وأما كشف ذلك فإن مرجعه إلى الفتنة، فإذا كانت الفتنة فلا يجوز كشفه مطلقاً، وأما حيث لا فتنة فيجوز كشفه.
إذن: ابن عشر سنين في المشهور من المذهب عورته كعورة الرجل ولم أر دليلاً يدل على هذا وأما ما دونه فعورته الفرجان.
والذي ينبغي أن يكون من لم يبلغ كهو بعد التمييز دون عشر سنين، فإنه لا فرق بين ما إذا ميز وكان دون عشر سنين فيه [وبين ما] إذا بلغ عشر سنين ولم يبلغ بعد.
وقد تقدم ترجيح أن الفخذين ليسا بعورة، فإذا ثبت هذا فيمن هو بالغ فأولى منه فيمن بلغ عشر سنين أو من دونه.
ومما يبين أن ما ذكره الفقهاء لا دليل عليه: أن المرأة غير البالغة جعلوها كعورة الرجل وهي المميزة التي لم تبلغ بعد ابنة عشر أو أصغر أو أكبر ما لم تبلغ فعورتها كعورة الرجل أي السوأتان والفخذان – ولم يجعلوها كالحرة.
وهنا جعلوا ابن عشر سنين كالبالغ، ولم يجعلوا بنت عشر ونحوها ممن لم تبلغ لم يجعلوها كالبالغة وهذا تفريق بين مسألتين يعتبر فارق مؤثر.
فالمقصود: أن المرأة إذا بلغت فعورتها ستأتي وما لم تبلغ فعورتها كما قال صلى الله عليه وسلم: (لا يقبل الله صلاة حائض إلا بخمار) 1 وما لم تبلغ فليست بحائض.
إذن: من دون البلوغ من النساء عورتها في الصلاة ليست كعورة الحرة البالغة.
قال: (وكل المرأة عورة إلا وجهها)
كل المرأة عورة، كما ثبت في الترمذي أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (المرأة عورة) 2 فهذا يدل على أن المرأة كلها عورة.
وقد أجمع العلماء على أن المرأة يجب عليها أن تستر كل شيء من بدنها من شعر أو بشرة أو ظفر 3 سوى الوجه واليدين والقدمين، فهذه المسائل الثلاث هناك منها ما أدخله بعض أهل العلم فيما يجب ستره ومنه ما لم يدخله في هذا فهو محل خلاف.
إلا أن الوجه قد اتفقوا على جواز إخراجه فالوجه لا يجب لها ستره للحاجة إليه.
واختلفوا في الكعبين والقدمين.
فأما الكفان:
فالمشهور في المذهب أنه يجب تغطيتهما لعموم الحديث المتقدم: (المرأة عورة) 1 .
وذهب الشافعية والمالكية والأحناف وهو رواية عن الإمام أحمد: إلى أن الكفين يجوز كشفهما في الصلاة قياساً على الوجه.
وهذا قياس واضح، فإن الكفين يحتاج إلى كشفهما كما يحتاج إلى كشف الوجه تماماً، والشارع يسوى بينهما فكما سوى بينهما في الإحرام في النهي عن التغطية، فبينهما في الشرع اتفاق.
وهنا بينهما اتفاق في المعنى، فإن المعنى واحد فإن الحاجة إلى كشف الكفين واردة كالحاجة إلى كشف الوجه.
وهذا هو الراجح.
وأما القدمان:
1- فجمهور أهل العلم: على النهي عن كشفهما.
واستدلوا: بما رواه أبو داود من حديث عبد الرحمن بن عبد الله بن دينار عن محمد بن زيد عن أمه عن أم سلمه: أنها سألت النبي صلى الله عليه وسلم فقالت: (أتصلى المرأة في درع وخمار بغير إزار فقال النبي صلى الله عليه وسلم: (نعم إذا كان الدرع سابغاً يغطي ظهور قدميها) 2
على أن هذا الدليل: ليس دليلاً تاماً لهم؛ لأنه ليس فيه تغطية باطن القدمين وإنما فيه تغطية ظاهرهما وظاهر كلامهم تعميم ذلك في باطن القدمين وظاهرهما.
2- وذهب أبو حنيفة وهو اختيار المزني من الشافعية واختيار شيخ الإسلام: إلى أن القدمين لا يجب تغطيتهما في الصلاة؛ قياساً على الوجه، فإن القدمين مما يظهر غالباً في المرأة في بيتها وحيث لا يراها الأجنبي، وفي تغطيتهما مشقة، والحاجة القاضية بكشفهما، كالحاجة تماماً في كشف الوجه قال شيخ الإسلام: وأما حديث: (المرأة عورة) إنما هو حيث ينظر إليها الأجنبي، ففي تمام الحديث: (فإذا خرجت استشرفها الشيطان)
وقد تقدم أنه لا جامع بين ستر العورة في الصلاة وسترها خارج الصلاة.
والراجح ما ذهب إليه أهل القول الثاني.
وأما حديث أم سلمه فقد تفرد برفعه عبد الرحمن بن عبد الله بن دينار وحفظه ضعيف.
ورواه عامة الثقات موقوفاً على أم سلمة كمالك وابن أبي ذئب وإسحاق وحفص بن غياث وغيرهم، فالراجح أنه موقوف.
ثم إن فيه أم محمد بن زيد وهي لا تعرف كما قال ذلك الذهبي، فلا يبنى - على مثل هذا - هذا الحكم العظيم.
فعلى ذلك الراجح أن القدمين ليستا من عورة الصلاة وكذلك الوجه والكفان.
وأما خارج الصلاة فإنها من العورة لعموم قوله صلى الله عليه وسلم: (المرأة عورة) أي كلها عورة شعرها وبشرتها كلها عورة.
والحمد لله رب العالمين.
الدرس الثاني والستون (يوم الأحد: 30 / 2 / 1415 هـ)
قال المؤلف رحمه الله تعالى: [وتستحب صلاته في ثوبين]
يستحب للرجل أن يصلي في ثوبين، قميص ورداء يلتحف به أو إزار ورداء، أو قميص وإزار، أو قميص وسراويل، ونحو ذلك، بأن يكون عليه ثوبان يصلي فيهما.
فالمستحب باتفاق أهل العلم أن يصلي في ثوبين، قميص ورداء، قميص وإزار، قميص وسراويل، إزار ورداء، نحو ذلك.
ودليل هذا ما ثبت في الصحيحين أن النبي - صلى الله عليه وسلم - سئل: أيصلي الرجل في الثوب الواحد؟ فقال النبي - صلى الله عليه وسلم -: (أولكلكم ثوبان) 1 فمفهومه مشروعية واستحباب أن يصلي الرجل في ثوبين.
فإن صلى في ثوب واحد فيجزئه اتفاقاً مادام أن ستر العورة ثابت فيجزئه إجماعاً.
والمستحب أن يصلي في ثوبين كما تقدم، قال عمر - رضي الله عنه -: (إذا وسع الله فأوسعوا) 1 رواه البخاري.
قال: [ويجزئ – يكفي – ستر عورته في النفل]
فيجزئه أن يستر عورته في النفل.
فإذا صلى الرجل بثوب واحد قد ستر به عورته – السوأتين والفخذين، على المذهب – فإن الصلاة صحيحة في النفل.
فلو صلى تطوعاً فلم يكن عليه إلا ثوب يستر عورته فالصلاة صحيحة كأن يصلي بإزار فقط.
وهذا لأن النفل مبناها على التخفيف والتيسير.
هذا المشهور في المذهب.
وعن الإمام أحمد: أنه لا يجزئ ستر العورة فقط،بل يجب عليه أن يضيف إلى ذلك تغطية أحد المنكبين أو كليهما، كما سيأتي.
قال: [ومع أحد عاتقيه في الفرض]
العاتق: هو ما بين المنكب والعنق وهو موضع الرداء في أعلى البدن أو موضع الثوب.
قال: يجب في الفرض أن يغطي أحد منكبيه، فإذا صلى بإزار فقط ولم يغط أحد منكبيه وكانت فرضاً فلا تصح.
واستدلوا بما ثبت في الصحيحين أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: (لا يصلي الرجل في الثوب الواحد ليس على عاتقيه منه شيء) 2 .
قالوا: هذا يدل على نهي المصلي أن يصلي وهو مكشوف المنكبين، بل يجب أن يرد طرف الثوب على أحد عاتقيه، فإذا فعل ذلك فإن الصلاة تكون صحيحة.
واستثنوا النفل لما تقدم وأن مبناها على التخفيف.
وعن الإمام أحمد، وهو ظاهر كلام الخرقي: أن النفل كالفرض، فلا فرق بينهما.
وهذا هو الأصل، فالأصل في الأحكام الشرعية الثابتة للفرض أن تثبت للنفل، فما كان شرطاً في الفرض فهو شرط في النفل إلا أن يدل دليل على خلاف ذلك.
كيف والحديث المتقدم عام في النفل كما هو عام في الفرض.وهذا هو الراجح، أن النفل والفرض يجب أن يستر عاتقيه فيهما.
المسألة الثانية: قوله " ومع أحد عاتقيه ":
فلا يجب عليه أن يستر العاتقين، فإذا اكتفى بستر أحدهما أجزأه.
هذا هو المشهور في المذهب.
وعن الإمام أحمد واختاره طائفة من أصحابه كالقاضي وغيره: أنه لا يجزئه إلا أن يستر العاتقين كليهما.
وهذا القول أظهر؛ لقوله في الحديث المتقدم (ليس على عاتقيه منه شيء) ، فظاهره أنه فرض في العاتقين كليهما.
وقد ثبت في الصحيحين عن عمرو بن سلمة 1 قال: رأيت النبي - صلى الله عليه وسلم - يصلي في ثوب واحد مشتملاً به في بيت أم سلمة واضعاً طرفيه على عاتقيه) 2 . هذا هو فعل النبي - صلى الله عليه وسلم -.
