- وهنا قال المؤلف (بعد ندائها الثاني) فدل على أن البيع بعد النداء الأول جائز، وهو كما قال، فإن الله تعالى قال ﴿إذا نودي للصلاة من يوم الجمعة﴾ والنداء لصلاة الجمعة عند نزول هذه الآية كان هو النداء الثاني، وأما الأول فإنما هو سنة عثمان - رضي الله عنه - للمصلحة الراجحة في عهده، ولم يكن على عهد النبي - صلى الله عليه وسلم -.
** أما إذا كان المتعاقدان ممن لا تلزمهما الجمعة فإن البيع صحيح، لكن لو أن امرأة باعت على من تلزمه الجمعة فالبيع باطل وهو محرم، لأنه تعاون على الإثم، وقد قال تعالى ﴿ولا تعاونوا على الإثم والعدوان﴾ ، فهي إذا باعته بعد نداء الجمعة الثاني فقد أعانته على المحرم، وهو محرم.
*** يستثنى من ذلك ما إذا كانت له إليه حاجة يلحقه الحرج بتفويته فهذا جائز، كمن اضطر إلى طعام أو شراب أو كسوة، أو اضطر أهل الميت إلى شراء كفن أو نحو ذلك، ويخشون على الميت إن تأخروا في شراء كفنه وحنوطه ونحو ذلك، فهذا جائز، لأن الضرورات تبيح المحذورات.
**** وظاهر قوله تعالى ﴿وذروا البيع﴾ البيع كله قليله وكثيره، فلا يستثنى من ذلك شيء، فالبيع كله محرم، وإن قل، ومن كان يسكن في بيت بعيد عن المسجد، ويحتاج إلى سعي قبل النداء، فإنه يحرم عليه البيع بقدر ما يحتاج إليه من السعي، فإن المسألة السابقة حيث كان يدرك ذكر الله من نداء الجمعة، فإذا سمع النداء فسعى أدرك الذكر الواجب - وهو الصلاة فقط أو الصلاة والخطبة -، أما هنا فإن بيته بعيد بحيث لا يستطيع إدراك الجمعة، وما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب.
***** مسألة: ما حكم البيع بعد الأذان في الصلوات الخمس؟ ظاهر كلام المؤلف جواز ذلك، والمسألة لها صور في المذهب.
1- الصورة الأولى: أن يكون ذلك مع تضيق وقت الصلاة بأن لا يبقى من الوقت إلا ما يسعها، مثلا يكفي لصلاة الظهر لإدراك ركعة خمس دقائق، فلو استمر في عقد البيع إلى أن تضيق الوقت بحيث لم يبق منه إلا ما يدرك به الصلاة فلا يجوز البيع والشراء في هذه الحالة، وهل يصح البيع أم لا؟ فيه وجهان، أصحهما أنه لا يصح لأنه كالمسألة السابقة في صلاة الجمعة.
2- الصورة الثانية: ألا يضيق الوقت، فالمشهور من المذهب جواز ذلك، والقول الثاني في المذهب وهو قول لبعض الحنابلة أن ذلك لا يجوز، وهو الأرجح، لأن الجماعة تفوت، فالصحيح أنه إذا نودي للصلاة فلا يجوز البيع والشراء، لأن البيع ذريعة إلى تفويت صلاة الجماعة، وهي واجبة، لكن البيع يصح لأن الأصل صحة البيع والقياس على الجمعة مع الفارق، فالجمعة آكد ولأن صلاة الجمعة تفوت بخلاف الجماعة.
فإن قيل: لماذا ذكر الله في الآية صلاة الجمعة فقط؟
فالجواب أنه لبيان القصة الواقعة وسائر الصلوات مثلها، فالراجح أنه ينهى عن البيع والشراء بعد الأذان مطلقا كما سبق.
قوله [ويصح النكاح وسائر العقود]
كالرهن والهبة وغيرها من العقود، فهي صحيح بعد نداء الجمعة الثاني، قالوا: لأن الله قال ﴿وذروا البيع﴾ فلم يذكر الله غيره، ولأن وقوع غيره وقوع قليل، فلا يكون ذريعة إلى تفويت ما يجب على المسلم من السعي لصلاة الجمعة، وقال بعض الحنابلة وبعض المالكية وغيرهم وهو القول الثاني في هذه المسألة: إن سائر العقود كالبيع، أي غير جائزة، وذلك لأنها مشغلة عن السعي الواجب، فأشبهت البيع، سواء كان وقوعها قليل أم كثير، فإن قلة وقوعها وكثرته لا يغير الحكم، وفيه مشغلة، فالنكاح وإن كان قليلا فإنه يشغل المرء عن تلك الصلاة المعينة، فهو وإن لم يكن ذريعة إلى ترك جميع الصلوات، لكنه كان ذريعة إلى ترك تلك الصلاة المعينة، وأما تنصيص الله تعالى على البيع دون غيره فلأن الواقعة التي نزلت لها الآية كان فيها البيع، فإنه لما أتت قافلة وذهب لها بعض الناس وتركوا الصلاة نزلت الآية، فالراجح أن سائرا العقود كالبيع، وذلك لأنها مشغلة عما يجب على المرء من الذهاب إلى الصلاة، فيحرم تعاطيها ولا يصح.
وقد يتساهل في بعض العقود التي لا تشغل عن صلاة الجمعة كعقد الهبة، لأنه لا يكون فيه انشغال عن الصلاة، فقد يفعله الإنسان وهو في المسجد.
قوله [ولا يصح بيع عصير ممن يتخذه خمرا] لا يصح بيع العصير كعصير العنب ممن يتخذه خمرا، فإذا علمت أن المشتري يصنع منه الخمر فلا يجوز لك، لقوله تعالى ﴿وتعاونوا على البر والتقوى ولا تعاونوا على الإثم والعدوان﴾ ، واختار شيخ الإسلام وهو قول في المذهب وصوبه صاحب الإنصاف وهو الراجح أن ذلك ليس متعلقا بالعلم، بل حتى بالظن، فإن ظن أنه يتخذه خمرا حرم البيع.
قوله [ولا سلاح في فتنة]
فإذا وقعت فتنة بين المسلمين كأن يقع قتال بين طائفتين على وجه الفتنة فإن بيع السلاح حرام، لأن هذا السلاح سيستخدم فيما لا يحل، وأما بيعه على الطائفة العادلة وطائفة الإمام فذلك جائز، لأن استخدامهم له استخدام مباح.
ويعلم مما سبق أن بيعه على قاطع الطريق أو على الفرقة الباغية أو على المسلمين عامة في قتال الفتنة محرم، لأن الله تعالى يقول ﴿وتعاونوا على البر والتقوى ولا تعاونوا على الإثم والعدوان﴾ ، وفي الطبراني لكن إسناده ضعيف أن النبي - صلى الله عليه وسلم - (نهى عن بيع السلاح في الفتنة) [سنن البيهقي 5 / 327، معجم الطبراني الكبير 18 / 137، مجمع الزوائد 4 / 87، 108] والحديث على ضعفه فإن قواعد الشريعة تدل عليه.
قوله [ولا عبد مسلم لكافر إذا لم يعتق عليه]
لا يجوز بيع العبد المسلم على الكافر لأن ذلك إذلال للعبد المسلم، واحتقار له، والذلة والصغار تكونان على الكفار، وقد قال تعالى ﴿ولن يجعل الله للكافرين على المؤمنين سبيلا﴾ ، فالمؤمن هو العزيز، والكافر هو الذليل.
واستثنى من ذلك ما إذا أعتق عليه، كأن يكون ذا رحم محرم، كأن يبيع العبد لأخيه الكافر، فإنك إذا بعته فإنه يعتق عليه، ويتبين من هذا أن هذا حيث يكون للمسلمين سلطة على هذا الكافر الذي سيشترى أخاه الرقيق، بحيث أنه يلزم كالذميين الذي يحكم فيهم بحكم الشريعة الإسلامية، فيجوز بيع العبد المسلم على الكافر إذا كان يعتق عليه، لأن في ذلك طريق إلى تحريره وإزالة الرق عنه، ومثل ذلك إذا علق الكافر إعتاق عبد فلان على ملكه له، فقال: إن ملكت عبد فلان فهو حر، فيجوز بيع العبد عليه لأن في ذلك تحريرا له من الرق، والخلاصة أنه لا يجوز بيع العبد المسلم على الكافر إلا إذا كان ذلك البيع طريقا لتحريره.
قوله [وإن أسلم في يده أجبر على إزالة ملكه ولا تكفي مكاتبته]
مثال ذلك: رجل كافر يملك عبدا كافرا، ثم أسلم هذا العبد وبقي السيد الكافر على كفره، فإنه يجبر على إزالة ملكه إما ببيع أو بهبة أو بإعتاق، والمقصود أنه لا يبقى تحت ملكه، لقوله تعالى ﴿ولن يجعل الله للكافرين على المؤمنين سبيلا﴾ ، ولأن في ذلك ذلة وصغار على هذا المسلم.
- وهل تكفي مكاتبته؟
قال المؤلف: لا تكفي مكاتبته، وذلك لأن المكاتبة مبقية لملك السيد عليه، فإن المكاتب رقيق وقن حتى يتم ما عليه من ثمن الكتابة، وقد يعجز فيعود قنا، وحتى إن لم يعجز فإنه عبد حتى يؤدي ما عليه.
** ولا يقر الكافر على بيع العبد المسلم بشرط الخيار، كأن يسلم العبد ثم يبيعه سيده الكافر بشرط الخيار ثلاثة أيام ونحوها، فهذا لا يجوز لأن الكافر بإمكانه فسخ العقد خلال الثلاثة أيام، بل عليه أن يبيعه بيعا تاما لا خيار فيه.
قوله [وإن جمع بين بيع وكتابة أو بيع وصرف صح في غير الكتابة ويقسط العوض عليهما] إذا جمع بين بيع وكتابة في صفقة واحدة، فقال لعبده: كاتبتك وبعتك بيتي هذا بعشرة آلاف، فلا يصح البيع، بل تصح الكتابة فقط، لذا قال المؤلف: صح في غير الكتابة، أي صح البيع في غير الصورة التي فيها البيع مع الكتابة، فلو جمع بين البيع والصرف، أو بين البيع والإجارة، أو بين البيع والنكاح صح الجميع، أما إن جمع بين البيع والكتابة فإن البيع غير صحيح، والكتابة تصح، قالوا: لأن هذا العبد رقيق له، وإنما وقعت الكابة أثناء عقد البيع، فالكتابة والبيع مقترنان، فلم تسبق الكتابة البيع، فكما لو باع على قنه فلا يصح فكذلك هنا، فالشرط عندهم أن تكون الكتابة سابقة، فلو قال: كاتبتك، وثبتت الكتابة، ثم قال: بعتك بيتي، صح لأنه أصبح مكاتبا، والمكاتب يصح أصل تصرفه بقيود، وإلا لما تمكن من سداد الدين الذي عليه من المكاتبة.
