شرح زاد المستقنع للحمدصفحات 41-80
أهل الأثرالأرشيف العلمي
  • قال الفقهاء: يجب أن يكررها بقدر الفاتحة سواء كان يحسن غيرها أم لم يكن يحسنه، فإذا كان يحفظ آية فإنه يجب أن يكررها سبعاً، سواء كان يحسن آيات من غير هذه السورة أم لم يكن ذلك.
  • وهناك قول في المذهب: أنه يتم قدر الفاتحة فيما يحفظه من القرآن، وهذا أظهر، لأنه إذا قرأ منها ما يحفظه فإنه يسقط فرضه؛ لأن الواجب هو قراءتها وحيث قرأه فإنه يسقط بذلك فرضه حيث قرأه فكان الأولى أن يأتي بآيات أخر.
    وقد قال صلى الله عليه وسلم: (إن كان معك قرآن فاقرأ به وإلا فاحمد الله) 1 فهنا أطلق النبي صلى الله عليه وسلم القول ولم يقيد التكرار في مثل الفاتحة وغيرها، وظاهر إطلاقه أنه يقرأ ما يتمكن منه من القرآن من غير أن يكرر ذلك، بل يقرأ ما أمكنه منه ويسقط عنه الباقي، وحيث أنه يمكنه أن يتم قدر الفاتحة بآيات أخر فإنه يتمها؛ لأن البدل له حكم المبدل منه.
    أما إذا كان لا يحفظ منها إلا بعض آية، فإنه لا يقرأ ذلك ولا يكرره، لأن النبي صلى الله عليه وسلم لما علم من لا يحسن شيئاً القرآن علمه الذكر، وفيه لفظة " الحمد لله " وهي بعض من آية من الفاتحة ومع ذلك لم يأمره بتكرارها ولم يجعلها قائمة مقام التكرار، بل كانت من الذكر المجزئ عن القرآن.
    فإن كان لا يحفظ من الفاتحة شيئاً قرأ من غيرها بقدرها.
    والمذهب قولاً واحداً في عدد آياتها أي لا تجزئه إلا أن يقرأ عدد آياتها أي بأن يقرأ سبع آيات.
    وهل يجزئه أن تكون هذه الآيات أنقص حروفاً من الفاتحة أم لا؟ قولان في المذهب: القول الأول: أن الواجب أن تكون بعدد حروفها فأكثر.
    القول الثاني: أنه يجزئ أن تكون أقل منها حروفاً.

والقول الأول هو الأحوط وهو أن يختار آيات بعدد حروفها فأكثر، أي أن تكون الآيات سبعاً وتكون ما تضمنته من الحروف مساوية لما تضمنته سورة الفاتحة فأكثر؛ لأن الحرف له أثر في القراءة بدليل إن قرأ حرفاً من القرآن كان له حسنة والحسنة بعشر أمثالها كما ثبت في الحديث 1 هذا هو الأظهر لأن البدل له حكم المبدل منه.

ولو قيل: إنه لا يجب عليه ذلك مطلقاً لا في حروفها ولا في آياتها لكان فيه قوة، لإطلاق النبي صلى الله عليه وسلم في قوله: (فإن كان معك قرآن فاقرأ) 2 فأطلق النبي صلى الله عليه وسلم ولم يأمره بأن يكون ذلك بقدر الفاتحة.
إلا أن يقال: إن البدل له حكم المبدل منه وهنا يمكنه أن يقرأ بقدر فاتحة الكتاب وحيث أمكنه ذلك فإنه يجب عليه أن يفعله ليكون ذلك قائماً مقام فاتحة الكتاب وهذا هو الأحوط.
فإن لم يكن معه إلا بقدر بعض الفاتحة، فإنه يكررها كما تقدم.
والأظهر كذلك أنه لا يكرر لقوله صلى الله عليه وسلم: (فإن كان معك قرآن فاقرأ) فأطلق.
كأن يكون رجل يحفظ ثلاث آيات مثلاً من غير الفاتحة فإنه يقرأ هذه الثلاث ويكتفي بها من غير تكرار.
وإن لم يكن معه شيء من القرآن فإنه يجزئه الذكر الوارد، وهو ما ثبت في سنن أبي داود والحديث حسن، من حديث عبد الله بن أبي أوفى: أن رجلاً قال للنبي صلى الله عليه وسلم: يا رسول الله إني لا أحسن شيئاً من القرآن فعلمني ما يجزئني منه فقال: (قل سبحان الله والحمد لله ولا إله الله والله أكبر ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم) 3

فإن لم يحسن شيئاً من ذلك كحديث عهد بإسلام لا يحسن العربية ونحوه فإنه يقف بقدر فاتحة الكتاب لأن الواجب القيام والقراءة وحيث سقطت عنه القراءة فيجب عليه القيام بقدرها لقوله تعالى: ﴿فاتقوا الله ما استطعتم﴾ ولحديث: (إذا أمرتكم بأمر فأتوا منه ما استطعتم) . وإن لقن من خارج عن الصلاة فإن ذلك يجزئه، كما لو فتح أحد على الإمام وهو خارج عن الصلاة فكذلك هنا.
وإن كان يمكنه أن يصلي خلف إمام يحسن الفاتحة وقلنا: إن الفاتحة لا تجب خلف الإمام كما هو المشهور في المذهب، فإنه يجب عليه ذلك.

قال: (فإن قطعها بذكر أو سكوت غير مشروعين وطال …) " بذكر ": كأن يسأل الله الرحمة أو يستعيذ به من النار أو يدعو الله ونحو ذلك.
" أو سكوت ". " غير مشروعين ": فليس من السنة وليس مما فيه مصلحة الصلاة وليس مما تبطل به الصلاة وسيأتي في بابه.
فمثلاً: قرأ آيتين من الفاتحة ثم يسكت سكوتاً طويلاً عرفاً غير مشروع، أو يتكلم بذكر الله ذكراً غير مشروع طويلاً عرفاً فإن الفاتحة تبطل ويجب أن يعيدها.
إذن: لا تبطل الفاتحة بالقطع إلا إذا كان القطع طويلاً عرفاً وكان القطع غير مشروع.
فعندنا ثلاثة أحوال: الحال الأولى: أن يكون القاطع قصيراً عرفاً، كأن يسكت سكتة وإن كانت غير مشروعة أو تكلم بذكر وإن كان غير مشروع وكان يسيراً عرفاً فإن الفاتحة صحيحة ولا يجب إعادتها وهذا القاطع لا يضره لأنه يسير.
قالوا: لأن الواجب في الفاتحة موالاتها لقول النبي صلى الله عليه وسلم: (صلوا كما رأيتموني أصلي) . والموالاة ألا يكون هناك قاطع عرفاً، وحيث كان القاطع يسيراً فإن المولاة لا تنتفي بذلك، فالموالاة في الشيء لا تنتفي بالقاطع اليسير.
الحالة الثانية: أن يكون القاطع مشروعاً وهو طويل عرفاً فتصح.

