شرح زاد المستقنع للحمدصفحات 120-159
أهل الأثرالأرشيف العلمي

فهذا الحديث يدل على تحريم التخلي في طريق الناس أو ظلهم والمراد بالطريق: قارعة الطريق التي يطرقها الناس ويطؤونها بأقدامهم، أما الطرق المهجورة فليس لها ذلك الحكم.
ـ كما أن المراد بالظل، الظل الذي ينتفع به في الإستظلال وإلا فقد ثبت أن النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ يقضي حاجته في جانبي النخل وهو ذو ظل، ولكنه ظل لا يحتاج إليه ولا ينتفع به.
إذن: المحرم إنما هو الظل الذي ننتفع به، ومثل ذلك المجلس المشمس فكل مجلس ينتفع به لا يحل قضاء الحاجة فيه.
ـ وقد روى أبو داود ـ والحديث حسن ـ أن النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ قال: (اتقوا الملاعن الثلاث: البراز في الموارد ـ أي التي يرد إليها الناس للشرب والسقي ـ وقارعة الطريق والظل) (1) والحديث حسن لشواهده.
وأما قوله: (وتحت شجرة عليها ثمرة) : فذلك لاحتياج الناس إلى هذه الثمرة فقد يحتاج الرجل إلى صعودها، وقد تسقط الثمرة فتتنجس بالنجاسة فيحرم ذلك.
فإذن: هذا من باب المعنى، وفي الحديث (لا ضرر ولا ضرار) وقال تعالى ((والذين يؤذون المؤمنين والمؤمنات بغير ما اكتسبوا فقد احتملوا بهتانا وإثما مبينا)) (2) . وقد ورد هذا عند الطبراني أن النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ: (نهى عن قضاء الحاجة تحت شجرة فيها ثمرة) (3) لكن الحديث إسناده ضعيف جداً، ولكن دليله ما تقدم من ثبوت الضرر في ذلك والأذية.

وقد ثبت عند الطبراني في "الكبير" بإسناد حسن أن النبي ـ صلى الله عليه وسلم قال: (من آذى المسلمين في طرقهم فقد وجبت عليه لعنتهم) (4) . فالملاعن لكونها تسبب لعنة من الناس ولكونها تسبب قبول الله اللعنة من الناس.
(مسألة) :

حكم إستقبال بيت المقدس واستدباره في البول أو الغائط.
هل يحرم ذلك أم لا؟؟

روى أبو داود في سننه أن النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ: (نهى عن إستقبال بيت المقدس بغائط أو بول) ، فالحديث فيه راو مجهول، فعلى ذلك الحديث ضعيف، فلا يكره ولا يحرم فعل ذلك وهو أحد القولين، وهو مذهب المالكية، وقال الشافعية يكره.

والحمد لله رب العالمين.

الدرس الرابع عشر: السبت 28/10/1414هـ

قال المصنف ـ رحمه الله ـ: ((ويستجمر بحجر ثم يستنجى بالماء)) : أي يجمع بين الإستجمار بالحجارة ونحوها وبين الاستنجاء بالماء وهذه إحدى صور إزالة الخبث وهي أفضلها بإجماع أهل العلم كما حكى ذلك العيني.
فقد اتفق أهل العلم بل أجمعوا على أن هذه الصفة هي أفضل الصفات؛ وذلك لأنها تجمع بين إزالة النجس عيناً بالحجارة وبين إزالته أثراً بالماء، فإن الحجارة إنما تزيل عين النجاسة ولا تزيل أثرها.
أما الاستنجاء بالماء فإنه يزيل النجاسة عيناً وأثراً، لكن ذلك يكون بإصابة اليد للخبث، فإذا اجتمعا ـ أي الإستجمار بالحجارة والاستنجاء بالماء، كانت هي الصفة الفضلى.
وهناك أدلة يستدل بها الفقهاء على هذه الصورة سوى الدليل المتقدم وهو تعليل.
ـ منها ما روى عن سعيد بن منصور ـ كما في المغني ـ عن عائشة قالت: (مُرْن أزواجكن أن يتبعوا الحجارة بالماء من أثر الغائط والبول، فإني أستحييتهم، كان النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ يفعله) (1) واحتج به الإمام أحمد.
ولكن سُنَنْ سعيد بن منصور ليست كلها مطبوعة، بل ولا كلها موجودة، فمنها ما هو مفقود، ومما هو مفقود جزء الطهارة، وهذا الحديث ثابت في سنن الترمذي والنسائي ومسند أحمد بإسناد صحيح من غير ذكر الحجارة، إنما فيه: (مُرْن أزواجكن أن سيتطيبوا ـ أي يستنجوا ـ بالماء، فإن النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ كان يفعله) (2) . فهذا الحديث ليس فيه ذكر الجمع بينهما، وإنما ذكر الاستنجاء بالماء دون ذكر الإستجمار بالحجارة.

ـ ومنها: ما رواه البزار بإسناد ضعيف جداً، نزلت: ((فيه رجال يحبون أن يتطهروا والله يحب المطهرين)) ، نزلت في طائفة من الأنصار كانوا يتبعون الحجارة بالماء) . والحديث إسناده ضعيف جداً.
ـ وفي الخمسة إلا النسائي من حديث أبي هريرة مرفوعاً: (أنها نزلت ـ أي آية ((فيه رجال يحبون أن يتطهروا)) في أهل قباء كانوا يستنجون بالماء) (1) إسناده صحيح.
فإذن: نزلت في أهل قباء لكونهم يتطهرون بالاستنجاء بالماء وليس فيه إضافة الإستجمار بالحجارة.
وهذا الحديث إسناده صحيح.
إذن: عندنا الإجماع لذلك المعنى المتقدم، وهو أنه يجمع بين ألا تمس يده القذر وبين أن يزول أثر النجاسة فلا يبقى للنجاسة عين ولا أثر، هذه هي الصورة الفضلى باتفاق أهل العلم بل حكى إجماعاً.
ـ ثم بعد ذلك الصورة الثانية: وهي الاستنجاء بالماء وهي أفضل من الإستجمار بالحجارة باتفاق أهل العلم.
ـ وقد كرهه ـ أي الإستجمار بالماء ـ طائفة من الصحابة والتابعين لكن السنة حجة عليهم.
فقد ثبت في الصحيحين من حديث أنس بن مالك قال: (كان النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ يدخل الخلاء فأحمل أنا وغلام نحوي إداوة من ماء وعنزة فيستنجى بالماء) (2) . وقد تقدم حديث عائشة وحديث أبي هريرة في نزول الآية: (فيه رجال يحبون أن يتطهروا) وهذه الصورة فيها إزالة الأثر والعين جميعاً.
وقد قال الترمذي: (والعمل على هذا عند أهل العلم يختارون الاستنجاء بالماء وإن كان الإستجمار يجزئ، واستحبوا الاستنجاء بالماء ورأوه أفضل) . إذن: هذه الصورة العمل عليها عند أهل العلم على جوازها وعلى استحبابها بل على تفضيلها على الإستجمار بالحجارة.
ـ الصورة الثالثة: هي الإكتفاء بالحجارة ونحوها، وهذه الصورة ثابته صحيحه من فعل النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ وقوله، وسيأتي أدلة ذلك عند ذكر بعض المسائل ـ إن شاء الله ـ. وقد أجمع أهل العلم على جوازها.

إذن: هذه الصورة كلها جائزة، وأفضلها أن تجمع بين الإستجمار بالحجارة والاستنجاء بالماء ثم بعد ذلك الإستجمار بالحجارة، وهذه الصور كلها جائزة وإن كان الإستجمار بالحجارة لا يزيل أثر النجاسة وإنما يزيل عينها، وهذا معفو عنه في الشريعة، أي بقاء أثرها معفو عنه في الشريعة.

  • قوله: ((ويجزئه الإستجمار إن لم يتعد موضع العادة)) : إذن: تقدم أن الإستجمار يجزئ لكن بقيد، وهو ألا يتعدى ـ أي لا يتجاوز ذلك موضع العادة.
    فإذا تجاوز موضع العادة ـ أي موضع الأذى ـ فإنه لا يجزئه أن يكتفي بالإستجمار بالحجارة، بل لا بد أن يغسل هذا الزائد بالماء؛ لأن هذا الزائد قد تعدى موضع العادة، كأن يصيب ما حول قبله أو دبره شيئاً من النجاسة، فلا يجزئه الإستجمار بل لابد أنه يستنجى بالماء، وذلك: لأن الشارع إنما عفى عن بقاء الأثر ما دام في موضع العادة.
    فإذا تعدى موضع العادة فإنه لابد من الاستنجاء بالماء إذ لا مشقة في ذلك، هذا هو المشهور في المذهب.
    ـ وذهب بعض أهل العلم من الحنابلة ـ وهو اختيار شيخ الإسلام ابن تيمية ـ إلى أنه يجزئه الإستجمار بالحجارة وإن تعدى ذلك موضع العادة؛ لأن النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ في إجازته الإستجمار بالحجارة لم يقيد ذلك.
    والأظهر القول الأول لقوة دليله.
    أما كون النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ لم يقيد ذلك، فإن ذلك بناءاً على الأصل فإن الأصل بقاؤه في موضع العادة، وأما كونه يتعدى ذلك فله حكم آخر وهو اشتراط إزالته إزالة تامة حقيقية ـ أي عينه وأثره ـ وهذا هو الراجح.
  • قوله: ((ويشترط للإستجمار بأحجار ونحوها أن يكون طاهراً منقياً غير عظم وروث وطعام ومحترم ومتصل بحيوان، ويشترط ثلاث مسحات منقية فأكثر ولو بحجر ذي شعب)) : هذه شروط ما يستنجى به.

إذن: يجوز أن يستنجى بغير الحجارة، فليس الإستجمار خاصاً بالأحجار، فلوا استجمر بما يزيل الأذى عيناً أي جرماً وإن لم يزله أثراً كالأوراق في الجريد ونحوها فإنه يجوز ذلك، وظاهر المذهب أنه يجزئ، وهذا هو المشهور في مذهب الحنابلة، بل هو مذهب أكثر أهل العلم.
ـ وذهب الإمام أحمد في رواية عنه إلى أنه لا يجزئ إلا الحجارة؛ لأن الشارع خصص الحكم بذلك فلم تجزئ غيرها.
والراجح هو مذهب جمهور أهل العلم؛ لأن هذا من باب القياس، بل الأدلة الشرعية فيها إشارة إلى جوازه، فمن ذلك ما ثبت في مسلم أن النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ: (نهى أن يستنجى برجيع أو عظم) (1) . فإذا: استثنى ذلك النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ فإن ذلك يدل على أن سواه جائز ولو لم يكن سوى الحجر جائزاً لما احتاج النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ إلى أن يستثنيه، ونحوه ما ثبت في سنن أبي داود أن النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ: (سئل عن الإستطابة ـ أي الاستنجاء، وسميت بذلك؛ لأنها تطيب البدن بإزالة الخبث عنه ـ فقال: بثلاثة أحجار ليس فيها رجيع) (2) . فهنا استثنى النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ الرجيع، وذلك لأن غيره جائز.
فإذن: الراجح هو ما ذهب إليه أكثر العلماء وهو الذي يدل عليه المعنى، فإن الشريعة قد أتت بالقياس الصحيح من إلحاق الشيء بنظيره، فإذا ثبت في شيء من الأشياء ما ثبت في الحجر من إزالة النجاسة عيناً وجرماً فإنه يصح ذلك وهذا هو مذهب جمهور العلماء.

قوله: ((أن يكون طاهراً)) : إذن: النجس لا يحل أن يستنجى به ويدل على ذلك ما ثبت في الصحيحين ـ وهو دليل على جواز الإستجمار ـ عن ابن مسعود قال: (أتى النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ الغائط فأخبرني أن آتيه بثلاثة أحجار فوجدت حجرين والتمست الثالث فلم أجده، فوجدت روثة فأتيته بها فأخذ الحجرين وألقى الروثة، وقال: هذا ركس) ، وفي رواية ابن ماجة: (هذا رجس) وفي الترمذي: (يعنى نجساً) (1) . وقال النسائي: (ركس أي طعام الجنّ) واستغربه الحافظ ابن حجر وهو كما قال: فإن لفظة: (ركس) معناها نجس، والأصل النجس أن يكون نجساً حسياً، ما لم يدل دليل على نقله عن ذلك.
وهذا يدل على أنه لابد أن يكون طاهراً ليس بنجس.