والقول الثاني في المسألة وهو الوجه الثاني في المذهب وقيل هو المنصوص عن الإمام أحمد أن ذلك جائز، وأن اقتران المكاتبة بالبيع لا تؤثر على البيع، فإنه أثناء البيع أصبح ممن يصح تصرفه في الجملة، قالوا: وهذا كقوله - صلى الله عليه وسلم -: (أعتقتك وجعلت عتقك صداقك) [خ 4200، م 1365] فإن الأمة لا صداق لها، وهي ملك سيدها، يطؤها من غير ما صداق، والنبي - صلى الله عليه وسلم - أصدقها وأعتقها في عقد واحد صحيح، فهنا كذلك، والراجح أن مثل هذه الصيغة صحيحة، فكما أن السيد يجوز أن يبايع مكاتبه بعد ثبوت الكتابة، فكذلك يجوز له أن يبايعه أثناء الكتابة، ومعلوم أن آثار البيع إنما تترتب بعده.
- وأما البيع والصرف فمثاله أن يقول: خذ هذا الدينار وأعطني هذه السلعة وخمسة دراهم، فهذا فيه بيع وصرف، وكلاهما صحيح.
وكذلك بيع وإجارة، كأن يقول: ابتعت منك هذا الرقيق وأؤجر عليك هذا البيت بعشرة آلاف، فهنا صفقة واحدة وهي صحيحة.
ومثل ذلك لو قال: أبيعك داري وأنكك ابنتي بكذا وكذا، فالبيع والنكاح كلاهما صحيح.
ومثله البيع والخلع، كأن تقول الزوجة: أخلع نفسي منك وأشتري هذا البيت بكذا، فالبيع والخلع صحيحان، فهذه الصور كلها جائزة، لأن الأصل في المعاملات الحل، ولا دليل يدل على المنع.
** على القول بعدم جواز الجمع بين البيع والكتابة تكون المسألة من مسألة تفريق الصفقة، التي تقدم شيء من صورها، والمراد من تفريق الصفقة أن بعضها يصح، وبعضها يبطل، فإذا قال: كاتبتك وبعتك هذه الدار بعشرة آلاف دينار، وقلنا إن البيع لا يصح كما هو المشهور من المذهب، فحينئذ نقسط الثمن على العبد وعلى الدار، فنقوم العبد والدار أولا، فلو قومنا العبد بخمسمائة دينار، وقومنا الدار بألف دينار، فنسبة العبد وقسطه هو الثلث، فتكون قيمة المكاتبة نحوا من ثلاثمائة وثلاثة وثلاثين دينارا، كما تقدم.
وقوله (ويقسط العوض عليهما) أي على البيع والكتابة، فيحذف قسط البيع لأنه باطل، ويبقى قسط الكتابة، كما تقدم.
قوله [ويحرم بيعه على بيع أخيه كأن يقول لمن اشترى سلعة بعشرة أنا أعطيك مثلها بتسعة وشراؤه على شرائه كأن يقول لمن باع سلعة بتسعة: عندي فيها عشرة]
هنا مسألتان، الأولى: بيعه على بيع أخيه، والثانية: شراؤه على شرائه، وكل ذلك محرم، لما ثبت في الصحيحين أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: (لا يبيع الرجل على بيع أخيه) [خ 2139، م 1412] فهذا نهي من النبي - صلى الله عليه وسلم - أن يبيع الرجل على بيع أخيه، والشراء بيع.
والحكمة من هذا النهي ما فيه من إثارة العداوة والبغضاء والضغائن بين المسلمين.
قوله [ليفسخ ويعقد معه] وذلك لبقاء الخيار في البيع، فما زال الخيار باقيا، سواء كان خيار المجلس كأن لم يتفرقا، ومثله خيار الشرط، فما زال الخيار باقيا بحيث يمكن لأحدهما أن يفسخ، فإذا أعطي البائع على هذه السلعة ثمنا أكثر، أو أعطي المشتري هذه السلعة بثمن أقل والخيار باق فإنه يفسخ البيع مع الأول، ويعقده مع الثاني، لقلة الثمن أو زيادته بالنسبة للبائع، وقال ابن رجب: يحرم مطلقا، سواء كان في زمن الخيارين أم لا، وهو قول ابن تيمية وابن القيم وهو الراجح، لما يترتب عليه من العداوة والبغضاء، ولأنه قد يحتال على الفسخ بطريقة ما.
قوله [ويبطل العقد فيهما] فالعقد باطل لأن الشارع نهى عنه، وما نهى عنه الشارع فإنه فاسد، فالنهي يقتضي الفساد.
- وأما حكم سومه على سوم أخيه، فهو محرم أيضا، ففي البخاري ومسلم أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: (لا يسم المسلم على سوم أخيه) [خ 2727، م 1408، واللفظ لمسلم] فدل هذا على أنه محرم، ولكن ليس مطلق السوم محرم، فإن من السوم ما هو جائز، وقد دلت الأدلة على جوازه، وهو ما إذا لم يركن أحدهما إلى الآخر، فلم يثبت الرضا الذي يتم بعده البيع، أما إذا ثبت الرضا وركن بعضهما إلى بعض وما بقي بينهما إلا العقد فإن السوم يكون محرما، فأما سومه على سوم أخيه قبل ثبوت الرضا وقبل ركون أحدهما إلى الآخر فهو جائز، وهو ما يسمى بالمزايدة، وقد اتفق العلماء على جوازه، وهو مشهور في عهد النبي - صلى الله عليه وسلم -.
** وإذا سام رجل سوما محرما، وثبت به البيع فهل يصح البيع أم لا؟
البيع صحيح، كما هو المشهور من المذهب، والفارق بين هذه المسألة والمسألة السباقة أن النهي في المسألة السابقة يعود إلى ذات العقد، وأما هنا فإنه يعود إلى أمر آخر خارج عنه.
*** هنا مسائل: المسألة الأولى: أنه لا يجوز أن يبيع حاضر لباد، والمراد بالبادي من هو من خارج البلدة سواء كان حضريا أم بدويا، فمن أتى من خارج البلدة فلا يجوز لأحد من داخل البلدة أن يكون سمسارا له، يبيع له، لقوله - صلى الله عليه وسلم -: (لا تلقوا الركبان ولا يبع حاضر لباد) فقيل لابن عباس ما قوله (ولا يبع حاضر لباد) قال:" لا يكون له سمسارا " رواه البخاري ومسلم [خ 2158، م 1521] . وعلة هذا مصلحة أهل السوق، فإن أهل السوق عندما يأتي أحد من خارج بلدتهم فإن بيعه يكون أرخص من البيع الذي يكون بين أهل البلدة، فيكون في هذا سعة لهم، ولهذا قال النبي - صلى الله عليه وسلم - فيما ثبت عنه في مسلم: (لا يبع حاضر لباد، دعوا الناس يرزق الله بعضهم من بعض) [م 1522] . - ويحرم ذلك بخمسة شروط، ويبطل البيع كذلك:
1- أن يقدم البادي بسلعته للبيع، فإن قدم لغير البيع كأن يقدم لاحتكارها أو لأكلها أو لإهدائها ونحو ذلك فلا بأس أن يكون الحاضر له سمسارا، وذلك لأن المصلحة في ذلك لأهل السوق، ولأهل البلد، فإنه لم يأت للبيع، فإذا أتي أحد من أهل البلدة وأقنعه بالبيع فإن في ذلك مصلحة لأهل السوق.
2- أن يبيعها بسعر يومها، أي أن يكون مراده بيعها بسعر يومها، أما إذا كان هذا البادي يريد أن يبيعها بأكثر من السعر أو يريد أن يتربص بها حتى يكون لها السعر المناسب فحينئذ يكون قد احتاط لنفسه فلا بأس والحالة هذه أن يكون هناك من الحضر واسطة بينه وبين الناس في بيعها، وذلك لأنه احتاط لنفسه فهو لا يريد أن يبيعها بأي سعر، بل يريد بيعها بالسعر المناسب.
3- أن يكون جاهلا بالسعر، أما إذا كان عالما عارفا بأسعار السلع فإن توسط أحد الحاضرين بينه وبين الناس جائز، وذلك لأنه وسيط لا يؤثر.
4- قالوا: أن يقدم الحاضر إليه، فإذا قدم هذا البادي على الحاضر وطلب منه أن يكون سمسارا فإن ذلك جائز، لأنه يكون بذلك قد احتاط لنفسه، وفي هذا نظر فإن الحديث المتقدم ينهى عن ذلك، فالراجح أنه ليس له ذلك لدخوله في عموم النهي المتقدم، وقد يرجح قول الحنابلة ما سيأتي من وجوب النصح للبادي إذا استنصح الحاضر.
5- قالوا: أن يكون بالناس حاجة للسلعة التي معه، فإن كانت من السلع التي لا يحتاج الناس إليها، وليست من أقواتهم فيجوز أن يكون سمسارا، ولم يذكر الإمام أحمد - كما قال الحنابلة - هذا الشرط، والحديث يخالفه فإن الحديث عام.
فالشروط عند الحنابلة للتحريم والبطلان خمسة، وتقدم أن الشروط الراجحة ثلاثة شروط، وأما الشرطان فعموم الحديث يدل على عدم اعتبارهما، والمعنى يدل على ذلك فإن قوله - صلى الله عليه وسلم -: (دعوا الناس يرزق الله بعضهم بعضا) يدل على عدم اعتبار هذين الشرطين
** وهنا فرعان:
الفرع الأول: هل يجوز أن يشتري الحاضر للبادي؟
1- قال الحنابلة يجوز ذلك، وذلك لأن النهي إنما ورد في البيع.
2- ونقل عن الإمام أحمد وهو قول طائفة من التابعين كمحمد بن سيرين أن ذلك منهي عنه، ودليل ذلك ما رواه أبو عوانة في صحيحه - كما في الفتح - عن محمد بن سيرين قال: سألت أنس بن مالك فقلت له: لا يبع حاضر لباد، أنهيتهم أن تبيعوا أو تشتروا لهم؟ قال: نعم، أي نعم نهينا أن نبيع أو نبتاع لهم، فيكون الشراء منهي عنه أيضا، ولأن الشراء داخل في معنى البيع كما تقدم، ولأن المعنى أيضا ثابت وهو قوله - صلى الله عليه وسلم -: (دعوا الناس يرزق الله بعضهم من بعض) .
والصحيح أنه لا يجوز للحاضر أن يشتري للباد إذا توفرت الشروط المتقدمة، أما إذا كان عالما بالسعر محتاطا لنفسه فإنه يجوز له أن يكون سمسارا له كما تقدم في شروط التحريم.
الفرع الثاني: هل يجوز أن يشير على البادي؟
قالوا: إن استشاره فيجب عليه أن يشير عليه، لقوله - صلى الله عليه وسلم -: (وإذا استنصحك فانصحه) [م 2162] وهذا ظاهر، فإنه إذا استشار فقد احتاط لنفسه وواجب حينئذ أن ينصح له.