مثال: أن يقرأ بعض الفاتحة ثم سكت سكوتاً طويلاً ليسمع قراءة الإمام، فهذا سكوت مشروع له؛ لأنه يشرع أن يستمع قراءة إمامه فحينئذٍ لا تبطل بذلك الفاتحة.
هذا هو المشهور في المذهب.
والأظهر أنه يبطل الفاتحة ويجب عليه أن يستأنفها؛ ذلك لأنه وإن كان مشروعاً لكنه قاطع عرفاً والموالاة تنتفي وهي واجبة، وحيث قطعه بقاطع طويل عرفاً وإن كان مشروعاً فإنها تنتفي.
ومثله على الراجح – خلافاً للمشهور من المذهب - لو كان القاطع طويلاً عرفاً وهو معذور فيه كأن يسكت عن نسيان أو يخطئ فيقرأ في سورة أخرى وكان ذلك طويلاً عرفاً، فإنه يقطع القراءة فهو وإن كان معذوراً في نسيانه لكن الموالاة قد انقطعت فيجب عليه أن يستأنف القراءة من الجديد 1 لانقطاع موالاتها.
فالواجب شرعاً هو الموالاة وحيث قطعها بقاطع طويل سواء كان مشروعاً وسواء كان معذوراً فيه أم لم يكن معذوراً فيه فإنه يجب أن يستأنف قراءته من جديد لفساد الموالاة وانتفائها.
الحالة الثالثة: أن يكون القاطع يسيراً وهو مشروع، فلا تؤثر في الموالاة وهو أولى من الصورة الأولى لكونه مشروعاً.
فلو قطع الفاتحة بقوله: " آمين " مع تأمين الإمام، أو فتح على الإمام في قراءته – فإن هذا لا يؤثر في الموالاة – لأنه قاطع يسير.
إذن: مناط الحكم – على الراجح – أن يكون القاطع يسيراً فحينئذٍ لا يكون مؤثراً سواء كان مشروعاً أم لم يكن مشروعاً.
فالعبرة بطول القاطع، فإن كان طويلاً عرفاً فإنه يفسد الموالاة فيجب استئناف القراءة وإن كان قصيراً فلا يجب ذلك.

قال: (أو ترك منها تشديدة، أو حرفاً أو ترتيباً لزم غير مأموم إعادتها) " ترتيباً ": كأن يقدم ما حقه التأخير من آياتها أو يؤخر ما حقه التقديم، فيلزمه الإعادة إن كان غير مأموم.
ويستثنى المأموم؛ لأنه لا يجب عليه القراءة خلف الإمام، على المشهور في المذهب.
وقوله: " إعادتها " يعود على الفاتحة.

وحيث قلنا بأن المأموم يجب عليه أن يقرأ بفاتحة الكتاب والحكم كذلك فكذلك هنا فيجب عليه أن يعيد إن أخطأ بما يبطلها.

قال: (ويجهر الكل بآمين) في الجهرية.
" آمين " بمعنى اللهم استجب.
وفيها ضبطان وكلاهما بتخفيف الميم.
الأول: القصر: وهو بهمزة الوصل " أمين " الثاني: المد " آمين " وهما لغتان فيها ولكن مع تخفيف الميم.
أما إذا شدد الميم فإن المعنى يتحول إلى معنى آخر وهو " قاصدين " كما قال تعالى: ﴿ولا آمَّين البيت﴾ (1) أي قاصدينه.
أي من القراءة قرأ فهي صحيحة 1 . فيجهر الكل من إمام ومنفرد حيث جهر ومأموم، فكل من جهر أو جهر له من إمام أو مأموم أو منفرد فيشرع له الجهر بالتأمين.
ودليل مشروعية التأمين: ما ثبت في الصحيحين أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (إذا أمن الإمام فأمنوا فإن من وافق تأمينه تأمين الملائكة غفر له) 2 وفي الصحيحين من حديث أبي هريرة: أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (إذا قال الإمام: غير المغضوب عليهم ولا الضالين فقولوا: آمين، فإن من وافق قوله قول الملائكة غفر له) 3

وقد ثبت التأمين من فعل النبي صلى الله عليه وسلم: فروى أبو داود والترمذي من حديث وائل بن حجر: أن النبي صلى الله عليه وسلم: كان إذا قال: " ولا الضالين " قال: " آمين " 1 ، في رواية أبو داود: " ورفع صوته "، وفي الترمذي: " يمد بها صوته "، وفي ابن ماجه والحديث حسن: (أن المسجد – أي مسجد النبي صلى الله عليه وسلم – كان يرتج بها) أي من رفع النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه بالتأمين.
ويستحب كذلك: أن يمد بها صوته كما تقدم في حديث وائل بن حجر في رواية الترمذي، وورد من حديث وائل بن حجر في أبي داود إلا أن فيه انقطاعاً بين عبد الجبار بن وائل وبين أبيه وهو انقطاع يسير يعضده ما تقدم.
وثبت هذا من فعل أبي هريرة: أنه إذا كان وراء الإمام قال: " آمين " يمد بها صوته ويقول: (إذا وافق تأمين أهل الأرض تأمين أهل السماء غفر لهم) 2 رواه البيهقي بإسناد صحيح.
فعلى ذلك: يشرع للإمام والمنفرد والمأمومين أن يجهروا به ويمدوا أصواتهم به.

  • والسنة أن يكون ذلك بعد قول الإمام "غير المغضوب عليهم ولا الضالين " لقول النبي صلى الله عليه وسلم: (إذا قال الإمام " غير المغضوب عليهم ولا الضالين " قُولوا: آمين) 1 أما قوله صلى الله عليه وسلم: (إذا أمن الإمام فأمنوا) 2 فإن معناه إذا شرع بالتأمين، فإذا شرع الإمام بالتأمين ووافق ذلك عقيب قوله " غير المغضوب عليهم ولا الضالين: فقولوا: آمين.
  • وإذا تركها الإمام فإنها تشرع للمأمومين للحديث المتقدم: (إذا قال الإمام ﴿غير المغضوب عليهم ولا الضالين﴾ فقولوا: آمين) . فتشرع للمأمومين مطلقاً قالها الإمام أم لم يقلها، فترك الإمام لها لا يعنى ذلك أن تترك؛ فإن النبي صلى الله عليه وسلم كان يفعلها إماماً، إذا تركها الإمام فإن ذلك تفويت منه للسنة.
  • فإن فات محلها وشرع بالقراءة بعدها ولم يؤمن فهي سنة فات محلها، فلا يشرع فعلها.
    والحمد لله رب العالمين

الدرس الرابع والسبعون (يوم الأربعاء: 24 / 3 / 1415هـ)

قال المصنف رحمه الله تعالى: (ثم يقرأ بعدها سورة) أي بعد الفاتحة، فيشرع ويسن أن يقرأ بعد الفاتحة سورة من القرآن، وهذا على سبيل الاستحباب عند عامة العلماء، لما ثبت في الصحيحين: من حديث أبي قتادة: (أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يقرأ في الأوليين من الظهر والعصر بفاتحة الكتاب وسورة ويسمعنا الآية أحياناً وفي الركعتين الأخريين بفاتحة الكتاب) 3 فهذا الفعل يدل على مشروعيته.

وستأتي الأدلة التي تدل على أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يقرأ سوراً من القرآن مع الصلوات الجهرية.
وذهب طائفة من الصحابة وهو مذهب بعض المالكية وبعض الأحناف وحكي رواية عن الإمام أحمد: إلى أن ذلك واجب أي يجب على الإمام والمنفرد أن يقرأ مع فاتحة الكتاب ما تيسر.
واستدلوا بدليلين صحيحين: كما ثبت في مسلم أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (لا صلاة لمن لم يقرأ بأم القرآن فصاعداً) 1 . قالوا: فهنا قال النبي صلى الله عليه وسلم " فصاعداً " فدل ذلك على أنه يجب عليه أن يقرأ مع فاتحة الكتاب سورة وأنه لا يجزئه سوى ذلك.
ما ثبت في أبي داود من حديث أبي سعيد الخدري: قال: (أمر النبي صلى الله عليه وسلم أن نقرأ أم الكتاب وما تيسر) 2 . قالوا: فهذا أمر وظاهر الأمر وجوب ذلك.

