ـ ومثله ـ كذلك: المكفت: وصورته: أن يبرد الإناء حتى يخرج هذا البرد كهيئة المجاري الصغيرة ثم يلصق بها قطع ذهب أو قطع فضة، فهذا ونحوه كله محرم للتعليل المتقدم، وهو وجود الذهب والفضة فيه، والشارع إذا نهى عن شيء فهذا نهي عن أبعاضه وأجزائه.
- قوله: ((فإنه يحرم إتخاذها واستعمالها)) :
أما الإستعمال فهذه اللفظة شاملة للإستعمال في الأكل والشرب وغيرهما.
فنبدأ بهذه اللفظة ثم نعود إلى لفظة الإتخاذ فهي مترتبة عليها.
أما الإستعمال: فأما الأكل والشرب فقد نصّ النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ على النهي عن الأكل والشرب فيهما، فالأكل والشرب فيهما لا شك في تحريمه.
ـ وما هي العلة؟؟ العلة عند جماهير أهل العلم هي ما فيها من الكبر والخيلاء والإسراف وكسر قلوب الفقراء، فحرمه الشارع لما فيه من الإستطالة على عباد الله ولما فيه من الإسراف والكبر والخيلاء.
ولذلك فإنه من تعاطاه في الدنيا فإنه لا يتعاطاه في الآخرة، كما في الحديث: ((فإنها لهم في الدنيا ولكم في الآخرة)) . وفي سنن النسائي بإسناد قوي: (آنية الذهب والفضة آنية أهل الجنة) . وقال ـ صلى الله عليه وسلم ـ كما في مسلم: (فإن من شرب فيها في الدنيا لم يشرب فيها في الآخرة) . فإذن: هي آنية أهل الجنة ومن شرب فيها في الدنيا فإنه لا يشرب فيها في الآخرة.
ـ لكن هذا ـ أي كونها آنية أهل الجنة ـ في الحقيقة ليس هو التعليل، كما أن النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ حرم الخمر وأخبر أنها شراب أهل الجنة، وأنه من شرب منها في الدنيا لم يشرب منها في الآخرة، ولكن العلة فيها أضرارها الواقعة على العقول فحرمها الشارع لذلك، فلذلك هنا ـ في آنية الذهب، والفضة فإنها آنية أهل الجنة في الجنة وهي آنية أهل الكبر والخيلاء والمستطيلين على عباد الله في الدنيا فليست من آنية المؤمنين بل هي من آنية الكفار في الدنيا، وأما المؤمنون فهي آنيتهم في الآخرة.
فالعلة هي ما فيها من الكبر والإسراف والخيلاء وكسر قلوب الفقراء.
لذا ذهب عامة أهل العلم على أن المحرم ليس الأكل والشرب فحسب بل ذلك يشمل الأكل والشرب وغيرهما من الإستعمالات، بل حكاه النووي وغيره إجماعاً.
ـ ولكن ذهب أهل الظاهر، وممن ذهب إليه الشوكاني والصنعاني إلى أن المحرم الأكل والشرب فحسب؛ لأن النص وارد فيها فحسب.
الراجح هو القول الأول: وكون النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ نص عليها فحسب لا يعني أنهما المحرمان فقط، فإن الشارع يذكر الشيء في الحكم ثم يلحق به ما شابهها من باب القياس.
فالله ـ عز وجل ـ قال في كتابه: ((وربائبكم اللاتي في حجوركم)) . ومعلوم أن الربيبة محرمة مطلقاً سواء كانت في حجر زوج أمها أم لا.
فيكون نص النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ على الأكل والشرب في آنية الذهب والفضة بناءاً على الغالب، فالغالب في استعمال الذهب والفضة إنما هو في الشرب ولكن يلحق بالأكل والشرب ما شابههما من الإستعمالات كأن يتوضأ أو يغتسل أو يتطيب أو نحو ذلك من الإستعمالات.
ـ فإذن: كل استعمال لأواني الذهب والفضة فإنه محرم.
ـ فإن قيل: قد ثبتت أدلة تدل على جواز إستعمال الفضة؟؟ من ذلك ما ثبت في البخاري: أن أم سلمة كان عندها جلجل فيه شعر من شعرات النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ تستشفي بهن أي إذا أتاها أحد من المرضى فإنها تضع في هذا الجلجل ماءاً ثم تحركه ثم يشرب منه فيشفى بإذن الله.
قالوا: فهذا يدل على جواز إستعمال الفضة.
واستدلوا بما ثبت في مسند أحمد وسنن أبي داود بإسناد جيد أن النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ قال: (ولكن عليكم بالفضة فالعبوا بها) أي تصرفوا بها كيف شئتم.
ـ وقد ذكر شيخ الإسلام أن الأصل في الفضة الإباحة ما لم يثبت دليل يدل على التحريم.
ـ لذا الذي يتبين ـ والعلم عند الله ـ أن استعمال الفضة في غير الأكل والشرب أن ذلك مباح، فإذا استعملها في قلم ومكحلة ومدخنة ونحو ذلك فإنه مباح.
ـ أما الذهب فهو محرم على الإطلاق لا يحل منه إلا حلي النساء، وما اضطر المسلم إليه.
أما الفضة: فالأكل والشرب فيها محرم.
أما في غير الأكل والشرب فإن ذلك جائز.
ـ ولا يخفى أن الأثر عن أم سلمة أثر راو، فإنها هي التي روت قول النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ في الفضة ومع ذلك فإنها كان عندها جلجل وكانت تضع فيه شعرات النبي ـ صلى الله عليه وسلم.
فعلى ذلك الذي يتبين: أن استعمال الفضة في غير الأكل والشرب مباح أما الذهب فإنه محرم على الإطلاق.
إلا ما تقدم من حلي النساء وما أضطر إليه المسلم، وسيأتي مزيد بحث عن هذا إن شاء الله.
-
وقوله ((فإنه يحرم إتخاذها)) : يحرم الإتخاذ؛ لأن الإتخاذ وسيلة الإستعمال والشارع قد يسد الذرائع الموصلة إلى المحرمات.
ـ فلو كان هناك إناء يمكن أن يشرب فيه أو يؤكل فيه وهو من ذهب أو فضة فإذا وضعه صاحب المنزل وإن قال إنه لا يأكل به ولا يشرب فإن ذلك محرم؛ لأنه قد إتخذه والإتخاذ وسيلة الإستعمال وهذا هو مذهب جمهور أهل العلم.
ـ كما أنه يحرم إتخاذ آلات اللهو والطرب ونحوها من الآلات؛ لأن التي تبث المنكرات فيحرم إتخاذها؛ لأن ذلك ذريعة إلى إستعمالها.
فالإتخاذ محرم للشيء الذي يحرم إستعماله وهذا مذهب جمهور الفقهاء. -
قوله: ((ولو على أنثى)) : فإن الإنثى إنما يباح لها الحلي ـ وسيأتي إن شاء الله ـ.
-
قوله: ((وتصح الطهارة فيه)) : أي من آنية الذهب والفضة.
إذن: لا يحل لها أن تتوضأ في إناء ذهب أو فضة أو يغتسل لكنه لو فعل ذلك فإن وضوءه صحيح.
ـ هذا هو مذهب جمهور الفقهاء.
وذلك لأن هذا الفعل فيه لم يقع على شرط العبادة ولا ركنها.
بل هو أجنبي عن العبادة فإنه قد توضأ وضوءاً صحيحاً قد توفرت فيه شروطه والماء كذلك ليس بمغصوب ـ بخلاف الماء المغصوب فسيأتي الكلام عليه.
إذن الطهارة صحيحة، مع تحريم الفعل، وهذا مذهب جمهور الفقهاء. -
قوله: ((إلا ضبة يسيرة من فضة لحاجة)) :
هذا إستثناء من التحريم، فإن الضبة اليسيرة التي تكون من الفضة لحاجة فإن ذلك جائز في المشهور من المذهب.
إذن: المشهور من المذهب أن الضبة اليسيرة من الفضة للحاجة في الإناء إن ذلك جائز.
والحاجة هي ألا يكون ذلك للزينة وإن كان يمكنه أن يسوي هذا إلاناء بغير الفضة بأن يسويه بحديد أو نحاس أو نحو ذلك.
ـ إذن ليست المسألة ضرورة بحيث أن الفضة تعينت، بل المسألة حاجة، فالفضة لم تتعين بل يمكنه أن يستعمل غير الفضة.
قالوا: فذلك جائز.
ـ فالضبة اليسيرة من الذهب محرمة فتبقى في العموم المتقدم، والضبة الكثيرة من الفضة محرمة فتبقى في العموم المتقدم.
والضبة اليسيرة لغير حاجة كزينه ونحوها فإن ذلك محرم.
وإنما المباح الضبة اليسيرة عند الحاجة هذا هو مذهب الحنابلة.
ـ وذهب بعض الحنابلة إلى أنه مباح للحاجة وغيرها.
وهذا هو قول شيخ الإسلام ابن تيمية.
وهذا أصح، إذ الحاجة لا تبيح محرماً، ونحن إذا قلنا بجوازه فلا فرق بين أن يكون ذلك للحاجة أو غيرها.
ـ واستدل الحنابلة وهو مذهب الجمهور على قولهم، بما ثبت في البخاري من حديث أنس بن مالك: ((أنه كان عنده قدح النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ فأنكسر فاتخذ مكان الشَّعب سلسلة من فضة)) .
قالوا: لفظة (فاتخذ) تدل على أن المتخذ هو النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ فالمتخذ ـ عندهم ـ هو النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ أي إتخذ مكان الشعب ـ أي هذا الشق اتخذ مكانه سلسلة من فضة، فالمتخذ ـ على هذا القول هو: النبي ـ صلى الله عليه وسلم.
ـ وذهب الإمام مالك ـ رحمه الله ـ وهو مذهب الليث وهو مذهب طائفة من الصحابة والتابعين إلى أن الضبة اليسيرة كذلك لا تجوز.
وقالوا: المتخذ هنا إنما هو أنس بن مالك ويدل على ذلك ما في البخاري من رواية عاصم الأحول قال: رأيت قدح النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ عند أنس بن مالك، وقد انصدع فسلسلة سلسلة من فضة) فالمسلسل هنا إنما هو أنس.
وأصرح منه رواية محمد بن سيرين قال: إنه كان فيه ـ أي في هذا القدح ـ حلقة من حديد فأراد أنس بن مالك أن يجعل مكانها حلقة من ذهب أو فضة فقال له أبو طلحة: ((لا تغيرن شيئاً صنعه النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ فتركه)) .
إذن: كان هذا الإناء الذي هو قدح النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ كان فيه حلقة من حديد، فأراد أنس أن يغيرها فنهاه أبو طلحة الإنصاري ـ زوج أمه ـ ثم بعد ذلك غيَّره أنس وجعل ذلك فضة على الإختيار.
إذن: فاعل ذلك ليس هو النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ وإنما هو أنس.
ـ وأنس ـ رضي الله عنه ـ صحابي وقوله حجة لكن إذا لم يعلم له مخالف.
وهنا له مخالف وهو ابن عمر، فقد ثبت في سنن البيهقي بإسناد صحيح: أنه كان لا يشرب من إناء فيه حلقة فضة، أو ضبة فضة) .
إذن: قد خالفه ابن عمر، فلم يبق قوله حجة.
فالقول الراجح: هو ما ذهب إليه الإمام مالك من النهي عن ذلك مطلقاً فالضبة محرمة مطلقا كثيرة كانت أو يسيره من فضة أو غيرها لحاجة أو وغير حاجة كما هو مذهب الإمام مالك ـ رحمه الله ـ.
ـ واعلم أن مما استدل به أهل العلم على تحريم الضبة على الإطلاق: مارواه الدارقطني وقال: إن إسناده حسن: من حديث ابن عمر: (أن النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ: (نهى أن يشرب من إناء ذهب أو إناء فضة أو إناء فيه شيء منهما فمن فعل ذلك فإنما بجرجر في بطنه نار جهنم) ، لكن الحديث من حديث زكريا بن إبراهيم بن عبد الله بن مطيع عن أبيه عن ابن عمر.