- وهل يجب عليه أن ينصحه من غير استنصاح؟
في المسألة نظر، قال صاحب الفروع:" ويتوجه النصح " لقوله - صلى الله عليه وسلم -: (الدين النصيحة) [م 55] والراجح خلاف هذا، لأن النبي - صلى الله عليه وسلم - إنما نهى أن يبيع الحاضر للبادي أو يشتري له ليرزق الله بعض الناس من بعض، ولا شك أن النصيحة له تقوم مقام البيع والشراء له، ويمكن أن يقوي هذا الدليل شرط الحنابلة الذي تقدم ذكره، وهو جواز البيع له والشراء إذا قدم هو على الحاضر، فإنه حينئذ يكون قد احتاط لنفسه، فكما لو استنصح فيجب له النصح.
المسألة الثانية:
وهي عند قوله - صلى الله عليه وسلم -: (لا تلقوا الركبان) ، والركبان: هم الذين يجلبون السلع إلى أهل البلد من غير أهلها، ولا يجوز لأحد من أهل السوق أن يتلقاهم خارج السوق فيشتري منهم أو يبيع لهم أيضا، لحديث (لا تلقوا الركبان) ، وهذا لمصلحة الركبان، فقد يكون الثمن في السوق أقل من الثمن الذي بيع عليهم، وقد يكون الثمن في السوق أكثر من الثمن الذي اشتري به منهم، فلم يتركوا حتى ينظروا في سعر السوق، فكان ذلك محرما.
ولكن البيع يصح مع خيار الغبن، فهم إذا قدموا السوق فهم بالخيار، فإن ثبت الغبن عليهم فهم بالخيار، إن شاءوا فسخوا البيع، وإن شاءوا أبقوه، لحديث مسلم: (لا تلقوا الجلب فمن تلقى فاشترى منه فإذا أتى سيده السوق فهو بالخيار) [م 1519] أي إذا أتى صاحب السلعة السوق فهو بالخيار إن شاء أمضى وإلا فسخ.
والنهي عن تلقي الركبان ما لم يصلوا إلى السوق فإذا وصلوا إلى السوق فيجوز أن يتلقاهم في أعلى السوق، لأن غاية النهي هو دخلوهم السوق، لقوله - صلى الله عليه وسلم - كما في حديث ابن عمر: (لا تلقوا السلع حتى يهبط بها أصحابها إلى السوق) [خ 2165] .
المسألة الثالثة:
وهي مسألة التسعير، فلا يجوز للسلطان أن يسعر على الناس، وهو ظلم، وقد قال - صلى الله عليه وسلم - فيما رواه الخمسة إلا النسائي بإسناد صحيح لما قال بعض الصحابة: يا رسول الله غلا السعر فسعر لنا، فقال - صلى الله عليه وسلم -: (إن الله هو المسعر القابض الباسط الرزاق وإني لأرجو أن ألقى الله تعالى يوم القيامة وليس أحد منكم يطلبني بمظلمة دم ولا مال) [حم 11400، ت 1314، د 3451، جه 2200] ، فهذا يدل على تحريم التسعير، وأنه ظلم.
ولكن هل يستثنى من ذلك ما إذا غلت الأسعار غلاء فاحشا يضر بالناس؟
الجواب: ذهب بعض الشافعية إلى استثناء التسعير حينئذ، وأنه جائز، فيجوز للحاكم أن يتدخل فيما إذا غلت الأسعار غلاء فاحشا بحيث يتضرر بذلك عامة الناس، لقول النبي - صلى الله عليه وسلم -: (لا ضرر ولا ضرار) [جه 2340، 2341] ولأن في ذلك مصلحة عامة، بل دفع لمفسدة عامة، وإن ترتب على ذلك فوات مصلحة خاصة، فإن التسعير فيه فوات مصلحة خاصة، وأما الغلاء الفاحش فإن فيه مفسدة عامة، ودفع المفسدة العامة أولى من جلب المصلحة الخاصة، وكذلك تحمل المفسدة الخاصة أولى من تحمل المفسدة العامة، وهذا القول هو الصحيح.
قال ابن القيم: وجماع الأمر أن مصلحة الناس إذا لم تتم إلا بالتسعير سعر لهم تعسير العدل.
المسألة الرابعة:
مسألة الاحتكار، والاحتكار: هو أن يدخر السلعة حتى يغلو ثمنها فيبيعها، وهو محرم لقول النبي - صلى الله عليه وسلم - كما ثبت في مسلم من حديث معمر بن عبد الله: (لا يحتكر إلا خاطيء) فقيل لسعيد فإنك تحتكر، قال سعيد: فإن معمرا الذي كان يحدث هذا الحديث كان يحتكر.
[م 1650]
- قال الحنابلة ويحرم الاحتكار بثلاثة شروط: 1- الشرط الأول: أن يكون المحتكر قوتا، فإن كان المحتكر غير قوت فيجوز ذلك، قالوا:لأن سعيد بن المسيب وهو الراوي عن معمر كان يحتكر النوى - أي نوى التمر - والخبط - وهو علف الدواب - والبذر - أي بذور النبات -، وفي المسند أن سعيد بن المسيب كان يحتكر الزيت، قالوا: ولا يعقل أن هذا الإمام يخالف روايته إلا وأن هذا خارج عن روايته، وقد ثبت أن معمر بن عبد الله كان يحتكر، قالوا:فدل هذا على أن المحتكر الممنوع احتكاره إنما هو القوت، وذهب أبو يوسف صاحب أبي حنيفة وهو اختيار الشوكاني إلى ذلك محرم، وهذا هو الراجح لعموم قوله - صلى الله عليه وسلم -: (لا يحتكر إلا خاطيء) ، وأما الجواب عن فعل معمر بن عبد الله وسعيد بن المسيب فيتضح في الشرط الثاني الذي اشترطه الحنابلة.
2- الشرط الثاني: ألا يكون للناس في المحتكر حاجة، وعلى هذا يحمل احتكار معمر واحتكار سعيد، وأن احتكارهما ليس في الناس حاجة إليه، فلا يتضرر الناس باحتكارهما، فيجوز للشخص أن يحتكر القوت وغيره إن لم يكن للناس فيه حاجة، إذ لا ضرر على أهل السوق في ذلك، وهذا الشرط واضح وصحيح، ويدل عليه فعل معمر وفعله يخصص ما رواه، ورأي الصحابي ولا سيما راوي الحديث أو فعله مما يخصص روايته، كما أن المعنى يدل على ذلك، إذ لا ضرر في احتكار ما يحتاج إليه الناس سواء أكان من أقواتهم أم من غيرها
3- الشرط الثالث: أن يشتريه من البلد، فإذا جلبه من خارج البدل أو صنعه بنفسه أو كان هذا من مزرعته فإن هذا جائز، واستدلوا بما رواه ابن ماجة أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: (الجالب مرزوق والمحتكر خاطيء) [جه 2153، فيه علي بن سالم بن ثوبان، وعلي بن زيد بن جدعان، وكلاهما ضعيف] والراجح خلاف ما ذكروه، فإن الحديث
أولا: ضعيف.
ثانيا: لا فرق بين احتكار ما لم يجلب واحتكار ما يجلب من خارج البلد، فما دام أن في الناس حاجة إلى ذلك ففي احتكاره تضييق عليهم، وعلى يظل قوله - صلى الله عليه وسلم -: (لا يحتكر إلا خاطيء) على عمومه، فإن الصور التي استثناها الحنابلة داخلة في عموم النهي، فليس لأحد أن يحتكر شيئا وإن جلبه من خارج البلد، لأنه بذلك قد قدم المصلحة الخاصة على المصلحة العامة.
قوله [ومن باع ربويا بنسيئة واعتاض عن ثمنه ما لا يباع به نسيئة] قوله (من باع ربويا بنسيئة) كأن يبيع طنا من قمح بألف ريال إلى سنة، فهذا بيع جائز، والربوي هو البر، وبيع البر بالدراهم والدنانير جائزة، فهنا باع كذا صاع من بر بكذا من الدراهم إلى أجل معلوم.
قوله (واعتاض عن ثمنه ما لا يباع به نسيئة) بأن قال لما حل الأجل أعطني بدل الدراهم شعيرا أو برا أو تمرا أو غير ذلك، فهذا لا يجوز، لأنه ذريعة إلى الربا، وهو بيع البر بالبر نسيئة، والذريعة إلى المحرم محرم، وهذا هو المشهور من المذهب.
وقال الموفق يجوز مطلقا ما لم يكن حيلة على الربا.
وقال شيخ الإسلام يجوز عند الحاجة أما عند عدم الحاجة فلا يجوز، أما كونه لا يجوز عند عدم الحاجة فلأجل سد الذرائع الموصلة إلى الربا، وأما كون يجوز عند الحاجة فلأن الشريعة قد أتت لنفي الحرج ورفعه، والقاعدة كما ذكر ابن القيم أن ما حرم تحريم سد الذرائع فإنه يجوز عند الحاجة إليه، لأن تحريمه ليس تحريما أصليا، وإنما لكونه ذريعة إلى غيره، وحيث احتيج إليه فإن تحريمه يزول حينئذ.
وهذا هو أصح الأقوال، وهذا ما لم يكن تواطؤ منهما أو احتيال 1 .
قوله [أو اشترى شيئا نقدا بدون ما باع به نسيئة لا بالعكس لم يجز] مثاله: اشترى فرسا بألف دينار نقدا، كان قد باعها على هذا البائع سابقا بألف وخمسمائة دينار نسيئة، فهذا لا يجوز، فإذا اشترى شيئا نقدا بدون ما باعه به نسيئة فهذا لا يجوز، وهو مذهب الجمهور خلافا للشافعية، وهذا هو بيع العينة.
وفي مسند أحمد وسنن الترمذي والنسائي بإسناد صحيح أن النبي - صلى الله عليه وسلم -: (نهى عن بيعتين في بيعة) [حم 9301، ت 1231، 1309، ن 4632]
ولأبي داود: (من باع بيعتين في بيعة فله أوكسهما أو الربا) [د 3461] أي إما أن يأخذ رأس ماله، أو الربا.
وفي سنن أبي داود والحديث صحيح أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: (إذا تبايعتم بالعينة وأخذتم أذناب البقر ورضيتم بالزرع وتركتم الجهاد في سبيل الله سلط الله عليكم ذلا لا ينزعه حتى ترجعوا إلى دينكم) [د 3462] فهذه هي صورة بيع العينة، أن يبيع الشيء إلى سنة بكذا - أي نسيئة - ثم يشتريها قبل السنة بأقل من الثمن الذي باعه به، فأصبحت السلعة حيلة فيها للوصول إلى عقد ربوي محرم، فكأنه أعطاه ألف دينار، على أن يردها عليه ألفا وخمسمائة، فالسلعة غير مقصودة لذاتها.
ولذا قال ابن عباس كما روى ذلك الحافظ محمد بن عبد الله كما في تهذيب السنن أن ابن عباس سئل عن رجل باع حريرة بمائة واشتراها بخمسين، أي باعها بمائة مؤجلة واشتراها بخمسين حاضرة، فقال:" دراهم بدراهم وقعت بينهما حريرة ".