إذاً: يجب عليه أن يغطي عاتقيه في الفرض والنفل على الصحيح في المذهب.
والجمهور على أن ذلك سنة؛ لقوله - صلى الله عليه وسلم - في الثوب: (إن كان واسعاً فالتحف به وإن كان ضيقاً فاتزر به) 3 ، وإذا اتزر به وشده على حقويه فإنه لا ينال العاتقين منه شيء.
والجواب على هذا أن يقال: إن هذا الحديث عند الضرورة، فإنه ليس عنده إلا ثوب واحد فيتزر به لضيقه، وإن كان واسعاً فإنه يلتحف به , فظاهر هذا الحديث وجوب تغطية المنكبين كليهما، لقوله (إن كان واسعاً فالتحف به) ، وحقيقة الالتحاف أن يغطي به بدنه كما يوضع الجلباب ونحوه على البدن.
فالراجح ما ذهب إليه الحنابلة من الوجوب، ولكن هل هو واجب فقط أم هو واجب لا تصح الصلاة إلا به؟
فإذا صلى وقد كشف منكبيه وهو قادر على تغطيتهما، فهو آثم على القولين، لكن هل تصح الصلاة؟
قولان في المذهب:
فالمشهور عند الحنابلة: أنه واجب لا تصح الصلاة إلا به.
فإذاً: أدخل في شرط ستر العورة، فأصبح مما يشترط ستره.
والرواية الأخرى: أنه ليس شرطاً في صحة الصلاة.
وهذا القول هو الأظهر 1 ؛ ذلك لأن النبي - صلى الله عليه وسلم - قد أوجبه وفرضه، وليس تركه يعود إلى الصلاة ولا إلى شرطها، فإنه قد ستر عورته وتم بذلك شرط الصلاة من ستر العورة، وأما ستر أعلى اليدين بتغطية المنكبين فإنه لا يدخل في الصلاة ولا في شرطها، بل قد قام بالصلاة على وجهها الشرعي إلا أنه قد فعل أمراً محرماً لكونه لم يضع ثوبه على عاتقيه، لكن صلاته صحيحة؛ لأنه قد قام بها أركاناً وشروطاً، وكونه يفعل أمراً محرماً فيها ككونه يلبس ثوب حرير ونحو ذلك.
ومن صلى وقد ستر عورته بثوب حرير فإن صلاته صحيحة على الراجح، وسيأتي الكلام عليه.
إذاً: الراجح هذه الرواية، وأنه واجب وليس شرطاً في صحة الصلاة.
فعلى ذلك: حاصل أقوال أهل العلم ثلاثة أقوال، وهي روايات عن الإمام أحمد:
الرواية الأولى: السنية، وهذا مذهب الجمهور.
الرواية الثانية: أنه شرط في صحة الصلاة، وهذا هو المشهور عند الحنابلة.
الرواية الثالثة: وهي أصحها أنه واجب ليس بشرط، فلو ترك تغطية المنكبين عامداً ذاكراً عالماً بالحكم، فتصح صلاته مع لحوق الإثم له.
قال: [وصلاتها في درع وخمار وملحفة]
الدرع: هو القميص، وهو المفصل على البدن.
وخمار: هو ما تغطي به المرأة رأسها.
وملحفة: وهي ما نسميها العباءة، وهي الجلباب ونحو ذلك مما تغطي به المرأة بدنها.
هذا هو المستحب لها؛ لأن ذلك أستر لها.
فإن قيل: فلم يذكر الخمار، مع أن الخمار تغطية الرأس، وتغطية الرأس شرط في صحة صلاة الحرة؟
فالجواب على ذلك: أن الاستحباب إنما هو في كونه خماراً، فلو لبست برقعاً أو نقاباً أو نحوه مما يغطي الرأس فإنه خلاف الأولى، والأولى لها أن تغطيه بخمار، وهو قول عمر وعائشة.
قول عائشة رواه عنها سعيد بن منصور.
وقول عمر، كما حكاه عنه في المغن 1 ي، وقال صاحب الفروع: رواه محمد بن عبد الله الأنصاري في جزئه عن عمر بإسناد صحيح " أي استحباب أن تصلي المرأة بدرع وخمار وملحفة.
فالمستحب أن تصلي بدرع وخمار وملحفة، هذا هو الأفضل لها باتفاق العلماء.
قال: [ويجزئ ستر عورتها]
هذا هو المجزئ، فلو سترتها بأي ثوب ولو لم يكن خماراً أو اكتفت بالقميص ولم يظهر شيء من عورتها، فصلاتها صحيحة؛ لأنها قد قامت بالشرط، فسترت العورة، وحينئذ قد قامت بالشرط المفترض عليها، وما فضل وزاد فهو خير وليس ذلك على هيئة الفرضية.
قال: [ومن انكشف بعض عورته وفحش أو صلى في ثوب محرم عليه أو نجس أعاد لا من حبس في محل نجس]
هنا أربع مسائل:
المسألة الأولى: من انكشف بعض عورته وفحش.
" فحش ": حجماً وزماناً عرفاً؛ لأن المسائل التي لا تحدد في اللغة ولا في الشرع مرجعها إلى العرف.
فما فحش: خرج - منه خارج من - عورته، كالفخذين – على المذهب – فانكشف شيء منهما وفحش زماناً أي طال وقته، وحجماً، أي من رآه ونظر إليه قال: هذا كثير فاحش، فمرجعه إلى العرف، وقد تقدم أن ذلك إلى أوساط الناس.
فلو خرج منه شيء كثير من الفخذين، لكن الزمن قليل فلا تبطل الصلاة.
وكذلك إذا خرج شيء يسير في زمن كثير أي فحش الزمن ولم يفحش الحجم الخارج فإنه لا تبطل الصلاة بذلك.
إذاً: لابد وأن يفحش حجماً وزماناً، فإن لم يفحش حجماً وزماناً فهو معفو عنه؛ قالوا: لأن اليسير لا يمكن التحرز منه حيث لم يقصد ذلك.
فإن قصد قالوا: بطلت، وإن كان يسيراً، يسيراً في الزمان أو الحجم.
هذا هو المشهور في المذهب.
وذهب الشافعية: إلى أنه إذا خرج منه أي خارج سواء كان يسيراً أم فاحشاً سواء في زمن كثير أو زمن قليل، أنه إذا خر ج منه شيء بقصد أو غير قصد، الصلاة باطلة تجب إعادتها.
قالوا: لأن الواجب هو ستر العورة، ومتى انكشف أي شيء منها فيجب حينئذ أن يعيد الصلاة، وهي باطلة.
وهذا القول أقيس وأصح من مذهب الحنابلة، لكن بقصد، وهو مذهب المالكية.
فمذهب المالكية هو مذهب الشافعية، لكنهم استثنوا من ذلك النسيان ونحوه.
فلو خرج منه شيء بغير قصد فيعفى عنه سواء كان فاحشاً أو لم يكن فاحشاً، كأن يكون جاهلاً أو ناسياً.
وإذا خرج منه أي شيء وإن كان يسيراً فالصلاة تبطل إن كان عن قصد.
وهذا القول هو الراجح.
أما كون أي خارج يناقض ستر العورة؛ فلأن الواجب هو سترها كلها وجميعها، وحيث خرج شيء منها فإن هذا ينافي سترها.
وكوننا لا نبطل الصلاة حيث نسي أو جهل؛ فلأن هذا من فعل المحذور، ومن فعل المحذور جاهلاً أو ناسياً فلا شيء عليه كما سيأتي الاستدلال عليه في شرطية الطهارة من النجاسة في الثوب والبقعة ونحوها.
فالراجح: أنه مادام أنه فعل المحذور جاهلاً أو ناسياً فلا شيء عليه.
فالراجح مذهب المالكية وأنه إذا خرج شيء من عورته في الصلاة، فلا تفسد صلاته إلا إذا خرج على وجه القصد والتعمد، أما إذا خرج على وجه النسيان والجهل ونحوه فذلك لا يضر صلاته.
المسألة الثانية: " أو صلى في ثوب محرم عليه أعاد ":
رجل ستر عورته بثوب محرم كثوب حرير أو مغصوب فإنه يعيد؛ قالوا: لأن لبسه للثوب يلحقه به الإثم، فهو عاص لله بلبسه لهذا الثوب؛ لأنه محرم، وهو يفعل قربة فلا يمكن أن يكون هذا قربة وهو مع ذلك إثم ومحرم، بمعنى: لا يمكن أن يلحقه في آن واحد ثواب وإثم،فهو آثم للبسه للحرير،وإذا قلنا بصحة صلاته فهو مأجور على الصلاة ولا يمكن أن يجتمع في الشخص هذان الوصفان في آن واحد.
والجواب على هذا – وهو ما ذهب إليه شيخ الإسلام وغيره وهو مذهب أكثر أهل العلم -: أن الصلاة في الثوب الحرير ونحوه أنها صحيحة؛ لأنه قد قام بالصلاة شروطاً وأركاناً، وهذا المحرم الذي فعله لا يعود إلى الصلاة ولا إلى شرطها، فإنه قد ستر العورة وقد صلى الصلاة بشروطها الباقية وأركانها.
وكونه يجتمع عليه إثم وثواب لا مانع من ذلك، فلا مانع أن يكون مثاباً من جهة وآثما من جهة أخرى.
فالأجر الذي يلحقه ليس للبسه هذا الثوب، لكنه يلحقه لصلاته، فهو مثاب لكونه صلى، وهو آثم لكونه لبس ثوب حرير، فلا مانع أن يجتمع عليه هذان الوصفان؛ لأن كلا منهما له جهته الخاصة به.
فالصحيح أنه لا تجب عليه الإعادة إذا ستر عورته بثوب حرير، وهو آثم على لبسه، ومثله من صلى في ثوب مسبل أو مغصوب، فالصلاة صحيحة، لكنه آثم لفعله.