وأما الجمهور فاستدلوا: بما ثبت في أبي داود في قصة صلاة معاذ بأصحابه: أن النبي صلى الله عليه وسلم قال للفتى: ما تصنع يا ابن أخي إذا أنت صليت؟ فقال: " أقرأ بفاتحة الكتاب وأسأل الله الجنة وأعوذ به من النار ولا أدري ما دندنتك ولا دندنة معاذ فقال النبي صلى الله عليه وسلم: (إني ومعاذاً حول هاتين ندندن) 1 وفي رواية " حولها ندندن ". والدندنة هو الصوت الذي يسمع ولا يفقه.
فهنا النبي صلى الله عليه وسلم أقره على ذلك، ولم يقرأ إلا بالفاتحة.
وأجابوا عن الحديثين الأولين: أما ما رواه مسلم: (لا صلاة لمن لم يقرأ بأم القرآن فصاعداً) . قالوا: فالجواب عليه: من جهتين: الجهة الأولى: في ثبوته.
الجهة الثانية: في الاستدلال به.
أما الجهة الأولى: فإن الحديث قد أعله البخاري بتفرد معمر فعامة الرواة يرونه بلفظ: (لا صلاة لمن لم يقرأ بأم القرآن) 2 وتفرد معمر فرواه بهذا اللفظ عن سائر الرواة فيكون اللفظ شاذاً.

لكن وردت متابعة له في سنن أبي داود من حديث سفيان ابن عيينة بلفظة " فصاعداً " لكن الذي يظهر أن هذه المتابعة لا تزيل الحكم عن الشذوذ؛ لأن سائر الرواة سوى سفيان ومعمر رووه باللفظ المتقدم، فتكون المخالفة منهما.
ولو قلنا بثبوته، فهنا الجواب الثاني، من جهة الاستدلال به: فإن هذا الحديث نظير قول النبي صلى الله عليه وسلم: (لا تقطع اليد إلا في ربع دينار فصاعداً) 1 ومعلوم من الأدلة الشرعية والذي عليه أهل العلم أنها تقطع في ربع دينار فالحديث معناه: تقطع اليد في ربع دينار فأكثر.
وكذلك هذا الحديث يحمل على هذا الحمل وهو ظاهر في ذلك، فيكون المعنى: لا صلاة مجزية إلا بالفاتحة ومع فاتحة الكتاب آيات أخر.
وأما الجواب على حديث أبي سعيد: فإن الأمر فيه يحمل على الإرشاد والاستحباب.
والواو هنا إنما تفيد دلالة الاقتران ودلالة الاقتران ضعيفة عند الأصوليين، والذي حملنا على ذلك ما تقدم من حديث أبي داود فإن فيه الإجزاء بقراءة فاتحة الكتاب.
فالراجح: مذهب عامة العلماء من أن فاتحة الكتاب تجزئ في الصلاة، أما قراءة آيات أخر أو سورة أخرى فذلك مستحب.

قال المؤلف: (تكون في الصبح من طوال المفصل وفي المغرب من قصاره وفي الباقي من أوساطه) المفصل اتفق العلماء على أن نهايته سورة الناس واختلفوا في أوله: فذهب الجمهور: إلى أن أوله سورة الحجرات.
وذهب الحنابلة: إلى أن أوله سورة " ق ". …وما ذهب إليه الحنابلة هو الراجح الصحيح، وصححه الحافظ في الفتح.

ويدل عليه: ما ثبت في أبي داود وابن ماجه ومسند أحمد والحديث إسناده حسن كما قال ذلك ابن كثير في فضائل القرآن وهو كما قال: من حديث أوس بن حذافة (1) الثقفي قال: سألت أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم: كيف يحزبون القرآن؟ فقالوا: (ثلاث ثم خمس ثم سبع ثم تسع ثم إحدى عشر ثم ثلاث عشرة ثم المفصل) 2 ويتم العدد المتقدم وهو عدد ثلاث مع خمس مع سبع وتسع وإحدى عشر وثلاث عشر فيتم بما دون سورة " ق " فيكون شروع المفصل بسورة " ق " فهو الحزب السابع من أحزاب القرآن.
وسمي مفصلاً لكثرة الفواصل بين سوره ببسم الله الرحمن الرحيم، وذلك لقصرها.
فالراجح ما ذهب إليه الحنابلة من أن أول المفصل سورة " ق "، وطواله إلى النبأ، وأوساطه إلى الضحى، وقصاره إلى الناس.

قال: (تكون في الصبح بطواله وفي المغرب بقصاره وفي العشاء بوسطه)

كما ثبت في النسائي بإسناد صحيح 1 . قوله: " فلان " لم يسم وليس عمر بن عبد العزيز؛ لأنه لم يولد إلا بعد وفاة أبي هريرة.
سلمان بن يسار قال: كان فلان يطيل الظهر ويخفف العصر ويقرأ في المغرب بقصار المفصل وفي العشاء بوسطه وفي الفجر بطواله " فقال أبو هريرة: ما صليت وراء أحد أشبه صلاة بصلاة النبي صلى الله عليه وسلم من هذا ". هذا هو المستحب في الغالب، وإلا فقد وردت الأدلة الشرعية بخلاف هذا.
بل المداومة على ذلك ينبغي القول بعدم استحبابها وأنها خلاف السنة، فقد ثبت في البخاري عن مروان بن الحكم قال: قال لي زيد بن ثابت: " ما لك تقرأ في المغرب بقصار المفصل، وقد سمعت النبي صلى الله عليه وسلم يقرأ بطول الطوليين " 2 وهي سورة الأعراف.
والطوليان هما سورة الأنعام وسورة الأعراف، والطولى هو أطول السورتين هي سورة الأعراف.

وقد ثبت التصريح بها في سنن أبي داود وأن النبي صلى الله عليه وسلم كان يقرأ بها في المغرب، وفي النسائي أنه يقرأ بها في الركعتين كلتيهما 1 . وثبت في الصحيحين أن النبي صلى الله عليه وسلم: (قرأ في المغرب بالطور) 2 وفي الصحيحين أيضاً: (أنه قرأ بالمرسلات) 3 . وفي الطبراني في الكبير بإسناد صحيح: (أنه قرأ بالأنفال) (4) . وفي ابن خزيمة بإسناد صحيح: (أنه قرأ بسورة محمد) (5) والفجر الغالب أن يقرأ فيها بطوال المفصل لكنه ربما قرأ فيها بقصار المفصل؛ فقد ثبت في سنن أبي داود بإسناد صحيح: أن النبي صلى الله عليه وسلم قرأ في الفجر في سفر: بـ (قل أعوذ برب الفلق " و " قل أعوذ برب الناس " 4 وفي أبي داود بإسناد صحيح: أنه قرأ بـ " إذا زلزلت الأرض زلزالها في الركعتين كلتيهما" 5 أي في كل ركعة قرأها.

وفي مسلم: أنه قرأ بـ " إذا الشمس كورت " 1 كما أنه ثبت عنه " أنه قرأ في الروم " 2 كما ثبت في سنن النسائي.

قال: (وفي الباقي من أوساطه) في الباقي: في صلاة العشاء وصلاة الظهر والعصر يقرأ بأوساط المفصل

أما صلاة العشاء فتقدم الحديث الوارد فيها 1 ، وأما الظهر والعصر فثبت في أبي داود والترمذي والنسائي أن النبي صلى الله عليه وسلم: (كان يقرأ في صلاة الظهر والعصر بـ " والسماء ذات البروج " و " والسماء والطارق ") 2 وهما من أوساط المفصل.
لكن الظاهر أن النبي صلى الله عليه وسلم لم يكن غالب أمره على هذا، فالظاهر أنها كانت غالب صلاة النبي صلى الله عليه وسلم لها الإطالة، فقد ثبت في مسلم من حديث أبي سعيد الخدري أن النبي صلى الله عليه وسلم: (كان يقرأ في الظهر بقدر " الم تنزيل السجدة " وفي رواية " بقدر ثلاثين آية " وفي الأوليين من العصر على النصف من ذلك) 3 .