وقال أيوب رحمه الله كما في كتاب الحافظ محمد بن عبد الله كما في تهذيب السنن:" يخادعون الله كما يخادعون الصبيان لو أخذه على جهته كان أسهل ".
وروى الدارقطني والبيهقي بإسناد حسن وقد حسنه غير واحد من أهل العلم وقال فيه ابن القيم إنه محفوظ عن زوج أبي إسحاق السبيعي أنها دخلت على عائشة، فدخلت أم ولد لزيد بن أرقم فقالت: إنها باعت غلاما لها على زيد بن أرقم بثمانمائة درهما نقدا، ثم اشتريتها منه بستمائة دراهم نقدا،، فقالت عائشة:" بئسما اشتريت وبئسما شريت، أخبري زيد بن أرقم أن جهاده مع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قد بطل إن لم يتب " [سنن البيهقي 5 / 330، سنن الدارقطني 3 / 52] والأثر إسناده حسن، فهذه بيعة العينة.
- وقوله - صلى الله عليه وسلم -: (فله أوكسهما أو الربا) دليل على أنها بيعتان، خلافا لما ذهب إلى الشافعي من أن صورة بيع العينة أن يقول أبيعك هذه السلعة بكذا وكذا نسيئة، أو بكذا وكذا نقدا، فيتفرقان قبل أن يعينا أحد الثمنين، وحمله الشافعي على أن يقول: بعتك هذا العبد بألف دينار حالة أو بألفين إلى سنة، قد وجب لك البيع بأيهما شئت أنا أو شئت أنت.
وهذه في الحقيقة أولا: بيعة واحدة وليست بيعتين، ثانيا: هذه الصورة ليس فيها ربا، وقد قال: (فله أوكسهما أو الربا) ، وإنما هي بيعة جهالة، فالثمن غير معلوم.
وكذلك يقال في قول سماك وهو من رواة هذا الحديث:" أن يبيع الرجل مع الرجل فيقول: هو علي نساء بكذا وكذا، ونقدا بكذا وكذا " فهذا فيه ما في القول المتقدم، فإن هذه صفقة واحدة، وبيع العينة بيعتان في بيعة.
أما إن باع السلعة نسيئة بأكثر من ثمنها نقدا فلا حرج فيه اتفاقا.
1 ** فإن تواطآ على بيع العينة فالبيع كله باطل، البيعة الأولى، والبيعة الثانية، كأن يقول أبيعك هذه السيارة بثلاثين ألفا إلى سنة، وأشتريها منك غدا بخمسة وعشرين ألفا، فالبيعة الأولى والثانية كلاهما باطل، لأنهما محرمتان جميعا، وما نهى عنه الشارع فهو فاسد، فإن لم يتواطئا على ذلك، فالبيعة الأولى صحيحة، قال شيخ الإسلام إنه قول عن أحمد، ومثال ذلك: رجل باع سيارة على الآخر بثلاثين ألفا إلى سنة، ثم اشتراها منه من غير تواطؤ منهما ولا اتفاق بخمسة وعشرين ألفا، فالبيعة الثانية باطلة لنهي الشارع عنها، وأما الأولى فهي صحيحة، إذا لا دليل على إبطالها.
*** صور بيع العينة ما ذكره ابن القيم في تهذيب السنن فقال:" والصورة الرابعة للعينة وهي أخت صورها أن يكون عند الرجل المتاع لا يبيعه إلا نسيئة، فإن باعه بنقد ونسيئة جاز، وهو نص الإمام أحمد " وهذا ما يقع فيه كثير من الناس، مثل أن يشتري سيارة ولا يفكر أن يبيعها نقدا بل نسيئة، فهذا من صور العينة، وباين هذا أن صاحب البيع النسيئة فقط قصده الثمن فلا قصد له في السلعة أصلا، فهو يتوصل بهذه السلعة ليبيع المال أو الدراهم بأكثر منها، وأما صاحب النقد والنسيئة فهو تاجر من التجار، قال ابن عقيل معلالا نص الإمام أحمد على هذه المسألة:" وهذا لمضارعته الربا فإنه يقصد الزيادة غالبا "، وذكر شيخ الإسلام أن مثل هذا البيع وهو ألا يبيع الإنسان إلا نسيئة أنه بيع على أهل الضرورة والحاجة، فإن هذه السلعة لا يشتريها في الغالب إلا من يتعذر عليه النقد، وهم أهل الضرورة والحاجة، وأما من يبيع نقدا ونسيئة فهو تاجر من التجار وهو يبيع على الناس عامة، المضطر منهم وغير المضطر، وقد روى أبو داود في سننه بإسناد في جهالة أن النبي - صلى الله عليه وسلم -: (نهى أن يباع على المضطرين) [حم 939، د 3382] فهذه الصورة على الراجح من صور العينة المحرمة.
**** مسألة التورق.
ومسألة التورق تخالف بيع العينة، بأن المشتري لا يبيعها على بائعها الأول، بل يبيعها على شخص آخر، وصورتها: أن يحتاج رجل إلى دراهم، فيشتري سلعة بنسيئة إلى سنة بأكثر من ثمنها نقدا، ثم يبيعها على غير البائع الأول لأنه إذا باعها على الأول فهي بيع العينة، وقد اختلف العلماء في هذه المسألة على قولين هما روايتان عن الإمام أحمد:
الرواية الأولى: وهي المشهور عند الحنابلة وهو قول الجمهور أن ذلك جائز، قالوا: لأن الأصل في المعاملات الحل، لقول الله تعالى ﴿وأحل الله البيع وحرم الربا﴾ ، فهذا بيع والأصل في الحل.
الرواية الثانية: وهي التي اختارها شيخ الإسلام ابن تيمية وهو قول عمر بن عبد العزيز أن ذلك محرم، قال شيخ الإسلام: لأن الأمور بمقاصدها، فهو لم يشتري السلعة إلا قاصدا للثمن، قال رحمه الله:" إذا أتى الطالب ليأخذ دراهم بدراهم أكثر منها - أي هذا هو مقصده - وأعطاه الآخر فهو ربا ولا شك في تحريمه، بأي طريق كان، لأن الأعمال بالنيات وإنما لكل امريء ما نوى "، وروجع رحمه الله مرارا - كما ذكر ذلك ابن القيم - وهو يقول بالتحريم ويأبى أن يقول بالحل.
وما ذهب إليه قول قوي، فإن ذلك ذريعة إلى الربا المحرم، وهذا المشتري للسلعة لم يقصدها بل قصد الثمن، ولا عبرة بالأشياء الظاهرة، وإنما العبرة بالمقاصد والنيات وهو قصده الثمن، وهي ذريعة لفتح الباب المتقدم، فالأظهر ما اختاره شيخ الإسلام وأن التورق محرم خلافا للمشهور عند الحنابلة، وذلك لأن الأمور بمقاصدها ولا عبرة بالظاهر.
وقوله (لا بالعكس) : تقدمت صورة بيع العينة، وهي أن يبيع الشيء بنسيئة ثم يشتريها نقدا بأقل من ثمن المبيع، وقال هنا لا بالعكس، فعكس هذه المسألة يجوز، والعكس له صورتان:
الصورة الأولى: وهي أن يبيع الشيء نقدا ثم يشتريه نسيئة بأكثر، مثاله: رجل عنده دار، واحتاج إلى دراهم، فقال لرجل أبيعك هذه الدار بخمسين ألفا نقدا، على أن أشتريها منك بسبعين ألفا نسيئة، فظاهر كلام المؤلف جواز هذا، وهذا ضعيف جدا، وهو مروي عن أحمد أنه يجوز بلا حيلة، والصحيح التحريم، وهو المشهور عند الحنابلة، وهو اختيار ابن القيم، لأنه لا فرق بين هذه الصورة وصورة العينة المتقدمة إلا باللفظ، فلا وجه للقول بجوازها.
الصورة الثانية: وهي الصور الثانية للعكس المذكور، وهي جائزة كما قال المؤلف، وهي إذا باع الشيء نسيئة إلى سنة بعشرة آلاف، ثم اشتراها نقدا بعد شهر أو شهرين بعشرة آلاف أو أحد عشر ألفا، فهذه لا وجه للقول بتحريمها، فهي جائزة، وليس فيها حيلة على الربا، ومثال آخر: باع سيارته بنسيئة إلى سنة، ثم رغبتها نفسه فاشتراها بأكثر من ذلك أو بمثله فهذا جائز ولا إشكال فيه.
قوله [وإن اشتراه بغير جنسه..... جاز]
مثاله: رجل باع سيارة إلى سنة بثلاثين ألف ريال، ثم اشتراها بعد ستة أشهر بعشرة آلاف دولار، فهنا يجوز، وهذا على القول بان جنس الريالات غير جنس الدولارات.
وصورة أخرى: باعها بثلاثين ألف ريال إلى سنة، ثم اشتراها بعد ستة أشهر بكذا طن من القمح، فيجوز، بل قال الموفق: لا أعلم خلافا في جوازها، بمعنى باع الشيء نسيئة، ثم اشتراه بعد ذلك بعرض، فهذا جائز، أما الصورة الأولى فاختار الموفق التحريم، وأنه لا يجوز وهذا هو الظاهر، لأنه باع الشيء نسيئة بدراهم واشتراه بدنانير، وليس هناك فرق بين الدراهم والدنانير، فأحدهما يقوم مقام الآخر، فهما أثمان للأشياء، ويتوجه في الصورة الثانية إن لم يكن فيها إجماعا التحريم إذا كانت قيمة العرض أقل من ثمن النقد، فإنه لا وجه للقول بجوازه، ومثاله: باعه السيارة بثلاثين ألف ريال، ثم اشتراها بكذا طن من القمح، تساوي خمسة عشر ألف ريال، فلا وجه للقول بالجواز، وهذا في الحقيقة حيلة، لأن هذا الغرض له قيمة من الدراهم والدنانير، فباع بالدراهم والدنانير، فيكون كأنه اشتراه بنقد أقل من النقد الذي باعه به.
[قلت: تحريم هذه الصورة بناء على ما سبق، من اعتبارهم العينة متحققة دون مواطئة، والصحيح كما مضى أن العينة لا تكون عينة إلا باشتراط مسبق بين الطرفين، والله أعلم] .
إذن إذا اشتراه بغير الجنس الذي باعه فهو جائز عند الحنابلة، ومنع الموفق ابن قدامة الجواز فيما إذا كان نقدا، ويظهر المنع فيما سوى ذلك، إلا أن يكون ثمن الغرض مساويا أو أكثر.
قوله [أو بعد قبض ثمنه] مثاله: باعه هذه السيارة بعشرة آلاف إلى سنة، فلما سدد هذا المشتري القيمة، اشتراها منه بخمسة آلاف أو ستة آلاف، فهذا جائز، ولا إشكال في جوازه إذ العلة المتقدمة قد زالت وما يخشى من الربا قد زال.