المسألة الثالثة: " أو نجس أعاد ":
رجل لم يجد ثوباً يستر به بدنه إلا ثوباً نجساً، فصلى، فيجب عليه أن يعيد صلاته.
قالوا: لأنه قد اختار ما يمكنه اختيار 1 غيره في الواقع، فإنه كان بين خيارين أن يصلي عرياناً وأن يصلي في ثوب نجس، فاختار أوكدهما وهو أن يسترها بثوب نجس، فاختار أوكدهما عند التزاحم، وعند وجدان الثوب الطاهر يزول هذا التزاحم، فيجب أن يصلي مرة أخرى.
قال: [لا من حبس في محل نجس]
فمن صلى في موضع نجس محبوساً فلا يجب عليه أن يعيد الصلاة، فكيف يفرق بين الأمرين؟
أنه في هذا الموضع والمحل النجس لا يمكنه أن يفعل أمراً آخر، فلا خيار له، فلم يجب عليه الإعادة، ومثل ذلك ما لو حبس في محل مغصوب، فكذلك لا تجب عليه الإعادة؛ لأنه لا خيار له في ذلك.
فإن كان مسجوناً سجناً يمكنه أن يخرج نفسه منه؟
بمعنى: رجل غصب أحداً حقه، فيمكنه أن يخرج برد ذلك الحق؟
فيجب عليه أن يعيد؛ لأن له خيار آخر، وهو أن يخرج من السجن بأداء الحق الواجب عليه، هذا كله بناء على هذا التعليل.
لكن في الحقيقة هذا الفرق ليس له أثر في الشرع،بل كلاهما قد فعل ما أمر به شرعاً واتقى الله ما استطاع، فكانت صلاته صحيحة.
وكون هذا لا خيار له، وهذا له خيار، فهذا في الحقيقة لا أثر له، أو كون هذا نادراً وهذا ليس بنادر، هذا في الحقيقة لا أثر له.
وهذا هو اختيار شيخ الإسلام.
إذاً: الراجح أن من صلى في ثوب نجس سواء كان محلاً نجساً أو لم يكن كذلك فلا تجب الإعادة عليه مادام أنه فعل ما أمر به شرعاً واتقى الله ما استطاع،وقد قال تعالى: ﴿فاتقوا الله ما استطعتم﴾ 1 . ولم يأمر الله تعالى العبد بأداء الفرض مرتين، فقد أدى الفريضة على حسب ما أمره الله به، فلم يكن هناك ما يدعى إلى إيجاب الصلاة عليه مرة أخرى وقد قام بها على الوجه المأمور به شرعاً.
فالراجح: أنه لا يجب عليه أن يعيد مطلقاً سواء كانت الصلاة بثوب نجس، وهو معذور في لبسه وحيث له خيار أو كان ذلك حيث لا خيار له إذا صلى في محل نجس أو في محل مغصوب ونحو ذلك.
فمن صلى في ثوب محرم ناسياً فصلاته صحيحة بالإجماع، فكأن المذهب علقوا البطلان في الإثم، فإذا أثم بطلت صلاته وإلا صحت.
والحمد لله رب العالمين.
الدرس الثالث والستون
(يوم الاثنين: 1 / 3 / 1415 هـ)
اعلم أن المشهور في المذهب أنه لا يجب أن يكون الساتر للمنكبين - لا يجب أن يكون - كثيفاً لا يظهر البشرة.
لكن هذا فيه نظر كما قال ذلك الشيخ عبد الرحمن بن سعدي؛ وذلك لأنه في حكم في ما يجب تغطيته في الصلاة،فيجب أن يكون مغطٍ (1) للبشرة فلا يظهر لونها.
هذا هو الراجح.
قال المؤلف رحمه الله تعالى: [ومن وجد كفاية عورته سترها وإلا فالفرجين فإن لم يكفهما فالدبر]
هذه مسألة في الحقيقة من المسائل النادرة، وهذا معروف عن الفقهاء وأنهم يذكرون المسائل النادرة وغيرها.
قوله: " ومن وجد كفاية عورته ": العورة في المذهب: هي الفرجان والفخذان.
فمن وجد ما يكفي عورته ولا يغطي المنكبين فإنه يجب عليه أن يستر الفرجين والفخذين، ويكتفي بذلك عن المنكبين؛ ذلك لأن الفرجين والفخذين هما العورة الواجب سترها على المشهور في المذهب، ومع ما ذكر شيخ الإسلام أن العورة في الصلاة هي الفرجان والفخذان فهما لاشك أولى من المنكبين المختلف في وجوب سترهما.
فقد اختلف العلماء في وجوب ستر المنكبين، والحنابلة يخففون فيهما في تغطية البشرة.
والجمهور لا يرون فرضية سترهما، فلاشك أنهما أولى بالترك مما ثبتت فرضية ستره.
وأما إذا قلنا بالمذهب المتقدم ترجيحه، وهو رواية عن الإمام أحمد من أن المنكبين يجب تغطيتهما من غير أن يكون شرطاً في صحة الصلاة فإن ترجيح ستر الفرجين والفخذين واضح؛ لأن سترهما شرط في صحة الصلاة.
إذاً: يغطي عورته، وأما المنكبان فيكشفان ويرجحان في الكشف لأنهما مرجحان كما تقدم.
قال: [وإلا فالفرجين]
هل يقدم الفرجان أم الفخذان؟
يقدم الفرجان؛ لأنهما أفحش في العورة.
قال: [فإن لم يكفهما فالدبر]
قالوا: لأنه أفحش.
وفي قول آخر: القبل؛ لأنه يواجه به الله تعالى، فكان الواجب أن يستر لاستقبال الله تعالى.
وقيل: يخير بينهما والأولى هو الدبر.
وهذه في الحقيقة مسألة وإن كانت نادرة، لكن المرجح هو وجوب ستر القبل لاسيما في المرأة، ولاسيما - كما قال بعض الحنابلة - إن كان ثمت رجل، فيترجح تغطية قبلها.
فإن كان ثمت رجل فيترجح تغطية قبلها – أي المرأة -، وإن كان ثمت امرأة فيترجح تغطية قبله.
فإذاً: الأرجح في أصل المسألة تغطية القبل كما هو قول في مذهب الإمام أحمد، فإن كان هناك رجل وهي امرأة فهو ظاهر، وكذلك إن كانت امرأة وهو رجل فهذا ظاهر؛ للفتنة العظيمة في هذا.
قال: [وأن أعير سترة لزمه قبولها]
لأن العارية لا منة فيها، فمادام أنه ليس فيها منَّة وما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب،فيجب عليه قبولها.
فإن لم يقبلها وصلى عرياناً فصلاته باطلة؛ لأنه كان يمكنه أن يستر عورته بما لا يلحقه مِنَّة.
فإن وُهبها هبة، فهل يلزمه القبول أم لا؟
قولان في المذهب:
فالمشهور في المذهب: أنه لا يلزمه قبولها؛ لأن الهبة تحلق بها المنة، فلم يجب عليه قبولها.
والقول الثاني في المذهب: أنه يجب عليه قبولها.
والذي يتبين لي التفصيل في هذا:
فإن كان يترتب على ذلك انكشاف عورة، كأن يكون في محل لا يحفظ عورته،فإنه يجب قبولها؛ لأن المفسدة المترتبة على كشف العورة أعظم من المنة، ويجب ترجيح المفسدة الصغرى وقوعاً، وهروباً من المفسدة الكبرى.
فأما إن كان في بيت ونحوه فلا يلزمه القبول للمنَّة المتقدمة.
وإن كانت بثمن فيلزمه شراؤها إن كان يمكنه ذلك بالقيود المتقدمة بماء الوضوء، فإن الوضوء إذا بيع بمثن فيجب شراؤه بشروط تقدم ذكرها، وهنا كذلك.
قال: [ويصلي العاري قاعداً بالإيماء استحباباً فيهما]
هذه صفة صلاة العاري.
أن يصلي قاعداً قد ضم فخذيه بعضهما إلى بعض ويومئ بالركوع والسجود، استحباباً فيهما لا وجوباً.
فلو صلى قائماً بالركوع والسجود فالصلاة صحيحة.
فالمشهور في المذهب: استحباب الصلاة قاعداً ويومئ بالركوع والسجود، ولو صلى قائماً بالركوع والسجود، فالصلاة صحيحة.
وقال الشافعية والمالكية: يجب عليه أن يصلي قائماً بركوع وسجود؛ لقوله - صلى الله عليه وسلم -: (صل قائماً فإن لم تستطع فقاعداً فإن لم تستطع فعلى جنب) 1 . قالوا: وهو مستطيع للقيام بلا ضرر.
والراجح كما هو قول في المذهب وهو رواية عن الإمام أحمد،وهو ظاهر كلام الخرقي: أنه يجب عليه أن يصلي قاعداً ويومئ بالركوع والسجود.
ودليل هذا: هو ترجيح ستر العورة على القيام، دليله وجهان:
الوجه الأول: أن ستر العورة لا يسقط في الفرض والنفل، وأما القيام فهو ركن في الفرض مستحب في النفل، فستر العورة مثقل ليس فيه شيء من التخفيف، وأما القيام ففيه تخفيف بحيث أنه لا يجب في التطوع.
الوجه الثاني: أن ستر العورة فرض وواجب في الصلاة وفي غيرها،فقد أمر الله تعالى بستر العورة في الصلاة وفي غيرها.
وأما القيام فلا يجب إلا في الصلاة، فالمحافظة على الفرض الذي أمر الله به عباده في الصلاة وفي غيرها أولى من المحافظة على القيام الذي لم يؤمر به إلا في الصلاة.
فالراجح أنه يصلي قاعداً وجوباً؛ لأنه يجب عليه أن يستر عورته بقدر الإمكان، وحيث كان قاعداً فإن فيه ستر للعورة بقدر الإمكان، فكان ذلك فرضاً عليه.