  • وهو رواية عن الإمام أحمد اختارها الخرقي وطائفة من أصحابه: وأنه يستحب أن يطول والظهر وأن تكون صلاة العصر على النصف من الركعتين الأوليين من صلاة الظهر.
    ومما يدل عليه ما ثبت في مسلم قال الراوي: (كانت صلاة الظهر تقام فيذهب الذاهب إلى البقيع فيقضي حاجته ثم يأتي أهله فيتوضأ ثم يأت النبي صلى الله عليه وسلم في الركعة الأولى مما يطولها) 4 فهذا يدل على أن سنته في الظهر الإطالة.

وفي النسائي: أن النبي صلى الله عليه وسلم: (سمع وهو يقرأ في الظهر بالذاريات) 1 . فالسنة – على الراجح – في الظهر أن تكون طويلة بنحو ما يكون في صلاة الفجر، وصلاة العصر تصلى على النصف من ذلك.
وقد تقدم حديث سلمان بن يسار: (كان فلان يطول الظهر ويخفف العصر) ، " قال أبو هريرة ما صليت وراء أحد أشبه صلاة بالنبي صلى الله عليه وسلم من هذا ". وهنا مسائل في القراءة بعد الفاتحة: اعلم أن المشروع له أن يرتب السور كما وردت في المصحف فيقرأ في الركعة الأولى سورة مقدمة على الركعة الثانية – هذا المستحب جرياً على ترتيب المصحف – الذي جرى عليه الخلفاء الراشدون.
المشهور في المذهب كراهية عكس ذلك.
وعن الإمام أحمد: أنه لا كراهية في ذلك وهذا هو الأظهر، كما ثبت في صحيح مسلم أن النبي صلى الله عليه وسلم: (قرأ في قيام الليل بالبقرة ثم النساء ثم آل عمران) 2 فهنا النبي صلى الله عليه وسلم لم يرتب بين السور فدل على جوازه.
وثبت في البخاري معلقاً: (أن عمر قرأ في الصبح في الركعة الأولى بالكهف وفي الركعة الثانية بسورة يوسف أو يونس) 3 والشك في الرواية.

وحيثما كان اليقين من الشك هنا فإن السورتين كليهما متقدمة على سورة الكهف.
فالأظهر جوازه لكن المستحب أن يرتبها على الترتيب في المصحف.
وقد يقال بكراهية المداومة على ذلك، فإن في المداومة على ذلك مخالفة صريحة ظاهرة للترتيب الذي جرى عليه المصحف عن أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم.
أما عدم الترتيب بين الآيات، وذلك بأن يقرأ في الركعة الأولى بآيات من آخر السورة وفي الثانية آيات من وسطها أو أولها: فجمهور العلماء على أن ذلك مكروه، وكراهيته أشد من كراهية الأول، لأن ترتيب الآيات ترتيب وارد عن النبي صلى الله عليه وسلم بالنص.
وأما ترتيب السور فإن المشهور عند جمهور العلماء إنه بالاجتهاد أي اجتهاد الصحابة.
ثم إنه مظنة تغيير المعاني، فكان ذلك مكروهاً.
وعند الإمام أحمد أنه جائز، وهذا القول لا بأس به وهو قول قوي لكن بحيث تثبت من عدم تغيير المعاني وحيث لم يعتد ذلك، لأن النبي صلى الله عليه وسلم [قال] : (ثم اقرأ ما تيسر معك من القرآن) وهذا ما تيسر سواء قدم أو أخر فلا حرج.
أما تنكيس الكلمات في الآية نفسها فهو محرم إجماعاً ومبطل للصلاة، لأنه يخرج عن أن يكون قرآناً حيث نكس، وحيث خرج من أن يكون قرآناً فهو كلام أجنبي عن الصلاة – وحيث كان كلاماً أجنبياً فهو مبطل للصلاة مفسد لها.
إذن: هي ثلاث صور: تنكيس الكلمات وهذا محرم وهو مبطل للصلاة.
تنكيس الآيات وهذا مكروه عند أكثر الفقهاء وهو مذهب الجمهور، وعن الإمام أحمد عدم كراهيته.
تنكيس السور، والمشهور عند الحنابلة والشافعية أنه مكروه والأظهر عدم كراهيته.
واعلم أن قراءة شيء من الآيات القرآنية من وسط سور القرآن أو أوله أو آخره لا بأس به ولا حرج.
أي يقرأ من وسط سورة وأولها أو آخرها فلا بأس لأن النبي صلى الله عليه وسلم قال في حديث أبي سعيد: " ما تيسر " وقراءة شيء من وسط السورة ونحوه مما تيسر.

لكن مداومته كما قال شيخ الإسلام مكروهة، لأنها تتضمن ترك السنة الواردة عن النبي صلى الله عليه وسلم.
واعلم أنه يجوز للمصلي أن يقرأ بعد الفاتحة بسورتين فأكثر ومما يدل عليه ما ثبت في البخاري: (أن إمام مسجد قباء كان يقرأ قل هو الله أحد " يفتتح بها السورة التي بعد الفاتحة فذكر ذلك للنبي صلى الله عليه وسلم فقال: " إني أحبها فقال: حبك إياها أدخلك الجنة) 1 . وثبت من فعل النبي صلى الله عليه وسلم قراءة السورتين في الركعة من حديث ابن مسعود في البخاري 2 ، وكذلك لأنه داخل فيما تيسر من القرآن.
كما أنه لا بأس أن يقرأ آية من كتاب الله فإذا قرأ آية بعد الفاتحة فإنه يجزئه ذلك عن السورة التي تقرأ بعد الفاتحة.
واعلم أن محل القراءة بعد الفاتحة، فلو سبق بها الفاتحة فإنها لا تجزئه ولا يعتد بها لأنها سنة فُعلت في غير محلها، لكن الفاتحة تجزئه.

قال: (ولا تصح الصلاة بقراءة خارجة عن مصحف عثمان) فإذا قرأ بقراءة هي داخلة في المصحف العثماني أجزأته اتفاقاً كأن يقرأ بشيء من القراءات السبع أو العشر أو نحوها من القراءات التي يشملها الرسم العثماني.
أما إن قرأ بقراءة لا توافق المصحف العثماني فلا يجزئ عنه هذا هو المشهور في المذهب وهو مذهب الجمهور كقراءة ابن مسعود: " فصيام ثلاثة أيام متتابعات " (3) فالمشهور في المذهب وهو مذهب الجمهور أنه لا يجوز أن يقرأ بشيء من القراءات الثابتة بالسند الصحيح لكنها لا تدخل في المصحف العثماني.
ودليل هؤلاء: أنها ليست متواترة والمشروع من القراءة أن تكون متواترة.

  • والقول الثاني، وهو رواية عن الإمام أحمد والإمام مالك واختاره ابن تيمية وابن القيم: أنه يجزئه ذلك لأنه بثبوته بالسند الصحيح يثبت قرآناً، وقد كان هؤلاء الصحابة الذين ثبتت عنهم قراءات لا تدخل في الرسم العثماني كانوا يقرؤون بها في عهد النبي صلى الله عليه وسلم وبعده وكانت ولا شك تجزئ عنهم.
    بل كان النبي صلى الله عليه وسلم يحث على أخذ القرآن عن ابن مسعود وقد ورد عنه مثل هذه الآية التي تخالف ما استقر عليه المصحف عهد عثمان.
    ومعلوم أن ما استقر عليه المصحف في عهد عثمان ليس حاوياً للمصحف كله بل هو حاوٍ لشيء فيه وضع على هذه الهيئة درءاً للخلاف والفتنة والفرقة في كتاب الله تعالى – وحيث أنه من القرآن لثبوته بالسند الصحيح إلى هذا الصحابي فإنه لا مانع من أن يقرأ به – وهذا هو القول الراجح.
    وكونه ليس بمتواتر يقال: ليس بشرط هذا فإن كثيراً من أفراد القراءات الواردة عن القراء السبعة ليست بمتواترة، وادعاء أنها متواترة ليس بصحيح، بل إن كثيراً منها ليس بمتواتر وإنما يعود إلى غرابة السند أو عزته أو شهرته وليس كلها متواتر.
    وإنما القرآن متواتر في مجموعه، وأما آحاد القراءات وأفرادها فإن القول بتواترها مجرد دعوى.
    فعليه: إذا ثبت بالسند الصحيح إلى الصحابي فإنه يقرأ به وتصح به الصلاة، لكن ينبغي فعل هذا حيث لا تكون هناك فتنة وفرقة.
    إذن: كل قراءة وافقت المصحف فيجوز القراءة بها في الصلاة اتفاقاً.
    فإن لم توافق المصحف وصح سندها: فالمشهور في المذهب أن القراءة لا تصح بها 1 . والراجح – وهو رواية عن الإمام أحمد – بل قال شيخ الإسلام ابن تيمية: " هي أنصهما " أي أنص الروايتين عن الإمام أحمد هذه الرواية التي فيها أن القراءة التي لا تدخل في المصحف العثماني مع صحة سندها قرآن يقرأ به ويحتج به في الأحكام الشرعية.
    والحمد لله رب العالمين الدرس الخامس والسبعون