قوله [أو بعد تغير صفته] مثاله: باع سيارة بعشرة آلاف إلى سنة، ثم اشتراها بعد ستة أشهر بثمنها الذي يستحقه، وقد تغيرت صفتها، فبعد أن كانت تساوي عشرة آلاف أصبحت تساوي ثمانية آلاف أو سبعة آلاف، فسبب شرائها بثمن أقل أنه قد تغيرت صفتها، مثل أن تكون قد استخدمت ونزل سعرها، فالنقص بسبب تغير الصفة، ولا بد ألا ينظر إلى قضية التأجيل، فإن نظر إلى قضية التأجيل كان ذلك ممنوعا كما تقدم.
قوله [أو من غير مشتريه]
مثاله: رجل اشترى سيارة بالتقسيط، ثم باعها على شخص آخر، فهل للبائع الأول أن يشتريها من هذا المشتري الجديد؟ الجواب: لا مانع من ذلك لزوال العلة المتقدمة.
[قلت: هذا على شرط عدم وجود الاتفاق بين الأطراف الثلاثة، وإلا حرم] .
قوله [أو اشتراه أبوه أو ابنه جاز] فإذا اشتراها أبوه أو ابنه أو مكاتبه أو نحو ذلك جاز، لأنه لم يشتريها هو، والنهي الوارد فيما إذا اشتراه هو، وليس هذه ذريعة إلى الربا كما تقدم، إلا أن يكون حيلة على ذلك ليتملكها هو - أي الأب مثلا - ثم يأخذها من أبيه بنفس الثمن الذي اشتراها به، فهذه حيلة فلا تجوز، فإذا اشتراها أبوه أو ابنه فهم أجانب عن البيع فلا إشكال في جواز ذلك، لكن إن كان ذلك حيلة على الربا فهو محرم كما تقدم.
باب الشروط في البيع
الفرق بينه وبين شروط البيع من عدة أوجه: 1- أن شرط البيع من وضع الشارع، وأن الشرط فيه من وضع المتعاقدين.
2- أن شروط البيع كلها صحيحة، وأما الشروط في البيع فمنها الصحيح ومنها الباطل.
3- أن شروط البيع تتوقف عليها صحة البيع، والشروط في البيع يتوقف عليها لزومه.
4- أن شرط الشارع لا يسقط، وشرط العاقد وهو الشرط في البيع لمن شرطه أن يسقطه.
وتعريف الشرط في البيع: هو إلزام أحد المتعاقدين الآخر بسبب العقد ما لا يقتضيه العقد، والذي يقتضيه العقد هو أن تكون السلعة ملكا للمشتري، والثمن ملكا للبائع، وأن يسلم كل واحد منهما الآخر ما له بعد تمام العقد، أما مثال الشرط في البيع فهو أن يشترط أحدهما على الآخر حملان المبيع أو أن يبيع عبدا بشرط أن يعتقه.
والأصل في الشروط الحل، إلا أن يدل دليل على بطلانه كما قرر ذلك شيخ الإسلام وتلميذه ابن القيم، ففي الصحيحين عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: (ما كان من شرط ليس في كتاب الله فهو باطل وإن كان مائة شرط، قضاء الله أحق وشرط الله أوثق) [خ 2168، م 1504] فلا يحرم من الشروط إلا ما دل الشرع على بطلانه نصا أو قياسا.
واعلم أن المعتبر عند الحنابلة من الشروط ما كان في صلب العقد أي مقارنا للعقد، بمعنى أن يشترطاه أو يشترطه أحدهما أثناء العقد، فإن كان الشرط سابقا للعقد فليس بمعتبر، ولا يلزم المشروط عليه الوفاء به، مثاله: قيل لرجل: هل تبيع بيتك؟ قال: أنا لا أبيعه إلا بشرط أن أسكنه شهرا، ثم سكتا سكوتا فاصلا، ثم عقدا البيع، ولم يذكر البائع ذلك الشرط، فحينئذ لا يعتبر الشرط عند الحنابلة، وهذا القول ضعيف، ولذا اختار شيخ الإسلام أن الشرط السابق للعقد كالمقارن له، قال صاحب الفروع:" ويتوجه كنكاح " أي كما أن النكاح يعتبر فيه الشرط السابق وإن لم يقارن العقد فكذلك في البيع، وهذا هو الراجح، فقد قال - صلى الله عليه وسلم - فيما رواه الترمذي وغيره والحديث حسن بشواهده: (المسلمون على شروطهم) [ت 1352، وذكره البخاري معلقا مجزوما به] وهذا شرط، ولأن العاقد المشترط لم يبع هذه السلعة إلا بهذا الشرط، فهو لا يرضى بانتقالها عن ملكه إلا بهذا الشرط، فكان عدم وجود الشرط مخلا بالرضا في العقد، والذي هو من شروط البيع.
قوله [منها صحيح كالرهن المعين] أي أن الشروط في البيع منها الصحيح المعتبر كالرهن، كأن يقول: أنا أبيعك هذه السلعة بشرط أن أرهن بيتك أو سيارتك أو نحو ذلك، فهذا شرط صحيح، كذلك إذا اشترط ضامن كأن يقول أبيعك بشرط أن تأتي بضامن، فإن لم تأت بضامن فلي الفسخ، فكذلك هذا شرط صحيح.
قوله [وتأجيل الثمن] كأن يقول: أشتري منك هذه السلعة بشرط أن أعطيك ثمنها بعد شهر، فهذا شرط صحيح.
قوله [وكون العبد كاتبا أو خصيا أو مسلما والأمة بكرا] هذه شروط صحيحة لأنها لا تخالف كتاب الله.
قوله [ونحو أن يشترط البائع سكنى الدار شهرا] مثاله: أن يقول أبيعك داري بشرط أن أسكنه شهرا ونحو ذلك، فهذا جائز.
قوله [وحملان البعير إلى موضع معين]
قوله (معين) أتى بهذا القيد لأنه لو قال (إلى موضع) فإن فيه جهالة، والجهالة ممنوعة، فلا بد أن يكون الأجل معلوما، والموضع في الحملان معلوم، وفي الصحيحين عن جابر بن عبد الله - رضي الله عنه -: (أنه كان يسير على جمل له قد أعيا فأراد أن يسيبه، قال: فلحقني النبي - صلى الله عليه وسلم - فدعا لي وضربه فسار سيرا لم يسر مثله، قال: بعنيه بوقية، قلت: لا، ثم قال: بعنيه، فبعته بوقية واستثنيت عليه حملانه إلى أهلي، فلما بلغت أتيته بالجمل فنقدني ثمنه، ثم رجعت فأرسل في أثري، فقال: أتراني ماكستك لآخذ جملك خذ جملك ودراهمك فهو لك) [خ 2718، م 715] ، فهذا شرط صحيح.
قوله [أو شرط المشتري على البائع حمل الحطب أو تكسيره أو خياطة الثوب أو تفصيله] قوله (تفصيله) التفصيل غير الخياطة، فالتفصيل هو أن يقطع الثوب حتى يتهيأ للخياطة، والشروط التي ذكرها المؤلف شروط صحيحة، لأنها لا تخالف كتاب الله، ولأنها لا تحالف مقتضى العقد، فإن وفى المشروط وإلا فلمن اشترط الفسخ.
قوله [وإن جمع بين شرطين بطل البيع]
ولذا قال المؤلف (وإن اشترط على البائع حمل الحطب أو تكسيره أو خياطة الثوب أو تفصيله) ، فلو اشترط الحمل والتكسير لم يصح فهما شرطان، هذا هو المشهور من المذهب، وأنه إذا شرط شرطين فإنه لا يصح، وإن كان كل شرط بمفرده صحيحا، وقد روى الخمسة والحديث حسن عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: (لا يحل سلف وبيع ولا شرطان في بيع ولا ربح ما لم يضمن ولا بيع ما ليس عندك) [حم 6633، ت 1234، ن 4611، د 3504، جه 2188] والشاهد في قوله (ولا شرطان في بيع) ، قالوا: فدل هذا على أنه لا يجوز الجمع بين شرطين في بيع، وإن كانا شرطين صحيحين، وعن الإمام أحمد وهو اختيار شيخ الإسلام وتلميذه ابن القيم أن ذلك جائز، لأنه لا يخالف كتاب الله، قالوا: ولا مانع فيه، فإن صحة الشرط لا يبطلها صحة شرط آخر، فهذا شرط صحيح، وهذا شرط صحيح، وكلاهما معتبر، فإذا اجتمعا لم يبطلاه كما لو انفردا، والمعنى يدل على ما قالا، وهذا لا يخالف كتاب الله، كما قال النبي - صلى الله عليه وسلم -: (ما كان من شرط ليس في كتاب الله فهو باطل وإن كان مائة شرط) قالوا: وليس في كتاب الله ما يدل على إبطال هذه الشروط، وأجابوا عن حديث: (ولا شرطان في بيع) أن المراد به البيعتان في بيعة، وهي بيع العينة، ويدل على هذا أن في موضع هذه اللفظة في مسند أحمد (ولا بيعتين في بيعة) [حم 6879] قالوا: البيعتان في بيعة شرطان في بيع، لأن كل بيعة شرط، فإذا تبايع الاثنان فالبيع بينهما شرط لأن كلا منهما التزم بهذا البيع كما هو ملتزم بالشرط، فالبيع شرط، وهذا القول هو الراجح، إذ لا معنى للنهي عن هذا البيع الذي فيه شرطان صحيحان.
قوله [ومنها فاسد يبطل العقد] فهذا الشرط يبطل العقد، فليس الشرط باطل فحسب، بل الشرط والبيع باطلان، ومثاله:
قوله [كاشتراط أحدهما على الآخر عقدا آخر كسلف وقرض وبيع وإجارة وصرف]
قوله (كسلف) السلف هو السلم، وهو تعجيل الثمن وتأخير المثمن.
فلا يحل بيع سلف، بأن يقول: أبيعك هذه الدار بشرط السلم بيني وبينك، بأن تعطيني عشرة آلاف وأعطيك بعد سنة كذا وكذا من القمح، والراجح جوازه ما لم يكن حيلة إلى الربا، وأما الحديث فالسلف فيه هو القرض كما قال البغوي وغيره، ولا محذور في الجمع بين السلف والبيع ما لم يكن حيلة إلى الربا، وصورة اشتراط القرض في البيع، أن يقول: أبيعك واشترط أن تقرضني مائة ألف، فهذا قالوا: لا يجوز لأنه قد اشترط عقدا في البيع، كذلك بيع وإجارة، كأن يقول: أبيعك بشرط أن تؤجرني هذه الدار، أو صرف كأن يقول: لا أبيعك إلا بشرط أن تصرف هذه المائة دينار إلى دراهم، وكذلك إذا قال: لا أبيعك حتى تشاركني في الأرض أو نحو ذلك، فهذا كله يبطل العقد، فإذا عقدا مع البيع عقدا آخر، فالبيع باطل والعقد الآخر باطل.