فعلى ذلك: صفة صلاة العاري: أن يصلي قاعداً قد انضم بعضه إلى بعض يومئ بالركوع والسجود.
قال: [ويكون إمامهم وسْطهم]
فلا يجوز أن يتقدم؛ لأنه في تقدمه كشفاً للعورة والواجب هو سترها بقدر الإمكان كما تقدم.
قال: [ويصلي كل نوع وحده]
كل نوع من ذكور وإناث، فالإناث يصلين وحدهن، والذكور يصلون وحدهم.
قال: [فإن شق صلى الرجال واستدبرهم النساء ثم عكسوا]
بمعنى: إن كانوا في موضع واحد ولا يمكنهم أن يصلوا فيه منفردين، فكيف يكون الحكم؟
يصلي الرجال مستقبلين القبلة، وتكون النساء مستدبرات القبل، ثم بعد ذلك يكون العكس، فتصلي النساء مستقبلات القبلة ويؤدين فريضتهن، ويكون الرجال مستدبرين النساء مستدبرين القبلة.
هذا كله على القول بفرضية الصلاة جماعة، وهو المذهب، وهو فيما يظهر لي ضعيف جداً، وأن القول بفرضية الصلاة جماعة مع كشف العورة ضعيف جداً.
استدلوا هم: بعمومات الأدلة الشرعية الدالة على فرضية الجماعة.
وذهب جمهور العلماء من المالكية والأحناف، وهو قول للشافعية: إلى أن الجماعة تسقط، فيصلون فراداً إلا في ظلمة شديدة لا تنكشف لأحد منهم عورة.
وذلك: لأن ما يلحقه في كشف العورة من المذمة والعار والفتنة ونحو ذلك أعظم مفسدة مما يترتب على فوات الجماعة.
والواجب هو إسقاط ما يترتب عليه مفسدة صغرى والقيام بما يترتب عليه المفسدة الكبرى، فحينئذ الواجب أن يصلوا فراداً إلا في ظلمة، فإن الجماعة يبقى وجوبها لعدم المعارض لذلك.
قال: [فإن وجد سترة قريبة في أثناء الصلاة ستر وبنى وإلا ابتدأ]
وجد سترة لا تقطع صلاته، فهي تحتاج إلى عمل يسير لا يؤثر في الصلاة، فيجب عليه أن يستر بها عورته ويبني على صلاته ولا يستأنفها.
وأما إن كانت السترة بعيدة عرفاً بحيث تحتاج إلى عمل كثير مبطلٍ الصلاة فحينئذ يجب أن يقوم بالستر، حيث استطاعه، والصلاة لم تتم بعد فتثبت صحة، فيجب عليه أن يستتر بها ويستأنف صلاته.
إذاً: الواجب عليه مطلقاً أن يستر عورته.
ويبني إن كان العمل قليلاً لا يؤثر في الصلاة.
وأما إن كان عملاً كثيراً يؤثر في الصلاة فإنه يستأنفها.
- واعلم أن ما تقدم من كونه يصلي قاعداً ظاهر المذهب،سواء كان في بيته أو جماعة، فإنه يصلي قاعداً، لكنهم قالوا: بالاستحباب، والراجح الوجوب كما تقدم.
فليس هذا مختصاً حيث ترى عورته، بل هو عام في هذا الموضع وفي غيره مما لو لم يكن ذلك، كأن يكون في ظلمة أو يكون في بيته.
فإن قيل: فلم لم نبق القيام على وجهه؟ فالجواب: إن ستر العورة شرط مطلقاً حيث كان في خلوة أو لم يكن فيها.
ثم إن الله - عز وجل - أولى بأن تستر له العورة، لذا النظر إلى العورة ليس هو مناط العلة في هذا الباب، بل مناطها هو نفس ظهور العورة، كيف وهو في الصلاة في موضع يناجي الله تعالى فيه، فكان الستر فيه أولى منه في غيره.
إذاً: ظاهر المذهب، وهو الراجح، لكنهم قالوا بالاستحباب، والراجح الوجوب، وجوب الصلاة قاعداً والإيماء بالركوع والسجود سواء كان في موضع ترى فيه العورة أولم يكن ذلك.
فإن كان في موضع ترى فيه العورة، فهو ظاهر.
وإن كان في موضع لا ترى فيه، فإن الله أحق أن يستحى منه، كيف وهو يناجي الله تعالى، ثم إن العورة شرط سترها في الصلاة حيث يرى أو لا يرى.
والحمد لله رب العالمين.
الدرس الرابع والستون (يوم الثلاثاء: 2 / 3 / 1415 هـ)
قال المؤلف رحمه الله: (ويكره في الصلاة السدل)
السدل: هو ترك الثوب على المنكبين من غير أن يرد طرفه على جانبه الآخر أو من غير أن يضم جانبيه بعضهما إلى بعض.
وقيل: السدل هو: هو الإسبال أي إسبال الثوب.
والحديث الوارد في النهي هو: ما رواه أبو داود وغيره والحديث حسن أن النبي صلى الله عليه وسلم: (نهى عن السدل في الصلاة وأن يغطي الرجل فاه) 1 .
والراجح هو التفسير الأول؛ وذلك لأن الإسبال قد ورد تحريمه في الأدلة أو كراهيته – على القول المشهور في المذهب أنه مكروه بغير خيلاء – فالمقصود أن الأدلة دلت على النهي عن الإسبال في خارج الصلاة والصلاة تدخل في عموم النهي بخلاف السدل فإنا عندما نقول بالنهي عنه فإنا نخص ذلك بالصلاة دون غيرها فكان حكمه مختصاً بالصلاة، فعلى ذلك يكون هذا الحديث قد أتى بحكم تأسيسي، بخلاف ما لو فسرناه بالإسبال فيكون قد أتى بما أتى به غيره.
ثم إن الإسبال – على الصحيح – محرم في الصلاة وفي غيرها فتخصيص النهي في الصلاة محل نظر، فليس له فائدة – وقد نهى عنه الشارع في غير الصلاة.
ثم إنا لو قلنا تنزلاً إنه لفظ مشترك فاللفظ المشترك يفسر بجميع المعاني المحتملة فيه ما لم يدل دليل يمنع من تفسيره بأحدها.
فالراجح هو التفسير الأول؛ لأن الحكم فيه يكون حكماً تأسيسياً ولأن الإسبال محرم في الصلاة وفي غيرها فلا معنى لتخصيصه في الصلاة، ولو قلنا تنزلاً أن المعنيين كليهما يحتمل في الحديث فهذا من المشترك ويصح تفسير المشترك وحمله على جميع المعاني التي يصح أن يفسر بها ما لم يأت دليل يمنع من ذلك.
وهذا السدل في المشهور من المذهب مكروه مطلقاً أي سواء كان تحته ثوب آخر أم لم يكن تحته ثوب.
- وعن الإمام أحمد: أنه لا يكره إلا إذا لم يكن تحته ثوب، أما إن كان تحته ثوب فلا يكره.
وهذا إنما يبنى على أن العلة هي خشية ظهور شيء من العورة.
ولكن الذي يظهر أن العلة ليست هذه فحسب بل التشبه باليهود، وفي الحديث: (من تشبه بقوم فهو منهم) 1 ومما يدل على أن هذا السدل من فعل اليهود ما رواه أبو داود في سننه عن ابن عمر بإسناد صحيح أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (إذا كان لأحدكم ثوبان فليصل فيهما فإن لم يكن له إلا ثوب فليتزر به ولا يشتمل اشتمال اليهود) 2 أي لا يلقيه على عاتقه ويسدله كما يفعل اليهود.
ومما يدل على أن تفسير هذا الحديث هو السدل المذكور، ما صح عن علي رضي الله عنه – كما رواه الخلال وغيره أنه رأى قوماً يسدلون في صلاتهم فقال: (كأنهم اليهود خرجوا من فُهْرهم) (3) - بضم الفاء وإسكان الهاء - أي من مدارسهم، فهو من فعل اليهود.
فعلى ذلك ينبغي أن يقال بالتحريم؛ لأن التشبه يقتضي التحريم وهو رواية عن الإمام أحمد وهذا القول هو الراجح لأن التشبه فيه ثابت باليهود ومن تشبه بقوم فهو منهم.
وأقل أحوال التشبه – كما قال شيخ الإسلام – أن يقال بالتحريم وإلا فظاهره الكفر.
قال: (واشتمال الصماء)
له تفسيران:
التفسير الأول: تفسير اللغويين: أن يتخلل بالثوب الواحد تخللاً يشمل بدنه كله بحيث لا يكون لإخراج اليد موضع فهذه صفة مكروهة؛ لأنه يترتب عليها فوات شيء كثير من السنن كرفع اليدين ومن صفة النزول إلى السجود ونحو ذلك.
التفسير الثاني: هو تفسير الفقهاء وهو أن يضطبع بالثوب الواحد ليس عليه غيره.
وصورة ذلك: ما يفعله المحرم بردائه أثناء طواف القدوم هذا هو الاضطباع بأن يضع وسط الرداء تحت إبطه الأيمن ثم يرد الطرف على عاتقه الأيسر فحينئذ: يبدو شقه الأيمن أو العكس فكلاهما اضطباع وهو اشتمال الصماء في تفسير الفقهاء.
وهذا التفسير أصح لوجهين:
الوجه الأول: أن هذا قد وردت به الرواية عن النبي صلى الله عليه وسلم فقد ثبت في الصحيحين عن أبي هريرة أن النبي صلى الله عليه وسلم: (نهى عن اشتمال الصماء) 1 وفي رواية للبخاري: (أن يجعل ثوبه على أحد عاتقيه فيبدو أحد شقيه ليس عليه شيء)
وإن كان ما فسره اللغويون من حيث المعنى فالنهي عنه صحيح لكنه ليس تفسيراً لهذا الحديث كما تقدم من الرواية.