(يوم السبت: 27 / 3 / 1415هـ)

قال المصنف رحمه الله: (ثم يركع مكبراً رافعاً يديه ويضعهما على ركبتيه مفرجي الأصابع مستوياً ظهره) قوله: " ثم يركع " لقوله تعالى: ﴿ارْكَعُوا وَاسْجُدُوا﴾ 1 وقال تعالى: ﴿وَارْكَعُوا مَعَ الرَّاكِعِينَ﴾ 2 ولقوله صلى الله عليه وسلم: (ثم اركع حتى تطمئن راكعاً) 3 في حديث المسيء صلاته، وهو ركن من أركان الصلاة وسيأتي الكلام عليها.
" مكبراً " أي بأن يقول: " الله أكبر " وهي تكبيرة الانتقال من ركن القيام إلى ركن الركوع.
وقد ثبت في الصحيحين عن أبي هريرة: (كان النبي صلى الله عليه وسلم إذا قام إلى الصلاة يكبر حين يقوم ثم يكبر حين يركع ثم يقول سمع الله لمن حمده حين يرفع صلبه من الركوع ثم يقول وهو قائم: ربنا ولك الحمد ثم يكبر حين يسجد ثم يكبر حين يرفع رأسه ثم يفعل مثل ذلك في الصلاة كلها حتى يقضيها، ويكبر حين يرفع رأسه من المثنى) 4 أي الجلوس أي حين يقوم من الركعتين الأولين في الصلاة الرباعية أو الثلاثية.

فهذا الحديث فيه تكبيرات الانتقال.
" رافعاً يديه ": إما حذو منكبيه أو إلى فروع أذنيه.
أما كونه يرفعهما حتى يحاذي بهما منكبيه فلحديث ابن عمر المتقدم، وفيه: (أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يرفع يديه حتى يحاذي بهما منكبيه حين يقوم إلى الصلاة وإذا أراد الركوع وبعد ما يرفع رأسه من الركوع) 1 . وأما كونه يرفعها إلى حيال أذنيه فلما روى النسائي بإسناد صحيح إلى مالك بن الحويرث: (أن النبي صلى الله عليه وسلم: كان يرفع يديه إذا ركع وإذا رفع رأسه من الركوع وإذا سجد وإذا رفع رأسه من السجود حتى يحاذي بهما فروع أذنيه) 2 . فكما أنه يستحب له ذلك – أي الرفع إلى حذو المنكبين أو فروع الأذنين – في تكبيرة الإحرام، فكذلك يستحب عند الركوع، وعند رفع اليدين.

  • والمشهور في المذهب: أنه يستحب له أن يرفع يديه حذو منكبيه أو فروع أذنيه، يستحب ذلك مع تكبيرة الانتقال فيكون ابتداء الرفع مع ابتداء التكبير وانتهاؤه مع انتهائه.
    وهو مشكل على مذهبهم من أن تكبيرات الانتقال إنما تشرع عند الانتقال وتنتهي بانتهائه، فإذا كبر للركوع فإنه يشرع بالتكبير وينتهي من التكبير إذا انتهى إلى الركوع وهو قائم يقول: الله أكبر، فيمد التكبير حتى يصل إلى الركوع، فيكون الانتقال قد شمله التكبير، وحينئذ يكون الرفع لليدين فيه إشكال.
  • والأظهر أن رفع اليدين والتكبيرة إنما يشرعان قبل الركوع، فيكبر ويرفع يديه ثم يركع، وهو ما دل عليه حديث أبي حميد الساعدى في سنن أبي داود بإسناد صحيح قال: (ثم يكبر فيرفع يديه حتى يحاذى بهما منكبيه ثم يركع) 1 وظاهر ذلك أن التكبير والرفع قبل الركوع.
    فعلى ذلك المشروع أن يكبر رافعاً يديه ثم يركع، فيكونان أي التكبير والرفع قبل الانتقال.
    (ويضعهما على ركبتيه) لما ثبت في الصحيحين من حديث مصعب بن سعد بن أبي وقاص، قال: " ركعت فجعلت يدي بين فخذي أو قال بين ركبتي فنهاني أبي وقال: كنا نفعل هذا فنهينا عنه وأمرنا أن نضع أيدينا على الركب) 2 .

ويمكنهما من ركبتيه كما في البخاري من حديث أبي حميد الساعدى قال: (ثم ركع فأمكن يديه من ركبتيه ثم هصر ظهره) 1 أي ثناه.
ويكون كالقابض لهما، لما ثبت في سنن أبي داود وعن أبي حميد الساعدى قال: (ثم أمكن يديه من ركبتيه كأنه قابض عليهما) 2 (مفرجي الأصابع) قال أبو حميد – في حديثه المتقدم في أبي داود -: (ثم أمكن يديه من ركبتيه وفرَّج بين أصابعه) 3 . كما أنه يستحب له أن يجافي يديه عن جنبه، كما في حديثه في أبي داود أيضاً بإسناد صحيح وقال: (ووتَّر يديه فجافي عن جنبيه) 4 " ووتر: أي نحاهما.
قال: (مسوياً ظهره)

فيكون الظهر مستوياً، وقد تقدم: (ثم هصر ظهره) 1 أي ثناه.
وفي أبي داود من حديث المسيء صلاته: (وامدد ظهرك) 2 وفي ابن ماجه بإسناد صحيح: أن النبي صلى الله عليه وسلم: (كان يسوى ظهره حتى لو صب عليه الماء لاستقر) 3 .

ويكون رأسه غير مصوَّب ولا مشخص بل يكون بإزاء ظهره، كما ثبت هذا في حديث عائشة في صحيح مسلم قالت: (فإذا ركع لم يشخص رأسه ولم يصوبه) 1 . (لم يشخصه) أي لم يرفعه، (لم يصوبه) أي لم يخفضه.
كما أن رأسه يكون معتدلاً غير منحرف عن اليمين ولا عن الشمال، ففي أبي داود – من حديث أبي حميد المتقدم -: (ولا صافح بخده) 2 أي قد مال بأحد صفحتي رأسه فظهرت من أحد الجنبين فهذا ليس بمستحب.
قال: (ويقول سبحان ربي العظيم) كما ثبت في مسلم من حديث حذيفة قال: (كان النبي صلى الله عليه وسلم يقول في ركوعه " سبحان ربي العظيم " وفي سجوده " سبحان ربي الأعلى ") 3 .