وقوله: ((منقية)) : فإن كان فيه رطوبة أو كان أملساً أو نحو ذلك كالزجاج أو حجر أملس أو أن يكون منه رطوبة لا يزيل الخبث فإنه لا يجزئه أن يستجمر به.

وقوله: ((غير عظم وروث)) : فالعظم والروث لا يجوز له أن يستجمر بهما.
ودليل ذلك ما ثبت في صحيح مسلم عن سلمان قال: (لقد نهانا النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ أن نستنجى باليمين أو أن نستجمر بأقل من ثلاثة أحجار أو أن نستجمر برجيع أو عظم) (2) . وثبت في مسلم أن النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ قال للجنّ: (لكم كل عظم ذكر إسم الله عليه يقع في أيديكم أوفر ما يكون لحماً، وكل بعرة ـ أي روثه ـ علفت لدوابكم، ثم قال النبي ـ صلى الله عليه وسلم: فلا تستنجوا بهما فإنهما طعام إخوانكم) . وفي حديث رُوَيْفَع أن النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ قال له: (أخبر الناس) الحديث، وفيه: (وأن من استنجى برجيع دابة أو عظم فإن محمداً برئ منه) (3) والحديث رواه أبو داود وغيره.
فهذه الأحاديث تدل على تحريم الاستنجاء بالعظم والروث.
ـ فإذا استجمر بعظم أو روث فهل يجزئه ذلك؟؟ المشهور في مذهب الحنابلة أنه لا يجزئه ذلك.

واستدلوا بما روى الدارقطني، وقال: إسناده صحيح أن النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ: نهى عن الإستجمار بالرجيع أو العظم، وقال: (إنهما لا يطهران) (1) وأعله ابن عدي.
ـ وذهب شيخ الإسلام إلى ثبوت الإجزاء لهذا الفعل وإن كان الفعل محرماً؛ لأن الخبث قد زال، والمقصود من النجاسة إزالتها فبأي طريق زالت فإن حكمها يذهب والحكم يدور مع علته وجوداً وعدماً، فمادام أن النجاسة قد ذهبت وإن كان باستعمال ما يحرم عليه استعماله فإنه يجزئه ذلك وهذا قول قوي.
قال الزركشي: (وهذا جيد لولا حديث الدارقطني) . والذي يظهر قول شيخ الإسلام.
وأما الحديث فإنه يحمل على الغالب في العظم والروث.
فالغالب فيهما أنهما لا يطهران، فقال النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ ذلك بناءاً على الغالب بينهما (هذا على التسليم بصحة إسناده) . وأما إذا ثبت أنهما يطهران ويزيلان النجس فلا موجب لعدم الإجزاء.
فإذن: يحرم عليه ذلك لكنه يجزئه إن فعله على الإثم، أما إذا فعله ناسياً أو جاهلاً فإنه يرفع عنه الإثم مع ثبوت الأجزاء له.
وقوله: ((وطعام)) : وهذا من باب القياس، قالوا: فإذا كان طعام الجنّ ودوابهم يحرم الاستنجاء به، فأولى منه طعام الإنس، وطعام دوابهم فهو أولى منه بهذا الحكم.
وقوله: ((ومحترم)) : مثل كتب العلم، فإذا كان الشيء محترماً فلا يجوز الاستنجاء به، وهذا من تعظيم شعائر الله: ((ومن يعظم شعائر الله فإنها من تقوى القلوب)) (2) والإستجمار بها إهانة لها، وهذه الإهانة محرمة، فلا يجوز إهانة ما يجب إحترامه.
وقوله: ((ومتصل بحيوان)) : قالوا: لو أن رجلا استنجى بصوف أو شيء من بدن حيوان، قالوا: فإن ذلك محرم، هذا هو المشهور في المذهب، وأن الإستجمار بشيء متصل بالحيوان محرم، وهذا هو مذهب الشافعية.
ـ وذهب بعض أهل العلم إلى أنه لا بأس في ذلك.
ولم يتبين لي دليل على تحريم ذلك.

فالأقوى هو القول بحله، كيف والرجل يستنجى بيده اليسرى وهي عضو متصل به فأولى منه أن يستنجى بمتصل بحيوان، والله أعلم.
وقوله: ((ويشترط ثلاث مسحات منقية فأكثر ولو بحجر ذي شعب)) : يشترط أن يكون استنجاؤه بثلاث مسحات فإن كان بمسحتين أو يمسحه فلا يجزئه.
ـ ويشترط أن يكون بثلاثة أحجار، لما تقدم من حديث سلمان وفيه: (وأن يستنجى بأقل من ثلاث أحجار) : وهذا هو مذهب الحنابلة وهو مذهب الشافعية، وهذا الذي يدل عليه هذا الحديث.
وكذلك يدل عليه ما ثبت في سنن أبي داود أن النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ قال: (من ذهب إلى الغائط فليذهب معه بثلاثة أحجار فإنها تجزئه) (1) ، ومفهومه أنها إن قلت فإنها لا تجزئه.
ـ وذهب المالكية إلى جواز ذلك ـ أي أن تقل عن ثلاثة أحجار ـ إذا أنقت ـ فإذا أنقت ولو كان ذلك حجراً واحداً فإنها تجزئه.
واستدلوا: بما ثبت في الصحيحين أن النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ قال: (من استجمر فليوتر) (2) ، والوتر يطلق على الواحد.
وكذلك بما ثبت في البخاري من حديث ابن مسعود في اتيانه النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ بحجرين وليس فيه إعادته ليأتيه حجر آخر.
ـ والإستدلال بهذين الحديثين على هذه المسألة ضعيف.
أما الحديث الأول: فإن لفظة الوتر مطلقة هنا، وقد أتانا حديث سلمان فقيده بإيجاب ثلاثة أحجار فموجب أن نقيده بثلاث.
ـ وأما حديث ابن مسعود، فهو وإن لم يأته بحجر ثالث لكن الأمر مازال متعلقاً بذمته، فقد أمره أن يأتيه بثلاثة أحجار فمازال الأمر متعلقاً بذمته.
وكونه لم يأت بها فهو لايزال مطالباً بإحضار ثالثة ثم إن قوله: (فالتمست الثالث فلم أجده) : فيه أنه لم يجد ذلك، فهو إن لم يجد ذلك، فإنه يكون معذوراً والراجح هو القول بوجوب الإستجمار ثلاثة أحجار فأكثر وهو مذهب الشافعية والحنابلة.

ـ وهل يشترط أن يكون كل حجر يعم المحل كله؟؟

ظاهر الحديث أنه لا يشترط ذلك مطلقاً، بل يستنجى بثلاثة أحجار لكل حجر جزءاً من المحل، فظاهر الحديث أنه لا يشترط أن يعمم المحل لكل حجر وهو قول في مذهب الحنابلة.
ـ والمشهور في المذهب أنه يشترط أن يعمم المحل بكل حجر وقد تقدم أن ظاهر الحديث إطلاق ذلك.
وقد روى الدارقطني، وقال: إسناده حسن أن النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ قال: (أولا يجد أحدكم ثلاثة أحجار حجرين للصفحتين وحجرة للمَسْرَبَة) وهي محل الأذى.
لكن الحديث فيه أُبيِّ (1) بن العباس وهو ضعيف، فالأرجح: أنه لا يشترط ذلك.

وقوله: ((ولو بحجر ذي شعب)) : بمعنى: أتى بحجر ذي ثلاث شعب فإنه بجزئه ذلك، فكل شعبة تقوم مقام حجرة وهذا قياس واضح صحيح.
وقال هنا: (ولو) إشارة إلى خلاف في المذهب فهناك رواية عن الإمام أحمد أنه لا يجزئ ذلك بل لابد من ثلاثة أحجار لظاهر الحديث المتقدم.
والأظهر هو القول الأول لأن هذه الحجارة التي هي ذات ثلاث شعب بمقام ثلاثة أحجار فإنها تجزئه على الراجح.

  • قوله: ((ويسن قطعه على وتر)) : لقوله صلى الله عليه وسلم ـ في الحديث المتقدم: (ومن استجمر فليوتر) .

  • قوله: ((ويجب الاستنجاء لكل خارج إلا الريح)) : يجب الاستنجاء لكل خارج عيني إلا الريح، قال الإمام أحمد: (الاستنجاء من الريح ليس له أصل في الكتاب ولا في السنة وإنما فيه الوضوء) . فليس من الريح إستنجاء، وإنما الاستنجاء من البول أو الغائط أو نحوهما مما قد يخرج من أحد السبيلين، وأما الريح فليس فيه استنجاء، وليس للإستنجاء به أصل في الكتاب والسنة.
    وأما ما رواه الطبراني أن النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ قال: (من استنجى من الريح فليس منا) (2) ، فالحديث اسناده ضعيف جداً.

  • قوله: ((ولا يصح قبله وضوء ولا تيمم)) : هذه المسألة: فيها أنه لا يصح للشخص أن يتوضأ أو يتيمم ثم يستنجى.

ـ فإن قيل: هذه مسألة متكررة، فَلِمَا ذَكَرَهَا المؤلف؟؟ فالجواب: أنه يقع مثل هذا، بل قد ذهب بعض أهل العلم إلى صحته مع وجوده.
ـ فلوا أن رجلاً توضأ أو تيمم ثم بعد ذلك استنجى وأزال الخبث، فهل تجزئه ذلك؟؟ المشهور في المذهب أنه لا يجزئه، واستدلوا بقول النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ حين أصابه المذي: (يغسل ذكره ويتوضأ) [^fn54] رواه مسلم.
وفي رواية النسائي: (ثم يتوضأ) لكن هذه اللفظة اسنادها ضعيف منقطع.
ـ فإن قيل: ألا يستدل بالرواية المتقدمة.
فالجواب: لا يستدل بها، لأن لفظة (الواو) لا تفيد إلا الإشتراك: (يغسل ذكره ويتوضأ) . بل قد ثبت في الصحيحين أن النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ قال: (توضأ وانضح فرجك) فقدم الوضوء هنا.
ـ فإن قيل: المشهور من فعله صلى الله عليه وسلم، أنه كان يستنجى ثم يتوضأ؟ فالجواب: قالوا: هذا فعل، والفعل لا يدل على الوجوب.
ـ وهذا القول رواية عن الإمام أحمد وهو الراجح، فلو أنه استنجى بعد وضوئه أو تيممه لكان وضوؤه صحيحاً وعلى ذلك: إن هذا الفعل منه لا يعدو، إلا أن يكون إزالة للخبث، وإزالة الخبث ليست من شروط صحة الوضوء، فلو أن رجلا أصاب شيء من بدنه نجاسة في غير محل الأذى فتوضأ ثم قام بإزالته فوضوؤه صحيح.
فالمسألة لا تعدو إلا أن تكون إزالة أذى أما كونه يمس ذكره أولا، فهذه مسألة أخرى سيأتي تكريرها في بابها إن شاء الله؛ لأنه لا يشترط أن يكون مس ذكره فقد يكون استنجى بحجر أو خرقة أو نحوها.
وهذا القول هو الراجح لعدم الدليل المانع منه، وقد قال ـ صلى الله عليه وسلم ـ فيمن أصابه المذي: (توضأ واغسل ذكرك) [^fn55] .

والحمد لله رب العالمين.

الدرس الخامس عشر (الأحد) التاريخ 29/10/1414هـ.