الوجه الثاني: أن الفقهاء أعلم بألفاظ النبي صلى الله عليه وسلم من اللغويين كما أن اللغويين أعلم بعبارات أهل اللغة من الفقهاء، لذا قال أبو عبيده – في تفسير الفقهاء – " وهم أعلم بالتأويل " (2) أي أعلم بتفسير كلام النبي صلى الله عليه وسلم لأنهم أعلم بالشريعة من أهل اللغة.
إذن: الراجح ما قاله الفقهاء من أن اشتمال الصماء من أن يضطبع بالثوب فيظهر أحد شقيه، وهي صفة مكروهة.
- والقول الثاني وهو رواية عن الإمام أحمد: وهو القول بالتحريم وأن اشتمال الصماء محرم – وهو الراجح -.
وحينئذ: نعود إلى المسألة السابقة وهي فرضية تغطية المنكبين جميعاً – وهذا من الأحاديث التي تدل على ذلك – فإن هذا الحديث مناط النهي فيه بدو أحد شقيه لذا قال في الحديث المتقدم (فيبدو أحد شقيه ليس عليه شيء) فجعل العلة من النهي أو التحريم بدو أحد الشقين عارياً ليس عليه شيء.
وظاهر الحديث أن الاضطباع إنما يكون منهياً عنه حيث لم يكن تحته ثوب لقوله: (فيبدو أحد شقيه ليس عليه شيء) وحيث كان عليه ثوب يغطي هذا الشق فإنه لا يقع عليه النهي لأنه مغطى.
إذن: اشتمال الصماء ألا يكون عليه إلا ثوب واحد فيشتمل به مضطبعاً قد بدا أحد شقيه، فالصحيح أن هذه الصفة محرمة لما تقدم من فرضية تغطية المنكبين جميعاً – وهو رواية عن الإمام أحمد وظاهر كلام الخرقي – كما تقدم.
قال: (وتغطية وجهه واللثام على فمه وأنفه) تغطية الوجه مكروهة؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم كان يصلي غير مغطي الوجه، ولتكون أعضاؤه مباشرة لمواضع السجود، وللحديث الصحيح في النهي عن تغطية الفم وحيث غطى الوجه فإنه يترتب عليه تغطية الفم.
قالوا: قياساً على المحرم في النهي عن تغطية الوجه، فإن الصلاة إحرام أيضاً لحديث: (وتحريمها التكبير) 1 .
وأما تغطية الفم، فلما يثبت في سنن أبي داود في الحديث المتقدم: أن النبي صلى الله عليه وسلم (نهى عن السدل في الصلاة وأن يغطي الرجل فاه) 1 .
والأنف يقاس على الفم في الكراهية فيكره تغطية الأنف كما يكره تغطية الفم.
وهذا كله – أي الحكم بالكراهية – حيث لا سبب يدعي إلى التغطية فإذا كان هناك سبب كحر أو برد أو نحو ذلك فإنه تزول الكراهية.
قال: (وكفه كمه ولفه)
والعبارتان (الكف واللف) بمعنى واحد، ولم تتكرر - كما قال المحشي على الروض المربع – إلا في عبارة صاحب الزاد، وفي عبارة الشارح، وإلا فإن عبارات الفقهاء إما بأن يقال: اللف أو الكف فهما في معنى واحد.
هذه الجملة فيها كراهية كف الثوب أو لفه فيكره في الصلاة أن يكف ثوبه أي أن يضمه ويجمعه كأن يجمع شيء من أطراف ثوبه.
ودليل ذلك ما ثبت في الصحيحين أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (أمرت أن أسجد على سبعة أعظم وألا أكف شعراً ولا ثوباً) قالوا: فهذا يدل على كراهية كف الشعر والثوب.
فعلى ذلك ما يلبسه الشخص من العمامة يكره له أن يكف أطرافها وكذلك الثوب فيكره أن يكف أطرافه بل يجعله ينزل معه في السجود ونحو ذلك فيكره الكف.
- وذهب بعض أهل العلم إلى أنه محرم، وهو مذهب الظاهرية وقول الحسن البصري – وهذا القول أظهر لقوله: (أمرت أن أسجد على سبعة أعظم وألا أكف شعراً ولا ثوباً) 2 وظاهر الأمر الوجوب.
قال: (وشد وسطه كزنار)
الزُنَّار: ما يشد على الكتابيين لما كانت للإسلام عليهم سلطة وكانوا في بلاد الإسلام فكانوا يؤمرون بما يتميزون به عن المسلمين بأي شيء مما يكون عليه أمر 1 السلطان بما يتميز به الكافر عن المسلم.
وكانوا يؤمرون بأن يشدوا زناراً رقيقاً جداً على وسط الواحد منهم، حتى قيل في المثل: " إذا عطس الذمي انقطع زُنَّاره " (2) من دقته وشدة ربطه على وسطه.
فيكره للمسلم أن يشد وسطه بزنار، كفعل النصارى لما فيه من التشبه، لكن هذا – كذلك – للتحريم لما فيه من التشبه ومن تشبه بقوم فهو منهم.
وفي قوله: (كزنار) يدل على أنه لو شد وسطه بشيء غليظ لا يشبه الزنار أنه لا كراهية فيه وهذا هو الظاهر.
وأن الكراهية مختصة بما يكون على هيئة فعل النصارى، وهذا في الحقيقة ليس مختصاً بالصلاة، بل في الصلاة وفي غيرها لأن التشبه محرم وهو عام في الصلاة وفي غيرها.
قال: (وتحريم 2 الخيلاء في ثوب وغيره)
يحرم الخيلاء في ثوب وغيره في الصلاة وفي غيرها.
فيحرم الخيلاء في الثوب من قميص أو عمامة ونحو ذلك لقوله صلى الله عليه وسلم: (من جر ثوبه خيلاء لم ينظر الله إليه) 3 .
قالوا: فهذا يدل على أن جر الثوب خيلاء محرم بل من كبائر الذنوب.
فإن كان لغير خيلاء فيكره – كما هو المشهور في المذهب –.
- وعن الإمام أحمد التحريم.
فعلى المشهور في المذهب – إذا فعل الإسبال لحاجة فلا بأس.
لكن الراجح ما ذهب إليه الإمام أحمد في إحدى الروايتين عنه أنه محرم لعموم قوله صلى الله عليه وسلم: (ما أسفل من الكعبين من الإزار ففي النار) 1 فهذا الحديث عام فيما يكون للخيلاء وفيما لا يكون كذلك وثبت في مسند أحمد بإسناد صحيح أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (إياك والإسبال فإنه من المخيلة) 2 .
فدل هذا الحديث – كما قرر ذلك ابن العربي وغيره – أن مجرد جر الثوب أنه من المخيلة، فإن كان وافق ذلك في قلب فاعله خيلاء، فحينئذ لا ينظر الله إليه يوم القيامة ولا يزكيه وله عذاب أليم وإن لم يكن كذلك فإن الأمر يكون محرماً ويكون صاحبه متوعداً بالعقوبة بالنار.
واستدل الحنابلة وغيرهم القائلون بالكراهية، بما ثبت في الصحيحين أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (من جر ثوبه خيلاء لم ينظر الله إليه) فقال أبو بكر: يا رسول الله إن إزاري يسترخي إلا أتعاهده فقال: (إنك لست ممن يفعله خيلاء) 3 .
لكن هذا الحديث في الحقيقة ليس ظاهراً في ذلك، ذلك لأن أبا بكر لم يكن يقصد جره بل كان يقع ذلك منه من غير قصد ولا إرادة ومتى كان ذلك فإنه لا يكون من المخيلة، بدليل أن النبي صلى الله عليه وسلم – كما في البخاري – (لما كسفت الشمس خرج وهو يجر إزاره) 1 وهذا جر للإزار وهو في الأصل محرم لكنه لم يكن مخيلة لأنه فعله بغير قصد فهنا النبي صلى الله عليه وسلم قال: (إنك لست ممن يفعله – أي على هذه الحال المذكورة – خيلاء) وحيث كان كذلك فإن الفاعل لا يكون فعله مخيلة، وإنما يكون مخيلة حيث قصد ذلك وأراده ووضعه على هيئة يجر فيها.
أما إذا لم يكن كذلك بل كان مرفوعاً ثم وقع فيه استرخاء ونحو ذلك فلا يكون ذلك من المخيلة.
إذن: الراجح: أن جر الثوب محرم مطلقاً وكما قال صلى الله عليه وسلم – في النسائي: (لا حق للكعبين في الإزار) 2 فالكعبان فما دونه ليس لهما حق من الإزار ومتى فعل ذلك كان واقعاً في التحريم.
فإن صلى في ثوب قد أسبل وقلنا بالتحريم مطلقاً، أو بالكراهية لكنه فعله خيلاء، فهل تصح صلاته؟
تقدم تقرر هذا في الصلاة في الثوب المحرم، وأن الراجح أن من صلى في ثوب محرم فإن صلاته صحيحة مع الإثم.
قال: (والتصوير واستعماله)
التصوير محرم " واستعماله " في ستر وثوب وأي شيء تقع الصورة عليه فهو محرم.
سواء كانت الصورة منسوجة أو كانت مجسمة أو مرسومة رسماً أو فتوغرافية ونحو ذلك فكل هذا محرم، لعمومات الأدلة الشرعية وفيها قوله صلى الله عليه وسلم: (كل مصور في النار) 1 متفق عليه.
وقد تقدم البحث في هذا في شرح كتاب التوحيد.
فإن فعل ذلك بأن صلى في ثوب فيه صورة فصلاته صحيحة لكنه آثم بلبسه فيكون مثاباً للصلاة وآثماً للبسه هذا الثوب الذي وضعت فيه هذه الصورة.
وقد تقدم أن ذلك مخصوص في ذوات الأرواح لقول جبريل للنبي صلى الله عليه وسلم – في الترمذي والحديث صحيح: (مر برأس التمثال فليقطع حتى تكون كهيئة الشجرة) 2 فدل ذلك على أن ما كان على هيئة الشجرة ونحوها مما ليس فيه روح أنه تصويره جائز.
