فإذا كان هناك أذى بين أسنانه فلم يتمكن من إخراجه إلا بالخلال، فإنه يفعل ذلك.
وإن كان عليه وسخ شديد لا يمكن أن يزال إلا بالأشنان ونحوه وبصب الماء الحار ونحو ذلك، فإنه يفعل.
قال: [ويقص شاربه ويقلم أظافره]
هذا هو المشهور في المذهب، وهو مذهب إسحاق وسعيد بن المسيب وابن جبير والحسن البصري، قالوا: يستحب تقليم الأظافر وقص الشارب.
وهل يستحب نتف الإبطين؟
المشهور في المذهب كذلك.
وهل تحلق العانة؟
وجهان في مذهب الحنابلة:
الأول: أنه يستحب ذلك بشرط أن يكون ذلك بمزيل من غير أن ينظر إلى عورته.
الثاني: أنه لا يستحب ذلك.
وقال جمهور العلماء: بل لا يستحب شيء من ذلك كله، بل يبقى الميت على هيئته.
وقال بعض الحنابلة: يستحب ذلك إن كان فاحشاً كثيراً.
وهذا – فيما يظهر لي – أظهرها؛ وذلك لأن هذا الشيء الكثير الفاحش من التطهر والتنظف إزالته.
بخلاف مجرد طول في الشارب والإبطين والأظافر، فإن مثل هذا قد لا يحتاج إلى إزالته إلا بعد أن يمر عليه الوقت المحدد، وهو أربعون يوماً.
ولأنه إذا كان طوله ليس بفاحش، فلا يكون مستنكراً إلا مع مرور المدة المتقدمة التي وقّتها النبي - صلى الله عليه وسلم -.
ولم يصح لنا أن النبي - صلى الله عليه وسلم - ولا عن أصحابه أنهم كانوا يفعلون ذلك، فكان المستحب إبقاء ذلك كله إلا أن يكون فيه فحش، فإنه يزال من باب التنظف والتطهر، والله أعلم.
- استحب الحنابلة – أيضاً – أن تخضب اليدان ونحوها بالحناء.
وقال بعض الحنابلة: لا يستحب ذلك إلا أن يكون ممن اعتاده في الحياة، وهذا حسن.
أما الأول، فهو ضعيف؛ لعدم الدليل عليه، أما من اعتاده في الحياة فلا بأس بذلك.
قال: [ولا يسرح شعره] قالوا: لعدم وروده.
وقال الشافعية: بل يستحسن ذلك، فيسرح شعره وظفره، فيستحسن كما يفعل ذلك بشعر المرأة، فلا فرق في هذا بين المرأة والرجل، لاسيما إذا كان شعر الرجل طويلاً، فإنه يحتاج إلى جمع وتسريح ونحو ذلك.
وقد ثبت هذا في شعر المرأة كما سيأتي من حديث أم عطية، قالوا: فكذلك الرجل.
وقال بعض الحنابلة: يستحب أن يكون ذلك بمشط ذي أسنان متباعدة؛ لئلا يؤدي ذلك إلى تساقط شعره.
والأمر – فيما يظهر لي – واسع، فإن فعل هذا، فهو حسن.
قال: [ثم ينشف بثوب]
إذا انتهى من تغسيله، فإنه ينشف بثوب؛ لئلا يبتل الكفن بالماء، فكان المستحب ذلك؛ لئلا يبتل الكفن بالماء.
قال: [ويضفر شعرها ثلاثة قرون ويسدل وراءها]
لقول أم عطية في غسلها لابنة النبي - صلى الله عليه وسلم -: (وظفرناها ثلاثة قرون فألقيناها خلفها) .
وهذا كان بأمر النبي - صلى الله عليه وسلم - - كما في رواية ابن حبان – أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: (اظفرن شعرها ثلاثة قرون) .
ولا بأس أن يكون ذلك مع المشط، فقد ثبت في رواية مسلم: (ومشطناها ثلاثة قرون) .
فيكون تسريح ومشط، وتظفر ثلاثة قرون، هذا هو المستحب كما فعل بابنة النبي - صلى الله عليه وسلم - بأمر منه عليه الصلاة والسلام.
قال: [وإن خرج منه شيء بعد سبع حشي بقطن، فإن لم يستمسك فبطين حر]
إذاً: قبل السبع كل ما خرج منه شيء، فإنه يغسل، أي يعاد الغسل كاملاً، وهو كما تقدم قول ضعيف.
أما إذا وصل إلى السبع، فلا يعاد؛ لذا قال: " وإن خرج منه شيء بعد سبع، حشي بقطن، فإن لم يستمسك فبطين حُر - أي خالص صلب – يمنع من خروج الخارج، أو نحوه مما يمنع من خروج الخارج عن الميت.
قال: [ثم يغسل المحل ويوضأ]
ولم يقل: إنه يغسل بدنه – كما في المسألة السابقة –، بل يكتفى حينئذ بغسل المحل وبالوضوء.
فالمشهور في المذهب: أنه إذا خرج منه شيء بعد الثالثة، أعيدت رابعة فخامسة، حتى تكون سبعاً، فإذا خرج شيء بعد السابعة، فلا يعاد التغسيل، بل يكتفى بغسل المحل مع الوضوء.
والراجح – ما تقدم -، وأن الإنقاء إذا حصل بثلاث، فخرج شيء من الخارج، فإنا نكتفي بغسل المحل والوضوء، كما هو مذهب الجمهور، بل الأصح ألا يوضأ، ويكتفى بغسل المحل، كما تقدم ذلك.
قال: [وإن خرج بعد تكفينه لم يعد الغسل]
كذلك إذا كفن وانتهى من تغسيله، فخرج منه شيء، فإنه لا يعاد الغسل، بل يكتفى بإزالة هذا الخارج وتنظيفه.
وهل يوضأ أم لا؟
قولان لأهل العلم:
القول الأول: ما تقدم، أنه يوضأ.
الثاني، وهو رواية عن أحمد: أنه لا يوضأ، وهو أرجح؛ لأن الوضوء فيه مشقة، وللفارق – كما تقدم – بين الحي والميت، والله أعلم.
والحمد لله رب العالمين.
الدرس السادس والأربعون بعد المئة
(يوم الاثنين: 17 /7 / 1415 هـ)
قال المؤلف رحمه الله تعالى: (ومُحْرِمٌ ميت كحي) أي أن أحكام الميت المحرم الذي يموت في إحرام حج أو عمرة هو حكم الميت من غير المحرم، وقد تقدم صفة غسل الميت فلا فرق في تلك الصفة بين الميت المحرم في حج أو عمرة أو غيره إلا ما يذكره المؤلف.
قال: (يغسل بماء وسدر ولا يقرب طيباً)
فلا يمس طيباً، ومن ذلك الكافور فقد تقدم أنه يستحب أن يجعل في الغسلة الثالثة للميت.
أما المحرم فلا يجعل فيه كافور ولا غيره من الأطياب.
قال: (ولا يلبس ذكره مخيطاً) فالذكر لا يلبس مخيطاً، بل يكفن في ثوبيه غير المخيطين، فلا يلبس قمص ونحو ذلك، بل يكون عليه ثوبا الإحرام اللذين أحرم بهما.
قال: (ولا يغطى رأسه) فلا يوضع على رأسه شيء بل يبقى مكشوفاً.
قال: (ولا وجه أنثى)
فيبقى وجه الأنثى مكشوفاً، لأن إحرام المرأة في وجهها كما هو مقرر في مذهب الحنابلة وسيأتي البحث في هذه المسألة في بابها في كتاب الحج، هذا حكم المحرم الميت.
ودليل ذلك: ما ثبت في الصحيحين عن ابن عباس رضي الله عنه: أن رجلاً كان مع النبي صلى الله عليه وسلم فوقصته ناقته وهو محرم فمات فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (اغسلوه بماء وسدر وكفنوه في ثوبيه ولا تمسوه بطيب ولا تخمروا رأسه فإنه يبعث يوم القيامة ملبياً) 1
قال: (ولا يغسل شهيد معركة)
الشهيد: وهو شهيد المعركة لا يغسل، بل يدفن بدمه وثوبه على وجه الخصوص.
ودليل ذلك: ما ثبت في البخاري عن جابر قال: أن النبي صلى الله عليه وسلم: (أمر بدفن شهداء أحد بدمائهم ولم يغسلهم ولم يصل عليهم) 2 ، وقال صلى الله عليه وسلم كما في مسند أحمد وسنن النسائي بإسناد صحيح: (زملوهم بدمائهم فإنه ليس كَلْم يُكلم به في سبيل الله إلا جاء يوم القيامة يدمى لونه لون الدم وريحه ريح المسك) 3
فالحكمة من تركه بدمه من غير تغسيل، أنه يأتي يوم القيامة وهو يدمى وهذا الدم منه لونه لون الدم وريحه ريح المسك، وهذا لبقاء الأثر لهذه الطاعة العظيمة، وهي طاعة الجهاد في سبيل الله، فهذا الحكم خاص في شهيد المعركة.