باب: السواك وسنن الوضوء:

السواك: هو العود الذي يدلك في الفم ويحرك فيه ليطهره ويطلق أيضاً على الفعل أي الدَّلك والتحريك ويسمى سواكاً فيطلق على الأداة التي يستاك بها، ويطلق على التسوك فكلاهما سواك.
وهو من التحرك والاضطراب، يقال: جاءت الإبل بساوك هزلاً: إذا اضطربت أعناقها من هزالها أي من ضعفها.

ـ أما الوُضوء: فهو بالضم، الفعل، وبالفتح: الماء المتوضىء به وهذا في لغة العرب: النظافة والحسن، يقال: وجه وضيء: أي حسن نظيف.
أما اصطلاحاً: فهو غسل الأعضاء الأربعة على صفة مخصوصة.

ـ قال المصنف ـ رحمه الله ـ: ((السواك بعود لين منق غير مضرٍ لا يتفتت لا بأصبع أو خرقة، مسنون)) : فالسواك مسنون بما يكون متصفاً بالشروط التي ذكرها المؤلف فهو مسنون باتفاق العلماء.
وهو أن يسوك بعود لين غير خشن يضر بلثته، وليس كذلك بمضر، ولا يتفتت وهو منقٍ مطهر منظف فما كان على هذه الصفة فإنه يسن أن يستاك به.
كعود الأراك والعرجون وعود الزيتون ونحو ذلك.
ـ قد ثبت في البخاري معلقاً مجزوماً به ووصله أحمد والنسائي وابن حبان بإسناد صحيح أن النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ قال: (السواك مطهرة للفم مرضاة للرب) . ـ وأفضله كما نص على ذلك غير واحد من أهل العلم من بعض الحنابلة وبعض الشافعية وبعض المالكية، أفضلة الأراك، ويدل على ذلك: ما ثبت في مسند أحمد بإسناد جيد من حديث ابن مسعود قال: (كنت أجتبي للنبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ سواكاً من أراك) . وثبت عند الطبراني وقال الهيثمي اسناده حسن في حديث وفد عبد القيس قال الراوي: فزودنا رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ بالأراك نستاك به) فهذا أفضل أنواع الأعواد التي يستاك بها.
فإذن: السواك في كل عود منق لا يتفتت ولا يضر، مشروع مستحب.
ـ أما إذا كان من الأعواد الضارة كعود الريحان ونحوه فإنه ليس بمشروع لكونه مضراً وفي الحديث (لا ضرر ولا ضرار) .

قوله: ((لا بأصبع أو خرقه)) : هذا هو المشهور في المذهب وهو مذهب الشافعية وأن السواك بالأصابع والخرق والمناديل ونحوها لا يجزئه؛ لأن الثابت إنما هو السواك بعود ونحوه؛ لأنه لا يحصل في السواك بالأصابع ما يحصل بالسواك بالأعواد من الإنقاء.
ـ وذهب أبو حنيفة وهو رواية عن الإمام أحمد ـ إلى أنه يجزئ ذلك، واستدلوا: بما روى البييهقي أن النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ قال: (يجزئ من الساك الأصابع) لكن الحديث إسناده ضعيف وقد ضعفه البيهقي، فالحديث ضعيف.
واستدلوا: بما رواه أحمد أن علي بن أبي طالب توضأ وفيه: أنه تمضمض وأدخل بعض أصابعه في فيه، إلى أن قال: (رأيت النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ يفعل ذلك) . وفيه أنه أدخل أصابعه في فيه أي يستاك.
لكن الحديث فيه مختار بن نافع الكوفي وهو ضعيف.
فعلى ذلك الحديث ضعيف.
ـ وصحح الموفق ـ رحمه الله ـ أنه يحصل له من الفضيلة والسنة بقدر ما يحصل له من الأنقاء وهذا قوي.
ـ وقال بعض الحنابلة: إنما يجزئ عنه إن لم يجد عوداً وهذا قوي.
فإن لم يجد عوداً فإن مالا يدرك كله لا يترك كله.
فإنه إن لم يجد سواكا فإنه يستاك بأصبع أو نحوها ويحصل له من الثواب بقدر ما يحصل له من الإنقاء.
قوله: ((كل وقت)) : لعمومات الأدلة كما تقدم في قوله ـ صلى الله عليه وسلم ـ (السواك مطهرة للفم مرضاة للرب) ، وهذا عام في كل وقت، وقد ثبت في البخاري أن النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ قال: (أكثرت عليكم بالسواك) أي أن النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ أكثر على أصحابه من الحث والترغيب في فعل السواك وهذا يدل على تأكيد استحبابه.

قوله: ((لغير صائم بعد الزوال)) : هذا هو المشهور في المذهب وأن السواك مكروه للصائم بعد الزوال فإنه لا يكره، وهذا هو مذهب الشافعية.
واستدلوا:

ـ بما روى البيهقي أن النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ قال: (إذا صمتم فاستاكوا بالغداة ولا تستاكوا بالعشي) (1) قالوا: والعشي يكون من بعد زوال الشمس، والحديث اسناده ضعيف.
ـ وأصح منه ثبوتاً ما في الصحيحين أن النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـقال: (لخلوف فم الصائم أطيب عند الله من ريح المسك) (2) . قالوا: فإذا استاك بالعشي ـ وغالباً ما تطهر هذه الرائحة التي هي أطيب عند الله من ريح المسك، غالباً ما تطهر بعد زوال الشمس، فيكره السواك بعد الزوال لأنه سبب لإزالتها.
ـ وذهب أكثر أهل العلم وهو مذهب الأحناف والمالكية ورواية عن الإمام أحمد واختاره كثير من الحنابلة وهو اختيار شيخ الإسلام وتلميذه ابن القيم، واستظهره في الفروع، وقواه صاحب الشرح الكبير.
ورأوا أنه ليس بمكروه بل هو مستحب مشروع في كل وقت.
واستدلوا: بما روى أبو داود والترمذي وقال الحافظ إسناده صحيح عن عامر بن ربيعة قال: (رأيت النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ مالا أحصي يستاك وهو صائم) [^fn56] . لكن الحديث ليس إسناده بصحيح خلافاً لما قال الحافظ فإن فيه عاصم بن عبيد الله وهو ضعيف فالحديث إسناده ضعيف.
وأصح منه استدلالاً: استدلالهم بالعمومات الدالة على عموم فضل السواك من غير أن يستثنى من ذلك شيء، كما تقدم في قوله صلى الله عليه وسلم: (السواك مطهرة للفم مرضاة للرب) (4) . أما الجواب على أدلة أهل القول الأول: ـ أما حديث: (إذا صمتم فاستاكوا بالغداة ولا تستاكوا بالعشي) فقد تقدم أن الحديث ضعيف.
ـ أما حديث: (لخلوف فم الصائم أطيب عند الله من ريح المسك) . فالجواب عنه: أن الحديث ليس فيه أنه لا يستاك وأنه يدع هذه الرائحة الكريهة، وإنما فيه الترغيب بالصوم وأن هذه الرائحة الكريهة التي يكرهها المسلم أطيب عند الله من ريح المسك.

وقد روى الطبراني بإسناد جيد عن عبد الرحمن بن غنم قال: قلت لمعاذ بن جبل: أستاك وأنا صائم قال: نعم، فقلت أي النهار، فقال: غدوة وعشياً، فقلت: إن الناس يكروهون الإستياك في العشي، ويقولون: قال رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ: (لخلوف فم الصائم أطيب عند الله من ريح المسك) فقال: سبحان الله ((وهي هنا للعجب)) إنما أَمَرَهُم بالسواك وليس بالذي يأمرهم أن ينتنوا أفواههم عمداً، ليس في هذا من الخير شيء إنما إنما هو شيء) . ـ ثم إن هذه الرائحة إنما تخرج من المعدة، وغاية السواك أن يطهر الفم، فهو مطهر للفم، وأما هذه الرائحة فإنها مخرجها من الجوف على أن هذا ليس فيه إلا استحباب الصوم والترغيب فيه وأن الرائحة التي تخرج أطيب عند الله من ريح المسك وليس في الحديث الترغيب في تركها، هذا هو القول الراجح.

قوله: ((متأكد عند صلاة وانتباه وتغير فم)) : والسواك مستحب مشروع لكنه يتأكد في مواضع فيكون السواك منها آكد استحباباً فمن ذلك: (عند الصلاة) : كما في الصحيحين أن النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ قال: (لولا أن أشق على أمتي لأمرتهم بالسواك عند كل صلاة) وفي الحديث الحسن لشواهده، وقد جوده غير واحد من أهل العلم، وقد رواه الحاكم وابن خزيمة أن النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ قال: (صلاة بسواك خير من سبعين صلاة بغير سواك) (1) . وظاهر هذه الأحاديث أنه يتأكد استحبابه صلاة الفرض والنفل.
قوله: (وانتباه) : أي الإنتباه من النوم سواء كان نوم ليل أو نوم نهار.
ودليل ذلك ما ثبت في الصحيحين من حديث حذيفة أن النبي ـ صلى الله عليه وسلم: كان إذا قام من الليل "أي من النوم" يشوص "أي يدلك" فاه بالسواك) (2) . قوله: (وتغير فم) : أي تغير رائحة الفم إلى الكراهية سواء كان بسبب سكوت أو من طعام أو من شراب أو جوع ونحو ذلك لقوله ـ صلى الله عليه وسلم ـ: (السواك مطهرة للفم مرضاة للرب) .

فهذا الفم الذي أصيب بشيء من كراهية الرائحة بسبب جوع أو أكل أو نحوه يستحب له أن يدلكه بالسواك ليطهره.
ـ ويستحب ـ ولم يذكره المؤلف ـ عند دخول المنزل لما ثبت في مسلم عن عائشة: أنها سئلت بأي شيء كان النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ يبدأ إذا دخل المنزل قالت: بالسواك (1) . ـ وهل يقاس عليه دخول المسجد؟.
صرح بذلك بعض الحنابلة ـ وأنه يستحب له ـ من باب القياس أن يستاك عند دخول المسجد.
وعللوا ذلك: بأن علة استحبابه عند دخول المنزل كون النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ يصلي النافلة فيه، فكذلك في المسجد فإنه سيدخل ويصلي فيه النافلة أو تحية المسجد أو الفريضة وفي هذا نظر، فإن عائشة لم تستثن حالة عن حالة ولم يكن كل دخول النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ بعد صلاة يصلي نفلها ـ ثم إن هناك علة قوية ـ أقوى من هذه العلة فيما يظهر أو تنازعها في القوة ـ وهي أن يكون ذلك من حسن معاشرته عليه الصلاة والسلام لأهله كالتطيب ونحوه فيكون هذا من تطهير الفم، وهي علة قوية.
فحينئذ لا يصح هذا القياس.
ولم يصح عن النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ ولا فيما أعلم عن أحد من أصحابه الإستياك عند دخول المسجد.
ولكنه إذا استاك للصلاة فنعم، فإنه حينئذ يدخل في عموم الحديث المتقدم (عند كل صلاة) . ـ وسيأتي تأكد استحبابه عند الوضوء.
ـ ويتأكد السواك عند قراءة القرآن، لما روى البزار بإسناد جيد أن النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ قال: (طهروا أفواهكم للقرآن) (2) ، فيستحب له أن يطهر فمه لقراءة القرآن.
ـ وإن قيل: إنه يستحب لذكر الله والدعاء فهو حسن، لقوله صلى الله عليه وسلم ـ (إني كرهت أن أذكر الله على غير طهر) ومن الطهارة السواك، كما قال صلى الله عليه وسلم: (السواك مطهرة للفم) .