وهذه الصور التي ذكرها المؤلف هي مسائل مجتمعة ذات أحكام متفرقة على الصحيح، لا كما قال المؤلف من أنها يبطل بها العقد مطلقا، أما البيع والقرض فإن ما ذهب إليه المؤلف ظاهر، فإن فيه ربا أو ذريعة إلى الربا، وهو بمعنى حديث عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: (لا يحل بيع وسلم) فهو ذريعة إلى الربا الذي نهى عنه الشارع، وكذلك إذا قال: أبيعك كذا بشرط أن تقرضني، فهذا يكون من القرض الذي جر نفعا فهو ربا، فعقد القرض إذا دخل في البيع فإنه لا يصح ويبطل العقد.
أما ما سوى ذلك فالصحيح أنه جائز، وهو مذهب الإمام مالك، إذا لا دليل على المنع، فإذا قال: أبيعك هذه الدار على أن تشاركني في كذا، أو قال: أبيعك هذه الدار على أن تنكحني ابنتك، أو قال: أبيعك هذه الدار على تستأجر بيتي، فهذا كله جائز، إذ لا دليل على المنع، والأصل في المعاملات الحل.
واستدل الحنابلة بنهي النبي - صلى الله عليه وسلم - عن بيعتين في بيعة، قالوا: وهاتان بيعتان في بيعة، والصحيح أن البيعتين في بيعة هي بيع العينة كما تقدم عن ابن القيم وشيخ الإسلام وغيرهما، وأما هنا فليس كذلك، لأن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: (فله أوكسهما أو الربا) وليس هذه في مثل الصور المتقدمة.
قوله [وإن شرط ألا خسارة عليه] مثاله أن يقول: سأشتري منك هذه السلعة بشرط ألا خسارة علي، فإن بعتها بخسارة فهي عليك، أي على البائع، فهذا لا يصح، قالوا: لأنه يحالف مقتضى العقد، فإن مقتضى العقد أن الشخص يملك السلعة إذا اشتراها وكونه يربح أو يخسر هذا أمر راجع له، وأما السلعة فإنها تملك بالبيع، فلا يصح أن يشترط ألا خسارة عليه، ولأن الخراج بالضمان فالضمان عليه وعلى ذلك فالخسارة عليه والربح له.
قوله [أو متى نفق المبيع وإلا رده] مثاله: قال للبائع: أنا أشتري منك كذا من البر وأبيعها، فإن نفقت، وإلا رددتها عليك، أو رددت الذي لم ينفق عليك، قالوا: هذا لا يصح للمعنى المتقدم من أنه يخالف مقتضى العقد.
قوله [أو لا يبيع ولا يهبه ولا يعتقه] مثاله: أن يقول: بعتك هذا العبد بشرط ألا تبيعه، أو بشرط ألا تهبه، أو بشرط ألا تعتقه، فهذا كله باطل، لأن مقتضى العقد أن يتصرف البائع بسلعته كيف شاء، فإذا اشترط عليه ألا يبيع أو ألا يهب أو ألا يعتق فهذا يحجر عليه.
قوله [أو إن عتق فالولاء له]
مثاله: أن يقول بعتك هذا العبد، لكن اشترط عليك إن أعتقته أن يكون الولاء لي، فهذا الشرط باطل، ودليل بطلانه ما ثبت في الصحيحين في قصة بريرة لما أرادت عائشة أن تشتريها، فاشترطوا على عائشة أن يكون الولاء لهم، فقال النبي - صلى الله عليه وسلم -: (اشتريها واشترطي لهم الولاء، فإنما لولاء لمن أعتق) فإنه لا عبرة بهذا الشرط، ومنه ما تقدم من قوله - صلى الله عليه وسلم -: (ما كان من شرط ليس في كتاب الله فهو باطل وإن كان مائة شرط قضاء الله أحق وشرط الله أوثق وإنما الولاء لمن أعتق) قوله [أو أن يفعل ذلك] مثاله: أن يقول له: أبيعك هذا السلعة بشرط أن تبيعها أو بشرط أن تهديها أو بشرط أن تعتقه، لكنه استثنى العتق فقال: (إلا إذا شرط العتق) فإذا قال: أبيعك بشرط أن تعتقه فهذا صحيح، وهذا مذهب جمهور العلماء، قالوا: لأن الشارع يتشوف إلى العتق ويرغب فيه، فإذا اشترط العتق فهو شرط صحيح، وقال بعد ذلك:
قوله [بطل الشرط وحده إلا إذا شرط العتق] فالمسائل السابقة كلها يبطل فيها الشرط وحده، وأما البيع فيصح، ويكون المشترط بالخيار، إن شاء أمضى، وإن شاء فسخ، فإذا اشترط مثلا ألا يبيعه، فهذا الشرط باطل، ويصح البيع الأول، وللمشترط الخيار، فإن شاء أمضاه وإن شاء فسخ.
أما مسألة اشتراط الولاء فما ذهب إليه الحنابلة هو الصحيح، فالشرط باطل، لأنه شرط يخالف كتاب الله، وكل شرط يخالف كتاب الله فهو باطل، فإن تراضيا عليه فلا عبرة بتراضيهما على شرط يخالف كتاب الله، وأما سوى ذلك مما ذكروه فاختار شيخ الإسلام وهو رواية عن الإمام أحمد أن هذه الشروط صحيحة، فإذا قال: أبيعك بشرط أنه ما لم ينفق أرده عليك، أو بشرط ألا خسارة علي أو نحو ذلك مما تقدم فالشرط والبيع صحيحان، بشرط أن يكون للبائع قصد وغرض صحيح لا مجرد التحجير على المشتري، مثال ذلك: رجل عنده جارية، ويكره أن يتملكها أي أحد، ويجب أن يتملكها من هو مستحق لها، فقال: أبيعها عليك بشرط ألا تبيعها، أو بشرط ألا تبيعها إلا وأن أكون أنا أحق بالبيع بالثمن نفسه، أو ألا تبيعها إلا على من يتصف بكذا وكذا ونحو ذلك، أو أن يكون الشرط في مصلحة المبيع نفسه، كأن يقول أبيعك عبدي بشرط ألا تبيعه لفاسق، فهذه الشروط صحيحة لأن لها غرضا صحيحا، ولا دليل على القول ببطلانها، واختيار شيخ الإسلام هو الصحيح، إن كان هناك غرض صحيح كما سبق، أو مصلحة للمبيع، فإذا تراضى المتعاقدان فقد قال النبي - صلى الله عليه وسلم -: (المسلمون على شروطهم) . لكن إن قال أشتريه منك بشرط ألا خسارة علي فلا يظهر أن في هذا قصدا صحيحا، فإن قضية الخسارة والربح ليس لها ارتباط باحتياط المكلف لنفسه، فالأظهر في مثل هذا أن ذلك الشرط غير صحيح، وعلى كل حال فالراجح ما ذهب إليه شيخ الإسلام وأنه إذا كان هناك غرض صحيح فإنه يصح.
قوله [وبعتك على أن تنقدني الثمن إلى ثلاث وإلا فلا بيع بيننا صح]
مثاله: إذا قال البائع للمشتري بعتك هذه السلعة بألف درهم مؤجلة إلى ثلاثة أيام بشرط أنك إذا لم تأت بالثمن إلى ثلاثة أيام فالبيع رد، قال المؤلف هنا: (صح) لحديث: (المسلمون على شروطهم) وهذا شرط فيجب الوفاء به، فإن لم يوف به بطل البيع، كما أن الأصل في الشروط الصحة، وهو لا يخالف كتاب الله، وهذا كما لو باع واشترط الخيار ثلاثة أيام، وسيأتي الكلام عليه وأنه من الخيار الجائز، وهذا نظير المسألة الأولى وقد أجازه الشرع.
قوله [وبعتك إن جئتني بكذا، أو رضي زيد..... لا يصح] إذا قال بعتك إن جئتني بكذا، أو قال: بعتك إن رضي زيد، فهذا بيع معلق، وليس بيعا منجزا، فلا يصح وهو مذهب الجمهور، قالوا: لأن البيوع تكون منجزة لا معلقة، واختار شيخ الإسلام وهو رواية عن أحمد جواز ذلك، وأن البيع المعلق صحيح، وقد دلت القاعدة المتقدم ذكرها وهي أن الأصل في العقود الحل، وهذا عقد من العقود، وهذا التعليق لا يخالف كتاب الله، فلا وجه للمنع، والبيع مما تعارف عليه الناس، سواء كان منجزا، أو معلقا، فلم يحدد لنا الشارع التنجيز في البيع، بل أطلقه، فيرجع إلى ما تعارف الناس عليه، وهذا القول هو الصحيح، وعلى ذلك إذا قال: أتعاقد أنا وإياك على هذا البيع لكن بشرط أن يرضى أبي أو أمي فإن لم يرض فلا بيع، فهذا جائز على الصحيح.
قوله [أو يقول للمرتهن: إن جئتك بحقك وإلا فالرهن لك لا يصح البيع]
هذه صورة ثالثة مما لا يصح فيها البيع، وهي رجل اشترى سلعة ووضع رهنا عند مالك السلعة، وقال: إن جئتك بالثمن إلى عشرة أيام وإلا فهذا الرهن لك، أي هو ملك لك، وهذا في الحقيقة بيع معلق، فهو كالصورتين السابقتين، لأنه باعه هذا الرهن بشرط أن يكون البيع لهذا الرهن معلقا، والشرط الذي يقتضي تعليق الرهن هنا هو أنه إذا لم يأته بالثمن إلى عشرة أيام، فكأنه يقول: الرهن إن لم آتك بالثمن إلى عشرة أيام هو لك، فهو بيع معلق، ويستدل الحنابلة على عدم جواز هذه الصورة فضلا عما سبق في الصورتين السابقتين بما رواه الدارقطني أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: (لا يَغْلَقْ الرهن عن صاحبه الذي رهنه، له غنمه وعليه غرمه) [جه 2441 مختصرا بلفظ (لا يغلق الرهن) ، سنن الدارقطني 3 / 32] أي لا يؤخذ منه فيتملك من قبل المرتهن، وقال شيخ الإسلام وتلميذه ابن القيم وهو رواية عن الإمام أحمد بل فعله الإمام أحمد أن ذلك جائز، واستدلوا بما تقدم وهو أن الأصل في العقود الحل، وهذا بيع للرهن على سبيل التعليق، فهو كالصورتين السابقتين التين تقدم جوازهما، قالوا: والحديث إنما ينهى عن أن يغلق عليه من غير رضا منه كما كان في الجاهلية، فإن الرجل إذا وضع الرهن ثم لم يأت بالثمن فإنه يؤخذ منه قهرا، فيتملكه المرتهن، فهذا كان من عمل الجاهلية فنهى عنه الشارع، وليست هذه المسألة من هذا الباب، فإن الرهن هنا لم يغلق من صاحبه، بل هو قد أغلقه على نفسه بشرطه الذي اشترطه، والمسلمون على شروطهم، وهذا القول هو الصحيح، لكن إن لم يكن الغبن فاحشا، فإن كان فاحشا فالراجح ما ذهب إليه الجمهور لا سيما إن غلب على التأخير.