ويلحق به الشهيد في سبيل الله بأيدي من خرج على إمام عادل، فإن من كان في فريق الإمام العادل، وخروج الخارجون عليه وإن كانوا مسلمين فمن قتل منهم فله هذا الحكم لا يغسل، لأنه قد قتل في سبيل الله كما أن شهيد المعركة – مع الكفار – قد قتل في سبيل الله، وروى البيهقي في سننه أن عماراً دفن بدمه ولم يصل عليه علي رضي الله عنه 1 ، وكان مع أولى الطائفتين بالحق.
فشهيد المعركة سواء كان مقتولاً من جهة الكفار، أو كان مقتولاً من جهة المسلمين في حرب كان هو مع الصف الذي هو على الحق – فله هذا الحكم – من ترك تغسيله.
وأما الشهيد غير ذلك كالشهيد بالغرق أو الطاعون أو المبطون والنفساء ونحو ذلك مما ثبت بالأدلة الشرعية أنه شهادة فإن هذا يغسل ويصلى عليه باتفاق العلماء.
وقد ثبت في الصحيحين أن النبي صلى الله عليه وسلم صلّى على امرأة نفساء، والنفساء التي تقتلها طفلها من الشهداء، كما صح ذلك في الحديث.
قال: (ومقتول ظلماً)
فمن قتل ظلماً فإنه لا يغسل، لأن المقتول في سبيل الله قد قتل ظلماً وبغير حق - وهذا كذلك – أي المقتول ظلماً لمال أو عرض أو غير ذلك له هذا الحكم.
هذا هو المشهور في مذهب الإمام أحمد.
وذهب جمهور الفقهاء وهو رواية عن الإمام أحمد: أن من قتل ظلماً فإنه يغسل ويصلى عليه.
وهذا هو القول الراجح الصحيح، فإن عمر رضي الله عنه قد قتل ظلماً وعثمان وعلي وغيرهم، وكانوا يغسلون ويكفنون، ويصلى عليهم، وإن كانوا شهداء، ومع ذلك لم يثبت هذا الحكم فيهم، وإنما ثبت في شهيد المعركة.
بل لو قتل المسلم في أيدي الكفار لكن ذلك عن طريق الاغتيال، ونحوه مما لا يكون فيه قتال ظاهر، فإنه ليس له هذا الحكم.
فعمر قتله أبو لؤلؤة المجوسي، وهو شهيد كما قال صلى الله عليه وسلم لأحد: (اثبت فإنما عليك نبي وصديق وشهيدان) 1 فالصديق أبو بكر والشهيدان عمر وعثمان.
ومع ذلك فإنه – أي عمر – قد كفن كما ورد ذلك في البيهقي وغيره وهو مشهور عنه، وكذلك علي كما في البيهقي وغيره 2 ، ولم يخالف في ذلك أحد من أهل العلم.
فعلى ذلك القتيل الذي يقع قتله في غير الصف يبقى على الحكم الأصلي من التغسيل والتكفين.
قال: (إلا أن يكون جنباً) أي شهيد المعركة لا يغسل إلا أن يكون جنباً.
ودليل ذلك: ما رواه الحاكم بإسناد جيد أن النبي صلى الله عليه وسلم قال لما قتل حنظلة بن عبد الله بن الراهب قال: (إن صاحبكم تغسله الملائكة فسئلت صاحبته فقالت: " إنه خرج لما سمع الهيعة - الصوت الفزع وهو منادي الجهاد - وهو جنب فقال النبي صلى الله عليه وسلم: لهذا غسلته الملائكة) 1 قالوا: فهذا دليل على أن الجنب يغسل، فإن الملائكة قد غسلت حنظلة بن الراهب رضي الله عنه.
- وقال المالكية والشافعية وهو رواية عن الإمام أحمد: لا يغسل، وهو القول الراجح.
فإن النبي صلى الله عليه وسلم أخبرنا بما تقدم من أن حنظلة غسلته الملائكة، والملائكة غير مكلفين بغسل الميت، وإنما المكلف هم من علم بحاله من بني آدم، وأما الملائكة فله حكم آخر، فلم يأمر النبي صلى الله عليه وسلم أولياءه أن يغسلوه لكونه جنباً وإنما اكتفى بالخبر أن الملائكة قد غسلته، فهذا خبر من النبي صلى الله عليه وسلم من غير أن يأمر بتغسيله.
والأحاديث المتقدمة التي فيها أن الشهيد لا يغسل أحاديث عامة ممن مات جنباً أو طاهراً.
وكذلك في المرأة تقتل في سبيل الله حائضاً أو طاهراً فإنها لا تغسل – خلافاً للمشهور في المذهب – وأنها إذا ماتت حائضاً فكالجنب يجب غسلها لحديث حنظلة.
والصحيح ما تقدم: وأن من قتل في سبيل الله سواء كان جنباً أو كانت المرأة حائضاً فإنهم لا يغسلون؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم لم يغسل شهداء أحد وهذا عام في كل شهيد في سبيل الله.
وأما الخبر بتغسيل الملائكة فهذا خبر عمن لم يتوجه إليه الخطاب وهم الملائكة، ولم يوجه – النبي صلى الله عليه وسلم – الخطاب إلا 1 الآدميين من أوليائه أن يغسلوه.
قال: (ويدفن بدمه في ثيابه) لقوله صلى الله عليه وسلم فيما رواه أحمد بإسناد صحيح: (زملوه في ثيابه) 2 فيكفن في ثيابه التي قتل فيها.
قال: (بعد نزع السلاح والجلود عنه)
لما روى أبو داود أن النبي صلى الله عليه وسلم: (أمر بقتلى أحد أن ينزع عنهم الحديد والجلود وأن يدفنوا في ثيابهم بدمائهم) 3 ، لكن الحديث فيه عطاء بن السائب وقد اختلط فالحديث إسناده ضعيف.
ولكن القائلين به من الحنابلة لم يقولوا به على وجه الإيجاب، وإنما قالوا به على وجه الاستحباب والأولوية.
أي: يستحب أن ينزع عنه الجلد كأن يكون عليه خفان من جلد أو جبة من جلد فإنها تنزع عنه.
وكذلك ما يكون عليه من السلاح من درع ونحوه فإنه ينزع عنه والحديث كما تقدم ضعيف.
- وقال المالكية: بل يدفن في ثيابه كلها، وهذا أظهر، لكن السلاح ينبغي استثناؤه للانتفاع به، أو لا فائدة من دفنه مع الميت بل الفائدة في إبقائه لينتفع به، فالسلاح ونحوه مما ينتفع به ينزع عن الميت.
وأما ثيابه سواء كان من جلد أو فرو أو نحو ذلك فإنها تبقى عليه – إلا أن تكون هناك مصلحة راجحة لنزعها منه – كأن تكون للمسلمين حاجة في هذه الثياب لتكفين الموتى بها وعليه مزيد ثياب فإنه يكفن بها غيره.
إذن: المستحب أن يدفن في ثيابه فلا يجدد له كفن.
فإن كفن في غيرها فلا بأس، فقد ثبت في مسند أحمد أن صفية رضي الله عنها: (أرسلت إلى النبي صلى الله عليه وسلم ثوبين ليكفن حمزة فيهما فكفنه بأحدهما وكفن بالآخر رجلاً آخر) 1 فإذن: إذا أحب الولي أو غيره أن يكفنه في ثوب آخر فلا بأس بذلك، لكن المستحب أن يكفن في ثيابه التي قتل فيها.
قال: (وإن سلبها كفن بغيرها)
إن سلب الثياب في القتال، فوقعت سلباً للكفار فإنه يكفن بثياب أخر.
فما تقدم من الكلام فيما إذا كان عليه ثياب، أما إذا لم يكن عليه ثياب، أو كانت عليه ثياب غير كافية فإنه يكفن بثياب أخرى.
قال: (ولا يصلى عليه)
فشهيد المعركة لا يصلى عليه، لحديث جابر المتقدم، فإن النبي صلى الله عليه وسلم: (لم يغسل شهداء أحد ولم يصل عليهم) 2 ونحوه من حديث أنس في سنن أبي داود أن النبي صلى الله عليه وسلم: (لم يصل على شهداء أحد) (3) فهذه الأحاديث تدل على أنه لا تشرع الصلاة على شهيد المعركة.
هذا هو مذهب جمهور العلماء.
وذهب الأحناف: إلى مشروعية ذلك.
واستدلوا: بما ثبت في الصحيحين: أن النبي صلى الله عليه وسلم: (خرج إلى أهل أحد فصلى عليهم كصلاته على الميت) 3
في البخاري: (بعد ثمان سنوات كالمودع للأحياء والأموات) 1 أي كان ذلك قبيل وفاته بعد نحو ثمان سنوات من وقعة أحد، وهذا من باب التجوز فإن النبي صلى الله عليه وسلم قد توفي بعد سبع سنوات وأشهر من غزوة أحد.
واستدلوا: بما رواه الطحاوي بإسناد حسن أن النبي صلى الله عليه وسلم صلى على حمزة فكبر عليه تسع تكبيرات ثم صلى على الشهداء وكل ذلك وهو يصلي على حمزة " (2) يعني في كل واحد من الشهداء يصلي على حمزة ".
قالوا: والحديث حسن.