قوله: ((ويستاك عرضاً مبتدئاً بجانبه الأيمن)) : هذه صفة الإستياك وكيفيته.
وهي أن يستاك عرضاً

ودليل ذلك، ما رواه الطبراني أن النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ: (كان يستاك عرضا) (1) لكن الحديث إسناده ضعيف.
ـ وله شاهد من مراسيل عطاء، وهو مرسل، وفيه راوٍ مجهول فيكون ضعيفاً جداً فلا يصلح شاهداً.
ـ إذن لم يثبت ذلك في السُّنَّة الصحيحة، وقد ضعف هذا الحديث النووي وابن الصلاح والضياء.
ـ وقال بعض أهل العلم: أنه يستاك طولا ـ هكذا قال بعض الحنابلة.
ـ وذكر بعضهم أن أهل الطب يستحبون ذلك ـ أي السواك طولاً.
والقائلون عرضاً ذكروا أن الإستياك طولاً أضر على اللثة وعللوا استحباب الإستياك عرضاً بأنه أبعد عن مضرة اللثة وأبعد عن فساد الأسنان.
فعلى ذلك لا يثبت شيء من السنة لا في الإستياك عرضاً ولا في الأستياك طولاً ومرجع ذلك إلى الطب أو إلى الإختيار، فإذا ثبت أن الأبعد له عن الضرر أن يستاك طولاً أو عرضاً فإنه يفضل ذلك.

قوله: ((مبتدأ بجانب فمه الأيمن)) : وذلك لما ثبت في الصحيحين عن عائشة قالت: (كان النبي ـ عليه الصلاة والسلام ـ يعجبه التيمن أو التيامن في تنعله وترجله وطهوره وشأنه كله) (2) ، وفي أبي داود (وسواكه) ، فهذا الحديث صريح في مشروعية البداءة بالجانب الأيمن قبل الأيسر عند الإستياك.
ـ وهل المستحب أن يكون الإستياك باليد اليمنى أم باليسرى؟ نص الإمام أحمد على استحباب ذلك باليد اليسرى، وقال شيخ الإسلام: (ولا أعلم أحداً من الأئمة خالف في ذلك إلا المجد) يعني المجد ابن تيمية هو جده وهو من كبار الحنابلة وهو صاحب المنتقى وهو كبار الفقهاء، وكان يستحب أن يستاك بيده اليمنى، ويستدل: بحديث عائشة المتقدم.
والإستدلال بحديث عائشة فيه نظر، فإنما هو دليل على البداءة بالجهة اليمنى.
وأما هنا فإن الباب آخر والبحث هنا آخر، فالبحث في الأداة التي يتطهر بها.

وعليه ما ذهب إليه عامة أهل العلم: أن السواك من باب التطهر لقوله (مطهرة للفم) هذا هو الغالب فيه وإلا فقد يكون لمجرد مرضاة الرب سبحانه وتعالى.
لكن الأصل فيه أن يكون مطهرة للفم، وما كان هذا بابه فإنه مستحب باليد اليسرى، كما أن النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ كان يستنشق باليد اليسرى كما ثبت في النسائي بإسناد صحيح، وكذلك هنا فإنه يستحب أن يستاك باليداليسرى؛ لأن ذلك من باب التطهر أو من باب إزالة الأذى وإماطته.
أما حديث التيامن فإنما ذلك دليل على استحباب البداءة بالجهة اليمنى قبل الجهة اليسرى.
روى ابن أبي شيبة ـ ولم أقف على اسناده ـ أن عبادة بن الصامت وأصحاب النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ كانوا يروحون والسواك على آذانهم) (1) . وفيه حديث ضعيف عن البيهقي أن النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ كان يضعه على أذنه كما يوضع القلم) (2) .

والحمد لله رب العالمين.

الدرس السادس عشر ... …الإثنين…30/10/1414هـ

قال المصنف ـ رحمه الله ـ: ((ويدهن غباً ويكتحل وتراً)) : غباً: أي يوماً يدهن، ويوماً لا يدهن.
ودليل ذلك ما ثبت في مسند أحمد وسنن النسائي والترمذي وأبي داود بإسناد صحيح أن النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ: (نهى عن الترجل إلا غباً) (3) . والترجل هو: تسريح الشعر مع دهنه، فهو منهي عنه إلا يوماً بعد يوم.
ـ وهل ذلك مستحب أم لا؟ ظاهر هذه اللفظه من المؤلف: أن ذلك مستحب، ويدل على استحبابه ما ثبت في سنن أبي داود بإسناد حسن أن النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ قال: (من كان له شعر فليكرمه) (4) ، وهذا عام في شعر الرأس وشعر اللحية.
ولكنه لا يستحب إلا غباً للحديث المتقدم.
ـ فإن قيل: أو ليس المقصود إزالة شعث الرأس، وإذا كان الأمر كذلك فلو أنه ترجل بماء ونحوه غير الدهن فهل يكون مستحباً كذلك أو لا؟.

الجواب: الصحيح أنه يكون مستحباً كما قال شيخ الإسلام ابن تيمية، وقد ذكر شيخ الإسلام أنه يفعل ما هو الأصلح لبدنه، وذلك أن النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ إذا فعل فعلاً معيناً لمعنى مقصود، وكان هذا المعنى المقصود يثبت بهذا الفعل وغيره، فإن كل فعل يثبت فيه هذا المعنى الخاص فإنه مستحب.
وهنا: الادهان، هل المقصود الادهان ذاته أم المقصود إكرام الرأس؟ الجواب: أن المقصود إكرام الرأس، فإذا ثبت إكرامه بغير الادهان بإنه يكون مستحباً كالادهان تماماً.
وقد ثبت من حديث رجل من الصحابة قال: (نهى النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ أن يمتشط أحدنا في كل يوم) (1) فهذا أمر مكروه، وذلك لأن الشارع ينهى عن كثير من الأرفاه وكثير من التنعم.
وقد روى أبو داود بإسناد صحيح أن رجلاً من أصحاب النبي ـ صلى الله عليه وسلم رحل إلى فضالة بن عبيد بمصر ثم قال له: (أما إني لم آتك زائراً ولكني سمعت أنا وأنت حديثاً من النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ فرجوت أن يكون عندك منه علم، فقال له: ما هو، قال: (كذا وكذا) "إذن أخبره بهذا الحديث" قال: فمالي أراك شعثاً وأنت أمير الأرض فقال: إن النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ كان ينهانا عن كثير من الإرفاه "أي كثير من التنعم" قال: فما لي لا أرى عليك حذاء، فقال: كان النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ يأمرنا أن نحتفي أحيانا) (2) . ـ إذن هذا الحديث يدل على كراهية كثير الإرفاه وفي أبي داود أن النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ قال: (إن البذاذة من الإيمان) (3) : أي ترك كثير من التنعم في الثوب والبدن وهو البذاذة أنه من الإيمان.

فإذن: يستحب له أن يدهن غباً، ويكره له أن يدهن كل يوم، ولكن إذا كان كثير الشعر بحيث يكون فيه شعث كثير جداً، فحينئذ تزول الكراهية، وقد روى النسائي بإسناد صحيح أن أبا قتادة الإنصاري: كان له جُمَّة "أي شعر كثير يضرب على كتفه" فأمره النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ أن يحسن إليه) (1) . ـ وهنا عند هذه الفقرة التي ذكرها المؤلف مباحث: [المبحث الأول] : هل السنة إتخاذ الشعر أم حلقه؟ قال الإمام أحمد: (إتخاذ الشعر سنة ولو قدرنا عليه لفعلنا، ولكن له كلفة ومؤؤنه) أي يحتاج إلى كلفة من مشط وترجيل ودهان ونحو ذلك.
وأما الدليل على سنيته: فهو أنه فعل النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ فقد ثبت في الصحيحين أن النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـكان له شعر يضرب على منكبه) (2) . وثبت في مسلم أن النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ كان له شعر إلى شحمة أذنه) (3) يعني: كان أحياناً إلى منكبه، وأحياناً إلى شحمة أذنه، إذا أخذ منه في حج أو عمره.
ـ ومن أبقاه فعليه أن يكرمه فيكون له كلفة ومؤونة كما قال الإمام أحمد.
ـ أما حلق الرأس فقد أجمع العلماء على إباحته، كما قال ذلك: ابن عبد البر رحمه الله ـ

لكن هل يكره له حلقه أم لا؟.
نص الإمام أحمد على كراهية حلقه، وقال: (كانوا يكرهونه) أي كان السلف.
وفي رواية عنه أن تركه أفضل، فيكون حلقه غير مكروه.
وقد ذكر النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ في صفة الخوارج أن سيماهم التحليق، وهذا لا يقتضي التحريم؛ لأن ليس كل تشبه محرم.
فالأظهر: أن تركه أولى إلا في حج أو عمرة.
[المبحث الثاني] : إذا اتخذ شَعْراً فهل يسدله سدلاً أم يفرقه فرقاً؟ السدل هو أن ترسل الشعر من غير أن تفرقه، والفرق: هو أن تجعل الشعر على صفقتين، صفقه بيمينه وصفقه شماله، فيظهر أصل الرأس.
والجواب:

أن كلا الفعلين فعله النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ أي السدل والفرق، لكن الأول وهو السدل قد تركه لكونه قد نسخ فعله، فقد ثبت في الصحيحين: (كان أهل الكتاب يسدلون أشعارهم ـ أي يرسلونها ـ وكان المشركون ـ أي من العرب ـ يفرقون رؤوسهم وكان النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ يحب أن يوافق أهل الكتاب فيما لم يؤمر به، فسدل النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ ناصيته ثم فرق بعدُ) (1) . وفي رواية: (ثم أمر بالفرق ففرق) . وقد اتفق أهل العلم على استحباب ذلك.
فإذا: فرقه فهل يجعله دؤابتين أو عقيصتين؟ قال الإمام أحمد: (وأبو عبيدة له عقيصتان وعثمان له عقيصتان) أي يجعله عقيصين وهذا كان فعل العرب.
إذن: والمستحب أن يفرق رأسه لفعل النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ وأنه أمر بذلك.
ـ ولكن اتخاذ الشعر إن كان فيه فتنة فإنه لا يجوز ذلك سداً للذريعة.
ـ هذا في شعر الرأس وإدهانه ومثل ذلك شعر اللحية، وقد أمر النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ بإعفاء اللحية، فقد ثبت في الصحيحين أن النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ قال: (أحفوا الشوارب وأعفوا اللحى) (2) . وفي الصحيحين أن النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ قال: (خالفوا المشركين وفِّروا الحى وأحفوا الشوارب) (3) . وفي مسلم: (أرخوا اللحى) . واللحية: الشعر النابت على الخدين والذقن) . كما ذكر ذلك صاحب لسان العرب وغيره.
ـ الأحاديث المتقدمة تدل على وجوب إعفائها، وقد صرح بتحريم حلقها شيخ الإسلام ابن تيمية وغيره، ويدل على ذلك الأحاديث السابقة، وقد قال صلى الله عليه وسلم:: (من تشبه بقوم فهو منهم) ، والأصل في التشبه التحريم، وقد قال صلى الله عليه وسلم: (خالفوا المشركين) . ـ وهل يجوز له أن يأخذ منها ما فوق القبضة؟ ثبت ذلك من فعل ابن عمر في الحج والعمرة، فقد روى البخاري أن ابن عمر: (كان إذا حج أو اعتمر قبض لحيته، فما فضل أخذه) (4) .

