوت الطبيعي الذي يكون قبيل القراءة للاستعاذة والبسملة، وإنما شرع بالحمد لله رب العالمين لم يسكت كسكوته الأول للاستفتاح فيكون ذلك لنفي الاستفتاح وأنه إنما هو مشروع في الركعة الأولى دون الركعات الأخر.
وهذا القول هو الأرجح وأنه يستعيذ في كل ركعة.
قال: (ثم يبسمل سراً وليست من الفاتحة) أي يقول: " بسم الله الرحمن الرحيم " يقولها سراً.
أما كونه يقول: " بسم الله الرحمن الرحيم " لما ثبت في النسائي عن نعيم المجمر قال: (صليت وراء أبي هريرة فقرأ " بسم الله الرحمن الرحيم " ثم قرأ بأم القرآن) وفيه أنه قال بعد ذلك " والذي نفسي بيده إني لأشبهكم صلاة بصلاة رسول الله صلى الله عليه وسلم " 1
ولأن البسملة يشرع أن يفتتح بها السور مطلقاً كما ثبت في مسلم وغيره من قراءة النبي صلى الله عليه وسلم ﴿إنا أعطيناك الكوثر﴾ لما نزلت عليها 2 فقرأ: (" بسم الله الرحمن الرحيم " ﴿إنا أعطيناك الكوثر﴾ …) 3
وثبت في أبي داود بإسناد صحيح إلى أن ابن عباس قال: (كان النبي صلى الله عليه وسلم لا يعرف الفصل بين السور إلا إذا نزلت بسم الله الرحمن الرحيم) 4
فهي مما تفتتح به السور وهو كذلك فاصل بين السور.
ومشروعية البسملة مما اتفق عليه أهل العلم.
" سراً ": لا جهراً، فلا يشرع الجهر بها.
وهذه المسألة اختلف فيها أهل العلم:
1- فذهب الجمهور من الصحابة والتابعين وأهل العلم: إلى القول باستحباب الإسرار بالبسملة وعدم مشروعية الجهر بها وهو مذهب الحنابلة.
واستدلوا:
بما ثبت في الصحيحين عن أنس بن مالك: (أن النبي صلى الله عليه وسلم وأبا بكر وعمر كانوا يفتتحون الصلاة بالحمد لله رب العالمين) 5 .
زاد مسلم: (لا يذكرون بسم الله الرحمن الرحيم في أول القراءة ولا آخرها) وفي أحمد والنسائي: (لا يجهرون ببسم الله الرحمن الرحيم) 1 وعند ابن خزيمة: (يسرون) (2) .
وثبت في الترمذي من حديث ابن عبد الله بن مغفل قال: سمعني أبي وأنا في الصلاة أقول: " بسم الله الرحمن الرحيم " فقال أي بني محدث إياك والحدث قال: ولم أر أحداً من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم كان أبغض إليه الحدث في الإسلام منه قال: صليت مع النبي صلى الله عليه وسلم ومع أبي بكر ومع عمر ومع عثمان فلم أسمع أحداً منهم يقولها " جهراً " فلا تقلها إذا أنت صليت فقل: " الحمد لله رب العالمين " 2 والحديث حسنه الترمذي وهو كما قال وأما ما ذكره ابن عبد البر والبيهقي وغيرهما: أن الحديث فيه جهالة ابن عبد الله، فإن هذا ليس بصحيح، كما قرر ذلك الزيلعي، وأن ابن عبد الله بن مغفل قد روى عنه ثلاثة فزالت عنه بذلك جهالة العين، ولم يأت بحديث منكر بل أحاديثه كلها مستقيمة تجد لها المتابع والشاهد فليس من أحاديثه ما ينكر عليه، وقد حسن حديثه الترمذي وهذا حديث يوافق ما ثبت عن أنس؛ فالحديث حسن لا بأس به.
2- والقول الثاني، وهو مذهب الشافعية فقالوا بمشروعية الجهر بالبسملة.
وعامة أدلتهم لا تصح ولا تثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم فكلها موضوعة أو ضعيفة كما قرر هذا شيخ الإسلام وغيره.
إلا ما رواه النسائي وغيره بسنده الصحيح إلى نعيم المجمر: قال صليت وراء أبي هريرة فقرأ: " بسم الله الرحمن الرحيم " ثم قرأ بأم القرآن وفيه أنه قال: (إني أشبهكم صلاة بصلاة رسول الله صلى الله عليه وسلم) 1
قالوا: فهذا يدل على مشروعية الجهر إذ لو لم يجهر أبو هريرة لم يسمعه نعيم وقد عزا ذلك إلى النبي صلى الله عليه وسلم بقوله: (إني لأشبهكم)
لكن الحديث ليس بصريح في الدلالة:
فيحتمل أن يكون نعيم قد سمعه وهو يسر بها وكان من الصالحين وكان هو الذي يجمر مسجد المدينة فلا يبعد أن يكون قريباً من أبي هريرة فسمعه وهو يقولها، كما سمع رجل أبا بكر في الركعة الثالثة من صلاة المغرب وهو يقرأ ﴿ربنا لا تزغ قلوبنا بعد إذ هديتنا﴾ 2 .