- هل يجوز بيع العربون وإجارة العربون؟
وصورة هذه المسألة أن يشتري الرجل السلعة من أحد الناس ويقول: لي الخيار ثلاثة أيام، وهذا مبلغ عندك فإن اشتريت السلعة أكملت لك المتبقي من الثمن، وإلا فإن هذا المبلغ المقدم لك، وهي صورة مشهورة عند الناس، وتسمى بالعربون، وفيها قولان لأهل العلم:
1- قال الجمهور إن هذا محرم، لأنه أكل للمال بالباطل، فلا حق له بأكله، وروى أبو داود في سننه وهو في موطأ مالك أن النبي - صلى الله عليه وسلم -: (نهى عن بيع العربان) [حم 6684، د 3502، جه 2192] أي العربون.
2- وقال الحنابلة بيع العربون جائز، ومثله إجارة العربون بأن يدفع شيئا للمؤجر ويقول إن عزمت على الاستئجار وإلا فهذا الثمن لك، وقد لا يقع بينهما عقد، ويقول هذا المال، وأنا أفكر وأتأمل فإن عزمت على الشراء أكملت ما تبقى من الثمن، وإلا فإن هذا المال لك، واستدلوا بما رواه البخاري معلقا وذكره صاحب المغني وذكر أن الإمام أحمد احتج به، وأن الإمام أحمد قيل له: أتذهب إليه؟ فقال: لم، وهو قول عمر، والأثر:" أن نافع بن الحارث عامل عمر بن الخطاب - رضي الله عنه - على مكة اشترى دار السجن من صفوان بن أمية، فإن رضي عمر وإلا فله كذا وكذا " [خ تعليقا (كتاب الخصومات - باب الربط والحبس في الحرم) ] ولا يعلم له مخالف، قالوا: وأما الحديث الذي ذكره الجمهور فإن إسناده منقطع، وقد ضعفه غير واحد من الأئمة كالإمام أحمد، قالوا: وليس هذا بأكل لأموال الناس بالباطل، فإنه إنما يأخذ المال بسبب تربصه انتظاره، وبقاء السلعة بيده من غير بيع، فإنه يتربص وينتظر حتى يعزم هذا المشتري على الشراء، وقد لا يعزم فيكون قد تربص بهذه السلعة بدون أن يقدر على بيعها، فهذا ليس من أكل أموال الناس بالباطل، فإنه قد تعود عليه مصلحة وقد يلحق به الضرر بسبب التربص، قالوا: ولأن الأصل في المعاملات الحل، وهذا القول هو الصحيح.
قوله [وإن باعه بشرط البراءة من كل عيب مجهول لم يبرأ]
مثاله: إذا قال هذه السلعة أمامك، وأنا بريء من كل عيب مجهول، ليبطل عليه خيار العيب، فإذا وجد عيبا بعد ذلك فلا يكون له الخيار، قال المؤلف: (لم يبرأ) بل للمشتري إذ وجد السلعة معيبة بعد ذلك حق الخيار، فله إما الفسخ أو الإمضاء مع الأرش، وذلك لأن خيار العيب إنما يثبت بعد البيع، ولا يثبت قبله، وهو إنما يثبت بعد الاطلاع على العيب، وهذا هو المشهور عند الحنابلة، وقال شيخ الإسلام وهو رواية عن الإمام أحمد وهو مذهب المالكية: يبرأ إلا أن يكون قد علم بالعيب فلا يبرأ، أما إن كان هذا القائل جاهلا بعيوب هذه السلعة ولا يعرف عيوبها فيقول: أن أبيعك هذه السلعة وأنا لا أعرف هل فيها عيب أم لا، وأريد أن تبرأني من كل عيب مجهول، فإن شئت تشتريها هكذا، وإلا فلا أبيعها عليك، وهو صادق من حيث كونه لا يعلم إن كان فيها عيب أم لا، فإن هذه التبرئة صحيحة معتبرة، وذلك لأن الطرف الآخر قد أسقط حقه ولم يقع غش ولا خداع ولا غرر من البائع.
أما إذا قال: أنا بريء من كل عيب مجهول، وكان البائع عالما بوجود عيب فإن هذا لا يقبل ولا يعتبر، بل الخيار ثابت، وذلك لأن هذا غش وخداع وغرر، فكان الخيار ثابتا، وما قاله رحمه الله ظاهر، فإنه إذا لم يعلم شيئا من العيوب فإنه لم يقع منه ما يقتضي جواز الفسخ للآخر وقد أسقط الآخر حقه، وأما إذا كان عالما بالعيوب فإنه قد غش وخدع، فعند ذلك يثبت الخيار للآخر، ويدل عليه ما رواه مالك في موطئه والبيهقي بإسناد صحيح أن ابن عمر - رضي الله عنه - باع غلاما له بثمانمائة درهم وباعه بالبراءة، فقال الذي ابتاعه: بالغلام داء لم تسمه لي، فاختصما إلى عثمان، فقضى على ابن عمر أن يحلف له، لقد باعه العبد وما به داء يعمله، فأبى أن يحلف، وارتجع العبد، فصح عنده، فباعه بألف وخمسمائة.
أما إذا سمى العيب ومع ذلك اشتراها وبرأه من العيب فإن الخيار لا يثبت بعد ذلك، وذلك لأنه قد أطلعه على العيب فرضي به وأسقط حقه في الخيار.
قوله [وإن باعه دارا على أنها عشرة أذرع فبانت أكثر أو أقل صح] مثاله: إذا قال أبيعك هذه الدار وهي عشرة أذرع، واتفقا على ذلك، فبانت تسعة أذرع أو بانت أحد عشر ذراعا، صح البيع، وما كان من زيادة فللبائع، وما كان من نقص فعليه، فإذا كان هناك زيادة فيؤخذ من الأرض عشرة أذرع ويترك الباقي للبائع، وإن كان هناك نقص فعليه الثمن الفارق، فمثلا باعه عشرة أذرع بألف درهم، فبانت تسعة أذرع، فإنه يعطيه مائة درهم، والبيع صحيح لأن الشروط قد توفرت.
قوله [ولمن جهله وفات غرضه الخيار] مثاله: إن قال المشتري أنا أجهل أنها تسعة أذرع وأظنها عشرة أذرع، وغرضي يفوت، فإني أريد أرضا قدرها كذا وكذا من الأذرع، وهذه الأرض التي اشتريتها لا تفي بالغرض، فإن له الخيار، وإن أعطاه الثمن الفارق، فإن له رفضه وفسخ البيع، وذلك لفوات غرضه.
- فالبيع صحيح، لكن هل يثبت له الخيار؟ إن جهل وفات غرضه فله الخيار، وهذا الخيار بفوات غرضه، وشرطه الجهل، لأنه إذا دخل على بصيرة فليس له الخيار، فإنه دخل على علم ومعرفة فلا يحق له والحالة هذه الفسخ، أما إذا كان جاهلا لكن لم يفت غرضه فإنه حينئذ يلزم بالبيع ولا يثبت له الخيار، لأن البيع قد لزم، وليس له غرض معين بما حدده.
باب الخيار الخيار اسم مصدر من اختار، والمصدر اختيارا، والخيار: هو الأخذ بخير الأمرين بين الإمضاء والفسخ.
قوله [وهو أقسام، الأول: خيار المجلس]
قالوا: وهو خيار مكان التبايع، وفي الصحيحين أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: (البيعان بالخيار ما لم يتفرقا وكانا جميعا) [خ 2079، م 1532] وفي الصحيحين أيضا أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: (إذا تبايع الرجلان فكل واحد منهما بالخيار ما لم يتفرقا وكانا جميعا أو يخير أحدهما الآخر، فإن خير أحدهما الآخر فتبايعا على ذلك فقد وجب البيع، وإن تفرقا بعد أن تبايعا ولم يترك أحد منهما البيع فقد وجب البيع) [خ 2112، م 1531] فهذان الحديثان يدلان على ثبوت خيار المجلس، أو خيار عدم التفرقة.
وظاهر ما تقدم أن الخيار يثبت في مكان البيع، وأنهما إن لم يكونا في مكانه، وإن لم يتفرقا فإن الخيار ينتهي، لأنه مرتبط بعدم مفارقتهما للمكان، هذا هو ظاهر كلامهم، وظاهر الحديث خلاف هذا، وأنهما إذا كانا جميعا فالخيار باق، فلو كانا في سفر وهما في سيارة فالخيار باق، مع أن السيارة تنتقل من موضع إلى موضع، أما إذا تفرقا فإن البيع يمضي ولا فسخ.
ولم يقل بخيار المجلس الإمام مالك احتجاجا بعمل أهل المدينة، والحديث حجة عليه، ولا يصح حمل الحديث على تفرق الأقوال لأن الأقوال مجتمعة بالإيجاب والقبول لا متفرقة، وتأويلهم البائع بالسائم ضعيف جدا لأن الأصل الحقيقة أولا، وثانيا: أن الخيار للسائم معلوم لا يحتاج إلى بيان، والقول بخيار المجلس هو قول سعيد بن المسيب وهو إمام أهل المدينة في عصره، فكيف يقال إن إجماع أهل المدينة على خلافه.
قوله [يثبت في البيع والصلح بمعناه]
أما في البيع فظاهر، فإن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: (البيعان بالخيار) ، وقوله (والصلح بمعناه) أي الصلح الذي بمعنى البيع، وهو الصلح الذي يتم بعوض، كأن يقر رجل لآخر بسلعة قد اختلفا فيها، فيأخذ صاحب السلعة من المقر عوضا عن سلعته، فيقول مثلا: هذه سلعتك وأصالحك عليها بأن أدفع لك كذا وكذا، فهذا صلح بمعنى البيع، وذلك لاشتماله على العوض، فهو بيع فثبت فيه الخيار.
فالحديث ورد في البيع فيقاس عليه ما في معناه من عقود المعاوضات.
قوله [وإجارة] كذلك الإجارة يثبت فيها الخيار، فإن استأجر شيئا، وقلنا إن الإجارة من العقود اللازمة، فإن الإجارة بعوض، فهي بيع، لكنه بيع منفعة، ففيها معنى البيع، لاشتمالها على العوض، فإذا اتفقا على أن يستأجر منه هذه الدار ستة أشهر، بعشرة آلاف، وهما بعد لم يتفرقا، فأراد أحدهما الفسخ فله ذلك، ولكل منهما الخيار.
قوله [والصرف والسلم] فكذلك يثبت فيهما الخيار، لأنهما بيع.
قوله [دون سائر العقود] كالرهن والحوالة والضمان والشركة والمساقاة والمزارعة (على القول بأن العقد فيهما جائز وليس بلازم وهو أحد الوجهين في المذهب) والهبة والوقف والوصية وغير ذلك من العقود، فهذه العقود لا يثبت في خيار المجلس، وذلك لأن هذه العقود إما أن تكون غير لازمة، أي عقود جائزة، والعقد الجائز لا يحتاج إلى الخيار فهو جائز، فللشص أن يمضيه وله أن يفسخه من غير أن يحتاج إلى خيار، كعقد الشركة، فلكل واحد منهما الفسخ فلا يحتاج إلى خيار، وهذا باتفاق العلماء، ومنها - أي مما تقدم - ما هو عقود لازمة لكن لا عوض فيها كالوقف والوصية، فهي عقود لازمة ولا عوض فيها، ولذا فلا تلحق بالبيع، وقد نص الشارع على البيع فليحق به ما هو في معناه، وحيث كان العقد اللازم لا عوض فيه فإنه ليس في معنى البيع، وعلى هذا فسائر العقود ليس فيها خيار.