وزكريا مجهول وكذلك أبوه فالحديث ضعيف، وقول الدارقطني: "إسناده حسن" ليس بحسن بل الحديث ضعيف وقد ضعفه ابن القطان وابن تيمية والذهبي وابن حجر، فالحديث ضعيف لا يحتج به، ومع ذلك فإن الضبة محرمة للتعليل المتقدم.
- قوله: ((وتكره مباشرتها لغير حاجة)) : إذن: هي جائزة أولاً، ولكن مباشرتها مكروهة لغير حاجة.
فكونه يستعملها فيشرب مباشرة من هذه الضبة فَتُمَس بَشْرَتُه ذلك مكروه إلا إذا احتاج إلى ذلك، فإذا احتاج إلى ذلك فإن الكراهية تزول.
وعللوا ذلك: بأن مباشرتها إستعمال لها، ومقتضى هذه العلة التحريم؛ لأن الإستعمال محرم.
والظاهر أن ذلك لا حرج فيه مادام أن هذه الضبة جائزة، وأبيح فعلها في الإناء فإنه ـ حينئذ ـ لا حرج في مباشرتها، والكراهية حكم شرعي لابد له من دليل.
والحمد لله رب العالمين.
- قوله: ((وتباح آنية الكفاية ولو لم تحل ذبائحهم، وثيابهم إن جهل حالها)) .
ـ (تباح آنية الكفار) : من المشركين، وأهل الكتاب.
(ولو لم تحل ذبائحهم) : أي وإن كانوا غير كتابيين.
فالمشركون إو كفار وإن كانوا غير كتابيين فإن آنيتهم طاهرة يحل للمسلم أن يتطهر فيها ويحل له أن يأكل فيها ويشرب، وهذا هو الأصل؛ فإن الأصل في الأشياء الإباحة.
قال تعالى: ((هُوَ الَّذِي خَلَقَ لَكُم مَّا فِي الأرْضِ جَمِيعاً)) ـ ولكن إن ثبت أن فيها نجاسة أو عين محرمة فإنه لا يحل له أن يتسعملها حتى يغسلها.
ـ والأدلة الدالة على هذه المسألة ـ أي مسألة حل آنيتهم وأنها لا تحل إن علمت النجاسة فيها ـ. ـ ما ثبت في مسند أحمد بإسناد صحيح أن النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ: (أضافه يهوديّ على إهالة ـ وهي الودك المذاب (سنخه) أي متغيرة) فهذه آنية يهودي وهو من أهل الكتاب.
ـ أما أواني المشركين: فقد ثبت في الصحيحين من حديث عِمران بن الحصين وهو حديث طويل: أن النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ (توضأ من مزادة امرأة مشركة) ، فهذان الحديثان تدلان على طهارة آنية الكفار.
ـ أما إذا ثبت أن فيها نجاسة، فإنه لا يحل له أن يأكل أو يشرب أو نحو ذلك من الإستعمالات ـ لا يحل له ذلك، فقد ثبت في الصحيحين من حديث أبي ثعلبه الخشني قال: (قلت يا رسول الله: إنا بأرض قوم أهل كتاب "وفي رواية لأبي داود: وإنهم يطبخون في قدورهم الخنزير ويشربون في آنيتهم الخمر"، فنأكل في آنيتهم فقال رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ: (لا، إلا أن لا تجدوا غيرها، فاغسلوها وكلوا فيها) .، وقد تقدم في رواية أبي داود أن هؤلاء النصارى كانوا بطبخون في قدورهم الخنازير ويشربون في أوانيهم الخمر.
ـ وقد ثبت في مسند أحمد بإسناد حسن عن ابي ثعلبة الخشني أنه قال: للنبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ (أفتنا في آنية المجوس إذا اضطررنا إليها "وآنية المجوس الغالب فيها أنها تستعمل في الطعام المحرم فإنه لا تحل ذبائحهم وهم يأكلون الميتة" فقال النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ: " إذا اضطررتم إليها فاغسلوها واطبخوا فيها".
ـ إذن: هذه الأدلة تدل على أن آنية الكفار طاهرة ما لم يثبت أن فيها نجاسة فإنه لا يحل للمسلم أن يأكل فيها حتى يغسلها.
ـ مما يدل على طهارة أواني الكفار ـ أيضاً ـ ما ثبت في مسند أحمد وسننن أبي داود بإسناد صحيح عن جابر قال: كنا نغزو مع رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم فنصيب من آنية المشركين وأسقيتهم، فنستمتع بها فلم يعب ذلك علينا) .
ـ ومثل ذلك ثيابهم التي يستعملونها في اللبس فإنها كذلك حلال لبسها وهي طاهرة إن جهل حالها.
إذن: إذا علمت طهارتها فلا شك في جواز لبسها وفي طهارتها.
ـ وإذا جهل حالها ـ أي لم تعلم نجاستها فإنها كذلك.
أما إذا ثبتت نجاستها فلا تحل حتى تُغسل.
ـ أما أوانيهم أو ثيابهم التي صنعوها أو نسجوها للمسلمين فهذه لا يشك في حلها.
وقد ذكر الموفق وابن القيم، وهو أمر لا يحتاج إلى استدلال بدليل خاص، أن النبي ـ صلى الله عليه وسلم وأصحابه كانوا يلبسون من ثياب الكفار التي صنعوها) .
فإن هذا لا شك في حله، وإنما البحث في الثياب التي استعملت أو الأواني التي استعملت.
ـ وثياب الصبيان لبسها ـ كذلك ـ لا يؤثر،وإذا كان شيء من ثيابهم التي لم تعلم نجاستها ـ إذا وقع على ثوب فصلي أو كان على شيء من ثيابه، فإن ذلك لا حرج فيه، وقد ثبت في الصحيحين، أن النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ: (صلى وهو حامل أمامة بنت زينب، وهو لا يعلم ـ ولا شك ـ وجود نجاسة فالأصل هو عدم النجاسة) .
- قوله: ((ولا يطهر جلد ميتة بدباغ، ويباح إستعماله بعد الدبغ في يابسي إذا كان من حيوان طاهر في الحياة)) .
(ولا يطهر جلد ميتة بدباغ) : هذا هو المشهور في المذهب، وهو إحدى الراويتين عن الإمام أحمد ـ وهو كذلك المشهور في مذهب المالكية ـ وهو أن جلد الميتة مطلقاً لا يطهر بدباغه سواء كان مأكول اللحم كالشاة ونحوها، أو لم يكن مأكوله.
ـ أما قبل الدباغ فاتفق أهل العلم على أن الجلد لا يحل الإنتفاع به ـ إلا ما روى عن الزهري ـ رحمه الله ـ من أباحته ذلك، وهو محجوج بالسنة كما سيأتي.
ـ إذن: اتفق أهل العلم على أن جلد الميتة قبل الدباغ لا يحل الإنتفاع به.
وإنما الخلاف فيه بعد الدباغ.
فالمشهور في مذهب أحمد ومالك أن جلد الميتة إذا دبغ فإنه لا يطهر بذلك.
لكن يباح أن يستعمل مع يابس إن كان يابساً لأن الجلد نجس، وإذا ماس شيئاً يابساً فإن النجاسة التي فيه لا تنتقل؛ لأن النجاسة لا تنتقل من يابس إلى مثله.
قوله: (ويباح إستعماله بعد الدبغ في يابس، إذا كان هذا الجلد من حيوان طاهر في الحياة) . واستدلوا على القضية الأولى، أي أنه لا يطهر الجلد بدباغة بما روى الإمام أحمد ـ والحديث صحيح ـ وقد ضعفه بعض أهل العلم، والأظهر هو تصحيحه، عن عبد الله بن عكيم، قال: (قُرأ علينا كتاب رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ في أرض جهينة، وأنا غلام شاب ألا تنتفعوا من الميتة بإهاب ولا عصب) .
قالوا: فهذا الحديث يدل على أن الإهاب لا يحل الإنتفاع به.
قالوا: والإهاب هو الجلد.
ـ واستدلوا بما رواه ابن وهب بإسناده ـ وقال غير واحد كالموفق إسناده حسن، أن النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ قال: (لا تنتفعوا من الميتة بشيء) ، وقال الموفق إسناده حسن.
ـ لكن الصحيح أن الحديث ضعيف فيه زمعة بن صالح، وهو ضعيف.
ـ فإن قيل: فما هو الدليل على جواز إستعماله بعد الدبغ؟؟ قالوا: الأحاديث التي ورد ذكر الدبغ فيها، فنحن نستدل به على جواز إستعماله، ونجاسته عندنا، فنحن نشترط أن يكون في يابس، هذا هو القول الأول.
ـ والقول الثاني، وهو مذهب جمهور أهل العلم وهي الرواية الأخرى عن الإمام أحمد وهي الرواية المتأخرة التي رجع إليها واختارها بعض أصحابه أن جلد الميتة إن دبغ فإنه يطهر.
وهذا القول هو مذهب الجمهور ـ في الجملة ـ أي أن هناك لكل مذهب تفاصيل.
فمذهب الظاهرية إلى أن كل جلد يطهر بالدباغ أي ولو كان جلد خنزير أو كلب.
ـ وقال الشافعية يطهر ـ بالدباغ ـ كل جلد سوى جلد الخنزير والكلب.
ـ واستثنى الأحناف جلد الخنزير.
ـ وأما الحنابلة في الرواية الأخرى فإنهم قالوا: يطهر جلد كل طاهر في الحياة.
ـ وهناك قول آخر (ثالث) : أنه يطهر جلد مأكول اللحم، وسيأتي.
واستدل ـ أهل القول الثاني ـ وهو الجمهور، بأدلة كثيرة منها:
ـ ما ثبت في الصحيحين من حديث ابن عباس: قال تصدق على مولاة لميمونة بشاة فماتت فمر عليها النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ فقال: هلا أخذتم أهابها، فدبغتموه) هكذا في مسلم، وليست هذه اللفظه في البخاري (فانتفعتم به، فقالوا يا رسول الله أنها ميتة، فقال: إنما حرم أكلها) .
وهذه في المسند بلفظ: (إنما حرم لحمها) .
فهذا الحديث فيه أن جلد هذه الشاة قد أمر النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ بدبغها، وأخبر أن الميتة إنما يحرم أكلها وأما غيره فليس بمحرم.
ـ واستدلوا: بما رواه مسلم من حديث ابن عباس أن النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ قال: (إذا دبغ الأديم فقد طهر) .
وهو عند الأربعة بلفظ: (أيما إهاب دبغ فقد طهر) .
وفي صحيح ابن حبان عن عائشة قالت: (أمر النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ أن نستمتع بجلود الميتة إذا دبغت) .
وثبت ـ عنده ـ أي ابن حبان ـ بإسناد صحيح أنه قال: (دباغ جلود الميتة طهورها) .
فهذه أحاديث تدل على أن الميتة جلدها إذا دبغ فإنه يطهر.
ـ أما الجواب على دليل أهل القول الأول.
فالجواب أن يقال: أما على القول يتضعيف الحديث فلا إشكال.
ـ أما على القول بتصحيحه ـ وهو الراجح ـ فالجواب: أن يقال إن الإهاب كما ذكر غير واحد من اللغويين كالخليل وغيره إن الإهاب إنما يطلق على الجلد قبل أن يدبغ، أما إذا دبغ فإنه لا يسمى إهاباً.
فعلى ذلك، حديث عبد الله بن عكيم (ألا تنتفعوا من الميتة بإهاب ولا عصب) معناه: أي لا تنتفعوا من جلود الميتة قبل أن تدبغوها ـ وهذا ما اتفق عليه أهل العلم.
ـ والجواب الآخر: أن يقال: إن هذه الأحاديث التي استدللنا بها أصح من هذا الحديث الذي لم يروه أحد من أهل الصحيحين، وهو كذلك مختلف في صحته كما تقدم ـ وليس صريحا ـ كذلك ـ في تحريمه.
ـ أما أهل القول الأول: فقد أجابوا على أهل القول الثاني: بأن قالوا: إن حديث عبد الله بن عكيم ناسخ للأحاديث، فإن في بعض رواياته: (قبل موته بشهر أو شهرين) .