أما الحديث الثاني وهو ما رواه الطحاوي، فإنه حديث منكر، وقد ضعفه الشافعي وأعله ابن القيم وغيرهم.
فإن المحفوظ عنه في الصحيحين وغيرهما أنه لم يصل على شهداء أحد، ولم يكن هذا ليخفى على جابر وأبوه من شهداء أحد، وكذلك لم يكن ليخفى على أنس وله في أحد شهداء.
أما الحديث المتفق عليه: فإنه يحتمل أن يكون المراد أنه دعا لهم كدعائه للميت، وهذا يكون فيه الجمع بين ترك النبي صلى الله عليه وسلم للصلاة عليهم أولاً، ويكون فعله الثاني مجرد الدعاء لهم، لكن قال: (كصلاته على الميت) لبيان أن هذا الدعاء مخصوص فهو كالدعاء الذي يقع في الصلاة على الميت.
ثم لو قلنا: أنه صلى عليهم صلاة كالصلاة المعروفة، فإنه ينبغي أن يقال: بكونه خاصاً بالنبي صلى الله عليه وسلم، لأنهم لا يقولون بذلك.
فالظاهر ما تقدم أنه دعاء كالدعاء في صلاة الميت، أو أن يكون ذلك خاصاً بالنبي صلى الله عليه وسلم؛ لأن الصلاة على الميت إنما تشرع عند موته، وأما أن يكون ذلك بعد ثمان سنوات فلا.
فالأظهر مذهب الجمهور وأن شهداء المعركة لا يصلى عليهم لترك النبي صلى الله عليه وسلم ذلك.
ثم لو قلنا بالحديث الذي ذكره الأحناف فيحسن أن يقال بما هو رواية عن الإمام أحمد: أن الصلاة على الشهيد تركها أولى فإن صلى فلا بأس.
قال: (وإن سقط عن دابته أو وجد ميتاً ولا أثر به … غسل وصلي عليه) تقدم أن شهيد المعركة لا يغسل ولا يصلى عليه، وهنا استثناء فإذا سقط عن دابته بغير فعل من الكفار أو وجد ميتاً ولا أثر به فليس هناك جرح يدل على أن هذا الموت كان بسبب الكفار، فإنه يغسل ويصلى عليه.
- هذا هو مذهب جمهور الفقهاء ومنهم الحنابلة.
قالوا: لأن الأصل هو تغسيل الميت إلا ما ورد استثناؤه وهو شهيد المعركة وهذا لم يكن قتيلاً في المعركة وإنما حدث الموت له أثناء المعركة. - وقال الشافعية وهو قول القاضي من الحنابلة: أنه له حكم الشهداء – حينئذٍ –؛ فإنه قد مات وهو يقاتل في سبيل الله ولا يبعد أن يكون السبب هو ذات القتال، وإن لم يكن ذلك ظاهراً، فإن ذلك وإن لم يظهر لنا لكن الاحتمال فيه قوي، فمظنة سقوطه وموته أن يكون ذلك من الكفار، ولذا فإنه لا يغسل ولا يصلى عليه.
ولأنه – في الحقيقة – في حكم الشهداء فكان ينبغي أن يلحق بهم، والله أعلم.
- وهنا مسألة قريبة من هذه المسائل: وهي فيمن أصابه سيفه أو أصابته رمية من جهة المسلمين، فكان في ذلك حتفه، فما الحكم؟
قال الحنابلة في المشهور عندهم وهو مذهب الجمهور: إنه يغسل ويصلى عليه.
وقال الشافعية، وهو اختيار الموفق والقاضي من الحنابلة: له حكم الشهداء.
واستدلوا: بما ثبت في صحيح مسلم عن سلمة بن الأكوع قال: (لما كان يوم خيبر قاتل أخي قتالاً شديداً " وهو عامر بن الأكوع " فارتد عليه سيفه فقتله فقال أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم في ذلك وشكوا فيه: " في شهادته في سبيل الله " فقال النبي صلى الله عليه وسلم: أنه مات جاهداً مجاهداً) 1 فكان له حكم الشهداء.
وكان له حكمهم من حيث العموم فإنه لم ينقل لنا أنه خص بحكم سوى حكمهم من ترك تغسيلهم، فكان له حكم شهداء خيبر ممن قتل في سبيل الله تعالى، وهذا القول أظهر.
فالراجح أنه في هذه المسألة لا يغسل ولا يصلى عليه فله حكم الشهداء، لأنه مظنة الموت في المسائل الأخيرة بسبب الكفار والقتال مظنة قوية حيث وجد ميتاً أثناء ذلك.
أما لو علم أن موته ليس بسبب القتال فإن له الحكم الأصلي من كونه يغسل ويصلى عليه.
قال: (أو حمل فأَكَل أو طال بقاؤه عرفاً غسل وصلي عليه)
أي من حمل فأكل أو شرب أو تكلم أو [فعل] 1 فعلاً من الأفعال التي يفعلها الحي، أو طال بقاؤه عرفاً.
إذن: إن تكلم أو أكل أو شرب أو نحو ذلك من الأفعال التي تقع من الحي وإن لم يطل بقاؤه عرفاً فإنه يغسل ويصلى عليه.
فإن لم يفعل هذه الأفعال وطال بقاؤه عرفاً، فكذلك يغسل ويصلى عليه.
فالمسألة إذن: من هو الشهيد الذي يترتب عليه الحكم من ترك الصلاة والغسل؟
المشهور في المذهب: أن هذا الحكم خاص فيمن أصيب في المعركة ولم يطل بقاؤه عرفاً بشرط ألا يفعل شيئاً من أفعال الحي من شرب أو كلام ونحو ذلك.
وقال الموفق والمجد ابن تيمية من الحنابلة: بل إن طال بقاؤه عرفاً فهو الذي يخرج من هذا الحكم.
أما مجرد كونه يشرب أو أنه يتكلم أو تأخذه إغفاءة فإن هذا ليس بمؤثر في الحكم ما دام لم يطل الزمن عرفاً إلا أن يأكل فإن الأكل إنما هو من شأن الأحياء.
فعندهم أن من أكل وإن لم يطل بقاؤه عرفاً، فإنه ينتفي عنه الحكم، فيغسل ويصلى عليه.
3- وقال الشافعية، وهو قول في مذهب الإمام أحمد: لا يثبت هذا الحكم إلا فيمن كان موته قبل انقضاء الحرب.
أما لو بقي بعد انقضاء الحرب فحمل إلى جهة المسلمين فإنه يغسل ويصلى عليه.
الترجيح:
أما ما ذهب إليه الشافعية فإنه ينبغي أن يستثنى منه: ما لو بقي به رمق وهو في أثناء المعركة ثم حدث له الموت وقد علم انتصار هؤلاء على هؤلاء فقد انقضت المعركة، لكن بقي به من رمق ثم كان موته، فإن مثل هذا ينبغي أن يكون له الحكم من ترك التغسيل والصلاة عليه.
وقد روى مالك في موطئه بإسناد منقطع: أن سعد بن الربيع وكان من شهداء أحد كان هكذا 1 ، فإنه قد بقي به رمق بعد انتهاء المعركة ثم مات وكان من شهداء أحد، والسند وإن كان منقطعاً لكن هذه القصة مشهورة في كتب السير.
ثم إنه ليس هناك فارق مؤثر بين أن يموت في أثناء المعركة وأن يبقى به رمق وهو في موضعه ثم يموت بعد انتهائها، في الحقيقة لا فرق بين هاتين الصورتين.
والقول بما ذهب إليه الحنابلة قول فيه قوة - وليس المقصود على إطلاقه بل على إخراج ما ذكروه من الشرب والكلام.
فإن مثل هذه غير مؤثرة في الحقيقة، فإن مثل هذه الأمور تقع ممن يحتضر، فيقع منه الشرب والكلام والتوصية ونحو ذلك، فمثل هذه الأمور ليست بمؤثرة بخلاف الأكل فإنه لا يقع إلا من الأحياء.
فالقول: بأنه متى طال الزمن عرفاً خرج من حكم الشهداء هذا قول قوي؛ لأن الأصل هو بقاء الحكم لما كان أثراً منه، والأثر في موته إنما هو هذه المعركة، وقد بقي زمناً يسيراً في العرف فلم يطل ذلك عرفاً، فكان باقياً في حكم ذلك الأثر الذي أثر به.
أما إذا طال الزمن عرفاً فإنه يخرج من هذا الحكم، فإن سعد بن معاذ قد أصيب بسهم في أكحله في غزوة الخندق - كما ثبت في الصحيحين 2 – ولم يكن له حكم الشهداء بل غسل وصلي عليه.
وهذا وإن لم ينقل لنا فإنه في حكم المنقول إذ الهمم متوفرة لنقله والدواعي قائمة لنقله، فلو كان له حكم الشهداء لنقل ذلك، بل بقي مسكوتاً على طريقة غسله وتكفينه فكان ذلك إبقاءً على الأصل من كونه يغسل ويكفن؛ لأنه قد طال الفصل عرفاً.
إذن: ينبغي أن يقال: من جرح جرحاً شديداً أثناء القتال فمات فيه أو قبل انقضاء الحرب أو بعد زمن يسير من انقضائها وكان السبب هو هذا الجرح الذي أصابه فله حكم الشهداء.