ويستحب أن يكون ذلك ثلاثاً وذلك أدناه ن لما روى أبو داود عن ابن مسعود بإسناد منقطع وله شواهد يرتقى بها إلى درجة الحسن: أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (إذا ركع أحدكم فليقل سبحان ربي العظيم ثلاث مرات وذلك أدناه، وإذا سجد فليقل سبحان ربي الأعلى ثلاث مرات وذلك أدناه) 1 . قال الترمذي: وعليه العمل عند أهل العلم.
وهل يستحب له أن يزيد لفظة (وبحمده) ؟ اختلفت الرواية عن الإمام أحمد:

فعن الإمام احمد: كراهية ذلك لأنها لم تثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم بسند مقبول، وإنما رواها أبو داود في سننه من حديث عقبة بن عامر 1 ، ثم قال أبو داود: " لكن يخاف ألا تكون محفوظة " وفيها رجل لم يسم، وعامة ما ورد من الشواهد لها فهي معللة فلا يصح لها شاهداً.
وعن الإمام أحمد: أنه لا بأس بها واختارها المجد بن تيمية ويشهد لذلك ما ثبت في الصحيحين: أن النبي صلى الله عليه وسلم: (كان يكثر أن يقول في ركوعه وسجوده سبحانك اللهم ربنا وبحمدك اللهم اغفر لي) 2 .

لكن الأظهر القول الأول، لأنها وإن ثبتت بهذا الحديث المتفق عليه، فإنها لا تثبت مع اللفظ الأول وهو لفظ " سبحان ربي العظيم ". لكن مع ذلك فإن كراهيتها محل نظر، والأولى تركها لكن إن فعلها فلا بأس بذلك والعلم عند الله تعالى.
ومما ورد عنه صلى الله عليه وسلم في ركوعه وسجوده: ما ثبت في صحيح مسلم: أنه كان يقول في ركوعه وسجوده (سبوح قدوس رب الملائكة والروح) 1 وتقدم الحديث المتفق عليه: (وأنه يكثر القول في ركوعه وسجوده " سبحانك اللهم ربنا وبحمدك اللهم اغفر لي) 2 وفي مسلم أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يقول إذا ركع: (اللهم لك ركعت وبك آمنت ولك أسلمت خشع لك سمعي وبصري ومخي وعظمي وعصبي) 3 فهذا مما ورد عن النبي صلى الله عليه وسلم فهذا الباب.
إذن: أدنى الكمال أن يقول: سبحان ربي العظيم، وسبحان ربي الأعلى ثلاثاً.
واختلفت في أتم الكمال:

فاحتمل الموفق أن يكون ذلك عشر تسبيحات لما روى أبو داود في سننه عن أنس قال: (ما صليت وراء أحد أشبه صلاة بصلاة النبي صلى الله عليه وسلم من هذا الفتى – يعني عمر بن عبد العزيز – قال فحرزنا سجوده بعشر تسبيحات وركوعه بعشر تسبيحات) 1 لكن الحديث في إسناده جهالة.
كما أن هذا الركوع الطويل الذي حرز بعشر تسبيحات ليس هناك ما يدل على أنه كان يقول " سبحان ربي العظيم: عشراً، فيحتمل أن يكون قد قال غيره مما ورد عن النبي صلى الله عليه وسلم.
لكن هذا الاحتمال هو قوي لو صح الحديث في مقدار الركوع وهو أن يكون مقدراً بعشر تسبيحات، أما أن يكون لتقدير عدد التسبيحات فهذا محل نظر لما تقدم.
وقال القاضي من الحنابلة: إن كان منفرداً فبحيث لا يسهو.
وينبغي – كذلك – أن يقال: ولا يمل، لأن الملل في العبادة غير مشروع، وإن كان إماماً فحيث لا يشق على المأمومين – وهذا ضابط حسن تدل عليه الأحاديث.
وكان النبي صلى الله عليه وسلم يطيل في ركوعه لكنا لا نجزم أن ذلك بلفظة " سبحان ربي العظيم " فحسب بل كان – فيما يظهر – يقول غيره مما ورد عنه.

وفي الصحيحين من حديث البراء: أن النبي صلى الله عليه وسلم: (كان قيامه فركوعه فسجوده فجلسته بين السجدتين فجلسته للتشهد قريباً من السواء) 1 أي معتدلة متقاربة وليس المراد أنها بدرجة واحدة في الطول، وإنما المراد أنها متناسبة في الطول، فإذا أطال القيام أطال الركوع والسجود وغيره، وإذا خففه خففها فتكون الصلاة معتدلة.
وسيأتي الكلام على القدر المجزئ من الألفاظ في الركوع وفي القدر المجزئ من الركوع في الكلام على أركان الصلاة وواجباتها.
والحمد لله رب العالمين.

الدرس السادس والسبعون (يوم الأحد: 28 / 3 / 1415هـ)

قال المؤلف رحمه الله: (ثم يرفع رأسه ويديه قائلاً) يرفع رأسه من الركوع، ويرفع يديه حذو منكبيه أو فروع أذنيه، وتقدم دليل ذلك من حديث ابن عمر وكذلك من حديث مالك بن الحويرث وغيرهما.
وهنا متى يرفع يديه حذو منكبيه هل عند شروعه بالرفع من الركوع أم عندما يستوي قائماً؟ فيه تفصيل على المذهب:

  • أما الإمام والمنفرد فيكون ذلك عند الاستواء بالقيام فإذا استويا قائمين شرع رفع اليدين.

ودليل ذلك: حديث ابن عمر المتقدم وفيه: (ثم رفع يديه بعدما رفع رأسه) 1 الحديث متفق عليه.

  • أما المأموم فقالوا: يرفع يديه أثناء رفع صلبه، فإذا شرع في رفع صلبه رفع يديه حتى يستوي قائماً قالوا: لأن المأموم لا يشرع في حقه ذكر بعد الاستواء قائماً، فعلى المشهور من المذهب يقول: " ربنا ولك الحمد " إذا شرع بالرفع فينتهي منها إذا استوى قائماً فلا يشرع له حينئذ أن يقول ذكراً بعد رفع رأسه وحينئذ يقارن بين رفع اليدين والذكر.
    والراجح: أن المأموم إنما يقول: ربنا ولك الحمد إذا استوى قائماً كالمنفرد والإمام، كما ثبت في الصحيحين من حديث أبي هريرة المتقدم وفيه: أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يقول: (وهو قائم ربنا ولك الحمد) 2 وقد قال صلى الله عليه وسلم: (صلوا كما رأيتموني أصلي) 3 فيدخل في ذلك المأموم ولا دليل يدل على تخصيصه.

وأما قوله صلى الله عليه وسلم – في المتفق عليه – وهو دليل الحنابلة قوله: (إنما جعل الإمام ليؤتم به … فإذا قال: " سمع الله لمن حمده " فقولوا: " ربنا ولك الحمد ") 1 فليس في هذا ما يدل على أنه يقول ذلك أثناء رفعه، وإنما فيه أنه يقول: " ربنا ولك الحمد " بعد قول إمامه: " سمع الله لمن حمده ". والأدلة الشرعية في الصلاة تدل على أن كل ركن من أركان الصلاة يشرع له ذكر وارد، والرفع من الركوع أسوة غيره من الأركان فيشرع فيه ما يشرع في غيره من قول: " ربنا ولك الحمد ". إذن: هنا مسألتان: أحدهما تترتب على الأخرى: الأولى: هل يقول المأموم ربنا ولك الحمد عند شروعه في رفع صلبه إلى أن يستوي قائماً أم يقوله بعد استوائه قائماً؟ قولان: أصحهما أنه يقول ذلك بعد استوائه قائماً.
الثانية: متى يرفع المأموم يديه هل يرفعهما إذا رفع رأسه من الركوع إلى أن يستوي قائماً أو بعد الاستواء قائماً؟ قولان لأهل العلم: وقد استدل القائلون بأنه يقولهما بعد رفع رأسه من الركوع بأنه يقول: " ربنا ولك الحمد " فكانا مقترنين، والجواب على ذلك من جهتين: الجهة الأولى: أن يقال: إن الراجح والذي دلت عليه الأدلة أنه إنما يقول: " ربنا ولك الحمد " عند رفع رأسه واستوائه قائماً.
الوجه الثانية: أن يقال: لا تلازم بين الأمرين، فلو ثبت أنه يقول: " ربنا ولك الحمد " أثناء رفع رأسه، فلا تلازم بينه وبين رفع اليدين، وقد دل الدليل على أن رفع اليدين إنما يكون بعد الرفع من الركوع في الحديث المتقدم وقوله: (صلوا كما رأيتموني أصلي) . فالراجح أن المأموم كالإمام يرفع يديه إذا استوى قائماً.
قال: (قائلاً إمام ومنفرد سمع الله لمن حمده)