والجواب على هذا: أن يقال: وما المانع أن تكون الأحاديث الأخرى قد وردت قبل شهرين دون ذلك فإنها ليس فيها التصريح بأنها كانت قبل هذه المدة التي قرأ فيها كتاب رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ في أرض جهينة.
إذن: الراجح ما ذهب إليه أهل القول الثاني من القول بأن جلود الميتة تطهر بالدباغ.
ـ فإذا ثبت لنا هذا، فاعلم أن الأصحّ أن هناك مذهبان هما أصح المذاهب فيمن قال بطهارة جلود الميتة بعد دباغها:
1ـ القول الأول: أن جلد ما كان طاهر في الحياة فإنه يطهر بالدباغ سواء كان مأكول اللحم أم لم يكن مأكول اللحم.
فكل جلد لحيوان طاهر في الحياة سواء أكل لحمه كالأنعام أم لم يكن مأكول اللحم كالهر فإنه يطهر إذا دبغ وهذا القول رواية عن الإمام أحمد وقد اختارها بعض أصحابه.
وحكى صاحب الإنصاف أن شيخ الإسلام ابن تيمية اختار هذا القول أن جلد الميتة التي هي طاهرة مأكولة اللحم أم لم تكن مأكولة، وقد اختاره الشيخ محمد بن إبراهيم ـ وسيأتي بحث أهل العلم فيما يكون نجساً في الحياة.
2ـ القول الثاني: أن الحيوانات التي يطهر جلدها إنما هي مأكولة اللحم فحسب.
فإذا كان الحيوان يؤكل لحمه فإن الدبغ يؤثر في جلده فيكون طاهراً، وهذا مذهب الليث وإسحاق والأوزاعي، وهو ما اختاره شيخ الإسلام كما في الفتاوي وكما في شرح العمدة، فعلى ذلك يكون ما ذكره صاحب الإنصاف من اختيار شيخ الاسلام للقول الأول فيه نظر، أو أن يكون المشهور عن شيخ الإسلام ابن تيمية هو هذا القول؛ لأن شيخ الاسلام شرح العمدة على طريقة المذهب وقد شرحه قبل أن يشتهر بالترجيح والاجتهاد وأما الفتاوى فهي بهد أن اشتهر بالإجتهاد.
فهذا إذن: هو قول شيخ الاسلام ابن تيمية، واختاره من المتأخرين الشيخ عبد الرحمن بن سعدي وطائفة من المعاصرين.
إذن عندنا قولان هما أصح الأقوال عند القائلين بطهارة الجلد بعد دباغها.
أما القول الأول: فهو أن الحيوان الطاهر في الحياة سواء أكل لحمه أم لم يؤكل فإنه يطهر.
واستدلوا: بعموم قوله ـ صلى الله عليه وسلم ـ: (إذا دبغ الإهاب فقد طهر) ، وأصرح منه عموماً: (أيما إهاب دبغ فقد طهر) .
وكذلك بقوله صلى الله عليه وسلم: (دباغ جلود الميتة طهورها) وقد أمر النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ أن نستمتع بجلود الميتة إذا دبغت.
فهذه كلها عمومات تدل على أن كل حيوان يدبغ جلده فإن الجلد يطهر.
وإنما استثينا ما كان نجساً في الحياة؛ لأنه نجس عين، لذا هو نجس حياً ميتاً فلم يكن الدبغ مؤثراً فيه: (وهذا فيه لمن عم الحيوانات النجسة في الحياة) .
ـ أما أهل القول الثاني: فالذين قالوا: لا يطهر إلا جلد مأكول اللحم: فاستدلوا: بما رواه أحمد وأبي داود والنسائي بإسناد صحيح أن النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ قال: (دباغ الأديم ذكاته) .
فقالوا: قد ذكر النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ أن دباغ الأديم الذكاة له، فلم يكن ذلك مؤثراً ـ أي الدباغ ـ إلا فيما تؤثر فيه الزكاة من الحيوانات.
ـ وفي هذا الدليل نظر: فإن النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ قال: (دباغ الأديم ذكاته) فنسب إضافة الذكاة إلى الإهاب أو الأديم، ومعلوم أن الذكاة التي جعلوها دليلاً على هذه المسألة إنما تنسب إلى الحيوان نفسه ولا تنسب إلى أديمه.
فيكون المعنى هنا: (دباغ الأديم طهوره) أي ذكاته أي كما أن الذكاة تؤثر فيه طهارة وحلاً، فإن دباغ الجلود كذلك يؤثر فيه طهارة وحلاً.
وحديث ابن عباس في بعض ألفاظه: (دباغة طهوره) وقد تقدم حديث سلمة بن المحبق (دباغ جلود الميتة طهورها) على ذلك: الذكاة هي نفسها الطهور.
ـ ولذا: لا يقال بحله طعاما وهو مذهب جمهور الفقهاء يقول تعالى: (حرمت عليكم الميتة) ، وقوله: (إنما حرم أكلها) .
خلافا لما ذهب إليه بعض الشافعية وبعض الحنابلة إستدلالاً بهذه اللفظة.
فإن قول النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ: (إنما حرم أكلها) صريح بتحريم كل شيء وأن الجلد إنما ينتفع به في غير الأكل.
فالأرجح: هو هذا القول وهو ما ذهب إليه الإمام أحمد في الرواية المتأخرة عنه: وأن الجلد الذي يطهر إنما هو جلد الحيوان الطاهر في الحياة فهذا هو الذي يؤثر فيه الدباغ وأما غيره فإنه لا يؤثر فيه.
ـ وقريب منه في القوة المذهب الذي هو أضيق منه وهو القائل: بأنه لا يطهر من جلود الميتة إلا جلد ما كان مأكول اللحم.
ـ ومن أدلة أهل القول الثاني: ما ثبت في سنن أبي داود والنسائي أن النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ: (نهى عن جلود السباع) وفي الترمذي: (أن تفترش) .
قالوا: فهذا دليل ـ وقد استدل به شيخ الاسلام ـ على هذا القول.
ـ ولكن هذا الإستدلال فيه نظر، فنعم الحديث إسناده صحيح لكن الاستدلال به فيه نظر فإن الحديث إنما فيه تحريم الإفتراش ونحوه الذي بجلود السباع وليس فيه أنها نجسه.
كما حرم الشارع الذهب والحرير على الرجال وليس ذلك لنجاستها.
وإنما حرم الشارع الجلوس والإفتراش على جلود السباع لما فيها من الخيلاء والاستطالة ونحو ذلك فليس في الحديث أن ذلك لنجاستها ـ على أنه لا يحل دباغها؛ لأن في دباغها إستعمالاً لها ـ ولكن لا يعني ذلك أنه إذا فعل ذلك فإنها تكون نجسة بحيث أنها إذا أصابت ماءاً أو نحوه فإنها تنجسه فإن الحديث ليس فيه شيء من ذلك وإنما فيه النهي فحسب وليس فيه ذكر نجاسها.
ـ كما كان من شيخ الإسلام ـ رحمه الله ـ كما تقدم في مسألة النهي عن البول في الماء الراكد ـ وذكر أن ذلك ليس لنجاسته وإنما فيه مجرد النهي وهذا نظير له.
فالأرجح إذن: طهارة الجلود أولاً: من حيث الجملة، ثانياً: أن الجلد الذي يؤثر فيه الدبغ إنما هو جلد ما كان طاهراً في الحياة.
ـ واعلم أن الدبغ: يشترط أن يكون فيما يذهب خبثه ونجاسته ورجسه من القرظ ونحوه وقد ثبت في سنن أبي داود والنسائي أن النبي عليه الصلاة والسلام: (مرّ بشاة يجرونها، فقال: لو أخذتم أهابها، فقالوا: إنها ميتة، فقال النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ: يطهرها الماء والقرْظ)
والقرظ: مادة مطهرة معروفة.
ـ وإذا طهر كذلك بعدها فلا بأس، والواجب أن تكون هذه المادة مطهرة تزيل النجس، والخبث الموجود في هذا الجلد.
وقد ثبت في مستدرك الحاكم وصححه ووافقه الذهبي، ورواه البيهقي وقال: إسناده صحيح أن النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ أتى إلى سقاءٍ يتوضأ منه، فقيل: إنه ميته ـ أي هذا الجلد من ميته ـ فقال النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ: (دباغه يذهب خبثه أو نجسه أو رجسه) .
فالدباغ لابد وأن يذهب الخبث أو النجس أو الرجس.
ـ وهل يشترط أن يكون مع هذا المزيل ماء أو لا يشترط ذلك؟؟
قولان في مذهب الحنابلة.
1ـ أنه يشترط 2ـ أنه لا يشترط ذلك.
والأظهر: عدم إشتراط ذلك للقاعدة التي تقدم ذكرها، وإنما ذكره النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ؛ لأنه من أفضل المطهرات، فقال: (يطهرها الماء والقرظ) .
لذا نحن لا نشترط القرظ بعينه بل نجيزه كذلك بغيره فكل شيء أزال خبثه ونجسه من قرظ أو غيره مع ماء أو دون ماء، فإن ذلك يزيله، فإذا أزال الخبث الذي فيه فإنه لا يشترط أن يكون ماءً ولا قرظاً.
والحمد لله رب العالمين.
الدرس العاشر:
- قال المصنف: رحمه الله: ((ولبنها وكل أجزائها نجسة غير شعر ونحوه)) :
ـ تقدم البحث في جلد الميتة، وأن الراجح من أقوال أهل العلم: أن جلد الميتة يطهر بدباغه إن كان طاهراً في الحياة.
أما هنا: ففي قصة أجزاء الميتة.
ـ أما لبن الميتة فالمشهور في المذهب أنه نجس، وكذلك أنفحتها، والإنفحة هي سائل أبيض صفراوي يوجد في وعاء في بطن الجدي ونحوه، فيجبن اللبن ويسمى (المخبّنة: فهي التي تجعل اللبن ـ عندما توضع فيه ـ وتجعله جبنا.
فهذه ومثلها اللبن في المشهور من المذهب وهو مذهب الجمهور: هي نجسة واستدلوا: بالأثر والنظر.
أما الأثر: فاستدلوا بأثار عن الصحابة منها:
ما روى الطبراني ورجاله ثقات: كما قال الهيثمي، وقد رواه البيهقي عن ابن مسعود قال: (لا تأكلوا الجبن إلا ما صنع المسلمون وأهل الكتاب) ، وذلك لأنه يستخرج من ذبائحهم وذبائحهم حلال، كما قال البيهقي وقد ذكره البيهقي عن ابن عباس وأنس ابن مالك ـ رضي الله عنه ـ وقال: وكل استدل بآثار ينقلها عن الصحابة.
قالوا: ـ أي الجمهور ـ فهذه آثار عن الصحابة ولم يتبين لنا مخالف لهم فحينئذ: تكون حجة على نجاسة الإنفحَّة، ومثلها اللبن.
ـ أما النظر: فقالوا: هذا وعاء نجس، وقد لاقى ـ أي اللبن أو الإنفحة ـ نجاسة فينجس بها، فهذه الميتة نجسه وهذه الإنفحة أو هذا اللبن قد لاقاها فيكون نجساً، وهذا على القول بأن المائعات تنجس بملاقاة النجاسة ولو لم تتغير وهذا قول ضعيف.
بل الراجح أن المائعات لا تنجس إلا بالتغير كالماء.
قالوا: وهي جزء من الميتة، فالأنفحة جزء من الميتة وكذلك اللبن قبل أن يستخرج منها فما هو إلا جزء فيها، فعلى ذلك هو ميتة، وقد قال تعالى (حرمت عليكم الميتة) .
2ـ وذهب الأحناف إلى أن الإنفحة ليست بنجسه ومثلها اللبن وهو إحدى الروايتين عن أحمد إختارها صاحب الفائق، وقال الشافعية إن كانت السخلة لا تشرب إلا اللبن دون غيره فهي طاهرة وهو قول الأكثرين واختاره النووي.
واستدلوا: بأن الصحابة لما أتوا المدائن كانوا يأكلون الجبن، مع أن أهل المدائن كانوا مجوساً وذبائحهم لا تحل ومع ذلك أكل الصحابة هذا الجبن المصنوع.