أما إذا طال الفصل عرفاً، كأن يذهب إلى بلاده ويبقى ممرضاً حتى يأتيه الموت فإنه لا يكون له حكم الشهداء كما هو مشهور عند المسلمين كما في قصة سعد بن معاذ وغيره.
قال: (والسقط إذا بلغ أربعة أشهر غُسل وصلي عليه)
السقط: من سقط من رحم أمه قبل أن يأتي أوانه.
فهذا الساقط لأربعة أشهر وعند تمامها تنفخ الروح في الجنين في بطن أمه فيكون له حكم الأحياء فإذا سقط بعد أربعة أشهر فإنه يصلى عليه.
وعليه فالجنين الذي يسقط من أمه قبل أربعة أشهر لا يصلى عليه؛ لأنه ليس من الأحياء فلم تثبت له الحياة بعد بل إنما هو قطعة لحم، بل يكون ذلك لمن نفخت فيه الروح ولا يكون ذلك إلا بعد أربعة أشهر كما في حديث ابن مسعود المتفق عليه 1
ودليل ذلك قوله صلى الله عليه وسلم: (والسقط يصلى عليه ويدعى لوالديه بالمغفرة والرحمة) 1 رواه الخمسة وإسناده صحيح.
- وذهب جمهور الفقهاء: أنه لا يغسل ولا يصلى عليه إلا إذا خرج حياً باستهلاله صارخاً فثبت حياً ثم مات بعد ذلك، فلو سقط وهو ابن ثمانية أشهر فإنه لا يصلى عليه ولا يغسل بل يوارى، وأما إن خرج حياً فثبتت له الحياة باستهلاله صارخاً فإنه يثبت له هذا الحكم.
واستدل الجمهور: بقول النبي صلى الله عليه وسلم في الترمذي في الطفل: (لا يغسل ولا يصلى عليه حتى يستهل صارخاً) 2 فالحديث إسناده ضعيف فيه إسماعيل بن مسلم وهو ضعيف. - فالصحيح مذهب الحنابلة.
قال: (ومن تعذر غسله يُمم)
إن تعذر غسله كحريق ومن أصيب بمرض في جلده لا يمكن تغسيله فإنه ييمم؛ لأن التيمم يقوم مقام الأغسال الشرعية ومن ذلك غسل الميت، فكما أنه يقوم مقام غسل الجنابة، فكذلك يقوم مقام غسل الميت لأن كليهما تطهير فكلاهما يفعل من باب التعبد والتطهير.
- وعن الإمام أحمد: أنه لا ييمم، لأن المقصود من غُسل الميت تنظيفه والتيمم لا يستفاد منه تنظيفاً.
والقول الأول هو الراجح؛ لأن غسل الميت لا يقصد منه التنظيف فحسب بل يقصد منه التعبد لله عز وجل بتطهير الميت هذا التطهير الشرعي، بدليل أن النبي صلى الله عليه وسلم قد غسل ولم يكن محتاجاً إلى التنظيف.
وقد تقدم أثران أنه لا بأس بتحسينهما بمجموعهما في مسألة متشابهة لهذه المسألة - وهي إذا مات رجل بين نسوة أو عكسه فإنهما ييممان – وهي أصل في مشروعية التيمم في غسل الأموات.
قال: (وعلى الغاسل ستر ما رآه إن لم يكن حسناً)
الغاسل وهو الأمين العدل يجب عليه إذا رأى من الميت ما يكون فيه شيء من العيب أو الفضيحة أن يستر ذلك، وقد قال صلى الله عليه وسلم: (من ستر مسلماً في الدنيا ستره الله يوم القيامة) 1 رواه أحمد بإسناد صحيح.
وروى الحاكم بإسناد صحيح: أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (من غسل مسلماً فكتم عليه غفر له [الله] أربعين مرة - وعند الطبراني: أربعين كبيرة - ومن حفر له [فأجنّه] أجري عليه كأجر 2 مسكن أسكنه إياه إلى يوم القيامة، ومن كفّنه كساه الله عز وجل من سندس وإستبرق الجنة) 3 والحديث صححه الحاكم ووافقه الذهبي وهو كما قالا فالحديث إسناده صحيح.
إذن: الواجب عليه أن يستر ما رآه، هذا إن كان الميت من أهل السنة.
وأما إن كان من أهل البدعة ورأى أن في بيان أمره ما يجعل الناس يبتعدون عما هو عليه من البدعة والضلالة فإنه يسن ذلك لمصلحة المسلمين 1 .
كما أنه إذا رأى ممن هو معروف بالبدعة - إذا رأى منه - ما هو من بشارات الخير، فلا يخبر بذلك؛ لئلا يغتر المسلمون من الإغرار به.
وأما من كان من أهل السنة فإنه إن رئي منه خير أُظهر ليكون ذلك سبباً للاقتداء به، وإن رأى منه شراً فإنه يخفي ستراً عليه.
والحمد لله رب العالمين
الدرس السابع والأربعون بعد المئة
(يوم الثلاثاء: 18 / 7 / 1415 هـ)
فصل
قال المؤلف رحمه الله تعالى: (يجب تكفينه في ماله مقدَّماً على دينٍ وغيره)
التكفين واجب، وهو من فروض الكفاية، كما تقدم في قوله صلى الله عليه وسلم: (وكفنوه في ثوبيه) 2 وهذا أمر والأمر للوجوب.
وهنا قال: (مقدماً على دين وغيره) وإرث ووصية وغير ذلك.
فأول ما يقدم من تركة الميت ما يكون في تجهيزه وتكفينه وأجرة غاسله ونحو ذلك، ومن ذلك الكفن، فإنه يقدم على الدين والإرث والوصية ونحو ذلك.
ولو كان الدين برهن فكذلك يقدم عليه الكفن، فلو كان له دين وقد رهنه واحتيج إلى هذا المال المرهون في تغسيله وتكفينه فإنه يقدم؛ لأن تكفينه يقوم مقام كسوته في الحياة، ومعلوم أن الكسوة في الحياة مقدمة على حق الدائن وغيره، فإن من كان عليه دين وكان له شيء يحتاج إليه في كسوة وغيرها فإنه يقدم على حق الدائن.
والنبي صلى الله عليه وسلم لما أمر بتكفين المحرم في ثوبيه وأمر بتكفين الشهداء في ثيابهم لم يستفصل ولم يستثن إن كان عليهم دين، ولا شك أن الدين في مثل هذا العدد الكثير لا يخلو.
فعلى ذلك أول ما يقدم من التركة ما يكون في شأن ما يحتاج إليه الميت من تغسيل وتكفين ونحو ذلك.
لكن الطيب والحنوط ليس بواجب بل هو مستحب فعلى ذلك يقدم عليه غيره إلا إن رضي بذلك صاحب الحق.
قال: (فإن لم يكن مال فعلى من تلزمه نفقته)
فإن لم يكن له مال، فعلى من تلزمه نفقته في الحياة.
فالوالد مثلاً ينفق على ولده فيجب أن يتكفل الوالد بتكفين ولده وما يحتاج من تجهيزه.
قال: (إلا الزوج فإنه لا يلزمه كفن امرأته)
هذا هو المشهور في مذهب الحنابلة، وهو مذهب الأحناف.
قالوا: لأنه لما ماتت زوجته قد امتنع الانتفاع بها فلم يجب الإنفاق عليها كالبائن والناشز.
وقال الشافعية في الأشهر عندهم وهو قول في مذهب الإمام مالك وقول في مذهب الإمام أحمد وحكي رواية عن الإمام أحمد: أن تجهيز المرأة واجب على زوجها – وهذا القول أرجح –؛ وذلك لأن إنفاق الزوج على زوجته واجب ما دامت زوجة له، وقد قال - صلى الله عليه وسلم - لعائشة: (لو مت لغسلتك ثم كفنتك) 1 الحديث، فدل هذا على بقاء معنى الزوجية.
ولأن من وجبت عليه النفقة في الحياة فيجب عليه الكفن والتجهيز بعد الممات، كما يجب على السيد تجاه رقيقه وهذا بالاتفاق، ولأن النشوز فعل من الزوجة اقتضى أن تؤدب بمنعها من النفقة، وأما البينونة فهو انفصال تام بحيث أن المرأة قد انتقلت إلى نفقة غيره إما بزواج أو بأن ترجع إلى من ينفق عليها سابقاً، أما هنا فإن معنى الزوجية باق بدليل جواز تغسيلها باتفاق العلماء وبالأحاديث السابقة.
فعلى ذلك الأرجح – وهو الأشهر في مذهب الشافعية -: أن الزوج يلزمه الإنفاق على زوجته في تكفينها وتجهيزها.
ثم بعد ذلك – أي بعد من تلزمه النفقة في الحياة - يكون ذلك إلى بيت المال؛ لأن بيت المال لمصالح المسلمين وهذا من المسلمين وهو محتاج إلى ذلك.
فإن لم يكن هناك بيت مال أو لم يقم بيت المال بهذا، فيجب على من علم حاله من المسلمين أن يقوم بتجهيزه ويتعين ذلك.