أي استجاب الله تعالى حَمْد من حَمِدَه بأن يجازيه على الحمد ويثنيه عليه وهذه اللفظة " سمع الله لمن حمده " يقولها الإمام والمنفرد دون المأموم – هذا هو المشهور في المذهب –. واستدلوا بالحديث المتقدم وهو ما اتفق عليه الشيخان من قوله صلى الله عليه وسلم: (فإذا قال: سمع الله لمن حمده فقولوا: ربنا ولك الحمد) 1 قالوا: والفاء تفيد التعقيب أي يقول المأموم ذلك عقب قول إمامه " سمع الله لمن حمده " وعليه فلا يشرع أن يقول: سمع الله لمن حمده، لأنه إذا قال ذلك فلم يقلها عقيب قول إمامه، وهو مذهب الجمهور.

  • وذهب الشافعية وهو مذهب صاحبي أبي حنيفة: أن المأموم يقول ذلك ويشرع له.
    واستدلوا: بأدلة منها: ثبوت ذلك عن النبي صلى الله عليه وسلم وقوله: (صلوا كما رأيتموني أصلي) 2 فهذا العموم شامل للمأموم كما هو شامل للأئمة والمنفردين 3 . واستدلوا: بحديث المسيء صلاته في رواية أبي داود وفيه أن النبي صلى الله عليه وسلم [قال] : (إنه لا تتم صلاة لأحدٍ من الناس) الحديث وفيه: (ثم يقول: سمع الله لمن حمده حتى يستوي قائماً) 4 . وفي هذا الحديث فائدة: وهي أن لفظة " سمع الله لمن حمده " تقال عند رفع الصلب من الركوع إلى أن يستوي قائماً.
    قالوا: فهذا الحديث عام في المنفرد والإمام والمأموم.

وأجابوا عن الحديث المتقدم وهو ما استدل به الجمهور بأن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (إذا قال سمع الله لمن حمده فقولوا: ربنا ولك الحمد) إنما ورد هذا في بيان عدم مشروعية قوله: " ربنا ولك الحمد " من المأموم إلا بعد قول الإمام: " سمع الله لمن حمده " وليس فيه أنه لا يقول: سمع الله لمن حمده.
ونحن قلنا: إن المأموم يشرع له أن يقول: " ربنا ولك الحمد " وهو قائم كما دلت عليه الأدلة الشرعية.
فعليه إذا رفع المأموم صلبه من الركوع حتى يستوي قائماً فقال: " سمع الله لمن حمده " فإن هذا لا يؤثر لثبوت الانفصال فإن الانفصال ثابت سواء سكت أو تلفظ، فسكوته أو تكلمه لا يؤثر في كونه قد قال: " ربنا ولك الحمد " بعد قوله " سمع الله لمن حمده "، فإن الانفصال ثابت في السكوت وعليه فما فائدة قول النبي صلى الله عليه وسلم هذا الحديث؟ والجواب أن يقال: إن فائدته تعليم المأمومين ألا يقول: " ربنا ولك الحمد " إلا بعد قول الإمام " سمع الله لمن حمده " وذلك لثبوت الفصل في ذلك، فقد ثبت في الصحيحين أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (إذا قال الإمام سمع الله لمن حمده فقولوا: اللهم ربنا ولك الحمد فإن من وافق قوله قول الملائكة غفر له) 1 . فهذا كقول النبي صلى الله عليه وسلم: (فإذا قال غير المغضوب عليهم ولا الضالين فقولوا آمين) 2 ليوافق التأمين تأمين الملائكة ليغفر الله [لهم] 3 ، وليس فيه أن المأمومين لا يقرؤون بفاتحة الكتاب وقد دلت الأدلة الشرعية على وجوب ذلك.

والأقوى والأقرب ما ذهب إليه الشافعية وهو الأحوط والعلم عند الله تعالى.
قال: (سمع الله لمن حمده، وبعد قيامهما: ربنا ولك الحمد) قيامهما: أي قيام الإمام والمنفرد.
" ربنا ولك الحمد " بحذف " اللهم " وزيادة الواو وهي صفة من صفات أربع ثبتت عن النبي صلى الله عليه وسلم في الصحيح.
الصفة الأولى: ربنا لك الحمد 1 بحذف الواو، و " اللهم ". الصفة الثانية: ربنا ولك الحمد 2 : بحذف " اللهم " وإثبات الواو.
الصفة الثالثة والرابعة بزيادة " اللهم وبحذف الواو وبإثباتها " اللهم ربنا لك الحمد " 3 " اللهم ربنا ولك الحمد " 4 هذه صفات واردة رواها البخاري في صحيحه وروى بعضها مسلم.
فقد ثبت في صحيح مسلم عن أبي سعيد الخدري قال: (كان النبي صلى الله عليه وسلم إذا رفع رأسه من الركوع قال: ربنا لك الحمد ملء السموات والأرض – وفي رواية في مسلم (ملء السموات وملء الأرض) ، وفي رواية (وما بينهما) - وملء ما شئت من شيء بعد، أهل الثناء والمجد أحق ما قال العبد وكلنا لك عبد اللهم لا مانع لما أعطيت ولا معطي لما منعت ولا ينفع ذا الجد منك الجد " 5 يقول الإمام والمنفرد هذا التحميد الوارد بعد قيامهما من الركوع بعد أن يستويا قائمين.
قال: (ومأموم في رفعه: ربنا ولك الحمد، فقط) . هنا مسألتان: 1- المسألة الأولى: أنه يقول ذلك أثناء الرفع قبل أن يستوي قائماً.

والراجح أنه يقوله: بعد أن يستوي قائماً لما تقدم وهو مذهب الشافعية.
ودليله أن النبي صلى الله عليه وسلم: " كان يقول وهو قائم ربنا ولك الحمد " وقد قال: (صلوا كما رأيتموني أصلي) 1 ، واستثناء المأموم من هذا العموم الشامل له يحتاج إلى دليل ولا دليل.
2- المسألة الثانية: أنه لا يزيد على لفظة " ربنا ولك الحمد " وهو رواية عن الإمام أحمد.
واستدلوا بما تقدم من قول النبي صلى الله عليه وسلم: (فإذا قال سمع الله لمن حمده فقولوا: ربنا ولك الحمد) 2 فأمر المأمومين بأن يقولوا: ربنا ولك الحمد، وظاهره أن المشروع لهم ذلك وأن الزيادة ليس بمشروعة.