ونص الإمام أحمد على جواز ذلك، وكذلك نص عليه الشافعي إذا كان في حج أو عمره.
ـ وكره ذلك الحسن وقتادة.
فإذن: ذهب بعض أهل العلم إلى النهي عن ذلك، وبعضهم ذهب إلى جوازه.
ـ أما القائلون بجوازه، فقد استدلوا بفعل ابن عمر.
ـ وأما القائلون بالنهي عنه فاستدلوا بعمومات النصوص المتقدمة: (أرخوا اللحى) (واعفوا اللحى) وغيرها.
وكونه يأخذ شيئاً منها وإن كان فاضلاً عن القبضة، فإن ظاهر الحديث وجوب إعفائها وهو فعل النبي عليه الصلاة والسلام، فقد ثبت في البخاري أن خباب بن الأرتّ سئل فقيل له: (أكان النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ يقرأ في الظهر والعصر، فقال: نعم، فقيل له: بم كنتم تعرفون ذلك، فقال: باضطراب لحيته.
فالنبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ لم يثبت أنه يأخذ من لحيته شيء بل كان يدعها عرضاً وطولاً.
أما ما روى الترمذي أن النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ كان يأخذ من لحيته عرضاً وطولاً) (1) فالحديث منكر لا يصح، قد استنكره البخاري وغيره.
ـ والأظهر من القول بالمنع منه، وذلك لأن النبي عليه الصلاة والسلام، أمر بإعفائها وإرجائها وأخذ شيء منها ينافي ذلك.
والعمل برواية الصحابي لا برأيه إذا خالف رأيه روايته.
فابن عمر وإن كان من رواة الأحاديث في إعفاء اللحية لكن رأيه خالف روايته، لأن النبي عليه الصلاة والسلام أمر بإعفائها وتركها مطلقاً وهذا ينافي ذلك.
فالأظهر هو القول بالمنع.
ـ أما الشوارب فيجب ـ على الراجح ـ قص شيء منها بإحفائها وجزها وإنهاكها، وقد ثبت في الصحيحين أن النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ قال: (أحفوا الشوارب) (2) وفي رواية: (جزوا الشوارب) وفي رواية: (أنهكوا الشوارب) وهو أن يبالغ في قصها.
ـ وجمهور أهل العلم على سنيته، وقد قال النووي: (متفق على استحبابه) . وقد صرح الحنابلة بتأكد سنيته.
ـ والأظهر التحريم؛ لأن الأمر للوجوب.

ـ وأصرح منه ما في الترمذي وصححه وهو كما قال أن النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ قال: (من لم يأخذ من شاربه فليس منا) (1) . وقد قال صاحب الفروع: (وهذه الصفة تقتضي ـ عند أصحابنا ـ التحريم) ؛ لأنه قال: (ليس منا) . وهذا هو مذهب الظاهرية ـ وهو الراجح ـ وهو أن قص الشارب وإحفاءه واجب، ومن لم يفعله فليس منا: أي ليس على هدينا وطريقتنا.
ويقتضي ذلك تحريمه وهو مذهب الظاهرية، والأدلة الشرعية عليه.

قوله: ((ويكتحل وتَراً)) : أي يسن له أن يكتحل وتراً.
ويسن أن يكون ذلك بالإثمد، والإثمد: نوع من أنواع الكحل، وقد ثبت في ابن ماجة بإسناد جيد أن النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ قال: (عليكم بالإثمد فإنه يجلو البصر وينبت الشعر) (2) أي شعر العينين.
وأما الإكتحال بغيره مما هو من باب الزينة، فإن كان للنساء فذلك جائز.
وأما للرجال فهو محل توقف، وقد توقف فيه شيخ الإسلام.
وذكر أنه يقوي جوازه فيمن كان كبير السن يبعد ذلك عن الفتنة، بخلاف الشاب، ومثل ذلك محل توقف؛ لأنه زينة وهو مختص بالنساء.
ومن لم يكن كبير السن وهو ليس محل فتنة فهو محل توقف.
والذي ينبغي أن يكون التوقف كذلك في كبار السن، لأن التوقف عام.
إلا أن التحريم يقوي في الشاب لما في ذلك من الفتنة، والعلم عند الله.
وقوله: ((وتراً)) : استدلوا عليه بما رواه أحمد وأبو داود أن النبي ـ صلى الله عليه وسلم قال: (من اكتحل فليوتر من فعل فقد أحسن ومن لا فلا حرج) (3) لكن الحديث فيه جهالة، فهو ضعيف.
فعلى ذلك يكتحل بما يكون مناسباً لعينه بالإثمد من غير أن يكون ذلك محدداً بوتر، إلا أن يكون مناسباً.

قوله: ((وتجب التسمية في الوضوء مع الذكر)) : أي: يجب على من أراد أن يتوضأ وكذلك من أراد الغسل أو التيمم يجب عليه أن يقول: (بسم الله) ولكن ذلك ـ أي الوجوب ـ مع الذكر، أما إن نسي فلا حرج عليه.

ـ أما الدليل على وجوب التسمية: فهو ما رواه أحمد وأبو داود والترمذي وابن ماجة أن النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ قال: (لا صلاة لمن لا وضوء له، ولا وضوء لمن لم يذكر اسم الله عليه) (1) . وهذا الحديث في إسناده ضعف، لكن له شواهد كثيرة يرتقي إلى درجة الحسن.
وقد قال العيني: (روى هذا الحديث من طريق أحد عشر صحابياً) وقال ابن أبي شيبة: (ثبت لنا أن النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ قاله) أي من كثرة طرقه.
وقد حسنه العراقي وابن الصلاح وابن كثير وابن حجر والمنذري، ومن المحدثين المعاصرين الشيخ الألباني ـ رحمه الله ـ فالحديث حسن.
ـ أما سقوط التسمية بالنسيان: فاستدلوا بقول النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ: (إن الله تجاوز لي عن أمتي الخطأ والنسيان وما استكرهوا عليه) (2) . 1ـ هذا هو مذهب الحنابلة في المشهور عندهم: أن التسمية واجبة عند الوضوء ونحوه من الغسل والتيمم مع الذكر، فلو ترك التسمية عمداً بطل وضوؤه.
2ـ وذهب جمهور الفقهاء وهو رواية عن الإمام أحمد، واختارها بعض أصحابه أن التسمية سنة.
وأجابوا: عن الحديث بأنه ضعيف لا يثبت، قال الإمام أحمد: (لا أعلم فيها إسناداً جيداً) أي التسمية.
وكلامه ـ رحمه الله ـ إنما هو في الأسانيد بمفردها، أي في كل إسناد بمفرده، أما الأسانيد بمجموعها فإنها ترتقي إلى درجة الحسن.
قالوا: وإن ثبت الحديث فإن قوله: (لا وضوء) يؤول بأن (لا وضوء كامل) ، فليس وضوءاً باطلاً، بل هو صحيح لكنه ليس بكامل بل هو ناقص لتركه السنة.
وهذا القول ضعيف؛ لأن الأصل حمل الكلام على حقيقته، فيقال: (لا وضوء موجود) ثم (لا وضوء صحيح) وهي المرتبة الثانية ثم (لا وضوء كامل) وهي المرتبة الثالثة.

و (لا وضوء موجود) : هذا لا يمكن أن يقال به؛ لأن الوضوء قد وجد دون التسمية، فننتقل إلى المرتبة الثانية (لا وضوء صحيح) ثم (لا وضوء كامل) ولا يجوز أن ننصرف عن مرتبة إلا إذا امتنعت المرتبة التي قبلها فنقول ـ حينئذ ـ (لا وضوء صحيح) كما هو ظاهر اللفظة أي لا وضوء صحيح شرعي.
3ـ وذهب الإمام أحمد في رواية عنه واختارها أبو الخطاب من الحنابلة والمجد بن تيمية وابن عبد القوي إلى أن التسمية فرض عند الذكر والنسيان.
فلو تركها ناسياً فإن وضوءه باطل ـ وهذا هو أصح الأقوال ـ وذلك لصحة الحديث الوارد في ذلك، وظاهره أنه لا وضوء صحيح مطلقاً سواء كان ذاكراً أو ناسياً.
ـ أما حديث: (إن الله تجاوز لي عن أمتي 0000) الحديث، فإن ذلك لا يكون في ترك الواجبات، فإن من ترك واجباً فإنه لايزال مطالباً بفعله، فإذا فعله برأت ذمته.
ويكون ـ حينئذ ـ مغفوراً له غير آثم بسبب نسيانه، أما كونه لا يجب عليه أن يفعل فلا.
فلوا أن رجلاً صلى بلا وضوء ناسياً، فإنه لا يأثم لكنه يجب عليه أن يعيد الصلاة، وهو معذور لنسيانه، فلا تبرأ ذمته حتى يفعله.
وهذا القول هو أرجح الأقوال، وأن من ترك التسمية ذاكراً أو ناسياً فوضوءه باطل.
فإن كان فعل ذلك في مرات سابقة فإنه لا يجب عليه الإعادة للمشقة.
لكن إذا كان الوقت مازال حاضراً فإنه يعيد الوضوء والصلاة وكذلك التيمم والغسل ـ وهذا هو مذهب الظاهرية، (ثم رجح الشيخ وفقه الله قول الجمهور بالاستحباب) . ـ قال الإمام مالك: (حلق الشارب بدعه) ، وهذا إذا كان على وجه العبادة ـ أما إذا كان على غير وجه العبادة فإنه محرم للأمر بإحفائه؛ ولأنه من التشبه بالأعاجم.
ـ ذهب بعض الحنابلة إلى أنه إن كانت اللحية على صورة قبيحة قد يستهزأ به من أجلها فإنه يجوز تسويتها وهذا حسن لا بأس به، لأنه نادر، أما إذا كان تهذيباً فإن ذلك لا يجوز.

والحمد لله رب العالمين.

الدرس السابع عشر ... يوم الثلاثاء: 1/11/1414هـ

قال المؤلف ـ رحمه الله ـ: ((ويجب الختان ما لم يخف على نفسه)) : الختان: من أمور الفطرة، وقد ثبت في الصحيحين من حديث أبي هريرة: أن النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ قال: (الفطرة خمس: الختان والاستحداد وقص الشارب وتقليم الأظافر ونتف الإبط) (1) . وهذه اللفظة: (من الفطرة) لا تفيد وجوباً ولا استحباباً أي بالتنصيص.
وإنما تفيد أن هذا مشروع فقد يكون من الواجب وقد يكون من المستحب.
الختان: هو فعل الخاتن، وهو ما يسمى عندنا بـ: (الطهارة) : وهو قطع الجلدة فوق الحشفه.
ما حكمه؟.
قال المؤلف: (ويجب الختان) : وظاهره مطلقاً للذكر والأنثى وهذا مذهب جمهور أهل العلم.
فجمهور أهل العلم قالو: إن الختان واجب للذكر والأنثى واستدلوا: بما ثبت في مسند الإمام أحمد، وسنن أبي داود، أن النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ قال لمن أسلم: (ألق عنك شعر الكفر ثم اختتن) (2) فهذا أمر والأمر ظاهره الوجوب.
ـ ولأن في ذلك كشف عورة، ولا يجوز كشفها إلا إذا كان الفعل واجباً.
ـ وعن الإمام أحمد رواية: أنه واجب في الرجال دون النساء.
ـ ومذهب أبي حنيفة وهو رواية عن الإمام أحمد: أنه سنة مطلقاً للرجال والنساء، ودليل من قال بسنيته مطلقاً، وهو كذلك دليل من قال بوجوبه على الرجال دون النساء: ما رواه أحمد في مسنده أن النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ قال: (الختان سنة للرجال مكرمة للنساء) (3) . أما من قال بأنه سنة مطلقاً ـ أي لرجال والنساء ـ فإنه رأى أن لفظة (سُنَّة) ترادف الاستحباب.
ـ وأما من استثنى النساء عن السنية وأثبت الحكم للرجال، فإنه رأى أن لفظة: (سُنَّه) لا تفيد الاستحباب،وأن لفظة (مكرمة) تفيد الاستحباب.