قال ابن تيميه: " ومن علم حاله وعلم أنه ليس هناك من يقوم به فإن ذلك يتعين عليه ".
ومثل ذلك لو بلغ طائفة من الناس موته وعلم أنه ليس هناك من ينفق عليه فيجب عليهم بمجموعهم أن يقوموا بالنفقة عليه في تجهيزه وتكفينه فإن قام بعضهم فإنه يسقط الإثم عن باقيهم.
قال: (ويستحب تكفين رجل في ثلاث لفائف بيض)
لما ثبت في الصحيحين عن عائشة قالت: (كفن رسول الله صلى الله عليه وسلم في ثلاثة أثواب بيض سَحولية "، ضبطت " سُحولية " وهي نسبة إلى بلدة في اليمن تصنع فيها هذه اللفائف " من كرسف - من قطن - ليس فيها قميص ولا عمامة) 1 ، وفي مسند أحمد: (جدد يمانية) 2 .
فهذا هو المستحب أن تكون بيضاً جدداً وأن تكون من قطن.
ومما يدل على استحباب كونها بيضاً ما ثبت في سنن الأربعة إلا النسائي وهو ثابت في مسند أحمد وصححه الترمذي وهو كما قال أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (البسوا من ثيابكم البياض فإنها من خير ثيابكم وكفنوا فيها موتاكم) 3 وفي النسائي من حديث سمرة: (فإنها أطيب وأطهر) 4 .
قال: (تُجمّر)
أي تبخر، فتبخر هذه اللفائف بالبخور، ودليل ذلك ما ثبت في مسند أحمد أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (إذا أجمرتم الميت فأجمروه ثلاثاً) 1 ، وثبت في الموطأ بإسناد صحيح عن أسماء بنت أبي بكر قالت: (أجمروا ثيابي إذا مت ثم حنطوني ولا تذروا على كفني حِناطاً " أي طيباً " ولا تتبعوني بنار) 2 والشاهد قولها: " أجمروا ثيابي إذا مت) .
ويستحسن أن يرش عليها ماء ورد أو نحوه من المياه التي تسبب علوق البخور بالثوب.
قال: (ثم تبسط بعضها فوق بعض)
أي توضع ثلاث طبقات على الأرض.
قال: (ويجعل الحنوط فيما بينها)
الحنوط: أخلاط من طيب ولا يسمى حنوطاً إلا إذا أعد للميت، والذي يدل على استحباب الحنوط قوله صلى الله عليه وسلم – في الصحيحين – فيمن وقصته ناقته فمات: (ولا تحنطوه) 3 فدل على أن المتقرر عندهم هو تحنيط الميت أي تطييبه.
وقال صلى الله عليه وسلم: (ولا تمسوه بطيب) ولقول أسماء: (ثم حنطوني) (4) فالحنوط مستحب.
(فيما بينها) أي توضع الحنوط فيما بين هذه اللفائف.
قال: (ثم يوضع عليها مستلقياً)
أي يوضع عليها الميت مستلقياً على ظهره.
قال: (ويجعل منه في قطن بين أليتيه ويشد فوقها خرقة مشقوقة الطرف كالتبان تجمع أليته ومثانته)
أي يجعل من الحنوط في قطن بين أليته ليسد الخارج وليطيب هذا المحل الذي خرج منه الخارج الخبث.
(ويشد فوقها خرقة) : أي يشد فوق الأليتين خرقة مشقوقة الطرف أي في كل طرف من الخرقة شقان حتى تكون كالتبان وهو السروال القصير، ويربط كل طرف بالآخر من الخلف مستوي من الإمام، وطرف الخلف فيربط على الفخذ الأيمن وهكذا على الفخذ الأيسر.
" المثانة " هي مخرج البول.
قال: (ويجعل الباقي على منافذ وجهه)
أي يجعل الباقي من هذا القطن الذي جعل فيه الحنوط.
فيجعل على منافذ وجهه يعنى في منخريه وفي عينيه وفمه لتمنع دخول الهوام فيها ولتسترها من الأذى.
قال: (ومواضع سجوده)
يعني الركبتين وأطراف القدمين والجبهة واليدين، نطيب هذه 1 المواضع تشريفاً لها، وكذلك المغابن وهي مواضع ثني اليدين كطي الركبتين والإبطين.
قال: (وإن طيب كله فحسن) .
وهذه اجتهادات لا بأس فهي من تطييب الميت ووضع الطيب في المواضع التي يستحسن أن يوضع فيها الطيب، فالمقصود إنما هو تطييبه.
فإن طيبه بما ذكر المؤلف فحسن، وإن طيبه بطريقة أخرى نافعة فكذلك، وإن طيبه كله فهذا أيضاً حسن إن شاء الله.
قال: (ثم يرد طرف اللفافة العليا على شقه الأيمن ويرد طرفها الآخر من فوقه ثم يفعل بالثانية والثالثة كذلك)
فإذا وضع بين اللفائف مستلقياً على ظهره، يرد طرف اللفافة اليمنى على شقه الأيمن، ويرد طرفها الآخر على شقه الأيسر فوقه.
ثم الثانية والثالثة كذلك.
ودليل هذا ما ثبت في مسند أحمد من حديث عائشة المتقدم وفيه: (ثم أدرج فيها أدراجاً) وهذا هو الإدراج، والإدراج هو الطي.
فالصفة: أن يوضع الميت وسط اللفائف ثم يرد الشق الأيمن من العليا ثم الشق الأيسر ويكون فوقه الشق الأيمن ثم الثانية كذلك ثم الثالثة كذلك.
قال: (ويجعل أكثر الفاضل على 2 رأسه) .
ما يفضل من اللفائف علواً وسفلاً يكون أكثره من جهة الرأس تشريفاً له.
وقد قال خباب بن الأرت كما في الصحيحين: (قتل مصعب بن عمير فلم نجد ما نكفنه فيه إلا بردة إذا غطينا بها رأسه خرجت رجلاه وإذا غطينا رجليه خرج رأسه فأمر النبي صلى الله عليه وسلم أن تغطى رأسه وأن يجعل على رجليه من الإذخر) 1 فهذا يدل على تقديم الرأس على الرجلين.
قال: (ثم يعقدها وتحل في القبر)
فإذا انتهى من التكفين وجعل الفاضل من جهة الرأس فإنه يعقدها يعني بحبل، فيعقد من الأعلى بحبل ومن الأسفل بحبل أيضاً؛ وذلك لئلا تنشر هذه اللفائف أثناء حمل الميت فالمقصود من هذه اللفائف إنما هو لئلا تنشر أثناء حملة، لذا قال: (وتحل في القبر) فتنتهي الفائدة من عقدها إذا وضع في قبره فحينئذ تفك هذه الحبال.
قال: (وإن كفن في قميص ومئزر ولفافة جاز)
إذا لم يكفن على الطريقة السابقة بل كفن في قميص، وهو الثوب المعروف عندنا، فإذا لبس قميصاً، ولبس إزاراً ثم غطى بخرقة أديرت على بدنه فلا بأس بذلك.
وقد ثبت في موطأ مالك عن عبد الله بن عمرو بن العاص قال: (الميت يقمَّص ويؤزر ويلف في الثوب الثاني 2 فإن لم يكن إلا ثوب واحد كفن فيه) .
وقد ثبت في الصحيحين عن ابن عمر قال: (لما توفى عبد الله بن أبيٍّ جاء ابنه النبي صلى الله عليه وسلم فقال: [يا رسول الله] أعطني قميصك أكفنه فيه [وصل عليه واستغفر له] ، فأعطاه قميصه) 3 فلا بأس بذلك لكن الأفضل ما فعل بالنبي صلى الله عليه وسلم.
قال: (وتكفن المرأة في خمسة أثواب: إزار وخمار وقميص ولفافتين)
المرأة المستحب أن تكفن في خمسة أثواب.
إزار – وتقوم مقامه السروال –.
وخمار يغطى به الوجه والرأس.
وقميص وهو الثوب المعروف.
ولفافتين.
وذلك لما روى أحمد وأبو داود من حديث ليلى الثقفية: (أنها كانت فيمن غسَّل ابنة النبي صلى الله عليه وسلم قالت: فكان أول ما أعطاه النبي صلى الله عليه وسلم – يعني لتكفينها – الحِقاء وهو الإزار - ثم الدرع ثم الخمار ثم الملحفة ثم بعد ثوب) 1 أي كان النبي صلى الله عليه وسلم يعطيهن لابنته وهي تغسل – الكفن فكان أول ما أعطاهن الحقاء وهو الإزار، ثم الدرع وهو القميص ثم الخمار ثم الملحفة وهي مثل العباءة ثم ثوب آخر، والملحفة في الحقيقة تقوم مقام اللفافة فحينئذ قال المؤلف " لفافتين "، لكن الحديث فيه: نوح بن حكيم الثقفي وهو مجهول.
لكن ذكر الحافظ في الفتح أن الجوزقي – هو إمام نيسابوري – له مستخرج على صحيح مسلم وكان إماماً حافظاً متقناً توفي سنة 388 هـ: أنه روى بسنده عن أم عطية أنها قالت في تكفين بنت النبي - صلى الله عليه وسلم - – ولعلها أم كلثوم أو غيرها على اختلاف بين العلماء – قالت: (فكفناها بخمسة أثواب وخمرناها كما يخمر الحي) قال الحافظ: " وهذه زيادة صحيحة الإسناد " 1 .