وحكى الوزير الاتفاق على أن خيار المجلس لا يثبت في العقود غير اللازمة كالشركة ولا في العقود اللازمة التي لا يقصد منها العوض كالنكاح.
قوله [ولكل من المتبايعين الخيار ما لم يتفرقا عرفا بأبدانهما]
فلكل واحد من المتبايعين الخيار ما لم يتفرقا عرفا بأبدانهما، وعلم من كلام المؤلف أن المرجع في التفرق إلى العرف، وذلك لأن كل ما لم يضع الشارع له حدا فإنه يرجع فيه إلى العرف، فالشارع قال: (ما لم يتفرقا وكانا جميعا) فيحتاج إلى تحديد التفرق، بأي شيء يكون؟ فلم يضع الشارع لنا حدا فيه، فالعرف يكون هو الحد.
فإذا كانا في غرفة فخرج أحدهما منها فهو تفرق في العرف، وكذلك إذا كان في فضاء كأن يكونا في السوق فإذا استدبر أحدهما الآخر فمشى خطوات يسيره فالعرف يقول هذا تفرق، وإذا كانا في سفينة أو سيارة فكان أحدهما في أعلاها والآخر في أسفلها فهذا تفرق في العرف، وهكذا.
قوله [وإن نفياه أو أسقطاه سقط] إن نفياه قبل العقد فقال أحدهما أريد أن نتعاقد على هذا البيع بشرط ألا خيار بيني وبينك، فقال الآخر: رضيت، فهذا صحيح، وإسقاطه يكون بعد ثبوت العقد.
قوله [وإذا أسقطه أحدهما بقي خيار الآخر]
ودليل ذلك قول النبي - صلى الله عليه وسلم -: (أو يخير أحدهما الأخر، فإن خير أحدهما الآخر فتبايعا على ذلك فقد وجب البيع) [خ 2112، م 1531] ولأنه حق لهما لمحض مصلحتهما، فإذا أسقطاه أو نفياه أو أسقطه أحدهما فإنه يسقط، أما الآخر الذي لم يسقط حقه فإنه لا يسقط، ويدل لهذا أيضا ما رواه الخمسة إلا ابن ماجة بإسناد جيد أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: (البائع والمبتاع بالخيار ما لم يتفرقا، إلا أن تكون صفقة خيار - أي عقد فيه خيار - ولا يحل لأحدهما أن يفارق صاحبه خشية أن يستقيله) [حم 6682، ت 1247، ن 4483، د 3456] أي ليس لأحدهما أن يبادر الآخر بالمفارقة خشية أن يستقيل الآخر البيع، أي يرجع فيه بحق الخيار الذي هو له، فهذا لا يجوز، وهو الصحيح في المذهب، أما إذا فعل ذلك بغير نية تضييع حقه في الرجوع عن البيع فلا شيء في ذلك، لقول النبي - صلى الله عليه وسلم -: (إنما الأعمال بالنيات) ، وأما ما ورد عن ابن عمر - رضي الله عنه - كما في البخاري أنه باع مالا له بالوادي بمال لعثمان بخيبر، قال: فلما تبايعنا رجعت على عقبي حتى خرجت من بيته خشية أن يرادني البيع، فالجواب عنه من وجهين:
الوجه الأول: أن يقال: لعله لم يبلغه النهي.
الوجه الثاني: أنه بادره لطول مجلس عثمان - رضي الله عنه - فإنه كان الخليفة.
فإن فارقه خشية أن يستقيله فقد قال الحنابلة: ويثبت التفرق بذلك، في هذا نظر، بل الأظهر أن التفرق لا يثبت، لأنه تفرق غير شرعي، فهو تفرق منهي عنه، وما دام منهيا عنه فهو فاسد، لا عبرة به، وعلى هذا يثبت الخيار ولا يثبت التفرق لما سبق، وإذا جوزنا ذلك وقلنا إن التفرق يثبت فإننا بذلك نفتح بابا لمثل هذا الفعل، فالأصح أنه لا يثبت التفرق ويظل الخيار كما هو.
ومما لا يقع فيه الخيار العتق، فإذا اشترى رجل من آخر رقيقا يعتق عليه، أو يقول المشتري: إذا اشتريت فلانا فهو حر، فإذا اشتراه فإنه يعتق مباشرة ولا خيار، وذلك لتشوف الشارع إلى العتق، ومثل ذلك الكتابة، فلو أن رجلا كاتب مملوكه على كذا وكذا من الأقساط يدفعها له شهريا أو سنويا، فليس للسيد الخيار في مثل هذا العقد، وإن كان بمعنى البيع، وذلك للعلة السابقة، وهي تشوف الشارع إلى العتق، قالوا: ومثل ذلك إذا كان متولي طرفي العقد واحد، كرجل وكل من بائع أن يبيع له، ومن مشتري أن يشتري له، فهنا لا خيار، إذ لا يمكن إثبات الخيار لتعذر التفرق في الشخص الواحد.
وقال بعض أهل العلم من الحنابلة: بل يثبت الخيار، ويكون الخيار ما دام في المجلس الذي أوقع فيه العقد، والذي يظهر هو القول الأول، وان هذا إنما حيث كان طرفا العقد شخصين، لئلا تخرج السلعة من صاحبها إلا بعد الرضا التام، وحيث كان واحدا فإن هذا لا يحتاج إليه، إلا أن يكون الخيار له بالنظر في مصلحة كل من الطرفين الذين تولى عنهما البيع والشراء فقد يكون في القول الثاني قوة.
- وهل يورث الخيار؟ فيه قولان في المذهب، ومثاله: إذا مات الرجل في مجلس الخيار، فهل يورث خياره أم لا؟ فقال بعضهم إنه لا يورث، لأن الموت أعظم فرقة، وهذا هو المشهور من المذهب، وقال بعض أهل العلم إنه يورث، وهذا هو القول الثاني في المذهب، وذلك لأن الخيار حق له فيورث كسائر الحقوق، والقول الأول أظهر لأن الأصل لزوم البيع والموت أعظم فرقة.
قوله [وإذا مضت مدته لزم البيع] أي إذا تفرقا في مدته لزم البيع، ولهذا قال النبي - صلى الله عليه وسلم -: (فإن تفرقا بعد أن تبايعا ولم يترك أحدهما البيع فقد وجب البيع) ، فمراد المؤلف بقوله (وإذا مضت مدته) أي مدته التي تقدمت أنها معتبرة بحسب العرف، وهو التفرق العرفي بالأبدان.
قوله [الثاني: أن يشترطاه في العقد مدة معلومة ولو طويلة]
هذا هو النوع الثاني من أنواع الخيار، وهو خيار الشرط.
والفارق بين خيار المجلس وبين خيار الشرط أن خيار المجلس من وضع الشارع، وأما خيار الشرط فهو من وضع المتعاقدين، فخيار الشرط خيار وضعي، وأما خيار المجلس فهو خيار شرعي.
وخيار الشرط يدل عليه قول النبي - صلى الله عليه وسلم -: (المسلمون على شروطهم) ، ويدل عليه قول الله تعالى ﴿أوفوا بالعقود﴾
وقوله (أن يشترطاه) ظاهره أنهما لو اشترطاه قبل العقد فليس بمعتبر، وأنه يشترط أن يكون في صلب العقد، فلو قال رجل لآخر: لو بعتني سلعتك على أن يكون الخيار لي شهرا، فقال الآخر بعتك، فقال: قبلت، فشرطه هذا ليس بمعتبر، لأنه ليس في صلب العقد، وإنما يكون معتبرا إذا قال: بعني على أن يكون الخيار لي لمدة شهر، ثم يقول: قبلت، والراجح في هذه المسألة نظير المسألة السابقة، وأن هذا داخل في قوله - صلى الله عليه وسلم -: (المسلمون على شروطهم) ، وهذا عام في الشروط كلها، سواء كانت في صلب العقد أم قبله، وتقدم الاستدلال بمزيد أدلة على هذه المسألة في الشروط في البيع، فقد تقدم أن الشروط في البيع في المشهور من المذهب لا تصح إلا في صلب العقد، وتقدم أن الراجح أنها تصح قبله.
وكما أن خيار الشرط يصح في صلب العقد، فيصح أثناء مدة الخيار، سواء كان الخيار خيار شرط أو خيار مجلس، فإذا قال: بعتك هذه السلعة على أن يكون لي الخيار ثلاثة أيام، فقال: قبلت، فقبل أن تتم المدة قال: أريد أن يكون الخيار شهرا، فإن ذلك مقبول لأن البيع لم يجب بعد، ومثل هذا في خيار المجلس، بأن قال قبل أن يتفرقا: اشترط الخيار لمدة شهر، وكانوا لم يشترطوا ذلك في العقد، فإن ذلك جائز.
وقوله (مدة معلومة ولو طويلة) ولو كانت شهرا أو شهرين أو سنة أو سنتين، فإن ذلك يصح، فلو اشترى من آخر بيتا، وقال لي الخيار سنة، فذلك جائز، قالوا: لقول النبي - صلى الله عليه وسلم -: (المسلمون على شروطهم) ، إلا أن يكون مما لا يبقى إليها في العادة، وقال الأحناف والشافعية: لا يصح إلا ثلاثة أيام، قالوا: لأن الأصل إمضاء البيع، ولم يثبت لنا خيار في الشرع أكثر من ثلاثة أيام، كما في خيار التصرية، فإن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال في المصراة: (فله الخيار ثلاثة أيام) وكذلك أثبته للمسترسل كما في سنن الدارقطني والبيهقي أن له الخيار ثلاثة أيام، قالوا: فهذا أقصى حد لمدة الخيار في الشرع فلا نزيد عليه، وقال المالكية: الأصل أنه ليس له الخيار إلا ثلاثة أيام، إلا أن يحتاج إلى هذا كأن تكون السلعة من السلع التي لا يكفي فيها ثلاثة أيام، أو يكون عنده سفر أو مرض أو نحو ذلك مما يعيقه عن النظر في السلعة، فهنا يمكنه أن يشترط الخيار أكثر من ثلاثة أيام بحسب المدة التي يحتاج إليها، وأظهر المذاهب فيما يظهر مذهب الحنابلة، لعموم قوله - صلى الله عليه وسلم -: (المسلمون على شروطهم) ، وأما خيار التصرية وأنه أقصى خيار ثبت في الشرع ففرق بين ما وضعه الشارع، وما وضعه المتعاقدان، فإن خيار الشرط من وضع المتعاقدين، فما دام أنهما قد تراضوا على مدة معلومة، فإن ذلك جائز.