والحمد لله رب العالمين.
الدرس الخامس والستون (يوم السبت: 6 / 3 / 1415هـ)
قال المؤلف رحمه الله تعالى: (ويحرم استعمال منسوج أم مموه بذهب قبل استحالته) هذه الجملة فيها تحريم استعمال الذهب سواء كان منسوجاً أو كان مموهاً أو مكفتاً أو نحو ذلك، فلبسه محرم على الذكور.
ودليل ذلك ما ثبت في مسند أحمد وسنن الترمذي والنسائي من حديث أبي موسى الأشعري أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (أحل الذهب والحرير للإناث من أمتي وحرم على ذكورها) 1 فهذا الحديث يدل على أنه لا يجوز للرجال لبس الذهب مطلقاً سواء كان على هيئة النسج أو التمويه أو نحوه وهو مذهب جماهير أهل العلم.
أما الفضة فكذلك لا يجوز لبسها عند جمهور أهل العلم.
ودليلهم: تحريم الآنية، فقد حرم الشارع آنية الذهب والفضة فكذلك اللباس، فلا يجوز لباس الفضة كما لا يجوز آنية الفضة.
لكن هذا الاستدلال ضعيف، لذا ذهب شيخ الإسلام وتلميذه ابن القيم إلى جواز لبس الفضة للرجال خاتماً أو مقبضة سيف أو نحو ذلك.
ولا نص ولا إجماع – كما قال ابن القيم - في تحريم الفضة بل الأصل في الأشياء الإباحة، وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم – في الحديث الحسن –: (ولكن عليكم بالفضة فالعبوا بها) 1 . وثبت في البخاري: أن النبي صلى الله عليه وسلم (لبس خاتماً من فضة) 2 وفي سنن أبي داود والنسائي والترمذي في الشمائل بإسناد صحيح: (أن قبيعة سيف النبي صلى الله عليه وسلم من فضة) 3 . فالراجح: أن الفضة يجوز لبسها مطلقاً، للرجال والإناث للأدلة المتقدمة، ولا نص ولا إجماع على التحريم، بل الأصل في الأشياء الإباحة، والسنة قررت ذلك، فعلاً من النبي صلى الله عليه وسلم في لبسه خاتم الفضة مع تحريم خاتم الذهب، واتخاذه السيف ذي القبيعة من فضة هذا كله يدل على جوازه، ويقرره أيضاً النبي صلى الله عليه وسلم بقوله: (ولكن عليكم بالفضة فالعبوا بها) .
أما الجواب عما ذكره الجمهور: فالجواب: أن تحريم الآنية لا يلزم منه تحريم اللبس والتحلي.
بدليل: أن آنية الذهب محرمة على النساء والتحلي بالذهب مباح لهن مطلقاً.
فإذن: لبس الفضة جائز مطلقاً للرجال والنساء ولا شك أنه بشرط عدم التشبه بالنساء وإنما يلبسونها بما جرت طبيعة الرجال بلبسه كالساعة من فضة أو الخاتم.
وأما الذهب، فإن ما تقدم يدل على تحريمه
- ولكن هل كل الذهب محرم أم أنه يستثنى منه اليسير؟
- جمهور العلماء وهو المشهور عن الإمام أحمد: أن الذهب محرم مطلقاً، لأن الشارع إذا نهى عن الشيء فإنه ينهى عن أبعاضه وأجزائه فما دام الأمر كذلك فاتخاذ الشيء اليسير من الذهب محرم.
فمثلاً: لا يجوز له أن يتخذ قبيعة من ذهب ولا يجوز أن يضع الشيء اليسير في ساعته من ذهب – هذا هو المشهور في مذهب الإمام أحمد –. - وعن الإمام أحمد قول آخر اختاره أبو بكر من كبار أصحابه واختاره المجد ابن تيمية، واختاره شيخ الإسلام: أن اليسير جائز.
فإذا وضع في شيء من ملبوساته علماً من ذهب فإن ذلك لا حرج فيه.
واستدلوا: بما ثبت في مسند أحمد وسنن النسائي بإسناد صحيح من حديث معاوية أن النبي صلى الله عليه وسلم: (نهى عن الذهب إلا مقطعاً) 1 ومعلوم أن الذهب، باتفاق أهل العلم – جائز للنساء مطلقاً، فيبقى أن يكون هذا الحديث في الرجال.
قال شيخ الإسلام: " إلا مقطعاً " أي تابعاً لغيره، فالمقطع هو التابع لغيره.
وهذا هو القول الراجح.
ويدل عليه القياس على الحرير، فإن اليسير في الثوب جائز كما دلت السنة الصحيحة عليه، فمثله كذلك الذهب من باب القياس.
قال: (أو مموه بذهب قبل استحالته)
أما إذا استحال إلى مادة أخرى فما بقيت فيه طابع الذهب بل انتقل إلى طبيعة أخرى فإنه يجوز أن يلبس وهذا مما اتفق عليه أهل العلم؛ لأن الحكم يدور مع علته وجوداً وعدماً، والحكم يدور مع ثبوت الشيء، وحيث انتفى واستحال إلى مادة أخرى فإن الحكم ينتقل عنه، فإن الحكم إنما ثابت للاسم مع مسماه وحيث انتقل إلى مادة أخرى فإنه لا معنى للقول بتحريمه.
قال: (وثياب حرير)
فثياب الحرير محرمة على الرجال أيضاً.
ودليل ذلك ما ثبت في الصحيحين أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (لا تلبسوا الحرير فإنه من لبسه في الدنيا لم يلبسه في الآخرة) 1 والنهي للتحريم.
وتقدم حديث أبي موسى الأشعري: (أحل الذهب والحرير للإناث من أمتي وحرم على ذكورها) 2 وهو صريح في التحريم.
فالحرير محرم على الذكور لبسه والجلوس عليه والاتكاء عليه سواء كان ما يُتكأ عليه من حرير أو أن يكون ما يتوسد من حرير أو أن يتخذ نمرقة أو ستر من حرير فكل هذا محرم لا يجوز وقد ثبت في البخاري عن حذيفة قال: (نهانا النبي صلى الله عليه وسلم أن نشرب في آنية الذهب والفضة أو أن نأكل فيها، وعن لبس الحرير والديباج أو أن نجلس عليه) 3
قال: (وما هو أكثر ظهوراً على الذكور)
إذا كان عليه ثوب من نوعين من قطن وحرير، وكان الغالب ظهوراً هو الحرير فإنه لا يجوز؛ إعطاءً للغالب حكم الكل، أو لأن الشارع إذا حرم شيئاً حرم أبعاضه إلا إذا دل دليل.
لكن الغالب له حكم الكل في أكثر الأحكام الشرعية.
قال: (لا إذا استويا)
فإذا كان ثوب نصفه في الظهور من حرير ونصفه من قطن أو نحوه فإنه يجوز لبسه – إبقاءً على الأصل فإن الأصل هو الحل – والحرير هنا: ليس هو الكل وليس هو الغالب.
هذا أحد لوجهين في مذهب الإمام أحمد.
والوجه الثاني وهو اختيار شيخ الإسلام: أنه يحرم.
وهو الراجح لما تقدم من أن الشارع إذا حرم الشيء حرم أبعاضه.
ولما ثبت في الصحيحين أن النبي صلى الله عليه وسلم: (نهى عن لبس الحرير إلا موضع إصبعين أو ثلاث أو أربع) 1 فهذا يدل على أن لبس الحرير محرم مطلقاً سواء كان هو الغالب أو كان كثيراً ما لم يكن موضع إصبعين أو ثلاث أو أربع فإنه يجوز.
وهذا الدليل يصلح للاستدلال على المسألة السابقة وهو أن ما كان أكثره حرير فإنه يحرم، ومن الأدلة الدالة على تحريم الكثير من الحرير الظاهر وإن كان ليس هو الغالب ما ثبت في مسلم أن النبي صلى الله عليه وسلم: (نهى عن القسِّي والمعصفر) 2 .
والمعصفر: سيأتي الكلام عليه.
أما القسِّي: فهو نوع من الثياب يخلط فيه الحرير مع القطن – بحيث يكونان ظاهرين فيه.
وهنا النبي صلى الله عليه وسلم حرمه مطلقاً ولم يستثن من ذلك استواءهما ولا أن يكونا النوع الآخر هو الأكثر بل حرمه مطلقاً، فنهى النبي صلى الله عليه وسلم عن هذا النوع من الثياب شامل لما كان الحرير فيه هو الأكثر أو كان هو الكثير المساوي أو كان هو الكثير الأقل فهو شامل لهذه الأنواع كلها ما لم يكن موضع إصبعين أو ثلاث أو أربع فقد دل الحديث المتقدم على جوازه.
قال: (ولضرورة أو حكة أو مرض)
" لضرورة ": من حر أو برد، بأن لا يكون عنده إلا ثوب حرير ويخشى على نفسه الهلكة إن لم يلبسه.
أو كانت هناك حاجة وليست ضرورة: كأن يكون فيه حكة أو نحو ذلك فيحتاج إلى أن يلبس الحرير مع أنه إذا لبس غيره فإنه يزول المرض الذي عليه – وهو مع لبسه للحرير لا يقطع بزوال المرض فليس هذا ضرورة بل حاجة.
مع ذلك: لبس الحرير للحاجة من حكة أو مرض - ومن باب أولى للضرورة - جائز، لما ثبت في الصحيحين أن النبي صلى الله عليه وسلم: (رخص لعبد الرحمن بن عوف والزبير بن العوام في قميص الحرير في سفر من حكة كانت فيهما) 1
ولبس الحرير للحكة من الحاجات وليس الضروريات؛ لأنه لا يعلم اندفاع الحكة به، فلا يثبت به زوال الحكة قطعاً بل هو نوع من أنواع التداوي 2 ، ومعلوم أن الدواء لا يقطع بزواله بل هو سبب قد يتم به الشفاء وقد لا يتم به.