فهذا يشهد لما ورد في أبي داود من رواية نوح بن حكيم وهو مجهول، لكن هذا السند يشهد لروايته وهو كما قال الحافظ " سند صحيح ".
ويشهد لها المعنى، فإن الأولى في المرأة أن تكون في تكفينها أكثر من الرجل لأنها أولى بالستر منه، بدليل أنها تحتاج إلى الستر في الحياة والتغطية أكثر من الرجل، فكذلك في الممات، ولهذا ذهب جماهير العلماء إلى هذا فاستحبوا أن تكفن المرأة في خمسة أثواب.
ويخفف في الجارية والصبي.
فالصبي – كما ذكر فقهاء الحنابلة وغيرهم -: يكفي أن يكفن في ثوب واحد، وأما الجارية فإنه يكفي أن تلبس قميصاً وتوضع عليها لفافتين، وذلك للتخفيف في عورتهما، فهنا محل للتخفيف فلم يتشدد فيهما كما يتشدد في الرجل والمرأة.
قال: (والواجب ثوب يستر جميعه)
فالواجب: أن يغطى بثوب يستر جميعه؛ لأن هذه هي حقيقة التكفين.
فكونه مُجْزءاً؛ لأن حقيقة التكفين التي أمر بها الشارع تثبت به.
وأما ما ورد من الفعل المتقدم فهو مجرد فعل والفعل لا يدل على الوجوب فهو يدل على الاستحباب.
فإذن: القدر المجزئ من التكفين أن تدار عليه لفافة تغطي بدنه.
أما المستحب فهو ما تقدم في حق المرأة والرجل والصبي والجارية.
فإن كان هناك ثوب لا يستر بدنه كله، فإنه يقدم ستر العورة ثم يدفن على تلك الحال ويغطى سائر بدنه بشيء من الأعشاب الطيبة كالإذخر ونحوه.
وإن كان يستر فيه عورته ومنه فضل فإنه يكون من نصيب الرأس وتكون القدمان مكشوفتين ويوضع عليهما شيء من الإذخر ونحوه لما تقدم في حديث خباب رضي الله عنه 1 . والحمد لله رب العالمين
الدرس الثامن والأربعون بعد المئة
(يوم الجمعة: 21 / 7 / 1415هـ)
فصل
في حكم الصلاة على الميت وصفتها، وما في ذلك من المسائل.
الصلاة على الميت فرض كفاية – كما تقدم في درس سابق –.
والمشهور في مذهب الحنابلة وهو مذهب جمهور الفقهاء: أنه إذا صلى عليه مكلف واحد ذكراً كان أو أنثى فإن هذا الواجب الكفائي يسقط بذلك، لأن الواجب الكفائي متى قام به من يفعله فإنه يسقط الإثم عن الباقين.
وقال بعض الحنابلة: بل يشترط أن يكونوا ثلاثة، وهو قول في مذهب الإمام الشافعي.
وقال بعض الحنابلة: بل يشترط أن يكونوا جماعة، واثنان فما فوق جماعة.
وما ذكره الحنابلة – من أنه إن صلى عليه مكلف فإنه يكفي – قوي، لكن هذا القول يتردد في قبوله لقوله صلى الله عليه وسلم: (صلوا على صاحبكم) 2 كما ثبت ذلك في الصحيحين في قصة المدين، ومثل هذا الأمر موجه إلى جماعة فكان الواجب أن يصلى عليه جماعة ولم يقل: ليصل عليه أحد منكم فدل ذلك على أنه واجب على جماعة منهم، فإذا صلى عليه من يثبت أنه جماعة فإنه يسقط الإثم عن الباقين – والله أعلم –.
ويستحب أن يقسم المصلون عليه ثلاث صفوف إن كان المصلون عليه فيهم قلة.
لما روى الترمذي في سننه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (من صلى عليه ثلاثة صفوف فقد أوجب) 1 لكن الحديث فيه محمد بن إسحاق وقد عنعن.
لكن للتقسيم إلى ثلاثة صفوف شاهد عند الطبراني في الكبير وفيه ابن لهيعة وهو ضعيف لكنه يشهد لما قبله ولفظه أن النبي صلى الله عليه وسلم: (صلى ومعه سبعة فجعل ثلاثة صفاً واثنين صفاً واثنين صفاً) (2) من حديث أبي أمامة.
أما إن كانوا كثرة فإنه لا يقسمهم، فقد ثبت في الصحيحين أن النبي صلى الله عليه وسلم: (نعى النجاشي فخرج بهم إلى المصلى) 2 الحديث وفيه قال جابر: (فصففنا صفين) 3 .
وقد قال صلى الله عليه وسلم – في مسلم من حديث ابن عباس: (ما من رجل مسلم يموت فيقوم على جنازته أربعون لا يشركون بالله شيئاً إلا شفعهم الله فيه) 1 ، وهو ثابت في مسلم من حديث عائشة إلا أنها قالت: (مائة) 2 .
والعدد لا مفهوم له، فمن صلى عليه طائفة من المسلمين يبلغون أربعين أو أكثر من ذلك أو مئة فصلوا عليه ودعوا الله له إلا شفعهم الله فيه.
ويأمرهم بتسوية الصفوف لأنها صلاة كغيرها من الصلوات.
قال المؤلف رحمه الله تعالى: (السنة أن يقوم الإمام عند صدره وعند وسْطها)
هذه السنة: أن يقوم عند صدر الرجل، وعند وسط المرأة.
أما كونه يقوم عند وسط المرأة فقد ثبت في الصحيحين عن أنس قال: (صليت وراء النبي صلى الله عليه وسلم على امرأة ماتت في نفاسها فقام وسْطها) 3 .
وأما كونه يقوم عند صدر الرجل فذكروا أثراً عن ابن عباس يبين ذلك – من غير أن يعزوه، ومن غير ذكر سند يمكن أن ينظر فيه.
ومع ذلك فلو ثبت فإنه مخالف بما ثبت وصح عن النبي صلى الله عليه وسلم فقد ثبت عند الخمسة إلا النسائي عن أنس: (أنه صلى على رجل فقام عند رأسه، وصلى على امرأة فقام عند وسطها فقيل له: أهكذا يقوم النبي صلى الله عليه وسلم عند الرجل كما قمت ويقوم عند المرأة كما قمت؟ فقال: نعم) 1 .
وهذا القول: رواية عن الإمام أحمد وقول لبعض الشافعية وهو مذهب صاحبي أبي حنيفة – وهو القول الراجح –، فالمستحب أن يقوم عند رأس الرجل وعند وسط المرأة.
والمستحب له أن يقوم عند وسطها مطلقاً سواء كان بدنها مغطى بنعش أو لم يكن ذلك.
ودليل ذلك: ما ورد في رواية لأبي داود الطيالسي في حديث أنس المتقدم – أنه صلى على امرأة فقام عند وسطها – في رواية لأبي داود الطيالسي: (وعليها نعش أخضر) 2 .
أما ما في أبي داود: من أن ذلك – أي صلاة عند وسطها " قبل أن تكون النعوش " فإن هذا قول من بعض الرواة، وأنس قد خالفه في فعله ونسب ذلك إلى النبي صلى الله عليه وسلم.
فالمستحب مطلقاً أن يقوم عند وسطها وإن كانت مغطاة بنعش لا يبدي شيئاً منها، فليس المقصود من ذلك تغطية بدنها، بل لو كان عليها نعش فإنه يستحب ذلك.
فإن كانت هناك جنائز كثيرة فإنه يساوي بين الرجال والنساء فتكون رؤوسهم سواء.
ودليل ذلك: ما ثبت في النسائي عن نافع أن ابن عمر: (صلى على تسع جنائز فجعل الرجال يلون الإمام والنساء يلين القبلة وصفهم صفاً واحداً) 1 ، وعند عبد الرزاق: (وجعل رؤوسهم واحدة) 2 . وفيه سنة أخرى وهي أن الرجال يكونون فيما يلي الإمام، والنساء فيما يلي القبلة، وإن كانوا غلماناً.
ويدل على ذلك تمام الأثر، وتمامه: (ووضعت جنازة أم كلثوم بنت علي ومعها غلام لها يقال له: زيد، فجعل الغلام مما يلي الإمام وفي الناس ابن عمرو وأبو هريرة وأبو سعيد وأبو قتادة، قال رجل: فنظرت إليهم وقلت: ما هذا؟ فقالوا: هي السنة) 3 .
قال: (ويكبر أربعاً)
لما ثبت في الصحيحين عن جابر قال: (نعى النبي صلى الله عليه وسلم النجاشي في اليوم الذي مات فيه فخرج بهم إلى المصلى فصف بهم وكبر بهم أربعاً) 4 وسيأتي ما ورد عنه من التكبيرات الأخر.
قال: (يقرأ في الأولى بعد التعوذ الفاتحة)
أي ولا يستفتح فلا يشرع له الاستفتاح، وهذا هو مذهب أكثر العلماء خلافاً للأحناف – لعدم ورود ذلك عن النبي صلى الله عليه وسلم، ولأن صلاة الجنازة ينبغي فيها التخفيف.