لكن الحديث ضعيف فيه الحجاج بن أرطأة وهو ضعيف، على أن لفظة (سُنّة) لا تفيد الوجوب ولا تفيد الاستحباب بعينه، وإنما تدل على أن هذه طريقة النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ وإنما نريد بالاستحباب بعينه ما ينافي الوجوب فلا شك أن الأمر الذي يحكم بأنه سنة محبوب إلى صاحب الشريعة لكن هل هو واجب أم مستحب ـ يستحب من دليل آخر ـ وإلا فقد قال صلى الله عليه وسلم ـ في الصحيحين: (فمن رغب عن سنتي فليس مني) (1) فالسُّنَّة هي الطريقة.
بخلاف السُّنَّة عند الأصوليين فإنها: ما أمر به الشارع لا على وجه الإلزام، وهي ما ترادف المستحب والمندوب.
والقول الأول أرجحها وهو وجوب الختان مطلقاً على الرجال والنساء.
وهو ميزة المسلمين عن النصاري، فإن النصارى لا يختتنون، بخلاف اليهود فإنهم يختتنون، فالختان يتميز به المسلم وهو من شعار المسلمين،كما في حديث البخاري في قول هرقل: "إني أجد ملك الختان قد ظهر) . قوله: ((ما لم يخف على نفسه)) : كأن يكون رجلاً كبيراً شيخاً هرماً، فدخل في الإسلام فحينئذ: لا يجب عليه الختان إذا خشي على نفسه التلف، لأن الواجب يسقط عند العجز.
وعند خوف التلف، وقد قال تعالى: (فاتقوا الله ما استطعتم) ، وقال عليه الصلاة والسلام: (لا ضرر ولا ضرار) . ـ فإن قيل: متى يكون الختان؟ فالجواب: أما وقت وجوبه فهو البلوغ، فلا يجوز له أن يبلغ إلا وقد اختتن.
يدل على ذلك ما رواه البخاري عن ابن عباس: أنه سئل، مثل من أنت حين قبض النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ فقال: (أنا يومئذ مختون، وكانوا لا يختنون الرجل حتى يدرك) (2) أي حتى يناهز البلوغ.
فهذه سنة العرب، وهو أنهم لا يختنون حتى يدرك.
ـ فإن اختتن قبل ذلك فما الحكم؟.
الجواب: سئل الإمام أحمد عن ذلك فقال: (لا أدري لم أسمع فيه شيئاً) أي لم أسمع فيه سُنَّة صحيحه فحينئذ: يبقى على الأصل، فالأصل في الأشياء الحل ما لم يثبت دليل يمنع من ذلك.

ـ أما حكم الإختتان في اليوم السابع للمولود، ففيه روايتان عن الإمام أحمد: الرواية الأولى: الكراهية وهو قول الحسن البصري.
قالوا: لأنه فعل اليهود، فإنهم يختنون في اليوم السابع.
الرواية الثانية: أنه لا يكره وهو قول ابن المنذر، وقد قال ابن المنذر: (وليس مع من منع من الختان في اليوم السابع حجة) . ـ وقد ذكر شيخ الإسلام أن إبراهيم عليه السلام خَتَنَ إسحاق في يوم سابعه فكانت سنة في بنيه أي في بني إسحاق ومنهم اليهود.
وختن إسماعيل عند بلوغه فكانت سنة في بنيه.
فإذا ثبت هذا، فإن فعل اليهود يكون سنة إبراهيمية عن إبراهيم عليه السلام.
ـ والأظهر: أنه لا مانع من ذلك.
فإذن: لا تحديد لذلك، فلو اختتن في اليوم الأول أو الثاني أو السابع أو العاشر أو عند ذلك فلا بأس لكن لا يجوز أن يبلغ إلا وقد اختتن؛ لأنه حينئذ يكون مكلفاً، والختان واجب عليه، فلا يجوز له أن يبلغ ولم يختتن.
كما أن له أثراً في الطهارة ـ فحينئذ ـ: لا يحل له أن يبلغ إلا وقد اختتن أما قبل ذلك فلا بأس ولا حرج.
ـ الثاني: من أمور الفطرة: (الإستحداد) : وهو حلق العانة، وهذا مستحب بالإتفاق كما قال ذلك النووي.
ـ الثالث: من أمور الفطرة: (قص الشارب) وقد تقدم البحث فيه.
ـ الرابع: من أمور الفطرة: (تقليم الأظافر) ، وتقليم الأظاهر مستحب بالإتفاق.
ـ وهنا مسائل في تقليم الأظاهر: 1ـ المسألة الأولى: في كيفية تقليم الأظاهر: ذكر الحنابلة في المشهور عندهم أن طريقة تقليم الأظافر أن يبدأ بخنصر اليمنى ثم الوسطى ثم الإبهام ثم يأتي بعد ذلك البنصر ثم السبابة ثم يأتي إلى اليسرى: فيشرع بالإبهام ثم الوسطى ثم الخنصر ثم يعود إلى السبابة ثم إلى البنصر، وهذه صفة المخالفة.
ـ فإن قيل: فما الفائدة؟.
قالوا: الفائدة من ذلك أنه لا يصاب بالرَّمَد، فإذا فعل ذلك فإنه لا ترمد عيناه.
ـ فإن قيل: فما الدليل على ذلك؟

فالجواب: ما ينسب إلى النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ أو وضع عليه أو اختلق أنه قال: (من قلم أظفاره مخالفاً لم ير رمداً) (1) لكن الحديث لا أصل له، بل قال ابن القيم: (هذا من أقبح الموضوعات.
ـ فإن قيل: فما السنة في ذلك؟ فالجواب: أن السنة: التيامن فيبدأ بيده اليمنى ثم اليسرى، فقد كان النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ يعجبه التيمن في تنعله وترجله وطهوره وفي شأنه كله) (2) ، كما ذكر ذلك الشيخ عبد الرحمن بن سعدي.
2ـ المسألة الثانية: أنهم قالوا: يستحب أن يدفن قلامة أظفاره أو ما يأخذه من شعر.
وفي ذلك حديث رواه الطبراني بإسناد ضعيف جداً أن النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ: (كان يدفن أظفاره) (3) . ونص على استحبابه ذلك ـ أي دفن الأظافر وما يأخذ من شعره ـ الإمام أحمد، وقال: كان ابن عمر يفعله، وقد أسنده إلى ابن عمر، وفي بعض أسانيده العمري وهو ضعيف فإن ثبت ذلك عن ابن عمر كما ذكر ذلك الإمام أحمد واحتج به فإنه يكون مستحباً لفعل ابن عمر.
وقد وردت أحاديث صريحة عن النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ لكنها ضعيفه لا تثبت.
3ـ المسألة الثالثة: في اليوم الذي نُقَلِّمُ فيه الأظفار، روى البغوي أن النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ (كان يأخذ أظفاره وشاربه في كل جمعة) (4) ، لكن الحديث إسناده ضعيف جداً، لا يثبت عن النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ. الخامس: من أمور الفطرة: (نتف الإبط) . والسنة أن ينتفه نتفاً، فإن قدر على ذلك فإنه المتسحب، وإن لم يقدر على ذلك فحلقه فلا حرج في ذلك ونتف الإبط مستحب باتفاق أهل العلم.
إذن: أمور الفطرة كلها مستحبه عند أهل العلم سوى الختان فإنه واجب، وخالف في ذلك أبو حنيفة وكذلك على الراجح قص الشارب فإنه واجب خلافاً لجمهور العلماء.

ـ وقد ورد حديث في مسلم عن أنس بن مالك، قال: (وُقِّت لنا في قص الشارب وتقليم الأظافر ونتف الإبط وحلق العانة ألاّ نترك ذلك أكثر من أربعين يوماً) (1) . قال النووي ـ في بيان هذا الحديث ـ ومعناه: ((أنهم إذا لم يفعلوها في وقتها ـ أي مع كونها تحتاج إلى قص أو حلق أو نحوه ـ فإنهم لا يؤخرونها أكثر من أربعين يوماً، وليس معنى ذلك الإذن في التأخير مطلقاً، وهذا تأويل لكنه تأويل صحيح، لذا قال بعد ذلك: (وإنما الإعتبار بطولها وهذا يختلف باختلاف الأشخاص والأحوال)) . لأنه من المعلوم أن الحكم يدور مع علته وجوداً وعدماً، فلو أنها طالت بعد عشرة أيام، فهل نقول إنه يتركها أربعين يوماً مع أنها تحمل الأوساخ.
لكن المراد: أنه إذا تركها فلا ينبغي أن يتعدى أربعين.
اهـ

قوله: ((ويكره القَزَع)) : القَزَع: جمع قَزْعة، والقزعة هي: القطعة من السحاب، فإذا كان في السماء قطع من السحاب فيجمع على قزع.
والمراد به هنا: أن يحلق بعض رأسه ويترك بعضه الأخر سواء كان ما يحلقه مقدم رأسه أو مؤخره أو كان مبقياً لأعلاه آخذاً لجوانبه كما يفعله الأوباش والسفل ـ كما قال ابن القيم.
ـ والدليل على النهي: ما ثبت في الصحيحين أن النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ (نهى عن القزع) قيل لنافع: ما القزع؟ قال: (أن يحلق بعض رأس الصبي ويُترك بعضه) (2) . ـ وفي مسند أحمد وسنن أبي داود والنسائي بإسناد صحيح أن النبي ـ صلى الله عليه وسلم: (رأى صبياً قد حلق بعض شعره وترك بعضه فنهاهم النبي ـ صلى الله عليه وسلم عن ذلك وقال: (إحلقوه كله أو اتركوه كله) (3) . ـ وجماهير أهل العلم على أنه مكروه.
ولم أر أحداً صرح بتحريمه، وظواهر الأدلة تحريمه.
لا سيما إذا كان فيه تشبه، فإنه يكون واضح التحريم، وفي الحديث: (من تشبه بقوم فهو منهم) .

مسألة: لو أن رجلاً لم يختن حتى مات، فهل يختن بعد موته أم لا؟ الجواب: أنه لا يختن باتفاق أهل العلم؛ لأن الفائدة منه في الحياة وهذا قد مات.
ـ مناسبة ذكر النهي عن القزع في هذا الباب: أنه ذكر السواك ومناسبة أنه سُنة من سُنَن الوَضوء فذكر المسائل التي تشابهه، فهذا من باب ذكر المسألة مع ما يناسبها، فقد ذكر السواك وهو من أمور الفطرة كما ورد في مسلم ومسند أحمد، فذكر ما يشابهه من أمور الفطرة.
ـ ومن المعلوم أن هناك مسائل قد لا تنضبط في باب معين، فحينئذ تذكر في أبواب مختلفة عندما يذكر شيء يشابهها في الحكم معه.

والحمد لله رب العالمين.

الدرس الثامن عشر ... …الأربعاء: 2/11/1414هـ

قال المصنف ـ رحمه الله تعالى ـ: ((ومن سنن الوضوء السواك)) : يدل على ذلك ما ثبت في مسند أحمد وسنن النسائي بإسناد صحيح أن النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ قال: (لولا أن أشق على أمتي لأمرتهم بالسواك عند كل وضوء (1)) ، فهذا الحديث يدل على مشروعية السواك، وأنه ليس بواجب بدليل قوله: (لولا أن أشق على أمتي) . ـ فإن قيل: فهل يستحب له السواك قبل الوضوء أم أثنائه؟ فالجواب: صرح بعض الحنابلة ـ كما في كشاف القناع ـ أن المستحب أن يكون ذلك مع المضمضة، ودليل ذلك ما تقدم من حديث علي رضي الله عنه: وفيه أنه تمضمض وأدخل بعض أصابعه في فيه) أي يستاك ورفع ذلك إلى النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ وقد تقدم تضعيف هذا الحديث وأنه لا يثبت عن النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ.

ـ ولو قيل: إنه يستاك قبل الوضوء لكان قوياً، ودليل ذلك ما ثبت في مسلم عن ابن عباس، والحديث أصله في الصحيحين أنه بات عند النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ قال: فقام نبي الله من آخر الليل فخرج ثم نظر إلى السماء ثم قرأ هذه: (إن في خلق السموات والأرض.. إلى قوله: (فقنا عذاب النار) قال: ثم رجع إلى البيت فتسوك وتوضأ ثم قام يصلي، ثم اضطجع ثم قام فخرج ونظر إلى السماء فقرأ الآية، إي قوله: (إن في خلق السموات والأرض..، ثم رجع فتسوك فتوضأ، ثم قام يصلي) ، فلفظة: (فتسوك فتوضأ) ، ولفظة: (فتسوك وتوضأ) ظاهرهما أنه فعل التسوك قبل وضوئه.
فالأظهر: أنه يتسوك قبل وضوئه كما هو ظاهر حديث ابن عباس المتقدم.