فاستعمال الحرير لحاجة لا بأس به.
قال: (أو حرب)
في الحرب يجوز للمسلم أن يلبس فيها الحرير لإرهاب أعداء الله وإظهار قوة المسلمين.
وإظهار ما يكون فيه خيلاء في الحرب محمود لإرهاب الأعداء فلهذه المصلحة العامة جاز أن يلبس الحرير.
– هذا أحد القولين في مذهب الإمام أحمد وهو المشهور فيه وهو اختيار شيخ الإسلام: وأن لبس الحرير في الحرب جائز لما فيه من إظهار قوة المسلمين وإظهار غناهم وبأسهم ونحو ذلك.
فلبسه في الحرب جائز حيث أدى إلى هذه المصالح أما إذا لم يثبت فيه شيء منها، كأن يكون خفياً غير ظاهر فلا يجوز له أن يستعمله في الحرب.
قال: (أو حشو)
إذا اتخذ الحرير حشواً في ثوب، كأن يضع ثوباً من قطن أو صوف ونحوه، فيضع الحرير حشواً له أي ليس في ظهارته ولا بطانته.
فالبطانة هي ما تكون مباشرة للبدن، وأما الظهارة فهي ما تكون خارجة للناس.
فهنا ظهارته وبطانته من نوع آخر غير الحرير، لكنه حشاه بالحرير، أو حشا وسادة به.
فهل يجوز أم لا؟
نعم يجوز ذلك، فلا حرج في مثل هذا؛ لأن النهي لا يشمله وقد ثبت عن الصحابة أنهم لبسوا ثوب الخز وثوب الخز هو نوع من الثياب يكون سداه من حرير ولحمته من نوع آخر.
والسدا: هو ما يكون عرضاً عند النسج.
أما اللحمة: فهي ما تكون طولاً عند النسج، واللحمة تغطى السدا فيجوز أن يكون الثوب سداه من حرير، وقد لبس الصحابة ثياب الخز.
قال أبو داود: " وعشرون من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم أو أكثر لبسوا ثياب الخز منهم أنس والبراء " (1)
قال الحافظ ابن حجر: " وقد أوردها ابن أبي شيبة عن جمع منهم وعن طائفة من التابعين بأسانيد جيدة " (2) فهذه أفعال للصحابة لا يعلم لهم فيها مخالف.
وقد دلت السنة على ذلك – في قول ابن عمر – كما في سنن أبي داود: (إنما نهى عن الثوب المصمت من الحرير) 1
أي ما كانت لحمته وسداه من الحرير أي هو خالص حريراً.
ومن كان سداه حرير ولحمته من غيره فهو جائز، وأما العكس فهو محرم: فلو كانت اللحمة من حرير والسدا من نوع آخر فهو محرم؛ لأن الظاهر هو الحرير.
إذن: الحشو بالحرير جائز، وكذلك يجوز أن يكون السدا من حرير.
أما البطانة فلا يجوز أن تكون من حرير؛ لأنها – في الحقيقة – ظاهرة، أي الحرير فيها ظاهر في الثوب وإن كان لا يبدوا للعيان، لكنه ظاهر وثبتت مباشرته للبدن.
فإذا كانت البطانة من حرير والظهارة من غيره فإنه محرم.
قال: (أو كان علماً)
فإن كانت خطوط أو طرزٍ على الثوب.
" أربع أصابع فما دون " مضمومة من الثوب كله.
يعني: جميع ما في الثوب أربع أصابع، ففي عرضه أصبع وفي عرضه الآخر أصبع وفي وسطه أصبعين فيجوز، أما إذا كان مجموعه خمسة أصابع فيحرم.
إذن: تكون مضمومة وهذا باتفاق أهل العلم.
ودليل ذلك حديث عمر المتقدم: (نهى النبي صلى الله عليه وسلم عن لبس الحرير إلا موضع إصبعين أو ثلاث أو أربع)
قال: (أو رقاعاً)
إذا رقع الثوب بشيء من الحرير فيجوز ما لم يكن ذلك أكثر من أربعة أصابع.
قال: (أو لبنة جيب) " لبنة جيب ": هي طوقه، فطوق من العنق يسمى لبنة الجيب، فهذا جائز بشرط ألا يزيد على أربعة أصابع، ولو وضع أزراره من حرير فهو جائز أيضاً ما لم يجتمع من ذلك أربعة أصابع.
قال: (وسَجْف فراء)
الفراء: هو ما يلبس في الشتاء من الثياب الغليظة ونحوها، فحواشيها تسمى السجف.
فإذا وضع في أطرافه وحواشيه حريراً وكان مجموعه لا يتجاوز أربعة أصابع فإنه جائز.
قال: (ويكره المعصفر والمزعفر للرجال)
" المعصفر ": هو المصبوغ بالعصفر وهو نوع من النبات تصبغ به الثياب فتكون حمراء.
دليل ذلك: الحديث المتقدم أن النبي صلى الله عليه وسلم: (نهى عن القسي والمعصفر) 1 رواه مسلم.
وفي مسلم عن ابن عمرو قال: رآني النبي صلى الله عليه وسلم وقد لبست ثوبين معصفرين فقال: (إن هذه من ثياب الكفار فلا تلبسها) 1 .
فلبس المعصفر محرم، وهو المصبوغ بالحمرة بحيث تكون الحمرة خالصة منه 2 .
أما إذا كانت الحمرة غير خالصة فيه، بأن كانت الحمرة خطوطاً فيه وإن كانت غالبة فهو جائز، لما ثبت في البخاري عن البراء قال: (كان رسول الله صلى الله عليه وسلم مربوعاً وقد رأيته عليه حلة حمراء ما رأيت شيئاً أحسن منه) 3 فهنا قد لبس النبي صلى الله عليه وسلم الحلة الحمراء فدل على جواز لبس الحلة الحمراء وهنا ليست حمرتها خالصة بل هي من أنواع البرُد اليمانية – كما ذكر ابن القيم – وهي ذات خطوط حمر مع سواد في بقية الثوب، فهو ثوب أسود فيه خطوط حمراء.
وسميت حلة حمراء نسبة إلى هذه الخطوط الحمراء التي فيه وليس أن هذه الحلة كلها حمراء بل مع الحمرة غيرها.
وأما الثياب الحمراء الخالصة فلا يجوز لبسها.
وهنا قد ذكروا الكراهية.
والراجح هو التحريم للأحاديث المتقدمة من نهي النبي صلى الله عليه وسلم، ومن قوله: (إن هذه من ثياب الكفار فلا تلبسها) 4 فهذا فيه نهي، وفيه أن هذه الثياب في لبسها تشبه بالكفار والتشبه بالكفار محرم.
وقد ذكر ابن حجر في هذه المسألة سبعة أقوال قال: " وأصحها المنع " (5) وهو كما قال.
فالراجح: أن لبس الثوب الأحمر إن كان خالصاً بحتاً ليس مشوباً فهو محرم، وأما إن كان مخلوطاً بغيره فإنه جائز.
وثبت في الصحيحين أن النبي صلى الله عليه وسلم: نهى عن المياثر الحمر " 1 .
والمياثر هي السروج التي يركب عليها، فهذا يدل على أن الجلوس على شيء من الفرش الحمراء أنه محرم وأن النبي صلى الله عليه وسلم نهى عن ذلك.
" والمزعفر للرجال ": المزعفر: هو الثوب الذي قد صبغ بالزعفران.
ودليل النهي عنه: ما ثبت في صحيح البخاري أن النبي صلى الله عليه وسلم: (نهى أن يتزعفر الرجل) 2
- وهل هذا التحريم للونه وهو الصفرة أو أن ذلك لرائحته؟
الأظهر أن التحريم ليس للونه بل لرائحته، ودليل ذلك ما ثبت في سنن أبي داود وأصله في الصحيحين والحديث إسناده صحيح: أن ابن عمر كان يصبغ لحيته بالصفرة حتى تمتلأ ثيابه منها، فقيل له: لم تصبغ بالصفرة؟ فقال: (إني رأيت النبي صلى الله عليه وسلم يصبغ بها ولم يكن شيء أحب إليه منها، وكان يصبغ بها ثيابه حتى عمامته) 1
فهنا كان النبي صلى الله عليه وسلم يصبغ بالصفرة، وهذا دال على جواز ذلك ما لم تكن الصفرة عن زعفران فإنه يكون محرم للنهي المتقدم.
والحنابلة يرون الكراهية، والحديث ظاهر التحريم وهو مذهب الأحناف والشافعية وهو القول الراجح وأنه محرم لظاهر النهي.
فلا يجوز له أن يلبس ثوباً مزعفراً، أما إذا كان الثوب أصفراً من غير زعفران فإنه جائز لا حرج فيه.
والحمد لله رب العالمين
الدرس السادس والستون (يوم الأحد: 7 / 3 / 1415هـ)
قال المؤلف رحمه الله تعالى: (ومنها اجتناب النجاسات)
ومنها: أي من شروط الصلاة.
فاجتناب النجاسات في الثوب والبدن والبقعة من شروط الصلاة.
ومن أدلة ذلك: ما ثبت في الصحيحين: أن النبي صلى الله عليه وسلم قال – في دم الحيض يصيب الثوب – (تحته ثم تقرصه [بالماء] ثم تنضحه وتصلي) 1 وفي الصحيحين: أن النبي صلى الله عليه وسلم: (أمر أن يراق على بول الأعرابي في المسجد ذنوباً من ماء) 2 من حديث أنس.
قال: (فمن حمل نجاسة لا يعفى عنها)
فمن حمل نجاسة لا يعفى عنها فصلاته لا تصح لذا قال بعد ذلك: (لم تصح صلاته) .