فلا يسن له أن يستفتح بل يستعيذ ويبسمل ثم يشرع بالفاتحة.
ودليل مشروعيتها ما ثبت في البخاري عن طلحة بن عبد الله بن عوف قال: (صليت خلف ابن عباس على جنازة فقرأ بفاتحة الكتاب وقال: لتعلموا أنها سنة) 1 ، وفي النسائي: (لتعلموا أنها سنة وحق) 2 وفي النسائي – أيضاً: (أنه قرأ بفاتحة الكتاب وسورة) 3 .
وينبغي – كما قال النووي – أن تكون هذه السورة خفيفة؛ لأن المقام يقتضي التخفيف من التعجل بالميت بدفنه، فإن قرأ سورة فهو حسن لثبوت ذلك عن ابن عباس ورفعه ذلك إلى النبي صلى الله عليه وسلم، فإن اكتفى بالفاتحة فكذلك.
قال: (ويصلي على النبي صلى الله عليه وسلم في الثانية كالتشهد)
وقد ثبت في النسائي بإسناد صحيح عن أبي أمامة ابن سهل بن حنيف قال: (من السنة في الصلاة على الجنازة أن يقرأ في التكبيرة الأولى بأم القرآن مخافتة ثم يكبر ثلاثاً ثم يسلم في الآخرة) 4 .
وفي رواية للحاكم والبيهقي – بعد أن ذكر التكبيرة الأولى - قال: (ثم يصلي على النبي صلى الله عليه وسلم ويخلص الدعاء للجنازة في التكبيرات الثلاث) 1
فدل على أن المشروع في الصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم أن يكون ذلك بعد التكبيرة الثانية.
(كالتشهد) : لأن الصحابة قالوا للنبي صلى الله عليه وسلم: (يا رسول الله علمنا كيف نسلم عليك فكيف نصلي عليك؟ فقال: قولوا: اللهم صل على محمد …) 2 وتقدم الحديث في صفة الصلاة.
فيصلي على النبي - صلى الله عليه وسلم - كصفة صلاته في تشهده.
وإن صلى عليه على كيفية أخرى، كأن يقول اللهم صل على النبي، أجزأه ذلك.
والذي يظهر لي أن الأولى أن يقتصر في الصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم بما يتوسع له به الدعاء للميت فلا يطيل من الصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم؛ لأن المقام مقام الدعاء للميت، فقد قال النبي صلى الله عليه وسلم – فيما ثبت في أبي داود وابن ماجه بإسناد حسن: (إذا صليتم على الميت فأخلصوا له الدعاء) 1 أي لا تشوبوه بغيره، فاجعلوا الدعاء له.
قال: (ويدعو في الثالثة)
إذا كبر الثالثة دعا.
والذي يظهر لي – ما تقدم - وأنه لا يكتفي بالصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم بعد التكبيرة الثانية بل يدعو للميت، فيصلي على النبي صلى الله عليه وسلم ثم يدعو، ثم يكبر ثم يدعو، ثم يكبر ثم يدعو، فقد قال أبو أمامة فيما تقدم قال: (ثم يصلي على النبي صلى الله عليه وسلم ويخلص الدعاء للميت في التكبيرات الثلاث) .
ولذا قال النووي: " لا أعلم لتخصيص الفقهاء الدعاء في التكبيرة الثالثة دليلاً " (2) .
وظاهر حديث أبي أمامة المتقدم أنه بعد التكبيرة الثانية يكون للميت نصيب من الدعاء وبعد الثالثة كذلك، وبعد الرابعة كذلك.
قال: (فيقول …)
فيدعو بما ورد استحباباً، فإن دعا بأي دعاء من الدعاء المباح للميت فلا بأس باتفاق أهل العلم، لكن الأفضل له أن يدعو بما ورد عن النبي صلى الله عليه وسلم.
قال: (فيقول: اللهم اغفر لحينا وميتنا وشاهدنا وغائبنا وصغيرنا وكبيرنا وذكرنا وأنثانا، إنك تعلم منقلبنا ومثوانا وأنت على كل شيء قدير، اللهم من أحييته منا فأحيه على الإسلام والسنة ومن توفيته منا فتوفه على عليهما)
ولفظة " السنة " ولفظة " وأنت على كل شيء قدير " زادهما الموفق رحمه الله تعالى.
وأما لفظة " إنك تعلم منقلبنا ومثوانا " فلم أقف على شيء يدل عليها في سنة النبي صلى الله عليه وسلم لكنها من الدعاء المباح.
لكن الذي يظهر لي: إنا وإن قلنا بأن الدعاء بما شاء مباح لكن الذي ينبغي له إذا دعا بما ورد عن النبي صلى الله عليه وسلم أن يكتفي به؛ لئلا يقع في القلب أن في دعائه قصوراً، بل دعوته دعوة جامعة مانعة، فإذا دعا بدعاء النبي - صلى الله عليه وسلم - فيأتي به بلفظه ثم يزيد بعد ذلك ما شاء من الدعاء المباح.
والوارد عنه فيما رواه الأربعة بإسناد صحيح من حديث أبي هريرة " (اللهم اغفر لحينا وميتنا وشاهدنا وغائبنا وصغيرنا وكبيرنا وذكرنا وأنثانا، اللهم من أحييته منا فأحيه على الإسلام ومن توفيته فتوفه على الإيمان، اللهم لا تحرمنا أجره ولا تضلنا بعده) 1 .
قال: (اللهم اغفر له وارحمه وعافه واعف عنه وأكرم نزله وأوسع مدْخله " وهو القبر " واغسله بالماء والثلج والبرد ونقه من الذنوب والخطايا كما ينقى الثوب الأبيض من الدنس، وأبدله داراً خيراً من داره وزوجاً خيراً من زوجه، وأدخله الجنة وأعذه من عذاب القبر وعذاب النار وافسح له في قبره ونوِّر له فيه)
الوارد من ذلك ما ثبت في مسلم من حديث عوف بن مالك قال: (صلى النبي صلى الله عليه وسلم على جنازة فحفظت من دعائه: " اللهم اغفر له وارحمه وعافه واعف عنه وأكرم نزله ووسّع مدْخله واغسله بالماء والثلج والبرد ونقه من الخطايا كما ينقى الثوب الأبيض من الدنس، اللهم أبدله داراً خيراً من داره، وأهلاً خيراً من أهله وزوجاً من زوجه) ولا يقال مثل هذا اللفظ للأنثى (اللهم أدخله الجنة وقه فتنة القبر وعذاب النار) 1 .
وأما ما ذكره المؤلف سوى الوارد فهو من الدعاء المباح كما تقدم.
قال: (وإن كان صغيراً قال: اللهم اجعله ذخراً لوالديه وفرَطاً وأجراً وشفيعاً مجاباً، اللهم ثَقِّل به موازينهما وأعظم به أجورها وألحقه بصالح سلف المؤمنين واجعله في كفالة إبراهيم وقه برحمتك عذاب الجحيم)
هذا من الدعاء المباح، وقد قال صلى الله عليه وسلم في السقط: (ويدعى لوالديه بالمغفرة والرحمة) 1 يعني في الصلاة عليه يشتغل بالدعاء لوالديه بالمغفرة والرحمة.
وثبت عن أبي هريرة – بإسناد حسن – أنه صلى على طفل فقال: (اللهم اجعله سلفاً وفرطاً وأجراً) (2) .
فالمقصود: أنه يدعو لوالديه بالمغفرة والرحمة ويدعو للطفل بنحو ما تقدم من كونه بكفالة إبراهيم ونحو ذلك من الدعاء المباح المناسب للمقام فإن النبي صلى الله عليه وسلم أطلق الدعاء للميت فقال: (إذا صليتم على الميت فأخلصوا له الدعاء) 2
قال: (ويقف بعد الرابعة قليلاً ويسلم تسليمة واحدة عن يمينه)
وتقدم – وقال المجد ابن تيمية بجواز ذلك – تقدم أن المستحب له بعد التكبيرة الرابعة أن يدعو للميت كما في حديث أبي أمامة: (ثم يصلي على النبي صلى الله عليه وسلم ويخلص الدعاء للميت في التكبيرات الثلاث) 3 فالتكبيرات الثلاث كلها دعاء للميت، فإذا كبر الرابعة دعا قليلاً للميت ثم سلم.
(ثم يسلم واحدة عن يمينه) :
- هذا هو المستحب وهو المشهور في مذهب الحنابلة وأن المستحب أن يسلم واحدة عن يمينه.
ودليل ذلك: ما رواه الدارقطني بإسناد حسن ورواه الحاكم عن أبي هريرة أن النبي صلى الله عليه وسلم: (صلى على جنازة فكبر عليها أربعاً وسلم تسليمة واحدة) 1 .
وهو مذهب أكثر الصحابة بل لا يعلم – لمن سيأتي ذكرهم – مخالف من الصحابة، قال الحاكم: " وبه صحت الرواية عن علي بن أبي طالب وعبد الله بن عمر وعبد الله بن عباس وجابر بن عبد الله وعبد الله بن أبي أوفى وأبي هريرة، وأنهم كلهم كانوا يسلمون على الجنازة تسليمة واحدة " (2) ووافقه الذهبي.