أما النظر: فقالوا: اللبن والإنفحة منفصل عن الميتة فهي ليست من الميتة فعلى ذلك هي طاهرة.
ـ والأظهر هو القول الأول وهو مذهب جمهور أهل العلم.
ـ واختار قول الأحناف شيخ الإسلام ابن تيمية كما في الفتاوي وغيرها.
والراجح القول الأول لصحة الآثار الثابتة عن الصحابة في ذلك.
ـ أما ما ذكره الأحناف وذكره شيخ الإسلام فإنهم لم يسندوه إلى كتاب فينظر في صحته هذا أولاً.
وثانياً: وهو أضعف من الجواب المتقدم ـ قيل أن الجزارين الذين كانوا يذبحون ذبائحهم كانوا من اليهود والنصارى وذبيحة اليهود والنصارى حلال، فهي دولة ذات ملك عظيم وكان الذابحون لهم من اليهود والنصارى فإذا ذبحوا فذبيحتهم حلال.
ـ لكن الوجه الأول أقوى، وهو أن يقال: إن الآثار لم تسند إلى كتاب فينظر في صحتها، وعندنا آثار عن الصحابة لا نعلم لها مخالف.
والثاني: أنها جزء من الميتة وقد قال ـ صلى الله عليه وسلم ـ: (إنما حرم أكلها) وقال تعالى: ((قل لا أجد فيما أوحي إليّ محرماً على طاعم يطعمه إلا أن يكون ميتة)) .
والجبن مطعوم وهو متضمن للأنفحة، وكذلك اللبن مطعوم وهو يستخرج من الميتة، كما أنه لا يؤمن أن يتسرب إليه أشياء من تعفنات الميتة، فعلى ذلك لا تحل الأجبان المصنوعة من الأنفحة التي تؤخذ من ذبائح غير شرعية تكون نجسة، لأنها من الميتة وقد قال تعالى: (حرمت عليكم الميتة) وقبل ذلك الألبان التي يستخرج منها فإنها نجسة وهذا مذهب جمهور الفقهاء، وهو مذهب من تقدم ذكرهم من الصحابة ولا يعلم لهم مخالف.
ـ أما البيضة التي في الميتة:
فالمشهور في المذهب: أنها إذا كانت ذات قشر فإنها تكون طاهرة وذلك لأنها قد تم تخلقها وهي ـ حينئذ ـ منفصلة عن الميتة فأشبهت الولد الذي يكون في بطن الميتة فإنه إذا استخرج منها فإنه له حكم الأحياء.
فإذن: إذا كان فيها قشر فهي كالولد.
وإن لم يكن بها قشر فهي كالأنفحة واللبن.
هذا هو المشهور في المذهب وهو مذهب بعض الأحناف وبعض الشافعية.
ـ وأما مذهب أبي حنيفة فإنه كمذهبه في اللبن والأنفحة فقد رأى أنها مطلقاً تكون طاهرة وهذا هو المشهور في مذهب المالكية.
ـ وذهب بعض الشافعية إلى نجاستها مطلقاً.
والراجح هو القول الأول للتعليل السابق: فهي إذا كانت ذات قشر فإنها كالولد في الميتة منفصل وهي ذات أجزاء منفصلة إنفصالاً تاماً لا مماسة إلا من خارجه، ولا يكون مؤثراً فيه ولا يمكن أن يتسرب إلى البيضة شيء من ذلك فهي طاهرة.
أما إن لم تكن ذات قشر فهي كاللبن والأنفحة.
وهذا هو المشهور في المذهب وهو مذهب بعض الأحناف وبعض الشافعية وهو الراجح.
أما عظم الميتة وظفرها أو حافرها ونحوه هل هو نجس أم لا؟؟
1ـ فذهب جمهور أهل العلم إلى القول بنجاسته؛ لأنه داخل في الميتة وقد قال تعالى: ((حرمت عليكم الميتة)) .
قالوا: وقد كان العظم أو نحوه يتألم ويتحرك وهذه هي الحياة، فما كان قابلاً للحياة فهو قابل للموت فيدخل في قوله تعالى: ((حرمت عليكم الميتة)) .
2ـ وذهب الأحناف وهذا اختيار شيخ الإسلام وتلميذه ابن القيم إلى أن العظم والظفر ونحوهما ليس بنجس.
وهذا القول أصح من القول الأول، ويدل عليه قوله ـ صلى الله عليه وسلم ـ: (إنما حرم أكلها) وفي رواية أحمد: (إنما حرم لحمها) .
ـ أما كون العظم: يتحرك ويتألم ونحو ذلك فهذه ليست صفة ثابتة فيه بنفسه وإنما ثابتة له تبعاً لوجوده في هذا الكائن الحي، فهي صفة ليست ثابتة فيه بإرادته فهو يتحرك بلا إرادة وإنما هو تبع هذا الكائن الحي ـ هذا هو الرد على تعليلهم.
وأما الدليل على ذلك: فهو أن النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ قد حكم على الماء الذي يقع فيه الذباب بأنه لا ينجس وقاس عليه أهل العلم، باتفاقهم كل ما ليس له دم من الكائنات.
فالكائنات التي لا دم لها فلا تنجس بالموت كالجراد، ونحوه، فإذا ثبت هذا فأولى منه في هذا الحكم العظم فإنه لا دم فيه.
وكذلك الحركة فيه أضعف من الحركة فيها، فالحركة فيها بإرادتها فهي حركة تامة في حيوان تام، أما هو فحركته تبعاً وليست بإرادية وهذا هو الأرجح وإنه ليس بنجس.
فإن قيل: قلنا بنجاسة الجلد؟؟
قالوا: لأن الجلد يتسرب إليه النجاسات بخلاف العظم.
فإن الجلد يتسرب إليه الدم الذي يكون محبوساً في هذا الحيوان وهذا القول ـ في الحقيقة ـ راجح.
إلا أنه قد يضعف فيما إذا تبين رقة العظم وأنه يتسرب إليه النجاسات ويمكن إنتقالها إليه فإنه ـ حينئذ ـ يقوى القول بنجاسته.
ـ هذا على القول بأن سبب نجاسة الميتة هذا الدم المحبوس فيها وهذا هو مذهب جماهير العلماء ـ أي أن سبب ـ نجاسة الميتة هو الدم المحبوس فيها.
إذن: عظم الميتة، وظفرها ونحوه ليس بنجس كما هو مذهب الأحناف واختيار شيخ الإسلام.
ـ أما ريش الميتة وشعرها ووبرها وصوفها، فقد اختلف فيه أهل العلم:
1ـ فذهب جمهور أهل العلم إلى أنه طاهر.
ـ وذهب الشافعية إلى أنه نجس، فدليلهم هو نفس الدليل المتقدم، وهو قوله تعالى: ((حرمت عليكم الميتة)) ، والميتة شامل لكل ذي روح قد فارقته روحه، وما يتصل به، والشعر متصل به فعلى ذلك هو مُحَرَّم.
ـ وأما الجمهور فقالوا إنا بالإجماع نقول: إن الحيوان إذا جُزّ شعره وهو حي فإن هذا الشعر طاهر فدل على المفارقة بين اللحم والشعر، فإن اللحم إذا فارق الحي فإنه نجس وهو ميتة.
أما الشعر فإنه طاهر بالإجماع وهو حلال، فدل على أن هناك فرقاً بين الشعر وبين اللحم.
فالشعر ينجس بجزه من الحي، ويكون طاهراً بإجماع أهل العلم كما حكاه ابن حجر.
وأما اللحم فإنه بالإجماع إذا قطع من الحية فإنه ميتة نجس محرم.
فدل على أن الشارع فرق بين الأمرين.
ـ على أن الشعر لا يحل فيه الحياة مطلقاً، فهو ليس موضعاً للحياة على الإطلاق وعلى قولنا بأن العظم ليس بنجس وهذا الراجح فأولى منه الشعر وقد قال صلى الله عليه وسلم: (إنما حرم لحمها) .
فإذن: الميتة شعرها ووبرها وريشها وصوفها: كل ذلك طاهر سواء جُزّ منها ميتة أو حية ـ وسيأتي بيان هذا إن شاء الله عند الكلام على القضية الأخرى.
ـ ومما استدل به أهل العلم على أن هذه الأشياء ـ أي الصوف ـ أنها طاهرة وليست بنجسه، قوله تعالى: ((ومن أصوافها وأوبارها وأشعارها أثاثاً ومتاعاً إلى حين)) ، فذكر الله ـ عز وجل ـ أن مِنْ مِنَنِهِ على عباده أنه منّ عليهم بالأصواف والأوبار والشعور يتمتعون بها في هذه الحياة، وما كان في سياق الإمتنان فإنه يدل على العموم ـ كما هو معروف عند أهل العلم ـ فتكون هذه الأصواف وغيرها طاهره في كل حال لأن الآية تدل على العموم.
وهي ـ عند جمهور العلماء طاهرة، وقالوا: يشترط أن تكون من طاهر في الحياة.
إذن: إذا جُزّت من بهيمة الأنعام ونحوها مما هو طاهر في الحياة سواء كان مأكول اللحم أو غير مأكول فإنها طاهرة.
ـ أما إذا جُزّت من كلب ونحوه مما هو نجس في الحياة فمذهب جمهور أهل العلم أنها لا تكون طاهرة.
ـ وذهب شيخ الإسلام إلى أنها طاهرة ـ وهذا على مذهبه ـ في أن المستحيل من النجس ليس بنجس، فإذا استحال شيء من النجاسات إلى شيء آخر فليس بنجس، فالشعر الخارج من الحيوانات النجسة ليس بنجس وهذا القول هو الراجح ـ وسيأتي تقريره في باب إزالة النجاسة.
إذن شيخ الإسلام يرى أن كل صوف أو شعر طاهر سواء كان من طاهر أو نجس.
أما الطاهر فلا إشكال، وأما النجس فلأنه طهر باستحالته.
- قوله: ((وما أبين من حي فهو كميتته)) :
أي ما قطع من البهيمة فإن حكم هذا المقطوع كحكم ميتته أي كما لو أنك قطعتها وهي ميته.
ـ فإذا قطعت منها رِجْلاً مثلاً وهي حية، فكما أنه قطعتها منها وهي ميته فتكون محرمة نجسة وإن كان هذا الحيوان طاهراً لأنه حي، وهذه القطعة التي قطعت منه بها حكم الميتة.
ـ ويدل على ذلك ما ثبت في سنن أبي داود والترمذي وابن ماجة بإسناد حسن، والحديث حسنه التّرمذي أن النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ قال: (ما قطع من البهيمة وهي حية فهو ميت) .
وفي الترمذي: أن النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ قدم المدينة وهم يحبون أسنمة الإبل وبقطعون أليات الغنم فقال: (ما قطع من البهيمة وهي حية فهو كميتته) .
فالسمك ميتته حلال فما قطع منها وهي حية فهو طاهر حلال، وكذلك الجراد ونحوها.
أما بهيمة الأنعام فميتتها محرمة كذلك ما قطع منها وهي حية فهو نجس.
ـ وهل مثل ذاك المسك والطريدة؟؟
المسك: هو ما يستخرج من غزلان المسك، وذلك بأن يشد عليه حتى تجري جرياً سريعاً، حتى يخرج عند سرته شيء يتعلق كأنه دم، ثم تربط في أعلاها بعد أن تخرج ثم بعد فترة تقع) .
ـ فهل هذا داخل في ذلك؟؟
الجواب: ليس داخل في ذلك بل هي أشبه بالمولود وهي أشبه بالبيض وأشبه باللبن ونحو ذلك وليست من الدم في شيء بل هي مستحيلة إلى مادة أخرى وهي المسك لذا باتفاق أهل العلم هي طاهرة لا شيء فيها.
ـ وأما الطريدة: فهو بعض الصيد الذي لا يمكن أن يدرك صيداً فإنه يجري خلفه بالسيف ونحوه ثم يقطع منه فهذه القطع كذلك مباحة؛ لأنه لا يمكن ذبحه وسمي بالطريدة وسيأتي بيان حكمها في باب الصيد.
إذن: (ما قطع من البهيمة وهي حية فهو ميت) كما قال ذلك النبي ـ صلى الله عليه وسلم.