فمن حمل نجاسة لا يعفى عنها وإن لم يباشرها بيده بل كانت بإناء ونحوه فإن الصلاة لا تصح.
وإنما قال: لا يعفى عنها، لأن النجاسة المعفو عنها حملها لا يبطل الصلاة.
مثال ذلك: حمل الطفل مع ثبوت النجاسة الباطنة فيه، فهذا لا يؤثر في الصلاة لأنها نجاسة معفو عنها، لذا ثبت في الصحيحين: أن النبي صلى الله عليه وسلم: (حمل أمامة بنت زينب وهو يصلي فإذا سجد وضعها وإذا قام حملها) 3 .
فحمل الطفل حيث لم يكن على بدنه وثوبه نجاسة لا يبطل الصلاة.
ومثل ذلك: حمل أحد في الصلاة يحتاج إلى حمل مع أثر استجمار، فإن أثر الاستجمار في محله معفو عنه فلم يكن ذلك مؤثراً في الصلاة.
وذلك: لأن النجاسة في معدتها فهي في باطن الآدمي فهي معفو عنها للحديث المتقدم في حمل أمامة بنت زينب.
أما لو حمل طفلاً وعلى ثوبه أو بدنه نجاسة فصلاته باطلة؛ لأن النجاسة غير معفو عنها فليست في معدتها.
فإذن: من حمل شيئاً فيه نجاسة وإن لم يكن يباشر النجاسة بيده فإن الصلاة لا تصح؛ لأنه حامل للنجاسة أما إذا كانت النجاسة في معدنها الأصلي فالصلاة صحيحة.
قال: (أو لاقها بثوبه أو بدنه لم تصح صلاته)
لاقي النجاسة بيده أو رجله أو ثوبه فإن صلاته باطلة؛ للأحاديث المتقدمة، فإنه إذا لاقها وباشرها فإنه خالف ما يجب عليه من اجتناب النجاسة، كما أنه إذا حملها فكذلك، والواجب عليه أن يجتنب النجاسة فإن من شروط الصلاة اجتنابها وهو حيث حملها أو باشرها فإنه لا يعد مجتنباً لها فيكون حينئذ: مخالفاً لشرط من شروط الصلاة، فتبطل الصلاة به.
قال: (وإن طيَّن أرضاً نجسة أو فرشها طاهراً كره وصحت)
صورة ذلك: أرض نجسة فطينها بطين أو وضع عليها فراش فصلى عليها فصلاته صحيحة مع الكراهية.
ومثل ذلك: ما يوضع الآن في البيوت من مجمع النجاسة فإنه يوضع عليه شيء من العازل من الأسمنت وغيره فإذا صلى عليه، فصلاته صحيحة مع الكراهية.
أما كونها صحيحة فلأنه لم يباشر النجاسة ولم يحملها فهو مجتنب للنجاسة في ثوبه وبدنه وبقعته.
وأما كونه يكره فقالوا: لأن هذه البقعة الطاهرة المباشرة له التي صلى عليها وهي معتمدة على أرض نجسة فالكراهية للاعتماد على الأرض النجسة.
- وعن الإمام أحمد: ألا كراهية – وهو الظاهر والراجح –؛ لأن الكراهية حكم شرعي يحتاج إلى دليل ولا دليل على ذلك.
فإنه قد فعل ما يجب عليه من اجتناب النجاسة في ثوبه وبدنه وبقعته فصلى على بقعة مباشرة له متصفة بالطهارة فلا معنى – حينئذ – للكراهية ولا دليل يدل على ذلك.
نعم الأولى أن يصلي في بقعة غير هذه البقعة، ولكن لو صلى فيها فصلاته صحيحة بلا كراهية.
قال: (وإن كانت بطرف مصلى متصل به صحت إن لم ينجر بمشيه) هنا ثلاث صور: الصورة الأولى: صلى على فراش في طرفه نجاسة أي صلى في جهة فيه وفي الجهة الأخرى نجاسة فهنا لا يؤثر ذلك في صلاته؛ لأن البقعة التي باشرها في الصلاة بقعة طاهرة – وهذا باتفاق أهل العلم.
- وإن كانت النجاسة تتحرك بتحرك المحل الطاهر، بمعنى: هو فراش واحد فصلى في أحد طرفيه وفي الطرف الآخر نجاسة فإذا حركنا الطرف الطاهر تحرك الطرف النجس ولكن مع ذلك الصلاة صحيحة؛ لأن بقعته بقعة طاهرة، وقد صلى فيها، فهو مجتنب للنجاسة.
الصورة الثانية: رجل صلى على بقعة طاهرة وهو مرتبط ببدنه بشيء نجس، يعني: ليس بحامل له.
ولكن مرتبط به فهنا صورتان: أ) الصورة الأولى: أن ينجر بمشيه كأن يربط به كلب أو خنزير وهو يصلي فهذا الكلب والخنزير ينجر بمشيه.
فالصلاة باطلة.
ب) الصورة الثانية: رجل ربط به سفينة مصنوعة من عظام نجسة وهي لا تنجر بمشيه، فالصلاة صحيحة.
فالصورة الأولى: هذه النجاسة ليست متصلة ببقعة بل متصلة ببدنه بحيث أنه لو تحرك لتحركت النجاسة معه قالوا: ولو لم تتحرك النجاسة معه ولو لم يمش فإن النجاسة هو مستتبع لها فيكون كحاملها.
أما إذا كانت لا تنجر بمشيه بطبيعتها فإنها حينئذ ليست بمستتبعة له.
هذا هو المشهور في المذهب.
ونظَّر الشيخ عبد الرحمن بن سعدي في هذه المسألة؛ لأنه ليس من فرق بين الصورتين، إلا أن الأولى نجاسة ثقيلة لا يمكن استتباعها وهنا النجاسة خفيفة يمكن استتباعها، وهذا في الحقيقة – فرق غير مؤثر، فإنه مرتبط بالنجاسة في كلتا الحالتين إلا أن هذه ثقيلة لا تنجر بالمشي وهذه خفيفة تنجر بالمشي وهذا ليس بمعتبر، وهو في الخفيفة ليس بمباشر للنجاسة وليس بحامل لها، فلا معنى للقول بأن الصلاة تكون باطلة، لأنه مجتنب للنجاسة فليس بمباشر لها ولا حامل لها بل بينه وبينها عازل فمثله لا يبطل الصلاة ولا يعد مواقعاً للنجاسة.
وهذا هو الراجح، وأنه إن كانت النجاسة متصلة به مستتبعة له أو غير مستتبعة ما لم يكن حاملاً لها أو مباشراً لها فصلاته صحيحة؛ لأنه مجتنب للنجاسة مباشرة وحملاً.
وهي – في الحقيقة – شبيهة بالمسألة المتفق عليها التي تقدمت، عندما يصلي على فراش طرفه نجس فإنه شبيهة بهذه المسألة.
فالأظهر أن الصلاة تكون صحيحة في هذه الصور الثلاث كلها.
قال: (وأن رأى عليه نجاسة بعد صلاته وجهل كونها فيها لم يعد)
رجل لما انتهى من الصلاة رأى على ثوبه نجاسة، ولم يعلم هل حدثت فيه قبل الصلاة أو أثناءها أو بعدها فهو جاهل في وقت حدوثها.
فصلاته صحيحة، لأنها قد صحت وثبتت شرعاً وإبطالها يحتاج إلى دليل، والأصل عدم وقوع النجاسة عليه في الصلاة، فالأصل أنه صلى صلاة صحيحة متعرية عن أي مبطل من مبطلاتها والشك هنا لا يزيل اليقين.
قال: (وإن علم أنها كانت فيها لكن نسيها أو جهلها أعاد)
رجل صلى فلما انتهى رأى نجاسة على بدنه وقد كان يعلم بها قبل الصلاة لكنه نسيها أو كان جاهلاً بها بمعنى: جهل أنها نجاسة كأن يقال له: بعد أن صلى، هذا الماء الذي على ثوبك ماء نجس.
1- فعلى المشهور في المذهب: يجب عليه أن يعيد.
قالوا: لأنه شرط كالطهارة من الحدث، فكما أن المحدث يجب عليه إذا نسى حدثه أو جهله يجب عليه بالاتفاق أن يعيد الصلاة، فما دام الأمر كذلك، فكذلك في اجتناب النجاسة فهو شرط كالطهارة من الحدث.
2- والقول الثاني: وهو رواية عن الإمام أحمد ومذهب إسحاق وابن المنذر واختيار شيخ الإسلام: أنه لا يجب عليه أن يعيد.
واستدلوا: بما رواه أبو داود بإسناد صحيح عن أبي سعيد الخدري قال: (بينما رسول الله صلى الله عليه وسلم يصلي بأصحابه إذا خلع نعليه، فلما رأى ذلك القوم خلعوا نعالهم فلما قضى صلاته، قال: ما حملكم على إلقاء نعالكم؟ قالوا: رأيناك ألقيت نعليك فألقينا نعالنا فقال النبي صلى الله عليه وسلم: إن جبريل أتاني فأخبرني أن عليها قذراً أو قال أذى، وقال صلى الله عليه وسلم: (إذا جاء أحدكم المسجد فلينظر فإن رأى في نعليه أذى أو قذراً فليمسحه وليصل فيهما) 1
قالوا: في هذا الحديث النبي صلى الله عليه وسلم جهل النجاسة فلم يعلم بها إلا أثناء الصلاة فأتم صلاته ولو كان ذلك مبطلاً للصلاة لأبطل أولها ولوجب عليه أن يعيد الصلاة، كما أنه لو تذكر أنه محدث أثناء الصلاة فيجب عليه أن يتوضأ ويستأنف الصلاة.
قالوا: والفرق بين الطهارة من الحدث والطهارة من النجس فرق واضح فلا يصح قياس أحدهما على الآخر فإن الطهارة من الحدث وهي الغسل والوضوء – من باب الأفعال – والطهارة من النجس من باب التروك.