وروى غالب هذه الآثار مسندة البيهقي في سننه 2 – وهو آثار لا يعلم لها مخالف صريح من الصحابة.
- وقال الشافعية: يستحب أن يسلم تسليمتين عن يمينه وعن يساره.
واستدلوا بما روى البيهقي في سننه بإسناد حسن عن ابن مسعود قال: (ثلاث خلال كان النبي صلى الله عليه وسلم يفعلهن، تركهن الناس: إحداهن: التسليم على الجنازة مثل التسليم في الصلاة) 3 وهذا الأثر محتمل، فيحتمل أن يكون مراده أنه يجهر بالسلام فيجهر بالتسليم كما يجهر بالتسليم في الصلاة.
ويحتمل أن يكون المراد أصل السلام أي أنه كان يسلم وأن الناس قد تركوا السلام في صلاة الجنازة.
أو أن المراد: أنه كان يقول: السلام عليكم ورحمة الله.
ويحتمل أن يكون يسلم عن يمينه وشماله.
وظاهر هذا اللفظ دخول هذه الاحتمالات كلها فيكون قد جهر بسلامه، وقد سلم بالألفاظ الواردة في الصلاة، وأن يكون ذلك عن يمينه وعن شماله، لكن هذه أضعفها؛ لأنها مخالفة لما ورد في الحديث المتقدم وهو حديث الدارقطني، ولكونها مخالفة لما ورد عن أصحاب النبي - صلى الله عليه وسلم - صريحاً.
ومع ذلك فيحسن القول بجواز هذه الصورة وأنه إن سلم تسليمتين عن يمينه وشماله فلا بأس، وإن كان الأولى له أن يسلم واحد [اً] عن يمينه.
وهل يستحب له أن يجهر بالتسليم أم يخافت؟
أثر ابن مسعود المتقدم يدل على أن المستحب له أن يجهر فإنه قال: " مثل التسليم في الصلاة " والتسليم في الصلاة يجهر به، وهو ثابت عن ابن عمر – في البيهقي – بإسناد صحيح: (أنه كان إذا سلم على الجنازة يسمع سلامه من يليه) 1 .
وقد ورد في الحاكم في حديث أبي أمامة المتقدم قال: (ويسلم سراً) ، وهو ثابت عن ابن عباس بإسناد حسن: (أنه كان إذا سلم على الجنازة سلم خُفية) 2 .
فهذه الآثار تدل على أنه لا بأس بالجهر ولا بأس بالمخافتة، فيلتفت عن يمينه ويسر بالسلام، فسواء جهر أو أسر فلا بأس بذلك.
ولا يستحب له أن يجهر بفاتحة الكتاب، وفي أثر أبي أمامة المتقدم أن النبي صلى الله عليه وسلم: (كان يقرأ في التكبيرة الأولى بفاتحة الكتاب مخافتة) 3 فلا يستحب الجهر بها إلا للتعليم.
قال: (ويرفع يديه مع كل تكبيرة)
حكم رفع الأيدي في تكبيرات الجنائز؟
أجمع أهل العلم على استحباب رفع اليدين في التكبيرة الأولى، كما حكاه ابن المنذر وغيره.
وورد عن النبي صلى الله عليه وسلم حديث في ذلك لكنه لا يثبت، فلا يصح عنه حديث في هذا الباب لكن الإجماع ثابت.
وأما في سائر التكبيرات سوى التكبيرة الأولى:
فمذهب الجمهور: استحباب ذلك.
ومذهب الأحناف: عدم استحبابه، واستدلوا بعدم ورود ذلك عن النبي صلى الله عليه وسلم.
وأما دليل الجمهور فقالوا: هذا تكبير عن قيام، والتكبير عن القيام في الصلاة يستحب أن ترفع فيه الأيدي، كما تقدم في غير ما حديث عن النبي صلى الله عليه وسلم – في الكلام على صفة صلاة العيد.
وقد ورد هذا صريحاً عن ابن عمر، فقد ثبت عنه فيما رواه البيهقي بإسناد صحيح: (أنه كان يرفع يديه مع تكبيرات الجنائز كلها) 1 ، فهذا فعل صاحب لا يعلم له مخالف، وظاهر السنة يوافقه كما تقدم في الأحاديث التي سبقت الإشارة إليها عند ذكر تكبيرات العيد الزوائد.
إذن يستحب له أن يرفع يديه مع كل تكبيرة.
فعلى ذلك صفة صلاة الجنازة – في المشهور في المذهب –: يكبر رافعاً يديه، ويقرأ فاتحة الكتاب سراً ثم يكبر ثانية رافعاً يديه، ويصلي على النبي صلى الله عليه وسلم ثم يكبر ثالثة رافعاً يديه ثم يدعو للميت بما تقدم سواء كان بدعاء من عنده من الدعاء المباح أو كان ذلك بما ورد عن النبي صلى الله عليه وسلم، ثم يرفع يديه مكبراً الرابعة ولا يدعو ولا يسبح ولا يستغفر بل يسكت ثم يسلم تسليمة واحدة عن يمينه.
وأما صفتها على الطريقة التي وردت عن النبي صلى الله عليه وسلم: (فيكبر رافعاً يديه ويقرأ بفاتحة الكتاب وإن شاء سورة قصيرة وتقرأ مخافتة، ثم يكبر الثانية والثالثة والرابعة في كل ذلك يرفع يديه ويشتغل بالصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم في هذه التكبيرات الثلاث، والأولى أن تكون بعد التكبيرة الثانية ويخلص الدعاء للميت، وإذا كبر للرابعة دعا للميت ثم سلم عن يمينه، وإن سلم عن يمينه ويساره فذلك حسن أيضاً، والله أعلم.
مسألة:
الأولى بأن يصلي على الميت وصيه إن كان عدلاً صالحاً للإمامة قال الإمام أحمد: " وأوصى أبو بكر أن يصلي عليه عمر، وأوصى عمر أن يصلى عليه صهيب، وأوصت أم سلمة أن يصلي عليها سعيد بن زيد، وأوصى أبو بكرة أن يصلي عليه أبو برزة الأسلمي " (1) رضي الله عنهم أجمعين، وذكر بعض أهل العلم غير ذلك وهذه قضايا اشتهرت وانتشرت ولم يعلم لها مخالف، ومع ذلك فهي الأحب إلى الميت.
ثم ثانياً: إمام الناس، فإمام المسجد هو أولى الناس بعده؛ لعموم حديث: (يؤم القوم أقرؤهم لكتاب الله) 1 وهذا عام في صلاة الجنازة وغيرها، وقال عمرو بن سلمة – وتقدم حديثه، وفي أبي داود: (وكنت أؤمهم في الجنائز) 2 .
وقال الحسن: " أدركت الناس وأخصهم بالصلاة على جنائزهم من رضوهم لفرائضهم " 3 ، وفي الحاكم بإسناد حسن: " أن الحسين قدَّم سعيد بن العاص -وكان أمير المدينة – للصلاة على الحسن بن علي وقال: (قدمتك ولولا أنها سنة ما قدمتك) " (5) .
ثم أولياء الميت على حسب ترتيبهم المتقدم في غُسله.
والحمد لله رب العالمين.
الدرس التاسع والأربعون بعد المئة
(يوم السبت: 22 / 7 / 1415هـ)
قال المؤلف رحمه الله تعالى: (وواجباتها قيام)
هنا يذكر المؤلف رحمه الله تعالى واجبات صلاة الجنازة وأركانها فقال: " قيام "
فالقيام ركن فيها كما هو ركن في الصلاة لقوله صلى الله عليه وسلم: (صل قائماً فإن لم تستطع فقاعداً فإن لم تستطع فعلى جنب) 1 وقد صلاها النبي صلى الله عليه وسلم قائماً، فالواجب أن يصليها قائماً؛ لأنها فريضة، فهي من فروض الكفاية والواجب في الصلاة التي يصليها فريضة أن يصليها قائماً.
لكن إن كانت نافلة فإن له أن يصليها قاعداً، والسنة أن يصليها قائماً، فلو تكررت الصلاة على الجنازة فصلى عليها مراراً فالصلاة الأولى فرض والصلوات الأخر نافلة فيجوز له في الصلوات الأخر أن يصلي قاعداً مع أن السنة القيام.
فإذن: يجب القيام مع كونها فرضاً – أي فرض كفاية – وذلك إنما يكون في الصلاة الأولى، أما إذا تكررت فصلى أحد من المصلين قعوداً فلا بأس بذلك.
قال: (والتكبيرات)
أي يجب أن يصلي بأربع تكبيرات؛ لأن الثابت عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قد كبر أربع تكبيرات فأكثر، ولم يصح عنه أن كبر على الجنائز ثلاثاً.
وروى ابن حزم في كتابه بسنده وقال: - هو سند صحيح – وهو كما قال: (أن ابن عباس كبر على الجنائز ثلاثاً) 2 ، والسنة أن يكبر أربعاً ولا يشرع له أن يكبر ثلاثاً لعدم ثبوته عن النبي صلى الله عليه وسلم.