والحمد لله رب العالمين.
انتهى باب: الآنية) بحمد الله.
باب: [الاستنجاء]
الاستنجاء: استفعال من نجوْت الشيء: أي قطعته، يقال: نجوْت الشجرة أي قطعتها.
فكأنه قطع الأذي الخارج من السبيلين.
ـ وقيل هو من النَّجْو: وهو المحل المرتفع، كما قال ذلك ابن قتيبة، وذلك لأن القاضي حاجته يقضيها عند محل مرتفع فسمي بذلك.
ـ وقيل غير ذلك.
وأما الاستنجاء في الإصطلاح الفقهي فهو: (إزالة الخارج من السبيلين بالماء أو حكمه بحجر أو نحوه) .
قوله: (أو حكمه) : لأنه لا يزول تماماً بل يبقى شيء من أثره الذي لا يضر وهو معفو عنه، لذا قلنا (أو حكمه) أي حكم النجاسة.
- قال المصنف ـ رحمه الله ـ: ((يستحب)) :
ما سيذكره المصنف من المسائل التي في هذا الدرس يثبت فيها حكم الاستحباب، فمنها ما هو ثابت صراحة في السُّنَّة، فيكون استحبابه عن الشارع بالنص.
ومنها ما يكون تعليلاً وقياساً فيكون استحبابه للتعليل أي ليس للدليل الوارد عن النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ وإنما يكون بالقياس ونحوه.
- قوله: ((يُسْتحَبّ عند دخولِ الخلاء قول: بسم الله أعُوذُ باللهِ من الخُبُثِ والخبائثِ وعند الخروج منه: غُفرَانَك، الحمد لله الذي أذهب عني الأذى وعافاني)) :
الخلاء: هو موضع قضاء الحاجة، وسمي خلاءً: لأنه يُخلي به وينفرد به ويسمى: بالمرفق والمرحاض والكنيف والمذهب والبراز، فكل هذه من أسماء الخلاء وهذه أسماء للمبني لقضاء الحاجة، وقد يكون في الصحراء.
((بسم الله)) : يستحب لمن أراد أن يدخل هذا البيت أن يقول: (بسم الله) . ويقولها ـ إذا كان في صحراء ـ قبيل أن يشرع في قضاء الحاجة، فهذا ـ أي الذكر ـ ليس للكنيف ونحوه فحسب بل حتى إذا كان في الصحراء فالحكم كذلك، ويكون ذلك عند أول تشمره لثيابه.
ويدل على ذلك ما روى الترمذي وأبي داود والحديث صحيح لشواهده، وإلا فقد ضعفه الترمذي لكنه صحيح لا لطريقه الذي رواه الترمذي بل لشواهده أن النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ قال: (سَتْرُ ما بين أعين الجن وعورات بني آدم إذا دخلوا الكنيف أن يقولوا: بسم الله) أي إذا أرادوا أن يدخلوا.
وكذلك يقول: (اللهم إني أعوذ بك من الخُبُث والخبائث) ، لذا قال المؤلف هنا: (أعوذ بك من الخبث والخبائث) وهي رواية.
وفي المتفق عليه: (اللهم إني أعوذ بك من الخُبُث والخبائث) ، فقد ثبت في الصحيحين من حديث أنس بن مالك أن النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ كان إذا دخل الخلاء قال: (اللهم إني أعوذ بك من الخُبُث والخبائث) .
ويقول ذلك إذا أراد أن يدخل الخلاء، كما صرحت بذلك رواية البخاري في الأدب المفرد أن النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ: (كان إذا أراد أن يدخل الخلاء قال..) .
الخُبُْث: تسكين الباء وضمها.
أما بالتسكين: الخُبْث: فهي الشر والقبح، فتكون الخبائث بمعنى النفوس الشريرة.
فيكون المعنى: اللهم إني أعوذ بك من الشر وأهله.
أما بالضم: الخُبُث: فهي جمع خبيث فيكون المعنى: أعوذ بك من ذكران الشياطين وإناثهم.
ـ وعند خروجه من الخلاء: (غفرانك) ، كما ثبت ذلك عن عائشة قالت: كان رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ إذا أراد أن يخرج من الخلاء قال: (غفرانك) : أي أسألك غفرانك، والحديث رواه الخمسة إلا النسائي وإسناده صحيح.
غفرانك: أي أسألك غفرانك، من المغفرة وهي الستر عن الذنب والتجاوز عنه.
ـ وقد بحث العلماء عن الحكمة من قولها عند الخروج من الخلاء ـ أما قول: (بسم الله اللهم إني أعوذ بك من الخبث والخبائث) عند الدخول فواضح مناسبتها.
أما المناسبة من قول (غفرانك) : فقد استشكل على بعض العلماء.
فقال بعضهم: لانقطاعه عن ذكر الله فإنه يستغفر الله؛ لأن هذا ليس محلاً للذكر، لكن هذا ضعيف.
إذن: مقتضى ذلك أن يستغفر الله من كل حال لم يذكر الله فيها والشريعة لم تدل على ذلك.
ـ والراجح: أنه تقول هذا؛ لأنه لما ذهب عنه ثقل الأذي تذكر ثقل الذنب الذي يؤذيه ويثقل عليه.
فهذا أشد من ثقل الأذي الدنيوي، فلما تذكر ذلك دعا الله أن يغفر له ذنبه.
وقوله: (الحمد لله الذي أذهب عني الأذى وعافاني) :
هذا حديث آخر رواه ابن ماجة وغيره، لكن إسناده ضعيف.
ومثله: الحم لله الذي أذاقني لذته ـ أي الطعام ـ وأبقى فيّ قوته، وأذهب عني الأذى) فقد رواه ابن السُّنِّي بإسناد ضعيف.
ومثله: (الحمد لله على ما أحسن في الأولى والأخرى) .
ومثل ذلك ـ أي في الضعف ـ الحديث المشهور عند دخول الخلاء من قول: (اللهم إني أعوذ بك من الرجس النجس الخبيث المخبث الشيطان الرجيم) ، فقد رواه ابن ماجة بإسناد ضعيف، فهذه أحاديث ضعيفه لا تثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم.
ـ فإذا قالها لا على أنها تثبت عن النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ ولم يكن ذلك على أنها سنة فلا بأس بذلك ولا حرج.
وقوله: (المخبث) : أي المفسد خبثاً الموقع وغيره في الخبث.
وكما تقدم فإنه يقول غفرانك إذا خرج من الخلاء.
أما إذا كان في صحراء فإنه يقولها إذا قام من حاجته، فإذا قام من حاجتة وتحول عن موضعه فإنه يقول ذلك:
ـ ومثل هذا ـ في تقديم الرجل اليسرى دخولاً، واليمنى خروجاً ـ كما سيأتي دليله.
فكذلك إذا كانت الصحراء فإنه إلى الموضع الذي يقضي فيه حاجته قدم رجله اليسرى، وإذا قام قدّم اليمنى.
-
قوله: ((وتقديم رجله اليسرى دخولاً واليمنى خروجاً عكس مسجد ونعل)) : ولما لم يكن هناك دليل للنبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ منصوص عليه فإنه ـ حينئذ ـ يلجأ إلى القياس لإثبات هذه المسألة، فقال: (عكس مسجد ونعل) . وهذا هو قياس العكس، فإن المسجد يستحب ذلك أن تبدأ برجلك اليمنى دخولاً واليسرى خروجاً كما روى ذلك الحاكم في "المستدرك" من حديث أنس بن مالك، وأما النعل فقد ثبت في الصحيحين أن النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ قال: (إذا انتعل أحدكم فليبدأ برجله اليمنى، وإذا نزع فليبدأ برجله اليسرى) . وعكس ذلك بيت الخلاء ونحوه قال النووي: (وهو متفق عليه) أي بين أهل العلم.
فقد اتفق أهل العلم على أنه إذا دخل بيت الخلاء فإنه يقدم الرجل اليسرى دخولاً واليمنى خروجا.
ـ وهذا في كل ما هو ضد ما يكون من باب التكريم مما يكون من أذي ونحوه فإنه يقدم رجله اليسرى. -
قوله: ((واعتماده على رجله اليسرى)) : هنا: استحباب في المذهب أن يكون حال قضائه للحاجة قد إعتمد على رجله اليسرى.
وصورة ذلك: أن يكون قد وضع رجله اليمنى في الأرض كأنه جالس للتشهد في الصلاة، فيجعل اليمنى بمنزلة اليسرى في التشهد في الصلاة، فإنك إذا تشهدت في الصلاة تنصب قدمك اليمنى، وكذلك ينصب قدمه اليمنى، وينصب ساقه اليسرى ويتورك عليها.
ـ واستدلوا بما رواه الطبراني في "الكبير" عن سراقة بن مالك،قال: (أمرنا النبي صلى الله عليه وسلم ـ أن نتوكأ على رجلنا اليسرى وأن ننصب اليمنى) أي عند قضاء الحاجة.
وقالوا: لأنه أسهل للخارج وأكرم لليمين.
ـ أما الحديث الذي استدلوا به فهو حديث ضعيف فيه راو متهم.
ـ وأما العلة التي ذكروها فإن فيها شيئاً من النظر، وأما قولهم: أكرم لليمين: فإنه قد يكون الأيسر خلاف ذلك.
فالأظهر أنه يفعل ما يكون أيسر له.
- قوله: ((وبعده في قضاء واستتارة)) : يستحب لمن أراد أن يقضي حاجته إذا كان في فضاء أن يستتر ويبعد، يدل على ذلك ما ثبت في الصحيحين عن المغيرة بن شعبة، وفيه: (فانطلق، أي النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ حتى توارى عني فقضى حاجته) . وروى أهل السنن بإسناد صحيح أن النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ (كان إذا ذهب المذهب أبعد) . وفي سنن أبي داود بإسناد ضعيف ـ لكن الأحاديث المتقدمة تشهد له، أن النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ (كان إذا أراد البراز أبعد حتى لا يراه أحد) . ـ أما استتارة: فالمراد به إستتار بدنه كلية، ذلك لأن ستر العورة ليس من باب المستحبات، وإنما من باب الواجبات، يدل على ذلك ما ثبت في المسند وسنن أبي داود والترمذي أن النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ قال: (إحفظ عورتك إلا من زوجك أو ما ملكت يمينك) . أما إستتاره بالبدن فهو المستحب، وقد ثبت في مسلم أن النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ (كان أحب ما يستتر به هدف أو حائش نخل) . أما الهدف: فهو المكان المرتفع الذي يستتر به.
أما حائش النخل: فهو مجمع النخل الذي يستتر به ومثله حائش الشجر، فهذا هو المستحب وهو أن يكون في موضع يستتر فيه بدنه كله.
أما ستر العورة فهو واجب كما تقدم.
-
قوله: ((وارتياده لبوله موضعاً رخواً)) : رَُِخواً: بتثليث الراء: وهو المكان السهل اللين، وذلك لئلا يعود عليه رشاش البول فيدخل في قلبه شيء من الوسواس أو يصيبه شيء من النجاسة.
والدليل على ذلك: ما رواه أبو داود عن أبي موسى الأشعري أن النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ (إرتاد لبوله محلاً دَمِثاً ـ أي سهلاً ليناً، فقال: (إذا أراد أحدكم أن يبول فليرتد لبوله) لكن الحديث في إسناده جهالة فالحديث ضعيف.
لكن معناه صحيح فإن ذلك يورث الوسوسة وقد يقع عليه شيء من النجاسة، فعليه أن يأتي إلى محل دمث أو نحوه مما لا يبعد إليه رشاش بوله فيقضي حاجته فيه. -
قوله: ((ومسحه بيده اليسرى إذا فرغ من بوله من أصل ذكره إلى رأسه ثلاثاً ونتره ثلاثاً)) : معنى هذا: قالوا، يمسح ذكره من أصله ـ أي من دون الأنثيين إلى أعلاه، يفعل ذلك ثلاثاً، وينتره من جوفه ثلاثاً فإن ذهب وإلا فليمش خطوات قيل: أكثرها سبعون خطوة، فإن لم يذهب فليتنحنح، وإلا فليتعلق بحبل ويرتفع ثم يجلس حتى يقضي حاجته من البول لئلا يخرج ذلك بعد الوضوء، هذا هو مذهب الحنابلة.