  • وعن الإمام أحمد وهو اختيار طائفة من أصحابه كالمجد بن تيمية وهو اختيار شيخ الإسلام وهو مذهب الشافعية: أن المأموم كالإمام والمنفرد، يزيد ما ورد عن النبي صلى الله عليه وسلم استحباباً قالوا: لقوله صلى الله عليه وسلم: (صلوا كما رأيتموني أصلي) وكان يزيد ما تقدم.
    وأما الحديث الذي استدللتم به فإنه لم يسق لبيان ما يقول الإمام ولا ما يقول المأموم، بدليل أن هذا الحديث فيه قول الإمام: سمع الله لمن حمده، وليس فيه زيادة على ذلك، وكذلك قوله: (ربنا ولك الحمد) فإنما سيق ذلك لبيان أن المأموم لا يشرع له التلفظ بلفظة " ربنا ولك الحمد " إلا عقب قول إمامه: " سمع الله لمن حمده " وليس فيه أنه لا يشرع له الزيادة الواردة عن النبي صلى الله عليه وسلم – هذا هو الراجح -. إذن: الإمام والمأموم والمنفرد في حكم واحد في عامة مسائل هذا الباب، في لفظة (سمع الله لمن حمده) ، وفي الزيادة على لفظة " ربنا ولك الحمد " على الأظهر، وفي وقت الرفع وأن يكون ذلك بعد أن ينتصبوا قائمين، وغيرها.
    وهنا مسألة: صفة وضع اليدين، هل يضع اليد اليمنى على اليسرى أم يرسلهما أم هو مخير؟ ثلاثة أقوال:

نص الإمام أحمد: على أنه يخير بين الإرسال وبين الوضع، وكأنه تردد في إدخال القيام المشروع بعد 1 الركوع في القيام المشروع قبله، لهذا التردد قال بالتخيير.
وهو مذهب الأحناف: أنه يرسلهما، وهو قول طائفة من أصحاب الإمام أحمد.
أنه يستحب له أن يضع اليمنى على اليسرى كوضعها قبل الركوع، وهو قول طائفة من أصحاب الإمام أحمد.
واستدل أهل القول الثاني: بأنه لم يثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم حديث في هذا الباب، حيث لم يثبت فلا يشرع فعليه أن يرسلهما ويبقيهما على طبيعتهما فإن الأصل في طبيعتها الإرسال، ولما لم يرد الوضع فإنا نبقى على الإرسال ويكون هو المشروع وغيره بدعة.
أما دليل أهل القول الثالث - وهو مذهب طائفة من أصحاب أحمد: وهو أرجحها - دليله عمومات الأحاديث ومنها حديث سعد بن أبي وقاص: (كان الناس يؤمرون أن يضع الرجل يده اليمنى على ذراعه اليسرى في الصلاة) 2 رواه البخاري.
وهذه صفة خشوع وتذلل وخضوع لله تعالى، وهذا عام في الصلاة كلها إلا ما استثني من جلوس للتشهد ومن سجود ونحو ذلك، أما الرفع من الركوع والقيام بعده فلا دليل على استثنائه فيبقى في العموم.
وأوضح منه الحديث الذي تقدم وهو حديث وائل بن حجر في سنن النسائي بإسناد صحيح أنه قال: (رأيت النبي صلى الله عليه وسلم إذا كان قائماً في الصلاة قبض بيمينه على شماله) 3 وهذا عام في كل قيام فيدخل في ذلك القيام بعد الركوع.

ثم إن هذا من باب إلحاق النظير نظيره، فإن القيام بعد الركوع شبيه ونظير للقيام قبله، فكلاهما قيام في الصلاة، وهذه صفة فيها خشوع وخضوع وتذلل لله عز وجل فهي أولى من الإرسال.
إذن: الراجح أنه يضع يده اليمنى على اليسرى كوضعها في الصفات المتقدمة كوضعها قبل الركوع.
والحمد لله رب العالمين.

الدرس السابع والسبعون (يوم الاثنين: 29 / 3 / 1415هـ)

قال المؤلف رحمه الله: (ثم يخر مكبراً ساجداً على سبعة أعضاء) " يخر ": خر: أي سقط وانكب.
" مكبراً " أي قائلاً الله أكبر، لما ثبت في الصحيحين من حديث أبي هريرة وفيه: (ثم يكبر حين يهوى ساجداً) 1 فمن تكبيرات الانتقال التكبير عند الانتقال من القيام بعد الركوع إلى السجود وهو مشروع بينهما، فيبدأ بالتكبير عند انخفاضه وينتهي عند انتهائه.
ولم يذكر المؤلف هنا: رفع اليدين؛ لأن المشهور في المذهب عدم مشروعية ذلك، وأنه لا يشرع الرفع عند السجود والرفع منه.
ودليله: ما ثبت في الصحيحين من حديث ابن عمر وفيه: (ولا يفعل ذلك في السجود) وفي رواية مسلم: (ولا يرفع يديه إذا سجد ولا إذا رفع رأسه من السجود) 2 .

  • الإمام أحمد وهو مذهب طائفة من الصحابة والتابعين: أنه يشرع له الرفع، وأنه يشرع رفع اليدين في كل خفض ورفع.
    وهذا القول هو الراجح ويدل عليه حديث مالك بن الحويرث في النسائي بإسناد صحيح وفيه: (أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يرفع يديه إذا ركع وإذا رفع رأسه من الركوع وإذا سجد وإذا رفع رأسه من السجود حتى يحاذي بهما فروع أذنيه) 1 . والمثبت مقدم على النافي، فحديث ابن عمر ليس فيه إلا النفي وغاية ما عند النافي عدم بلوغ علمه ما نفاه فإذا أتى ما يثبت ذلك فإن هذا المثبت حجة عليه؛ لأنه حفظ ما لم يحفظ وعلم ما لم يعلم.
    إلا أن رواية ابن عمر وهو المتابع للنبي صلى الله عليه وسلم والحافظ لحديثه تدل على أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يترك ذلك أحياناً فعلى ذلك ينبغي أن يكون ذلك مستحباً أحياناً.
    فعدم رواية ابن عمر وعدم إحصائه هذا الفعل عند السجود والرفع منه يدل على أنه صلى مع النبي صلى الله عليه وسلم صلوات كثيرة لم يفعل فيها هذا الرفع، وهذا يدل على أنه لم يكن يداوم على ذلك.
    فالراجح: أنه يستحب أن يرفع يديه إذا سجد ورفع رأسه أحياناً.
    قال: (ساجداً على سبعة أعضاء رجليه ثم ركبتيه ثم يديه ثم جبهة مع أنفه) في هذه الجملة مسألتان: المسألة الأولى: فرضية السجود على سبعة أعظم وهي: الجبهة والأنف وهما عضو واحد، واليدان وهما عظمان 2 ، والركبتان وهما عظمان وأطراف القدمين وهما عظمان.

لما ثبت في الصحيحين عن ابن عباس وأن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (أمرت أن اسجد على سبعة أعظم الجبهة وأشار إلى أنفه) 1 - وفي رواية النسائي: (الجبهة والأنف) 2 – واليدين، وفي رواية مسلم: (والكفين) والركبتين وأطراف القدمين) . المسألة الثانية: هي في قوله: (رجليه ثم ركبتيه ثم يديه ثم جبهته) . هنا ما ذكره من الترتيب هو الترتيب الطبيعي فالرجلان ثابتتان ثم بعد ذلك الركبتين ثم اليدين ثم الجبهة والأنف هذا هو الذي يقتضيه الهوي والخرور.
لكن السنة قد دلت على أن اليدين مقدمان على الركبتين، وهو مذهب مالك ورواية عن الإمام أحمد.
وفي هذه المسألة قولان لأهل العلم: القول الأول، وهو مذهب عامة الفقهاء من الحنابلة وغيرهم: أن المستحب أن يقدم الركبتين على اليدين.
واستدلوا: بما رواه أبو داود عن وائل بن حجر وقال: (رأيت النبي صلى الله عليه وسلم إذا سجد وضع ركبتيه قبل يديه وإذا نهض رفع يديه قبل ركبتيه) 3

فصول الكتاب · 11 فصل · 298 صفحة
الانتقال إلى صفحة
فصول شرح زاد المستقنع للحمد · 298 صفحة
المقدمة
كتاب الزكاة
كتاب الصيام
كتاب المناسك
كتاب الجهاد
كتاب الوصايا
كتاب الوصايا
كتاب الفرائض
كتاب الطلاق
كتاب الحدود
كتاب الشهادات
جارٍ التحميل