ثم إن نعيماً قد تفرد برواية هذه اللفظة عن سائر الرواة عن أبي هريرة كما قرر ذلك ابن القيم، فكل الرواة لم يذكروا هذه اللفظة وتفرد بها نعيم فكانت مظنة الضعف، وقد خالفها ما تقدم من الأحاديث الصحيحة.
وهناك احتمال آخر وهو أن أبا هريرة إنما جهر بها للتعليم، وللإخبار بأن النبي صلى الله عليه وسلم كان يقولها كما كان عمر يجهر بالاستفتاح للتعليم.
وقد قال: " إني لأشبهكم صلاة بصلاة رسول الله صلى الله عليه وسلم " والمشابهة لا تقتضي المماثلة.
فالأحاديث التي استدلوا بها: إما أحاديث ضعيفة وعامتها كذلك، أو صحيحة وليست صريحة وهذا إنما هو حديث نعيم المجمر مع ما تقدم من تفرد نعيم وهو مظنة الضعيف، وعلى القول بقبوله وتحمل تفرده فله احتمالان:
أن يكون سمعه وهو قريب منه يسرّ بها.
أن يكون إنما جهر بها للتعليم كفعل عمر ولم يخبرهم بذلك لكونهم قد تقرر عندهم عدم مشروعية ذلك وأن هذا من الأمور المحدثة والعلم عند الله تعالى.
قال: " وليست من الفاتحة ":
فهي ليست من الفاتحة كما هو مذهب الإمام أحمد واختيار شيخ الإسلام.
كما ثبت في مسلم أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: قال الله تعالى: (قسمت الصلاة بيني وبين عبدي قسمين ولعبدي ما سأل، فإذا قال: العبد الحمد لله رب العالمين قال الله: حمدني عبدي فإذا قال: الرحمن الرحيم قال الله: " أثنى عليَّ عبدي " 1 الحديث
ولم يذكر البسملة
وقد تقدم أنها إنما نزلت للفصل بين السور كما قاله ابن عباس 1 .
ولو قلنا إنها من الفاتحة لوجبت قراءتها وكانت فريضة سواء قلنا بالإسرار أو الجهر، ولقلنا بالجهر بها لأنها أسوة غيرها من آيات الفاتحة.
لكن الراجح ما تقدم وأنها ليست بآية من الفاتحة 2 .
والحمد لله رب العالمين
الدرس الثالث والسبعون (يوم الثلاثاء: 23 / 3 / 1415هـ)
قال المؤلف رحمه الله: (ثم يقرأ الفاتحة)
فيقرأ المصلي فاتحة الكتاب فرضاً لقوله صلى الله عليه وسلم: (لا صلاة لمن لا يقرأ بأم القرآن) 3 متفق عليه.
وقد اتفق أهل العلم على فرضية قراءتها على الإمام والمنفرد.
واختلفوا في حكم قراءتها على المأموم:
- والمشهور في المذهب: عدم وجوب قراءتها عليه، وسيأتي البحث في هذا عند قول المؤلف في باب صلاة الجماعة " ولا قراءة على مأموم "
فإذن: يقرأ الفاتحة بشداتها وآياتها كلها وقد تقدم أن " بسم الله الرحمن الرحيم " ليس منها فيقرأ من قوله ﴿الحمد لله رب العالمين﴾ إلى ﴿ولا الضالين﴾ وأما لفظة " آمين " فهي ليست من الفاتحة إجماعاً.
وشدات الفاتحة إحدى عشرة شدة – وإذا أسقط شدة فقد أسقط حرفاً، ومتى أسقطها فقد أنقص في قراءتها.
ويقرأها قراءة عربية لا تحيل المعاني، فإذا قرأها قراءة غير عربية لم تجزئه لقوله تعالى: ﴿قرآناً عربياً﴾ (1) وقال تعالى: ﴿بلسان عربي مبين﴾ (2) ولا يكون قرآناً إذا قرأ بغير العربية أي ترجم؛ للآية المتقدمة، فإذا قرأ بغير العربية لم يجزئه.
وإذا قرأ بالعربية ولحن فإن قراءته إن كان اللحن فيها يحيل المعاني فإنها لا تصح فإذا قال: ﴿أنَعمتُ﴾ أو ﴿إياك﴾ 1 ونحوها، فإن القراءة لا تصح، لأن هذه تحيل المعاني.
أما إذا كان لا يحيل المعنى فالقراءة لا تبطل به.
ويجب أن يقرأها مرتبة متوالية فقد كان النبي صلى الله عليه وسلم يقرأها كذلك وقال: (صلوا كما رأيتموني أصلي) 2 .
فإن كان غير حافظ للفاتحة فيجب عليه أن يتعلمها ما لم يتضايق الوقت، لأن ما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب.
أما إذا ضاق الوقت فإنه يصلي على حسب حاله.
- وهنا مسائل يذكرها الفقهاء عند هذه المسألة: فمنها: إذا كان يحسن من الفاتحة آية فأكثر فإنه يقرؤها لقوله تعالى: ﴿فاتقوا الله ما استطعتم﴾ 3 وقوله صلى الله عليه وسلم: (إذا أمرتكم بأمر فاتقوا منه ما استطعتم) 4 وهل يجب عليه أن يكررها بقدر الفاتحة؟