ـ ومثل هذا: يبعد أن ينسب إلى الإمام أحمد ـ رحمه الله ـ وقد سأله بعضهم: عما يكون من البلل بعد الوضوء، فقال: (إذا بلت فاتضح على ذكرك ولا تجعل ذلك همك واله عنه) هذا هو قول الإمام أحمد ـ رحمه الله.
لذا قال شيخ الإسلام: (بدعة ـ أي هذا الفعل ـ ولم يقل بوجوبه ولا باستحبابه أحد من أئمة المسلمين والحديث الوارد فيه ضعيف لا أصل له.
وكل ذلك بدعة، فكل ما تقدم من الأوصاف التي تقدم ذكرها كل ذلك يدعه لا أصل له في الشريعة بل لا أصل له في قول أحد من أئمة الإسلام.
ـ وهذا في الحقيقة يورث الوسوسة ويورث سلس البول، وكما قال شيخ الإسلام ـ رحمه الله ـ (بل يترك بطبيعته ويخرج بطبيعته ويقف بطبيعته، قال: وكما قيل هو كالضرع إن حلبته درّ وإن تركته قر) فرحمه الله وهذا هو الذي يقتضيه النظر الصحيح.
ـ فإن قيل: فما رواه أحمد وغيره أن النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ قال: (إذا بال أحدكم فلينتر ذكره ثلاثاً) فنقول: هذا الحديث فيه علتان:
الأولى: أن روايه عن النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ هو يزداد اليماني ولا تصح له صحبه، فالحديث مرسل.
الثانية: أن فيه زَمْعة بن صالح، وهو ضعيف، فالحديث لا يثبت عن النبي ـ صلى الله عليه وسلم.
إذن: عندهم أنه يمسح بذكره ثلاثاً وينتر من الداخل ثلاثاً، والحديث الوارد في ذلك ضعيف وما ذكره من الأوصاف كل ذلك لا أصل له، بل يورث الوسوسة وغيرها من الأمراض.
ـ فإن كان أصيب بشيء من الوسوسة وغيرها فيستحب له أن ينضح على ثوبه شيء من الماء.
ـ ويستحب له مطلقاً ـ أي سواء كان فيه وسوسة أم لا ـ أن ينضح على ذكره بعد بوله ماءً، فقد صح عن النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ كما في أبي داود بإسناد صحيح أن النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ (بال ثم نضح على ذكره) .
وأما الثوب: فلكي يدفع بذلك الوسوسة، وقد قال الموفق: (يستحب له أن ينضح على ذكره وعلى ثيابه ليرفع عن نفسه الوسوسة) .
- قوله: ((وتحوله من موضعه ليستنجي في غيره إن خاف تلوثاً)) :
يستحب له أن يتحول من موضعه الذي قضى منه حاجته إلى مكان غيره ليستنجي فيه.
فإذا أراد أن يستنجي ويزيل الخبث فعليه أن ينتقل إلى موضع آخر لئلا يتنجس بهذه النجاسة أو يقع شيء من الماء على النجاسة فيصيبه شيء من رشاش الماء المختلط بالنجاسة.
ـ وقد روى أهل السنن الأربعة أن النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ قال: (لا يبولن أحدكم في مستحمه ـ أي مغتسله ـ ثم يغتسل فيه) وفي رواية: (فإن عامة الوسواس من ذلك) . فإن ذان يورث الوسواس.
وكذلك هنا: فإنه إذا قضى حاجته انتقل للوضوء أو الغسل إلى موضع آخر لئلا بصيبه شيء من رشاش نجاسته.
ـ واعلم أن مما يستحب له أن يغطي رأسه وهي سنة بكرية ثابتة عن أبي بكر رضي الله عنه.
وروى ذلك البيهقي عن النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ: (أنه كان إذا جامع أهله غطى رأسه وإذا دخل الخلاء غطى رأسه) .
واستنكره البيهقي، وهو كما قال.
لكن قال: "وروى عن أبي بكر وهو صحيح عنه) وهو ثابت عن أبي بكر ـ رضي الله عنه ـ أي من كونه مغطي رأسه عند قضاء الحاجة، وقد نص على استحبابه الموفق والنووي رحمهما الله.
فهذه من المستحبات والآداب التي يستحب للمسلم أن يتأدب بها.
والحمد لله رب العالمين.
الدرس الثاني عشر.
- قال المصنف ـ رحمه الله ـ: ((ويكره دخوله بشيء فيه ذكر الله تعالى إلا لحاجة)) :
يكره لقاضي الحاجة أن يدخل إلى موضع الحاجة بشيء من الأوراق أو شيء من الخواتيم أو بشيء من الدراهم أو الدنانير مما فيه ذكر الله تعالى ـ أي فيه ذكر اسمه ـ سبحانه وتعالى.
قال: ((إلا لحاجة)) : لأن الحاجة تزيل الكراهية.
وأولى من ذلك أن يدخل بشيء فيه ذكر الله تعالى أصلاً كأن يدخل بأوراق فيها ـ إذا كان نحو ـ (سبحان الله والحمد لله، ولا إله إلا الله والله أكبر) أو شيء من كتب العلم.
وأولى من ذلك أن يكون دخوله إلى الخلاء بمصحف، بل قال صاحب الأنصاف من الحنابلة: " لا شك في تحريمه ـ أي الدخول بالمصحف إلى الخلاء ـ ولا يتوقف فيه عاقل ". وتقييده بالحاجة فيه نظر، فإن ظاهره أنه لو أن هناك رجلاً غنياً ومعه مصحف ويخشى عليه السرقة فإنه يجوز له أن يدخل المصحف معه في بيت الخلاء مع أنه يمكنه أن يشتري غيره ـ للحاجة الثابتة هنا، فليس هنا ضرورة وإنما حاجة، فظاهر قوله أن ذلك جائز.
وفيه نظر، فالأظهر أنه لا يجوز ذلك مطلقاً إكراماً للقرآن وإبعاداً له عن مواضع القاذورات.
ـ أما إذا كانت أوراق فيها ذكر الله أصلاً، كأن تكون أوراق فيها الأذكار الصباحية والمسائية نحو ذلك من ذكر الله فيكره دخوله بها.
ويدل على ذلك ـ وسيأتي من الإستدلال على كراهيته أن يتلفظ في الخلاء بشيء من ذكر الله ـ وأولى منه ما كان مكتوباً لثبوته ولزوقه، فإن ما كان مكتوباً ثابت مستقر بخلاف التلفظ بذكر الله فإنه غالباً ما ينقطع.
ومما يدل على أن المكتوب أولى بالكراهية من المنطوق أن الشارع نهى المحدث حدثاً أصغر أو أكبر أن يمس المصحف ولم ينهه عن تلاوته بلسانه، وقد اتفق العلماء على هاتين المسألتين كليهما.
فكونه يكره أن يتلفظ بشيء من ذكر الله أولى منه أن يكون حاملا لشيء فيه ذكر الله.
ـ أما ما ذكره المؤلف فمراده: أن يدخل إلى الخلاء ومعه شيء فيه ذكر اسم الله ـ عز وجل ـ كأن يدخل بورقة فيها إسم (عبد الله) أو نحو ذلك، من الأوراق التي ليس فيها أذكار وإنما تضمنت إسم الله ـ عز وجل.
فإن المذهب كراهية ذلك.
واستدلوا: بما رواه أهل السنن الأربعة من حديث همام عن ابن جريج عن الزهري عن أنس بن مالك أن النبي ـ صلى الله عليه وسلم: (كان إذا دخل الخلاء وضع خاتمه) .
وفي المتفق عليه من حديث أنس بن مالك: (أن نقش خاتمه صلى الله عليه وسلم، محمد رسول الله) . لكن الحديث ـ أي حديث همام ـ ضعيف، فقد تفرد به هكذا همام، وفي حفظه شيء من الضعف.
وقد رواه الثقات عن الزهري عن زياد بن سعيد عن أنس ابن مالك أن النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ (اتخذ خاتماً من ورق ثم ألقاه) لذلك أعله أبو داود والنسائي والدارقطني وغيرهم.
ـ وصححه الترمذي واستغربه، فلعل استغرابه لهذه العلة المتقدمة، وصححه المنذري وابن دقيق العيد.
والصواب تضعيفه للعلة المتقدمة، لذلك ضعفه ابن القيم في تهذيب السنن.
فالحديث معلول.
فالثقات لم يأتوا لهذه اللفظة التي ذكرها همام، وإنما ذكروا أن النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ إتخذ خاتما من ورق ثم ألقاه، وليس في شيء من روايات حديث أنس، مطلقاً، أن النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ كان يضعه إذا دخل الخلاء، هذا هو دليل الحنابلة على الكراهية.
ـ وهناك رواية عن الإمام أحمد: أن ذلك لا يكره، وهو الراجح.
ودليله: ما ثبت لنا عن النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ (أنه كان له خاتم ونقشه محمد رسول الله) ، ولم يثبت لنا في حديث صحيح مطلقاً أنه كان يضعه إذا دخل الخلاء، ولو كان ثابتاً لنقل ذلك فعلى ذلك لا كراهية في ذلك.
ـ ومثل ذلك الدراهم التي فيها ذكر اسم من أسماء البشر فيها ذكر الله.
ـ أما إذا كان فيه لفظه: (لا إله إلا الله) فإنه يدخل في الباب المتقدم.
وعن الإمام أحمد، في كراهية الدراهم التي فيها ذكر الله، عنه قولان:
الكراهية، وعدمها.
والأظهر: الكراهية، إذا كانت فيها لفظة: (لا إله إلا الله) و (سبحان الله) ونحو ذلك من الألفاظ التي هي ذكر الله عز وجل.
ـ أما إذا كان فيها لفظة: (عبد الله) ونحو ذلك؛ فإنه لا يكره لمجرد هذا اللفظ الذي لا يقصد منه ذكر الله، فليس المقصود منه إلا التسمية لهذا الشخص.
ـ ومع ذلك فإن الحاجة في الدخول بالدراهم إلى بيوت الخلاء ترفع كراهية ذلك.
فإذن: ـ أما المصحف فيحرم أن يدخل به.
ـ وأما الأوراق التي فيها ذكر الله عز وجل ويكون الذكر فيها مقصوداً فإنه يكون مكروها.
ـ وأما إذا كان ذكر الله عز وجل قد أتى عرضا ولم يكن مقصوداً بالذكر فإنه لا حرج في ذلك.
- قوله: ((ورفع ثوبه قبل دنوه من الأرض)) : يكره له أن يرفع ثوبه قبل دنوه من الأرض هذا إذا أراد أن يبول قاعداً، والدليل على ذلك: ما روى ابن عمر أن النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ (كان إذا أراد الحاجة لم يرفع ثوبه حتى يدنو من الأرض) رواه أبو داود، والترمذي من حديث الأعمش عن رجل عن ابن عمر، وهذا الرجل مبهم.
وفي البيهقي أنه القاسم بن محمد، فعلى ذلك الحديث صحيح.
ـ وهذا متفق عليه أي استحباب ذلك؛ لأن كشف العورة مكروه فقد قال صلى الله عليه وسلم: (إحفظ عورتك إلا من زوجك وما ملكت يمينك) ، فقيل يا رسول الله: (أرأيت الرجل يكون في الخلاء فقال النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ: (الله أحق أن يستحي منه) .
أما ما رواه الترمذي أن النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ، قال: (إياكم والتعري فإن معكم من لا يفارقكم إلا عند الغائط وعندما يفضي الرجل إلى أهله فاستحيوهم وأكرموهم) فإن الحديث فيه ليث بن أبي سُليم وهو ضعيف فالحديث ضعيف.
ما تقدم من كراهية رفع الثوب حتى يدنو من الأرض، هذا إذا كان يبول قاعداً.
مسألة: حكم البول قائماً:
ثبت في الصحيحين عن حذيفة أن النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ (أتى سُباطة ـ أي زبالة ـ قوم فبالَ قائماً) .