قوله: ((وغسل الكفين ثلاثاً)) : وذلك مستحب باتفاق أهل العلم، قال الموفق: (بغير خلاف نعلمه) على أن المستحب أن يغسل كفيه ثلاثاً فهو مستحب باتفاق العلماء.
وهو ثابت في حديث عثمان ـ كما ثبت في الصحيحن: أنه دعا بوضوء فغسل كفيه ثلاثاً ثم تمضمض واستنشق واستنثر ثم غسل وجهه ثلاثاً ثم غسل يديه إلى المرفقين ثلاثاً ثم غسل رجليه ثلاثاً ثم قال: (هكذا رأيت رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ يتوضأ وقال: من توضأ نحو وضوئي هذا ثم صلى ركعتين لا يُحَدِّث فيهما نفسه غفر له ما تقدم من ذنبه) ، والمراد بغسل الكفين: أن يغسل يديه من أطراف الأصابع إلى الرُّسْغِ.

قوله: ((ويجب من نوم ليل ناقض للوضوء)) : تقدم هذا، وأنه هو مذهب الحنابلة وأنه هو الراجح وهو وجوب غسل الكفين لمن استيقظ من النوم خلافاً للجمهور.
قلت: مراد شيخنا بوجوبه ـ أي لمن أراد أن يغمس بده في الإناء وليس مطلقاً (أبو حافظ) .

قوله: ((والبداءة بمضمضة واستنشاق والمبالغة فيهما لغير صائم)) : ((البداءة بالمضمضة والاستنشاق)) : أي المستحب أن يبدأ بالمضمضة ثم الاستنشاق وأن يكون ذلك قبل غسل الوجه.
ودليل ذلك ما ثبت في مسلم أن النبي ـ صلى الله عليه وسلم (تمضمض ثم استنشق) فأتى بلفظة (ثم) التي تفيد الترتيب.
ـ وهل هذا الترتيب بين المضمضة والاستنشاق والترتيب بينهما وبين الوجه، هل هو واجب أم لا؟.
سيأتي الكلام على هذه المسألة، وأن مذهب الحنابلة الاستحباب.
ـ والمتسحب له أن يكونا ـ أي المضمضة والاستنشاق ـ من غرفه واحدة، لما ثبت في المتفق عليه من حديث عبد الله بن زيد أن النبي ـ صلى الله عليه وسلم: (تمضمض واستنشق ثلاثاً بثلاث غرفات) فهو قد تمضمض واستنشق ثلاثاً، وكان ذلك بثلاث غرفات فكل مرة بغرفة واحدة.
ـ والمتسحب أن يكون استنثاره بيده اليسرى، كما صح ذلك في سنن النسائي بإسناد صحيح.
والمضمضة هي: تحريك الماء في الفم.
والاستنشاق هو: إدخاله إلى الإنف.
والإستنثار هو: طرحه منه.
والأظهر أن المضمضة والاستنشاق تكون باليد اليمنى؛ لأنهما من التعبد لله، بخلاف الإستنثار فإنه إزالة أذى وإخراجه، فاستحب أن يكون ذلك بيده اليسرى.
ـ وقد روى أبو داود في سننه أن النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ كان يفصل بين المضمضة والاستنشاق) (1) أي يتمضمض بكف ثم يستنشق بكف آخر.
لكن الحديث فيه ليث بن أبي سليم وهو ضعيف، وقد قال ابن القيم: (لم يجىء في الفصل بين المضمضة والاستنشاق حديث صحيح البتة) . وقد ذكر صاحب الفتح حديثاً رواه ابن السكن من حديث عثمان وعلي وفيه أن النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ فصل بين المضمضة والإشتنشاق) ولم يذكر سنده، وسكت عنه الحافظ والقاعدة: أن ما سكت عنه الحافظ فإنه حسن عنده.
ولكن مع ذلك نكون متوقفين في هذا الحديث الذي سكت عنه، ولم يسق سنده لا سيما وأن ابن القيم ذكر أنه لم يجىء فيه حديث صحيح، ولا سيما أنه ثبت لنا أن النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ كان يتمضمض ويستنشق من كف واحدة.

قوله: ((والمبالغة فيهما لغير صائم)) : فالمستحب له أن يبالغ فيهما ـ أي المضمضة والاستنشاق ـ إن لم يكن صائماً لما روى الأربعة وأحمد من حديث لقيط بن صبرة أن النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ قال له: (أسبغ الوضوء وخلل بين الأصابع وبالغ في الاستنشاق إلا أن تكون صائماً) وقوله: (بالغ في الاستنشاق) : فيه أن السنة في الاستنشاق ومثله المضمضة المبالغة إن لم يكن صائماً.
والمبالغة في الاستنشاق ليست مجرد إدخال إلى الأنف بل هي أشد من ذلك بأن يجذب الماء بنفسه حتى يصل إلى أقصى أنفه.
ـ وأما المبالغة في المضمضة فهي أن يحرك الماء في أقاصي فمه، وقد يستدل عليها بقوله: (أسبغ الوضوء) . إذن: يستحب له أن يبالغ في المضمضة والاستنشاق ما لم يكن صائماً.
ـ وفي قوله: (أسبغ الوضوء) : فيه أن المشروع إسباغ الوضوء، وهو إتمامه وتوفيته وتكميله، فإن كان في الواجبات فهو واجب، وإن كان في المستحبات فهو مستحب.
ـ وهل من المشروع أن يزيد على المفروض بأن يغسل اليدين إلى العضدين أو المنكبين ويغسل الرجلين إلى الساقين، هل يستحب هذا أم لا؟ ـ قولان لأهل العلم: 1ـ فمذهب جمهور أهل العلم إلى أن ذلك مستحب واستدلوا: بما ثبت في الصحيحين أن النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ قال: (إن أمتي يأتون يوم القيامة غراً محجلين فمن آثار الوضوء من استطاع منكم أن يطيل غرته فليفعل) . وراوي هذا الحديث وهو أبو هريرة ثبت عنه ـ كما في مسلم ـ أنه غسل يديه حتى كاد أن يبلغ المنكبين وغسل رجليه حتى ارتفع في الساقين) فمذهبهم أنه يستحب أن يزيد على المفروض.
2ـ وذهب المالكية وهو روايه عن أحمد وهو اختيار شيخ الإسلام ابن تيمية وتلميذه ابن القيم وغيرهما من المحققين ـ ذهبوا إلى أن المستحب عدم الزيادة على المفروض بل يبقى على ما رود عن النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ. ـ وأجابوا عن هذا الحديث بأن لفظة: (من استطاع منكن أن يطيل غرته فليفعل) بأن هذه مدرجة من كلام أبي هريرة.

وقد ذكر الحافظ: أن هذا الحديث ورد عن عشرة من أصحاب النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ ليس في حديث واحد منهم ذكر هذه الجملة.
ـ وأن هذه الجملة لم يذكرها أحد من الرواة عن أبي هريرة إلا نعيم بن عبد الله المجمر، فثبت لنا أن هذا موقوف على أبي هريرة، فليس مرفوعاً.
فإذا ثبت هذا، فإنه قد خالف السنة، وقول الصحابي إذا خالفته السنة فليس بحجة، وقد ثبت في مسند أحمد وسنن أبي داود والنسائي ـ وهذا لفظ أبي داود ـ أن النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ توضأ ثلاثاً ثلاثاً ثم قال: (هكذا الوضوء فمن زاد أو نقص ـ وقوله نقص ـ في أبي داود دون غيره ـ فقد أساء وظلم) . وتكلم الإمام مسلم في لفظة: (أو نقص) ، وتأولها البيهقي بأن المراد أن ينقص عن القيام بغسل شيء من الأعضاء، وذلك لأن غسل الأعضاء مرة مرة أو مرتين مرتين ليس فيه حرج ولا بأس.
ـ وهذا القول ـ أي عدم الاستحباب ـ هو الراجح، ولم يثبت عن النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ أنه كان يزيد على المرفوع.
ـ أما ما ثبت في مسلم أن أبا هريرة كان يغسل يديه حتى يشرع في العضد، ويغسل رجليه حتى يشرع في الساق ويقول: (هكذا رأيت النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ يتوضأ) . فالجواب: أن هذا نحن نقول به، ولا ننكر ذلك، وذلك بأن يغسل يديه حتى يشرع في العضد أن بداية العضد؛ لأنه يكون قد تيقن من غسل المرفقين.
ومثل ذلك عندما يغسل رجليه فيدير الماء على الكعبين فإنه يكون قد شرع في الساق، وَغُسل الكعبين واجب وما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب.
ـ وقوله صلى الله عليه وسلم، في حديث لقيط بن صبرة: (وخلل بين الأصابع) . فيه أن المشروع أن يخلل بين أصابعه.
والتخليل: إدخال الشيء في خلل شيء آخر.
قال تعالى: (لأوضعوا خلالكم يبغونكم الفتنة) (1) أي لأسرعوا فيما بينكم في إبقاء الفتنة وبثها فيما بينكم.
فهذا فيه مشروعية تخليل الأصابع، ولفظه (الأصابع) عام في أصابع اليدين والرجلين.

وقد ورد هذا مصرحاً به فيما رواه الترمذي بإسناد حسن أن النبي ـ صلى الله عليه وسلم قال: (إذا توضأت فخلل بين أصابعك) (1) . أما تخليل أصابع اليدين فهو بأن يدخل أصابع كل يد في الآخر بمعنى يشبك بين أصابعه.
ـ وأما تخليل أصابع الرجلين، فقد ورد في الترمذي وابن ماجة بإسناد حسن أن النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ: (كان يخلل أصابع ـ وفي روايه يُدَلِّك ـ رجليه بخنصره) (2) . والأظهر: أن هذه الخنصر هي خنصر اليد اليسرى؛ لأن ذلك في الغالب يكون موضع قذر وأذى فاستحب أن يكون باليد اليسرى.
ـ إذن: يشرع له أن يخلل أصابعه.
فإذن ثبت له أن الماء لم يصل فإنه يجب عليه أن يفعل ذلك ـ أي التخليل.
ولكن هذا التخليل لمزيد الطهارة ولكمالها.
أما إذا ثبت له أن شيئاً من ذلك لم يصل إليه الماء، فإنه يجب عليه التخليل فيوصل الماء إلى هذا الموضع الذي لم يصل إليه الماء.

قوله: ((وتخليل اللحية الكثيفة والأصابع)) : تقدم الكلام على تخليل الأصابع.
أما تخليل اللحية، فقوله (الكثيفة) : قيد يُخْرِج اللحية الخفيفة وضابط الخفيفة: التي تتضح منها البشرة، فإذا كانت البشرة تتضح منها فيجب عليه تخليلها؛ لأنها ظاهرة من الوجه، والوجه يجب أن يغسل، كما قال تعالى: (فاغسلوا وجوهكم) (3) . ـ أما اللحية الكثيفة: فهي التي لا تتضح منها البشرة.
فأما ظاهرها فيجب غسله؛ لأنها ظاهرة من الوجه، وقد قال تعالى: (فاغسلوا وجوهكم) . ـ وأما باطنها فيستحب تخليله.
يدل على ذلك ما رواه الترمذي وغيره من حديث عثمان أن النبي ـ صلى الله عليه وسلم: (كان يخلل لحيته) وهذا الحديث له طرق كثيرة، حتى ذكر ابن القيم أنه قد ورد عن ثلاثة عشرة صحابياً، فالحديث ثابت وقد قال الإمام أحمد: (لم يثبت في تخليل اللحية شيء) . ـ لكن هذه الطرق الكثيرة تتظافر على إثباته.