وثبت في سنن النسائي من حديث عبد الرحمن بن حسنة أن النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ: (بال قاعداً فقال بعض القوم انظروا يبول كما تبول النساء) ، ولعل القائلين كفار أو لعلهم مسلمين لم يذكروه على سبيل السخرية بل أرادوا الأخبار.
فهذه الأحاديث تدل على جواز ذلك.
ـ وقال بعض أهل العلم أن النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ بال قائماً لجرحٍ كان في مأبضه ـ أي باطن ركبته ـ، وقد روى ذلك الحاكم أن النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ: (بال قائماً لجرحٍ كان في مأبضه) لكن إسناده ضعيف.
فعلى ذلك لا بأس به ولا حرج ولا كراهية في ذلك.
ـ فإن قيل: قد ثبت عن عائشة ـ كما روى ذلك الترمذي والنسائي وابن ماجة والحاكم ـ أنها قالت: (من حدثكم أن رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ كان يبول قائما فلا تصدقوه، ما كان يبول إلا قاعداً) .
فالجواب: أنها حدثت بما علمت ورأت، وأخبر حذيفة بما رأى وعلم.
ومن حديث عائشة يُستفاد أن الأغلب في حاله أنه كان يبول قاعداً، لذا استنكرت ذلك أم المؤمنين عائشة وكانت من أعلم الناس بحاله ـ صلى الله عليه وسلم ـ.
ـ فإن قيل: قد روى ابن ماجة أن النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ قال لعمر: (يا عمر لا تبل قائماً) (1) ، وقد روى ابن ماجة من حديث جابر (أن النبي ـ صلى الله عليه وسلم نهى أن يبول الرجل قائماً) .
فالجواب: هذان حديثان ضعيفان لا يثبتان عن النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ وقد قال ابن القيم: (لم يثبت عن النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ حديث) أي في النهي عن ذلك.
وهذا هو المذهب أي عدم كراهية ذلك، إلا إذا خاف تلوثاً أو خاف ناظراً فإنه يكره لذلك.
ـ كما أنه يُستدل على جواز البول قائماً بالأصل؛ فإن الأصل في الأشياء الإباحة فالأصل في العادات الإباحة ما لم يأت دليل على التحريم أو الكراهية.
- قوله: ((وكلامه فيه)) :
أي يكره أن يتكلم في الخلاء، والكلام: منه ما يكون كلاماً فيه ذكر الله عز وجل ومنه ما ليسن كذلك.
ـ أما إذا كان الكلام ذكراً لله فإنه مكروه كما ذكره المؤلف يدل على ذلك ما ثبت في مسلم من حديث ابن عمر: (أن رجلاً سلم على النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ وهو يبول فلم يردّ عليه) ، وفي ابن ماجة بإسناد ضعيف: (فتيمم ثم ردّ عليه) (2) . وقد ثبت في سنن أبي داود وغيره بإسناد صحيح من حديث المهاجر ابن قُنفُذة ـ رضي الله عنه ـ (أنه أتى النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ وهو يبول فسلم عليه فلم يردّ عليه حتى توضأ ثم اعتذر إليه وقال: (إني كرهت أن أذكر الله على غير طهر) (3) . فهذه الأحاديث تدل على كراهية ذكر الله، والسلام من ذكر الله.
فإذن: يكره أن يذكر الله ومن ذلك السلام، فإن الله هو السلام ومنه السلام.
ـ فإن قيل: فإذا عطس أو سمع الأذان فماذا يفعل؟؟
فالجواب: أن في ذلك قولين لأهل العلم ـ هما روايتان عن الإمام أحمد.
1ـ القول الأول: أنه يذكر الله في قلبه وهو ضعيف، فإن الذكر القلبي فاقد للذكر اللساني، وإنما يحمد العاطس الله، ويجيب المؤذن بلسانه والقلب وهذا لم يذكر الله بلسانه.
2ـ القول الثاني: أنه يذكر الله مخافته، كقراءته في الصلاة، بمعنى: يذكر الله بقلبه وبلسانه لكنه لا يرفع صوته بالذكر.
وهذا هو إختيار شيخ الإسلام ابن تيمية وهذا قول قوي.
ـ وأقوى منه أن يقال: له أن يذكر الله بعد خروجه من الخلاء، فإذا خرج حمد الله وأجاب المؤذن ويدل عليه حديث أبي داود المتقدم فإنه: أتى النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ وهو يبول فسلم عليه فلم يرد عليه حتى توضأ ثم اعتذر إليه) (1) .
إذن: ردّ عليه النبي عليه السلام بعد أن توضأ، فدل ذلك على أن النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ لم يجبه لا في قلبه ولا مخافتة، وإنما أجابه بعد ذلك.
فكذلك إجابة المؤذن وحمد العاطس الله مثل رد السلام: بل ردّ السلام أعظم من ذلك فإنه واجب بخلاف حمد العاطس الله، وإجابة المؤذن فإنهما سنتان، فهذا القول هو الظاهر.
ـ أما الكلام بشيء آخر غير ذكر الله عز وجل فلا يثبت حديث عن النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ ينهي عنه.
وأما ما روى أبو داود من حديث عكرمة بن عمار عن يحيى بن أبي كثير إلى أبي سعيد الخدري أن النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ قال: (لا يخرج الرجلان يضربان الغائط كاشفين عن عورتهما يتحدثان فإن الله يمقت على ذلك) (2) .
فالحديث رواه عكرمة بن عمار عن يحيى بن أبي كثير موصولاً ورواه الأوزاعي وغيره عن يحيى بن أبي كثير مرسلاً، وهو الراجح كما قال ذلك أبو حاتم.
ورواية عكرمة بن عمار عن يحيى بن أبي كثير فيها ضعف.
وقد رواه مرسلاً بغير ذكر الصحابي، فعلى ذلك الحديث ضعيف لا يثبت عن النبي ـ صلى الله عليه وسلم.
وفيه ذكر كشف العورة وهي محرمة، فالحديث لا يدل على كراهية الحديث أبداً.
ولكن مع ذلك فإنه غير لائق من غير أن يكون ذلك مكروها في الشريعة.
أما إذا احتاج إليه فلا شك أنه لا يكون فيه كراهية.
إذن: مجرد الكلام الذي ليس فيه ذكر الله لا حرج فيه مطلقاً إلا أن تركه أولى مروءة لا شرعاً.
ولكن مع ذلك لا يكره ـ وإذا احتاج إليه فيزول المنع منه مطلقاً.
-
قوله: ((وبوله في شق ونحوه)) : الشق: هو المستدير.
وقوله: (ونحوه) : كأن يكون ذلك من سرب وهو ما يكون منه الدواب وهو المستطيل.
وذكر بعض أهل التاريخ أن سعد بن عبادة بال في جحر فخرّ ميتاً فسمعوا قائلاً يقول: نحن قتلنا سيد ال ... خزرج سعد بن عبادة رميناه بسهمين ... فلم يخطىء فؤاده وهؤلاء ـ على هذه الرواية ـ الجِنّ.
لكن هذه الرواية ضعيفة لا تصح.
ـ مستنده من كره ذلك، حديث رواه أبو داود والنسائي وأحمد بإسناد صحيح ـ كما قال ذلك النووي من حديث قتادة عن عبد الله بن سَرْجِس أن النبيّ ـ صلى الله عليه وسلم ـ: (نهى أن يبول الرجل في الجحر) (1) فقيل لعبادة: ما يكره من البول في الجحر، فقال: أنها مساكن الجن.
وقد ذكر حرب عن أحمد أن قتادة لم يسمع من عبد الله بن سرجس، فعلى ذلك يكون الحديث منقطع الإسناد.
وقد أثبت سماع قتادة من عبد الله بن سرجس، علي ابن المديني، ومن علم حجة على من لم يعلم.
فعلى ذلك قد ثبت سماعه كما ذكر ذلك ابن المديني وإنكار الإمام أحمد لذلك، يكون بناءاً على علمه وقد صححه ابن خزيمة وابن السكن، فالحديث إسناده صحيح.
وكراهية ذلك متفق عليها عند أهل العلم ـ كما حكى ذلك النووي. -
قوله: ((وَمَسّ فرجه بيمينه)) : هذا كذلك من المكروهات باتفاق العلماء، يدل على ذلك ما ثبت في الصحيحين أن النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ قال: (لا يمسَّنَّ أحدكم ذكره بيمينه وهو يبول، ولا يتمسَّح من الخَلاء بيمينه ولا يتنفَّس في الإناء) (2) . والشاهد قوله: (لا يمسَّن أحدكم ذكره بيمينه وهو يبول) . ـ لكن المؤلف هنا قد أطلق فذكر أنه يكره أن يمس فرجه بيمينه، فظاهره أنه يكره له ذلك مطلقاً سواء كان في حال بوله أو بعدها أو قبلها، وإلى ذلك ذهب بعض أهل العلم.
قالوا: إذا كان النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ قد نهى عن مس الذكر في حال البول مع كونه يحتاج إلى ذلك، فأولى من ذلك إذا كان بعد البول مع عدم الحاجة.
ـ والأظهر أن يقال: إنما يكره ذلك ـ أي مس الفرج باليمين ـ عند البول فقط للتقييد الذي تقدم.
ـ وقد ذكر شارح "المقنع" (إبن مفلح) ذكر أن هذا هو ظاهر الحديث، وحكى عن بعض أهل العلم أن صاحب "المقنع" إنما ترك ذلك ـ أي إنما ترك التقييد بقوله (وهو يبول) ، إنما ترك ذلك لوضوحه ـ وهكذا يقال في مختصره مؤلف الكتاب فإنه ترك ذلك لوضوحه.
ـ والذي يدل على صحة ذلك أن النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ قال: (إنما هو بضعة منك) (1) ، كما في حديث طلق بن علي وهو حديث حسن.
فعلى ذلك مس الذكر باليمين لا كراهية فيه إلا إذا كان في حال البول.
ـ وذهب الظاهرية إلى تحريمه، وجمهور الفقهاء على كراهيته.
إذن: يكره له أن يمس ذكره بيمينه وهو يبول، أما إن لم يكن في حال البول فإنه لا حرج في ذلك لقول النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ: (إنما هو بضعة منك) .
-
قوله: ((واستجازه واستجماره بها)) : أي باليمين.
فيكره له أن يستنجى أو يستجمر بيمينه، ويدل عليه الحديث المتقدم من حديث أبي قتادة: (ولا يتمسح من الخلاء بيمينه) وبذلك قال جمهور الفقهاء، فكرهوا أن يستنجى بيمينه.
فإذن: يكره أن يمس ذكره بيمينه وهو يبول، وكذلك يكره أن يستنجى بيمينه.
ـ وفي قوله: (ومس فرجه) عموم، فيدخل فيه القبل والدبر فكل ذلك مكروه. -
قوله: ((واستقبال النيرين)) : وهما الشمس والقمر ـ أي يكره إستقبال الشمس أو القمر عند قضاء الحاجة.
والدليل على ذلك: قالوا: أن فيهما نور الله الذي يستضيء به الخلق.
فنقول: لازمه أيضاً أن ينهى كذلك عن استقبال النجوم، فحينئذ: لا يجوز له أن يقضي حاجته إلا في بين خلاء، أو ما هو أضيق من ذلك في الليل، لكونها فيها نور الله الذي تستهدي به العباد، وهي علة ضعيفة.
ـ وقالوا: فيها أسماء الله مكتوبة عليها.
والجواب: أنه لا دليل على ذلك، كيف والنبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ قال لأهل المدينة: (لا تستقبلوا القبلة بغائط ولا بول، ولا تستدبروها ولكن شرقوا أو غربوا) (1) قال ابن القيم: (ليس لهذه المسألة أصل) .
أما ما رواه الحكيم الترمذي أن النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ: (نهى عن ذلك) فقال فيه النووي: باطل لا أصل له، وهو كما قال، فلا يثبت عن النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ في هذا الباب شيء.
والحمد لله رب العالمين.
الدرس الثالث عشر: الثلاثاء 24/10/1414هـ.
قال المؤلف ـ رحمه الله ـ: ((ويحرم إستقبال القبلة واستدبارها في غير بنيان)) :
يحرم على المسلم أن يستقبل القبلة أو يستدبرها بغائط أو بول ويستثنى من ذلك: البنيان، فإذا كان في كنيف أو مرحاض أو نحو ذلك من البيوت المبنية فإنه لا يحرم ذلك هذا هو مذهب جمهور الفقهاء.
واستدلوا ـ أولاً ـ على تحريم استقبال القبلة واستدبارها عند الغائط والبول ـ بحديث أبي أيوب الأنصاري أن النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ قال: (إذا أتيتم الغائط فلا تستقبلوا القبلة ولا تستدبروها، ولكن شرقوا أو غربوا)) .
وبما ثبت في مسلم عن سلمان الفارسي قال: (نهانا النبي ـ صلى الله عليه وسلم أن نستقبل القبلة بغائط أو بول) (2) ونحوه من حديث أبي هريرة في مسلم.
فهذه الأحاديث تدل على تحريم إستقبال القبلة أو استدبارها بغائط أو بول.
ـ أما استثناء البنيان: فدليله ما ثبت في الصحيحين عن ابن عمر قال: (رقيت على بيت حفصة فرأيت النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ على حاجته يبول مستقبل الشام مستدبر الكعبة) (3) .
وقد كان في بنيان، كما في رواية ابن خزيمة (محجوباً بلبن) (1) وروى الحكيم الترمذي وقال الحافظ إسناده صحيح: أنه كان في كنيف، وهذا هو المعهود عن النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ بإنه كان يستتر غاية الإستتار، فكان ما وقع من رواية ابن عمر كان ذلك في بنيان.
ـ وقد ثبت عند الخمسة إلا النسائي بإسناد جيد، وهو من حديث محمد بن إسحاق وهو مدلس لكنه صرح بالتحديث في بعض روايات هذا الحديث، عن جابر قال: (نهانا النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ أن نستقبل القبلة أو نستدبرها بفروجنا إذا نحن أهرقنا الماء ثم رأيته قبل موته بعام يبول مستقبل القبلة) (2) ، والحديث اسناده جيد، وقد حسنه الترمذي، وصححه البخاري وابن خزيمة والحاكم وابن السكن فالحديث حسن وهو حجة.
قالوا: فهذان الحديثان يدلان على أن النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ قد قضى حاجته مستقبل القبلة ومستدبرها وذلك إنما كان في البنيان.
ـ وقد روى مروان بن الأصفر عن ابن عمر: (أنه أناخ راحلته قِبَل الكعبة فجعل يبول، فقيل له: أليس قد نُهِيَ عن ذلك؟ فقال: إنما نهي عن ذلك إذا كنت في فضاء أما إذا كان بينك وبين القبلة شيء فلا بأس) (3) رواه أبو داود.
فهذه أدلة الجمهور في أن قضاء الحاجة قِبَل القبلة أو استدبارها محرم في غير البنيان أي في الفضاء، أما في البنيان أو إذا كان بينه وبين القبلة شيء ساتر كراحلة أو مركبة، فإنه لا حرج في ذلك ولا بأس، وهذا هو إختيار الإمام البخاري كما في صحيحه.
ـ وعن الإمام أحمد رواية أخرى ـ وذهب إليها بعض الفقهاء أن ذلك جائز مطلقاً في البنيان وغير البنيان.
ودليل ذلك حديث ابن عمر وأنه يدل على النسخ.
لكن هذا القول قول ضعيف؛ لأن القول بالنسخ صعب فلا يقال بالنسخ إلا مع عدم إمكان الجمع.
وقد تقدم كيف أن الجمهور قد جمعوا، وسيأتي كذلك موقف أهل القول الآخر من هذا الحديث فهذا القول هو أضعف الأقوال، وهو مروي عن الإمام أحمد وذهب إليه داود الظاهري.
ـ والقول الآخر: وهو كذلك رواية عن الإمام أحمد وذهب إليه بعض الفقهاء جواز استدبار الكعبة دون استقبالها.
وهؤلاء قد أخذوا بحديث ابن عمر في رؤيته النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ وهو مستدبر الكعبة، ولم يأخذوا بحديث جابر لكونهم يضعفونه، ولكن تقدم تصحيح هذا الحديث.
ـ والقول الرابع: ذهب إليه أبو حنيفة وهو رواية عن الإمام أحمد ذهبوا إلى أن ذلك محرم على الإطلاق ـ أي في البنيان وغيره ـ.
واستدلوا: بعمومات الأحاديث التي تقدم ذكرها كحديث أبي أيوب وأبي هريرة وسلمان رضي الله عنهم، فهي أحاديث عامة في البنيان وغيره.
وهذا هو قول أبي أيوب الأنصاري، فقد قال بعد ما روى الحديث: (فقدمنا الشام فوجدنا مراحيض قد بنيت قبل الكعبة فننحرف ونستغفر الله) (1) .
فهذا هو مذهب أبي أيوب الأنصاري، فعلى ذلك مذهب ابن عمر مخالف لقول أبي أيوب.
ـ وما هو جوابهم على الأحاديث الفعلية المتقدمة؟؟
قالوا: أما فعل النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ في رؤية ابن عمر له ورؤية جابر فإن هذا الفعل الذي فعله النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ إنما يحكي حاله تلك فإن الفعل لا عموم له ولا صفة له وإنما هو حكاية حال فقط.
لذا يحتمل فيه الخصوصية والنسيان وغير ذلك.
وإن كان على القول الصحيح أن احتمال الخصوصية هنا ضعيف؛ لأن الأصل عدمها وكذلك النسيان فإن الأصل عدمه، هذا في معارضة الفعل القول، فإنه: يجب الجمع بين أفعال النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ وأقواله ـ هذا في الأصل ـ أما هنا ـ في هذه المسألة ـ فإن أفعال النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـالتي تقدم ذكرها قد حدثت منه في غير محل التشريع وليست أفعالاً ظاهرة أمام أصحابه وإنما فعلها في محل لا يظن أنه يرى فيه، فهو ليس محل تشريع والنبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ يجوز عليه النسيان في غير الشريعة وكذلك يجوز عليه الخطأ في غير الشريعة.
فهو إنما يقضي حاجته مختفياً عن الناس حتى لا يراه أحد وكون هديه الصحابيين أطلعا عليه ـ صلى الله عليه وسلم ـ فإن ذلك في غير محل التشريع، بخلاف الفعل الذي يكون ظاهراً، وقد قال تعالى: ((لقد كان لكم في رسول الله أسوة حسنة)) (1) .
أما هذا الفعل فليس في محل التشريع لعدم ظهوره، ولما عرف من حاله من قضائه حاجته في غاية الإستتار والبعد عن الناس.
ـ ويدل على صحة هذا القول وأن هذه أفعال من النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ في غير محل التشريع وأنها قد حدثت منه نسياناً، أن الفارق بين البنيان وغيره ـ في هذه المسألة ـ غير معتبر ذلك لأن النهي إنما هو لإكرام القبلة، ومعلوم أن الرجل عندما يقضي حاجته في فضاء، فإن بينه وبين القبلة جبالاً وأشجاراً وغيرها مما تكون حائلة بينه وبين القبلة، وكونه يقضي حاجته مستقبلاً القبلة في البنيان لا فرق ـ في الحقيقة ـ بين ذلك وبين قضائه في الفضاء الواسع، ولكن بينه وبين القبلة ولابد حوائل تمنع عيانه للكعبة.
ـ وقد قال النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ كما روى ذلك أبو داود وابن خزيمة وصححه والحديث صحيح أن النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ قال: (من تفل تجاه القبلة جاء يوم القيامة تفله بين عينيه) (1) ، فإذا كان هذا في التفل تجاه القبلة فأولى منه في الغائط والبول، ولم يفرق النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ بين بنيان وغيره بل أطلق ذلك في هذا الحديث.
وفي حديث: (إذا أتيتم الغائط فلا تستقبلوا القبلة ولا تستدبروها ولكن شرقوا أو غربوا) (2) .
فهذا القول هو القول الراجح، وهو إختيار شيخ الإسلام وتلميذه ابن القيم، وهو قول ابن العربي من المالكية وأبي ثور من الشافعية وذهب إليه من الحنابلة أبو بكر ابن عبد العزيز وذهب إليه الشيخ محمد بن إبراهيم من المتأخرين وهذا هو القول الراجح فإن فعل النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ المتقدم، فعل ليس في محل التشريع.
والتفريق بين البنيان وغيره غير منظور إليه هنا؛ لأن المقصود إنما هو إكرام القبلة والبول في البنيان يترتب عليه عدم إكرامها كترتبه في غير بنيان.
فإنه إذا قضى حاجته في الفضاء فإنه لابد أن يكون بينه وبين القبلة حوائل كثيرة من جبال ونحوها، فحينئذ لا فرق بين ذلك وبين البنيان.
ـ وفي قوله النبي ـ صلى الله عليه وسلم: (ولكن شرقوا أو غربوا) دليل لما ذهب إليه بعض الحنابلة وهو اختيار شيخ الإسلام ابن تيمية إلى أنه لا يكفي الإنحراف اليسير خلافاً للمشهور عند الحنابلة من أنه يكفي الإنحراف اليسير.
والراجح عدم الإعتبار به، وأنه لابد وأن يشرق أو يغرب، فلا يكفي أن ينحرف يسيراً.
ويقاس كذلك على الصلاة فإن الرجل إذا انحرف عن القبلة شيئاً يسيراً فذلك لا يبطل صلاته، أما إذا كان كثيراً فإنه يبطلها، فإذا انحرف عن القبلة شيئاً يسيراً فذلك لا بأس به كما سيأتي وقد قال النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ: (ما بين المشرق والمغرب قبلة) (3) .
والواجب أن يشرق أو يغرب ولا يكفي أن ننحرف شيئاً يسيراً.
ـ وظاهر المذهب: في مسألة جواز البول والغائط مستقبلاً القبلة أو مستدبرها في البنيان ـ ظاهر المذهب أنه لا فرق بين أن يدنوا من السترة أو يبعد عنها.
وهذا على القول المرجوح، وإلا فالراجح ما تقدم من عدم الجواز مطلقاً.
ـ وهل يجوز الاستنجاء أو الإستجمار إلى القبلة؟؟
1ـ المشهور في مذهب الحنابلة أن ذلك مكروه، فيكره له أن يستنجي أو يستجمر قبل القبلة.
2ـ وقيل ـ أي في المذهب ـ أنه لا يكره.
3ـ وقال في "الإنصاف" ـ وهو من الحنابلة ـ: (ويتوجه التحريم) .
وهذا أظهر، فإن في إستنجائه واستجماره فيهما أعظم مما في التفل الذي تقدم تحريمه كما أنه قد يخرج منه شيء في حال إستنجائه أو استجماره، فالأظهر أن ذلك محرم لا يجوز.
-
قوله: ((ولبثه فوق حاجته)) : أي لا يحل له أن يلبث فوق حاجته، ودليل ذلك ما تقدم من النهي عن كشف العورة إلا لحاجة وأن ذلك محرم.
وقد تقدم ترجيح كراهية ذلك وأنه مكروه ليس بمحرم.
وقد قال صلى الله عليه وسلم: (الله أحق أن يستحي منه) (1) . فالأرجح أنه لا يحرم له كشف عورته ولكنه يكره إلا إذا كان هناك ناظر فإنه يحرم عليه كما تقدم.
وقالوا: إنه يورث بعض المرض.
والجواب على هذا: أنه إن ثبت ذلك فنعم، فقد قال صلى الله عليه وسلم: (لا ضرر ولا ضرار) ، ومرجع ذلك إلى الطب، فإن ثبت في ذلك ضرر فإنه يحرم.
إذن: الراجح في هذه المسألة الكراهية لكونه كشف عورته من غير حاجة، وأما التحريم فلا، إلا إن ثبت ضرر طبي في ذلك فإنه يحرم لذلك. -
قوله: ((وبوله في ظل نافع وتحت شجرة عليها ثمرة)) : لقوله صلى الله عليه وسلم ـ كما في مسلم: (اتقوا اللاعنين، قالوا: وما اللاعنان، قال: الذي يتخلى في طريق الناس أو ظلهم) (2) .