ـ ولما لم ينقل نقلاً بيناً ظاهراً فإنه يستدل به على أن النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ لم يكن يديم ذلك.
لذا قال ابن القيم: (وكان النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ يفعله ولم يكن يداوم عليه) (1) . لأن أكثر الأحاديث في صفة وضوء النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ لم تنقل تخليل لحيته: (أنظر شرح البلوغ للشيخ ـ حفظه الله ـ فإن فيه حديثاً عن ابن عباس يدل على ذلك) . لذا ذهب جماهير العلماء إلى أن ذلك ليس بواجب ـ أي التخليل.
ـ وذهب طائفة من العلماء إلى أن ذلك واجب.
ـ والأظهر ما تقدم وهو مذهب جماهير أهل العلم (المالكية والأحناف والشافعية والحنابلة) ـ إلى أنه ليس بواجب.
ودليل استحبابه حديث عثمان المتقدم.
ـ وصفة التخليل: ما ورد في أبي داود بإسناد حسن أن النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ: (كان يأخذ كفاً من الماء فيدخله تحت حنكه ثم يخلل لحيته، ويقول: (هكذا أمرني ربي عز وجل) (2) . والحديث: إسناده حسن.
فإذن: تخليل اللحية الخفيفة واجب.
أما الكثيفة فهو مستحب تخليلها، أما غسل ظاهرها فهو واجب؛ لأنه من الوجه الذي يواجه به.
ـ وينبغي أن يكون هذا لما هو ظاهر منها في الوجه.
أما ما يكون على الحلق فإن إيجاب غسله موضع نظر ومع ذلك فالإحتياط أن يعمم ذلك.
قوله: ((والتيامن)) : لما ثبت في الصحيحين من حديث عائشة قالت: (كان النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ يعجبه التيامن في تنعله وترجله وطهوره وفي شأنه كله) (3) . وثبت في مسند أحمد وسنن الترمذي وابن ماجة وأبي داود بإسناد صحيح أن النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ قال: (إذا توضأتم فابدؤا بميامنكم) (4) . فهذا يدل على أن المشروع أن يبدأ بميامنه، وهو مستحب باتفاق أهل العلم.
ـ وليس هناك أحد من أهل العلم أوجب الإعادة في المخالفة.
فإذا غسل يده اليسرى قبل اليمنى فوضوؤه صحيح لكنه ترك المستحب والسنة.

قوله: ((وأخذ ماء جديد لأذنيه)) : هذا هو المشهور في مذهب الحنابلة وهو أن المستحب أن يأخذ لأذهيه ماء غير الذي أخذه لرأسه.
وهذا هو مذهب جمهور أهل العلم، واستدلوا: بما رواه البيهقي بإسناد صحيح أن النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ أخذ لأذنيه ماء غير الماء الذي مسح به رأسه) (1) . لكن الحديث شاذ، فقد رواه مسلم بسنده نفسه: (أن النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ مسح رأسه بغير فضل يديه) (2) . فالرأس عضو واليدان عضو آخر، وقد مسح النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـالرأس بغير فضل يديه، أما الأذنان فإنهما من الرأس، كما قال صلى الله عليه وسلم: (الأذنان من الرأس) (3) رواه أحمد وغيره، وسيأتي الكلام عليه إن شاء الله.
وقد روى أبو داود من حديث الرُّبيِّع بنت عفراء أن النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ مسح رأسه ما أقبل منه وما أدبر وصدغيه وأذنيه مرة واحدة) (4) وإسناده حسن.
وهذا القول رواية عن الإمام أحمد ـ أي أنه يمسح أذنيه بالماء الذي مسح به رأسه ـ وهو اختيار شيخ الإسلام ابن تيمية وتلميذه ابن القيم ـ وقد ضَعَّف ابن القيم الحديث واختار هذا القول طائفة من أصحاب أحمد كالمجد ابن تيمية والقاضي.
إذن: المستحب له أن يمسح أذنيه بماء رأسه فيأخذ ماء واحدا فيمسح به رأسه وأذنيه ـ هذا هو الراجح.

قوله: ((والغسلة الثانية والثالثة)) : هذه سنة من سنن الوضوء وهي الغسلة الثانية والثالثة فغسل اليدين المرة الثانية والثالثة مستحب، وأما الغسلة الأولى فهي فرض.
وغسل الوجه ثلاثاً، الغسلة الأولى فرض، أما الثانية والثالثة بهما فمستحبان.
وقد ثبت في البخاري عن ابن عباس: (أن النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ توضأ مرة مرة) (5) . وثبت في البخاري من حديث عبد الله بن زيد: (أن النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ توضأ مرتين مرتين) (6) .

وثبت في البخاري من حديث عثمان بن عفان: (أن ـ صلى الله عليه وسلم ـ: توضأ ثلاثاً ثلاثاً (1)) ورواه أيضاً أبو داود الذي تقدم ذكره أن النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ توضأ ثلاثاً ثلاثاً.
ـ وقد ثبت أنه توضأ فخالف، فقد ثبت في الصحيحين عن عبد الله ابن زيد أن النبي ـ صلى الله عليه وسلم: غسل يديه ثلاثاً وتمضمض واستنشق ثلاثاً ثم غسل وجهه ثلاثاً، ثم غسل يديه مرتين ثم مسح برأسه ثم غسل رجليه) . فهنا غَسَل الرجلين مرة وَغَسَلَ يديه مرتين وغَسَلَ بقية الأعضاء ثلاثاً ثلاثاً.
وكل ذلك سنة، على أن الأكثر في حاله هو أن يتوضأ ثلاثاً ثلاثاً.
والفرض إنما هو الغسلة الأولى، وما سواها فهو سنة.
ـ والذي ينبغي له أن يفعل هذا تارة وهذا تارة، وأن يكون غالب حاله الوضوء ثلاثاً ثلاثاً.
لأن ما ورد عن النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـفعله في صور مختلفة، فالسنة أن يفعل هكذا تارة وهكذا تارة.
فإذن السنة: أن يتوضأ مرة مرة، وكذلك مرتين مرتين وكذلك ثلاثاً ثلاثاً وكذلك أن يخالف.
فهذه من سنن الوضوء.

والحمد لله رب العالمين.

انتهى: (باب: السواك وسنن والوضوء) بحمد لله.

الدرس التاسع عشر ... السبت: 5 / 11/1414هـ

باب: ((فروض الوضوء وصفته)) : (فروض) : الفروض جمع فرض وهو في اللغة: القطع والحز.
أما اصطلاحاً: فهو ما أمر به الشارع على وجه الإلزام.
فإذن هو مرادف للواجب وهذا هو المشهور في مذهب الحنابلة وغيرهم بل هو مذهب جمهور الفقهاء والأصوليين.
ـ وذهب الإمام أحمد في رواية وهو مذهب أبي حنيفة إلى أن الفرض أكثر من الواجب، فالفرض عندهم: ما ثبت بدليل قطعي.
ـ فعلى القول الأول ـ وهو قول الجمهور ـ تسمى الصلاة فرضاً وكذلك الزكاة، وكذلك إعفاء اللحية يسمى فرضاً: أي سواء ثبت بدليل قطعي كالصلاة أو ثبت بدليل ظني كإعفاء اللحية ونحوها من الواجبات.
ـ أما على القول الثاني: فالصلاة تسمى فرضاً، لكن مثل إعفاء اللحية ونحوه يقال: واجب.

ـ وهذا في الحقيقة أولى؛ لأن هذا الإصطلاح ـ ولا مشاحة في الإصطلاح ـ فيه تمييز بين الواجبات نفسها.
فالأظهر هو القول بالتفريق بين الواجب والفرض، وهو رواية عن الإمام أحمد ومذهب أبي حنيفة.

قال المصنف ـ رحمه الله ـ: (فروضه ستة) : يريد بالفروض هنا: أركان الوضوء، وذلك لأن ما ذكره المؤلف من هذه الست كلها جزء من ماهية الوضوء، وجزء الشيء ركنه.

قوله: ((غسل الوجه)) : هذا هو الفرض الأول، ودليله قوله تعالى: (فاغسلوا وجوهكم) وهذا بالإجماع وسيأتي مزيد تفصيل له عند الكلام على صفة الوضوء.
قوله: ((والفم والأنف منه)) : أي المضمضة والاستنشاق، فعلى ذلك المضمضة والاستنشاق فرض؛ لأنهما من الوجه، فالوجه ما يواجه به وهذه الأعضاء تتم بها المواجهة كما تتم المواجهة ببقية أجزاء الوجه.
ـ وهذا الكلام فيه نظر، فالأظهر: أن الفم والأنف ليسا من الوجه حقيقة، وذلك لأنهما وإن كانا في الظاهر من الوجه لكن الذي يتم تغسيله إنما هو باطنهما ولا شك أن الباطن ليس مما يواجه به.
كما أنهم لم يوجبوا تخليل اللحية الكثيفة وأوجبوا غسل ظاهرها، مع أن اللحية مما يواجه به، فأوجبوا غسل ظاهرها؛ لأنه من الوجه ولم يوجبوا غسل باطنها وكذلك هنا: فالأنف والفم غسل ظاهرهما يجب بالإجماع.
ـ أما باطنهما، فالراجح هو ما ذهب إليه الحنابلة من وجوب المضمضة والاستنشاق لكن ليس للتعليل الذي ذكره وإنما للأدلة الشرعية الدالة على ذلك منها: ـ ما ثبت في الصحيحين أن النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ قال: (إذا توضأ أحدكم فليجعل في أنفه ماء ثم لينتثر) (1) فهو فيه إيجاب الاستنشاق لأمر النبي ـ صلى الله عليه وسلم والأصل في الأمر الوجوب.
ـ وأما المضمضة فدليلها: ما ثبت في سنن أبي داود بإسناد صحيح أن النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـقال: (إذا توضأت فمضمض) (2) فهذا أمر والأمر للوجوب.

ـ ولم يصح عن النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ حديث البته ـ كما ذكر ذلك غير واحد من أهل العلم ـ أنه ترك المضمضة والاستنشاق.
ـ وذهب جمهور أهل العلم إلى أن المضمضة والاستنشاق ليسا بواجبين وإنما سنتان.
قالوا: لأن الله ـ عز وجل ـ في الآية إنما أمر بغسل الوجه ولم يأمر بالمضمضة والاستنشاق، وقد قال صلى الله عليه وسلم: ـ كما في سنن أبي داود بإسناد صحيح: (توضأ كما أمرك الله) (1) ، وليس مما أمر الله به المضمضة والاستنشاق.
وفي هذا الإستدلال نظر، وذلك لأن ما يأمر به النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ إنما هو مثل ما يأمر به الله، كما أن ما يحرمه النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ مثل ما يحرمه الله ـ كما صح في الحديث، فقد أمرنا النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ بالمضمضة والاستنشاق، وداوم على ذلك ولم يصح عنه أنه ترك ذلك البتة، وقد أمرنا الله بمتابعته وسماع أمره، فعلى ذلك قوله: (توضأ كما أمرك الله) وقد أمرنا الله بطاعة رسوله، وقد أمر رسوله بالمضمضة والاستنشاق.
فالراجح: هو ما ذهب إليه الحنابلة من فرضية المضمضة والاستنشاق.

قوله: ((وغسل اليدين)) : وهذا هو الفرض الثاني ودليله قوله تعالى: (فاغسلوا وجوهكم وأيديكم إلى المرافق) (2) . وسيأتي تفصيل الكلام على ذلك عند صفة الوضوء.

قوله: ((ومسح الرأس)) : هذا الفرض الثالث وهو مجمع عليه وأنه من أركان الوضوء.

قوله: ((وفيه الأذنان)) : 1ـ أي أن الأذنين من الرأس، فيجب مسحهما كما يجب مسح الرأس، وهذا هو مذهب الحنابلة.
2ـ وذهب جمهور أهل العلم إلى عدم إيجاب ذلك، ورأوا أن مسح الأذنين من المستحبات المشروعات وليس من المفترضات الواجبات.
ودليل الحنابلة: ما روى عن النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ أنه قال: (الأذنان من الرأس) رواه أحمد وأبو داود من حديث أبي أمامة.
ورواه ابن ماجة من حديث أبي هريرة.

فصول الكتاب · 11 فصل · 298 صفحة
الانتقال إلى صفحة
فصول شرح زاد المستقنع للحمد · 298 صفحة
المقدمة
كتاب الزكاة
كتاب الصيام
كتاب المناسك
كتاب الجهاد
كتاب الوصايا
كتاب الوصايا
كتاب الفرائض
كتاب الطلاق
كتاب الحدود
كتاب الشهادات
جارٍ التحميل